John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة إحدى عشرة من الهجرة] — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 62 of 840

ثم رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبي بكر، ولف فيها، ثم نزعت عنه، فكان عبد الله بن أبي بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه ; حتى يكفن فيها إذا مات، ثم قال بعد أن أمسكها: ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكفن فيه. فتصدق بثمنها عبد الله» .

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض» . ورواه النسائي، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق.

قال الإمام أحمد: حدثنا مسكين بن بكير، عن سعيد، يعني ابن

عبد العزيز قال: قال مكحول: حدثني عروة، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة رياط يمانية» . انفرد به أحمد.

وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا سهل بن حبيب الأنصاري، ثنا عاصم بن هلال إمام مسجد أيوب، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية» .

وقال سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب» . ووقع في بعض الروايات: ثوبين صحاريين وبرد حبرة.

وقال الإمام أحمد: ثنا ابن إدريس، ثنا يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ; في قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية،» الحلة ثوبان.

ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه، عن علي بن محمد، ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس، عن يزيد بن أبي

زياد، عن مقسم، عن ابن عباس بنحوه. وهذا غريب جدا.

وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين، وبرد أحمر» . انفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقال أبو بكر الشافعي: ثنا علي بن الحسن، ثنا حميد بن الربيع، ثنا بكر، يعني ابن عبد الرحمن، ثنا عيسى، يعني ابن المختار، عن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين، وبرد أحمر» .

وقال أبو يعلى: ثنا سليمان الشاذكوني، ثنا يحيى بن أبي الهيثم، ثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين سحوليين» . زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: وبرد أحمر.

وقد رواه غير واحد، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين» . وفي رواية: سحوليين. فالله أعلم.

وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي طاهر المخلص، ثنا أحمد بن إسحاق بن البهلول، ثنا عباد بن يعقوب، ثنا شريك، عن أبي إسحاق قال: «وقعت على مجلس بني عبد المطلب وهم متوافرون، فقلت لهم: في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة. قلت: كم أسر منكم يوم بدر؟ قالوا: العباس ونوفل وعقيل» .

وقد روى البيهقي من طريق الزهري، عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب ; أحدها برد حبرة» .

وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر، عن علي بن أبي طالب قال: «كفنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين وبرد حبرة» .

وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا إبراهيم بن الوليد، ثنا محمد بن كثير، ثنا هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريطتين وبرد نجراني» . وكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن هشام، وعمران القطان، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة به.

وقد رواه الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، ثنا نصر بن طريف، عن قتادة، ثنا ابن المسيب، عن أم سلمة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب، أحدها برد نجراني» .

وقال البيهقي: وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس ; وأن الحبرة أخرت عنه. والله أعلم.

ثم روى الحافظ البيهقي، من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن حسن بن صالح، عن هارون بن سعد قال: «كان عند علي مسك، فأوصى أن يحنط به، وقال: هو من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم» . ورواه من طريق إبراهيم بن موسى، عن حميد، عن حسن، عن هارون، عن أبي وائل، عن علي، فذكره.

** [فصل في كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم] **

وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقي من حديث الأشعث بن طليق، والبزار من حديث ابن الأصبهاني، كلاهما عن مرة، عن ابن مسعود «في وصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسله رجال أهل بيته، وأنه قال: كفنوني في ثيابي هذه، أو في يمنية أو بياض مصر وأنه إذا كفنوه يضعونه على شفير قبره، ثم يخرجون عنه حتى تصلي عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادى» . الحديث بتمامه، وفي صحته نظر كما قدمنا. والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال، فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد» .

وقال الواقدي: حدثني أبي بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن

جده قال: «لما أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكفانه وضع على سريره، ثم وضع على شفير حفرته، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم أحد» .

قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال: وجدت كتابا بخط أبي فيه أنه لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر، ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله تعالى دينه وتمت كلمته، وأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به، فإنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، لا نبتغي بالإيمان بدلا ولا نشتري به ثمنا أبدا. فيقول الناس: آمين آمين. ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان.

وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء. وقيل: إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه. كما سيأتي بيان ذلك قريبا. والله أعلم.

وهذا الصنيع، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه، أمر مجمع عليه لا خلاف فيه، وقد اختلف في تعليله ; فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك، ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه، وليس لأحد أن يقول: إنهم إنما صلوا عليه كذلك ; لأنه لم يكن لهم إمام. لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه، عليه الصلاة والسلام، بعد تمام بيعة أبي بكر، رضي الله عنه وأرضاه، وقد قال بعض العلماء: إنما لم يؤمهم أحد ; ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة، من كل فرد فرد من آحاد الصحابة، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم حتى العبيد والإماء.

وأما السهيلي فقال ما حاصله: إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يصلي عليه ; فوجب على كل أحد أن يباشر الصلاة عليه منه إليه، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل. قال: وأيضا فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة. فالله أعلم.

وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة ; فقيل: نعم ; لأن جسده، عليه الصلاة والسلام طري في قبره، لأن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما ورد

بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم. وقال آخرون: لا يفعل ; لأن السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه، ولو كان مشروعا لبادروا إليه ولثابروا عليه. والله أعلم.

** [فصل في صفة دفنه عليه الصلاة والسلام وأين دفن] ، وذكر الخلاف في دفنه ليلا كان أم نهارا **

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جريج - أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لم يدروا أين يقبرون النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يقبر نبي إلا حيث يموت " فأخروا فراشه، وحفروا له تحت فراشه صلى الله عليه وسلم» . وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق، فإنه لم يدركه.

لكن رواه الحافظ أبو يعلى من حديث ابن عباس وعائشة، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم، فقال: حدثنا أبو موسى الهروي، ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: «اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض، فقال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه " فقال: ادفنوه حيث قبض» .

وهكذا رواه الترمذي، عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: «لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته. قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه " ادفنوه في موضع فراشه» . ثم إن الترمذي ضعف المليكي، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، رواه ابن عباس، عن أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الأموي، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن رجل حدثه، عن عروة، عن عائشة أن أبا بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه لم يدفن نبي قط إلا حيث قبض» .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني محمد بن سهل التميمي، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كان بالمدينة حفاران، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أين ندفنه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: في المكان الذي مات فيه. وكان أحدهما يلحد والآخر يشق، فجاء الذي يلحد فلحد للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه منقطعا» .

وقال أبو يعلى: حدثنا جعفر بن مهران ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما أرادوا

أن يحفروا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد، فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة. وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة. اللهم خر لرسولك. قال: فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه ; فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض " فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه فحفروا له تحته، ثم أدخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا ; الرجال حتى إذا فرغ منهم أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوسط الليل ليلة الأربعاء» .

وهكذا رواه ابن ماجه، عن نصر بن علي الجهضمي، عن وهب بن جرير عن أبيه، عن محمد بن إسحاق فذكر بإسناده مثله. وزاد في آخره: «ونزل في حفرته علي بن أبي طالب، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أوس بن خولي، وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب:

أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال له علي: انزل. وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وقد رواه الإمام أحمد، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن ابن إسحاق مختصرا. وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق به.

وروى الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض» .

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أو محمد بن جعفر بن الزبير قال: «لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقالوا: كيف ندفنه ; مع الناس أو في بيوته؟ فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض " فدفن حيث كان فراشه، رفع الفراش وحفر تحته» .

وقال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد الرحمن بن سعيد، يعني ابن يربوع، قال: «لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في موضع قبره ; فقال قائل: في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم. وقال قائل: عند منبره. وقال قائل: في مصلاه. فجاء أبو بكر فقال: إن عندي من هذا خبرا وعلما ; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي» " قال الحافظ البيهقي: وهو في حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وفي حديث ابن جريج، عن أبيه، كلاهما عن أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.

وقال البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن نبيط بن شريط، عن أبيه، عن سالم بن عبيد، وكان من أصحاب الصفة، قال: «دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ثم خرج، فقيل له: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. فعلموا أنه كما قال، وقيل له: أنصلي عليه؟ وكيف نصلي عليه؟ قال تجيئون عصبا عصبا فتصلون. فعلموا أنه كما قال، قالوا: هل يدفن؟ وأين؟ قال: حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب. فعلموا أنه كما قال» .

وروى البيهقي من حديث سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: «عرضت عائشة على أبيها رؤيا، وكان

من أعبر الناس، قالت: رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة هذا خير أقمارك،» ورواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة منقطعا.

وفي " الصحيحين " عنها أنها قالت: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة» .

وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي عوانة، عن هلال الوزان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه يقول: «لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» .

وقال ابن ماجه: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا مبارك بن فضالة، حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد،

فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم» . تفرد به ابن ماجه. وقد رواه الإمام أحمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به.

وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد، ثنا عبيد بن طفيل، ثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثني ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: «لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلموا في ذلك، وارتفعت أصواتهم فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا. أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا، فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن صلى الله عليه وسلم» . تفرد به ابن ماجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر، وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد له لحد» . تفرد به أحمد من هذين الوجهين.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، وابن جعفر، ثنا شعبة، حدثني أبو جمرة عن ابن عباس قال: «جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء» .

وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن شعبة به. وقد رواه وكيع، عن شعبة. وقال وكيع: كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن عساكر.

وقال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته سمل قطيفة حمراء كان يلبسها قال: وكانت أرضا ندية» .

وقال هشيم عن منصور، عن الحسن قال: «جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء، كان أصابها يوم خيبر» . قال الحسن: جعلها لأن المدينة أرض سبخة. قال: ففرشت تحته.

وقال محمد بن سعد: ثنا حماد بن خالد الخياط، عن عقبة بن أبي الصهباء، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «افرشوا لي قطيفتي

في لحدي ; فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء» .

وروى الحافظ البيهقي من حديث مسدد، ثنا عبد الواحد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: «قال علي: غسلت النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم. قال: وولي دفنه، عليه الصلاة والسلام، وإجنانه دون الناس أربعة ; علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ولحد للنبي صلى الله عليه وسلم لحد، ونصب عليه اللبن نصبا» .

وذكر البيهقي عن بعضهم أنه نصب على لحده عليه الصلاة والسلام تسع لبنات.

وروى الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عباس بن عبد الله بن معبد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلي الناس عليه وسريره على شفير قبره، فلما أرادوا أن يقبروه، عليه الصلاة والسلام نحوا السرير قبل رجليه، فأدخل من هناك، ودخل في حفرته العباس وعلي وقثم والفضل وشقران» .

وروى البيهقي من حديث إسماعيل السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس

قال: «دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل، وسوى لحده رجل من الأنصار، وهو الذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر» . قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد. وقد تقدم رواية ابن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، «عن ابن عباس قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي والفضل وقثم وشقران. وذكر الخامس، وهو أوس بن خولي،» وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران.

وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر المحمداباذي، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان بن سعيد - هو الثوري - عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: حدثني أبو مرحب قال: كأني أنظر إليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ; أحدهم عبد الرحمن بن عوف وهكذا رواه أبو داود، عن محمد بن الصباح، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد به. ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن إسماعيل، عن الشعبي، حدثني مرحب أو أبو مرحب، أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ

علي قال: إنما يلي الرجل أهله. وهذا حديث غريب جدا، وإسناده جيد قوي، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقد قال أبو عمر بن عبد البر في " استيعابه " أبو مرحب اسمه سويد بن قيس. وذكر أبا مرحب آخر، وقال: لا أعرف خبره. قال ابن الأثير في " الغابة ": فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما. ولله الحمد.

