John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة إحدى عشرة من الهجرة] — تتمة ٣

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 63 of 840

عبد الكريم. ويقال: أبو عبد الرحمن. أصله من أهل السراة، مكان بين مكة واليمن، وقيل: من حمير من أهل اليمن. وقيل: من ألهان. وقيل: من الحكم بن سعد العشيرة من مذحج، أصابه سباء في الجاهلية، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وخيره إن شاء أن يرجع إلى قومه، وإن شاء أن يثبت، فإنه منهم أهل البيت، فأقام على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفارقه حضرا ولا سفرا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر أيام عمر، ونزل حمص بعد ذلك، وابتنى بها دارا، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة أربع وأربعين. وهو خطأ. وقيل: إنه مات بمصر. والصحيح بحمص، كما قدمنا. والله أعلم. روى له البخاري في كتاب " الأدب " ومسلم في " صحيحه "، وأهل السنن الأربعة. ### $ ومنهم حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم. وهو جد إبراهيم بن عبد الله بن حنين وروينا «أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويوضئه، فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم خرج بفضلة الوضوء إلى أصحابه، فمنهم من يشرب منه، ومنهم من يتمسح به، فاحتبسه حنين فخبأه عنده في جرة حتى شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: " ما تصنع به؟ " فقال: أدخره عندي أشربه يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: " هل رأيتم غلاما أحصى ما أحصى هذا؟ " ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، وهبه لعمه العباس، فأعتقه، رضي الله عنهما» . ### $ ومنهم ذكوان. يأتي ذكره في ترجمة طهمان. ### $ ومنهم رافع أو أبو رافع. ويقال له: أبو البهي. قال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر، فورثه بنوه، وأعتق ثلاثة

منهم أنصباءهم، وشهد معهم يوم بدر فقتلوا ثلاثتهم، ثم اشترى أبو رافع بقية أنصباء بني سعيد مولاه، إلا نصيب خالد بن سعيد، فوهب خالد نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأعتقه، فكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان بنوه يقولون من بعده. ### $ ومنهم رباح الأسود، وكان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أخذ الإذن لعمر بن الخطاب حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة يوم آلى من نسائه، واعتزلهن في تلك المشربة وحده، عليه الصلاة والسلام. هكذا جاء مصرحا باسمه في حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس، عن عمر.

وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يسمى رباحا» . ### $ ومنهم رويفع مولاه، عليه الصلاة والسلام. هكذا عده في الموالي مصعب بن عبد الله الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة، قالا: وقد وفد ابنه على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ففرض له. قالا: ولا عقب له.

قلت: كان عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، شديد الاعتناء بموالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب أن يعرفهم ويحسن إليهم. وقد كتب في أيام خلافته إلى أبي

بكر بن حزم عالم أهل المدينة في زمانه، أن يفحص له عن موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ; الرجال والنساء وخدامه. رواه الواقدي. وقد ذكره أبو عمر مختصرا وقال: لا أعلم له رواية. حكاه ابن الأثير في " الغابة ". ### $ ومنهم زيد بن حارثة الكلبي. وقد قدمنا طرفا من ذكره عند ذكر مقتله بغزوة مؤتة رضي الله عنه، وذلك في جمادى من سنة ثمان قبل الفتح بأشهر، وقد كان هو الأمير المقدم، ثم بعده جعفر ثم بعدهما عبد الله بن رواحة، رضي الله عنهم.

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه» . رواه أحمد. ### $ ومنهم زيد أبو يسار. قال أبو القاسم البغوي في " معجم الصحابة ": سكن المدينة روى حديثا واحدا لا أعلم له غيره ; حدثنا محمد بن علي الجوزجاني، ثنا أبو سلمة - هو التبوذكي - ثنا حفص بن عمر الطائي، ثنا أبي عمر بن مرة: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، سمعت أبي حدثني عن جدي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «: " من قال: أستغفر الله الذي

لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه. غفر له، وإن كان فر من الزحف» . وهكذا رواه أبو داود عن أبي سلمة، وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل به. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ### $ ومنهم سفينة أبو عبد الرحمن. ويقال: أبو البختري. كان اسمه مهران وقيل: عبس. وقيل: أحمر. وقيل: رومان. فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة لسبب سنذكره، فغلب عليه، وكان مولى لأم سلمة، فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يموت، فقبل ذلك، وقال: لو لم تشترطي علي ما فارقته. وهذا الحديث في " السنن ". وهو من مولدي العرب، وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مارفنة.

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا حشرج بن نباتة العبسي كوفي، حدثنا سعيد بن جمهان، حدثني سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملكا بعد ذلك» ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، وأمسك خلافة علي، ثم قال: فوجدناها ثلاثين سنة، ثم نظرت بعد ذلك في الخلفاء فلم أجده يتفق لهم ثلاثون. قلت

لسعيد: أين لقيت سفينة؟ قال: ببطن نخلة في زمن الحجاج، فأقمت عنده ثلاث ليال أسأله عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له: ما اسمك؟ قال: ما أنا بمخبرك، سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة. قلت: ولم سماك سفينة؟ قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم فقال لي: ابسط كساءك فبسطته، فجعلوا فيه متاعهم، ثم حملوه علي،» فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " احمل، فإنما أنت سفينة» فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يجفوا. وهذا الحديث عند أبي داود والترمذي والنسائي. ولفظه عندهم: " «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا» ".

وقال الإمام أحمد: ثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: كنا في سفر، فكان كلما أعيا رجل ألقى علي ثيابه ; ترسا أو سيفا، حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت سفينة» هذا هو المشهور في تسميته سفينة.

وقد قال أبو القاسم البغوي ثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ومحمد بن جعفر الوركاني، قالا: ثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن عمران

البجلي، عن مولى لأم سلمة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بواد أو نهر، فكنت أعبر الناس، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " ما كنت منذ اليوم إلا سفينة» وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك.

وقال أبو عبد الله بن منده: ثنا الحسن بن مكرم، ثنا عثمان بن عمر، ثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة قال: ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا، فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد، فلم يرعني إلا به، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم همهم فظننت أنه السلام. وقد رواه أبو القاسم البغوي، عن إبراهيم بن هانئ، عن عبيد الله بن موسى، عن رجل، عن محمد بن المنكدر عنه. ورواه أيضا، عن محمد بن عبد الله المخرمي، عن حسين بن محمد قال: قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة. فذكره.

ورواه أيضا: حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا علي بن عاصم، حدثني أبو ريحانة، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني الأسد، فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فضرب بذنبه الأرض وقعد. وروى له مسلم وأهل

السنن. وقد تقدم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أنه كان يسكن بطن نخلة، وأنه تأخر إلى أيام الحجاج. ### $ ومنهم سلمان الفارسي أبو عبد الله مولى الإسلام. أصله من فارس وتنقلت به الأحوال إلى أن صار لرجل من يهود المدينة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسلم سلمان، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكاتب سيده اليهودي، وأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء ما عليه فنسب إليه، وقال: «سلمان منا أهل البيت» وقد قدمنا صفة هجرته من بلده، وصحبته لأولئك الرهبان واحدا بعد واحد، حتى آل به الحال إلى المدينة النبوية، وذكر صفة إسلامه رضي الله عنه، في أوائل الهجرة النبوية إلى المدينة وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين في آخر أيام عثمان، أو في أول سنة ست وثلاثين. وقيل: إنه توفي في أيام عمر بن الخطاب والأول أكثر.