** [ذكر من كان آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام] **

قال الإمام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد الله بن الحارث قال: اعتمرت مع علي في زمان عمر أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع، فسكب له غسل فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا

أبا حسن، جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه. قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك. قال: «أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس» . تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء ; إلا أنه قال قبله: عن ابن إسحاق قال: «كان المغيرة بن شعبة يقول: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر، وإنما طرحته عمدا ; لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به» .

قال ابن إسحاق فحدثني والدي إسحاق بن يسار، عن مقسم، عن مولاه عن عبد الله بن الحارث قال: اعتمرت مع علي. فذكر ما تقدم، وهذا الذي ذكر عن المغيرة بن شعبة، لا يقتضي أنه حصل له ما أمله، فإنه قد يكون علي رضي الله عنه، لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله إياه، وعلى ما تقدم يكون الذي أمره بمناولته له قثم بن عباس.

وقد قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي: إنما ألقيته لتقول: نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل فأعطاه،

أو أمر رجلا فأعطاه» .

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وأبو كامل قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن أبي عسيب أو أبي عسيم، قال بهز: «إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: كيف نصلي عليه؟ قال: ادخلوا أرسالا أرسالا. فكانوا يدخلون من هذا الباب، فيصلون عليه، ثم يخرجون من الباب الآخر. قال: فلما وضع في لحده صلى الله عليه وسلم قال المغيرة: قد بقي من رجليه شيء لم يصلحوه. قالوا: فادخل فأصلحه. فدخل وأدخل يده فمس قدميه، عليه الصلاة والسلام، فقال: أهيلوا علي التراب. فأهالوا عليه حتى بلغ أنصاف ساقيه، ثم خرج، فكان يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم» .

** [متى وقع دفنه عليه الصلاة والسلام] **

قال يونس عن ابن إسحاق حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن أبي بكر - وأدخلني عليها، قال: حتى تسمعه منها - عن عمرة، عن

عائشة، أنها قالت: «ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء» .

وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة عن الحليس بن هاشم، عن عبد الله بن وهب، عن أم سلمة قالت: «بينا نحن مجتمعون نبكي لم ننم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا، ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرازين في السحر. قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فانتحب، فزادنا حزنا، وعالج الناس الدخول إلى قبره، فغلق دونهم، فيا لها من مصيبة! ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم» .

وقد روى الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء» . وقد تقدم مثله في غير ما حديث، وهو الذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفا وخلفا، منهم سليمان بن طرخان التيمي، وجعفر بن محمد

الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة وغيرهم.

وقد روى يعقوب بن سفيان، عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي أنه قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء» .

وهكذا روى الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: «أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين، ودفن من الغد في الضحى» .

وقال سعيد بن منصور، عن الدراوردي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أبي سلمة قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء» .

وقال ابن خزيمة حدثنا سلم بن جنادة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن كريب، عن ابن عباس قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء» .

وقال الواقدي: حدثني أبي بن العباس بن سهل بن سعد، عن أبيه قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء» .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا عن محمد بن سعد: «توفي رسول الله يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء» .

وقال عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: ثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيري، ثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: «مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء» . وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر.

وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وعن ابن جريج، عن أبي جعفر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين. فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار» . فهو قول غريب، والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه، عليه الصلاة والسلام، توفي يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء.

ومن الأقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان، عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن النعمان، عن مكحول قال: «ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وأوحي إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن، يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون، ولا يؤمهم عليه أحد» . فقوله: إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن. غريب، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله، ودفن ليلة الأربعاء كما قدمنا. والله أعلم.

وضده ما رواه سيف، عن هشام، عن أبيه قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم

الاثنين، وغسل يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء» . قال سيف: وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه، عن عمرة، عن عائشة مثله، وهذا غريب جدا.

وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن أبي عتيق، عن جابر بن عبد الله قال: «رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا، وكان الذي رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب بالماء إلى الجدار ; لم يقدر على أن يدور من الجدار.»

** [فصل في صفة قبره عليه الصلاة والسلام] **

قد علم بالتواتر أنه، عليه الصلاة والسلام، دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده فيها أبو بكر، ثم عمر، رضي الله عنهما.

وقد قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل ثنا عبد الله، ثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار، أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما. تفرد به البخاري.

وقال أبو داود: ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم قال: دخلت على عائشة، وقلت لها يا أمه، اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

النبي صلى الله عليه وسلم

أبو بكر رضي الله عنه

عمر رضي الله عنه

تفرد به أبو داود.

وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي فديك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم قال: فرأيت النبي، عليه الصلاة والسلام، مقدما وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة ; لأن الحصباء لا تثبت إلا على المسطح. وهذا عجيب من البيهقي، رحمه الله ; فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما، وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه.

وقد روى الواقدي، عن الدراوردي عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا.

وقال البخاري: ثنا فروة بن أبي المغراء، ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنه قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجد واحد يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا قدم عمر.

وعن هشام عن أبيه، عن عائشة، أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم، وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبدا.

قلت: كان الوليد بن عبد الملك حين ولي الإمارة في سنة ست وثمانين، قد شرع في بناء جامع دمشق، وكتب إلى نائبه بالمدينة، ابن عمه عمر بن عبد العزيز، أن يوسع في مسجد المدينة فوسعه حتى من ناحية الشرق، فدخلت الحجرة النبوية فيه.

وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده، عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الذي بنى المسجد النبوي أيام ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة فذكر عن

سالم بن عبد الله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفة القبور، كما رواه أبو داود.

** [ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته صلى الله عليه وسلم] **

قال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت، عن أنس قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم " فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ !» تفرد به البخاري، رحمه الله.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت البناني، قال أنس: فلما دفنا النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم

رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم؟ ! وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به. وعنده: قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه. وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق، عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما قلنا هذا ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة.

وقد روى الإمام أحمد والنسائي من حديث شعبة، سمعت قتادة، سمعت مطرفا يحدث، عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا علي ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه. وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في " النوادر "، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة به. ثم رواه عن علي بن المديني، عن المغيرة بن سلمة، عن الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن البصري، عن قيس بن عاصم به قال: لا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة. ثم رواه عن علي، عن محمد بن الفضل، عن الصعق، عن القاسم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عاصم به.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عقبة بن سنان، ثنا عثمان بن عثمان، ثنا

محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا ثابت، عن أنس قال: «لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء» . قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا، عن بشر بن هلال الصواف، عن جعفر بن سليمان الضبعي به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.

قلت، وإسناده على شرط " الصحيحين "، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان، وقد أخرج له الجماعة، رواه الناس عنه كذلك.

وقد أغرب الكديمي، وهو محمد بن يونس، رحمه الله، في روايته له حيث قال: ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس قال: «لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض» ، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. رواه البيهقي من طريقه كذلك، وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ، عن أبي الوليد الطيالسي، كما قدمنا،

وهو المحفوظ، والله أعلم.

وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من طريق أبي حفص بن شاهين، ثنا حسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة، ثنا محمد بن يزيد الرواسي، ثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: «لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء» .

وقال ابن ماجه: ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، عن ابن عون، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا.

وقال أيضا: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، حدثني مصعب بن عبد الله، عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلي يصلي لم يعد

بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفي عمر وكان عثمان، وكانت الفتنة، فتلفت الناس يمينا وشمالا.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: ما يبكيك على النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: إني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا. هكذا رواه مختصرا.

وقد قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي قالا: ثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: «ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن زائرا، وذهبت معه، فقربت إليه شرابا، فإما كان صائما وإما كان لا يريده، فرده، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه. فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم. قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا

يبكيان.» ورواه مسلم منفردا به، عن زهير بن حرب، عن عمرو بن عاصم به.

وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطبة أبي بكر فيها، قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة، وأم أيمن قاعدة تبكي، فقيل لها ما يبكيك؟ قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا. فقالت: إنما أبكي على خبر السماء، كان يأتينا غضا جديدا، كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكي. فعجب الناس من قولها.

وقد قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": وحدثت، عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري: ثنا أبو أسامة، حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر إليها، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره» تفرد به مسلم إسنادا ومتنا.

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن

زاذان، عن عبد الله، هو ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حياتي خير لكم تحدثون، ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم» ثم قال البزار: لا نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه. قلت: وأما أوله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» فقد رواه النسائي من طرق متعددة، عن سفيان الثوري، وعن الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب، به.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني قد

بليت. قال: «إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام» وهكذا رواه أبو داود، عن هارون بن عبد الله، وعن الحسن بن علي، والنسائي عن إسحاق بن منصور، ثلاثتهم عن حسين بن علي به. ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حسين بن علي، عن ابن جابر، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، فذكره. قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وذلك وهم من ابن ماجه، والصحيح أوس بن أوس، وهو الثقفي رضي الله عنه.

قلت: وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب كما رواه أحمد، وأبو داود والنسائي: عن أوس بن أوس.

ثم قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصري، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكثروا الصلاة علي يوم

الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها» قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، عليهم السلام، فنبي الله حي يرزق» وهذا من أفراد ابن ماجه رحمه الله.

وقد عقد الحافظ ابن عساكر هاهنا بابا في إيراد الأحاديث المروية في زيارة قبره الشريف، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وموضع استقصاء ذلك في كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله تعالى.

** [ذكر ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام] **

قال ابن ماجه: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين، ثنا أبو همام، وهو محمد بن الزبرقان الأهوازي، ثنا موسى بن عبيدة، ثنا مصعب بن محمد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس، أو كشف سترا، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم ; رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: «يا أيها

الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» تفرد به ابن ماجه.

وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه، ثنا شافع بن محمد، ثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي، ثنا المزني، ثنا الشافعي، عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين، فقال ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى. فحدثنا عن أبي القاسم، قال: «لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك ; تكريما لك وتشريفا لك، وخاصة لك أسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ قال: " أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا " ثم جاءه اليوم الثاني، فقال له ذلك، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم، ورد عليه كما رد، وجاء معه ملك يقال له: إسماعيل على مائة ألف ملك، كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأل عنه، ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك، ما استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك. فقال عليه الصلاة والسلام: " ائذن له " فأذن له، فدخل فسلم عليه، ثم قال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضته، وإن أمرتني أن أتركه تركته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوتفعل يا ملك الموت؟ " قال: نعم، وبذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك. قال:

فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل، فقال له جبريل: يا محمد، إن الله قد اشتاق إلى لقائك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الموت: " امض لما أمرت به " فقبض روحه، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب. فقال علي رضي الله عنه: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر، عليه الصلاة والسلام» . وهذا الحديث مرسل، وفي إسناده ضعف بحال القاسم العمري هذا، فإنه قد ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه بالكلية آخرون. وقد رواه الربيع، عن الشافعي، عن القاسم، عن جعفر، عن أبيه، عن جده، فذكر منه قصة التعزية فقط، موصولا، وفي الإسناد العمري المذكور، قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به.

على أنه قد رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم، عن أبي جعفر البغدادي، حدثنا عبد الله بن الحارث أو عبد الرحمن بن المرتعد الصنعاني، ثنا أبو الوليد المخزومي، ثنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عزتهم الملائكة، يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله

عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، ودركا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم قال البيهقي: هذان الإسنادان وإن كانا ضعيفين، فأحدهما يتأكد بالآخر، ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر. والله أعلم.

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن بشر بن مطر، ثنا كامل بن طلحة: ثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح، فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلايا، فانظروا، فإن المصاب من لم يجبره. فانصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر. ثم قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيف، وهذا منكر بمرة.

وقد روى الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن سعد أنبأنا هاشم بن القاسم، ثنا صالح المري، عن أبي حازم المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبضه الله عز وجل، دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون، ثم دخلت

الأنصار على مثل ذلك، ثم دخل أهل المدينة حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء، فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن، فسمعن هدة في البيت ففرقن فسكتن، فإذا قائل يقول: إن في الله عزاء من كل هالك، وعوضا من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، والمجبور من جبره الثواب، والمصاب من لم يجبره الثواب.

** [فصل فيما روي من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته، عليه الصلاة والسلام] **

قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنت باليمن، فلقيت رجلين من أهل اليمن ; ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقالا لي: إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث. قال: فأقبلت وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، والناس صالحون. قال: فقالا لي: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا سنعود، إن شاء الله، عز وجل. قال: ورجعا إلى اليمن، فلما أتيت أخبرت أبا بكر بحديثهم، قال: أفلا جئت بهم. فلما كان بعد قال: لي ذو عمرو: يا جرير، إن بك علي كرامة، وإني مخبرك خبرا، إنكم، معشر العرب، لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، وإذا كانت

بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك، وترضون رضا الملوك. هكذا رواه الإمام أحمد والبخاري، عن أبي بكر بن أبي شيبة. وهكذا رواه البيهقي، عن الحاكم عن عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان عنه.

وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا علي بن المؤمل ثنا محمد بن يونس ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ثنا زائدة، عن زياد بن علاقة، عن جرير قال: لقيني حبر باليمن، وقال لي: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين. هكذا رواه البيهقي.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، ثنا زائدة، ثنا زياد بن علاقة، عن جرير قال: قال لي حبر باليمن: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم. قال جرير «فمات يوم الاثنين صلى الله عليه وسلم» .

وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو، ثنا محمد بن الهيثم، ثنا سعيد بن كثير بن عفير، حدثني عبد الحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي، عن عمرو بن الحارث، عن ناعم بن أجيل، عن كعب بن عدي قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم انصرفنا إلى الحيرة فلم نلبث أن جاءتنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فارتاب أصحابي، وقالوا: لو كان نبيا لم يمت. فقلت: قد مات الأنبياء قبله. وثبت على إسلامي، ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه، فقلت له: أخبرني عن أمر أردته لقح في صدري منه شيء. فقال: ائت باسم من الأسماء. فأتيته بكعب، فقال: ألقه في هذا السفر. لسفر أخرجه، فألقيت الكعب فيه فصفح فيه، فإذا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيته، وإذا هو يموت في الحين الذي مات فيه، قال: فاشتدت بصيرتي في إيماني، وقدمت على أبي بكر رضي الله عنه، فأعلمته وأقمت عنده فوجهني إلى المقوقس فرجعت، ووجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه، فأتيته وقعة اليرموك ولم أعلم بها، فقال

لي: أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم؟ فقلت: كلا. قال: ولم؟ قلت: إن الله وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهره على الدين كله، وليس بمخلف الميعاد. قال فإن نبيكم قد صدقكم ; قتلت الروم والله قتل عاد. قال: ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأهدى إلى عمر وإليهم. وكان ممن أهدى إليه علي وعبد الرحمن والزبير. وأحسبه ذكر العباس، قال كعب: وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لي في بني عدي بن كعب. وهذا أثر غريب، وفيه نبأ عجيب وهو صحيح.

** [فصل في أمور وقعت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم] **

فصل

قال محمد بن إسحاق: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة، فيما بلغني، تقول: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ; لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم، حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله عنه. قال ابن هشام وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم، أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد، رضي الله عنه، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رابنا ضربنا عنقه. فتراجع الناس وكفوا

عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب - يعني حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الأسارى يوم بدر - «إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه» .

قلت: وسيأتي عما قريب إن شاء الله ذكر ما وقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الردة في أحياء كثيرة من العرب، وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وما كان من أمر الناس حتى فاءوا ورجعوا إلى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الذي استفزهم الشيطان به، حتى نصرهم الله وثبتهم، وردهم إلى دينه الحق على يدي الخليفة الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، كما سيأتي مبسوطا مبينا مشروحا، إن شاء الله.

** [فصل فيما قيل في رثائه صلى الله عليه وسلم] **

فصل

وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت رضي الله عنه، في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ذلك وأفصحه وأعظمه، ما رواه عبد الملك بن هشام، رحمه الله عن أبي زيد الأنصاري أن حسان بن ثابت رضي الله عنه، قال يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

ولا تمتحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد

وواضح آيات وباقي معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد

بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد ... معارف لم تطمس على العهد آيها

أتاها البلى فالآي منها تجدد ... عرفت بها رسم الرسول وعهده وقبرا بها واراه في الترب ملحد

ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد

يذكرن آلاء الرسول ولا أرى لها محصيا نفسي فنفسي تبلد ... مفجعة قد شفها فقد أحمد

فظلت لآلاء الرسول تعدد ... وما بلغت من كل أمر عشيره ولكن لنفسي بعد ما قد توجد

أطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذي فيه أحمد

فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد ...

وبورك لحد منك ضمن طيبا

عليه بناء من صفيح منضد ... تهيل عليه الترب أيد وأعين عليه وقد غارت بذلك أسعد

لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية علوه الثرى لا يوسد

وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد ... يبكون من تبكي السماوات يومه

ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد ... وهل عدلت يوما رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد

تقطع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد

يدل على الرحمن من يقتدي به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد

إمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا

عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود

وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدد

فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطريقة يقصد

عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا

عطوف عليهم لا يثني جناحه ... إلى كنف يحنو عليهم ويمهد

فبيناهم في ذلك النور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد

فأصبح محمودا إلى الله راجعا ... يبكيه حق المرسلات ويحمد

وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد

قفارا سوى معمورة اللحد ضافها ... فقيد يبكيه بلاط وغرقد

ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد

وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد

فبكي رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد

ومالك لا تبكين ذا النعمة التي ... على الناس منها سابغ يتغمد

فجودي عليه بالدموع وأعولي ... لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد

وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد

أعف وأوفى ذمة بعد ذمة ... وأقرب منه نائلا لا ينكد

وأبذل منه للطريف وتالد ... إذا ضن معطاء بما كان يتلد

وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدا أبطحيا يسود

وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عز شاهقات تشيد

وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد

رباه وليدا فاستتم تمامه ... على أكرم الخيرات رب ممجد

تناهت وصاة المسلمين بكفه ... فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند

أقول ولا يلفى لما قلت عائب ... من الناس إلا عازب القول مبعد

وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلي به في جنة الخلد أخلد

مع المصطفى أرجو بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد

وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في آخر كتابه " الروض ": وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول

وأسعدني البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل ... لقد عظمت مصيبتنا وجلت

عشية قيل قد قبض الرسول ... وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل

فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل

وذاك أحق ما سالت عليه نفوس الناس أو كربت تسيل ... نبي كان يجلو الشك عنا

بما يوحى إليه وما يقول ... ويهدينا

فلا نخشى ضلالا علينا والرسول لنا دليل ... أفاطم إن جزعت فذاك عذر

وإن لم تجزعي ذاك السبيل ... فقبر أبيك سيد كل قبر

وفيه سيد الناس الرسول

** [باب بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا يورث عنه] **

** [ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم صدقة] **

باب

بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة، ولا شاة ولا بعيرا، ولا شيئا يورث عنه، بل أرضا جعلها كلها صدقة لله، عز وجل، فإن الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده - كما هي عند الله - من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.

قال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة» . انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في أماكن من " صحيحه " من طرق متعددة، عن أبي الأحوص، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، ورواه الترمذي من حديث إسرائيل، والنسائي أيضا من حديث يونس بن أبي إسحاق، كلهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبي ضرار - أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضي الله عنهما - به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش - وابن نمير، عن

الأعمش - عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما، ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.» وهكذا رواه مسلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة، عن سليمان بن مهران الأعمش عن شقيق بن سلمة أبي وائل، عن مسروق بن الأجدع، عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات رضي الله عنها وأرضاها.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن عاصم، عن زر بن حبيش عن عائشة قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما، ولا أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا.»

وحدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر عن عائشة: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا» قال سفيان: وأكبر علمي وأشك في العبد والأمة. وهكذا رواه الترمذي في " الشمائل " عن بندار، عن عبد الرحمن بن مهدي به.

قال الإمام أحمد: وحدثنا وكيع ثنا مسعر عن عاصم بن أبي النجود، عن زر عن عائشة قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا

ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا.» هكذا رواه الإمام أحمد من غير شك.

وقد رواه البيهقي عن أبي زكريا بن أبي إسحاق المزكي، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، أنبأنا جعفر بن عون، أنبأنا مسعر، عن عاصم، عن زر قال: قالت عائشة: «تسألوني عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا وليدة» . قال مسعر: أراه قال: ولا شاة ولا بعيرا.

قال: وأنبأنا مسعر عن عدي بن ثابت عن علي بن الحسين قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة.»

وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد.»

وفي لفظ للبخاري رواه عن قبيصة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين» .

ورواه البيهقي من حديث يزيد بن هارون، عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود، عنها قالت: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين

صاعا من شعير» . ثم قال: رواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان.

ثم قال البيهقي: أنبأنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أبو بكر محمد بن محمويه العسكري، ثنا جعفر بن محمد القلانسي، ثنا آدم، ثنا شيبان، عن قتادة، عن أنس قال: «لقد دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة» . قال أنس: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «والذي نفس محمد بيده، ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر " وإن له يومئذ تسع نسوة، ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه طعاما، فما وجد ما يفتكها به حتى مات صلى الله عليه وسلم» . وقد روى ابن ماجه بعضه من حديث شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن قتادة به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال: «والذي نفسي بيده ما يسرني أن أحدا لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين " قال: فمات فما ترك دينارا ولا

درهما ولا عبدا ولا وليدة، وترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير» . وقد روى آخره ابن ماجه، عن عبد الله بن معاوية الجمحي، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي به. ولأوله شاهد في " الصحيح " من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان، قالوا: حدثنا ثابت، هو ابن يزيد، ثنا هلال، هو ابن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا. فقال: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» تفرد به أحمد، وإسناده جيد، وله شاهد من حديث ابن عباس، عن عمر، في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة الإيلاء. وسيأتي الحديث مع غيره مما شاكله في بيان زهده، عليه الصلاة والسلام، وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، واطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه، عليه الصلاة والسلام لم تكن الدنيا عنده ببال.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، ثنا عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله

صلى الله عليه وسلم إلا ما بين هذين اللوحين. قال: ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك. وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة به.

وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم ثنا مالك بن مغول عن طلحة قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى «أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بها؟ قال أوصى بكتاب الله عز وجل» . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم، وأهل السنن إلا أبا داود من طرق، عن مالك بن مغول به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.

تنبيه: قد وردت أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها، صلوات الله وسلامه عليه، في حياته ; من دور ومساكن نسائه وإماء وعبيد وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب وأثاث وخاتم، وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله، فلعله عليه الصلاة والسلام تصدق بكثير منها في حياته منجزا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده وأرصد ما أرصده من أمتعته مع ما خصه الله به من الأرضين من بني النضير وخيبر وفدك، في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا ; لما سنذكره قريبا، وبالله المستعان.

** [باب بيان أنه عليه الصلاة والسلام قال " لا نورث "] **

قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به، وقال مرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» لفظ البخاري.

ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا نورث، ما تركنا صدقة؟» وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة،

كلهم عن مالك به. فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على ما روت، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك، فإن عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن. والله أعلم.

وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» .

وقال البخاري: باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركنا صدقة» حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر، رضي الله عنه، يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر. فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت. وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر.

ثم رواه أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة، وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت. قال: وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. وذكر تمام الحديث. هكذا قال الإمام أحمد.

وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازي من " صحيحه " عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما تقدم، وزاد: فلما توفيت دفنها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة. فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر: ائتنا ولا يأتنا معك أحد. وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر، والله لا تدخل عليهم وحدك. قال أبو بكر: وما عسى أن يصنعوا بي؟ والله لآتينهم. فانطلق أبو بكر، رضي الله عنه، فتشهد علي وقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك

خيرا ساقه الله إليك، ولكنكم استبددتم بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الأمر نصيبا. فلم يزل علي يذكر حتى بكى أبو بكر رضي الله عنه، وقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم في هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته. فقال علي: موعدك للبيعة عشية. فلما صلى أبو بكر، رضي الله عنه، الظهر رقي على المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذر به، وتشهد علي، رضي الله عنه، فعظم حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ثم قام إلى أبي بكر، رضي الله عنهما، فبايعه فأقبل الناس على علي فقالوا: أحسنت. وكان الناس إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود، والنسائي من طرق متعددة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة بنحوه.

فهذه البيعة التي وقعت من علي، رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه، بعد وفاة فاطمة، رضي الله عنها، بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما، وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة، كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج، ولم يكن علي مجانبا لأبي بكر هذه الستة الأشهر، بل

كان يصلي وراءه ويحضر عنده للمشورة، وركب معه إلى ذي القصة، كما سيأتي.

وفي " صحيح البخاري " أن أبا بكر، رضي الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن علي يلعب مع الغلمان، فاحتمله على كاهله، وجعل يقول: بأبي شبيه النبي، ليس شبيها بعلي، وعلي يضحك. ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها، فنفى ذلك، والمثبت مقدم على النافي، كما تقدم وكما تقرر. والله أعلم. وأما تغضب فاطمة - رضي الله عنها وأرضاها - على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فما أدري ما وجهه، فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث، فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله، وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث، كما خفي على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة بذلك، ووافقنها عليه، وليس يظن بفاطمة، رضي الله عنها، أنها اتهمت الصديق رضي الله عنه، فيما أخبرها به حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشة؟ ! رضي الله عنهم أجمعين، كما سنبينه قريبا، ولو تفرد بروايته

الصديق، رضي الله عنه، لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته، والانقياد له في ذلك، وإن كان غضبها لأجل ما سألت الصديق - إذ كانت هذه الأراضي صدقة لا ميراثا - أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلي ما كان يليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: وإني والله لا أدع أمرا كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته. قال: فهجرته فاطمة، فلم تكلمه حتى ماتت. وهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، وجهلا طويلا، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم، ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمة المقررة عند أئمة الإسلام، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

** [بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك] **

قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى دخلت عليه، فسألته، فقال: انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفا، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد؟ قال: نعم. فأذن لهم، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم. قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا. قال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعملون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك. فأقبل على علي وعباس، فقال هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. قال عمر بن الخطاب: فإني أحدثكم عن هذا الأمر ; إن الله كان قد خص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ; قال: {وما أفاء الله على رسوله} [الحشر: 6] إلى قوله قدير [الحشر: 6] فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما

احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فتوفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقبضها، فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توفى الله أبا بكر، فقلت: أنا ولي ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضتها سنتين، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا ليسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك، فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ ! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها. وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من " صحيحه "، ومسلم وأهل السنن من طرق، عن الزهري به.

وفي رواية في " الصحيحين ": فقال عمر: فوليها أبو بكر، فعمل فيها بما

عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والله يعلم أني صادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعملت فيها أنا، أنشدكم بالله أدفعتها إليهما بذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لهما: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ ! لا والذي بإذنه تقوم السماء والأرض.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس قال: سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض بأمره، أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» قالوا: نعم. على شرط " الصحيحين ".

قلت: وكان الذي سألاه بعد تفويض النظر إليهما، والله أعلم، هو أن يقسم بينهما النظر، فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالإرث لو قدر أنه كان وارثا، وكأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم ; عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب إشاعة النظر بينهما، فقالت الصحابة الذين قدماهم بين أيديهما: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فكأن عمر رضي الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث، ولو في الصورة الظاهرة ; محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم «لا نورث، ما تركنا صدقة» فامتنع عليهم كلهم وأبى من

ذلك أشد الإباء رضي الله عنه وأرضاه، ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه، ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها علي، وتركها له العباس بإشارة ابنه عبد الله رضي الله عنهما، بين يدي عثمان، كما رواه أحمد في " مسنده ". فاستمرت في أيدي العلويين. وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنى، ولله الحمد، جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآه من الفقه النافع الصحيح، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم. وقد روينا أن فاطمة، رضي الله عنها، احتجت أولا بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي صلي الله عليه وسلم، وأنها سلمت له ما قال. وهذا هو المظنون بها، رضي الله عنها.

فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أن فاطمة قالت لأبي بكر: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن النبي لا يورث» ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول، وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق. وقد رواه الترمذي في " جامعه "، عن محمد بن المثنى، عن أبي الوليد الطيالسي، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره فوصل

الحديث. وقال الترمذي: حسن غريب.

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أأنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ فقال: لا، بل أهله. قالت، فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده» فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل به. ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة، ومنهم من فيه تشيع، فليعلم ذلك. وأحسن ما فيه قولها: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو المظنون بها، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، رضي الله عنها، وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك ; لما قدمناه، فتعتبت عليه بسبب ذلك وهي امرأة من بني آدم، تأسف كما يأسفون، وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، وقد روينا عن أبي بكر، رضي الله عنه أنه ترضى فاطمة وتلاينها

قبل موتها، فرضيت، رضي الله عنها.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور، أنبأنا أبو حمزة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له، فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت. وهذا إسناد جيد قوي. والظاهر أن عامرا الشعبي سمعه من علي، أو ممن سمعه من علي.

وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك ; قال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا نصر بن علي، ثنا ابن داود، عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي: أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر، رضي الله عنه، لحكمت بما حكم به أبو بكر، رضي الله عنه، في فدك.

** [فصل في ذكر كلام الرافضة في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم] **

فصل

وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لا علم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم، وحاول بعضهم أن يرد خبر أبي بكر، رضي الله عنه، فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى: {وورث سليمان داود} [النمل: 16] الآية. [النمل: 16] . وحيث قال تعالى إخبارا، عن زكريا أنه قال: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم: 5] إنما يعني بذلك في الملك والنبوة ; أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بني إسرائيل، وجعلناه نبيا كريما كأبيه، فكما جمع لأبيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده، وليس المراد بهذا وراثة المال ; لأن داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال: مائة ولد. فلم اقتصر على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك، ولهذا قال: {وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين} [النمل: 16] وما بعدها من الآيات. وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا " التفسير " بما فيه

كفاية، ولله الحمد والمنة كثيرا.

وأما قصة زكريا فإنه، عليه السلام، من الأنبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله، كيف وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده؟ ! كما رواه البخاري، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل ولدا يرث عنه ماله - إن لو كان له مال - وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بني إسرائيل، وحملهم على السداد، ولهذا قال تعالى: {كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم: 1] يعني النبوة كما قررنا ذلك في " التفسير " ولله الحمد والمنة. وقد تقدم في رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «النبي لا يورث» وهذا اسم جنس يعم كل الأنبياء. وقد حسنه الترمذي. وفي الحديث الآخر «: " نحن معشر الأنبياء لا نورث» .

الوجه الثاني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد خص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها، كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة، إن شاء الله، فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون - وليس الأمر كذلك - لكان ما رواه من ذكرناه من

الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة ; أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه.

الوجه الثالث، أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه، كما حكم به الخلفاء، واعترف بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا، فإنه قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله، عليه الصلاة والسلام «ما تركنا صدقة» أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه، على ما تقدم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون إنشاء وصية، كأنه يقول: لا نورث ; لأن جميع ما تركناه صدقة. ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة، والاحتمال الأول أظهر، وهو الذي سلكه الجمهور. وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» وهذا اللفظ مخرج في " الصحيحين "، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث " ما تركنا صدقة ". بالنصب ; جعل " ما " نافية فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله " لا نورث "؟ ! وبهذه الرواية: «ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة "؟ !» وما شأن هذا إلا كما حكي عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك! كيف تصنع بقوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143] . [الأعراف: 143]

والمقصود أنه يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركنا صدقة» على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى، فإنه مخصص لعموم آية الميراث، ومخرج له، عليه الصلاة والسلام، منها إما وحده أو مع غيره من إخوانه الأنبياء، عليه وعليهم الصلاة والسلام.

** [باب ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهن وأولاده عليهم السلام] **

قال الله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} [الأحزاب: 32]

[الأحزاب: 32 - 34] . لا خلاف أنه، عليه الصلاة والسلام، توفي عن تسع وهن ; عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية، وحفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، وزينب بنت جحش الأسدية، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسودة بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب النضرية الإسرائيلية الهارونية، رضي الله عنهن وأرضاهن. وكانت له سريتان ; وهما مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة أنصنا، وهي أم ولده

إبراهيم، عليه السلام، وريحانة بنت شمعون القرظية، أسلمت ثم أعتقها، فلحقت بأهلها، ومن الناس من يزعم أنها حجبت. والله أعلم.

وأما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع أولا فأولا مجموعا من كلام الأئمة، رحمهم الله، فنقول وبالله المستعان: روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة امرأة، دخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. ثم ذكر هؤلاء التسع اللاتي ذكرناهن، رضي الله عنهن. ورواه بحر بن كنيز عن قتادة، عن أنس. والأول أصح. ورواه سيف بن عمر التميمي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وابن عباس مثله. وروى سيف عن سعيد بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي مليكة، «عن عائشة مثله ; قالت: فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما ; عمرة بنت يزيد الغفارية، والشنباء ; فأما عمرة فإنه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا، فردها وأوجب لها الصداق،

وحرمت على غيره، وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة، فتركها ينتظر بها اليسر، فلما مات ابنه إبراهيم على تفئة ذلك، قالت: لو كان نبيا لم يمت ابنه. فطلقها وأوجب لها الصداق، وحرمت على غيره. قالت: فاللاتي اجتمعن عنده ; عائشة، وسودة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وزينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم شريك» .