قال العباس بن يزيد البحراني: وكان أهل العلم لا يشكون أنه عاش مائتين وخمسين سنة، واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين. وقد ادعى بعض الحفاظ المتأخرين أنه لم يجاوز المائة. فالله أعلم بالصواب. ### $ ومنهم شقران الحبشي. واسمه صالح بن عدي، ورثه عليه الصلاة والسلام من أبيه. وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد: كان لعبد الرحمن بن عوف، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى أحمد بن حنبل، عن إسحاق بن عيسى،

عن أبي معشر أنه ذكره فيمن شهد بدرا، قال: ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا ذكره محمد بن سعد فيمن شهد بدرا وهو مملوك، فلهذا لم يسهم له، بل استعمله على الأسرى، فجزاه كل رجل له أسير شيئا، فحصل له أكثر من نصيب كامل. قال: وقد كان ببدر ثلاثة غلمان غيره ; غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ، فرضخ لهم ولم يقسم. قال أبو القاسم البغوي، وليس له ذكر فيمن شهد بدرا في كتاب الزهري، ولا في كتاب ابن إسحاق

وذكر الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: «استعمل رسول الله شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء، وجمع الذرية ناحية» .

وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا مسلم بن خالد، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيته - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - متوجها إلى خيبر على حمار يصلي عليه، يومئ إيماء» . وفي هذه الأحاديث شواهد أنه، رضي الله عنه، شهد هذه المشاهد.

وروى الترمذي، عن زيد بن أخزم، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، أخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: الذي ألحد قبر النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران. ثم قال الترمذي: حسن غريب. وقد تقدم أنه شهد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في قبره، وأنه وضع تحته القطيفة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليها وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. وذكر الحافظ أبو الحسن بن الأثير في " الغابة " أنه انقرض نسله، فكان آخرهم موتا بالمدينة في أيام الرشيد. ### $ ومنهم ضميرة بن أبي ضميرة الحميري. أصابه سباء في الجاهلية، فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه. ذكره مصعب الزبيري قال: وكانت له دار بالبقيع، وولد.

قال عبد الله بن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده ضميرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال لها: «ما يبكيك أجائعة أنت؟ أعارية أنت؟ قالت: يا رسول

الله، فرق بيني وبين ابني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يفرق بين الوالدة، وولدها " ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة، فدعاه فابتاعه منه ببكر. قال ابن أبي ذئب ثم أقرأني كتابا عنده: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ضميرة وأهل بيته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقهم، وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا.» وكتب أبي بن كعب ### $ ومنهم طهمان. ويقال: ذكوان. ويقال: مهران. ويقال: ميمون. وقيل: كيسان. وقيل: باذام. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، وإن مولى القوم من أنفسهم» رواه البغوي، عن منجاب بن الحارث وغيره، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن إحدى بنات علي بن أبي طالب، وهي أم كلثوم بنت علي قالت: حدثني مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له: طهمان أو ذكوان. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره. ### $ ومنهم عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن سليمان التيمي، عن شيخ، عن عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت: «هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة سوى المكتوبة؟ قال: صلاة بين المغرب والعشاء» . قال أبو القاسم البغوي لا أعلم روى غيره. قال ابن عساكر: وليس كما قال. ثم

ساق من طريق أبي يعلى الموصلي، حدثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، «أن امرأتين كانتا صائمتين، وكانتا تغتابان الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح، فقال لهما: " قيئا ". فقاءتا قيحا ودما ولحما عبيطا، ثم قال: " إن هاتين صامتا عن الحلال، وأفطرتا على الحرام» وقد رواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، عن سليمان التيمي، عن رجل حدثهم في مجلس أبي عثمان، عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. ورواه أحمد أيضا، عن غندر، عن عثمان بن غياث قال: كنت مع أبي عثمان، فقال رجل: حدثني سعيد أو عبيد - عثمان يشك - مولى النبي صلى الله عليه وسلم. فذكره. ### $ ومنهم فضالة مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن سعد: أنبأنا الواقدي، حدثني عتبة بن جبيرة الأشهلي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن افحص لي عن أسماء خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء ومواليه، فكتب إليه قال: وكان فضالة مولى له يمانيا نزل الشام بعد، وكان أبو مويهبة مولدا من مولدي مزينة فأعتقه. قال ابن عساكر: لم أجد لفضالة ذكرا في الموالي إلا من هذا الوجه.

### $ ومنهم قفيز. أوله قاف وآخره زاي. قال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا سهل بن السري، ثنا أحمد بن محمد بن المنكدر، ثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن سليمان الحراني، عن زهير بن محمد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن أنس قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يقال له: قفيز» . تفرد به محمد بن سليمان. ### $ ومنهم كركرة. كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، وقد ذكره أبو بكر بن حزم فيما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز

قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: كركرة فمات، فقال: «هو في النار» فنظروا فإذا عليه عباءة قد غلها، أو كساء قد غله. رواه البخاري، عن علي بن المديني، عن سفيان. قلت: وقصته شبيهة بقصة مدعم الذي أهداه رفاعة من بني الضبيب كما سيأتي. ### $ ومنهم كيسان. قال البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن

فضيل، عن عطاء بن السائب قال: «أتيت أم كلثوم بنت علي فقالت: حدثني مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له: كيسان. قال له النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الصدقة: " إنا أهل بيت نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولانا من أنفسنا، فلا يأكل الصدقة» . ### $ ومنهم مأبور القبطي الخصي. أهداه له صاحب إسكندرية مع مارية وسيرين والبغلة. وقد قدمنا من خبره في ترجمة مارية، رضي الله عنهما، ما فيه كفاية. ### $ ومنهم مدعم. وكان أسود من مولدي حسمى، أهداه رفاعة بن زيد الجذامي، قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك مرجعهم من خيبر فلما وصلوا إلى وادي القرى، فبينما مدعم يحط عن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلها، إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الشهادة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شراك من نار أو شراكان من نار» أخرجاه من حديث مالك، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة. ### $ ومنهم مهران. ويقال: طهمان. وهو الذي روت عنه أم كلثوم بنت علي في تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم، كما تقدم.

### $ ومنهم ميمون. وهو الذي قبله. ### $ ومنهم نافع مولاه. قال الحافظ ابن عساكر: أنبأنا أبو الفتح الماهاني، أنبأنا شجاع الصوفي، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو مالك الأشجعي، عن يوسف بن ميمون، عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «: " لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين مستكبر، ولا منان بعمله على الله عز وجل» . ### $ ومنهم نفيع. ويقال: مسروح. ويقال نافع بن مسروح. والصحيح نافع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي، وهو ثقيف أبو بكرة الثقفي، وأمه سمية أم زياد، تدلى هو وجماعة من العبيد من سور الطائف فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نزوله في بكرة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة. قال أبو نعيم: كان رجلا صالحا، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي برزة الأسلمي.