قلت: وفي " صحيح البخاري " عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة» . والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها، كما سيأتي بيانه، ولكن المراد بالإحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهن التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة.

وروى يعقوب بن سفيان الفسوي، عن الحجاج بن أبي منيع، عن جده عبيد الله بن أبي زياد الرصافي، عن الزهري - وقد علقه البخاري

في " صحيحه " عن الحجاج هذا، وأورد له الحافظ ابن عساكر طرقا عنه - أن أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، زوجه إياها أبوها قبل البعثة - وفي رواية قال الزهري: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمسا وعشرين سنة. زمان بنيت الكعبة. وقاله الواقدي، وزاد: ولها خمس وأربعون سنة. وقال آخرون من أهل العلم: كان عمره، عليه الصلاة والسلام، يومئذ ثلاثين سنة. وعن حكيم بن حزام قال: «كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وعمرها أربعون سنة.» وعن ابن عباس: كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر. وقال ابن جريج كان عليه الصلاة والسلام ابن سبع وثلاثين سنة - فولدت له القاسم، وبه كان يكنى، والطيب، والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.

قلت: وهي أم أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية، كما سيأتي بيانه. ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تزوجها، وحاصله: أن زينب تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن

عبد مناف، وهو ابن أخت خديجة، أمه هالة بنت خويلد، فولدت له ابنا اسمه علي، وبنتا اسمها أمامة بنت زينب، وقد تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ومات وهي عنده، ثم تزوجت بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان، فولدت له ابنه عبد الله وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، ثم زوجه بأختها أم كلثوم، ولهذا كان يقال له: ذو النورين. فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا، فولدت له حسنا، وبه كان يكنى، وحسينا، وهو المقتول شهيدا بأرض العراق. قلت: ويقال: ومحسنا. قال: وزينب وأم كلثوم، وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبد الله بن جعفر، فولدت له عليا وعونا، وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فولدت له زيدا ومات عنها، فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحدا بعد واحد ; تزوجت بعون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنده. قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين ; الأول منهما عتيق بن عائذ بن مخزوم، فولدت منه جارية وهي أم محمد بن

صيفي، والثاني أبو هالة التميمي فولدت له هند ابن هند، وقد سماه ابن إسحاق، فقال: ثم خلف عليها بعد هلاك عتيق بن عائذ أبو هالة النباش بن زرارة، أحد بني عمرو بن تميم، حليف بني عبد الدار، فولدت له رجلا وامرأة، ثم هلك عنها، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له بناته الأربع ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر، فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون.

قلت: ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتها امرأة، كذلك رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت ذلك. وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها.

قال الزهري: ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ولم يتزوج بكرا غيرها.

قلت: ولم يولد له منها ولد، وقيل: بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ولهذا كانت تكنى بأم عبد الله. وقيل إنما كانت تكنى بعبد الله ابن أختها أسماء من الزبير بن العوام رضي الله عنهم.

قلت: وقد قيل: إنه صلى الله عليه وسلم تزوج سودة قبل عائشة. قاله ابن إسحاق وغيره كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك. فالله أعلم. وقد قدمنا صفة

تزويجه عليه الصلاة والسلام، بهما قبل الهجرة، وتأخر دخوله بعائشة إلى ما بعد الهجرة.

قال: وتزوج صلى الله عليه وسلم، حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي مات عنها مؤمنا.

قال: وتزوج صلى الله عليه وسلم أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت قبله تحت ابن عمها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

قال: وتزوج صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو بن عبد شمس، مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من أرض الحبشة إلى مكة رضي الله عنهما.

قال: وتزوج صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش بن رئاب، من بني أسد بن خزيمة، مات بأرض الحبشة نصرانيا، بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى أرض الحبشة فخطبها عليه، فزوجها منه عثمان بن عفان كذا قال، والصواب خالد بن سعيد بن العاص،

وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وقد قدمنا ذلك كله مطولا. ولله الحمد والمنة

قال: وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه، عليه الصلاة والسلام، وهي أول نسائه لحوقا به، وأول من عمل عليها النعش، صنعته أسماء بنت عميس عليها كما رأت ذلك بأرض الحبشة. قال: وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة، وهي من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، ويقال لها: أم المساكين. وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد فلم تلبث عنده، عليه الصلاة والسلام، إلا يسيرا حتى توفيت، رضي الله عنها.

وقال يونس عن محمد بن إسحاق: كانت قبله عند الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، أو عند أخيه الطفيل بن الحارث.

قال الزهري: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة قال: وهي التي وهبت نفسها.

قلت: الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم خطبها، وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه، كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء. قال الزهري: وقد تزوجت قبله رجلين، أولهما

ابن عبد ياليل - وقال سيف بن عمر في روايته: كانت تحت عمير بن عمرو أحد بني عقدة من ثقيف بن عمرو الثقفي، مات عنها - ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.

قال: وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن عائذ بن مالك بن المصطلق من خزاعة، يوم المريسيع فأعتقها وتزوجها. ويقال: بل قدم أبوها الحارث، وكان ملك خزاعة فأسلم، ثم تزوجها منه صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبي الشفر. قاله قتادة عن سعيد بن المسيب، والشعبي، ومحمد بن إسحاق وغيرهم قالوا: وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لأبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم; ولهذا يقول حسان:

وحلف الحارث بن أبي ضرار ... وحلف قريظة فيكم سواء

وقال سيف بن عمر في روايته، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن

تولب ذي الشفر بن أبي السرح بن مالك بن المصطلق.

قال: وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة بن أبي الحقيق. وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم، فالله أعلم. قال: فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن. قال: وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا، وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف، ستة آلاف، بسبب أنهما سبيتا. قال الزهري: وقد حجبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم لهما.

قلت: وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه عليه الصلاة والسلام، كل واحدة من هذه النسوة رضي الله عنهن في موضعه.

قال الزهري: وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان بن عمرو من بني أبي بكر بن كلاب، ودخل بها، وطلقها صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: كذا في كتابي. وفي رواية غيره: ولم يدخل بها فطلقها.

وقد قال محمد بن سعد، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، حدثني رجل من بني أبي بكر بن كلاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب، فمكثت عنده دهرا ثم طلقها.

وقد روى يعقوب بن سفيان، عن حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وأنا أسمع من وراء الحجاب، قال: يا رسول الله، هل لك في أخت أم شبيب؟ وأم شبيب امرأة الضحاك. وبه قال الزهري: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني عمرو بن كلاب، فأنبئ أن بها بياضا، فطلقها ولم يدخل بها. قلت: الظاهر أن هذه هي التي قبلها. والله أعلم.

قال: وتزوج أخت بني الجون الكندي، وهم حلفاء بني فزارة، فاستعاذت منه، فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» فطلقها ولم يدخل بها. قال: وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرية يقال لها مارية. فولدت له غلاما اسمه إبراهيم، فتوفي وقد ملأ المهد. وكانت له وليدة يقال لها: ريحانة بنت شمعون، من أهل الكتاب من خنافة، وهم بطن من بني قريظة، أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنها قد احتجبت.

وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده، عن علي بن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي، وأمها خرنق بنت خليفة، أخت دحية بن خليفة، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق، فتزوج خالتها شراف بنت فضالة بن خليفة، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق أيضا.

وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

تزوج أسماء بنت كعب الجونية، فلم يدخل بها حتى طلقها، وتزوج عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني كلاب ثم من بني الوحيد، وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب، فطلقها ولم يدخل بها. قال البيهقي: فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري، ولم يسمهما، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر العالية.

وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن زكريا بن أبي زائدة، «عن الشعبي قال: وهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أنفسهن، فدخل ببعضهن، وأرجى بعضهن، فلم يقربهن حتى توفي، ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك، فذلك قوله تعالى {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} [الأحزاب: 51] » [الأحزاب: 51] قال البيهقي: وقد روينا عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانت خولة - يعني بنت حكيم - ممن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البيهقي: وروينا في حديث أبي أسيد الساعدي في قصة الجونية التي استعاذت فألحقها بأهلها، أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل. كذا قال.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، «عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه، وعباس بن سهل عن أبيه،

قالا: مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب له، فخرجنا معه حتى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط. حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجلسوا ". ودخل هو وقد أتي بالجونية، فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها داية لها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هبي لي نفسك " قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ ! وقالت: إني أعوذ بالله منك. قال: " لقد عذت بمعاذ " ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد اكسها رازقيتين، وألحقها بأهلها» " وقال غير أبي أحمد: امرأة من بني الجون يقال لها أمينة.

وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، «عن أبي أسيد قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط. حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال صلى الله عليه وسلم " اجلسوا هاهنا ". فدخل وقد أتي بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هبي نفسك لي " قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ ! قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: " أعوذ بالله منك ". فقال: قد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد

اكسها رازقيتين، وألحقها بأهلها» .

قال البخاري: وقال الحسين بن الوليد، عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه وأبي أسيد، قالا: «تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين» . ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، ثنا عبد الرحمن، عن حمزة، عن أبيه، وعن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه بهذا. انفرد البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب.

وقال البخاري: ثنا الحميدي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، سألت الزهري: أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه؟ فقال: أخبرني عروة، «عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أعوذ بالله منك. فقال " لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» " وقال: ورواه حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري أن عروة أخبره أن عائشة قالت. . . انفرد به دون مسلم.

قال البيهقي: ورأيت في كتاب " المعرفة " لابن منده، أن اسم التي استعاذت منه أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ويقال: فاطمة بنت الضحاك.

والصحيح أنها أميمة، والله أعلم، وزعموا أن الكلابية اسمها عمرة، وهي التي وصفها أبوها بأنها لم تمرض قط، فرغب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد روى محمد بن سعد، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري قال: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. قال: وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة ثمان، وماتت سنة ستين.

وذكر يونس، عن ابن إسحاق فيمن تزوجها عليه الصلاة والسلام، ولم يدخل بها، أسماء بنت كعب الجونية، وعمرة بنت يزيد الكلابية. وقال ابن عباس وقتادة: أسماء بنت النعمان بن أبي الجون. فالله أعلم. قال ابن عباس: لما استعاذت منه خرج من عندها مغضبا، فقال له الأشعث: لا يسؤك ذلك يا رسول الله، فعندي أجمل منها. فزوجه أخته قتيلة. وقال غيره: كان ذلك في ربيع سنة تسع.

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة. فذكر منهن أم شريك الأنصارية النجارية، قال: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " إني لأحب أن أتزوج من الأنصار، ولكني أكره غيرتهن» ولم يدخل بها. قال: وتزوج أسماء بنت الصلت من بني حرام، ثم من بني

سليم، ولم يدخل بها، وخطب جمرة بنت الحارث المزنية.

وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة امرأة. فذكر منهن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس، فزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهرين، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه. قال: ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ولا دخل بها. قال: وزعم آخرون أنه عليه الصلاة والسلام أوصى أن تخير قتيلة، فإن شاءت يضرب عليها الحجاب، وتحرم على المؤمنين، وإن شاءت، فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر، فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما. فقال عمر بن الخطاب: ما هي من أمهات المؤمنين، ولا دخل بها، ولا ضرب عليها الحجاب. قال أبو عبيدة: وزعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص فيها بشيء، وأنها ارتدت بعده، فاحتج عمر على أبي بكر بارتدادها ; أنها ليست من أمهات المؤمنين. وذكر ابن منده أن التي ارتدت هي البرصاء من بني عوف بن سعد بن ذبيان.

وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج قتيلة أخت الأشعث بن قيس، فمات قبل أن يخيرها، فبرأها الله منه.

وروى حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، أن عكرمة

بن أبي جهل لما تزوج قتيلة أراد أبو بكر أن يضرب عنقه، فراجعه عمر بن الخطاب فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها، وإنها ارتدت مع أخيها، فبرئت من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فلم يزل به حتى كف عنه.

قال الحاكم: وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح، وسنا بنت أسماء بن الصلت السلمية. هكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن منده بسنده، عن قتادة، فذكره. وقال محمد بن سعد، عن ابن الكلبي مثل ذلك. قال ابن سعد: وهي سبا.

قال ابن عساكر: ويقال سنا بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف السلمي.

قال ابن سعد: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، حدثني العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب.

» وقال ابن عمر: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا أسيد يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب، فتزوجها، فبلغه أن بها بياضا فطلقها» .

وقال محمد بن سعد، عن الواقدي، حدثني أبو معشر قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع. فدخلت عليها عائشة، فقالت: ألا تستحين أن تنكحي قاتل أبيك؟ فاستعاذت منه فطلقها، فجاء قومها فقالوا: يا رسول الله، إنها صغيرة ولا رأي لها، وإنها خدعت، فارتجعها، فأبى، فاستأذنوه أن يزوجوها بقريب لها من بني عذرة، فأذن لهم» . قال: وكان أبوها قد قتله خالد بن الوليد يوم الفتح.

قال الواقدي: وحدثني عبد العزيز الجندعي، عن أبيه، عن عطاء بن يزيد قال: دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، وماتت عنده. قال الواقدي: وأصحابنا ينكرون ذلك.

وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد الماهاني، أنبأنا شجاع بن علي بن شجاع، أنبأنا أبو عبد الله بن منده، أنبأنا الحسن بن محمد بن حليم المروزي، ثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري، أنبأنا عبد الله بن عثمان، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وكانت قبله تحت عتيق بن عائذ المخزومي، ثم تزوج بمكة عائشة بنت أبي بكر، ثم تزوج بالمدينة حفصة بنت عمر، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي، ثم تزوج سودة بنت زمعة، وكانت قبله تحت

السكران بن عمرو، أخي بني عامر بن لؤي، ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، أحد بني خزيمة، ثم تزوج أم سلمة بنت أبي أمية، وكان اسمها هند، وكانت قبله تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد العزى ثم تزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية، وتزوج صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان، من بني بكر بن عمرو بن كلاب، وتزوج صلى الله عليه وسلم امرأة من بني الجون من كندة، وسبى جويرية - في الغزوة التي هدم فيها مناة غزوة المريسيع - ابنة الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق من خزاعة، وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير، وكانتا مما أفاء الله عليه فقسم لهما، واستسر مارية جاريته القبطية، فولدت له إبراهيم، واستسر ريحانة من بني قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها، واحتجبت وهي عند أهلها، وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان، وفارق أخت بني عمرو بن كلاب، وفارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض كان بها، وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التي طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء، فنكحت ابن عم لها من قومها، وولدت فيهم. سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة، والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة، كما قدمناه. والله أعلم.

قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: فماتت خديجة بنت

خويلد قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة، فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة سودة بنت زمعة، ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبي بكر لم يتزوج بكرا غيرها، ولم يصب منها ولدا حتى مات ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر، ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، ثم تزوج بعدها أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم تزوج بعدها أم سلمة هند بنت أبي أمية، ثم تزوج بعدها زينب بنت جحش، ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار. قال: ثم تزوج بعد جويرية صفية بنت حيي بن أخطب، ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية. فهذا الترتيب أحسن وأقرب مما رتبه الزهري. والله أعلم.

وقال يونس بن بكير، عن أبي يحيى عن جميل بن زيد الطائي، عن سهل بن زيد الأنصاري قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني غفار، فدخل بها، فأمرها فنزعت ثوبها، فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها، فانماز رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال " خذي ثوبك ". وأصبح فقال لها: " الحقي بأهلك» . فأكمل لها صداقها.

وقد رواه أبو نعيم، من حديث جميل بن زيد، عن سهل بن زيد

الأنصاري، وكان ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من غفار، فذكر مثله.

قلت: وممن تزوجها صلى الله عليه وسلم، ولم يدخل بها أم شريك الأزدية. قال الواقدي: والمثبت أنها دوسية. وقيل الأنصارية. ويقال عامرية، وأنها خولة بنت حكيم السلمي. وقال الواقدي: اسمها غزية بنت جابر بن حكيم.

قال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه قال: «كان جميع ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة، منهن أم شريك الأنصارية وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.»

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: وتزوج أم شريك الأنصارية من بني النجار، وقال «: " إني أحب أن أتزوج من الأنصار، ولكني أكره غيرتهن» ولم يدخل بها.

وقال ابن إسحاق، عن حكيم، عن محمد بن علي، عن أبيه قال: «تزوج صلى الله عليه وسلم ليلى بنت الخطيم الأنصارية، وكانت غيورا فخافت نفسها عليه، فاستقالته فأقالها.»

** [فصل فيمن خطبها عليه الصلاة والسلام ولم يعقد عليها] **

قال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها، فذكرت أن لها صبية صغارا فتركها، وقال: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش ; أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» .

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله، إني قد كبرت ولي عيال» .

وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، «عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني. ثم أنزل الله {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] الآية.

قالت: فلم أكن أحل له ; لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء» . ثم قال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث السدي. فهذا يقتضي أن من لم تكن من المهاجرات لا تحل له صلى الله عليه وسلم. وقد نقل هذا المذهب مطلقا القاضي الماوردي في " تفسيره " عن بعض العلماء. وقيل: المراد بقوله: {اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] أي ; من القرابات المذكورات. وقال قتادة: {اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] ; أي أسلمن معك. فعلى هذا لا يحرم عليه إلا نساء الكفار وتحل له جميع المسلمات، فلا ينافي تزويجه من نساء الأنصار إن ثبت ذلك، ولكن لم يدخل بواحدة منهن أصلا. وأما حكاية الماوردي، عن الشعبي، أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصارية، فليس بجيد ; فإنها هلالية بلا خلاف، كما تقدم بيانه. والله أعلم.

وروى محمد بن سعد، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: «أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مول ظهره إلى الشمس، فضربت منكبه فقال: " من هذا؟ أكله الأسود " وكان كثيرا ما يقولها فقالت: أنا بنت مطعم الطير، ومباري الريح، أنا ليلى بنت الخطيم،

جئتك لأعرض عليك نفسي، تزوجني. قال: " قد فعلت ". فرجعت إلى قومها فقالت: قد تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: بئس ما صنعت، أنت امرأة غيرى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب نساء، تغارين عليه، فيدعو الله عليك، فاستقيليه. فرجعت فقالت: أقلني يا رسول الله. فأقالها، فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر فولدت له، فبينما هي يوما تغتسل في بعض حيطان المدينة إذ وثب عليها ذئب أسود فأكل بعضها، فماتت» .

وبه عن ابن عباس «أن ضباعة بنت عامر بن قرط، كانت تحت عبد الله بن جدعان فطلقها، فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسمها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنها سلمة، فقال: حتى أستأمرها. وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها قد كبرت. فأتاها ابنها فاستأذنها فقالت: يا بني، أفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذن؟ فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عنها» .

وبه عن ابن عباس قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري، وكان أصابها سباء فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

إن شئت أنا، وإن شئت زوجك فقالت: بل زوجي. فأرسلها، فلعنتها بنو تميم» .

وقال محمد بن سعد: أنبأنا الواقدي، ثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي، فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، فلم تتزوج حتى ماتت.

قال محمد بن سعد، وأنبأنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن الحكم، عن علي بن الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية. قال الواقدي: الثبت عندنا أنها من دوس من الأزد. قال محمد بن سعد: واسمها غزية بنت جابر بن حكيم.

وقال الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة.»

وممن خطبها ولم يعقد عليها جمرة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني، فقال أبوها: إن بها سوءا. ولم يكن بها، فرجع إليها وقد تبرصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر. هكذا ذكره سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.

قال: وخطب أم حبيبة بنت العباس بن عبد المطلب فوجد أباها أخاه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب.

فهؤلاء نساؤه، وهن ثلاثة أصناف ; صنف دخل بهن ومات عنهن، وهن التسع المبدأ بذكرهن، وهن حرام على الناس بعد موته عليه الصلاة والسلام بالإجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة، وعدتهن بانقضاء أعمارهن. قال الله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53] . وصنف دخل بهن صلى الله عليه وسلم، وطلقهن في حياته، فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه الصلاة والسلام؟ فيه قولان للعلماء ; أحدهما، لا ; لعموم الآية

التي ذكرناها. والثاني، نعم ; بدليل آية التخيير وهي قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 28] قالوا: فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة، إذ لو كان فراقه لها لا يبيحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها، وهذا قوي. والله تعالى أعلم. وأما الصنف الثالث وهي من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها، فهذه يحل لغيره أن يتزوجها. ولا أعلم في هذا القسم نزاعا. وأما من خطبها ولم يعقد عليها فأولى لها أن تتزوج، وأولى. وسيجيء فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام. والله أعلم.

** [فصل في ذكر سراريه عليه الصلاة والسلام] **

كانت له عليه الصلاة والسلام سريتان إحداهما، مارية بنت شمعون القبطية، أهداها له صاحب إسكندرية، واسمه جريج بن مينا، وأهدى معها أختها سيرين - وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جوار. والله أعلم -

وغلاما خصيا اسمه مأبور، وبغلة يقال لها: الدلدل. فقبل هديته واختار لنفسه مارية، وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها: حفن. من كورة أنصنا، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبي سفيان في أيام إمارته الخراج ; إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد ذكر، وهو إبراهيم عليه السلام. قالوا: وكانت مارية جميلة بيضاء أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبها وحظيت عنده، ولا سيما بعد ما وضعت إبراهيم ولده. وأما أختها سيرين فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان، وأما الغلام الخصي، وهو مأبور، فقد كان يدخل على مارية وسيرين بلا إذن كما جرت به عادته بمصر، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك، ولم يشعروا أنه خصي حتى انكشف الحال، على ما سنبينه قريبا، إن شاء الله تعالى. وأما البغلة فكان عليه الصلاة والسلام يركبها، والظاهر، والله أعلم، أنها التي كان راكبها يوم حنين. وقد تأخرت هذه البغلة، وطالت مدتها حتى كانت عند علي بن أبي طالب في أيام إمارته، ومات، فصارت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكبرت حتى كان يجش لها الشعير لتأكله.