قلت: وهو الذي صلى عليه بوصيته إليه، ولم يشهد أبو بكرة وقعة الجمل، ولا أيام صفين وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين

وخمسين. ### $ ومنهم واقد، أو أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم، ثنا الحسين بن محمد، ثنا الهيثم بن حماد، عن الحارث بن غسان، عن رجل من قريش من أهل المدينة عن زاذان، عن واقد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصى الله فلم يذكره، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن» . ### $ ومنهم هرمز أبو كيسان. ويقال: هرمز أو كيسان. وهو الذي يقال فيه: طهمان. كما تقدم. وقد قال ابن وهب ثنا علي بن عابس، عن عطاء بن السائب، عن فاطمة بنت علي أو أم كلثوم بنت علي قالت: سمعت مولى لنا يقال له: هرمز. يكنى أبا كيسان، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «: " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا، فلا تأكلوا الصدقة» وقد رواه الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب قال: دخلت على أم كلثوم، فقالت: إن هرمز أو كيسان حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنا لا نأكل الصدقة» .

وقال أبو القاسم البغوي ثنا منصور بن أبي مزاحم، ثنا أبو حفص الأبار، عن ابن أبي زياد، عن معاوية قال: شهد بدرا عشرون مملوكا، منهم مملوك للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له: هرمز. فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال «: " إن الله قد أعتقك، وإن مولى القوم من أنفسهم، وإنا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها» . ### $ ومنهم هشام مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن سعد: أنبأنا سليمان بن عبيد الله الرقي. أنبأنا محمد بن أيوب الرقي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن هشام مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي لا تدفع يد لامس. قال: " طلقها ". قال: إنها تعجبني. قال: " فتمتع بها» . قال ابن منده: وقد رواه جماعة، عن سفيان الثوري عن عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن مولى بني هاشم، عن النبي صلى الله عليه وسلم - ولم يسمه - ورواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن جابر. ### $ ومنهم يسار. ويقال: إنه الذي قتله العرنيون ومثلوا به. وقد ذكر الواقدي بسنده عن يعقوب بن عتبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه يوم قرقرة الكدر مع نعم بني غطفان، وسليم، فوهبه الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبله منهم لأنه رآه يحسن الصلاة فأعتقه، ثم قسم في الناس النعم، فأصاب كل إنسان منهم

سبعة أبعرة، وكانوا مائتين. ### $ ومنهم أبو الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه. وهو الذي يقال: إن اسمه هلال بن الحارث. وقيل: ابن ظفر. وقيل هلال بن الحارث بن ظفر السلمي. أصابه سباء في الجاهلية.

وقال أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم: ثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي داود القاص، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي وفاطمة كل غداة فيقول: «الصلاة الصلاة " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» [الأحزاب: 33] .

قال أحمد بن حازم: وأنبأنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين واللفظ له، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي داود، عن أبي الحمراء قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل عنده طعام في وعاء، فأدخله يده فقال: " غششته، من غشنا فليس منا» وقد رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم به. وليس عنده سواه. وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الأعمى، أحد المتروكين الضعفاء. قال عباس الدوري عن ابن معين: أبو الحمراء صاحب رسول الله

صلى الله عليه وسلم اسمه هلال بن الحارث، كان يكون بحمص، وقد رأيت بها غلاما من ولده. وقال غيره: كان منزله خارج باب حمص. وقال أبو الوازع عن سمرة: كان أبو الحمراء من الموالي. ### $ ومنهم أبو سلمى راعي النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال أبو سلام. واسمه حريث.

قال أبو القاسم البغوي ثنا كامل بن طلحة، ثنا عباد بن عبد الصمد، حدثني أبو سلمى راعي النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وآمن بالبعث، والحساب دخل الجنة» قلنا: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: أنا سمعت هذا منه غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع. لم يورد له ابن عساكر سوى هذا الحديث. وقد روى له النسائي في اليوم والليلة آخر، وأخرج له ابن ماجه ثالثا. ### $ ومنهم أبو صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو القاسم البغوي ثنا أحمد بن المقدام، ثنا معتمر، ثنا أبو كعب، عن جده بقية، عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف

النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى سبح حتى يمسي. ### $ ومنهم أبو ضميرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والد ضميرة المتقدم، وزوج أم ضميرة. وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذكرهم وخبرهم في كتابهم.

وقال محمد بن سعد في " الطبقات ": أنبأنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، حدثني حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة، أن الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ضميرة: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، إنهم كانوا أهل بيت من العرب، وكانوا مما أفاء الله على رسوله فأعتقهم ثم خير أبا ضميرة ; إن أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له، وإن أحب أن يمكث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكونوا من أهل بيته، فاختار الله ورسوله ودخل في الإسلام، فلا يعرض لهم أحد إلا بخير، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا» وكتب أبي بن كعب. قال إسماعيل بن أبي أويس: فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد حمير، وخرج قوم منهم في سفر، ومعهم هذا الكتاب، فعرض لهم اللصوص، فأخذوا ما معهم، فأخرجوا هذا الكتاب إليهم وأعلموهم بما فيه، فقرأوه فردوا عليهم ما أخذوا منهم، ولم يعرضوا لهم.

قال: ووفد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة إلى المهدي أمير المؤمنين، وجاء معه بكتابهم هذا فأخذه المهدي، فوضعه على بصره، وأعطى حسينا ثلاثمائة دينار.

### $ ومنهم أبو عبيد مولاه عليه الصلاة والسلام. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا أبان العطار، ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي عبيد، «أنه طبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قدرا فيها لحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ناولني ذراعها " فناولته، فقال " ناولني ذراعها " فناولته فقال: " ناولني ذراعها " فقال: يا نبي الله، كم للشاة من ذراع؟ قال: " والذي نفسي بيده لو سكت لأعطيتني ذراعها ما دعوت به» ورواه الترمذي في الشمائل، عن بندار، عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن يزيد العطار به. ### $ ومنهم أبو عسيب، ومنهم من يقول: أبو عسيم. والصحيح الأول، ومن الناس من فرق بينهما، وقد تقدم أنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وحضر دفنه، وروى قصة المغيرة بن شعبة

وقال الحارث بن أبي أسامة: ثنا يزيد بن هارون، ثنا مسلم بن عبيد أبو نصيرة قال: سمعت أبا عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتي، ورحمة لهم، ورجس على الكافر» وكذا رواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون.

وقال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، ثنا يونس بن محمد، ثنا حشرج بن نباتة، حدثني أبو نصيرة البصري، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا، فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، ثم انطلق يمشي حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الحائط: " أطعمنا بسرا " فجاء به فوضعه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلوا جميعا، ثم دعا بماء فشرب منه، ثم قال: " إن هذا النعيم، لتسألن يوم القيامة عن هذا " فأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر، ثم قال يا نبي الله، إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: " نعم إلا من ثلاثة ; خرقة يستر بها الرجل عورته، أو كسرة يسد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه» يعني من الحر والقر. ورواه الإمام أحمد، عن سريج، عن حشرج.

وروى محمد بن سعد في " الطبقات " عن موسى بن إسماعيل، حدثتنا مسلمة بنت أبان القريعية قالت: سمعت ميمونة بنت أبي عسيب قالت: كان أبو عسيب يواصل بين ثلاث في الصيام، وكان يصلي الضحى قائما،

فعجز، وكان يصوم البيض. قالت، وكان في سريره جلجل، فيعجز صوته حتى يناديها به، فإذا حركه جاءت. ### $ ومنهم أبو كبشة الأنماري. من أنمار مذحج على المشهور، مولى النبي صلى الله عليه وسلم، في اسمه أقوال، أشهرها أن اسمه سليم، وقيل عمرو بن سعد. وقيل عكسه. وأصله من مولدي أرض دوس، وكان ممن شهد بدرا. قاله موسى بن عقبة عن الزهري. وذكره ابن إسحاق والبخاري والواقدي ومصعب الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة. زاد الواقدي: وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب، وذلك في يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وقال خليفة بن خياط وفي سنة ثلاث وعشرين توفي أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم عن أبي كبشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر في ذهابه إلى تبوك بالحجر جعل الناس يدخلون بيوتهم، فنودي أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يدخلكم على هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم؟ " فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما يكون بعدكم» الحديث.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحرازي، سمعت أبا كبشة الأنماري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه، فدخل ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله، قد كان شيء؟ قال: " أجل مرت بي فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا، فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال» ".

وقال أحمد: حدثنا وكيع ثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر ; رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل به في ماله، وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا، ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الوزر سواء» وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع. ورواه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من حديث منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن أبي كبشة،

عن أبيه. وسماه بعضهم عبد الله بن أبي كبشة.

وقال أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن أبي كبشة الأنماري، أنه أتاه فقال: أطرقني من فرسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطرق مسلما فعقب له الفرس كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليه في سبيل الله عز وجل» .

وقد روى الترمذي، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي نعيم، عن عبادة بن مسلم، عن يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، حدثني أبو كبشة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثا فاحفظوه ; ما نقص مال عبد من صدقة، وما ظلم عبد بمظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» الحديث. وقال: حسن صحيح. وقد رواه أحمد، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد عنه.

وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن أبي كبشة الأنماري، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتجم على هامته، وبين كتفيه» .

وروى الترمذي حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا محمد بن حمران، عن أبي سعيد، وهو عبد الله بن بسر قال: سمعت أبا كبشة الأنماري يقول: كانت كمام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحا. ### $ ومنهم أبو مويهبة مولاه، عليه الصلاة والسلام. وكان من مولدي مزينة، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ولا يعرف اسمه رضي الله عنه. وقال مصعب الزبيري شهد أبو مويهبة المريسيع وهو الذي كان يقود لعائشة، رضي الله عنها، بعيرها. وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد بسنده عنه في ذهابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل إلى البقيع فوقف عليه الصلاة والسلام، فدعا لهم، واستغفر لهم، ثم قال: «ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس. أتت الفتن كقطع الليل المظلم يركب بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولى، فليهنكم ما أنتم فيه» ثم رجع فقال «يا أبا مويهبة، إني خيرت مفاتيح ما يفتح على أمتي من

بعدي والجنة أو لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي» قال: فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء عبيده، عليه الصلاة والسلام.

** [إماؤه عليه الصلاة والسلام] **

وأما إماؤه عليه الصلاة والسلام ### $$ فمنهن أمة الله بنت رزينة. الصحيح أن الصحبة لأمها رزينة كما سيأتي، ولكن وقع في رواية ابن أبي عاصم حدثنا عقبة بن مكرم، ثنا محمد بن موسى، حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية قالت حدثتني أمي، عن أمة الله خادم النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى صفية يوم قريظة والنضير، فأعتقها وأمهرها رزينة أم أمة الله. وهذا حديث غريب جدا. ### $$ ومنهن أميمة. قال ابن الأثير: وهي مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى حديثها أهل الشام. روى عنها جبير بن نفير «أنها كانت توضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل يوما فقال له: أوصني. فقال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار، ولا تدع صلاة متعمدا، فمن تركها فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ولا تشربن مسكرا ; فإنه رأس كل خطيئة، ولا تعصين والديك

وإن أمراك أن تختلي من أهلك ودنياك» . ### $$ ومنهن بركة أم أيمن، وأم أسامة بن زيد بن حارثة. وهي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان الحبشية، غلب عليها كنيتها أم أيمن، وهو ابنها من زوجها الأول عبيد بن زيد الحبشي، ثم تزوجها بعده زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد، وتعرف بأم الظباء، وقد هاجرت الهجرتين رضي الله عنها، وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب. وقد كانت ممن ورثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه، قاله الواقدي. وقال غيره: بل ورثها من أمه. وقيل: بل كانت لأخت خديجة فوهبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآمنت قديما وهاجرت، وتأخرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدم ما ذكرناه من زيارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إياها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها بكت، فقالا لها: أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: بلى، ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء. فجعلا يبكيان معها.

وقال البخاري في " التاريخ ": وقال عبد الله بن يوسف، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال: «كانت أم أيمن تحضن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كبر، فأعتقها، ثم زوجها زيد بن حارثة، وتوفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر،

وقيل: إنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه» . وقد رواه مسلم، عن أبي الطاهر، وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال: كانت أم أيمن الحبشية. فذكره.

وقال محمد بن سعد عن الواقدي: توفيت أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه.

قال الواقدي: وأنبأنا يحيى بن سعيد بن دينار، عن شيخ من بني سعد بن بكر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأم أيمن " يا أمه ". وكان إذا نظر إليها قال: " هذه بقية أهل بيتي» .

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أم أيمن أمي بعد أمي» .

وقال الواقدي عن أصحابه المدنيين قالوا: «نظرت أم أيمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشرب، فقالت: اسقني. فقالت عائشة: يا أم أيمن، أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! فقالت: ما خدمته أطول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدقت ". فجاء بالماء فسقاها» .

وقال المفضل بن غسان: حدثنا وهب بن جرير ثنا أبي قال: سمعت عثمان بن القاسم قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء وهي صائمة، فأصابها عطش شديد حتى جهدها. قال، فدلي عليها دلو من السماء برشاء أبيض فيه ماء. قالت: فشربت فما أصابني عطش بعد، وقد تعرضت للعطش بالصوم وفي الهواجر، فما عطشت بعد.

وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا سلم بن قتيبة، عن الحسين بن حريث، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أم أيمن قالت: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها، فكان إذا أصبح يقول: " يا أم أيمن، صبي ما في الفخارة " فقمت ليلة وأنا عطشى فغلطت فشربت ما فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أم أيمن، صبي ما في الفخارة " فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قمت وأنا عطشى، فشربت ما فيها. فقال: " إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا» .

قال ابن الأثير في " الغابة ": وروى حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن حكيمة بنت أميمة، عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه، يضعه تحت السرير، فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته،

فطلبه فلم يجده، فقيل: شربته بركة. فقال: " لقد احتظرت من النار بحظار» قال الحافظ أبو الحسن بن الأثير: وقيل إن التي شربت بوله عليه الصلاة والسلام، إنما هي بركة الحبشية التي قدمت مع أم حبيبة من الحبشة. وفرق بينهما. فالله أعلم.