قال أبو بكر بن خزيمة: حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه قال: أهدى أمير القبط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين، وبغلة فكان يركب

البغلة بالمدينة، واتخذ إحدى الجاريتين، فولدت له إبراهيم ابنه، ووهب الأخرى.

وقال الواقدي: حدثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب بمارية القبطية، وكانت بيضاء جعدة جميلة فأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا هناك، فوطئ مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية كان من أموال بني النضير، فكانت فيه في الصيف، وفي خرافة النخل، فكان يأتيها هناك، وكانت حسنة الدين، ووهب أختها سيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن، وولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما سماه إبراهيم، وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه، وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسماه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما، فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره، فوهب له عبدا، وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهن حين رزق منها الولد» .

وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني، عن أبي عبيد القاسم بن إسماعيل،

عن زياد بن أيوب، عن سعيد بن زكريا المدائني، عن ابن أبي سارة، عن ابن أبي الحسين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعتقها ولدها» " ثم قال الدارقطني: تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة. وقد رواه ابن ماجه من حديث حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله. ورويناه من وجه آخر. وقد أفردنا لهذه المسألة، وهي بيع أمهات الأولاد، مصنفا مفردا على حدته، وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال، وذكرنا مستند كل قول، ولله الحمد والمنة.

وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، «عن جده علي بن أبي طالب قال: أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطي ابن عم لها يزورها ويختلف إليها فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله " قال: قلت: يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالشكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " فأقبلت متوشحا السيف، فوجدته

عندها، فاخترطت السيف فلما رآني عرف أني أريده، فأتى نخلة فرقي فيها، ثم رمى بنفسه على قفاه، ثم شال رجليه، فإذا به أجب أمسح ما له مما للرجال قليل ولا كثير، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال " الحمد لله الذي صرف عنا أهل البيت» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، ثنا سفيان، حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن علي قال: قلت: يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسكة المحماة، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ قال «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» هكذا رواه مختصرا. وهو أصل الحديث الذي أوردناه، وإسناده رجال ثقات.

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، وعقيل، عن الزهري، عن أنس قال: «لما ولدت مارية إبراهيم، كاد أن يقع في النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء حتى نزل جبريل عليه السلام، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم» .

وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا محمد بن يحيى الباهلي، حدثنا يعقوب بن محمد، عن رجل سماه،

عن الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له: المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأهدى معها ابن عم لها شابا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ذات يوم مدخل خلوة فأصابها فحملت بإبراهيم. قالت عائشة: فلما استبان حملها جزعت من ذلك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لها لبن، فاشترى لها ضأنة لبونا تغذي منها الصبي، فصلح عليه جسمه وحسن لونه، وصفا لونه، فجاء به ذات يوم يحمله على عنقه فقال: " يا عائشة كيف ترين الشبه؟ " فقلت وأنا غيرى: ما أرى شبها. فقال: " ولا اللحم " فقلت: لعمري، من تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه» .

قال الواقدي: ماتت مارية في المحرم سنة ست عشرة، فصلى عليها

عمر، ودفنها في البقيع. وكذا قال المفضل بن غسان الغلابي. وقال خليفة وأبو عبيد ويعقوب بن سفيان: ماتت سنة ست عشرة رحمها الله.

ومنهن ريحانة بنت زيد، من بني النضير، ويقال: من بني قريظة. قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بني النضير، وكانت مزوجة في بني قريظة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم، فأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد في نفسه، فأرسل إلى ابن سعية، فذكر له ذلك، فقال ابن سعية: فداك أبي وأمي، هي تسلم. فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها: لا تتبعي قومك، فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب، فأسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال: «إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة» فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت

ريحانة. فسر بذلك.

وقال محمد ابن إسحاق لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه، وكان عرض عليها الإسلام ويتزوجها، فأبت إلا اليهودية. ثم ذكر من إسلامها ما تقدم.

قال الواقدي: فحدثني عبد الملك بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوي قال: فأرسل بها رسول الله إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، فكانت عندها حتى حاضت حيضة، ثم طهرت من حيضها، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر، فقال لها: «إن أحببت أن أعتقك، وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت " فقالت: يا رسول الله إنه أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك. فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت» .

قال الواقدي: وحدثني ابن أبي ذئب قال: سألت الزهري عن ريحانة فقال: «كانت أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها، فكانت تحتجب في أهلها، وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال الواقدي: وهذا أثبت الحديثين عندنا، وكان زوجها قبله عليه الصلاة والسلام الحكم.

وقال الواقدي: ثنا عاصم بن عبد الله بن الحكم، عن عمر بن الحكم قال: «أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة، وكانت عند زوج لها، وكان محبا لها مكرما فقالت: لا أستخلف بعده أحدا أبدا. وكانت ذات جمال فلما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فكنت فيمن عرض عليه، فأمر بي فعزلت، وكان يكون له صفي في كل غنيمة، فلما عزلت خار الله لي، فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الأسرى وفرق السبي، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحييت منه حياء، فدعاني فأجلسني بين يديه، فقال: " إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه " فقلت إني أختار الله ورسوله. فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوجني، وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا، كما كان يصدق نساءه، وأعرس بي في بيت أم المنذر، وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه، وضرب علي الحجاب. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبا بها، وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها فقيل لها: لو كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة لأعتقهم. وكانت تقول: لم يخل بي حتى فرق السبي. ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها، فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع، وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة.»

وقال ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال: «واستسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة من بني قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها» .

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بني النضير، وقال بعضهم: من بني قريظة، وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها أحيانا، وكان سباها في شوال سنة أربع.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا أحمد ابن المقدام، ثنا زهير، عن سعيد، عن قتادة قال: «كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليدتان مارية القبطية، وربيحة أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بني عمرو بن قريظة، كانت عند ابن عم لها يقال له: عبد الحكم فيما بلغني، وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.»

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولائد ; مارية القبطية، وريحانة القرظية، وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفرا، فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه عليه الصلاة والسلام، رضي عن زينب ودخل عليها، فقالت: ما أدري ما أجزيك؟ فوهبتها له صلى الله عليه وسلم.

وقد روى سيف بن عمر، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقسم لمارية وريحانة مرة، ويتركهما مرة.»

** [فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم الصلاة والسلام] **

لا خلاف أن جميع أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية، قال محمد بن سعد: أنبأنا هشام بن الكلبي، أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال «: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، رضوان الله عليهم أجمعين، فمات القاسم - وهو أول ميت من ولده - بمكة، ثم مات عبد الله، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر. فأنزل الله عز وجل: {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 1]

[سورة الكوثر] قال: ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة، سنة ثمان

من الهجرة، فمات ابن ثمانية عشر شهرا» .

وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري: ثنا عبد الباقي بن قانع، ثنا محمد بن زكريا، ثنا العباس بن بكار، حدثني محمد بن زياد والفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: «ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل: من هذا؟ قال له: هذا الأبتر. وكانت قريش إذا ولد للرجل ولد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا: هذا الأبتر. فأنزل الله، تبارك تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] أي ; مبغضك هو الأبتر من كل خير. قال: ثم ولدت له زينب، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المطهر، ثم ولدت الطيب، ثم ولدت المطيب، ثم ولدت أم كلثوم، ثم ولدت فاطمة، وكانت أصغرهم، وكانت خديجة إذا ولدت ولدا دفعته إلى من ترضعه، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها أحد غيرها.»

وقال الهيثم بن عدي حدثنا هشام بن عروة، عن سعيد بن المسيب، عن

أبيه قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم ابنان ; طاهر والطيب. وكان يسمي أحدهما عبد شمس والآخر عبد العزى» . وهذا فيه نكارة. والله أعلم.

وقال محمد بن عائذ: أخبرني الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهرا وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم.

وقال الزبير بن بكار أخبرني عمي مصعب بن عبد الله قال: ولدت خديجة القاسم والطاهر - وكان يقال له: الطيب. وولد الطاهر بعد النبوة، ومات صغيرا، واسمه عبد الله - وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، رضوان الله عليهم أجمعين.

قال الزبير، وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم.

وحدثني محمد بن فضالة عن بعض من أدرك من المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم وعبد الله، فأما القاسم، فعاش حتى مشى، وأما عبد الله، فمات،

وهو صغير.

وقال الزبير: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ثم زينب، ثم عبد الله، وكان يقال له: الطيب. ويقال له الطاهر. ولد بعد النبوة، ومات صغيرا، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. هم هكذا الأول فالأول، ثم مات القاسم بمكة - وهو أول ميت من ولده - ثم مات عبد الله ثم ولدت له مارية بنت شمعون إبراهيم، وهي القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية، وأهدى معها أختها سيرين، وخصيا يقال له مأبور. فوهب سيرين لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن، وقد انقرض نسل حسان بن ثابت

وقال أبو بكر بن البرقي: يقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله. ويقال: إن الطيب والمطيب ولدا في بطن، والطاهر والمطهر ولدا في بطن.

وقال المفضل بن غسان، أنا أبي، عن أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق:، ثنا ابن جريج، عن مجاهد قال: «مكث القاسم بن النبي صلى الله عليه وسلم سبع

ليال، ثم مات.» قال المفضل: وهذا خطأ ; والصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا.

وقال الحافظ أبو نعيم: قال مجاهد: مات القاسم وله سبعة أيام. وقال الزهري: وهو ابن سنتين.

وقال قتادة: عاش حتى مشى.

وقال هشام بن عروة: «وضع أهل العراق ذكر الطيب والطاهر. فأما مشايخنا فقالوا: عبد العزى وعبد مناف والقاسم، ومن النساء رقية وأم كلثوم وفاطمة» . هكذا رواه ابن عساكر، وهو منكر، والذي أنكره هو المعروف. وسقط ذكر زينب ولا بد منها. والله أعلم.

فأما زينب فقال عبد الرزاق، عن ابن جريج قال لي غير واحد: كانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتزوج زينب أبو العاص بن الربيع، فولدت منه عليا وأمامة، وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة

وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم، وكأنها كانت طفلة صغيرة. فالله أعلم. وقد تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعد موت فاطمة، على ما سيأتي، إن شاء الله، وكانت وفاة زينب رضي الله عنها، في سنة ثمان. قاله قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وخليفة بن خياط، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وغير واحد. وقال قتادة، عن ابن حزم: في أول سنة ثمان.

وذكر حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنها لما هاجرت دفعها رجل فوقعت على صخرة فأسقطت حملها، ثم لم تزل وجعة حتى ماتت، فكانوا يرونها ماتت شهيدة.

وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبي لهب، كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما ; بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} [المسد: 1]

[سورة المسد] فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه، رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ويقال: إنه أول من هاجر إليها. ثم رجعا إلى مكة كما قدمنا، وهاجرا إلى المدينة وولدت له ابنه عبد الله، فبلغ ست سنين، فنقره ديك، في عينيه فمات،

وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له بسهمه وأجره، ولما رجع صلى الله عليه وسلم زوجه بأختها أم كلثوم أيضا، ولهذا كان يقال له ذو النورين، ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع، ولم تلد له شيئا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان» وفي رواية قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لو كن عشرا لزوجتهن عثمان» .