قلت: فأما بريرة فإنها كانت لآل أبي أحمد بن جحش، فكاتبوها فاشترتها عائشة رضي الله عنها منهم فأعتقتها فثبت ولاؤها لها، كما ورد الحديث بذلك في " الصحيحين "، ولم يذكرها ابن عساكر. ### $$ ومنهن خضرة. ذكرها ابن منده فقال: روى معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم خادم يقال لها: خضرة» .

وقال محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا فائد مولى عبيد الله، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن جدته سلمى قالت: «كان خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد، أعتقهن رسول الله

صلى الله عليه وسلم كلهن، رضي الله عنهن» . ### $$ ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. قال ابن الأثير، في " الغابة ": روت حديثها عليلة بنت الكميت، عن جدتها، عن خليسة مولاة حفصة، في «قصة حفصة وعائشة مع سودة بنت زمعة، ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج، فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه، واستضحكتا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما شأنكما؟ ". فأخبرتاه بما كان من أمر سودة، فذهب إليها، فقالت: يا رسول الله، أخرج الدجال؟ فقال: " لا ". وكان قد خرج فخرجت، وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت» . وذكر ابن الأثير خليسة مولاة سلمان الفارسي، وقال: لها ذكر في إسلام سلمان، رضي الله عنهما، وإعتاقها إياه، وتعويضه عليه الصلاة والسلام لها بأن غرس لها ثلاثمائة فسيلة. ذكرتها تمييزا. ### $$ ومنهن خولة خادم النبي صلى الله عليه وسلم. كذا قال ابن الأثير، وقد روى حديثها الحافظ أبو نعيم من طريق حفص بن سعيد القرشي، عن أمه، عن أمها خولة، وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثا في تأخر الوحي بسبب جرو كلب مات تحت سريره عليه الصلاة والسلام ولم يشعروا به، فلما أخرجه جاء الوحي، فنزل قوله تعالى: {والضحى والليل إذا سجى} [الضحى: 1] وهذا غريب،

والمشهور في سبب نزولها غير ذلك. والله أعلم. ### $$ ومنهن رزينة. قال ابن عساكر: والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيي. وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: وقد تقدم في ترجمة ابنتها أمة الله أنه عليه الصلاة والسلام أمهر صفية بنت حيي أمها رزينة، فعلى هذا يكون أصلها له عليه الصلاة والسلام.

وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو سعيد الجشمي، حدثتنا عليلة بنت الكميت قالت: سمعت أمي أمينة قالت: حدثتني أمة الله بنت رزينة، عن أمها رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه، فجاء بها يقودها سبية، فلما رأت النساء قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فأرسلها وكان ذراعها في يده، فأعتقها، ثم خطبها وتزوجها، وأمهرها رزينة» . هكذا وقع في هذا السياق، وهو أجود مما سبق من رواية ابن أبي عاصم، ولكن الحق أنه عليه الصلاة والسلام اصطفى صفية من غنائم خيبر وأنه أعتقها وجعل عتقها صداقها. وما وقع في هذه الرواية يوم قريظة والنضير تخبيط ; فإنهما يومان، بينهما سنتان. والله أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل ": أخبرنا ابن عبدان أنبأنا

أحمد بن عبيد الصفار، ثنا علي بن الحسن السكري، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية، عن أمها أمينة قالت: «قلت لأمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أمة الله، أسمعت أمك تذكر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر صوم عاشوراء؟ قالت: نعم، كان يعظمه ويدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة، فيتفل في أفواههم، ويقول لأمهاتهم: " لا ترضعيهم إلى الليل» له شاهد في الصحيح ### $$ ومنهن رضوى. قال ابن الأثير: روى سعيد بن بشير، عن قتادة عن رضوى بنت كعب، «أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحائض تختضب، فقال: " ما بذلك بأس» رواه أبو موسى المديني. ### $$ ومنهن ريحانة بنت شمعون القرظية. وقيل: النضرية. وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن. ### $$ ومنهن زرينة. بتقديم الزاي. والصحيح رزينة كما تقدم. ### $$ ومنهن سائبة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. روت عنه حديثا في اللقطة، وعنها طارق بن عبد الرحمن، روى حديثها أبو موسى المديني. هكذا ذكر ابن الأثير في " الغابة ".

### $$ ومنهن سديسة الأنصارية. وقيل: مولاة حفصة بنت عمر، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه» قال ابن الأثير: رواه عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق، عن أبيه، عن إسرائيل، عن الأوزاعي، عن سالم عن سديسة، ورواه إسحاق بن يسار، عن الفضل، فقال: عن سديسة، عن حفصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فذكره. رواه أبو نعيم وابن منده. ### $$ ومنهن سلامة حاضنة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روت عنه حديثا في فضل الحمل والطلق والرضاع والسهر، فيه غرابة ونكارة من جهة إسناده ومتنه، رواه أبو نعيم، وابن منده من حديث هشام بن عمار بن نصير خطيب دمشق عن أبيه عن عمرو بن سعيد الخولاني، عن أنس عنها. ذكرها ابن الأثير. ### $$ ومنهن سلمى. وهي أم رافع امرأة أبي رافع، كما رواه الواقدي عنها، أنها قالت: «كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد، فأعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلنا» .

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، وأبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عبد

الرحمن بن أبي الموالي، عن فائد مولى ابن أبي رافع، عن علي بن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدته سلمى خادم النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «ما سمعت أحدا قط يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال: " احتجم ". ولا وجعا في رجليه إلا قال: " اخضبهما بالحناء» " وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن أبي الموالي، والترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، كلاهما عن فائد، عن مولاه عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن جدته سلمى به. وقال الترمذي: غريب إنما نعرفه من حديث فائد. وقد روت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها واستقصاؤها. قال مصعب الزبيري وقد شهدت سلمى وقعة خيبر.

قلت: وقد ورد أنها كانت تطبخ للنبي صلى الله عليه وسلم الحريرة فتعجبه. وقد تأخرت إلى بعد موته عليه الصلاة والسلام، وشهدت وفاة فاطمة رضي الله عنها، وقد كانت أولا لصفية بنت عبد المطلب عمته عليه الصلاة والسلام، ثم

صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قابلة أولاد فاطمة، وهي التي قبلت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهدت غسل فاطمة رضي الله عنها، وغسلتها مع زوجها علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس امرأة الصديق.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن سلمى قالت: اشتكت فاطمة عليها السلام، شكواها الذي قبضت فيه، فكنت أمرضها، فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك. قالت: وخرج علي لبعض حاجته، فقالت: يا أمه، اسكبي لي غسلا. فسكبت لها غسلا، فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت: يا أمه، أعطني ثيابي الجدد. فأعطيتها فلبستها، ثم قالت: يا أمه، قدمي لي فراشي وسط البيت. ففعلت، واضطجعت، فاستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها، ثم قالت: يا أمه، إني مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفني أحد. فقبضت مكانها. قالت، فجاء علي فأخبرته. وهو غريب جدا. ### $$ ومنهن سيرين - ويقال: شيرين - أخت مارية القبطية، خالة إبراهيم عليه السلام. وقد قدمنا أن المقوقس صاحب إسكندرية، واسمه

جريج بن مينا، أهداهما مع غلام اسمه مأبور، وبغلة يقال لها: الدلدل. فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. ### $$ ومنهن عنقودة أم صبيح الحبشية جارية عائشة. كان اسمها عنبة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقودة. رواه أبو نعيم. ويقال: اسمها غفيرة. ### $$ فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم - يعني مرضعه - قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أويت إلى فراشك فاقرئي " قل يا أيها الكافرون " فإنها براءة من الشرك» ذكرها أبو أحمد العسكري. قاله ابن الأثير في " الغابة ". ### $$ فأما فضة النوبية. فقد ذكر ابن الأثير في " الغابة " أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أورد بإسناد مظلم، عن محبوب بن حميد البصري، عن القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] . ثم

ذكر ما مضمونه، «أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما عامة العرب، فقالوا لعلي: لو نذرت؟ فقال علي: إن برئا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام. وقالت: فاطمة كذلك، وقالت فضة كذلك. فألبسهما الله العافية فصاموا. وذهب علي، فاستقرض من شمعون الخيبري ثلاثة آصع من شعير، فهيئوا منه تلك الليلة صاعا، فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء، وقف على الباب سائل فقال: أطعموا المسكين، أطعمكم الله على موائد الجنة. فأمرهم علي فأعطوه ذلك الطعام وطووا، فلما كانت الليلة الثانية صنعوا لهم الصاع الآخر، فلما وضعوه بين أيديهم وقف سائل فقال: أطعموا اليتيم. فأعطوه ذلك وطووا. فلما كانت الليلة الثالثة قال: أطعموا الأسير. فأعطوه وطووا ثلاثة أيام وثلاث ليال. فأنزل الله في حقهم {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] إلى قوله: {لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 9] » وهذا الحديث منكر، ومن الأئمة من يجعله موضوعا، ويسند ذلك إلى ركة ألفاظه، وأن هذه السورة مكية، والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة. والله أعلم. ### $$ ليلى مولاة عائشة. قالت: «يا رسول الله، إنك تخرج من الخلاء فأدخل في أثرك فلم أر شيئا، إلا أني أجد ريح المسك. فقال: " إنا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة، فما خرج منا من نتن ابتلعته الأرض»

رواه أبو نعيم من حديث أبي عبد الله المدني - وهو أحد المجاهيل - عنها. ### $$ مارية القبطية أم إبراهيم، عليه السلام. تقدم ذكرها مع أمهات المؤمنين. وقد فرق ابن الأثير بينها وبين مارية أم الرباب، قال وهي جارية للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا. حديثها عند أهل البصرة رواه عبد الله بن حبيب، عن أم سليمان، عن أمها، «عن جدتها مارية قالت: تطأطأت للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين» . ثم قال: ومارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم. روى أبو بكر بن عياش، عن المثنى بن صالح، عن جدته مارية - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: «ما مسست بيدي شيئا قط ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم» . قال أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب ": لا أدري أهي التي قبلها أم لا؟ ### $$ ومنهن ميمونة بنت سعد. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، ثنا عيسى، هو ابن يونس، ثنا ثور، هو ابن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه، أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس. قال: «أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه» قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: «

" فليهد إليه زيتا يسرج فيه، فإنه من أهدى له كان كمن صلى فيه» وهكذا رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن عبد الله الرقي، عن عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه أبو داود، عن النفيلي، عن مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زياد، عن ميمونة، لم يذكر أخاه. فالله أعلم.

وقال أحمد: حدثنا حسين وأبو نعيم، قالا: ثنا إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضبي، عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنا، قال: " لا خير فيه، نعلان أجاهد بهما في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا» " وهكذا رواه النسائي عن عباس الدوري، وابن ماجه من حديث أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا المحاربي، ثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة - وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " الرافلة في الزينة،

في غير أهلها كالظلمة يوم القيامة لا نور لها» ورواه الترمذي من حديث موسى بن عبيدة. وقال: لا نعرفه إلا من حديثه، وهو يضعف في الحديث، وقد رواه بعضهم عنه فلم يرفعه. ### $$ ومنهن ميمونة بنت أبي عنبسة أو بنت عنبسة. قاله أبو عمر وابن منده. قال أبو نعيم: وهو تصحيف، والصواب ميمونة بنت أبي عسيب، كذلك روى حديثها المنتجع بن مصعب أبو عبد الله العبدي، عن ربيعة بنت يزيد، وكانت تنزل في بني قريع، عن منبه، عن ميمونة بنت أبي عسيب - وقيل: بنت أبي عنبسة - مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، «أن امرأة من جرش أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا عائشة، أغيثيني بدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تسكنيني بها، وتطمنيني بها. وأنه قال لها: " ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه، وقولي: بسم الله، اللهم داوني بدوائك، واشفني بشفائك، وأغنني بفضلك عمن سواك " قالت ربيعة: فدعوت به فوجدته جيدا» .

### $$ ومنهن أم ضميرة زوج أبي ضميرة. قد تقدم الكلام عليهم رضي الله عنهم. ### $$ ومنهن أم عياش، رضي الله عنها. بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابنته تخدمها حين زوجها بعثمان بن عفان رضي الله عنهما. قال أبو القاسم البغوي حدثنا هدبة، ثنا عبد الواحد بن صفوان، حدثني أبي صفوان، عن أبيه، عن جدته أم عياش - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - بعث بها مع ابنته إلى عثمان رضي الله عنهم، قالت: كنت أمغث لعثمان التمر غدوة فيشربه عشية، وأنبذه عشية فيشربه غدوة، فسألني ذات يوم، فقال: " تخلطين فيه شيئا؟ " فقلت: أجل. قال: " فلا تعودي ".

فهؤلاء إماؤه رضي الله عنهن.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا القاسم بن الفضل، حدثني ثمامة بن حزن قال: «سألت عائشة عن النبيذ، فقالت: هذه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلها. لجارية حبشية، فقالت: كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء عشاء فأوكيه، فإذا أصبح شرب منه» . ورواه مسلم والنسائي من حديث القاسم بن الفضل به. هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عائشة،

والأليق ذكره في مسند جارية حبشية كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وهي إما أن تكون واحدة ممن قدمنا ذكرهن، أو زائدة عليهن. والله تعالى أعلم.