وأما فاطمة فتزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب في صفر سنة اثنتين، فولدت له الحسن والحسين، ويقال: ومحسنا. وولدت له أم كلثوم وزينب، رضوان الله عليهم أجمعين، وقد تزوج عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة رضي الله عنها، وأكرمها إكراما زائدا ; أصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب، ولما قتل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر، فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد، فمات عنها، فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت

عنده، وقد كان عبد الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي من فاطمة، وماتت عنده أيضا، وقد توفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر على أشهر الأقوال، وهو الثابت عن عائشة في " الصحيح "، وقاله الزهري أيضا وأبو جعفر الباقر. وعن الزهري: بثلاثة أشهر. وقال أبو الزبير بشهرين. وقال أبو بريدة: عاشت بعده سبعين من بين يوم وليلة. وقال عمرو بن دينار مكثت بعده ثمانية أشهر. وكذا قال عبد الله بن الحارث. وفي رواية، عن عمرو بن دينار بثلاثة أشهر.

وأما إبراهيم فمن مارية القبطية كما قدمنا، وكان ميلاده في ذي الحجة سنة ثمان.

وقد روي عن ابن لهيعة وغيره، عن عبد الرحمن بن زياد قال: «لما حبل بإبراهيم أتى جبريل، عليه السلام، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إن الله قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية، وأمرك أن تسميه إبراهيم، فبارك الله لك فيه، وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة.»

وروى الحافظ أبو بكر البزار، عن محمد بن مسكين، عن عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عقيل ويزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه قال: «لما ولد للنبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم، وقع في نفسه منه شيء، فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم» .

وقال أسباط، عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، قال: سألت أنس بن مالك ; قلت: كم بلغ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من العمر؟ قال: قد كان ملأ مهده، ولو بقي لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى ; لأن نبيكم صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن السدي، عن أنس بن مالك قال: «لو عاش إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقا نبيا.»

وقال أبو عبد الله بن منده: ثنا محمد بن سعد ومحمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن عثمان العبسي، ثنا منجاب، ثنا أبو عامر الأسدي، ثنا سفيان، عن السدي، عن أنس قال: «توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ادفنوه في البقيع، فإن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة» ".

وقال أبو يعلى: ثنا أبو خيثمة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس قال: «ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ; كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل إلى البيت وإنه ليدخن ; وكان ظئره قينا، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة ".»

وقد روى جرير وأبو عوانة، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن البراء قال: «توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال: " ادفنوه في البقيع، فإن له مرضعا في الجنة» " ورواه أحمد من حديث جابر، عن عامر، عن البراء. وهكذا رواه سفيان الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن البراء بن عازب بمثله. وكذا رواه الثوري أيضا، عن أبي إسحاق، عن البراء.

وأورد ابن عساكر من طريق عتاب بن محمد بن شوذب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرضع بقية رضاعه في الجنة» .

وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا زكريا بن يحيى الواسطي، ثنا هشيم، عن إسماعيل قال: «سألت ابن أبي أوفى - أو سمعته يسأل - عن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مات وهو صغير، ولو قضي أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي لعاش.»

وروى ابن عساكر من حديث أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ، ثنا عبيد بن إبراهيم الجعفي، ثنا الحسن بن أبي عبد الله الفراء، ثنا مصعب بن سلام، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو عاش إبراهيم لكان نبيا» .

وروى ابن عساكر من حديث محمد بن إسماعيل بن سمرة، عن محمد

بن الحسن الأسدي، عن أبي شيبة، عن أنس قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه " فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه صلى الله عليه وسلم» .

قلت: أبو شيبة هذا لا يتعامل بروايته، ثم روى من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفي إبراهيم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر وعمر: أنت أحق من علم لله حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجدا أشد مما وجدنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» ".

وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن البراء قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرا، وقال «: " إن له في الجنة من يتم رضاعه، وهو

صديق» " وقد روي من حديث الحكم بن عتيبة، عن الشعبي، عن البراء.

وقال أبو يعلى: ثنا القواريري، أنبأنا عبيد بن القاسم، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه، وصليت خلفه وكبر عليه أربعا.»

وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: «مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه» .

وروى ابن عساكر من حديث إسحاق بن محمد الفروي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن أبي جده، عن علي رضي الله عنه قال: «لما توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى أمه مارية القبطية،

وهي في مشربة، فحمله علي في سفط، وجعله بين يديه على الفرس، ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسله وكفنه وخرج به، وخرج الناس معه، فدفنه في الزقاق الذي يلي دار محمد بن زيد، فدخل علي في قبره حتى سوى عليه التراب ودفنه، ثم خرج ورش على قبره، وأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في قبره، فقال: " أما والله إنه لنبي ابن نبي " وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» ".

وقال الواقدي: مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرا، في بني مازن بن النجار في دار أم بردة بنت المنذر، ودفن بالبقيع.

قلت: وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم موته، فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته: «: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، عز وجل، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» .

[باب ذكر عبيده عليه الصلاة والسلام وإمائه وذكر خدمه وكتابه وأمنائه]

قال الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر:

** باب ذكر عبيده عليه الصلاة والسلام، وإمائه، وذكر خدمه وكتابه وأمنائه مع مراعاة الحروف في أسمائهم، وذكر بعض ما ذكر من أنبائهم. **

ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان، وبالله المستعان. ### $ فمنهم أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبي. ويقال أبو يزيد. ويقال: أبو محمد. مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه أم أيمن، واسمها بركة، كانت حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغره، وممن آمن به قديما بعد بعثته، وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أيام حياته، وكان عمره إذ ذاك ثماني عشرة أو تسع عشرة سنة، وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو أمير على جيش كثيف، منهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق. وهو قول ضعيف ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصبه للإمامة، فلما توفي عليه الصلاة والسلام

وجيش أسامة مخيم بالجرف، كما قدمناه، استطلق أبو بكر من أسامة عمر بن الخطاب في الإقامة عنده ; ليستضيء برأيه، فأطلقه له، وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك، وكل ذلك يأبى عليهم ويقول: والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، فأغار على تلك البلاد، وغنم وسبى، وكر راجعا سالما مؤيدا، كما سيأتي. فلهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا يلقى أسامة إلا قال له: السلام عليك أيها الأمير. ولما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم راية الإمرة، طعن بعض الناس في إمارته فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيها «: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الخلق إلي، وإن هذا لمن أحب الخلق إلي بعده» وهو في " الصحيح " من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه.

وثبت في " صحيح البخاري " عن أسامة، رضي الله عنه، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن، فيقول «: " اللهم إني أحبهما فأحبهما» .

وروي عن الشعبي، عن عائشة رضي الله عنها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد» ولهذا لما فرض عمر بن الخطاب للناس في الديوان فرض لأسامة في خمسة آلاف، وأعطى ابنه

عبد الله بن عمر في أربعة آلاف، فقيل له في ذلك، فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك.

وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، «عن أسامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه خلفه على حمار عليه قطيفة، حين ذهب يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر» .

قلت: وهكذا أردفه وراءه على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة، كما قدمنا في حجة الوداع. وقد ذكر غير واحد أنه، رضي الله عنه، لم يشهد مع علي شيئا من مشاهده، واعتذر إليه بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل ذلك الرجل، وقد قال: لا إله إلا الله، فقال: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ ! من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ !» الحديث. وذكر فضائله كثيرة، رضي الله عنه، وقد كان أسود كالليل، أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا، رضي الله عنه، وقد كان أبوه كذلك إلا أنه كان أبيض شديد البياض، ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه، ولما مر مجزز المدلجي عليهما وهما نائمان في قطيفة، وقد بدت أقدامهما ; أسامة بسواده، وأبوه زيد ببياضه قال: سبحان الله إن بعض هذه الأقدام لمن بعض. أعجب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل على عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: «ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد،

فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض» ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه والاستبشار به، العمل بقول القافة في اختلاط الأنساب واشتباهها، كما هو مقرر في موضعه.

والمقصود أنه، رضي الله عنه، توفي سنة أربع وخمسين فيما صححه أبو عمر. وقال غيره: سنة ثمان أو تسع وخمسين. وقيل: مات بعد مقتل عثمان. فالله أعلم. وروى له الجماعة في كتبهم الستة. ### $ ومنهم أسلم. وقيل: إبراهيم. وقيل: ثابت. وقيل: هرمز. أبو رافع القبطي. أسلم قبل بدر ولم يشهدها ; لأنه كان بمكة مع سادته آل العباس، وكان ينحت القداح، وقصته مع الخبيث أبي لهب حين جاء خبر وقعة بدر تقدمت، ولله الحمد. ثم هاجر وشهد أحدا وما بعدها، وكان كاتبا، وقد كتب بين يدي علي بن أبي طالب بالكوفة. قاله المفضل بن غسان الغلابي. وشهد فتح مصر في أيام عمر، وقد كان أولا للعباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم وأعتقه، وزوجه مولاته سلمى، فولدت له أولادا، وكان يكون على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر وبهز، قالا: ثنا شعبة، عن

الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: لا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال «: " الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم» وقد رواه الثوري، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم به.

وروى أبو يعلى في " مسنده " عنه، «أنه أصابهم برد شديد وهم بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له " قال أبو رافع: فلم أجد من يلحفني معه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى علي من لحافه، فنمنا حتى أصبحنا، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجليه حية فقال: " يا أبا رافع اقتلها اقتلها» وروى له الجماعة في كتبهم، ومات في أيام علي رضي الله عنه. ### $ ومنهم أنسة بن بادة أبو مسرح. ويقال: أبو مسروح. من مولدي السراة، مهاجري، شهد بدرا فيما ذكره عروة والزهري وموسى بن عقبة

ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد. قالوا: وكان ممن يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس.

وذكر خليفة بن خياط في كتابه، قال: قال علي بن محمد، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: استشهد يوم بدر أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: وليس هذا بثبت عندنا، ورأيت أهل العلم يثبتون أنه شهد أحدا أيضا وبقي زمانا. وأنه توفي في حياة أبي بكر، رضي الله عنه، أيام خلافته. لا رواية له. ### $ ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشي. ونسبه ابن منده إلى عوف بن الخزرج، وفيه نظر. وهو ابن أم أيمن بركة، أخو أسامة لأمه.

قال ابن إسحاق وكان على مطهرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ممن ثبت يوم

حنين. ويقال: إن فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] قال الشافعي: قتل أيمن مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين. قال: فرواية مجاهد عنه منقطعة.

يعني بذلك ما رواه الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء، عن أيمن الحبشي قال: «لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم السارق إلا في المجن، وكان ثمن المجن يومئذ دينارا» . وقد رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، عن هارون بن عبد الله، عن أسود بن عامر، عن الحسن بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. وهذا يقتضي تأخر موته عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن الحديث مدلسا عنه، ويحتمل أن يكون أريد غيره، والجمهور كابن إسحاق وغيره ذكروه فيمن قتل من الصحابة يوم حنين. فالله أعلم. ولابنه الحجاج بن أيمن مع عبد الله بن عمر قصة. ### $ ومنهم باذام. وسيأتي ذكره في ترجمة طهمان ### $ ومنهم ثوبان بن بجدد. ويقال ابن جحدر. أبو عبد الله. ويقال: أبو

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com