** [خدامه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم الذين خدموه من أصحابه غير مواليه] **

فصل وأما خدامه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم الذين خدموه من أصحابه غير مواليه ### $ فمنهم أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عاصم بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري أبو حمزة المدني، نزيل البصرة. خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، فما عاتبه على شيء أبدا، ولا قال لشيء فعله: لم فعلته. ولا لشيء لم يفعله: ألا فعلته؟ وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، هي التي أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وسألته أن يدعو له، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، وأدخله الجنة» قال أنس فقد رأيت اثنتين، وأنا أنتظر الثالثة، والله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو من مائة. وفي رواية: وإن كرمي ليحمل في السنة مرتين، وإن ولدي لصلبي مائة وستة أولاد. وقد اختلف في شهوده بدرا، وقد روى الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: أشهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ والمشهور أنه لم يشهد بدرا لصغره، ولم يشهد أحدا أيضا لذلك. وشهد الحديبية وخيبر، وعمرة

القضاء، والفتح، وحنينا، والطائف، وما بعد ذلك. قال أبو هريرة ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم. يعني أنس بن مالك وقال ابن سيرين كان أحسن الناس صلاة في سفره وحضره. وكانت وفاته بالبصرة، وهو آخر من كان قد بقي فيها من الصحابة فيما قاله علي بن المديني، وذلك في سنة تسعين، وقيل: إحدى. وقيل: اثنتين. وقيل: ثلاثا وتسعين. وهو الأشهر، وعليه الأكثر. وأما عمره يوم مات فقد روى الإمام أحمد في " مسنده ": حدثنا معتمر بن سليمان، عن حميد، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة. وأقل ما قيل ست وتسعون. وأكثر ما قيل مائة وسبع سنين. وقيل: ست. وقيل: مائة وثلاث سنين. فالله أعلم. ### $ ومنهم رضي الله عنهم الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجي. قال محمد بن سعد: كان اسمه ميمون بن سنباذ، قال الربيع بن بدر الأعرجي، عن أبيه، عن جده، «عن الأسلع قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرحل له، فقال ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحل قال: أصابتني جنابة

يا رسول الله. قال: فسكت ساعة، وأتاه جبريل بآية الصعيد. قال: فتمسحت وصليت، فلما انتهيت إلى الماء قال: يا أسلع قم فاغتسل فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب يديه الأرض، ثم نفضهما فمسح بهما ذراعيه ; باليمنى على اليسرى، وباليسرى على اليمنى، ظاهرهما وباطنهما. قال الربيع: وأراني أبي كما أراه أبوه كما أراه الأسلع كما أراه رسول الله صلى الله عليه وسلم» . قال الربيع: فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبي جميلة فقال: هكذا والله رأيت الحسن يصنع. رواه ابن منده والبغوي في كتابيهما " معجم الصحابة " من حديث الربيع بن بدر هذا، قال البغوي: ولا أعلمه روى غيره. قال ابن عساكر: وقد روى - يعني هذا الحديث - الهيثم بن رزيق المالكي المدلجي، عن أبيه، عن الأسلع بن شريك. ### $ ومنهم ; رضي الله عنهم، أسماء بن حارثة بن سعيد بن عبد الله بن غياث بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى الأسلمي. وكان من أهل الصفة، قاله محمد بن سعد. وهو أخو هند بن حارثة، وكانا

يخدمان النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند بن حارثة، وكان هند من أصحاب الحديبية وكان أخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة. فحدثني يحيى بن هند، عن أسماء بن حارثة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال: «مر قومك بصيام هذا اليوم قال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال فليتموا آخر يومهم» وقد رواه أحمد بن خالد الوهبي عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي، عن أبيه هند قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم من أسلم فقال: «مر قومك فليصوموا هذا اليوم، ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره» .

وقال محمد بن سعد، عن الواقدي: أنبأنا محمد بن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنت أظن أن هندا وأسماء ابني حارثة إلا مملوكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: كانا يخدمانه لا يبرحان بابه هما وأنس بن مالك. قال محمد بن سعد: وقد توفي أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، بلال بن رباح الحبشي. ولد بمكة، وكان مولى

لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر بمال جزيل ; لأنه كان أمية يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الإسلام، فيأبى إلا الإسلام رضي الله عنه، فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله، وهاجر حين هاجر الناس، وشهد بدرا، وأحدا وما بعدهما من المشاهد رضي الله عنه. وكان يعرف ببلال بن حمامة، وهي أمه، وكان من أفصح الناس لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا، حتى إن بعض الناس يروي حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن سين بلال عند الله شين. وهو أحد المؤذنين الأربعة كما سيأتي، وهو أول من أذن كما قدمنا. وكان يلي أمر النفقة على العيال، ومعه حاصل ما يكون من المال. ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خرج إلى الشام للغزو، ويقال: إنه أقام يؤذن لأبي بكر أيام خلافته. والأول أشهر. قال الواقدي: مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة. وقال الفلاس: قبره بدمشق، ويقال: بداريا. وقيل: إنه مات بحلب. والصحيح أن الذي مات بحلب أخوه خالد. قال مكحول: حدثني من رأى بلالا قال: كان شديد الأدمة نحيفا أجنأ، له شعر كثير، وكان لا يغير شيبه رضي الله عنه.

### $ ومنهم رضي الله عنهم، بكير بن الشداخ الليثي. ذكر ابن منده من طريق أبي بكر الهذلي، عن عبد الملك بن يعلى الليثي، «أن بكير بن شداخ الليثي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فاحتلم، فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إني كنت أدخل على أهلك، وقد احتلمت الآن يا رسول الله. فقال: اللهم صدق قوله، ولقه الظفر. فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود، فقام عمر خطيبا فقال: أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم؟ فقام بكير فقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين. فقال عمر: بؤت بدمه، فأين المخرج؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله، فجئت فإذا هذا اليهودي عند امرأته، وهو يقول:

وأشعث غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام

أبيت على ترائبها ويمسي على قود الأعنة والحزام ... كأن مجامع الربلات منها

فئام ينهضون إلى فئام

قال: فصدق عمر قوله، وأبطل دم اليهودي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لبكير» ، بما تقدم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، حبة وسواء ابنا خالد رضي الله عنهما. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية. قال: وثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سلام بن شرحبيل، عن حبة وسواء ابنى خالد قالا: دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا

فأعناه فقال: «لا تيئسا من الرزق ما تهزهزت رءوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله عز وجل» . ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، ذو مخمر. ويقال ذو مخبر. وهو ابن أخي النجاشي ملك الحبشة، ويقال ابن أخته. والصحيح الأول. كان بعثه ليخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر ثنا حريز، عن يزيد بن صليح، «عن ذي مخمر، وكان رجلا من الحبشة يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد، فقال له قائل: يا رسول الله، قد انقطع الناس. قال: فحبس، وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه فقال لهم: هل لكم أن نهجع هجعة؟ أو قال له قائل، فنزل ونزلوا، فقال: من يكلؤنا الليلة؟ فقلت: أنا، جعلني الله فداءك. فأعطاني خطام ناقته، فقال: هاك، لا تكونن لكعا قال: فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطام ناقتي فتنحيت غير بعيد فخليت سبيلهما ترعيان، فإني في ذلك أنظر إليهما حتى أخذني النوم، فلم أشعر بشيء

حتى وجدت حر الشمس على وجهي، فاستيقظت فنظرت يمينا وشمالا، فإذا أنا بالراحلتين مني غير بعيد، فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخطام ناقتي، فأتيت أدنى القوم فأيقظته، فقلت: أصليت؟ قال: لا. فأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بلال هل في الميضأة ماء؟ يعني الإداوة، فقال: نعم، جعلني الله فداءك. فأتاه بوضوء، فتوضأ وضوءا لم يلت منه التراب، فأمر بلالا فأذن، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة، فصلى وهو غير عجل، فقال له قائل: يا رسول الله أفرطنا؟ قال: لا، قبض الله عز وجل، أرواحنا وردها إلينا، وقد صلينا» . ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، ربيعة بن كعب الأسلمي، أبو فراس. قال الأوزاعي: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، «عن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته، فكان يقوم من الليل فيقول سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده، سبحان رب العالمين، سبحان رب العالمين الهوي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك حاجة؟ قلت: يا رسول الله، مرافقتك في الجنة. قال: فأعني على نفسك

بكثرة السجود» .

وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن مجمر، «عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع، حتى يصلي العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فما أزال أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سبحان الله سبحان الله وبحمده. حتى أمل فأرجع، أو تغلبني عيناي فأرقد. قال: فقال لي يوما لما يرى من خفتي له، وخدمتي إياه: يا ربيعة بن كعب، سلني أعطك قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله، ثم أعلمك ذلك. قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني. قال: فقلت: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي ; فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به. قال: فجئته فقال: ما فعلت يا ربيعة؟ قال: فقلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار. قال: فقال: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ قال: فقلت: لا والله الذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك لما قلت: " سلني أعطك ". وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي

فيها رزقا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي. قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا، ثم قال لي: إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود» .

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، أنبأنا يزيد بن هارون، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا أبو عمران الجوني، «عن ربيعة الأسلمي، وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقال لي ذات يوم: يا ربيعة، ألا تزوج؟ قال: قلت: يا رسول الله، ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء. قال: فسكت، فلما كان بعد قال لي: يا ربيعة، ألا تزوج؟ قلت: يا رسول الله، ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء، وما عندي ما أعطي المرأة. قال: فقلت بعد ذلك: رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عندي حتى يدعوني إلى التزويج، لئن دعاني هذه المرة لأجيبنه. قال: فقال لي: يا ربيعة، ألا تزوج؟ فقلت: يا رسول الله، ومن يزوجني؟ ما عندي ما أعطي المرأة. قال: فقال لي: انطلق إلى بني فلان فقل لهم: إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة. قال: فأتيتهم فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة. قالوا: فلانة؟! قال: نعم. قالوا: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرحبا برسوله. فزوجوني، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أتيتك من خير أهل بيت، صدقوني وزوجوني، فمن أين لي ما أعطي صداقي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريدة الأسلمي: اجمعوا لربيعة في صداقه في وزن نواة من ذهب قال: فجمعوها فأعطوني، فأتيتهم فقبلوها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، قد قبلوا، فمن أين لي ما أولم؟

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريدة: اجمعوا لربيعة في ثمن كبش قال: فجمعوا، وقال لي: انطلق إلى عائشة، فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير قال: فأتيتها فدفعت إلي، فانطلقت بالكبش والشعير، فقالوا: أما الشعير فنحن نكفيك، وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه. وعملوا الشعير، فأصبح والله عندنا خبز ولحم، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع أبا بكر أرضا له، فاختلفنا في عذق، فقلت: هو في أرضي. وقال أبو بكر: هو في أرضي. فتنازعنا، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، فندم فأخبرني فقال لي: قل لي كما قلت لك. قال: فقلت: لا والله لا أقول لك كما قلت لي. قال: إذا آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعته، فجاءني قومي يتبعونني، فقالوا: هو الذي قال لك وهو يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشكو؟! قال: فالتفت إليهم فقلت: تدرون من هذا؟! هذا الصديق وذو شيبة المسلمين، ارجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره فيهلك ربيعة. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قلت لربيعة كلمة كرهها، فقلت له يقول لي مثل ما قلت له فأبى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. يا ربيعة، وما لك وللصديق؟ قال: فقلت: يا رسول الله، لا والله لا أقول له كما قال لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقل له كما قال لك، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر.» ### $ ومنهم رضي الله عنهم سعد مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ويقال: مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود الطيالسي: ثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد مولى أبي بكر الصديق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر - وكان سعد مملوكا لأبي بكر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه خدمته -: «أعتق سعدا» فقال: يا رسول الله، ما لنا خادم هاهنا غيره. فقال: «أعتق سعدا أتتك الرجال أتتك الرجال» وهكذا رواه أحمد عن أبي داود الطيالسي.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد قال: «قربت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا، فجعلوا يقرنون، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القران» . ورواه ابن ماجه عن بندار، عن أبي داود به. ### $ ومنهم رضي الله عنهم، عبد الله بن رواحة دخل يوم عمرة القضاء مكة وهو يقود بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله

كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويشغل الخليل عن خليله

كما قدمنا ذلك بطوله. وقد قتل عبد الله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم

مؤتة كما تقدم أيضا. ### $ ومنهم رضي الله عنهم، عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلي. أحد أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها، كان يلي حمل نعلي النبي صلى الله عليه وسلم، ويلي طهوره، ويرحل دابته إذا أراد الركوب، وكانت له اليد الطولى في تفسير كلام الله تعالى، وله العلم الجم والفضل والحلم، وفي الحديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه، وقد جعلوا يعجبون من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» ، وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود: هو كنيف ملئ علما. وذكروا أنه نحيف الخلق حسن الخلق، يقال: إنه كان إذا مشى يسامت الجالس وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته، يعني أنه يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وكلامه، ويتشبه بما استطاع من عبادته. توفي، رضي الله عنه، في أيام عثمان بن عفان، رضي الله عنه سنة ثنتين أو ثلاث وثلاثين بالمدينة عن ثلاث وستين سنة، وقيل: إنه توفي بالكوفة. والأول أصح. ### $ ومنهم رضي الله عنهم عقبة بن عامر الجهني قال الإمام أحمد: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، «عن عقبة بن عامر

قال: بينما أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب من تلك النقاب، إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب؟ قال: فأجللت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أركب مركبه، ثم قال: يا عقيب، ألا تركب؟ قال: فأشفقت أن تكون معصية. قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال: يا عقبة ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما، ثم مر بي فقال: كيف رأيت يا عقيب؟ اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت» وهكذا رواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك، عن ابن جابر. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة به. ### $ ومنهم رضي الله عنهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي. روى البخاري عن أنس قال: «كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير» . وقد كان قيس هذا رضي الله عنه من أطول الرجال، وكان كوسجا، ويقال: إن سراويله كان يضعه على أنفه من

يكون من أطول الرجال، فتصل رجلاه الأرض، وقد بعث معاوية بن أبي سفيان سراويله إلى ملك الروم يقول له: هل عندكم رجل تجيء سراويله على طوله؟ فعجب ملك الروم من ذلك. وذكروا أنه كان كريما ممدحا ذا رأي ودهاء، وكان مع علي بن أبي طالب أيام صفين. وقال مسعر، عن معبد بن خالد: كان قيس بن سعد لا يزال رافعا أصبعه المسبحة يدعو رضي الله عنه وأرضاه. وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما: توفي بالمدينة في آخر أيام معاوية.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا علي بن يزيد الحنفي، ثنا سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس قال: «كان عشرون شابا من الأنصار يلزمون رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوائجه، فإذا أراد أمرا بعثهم فيه.» ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، المغيرة بن شعبة الثقفي، رضي الله عنه. كان بمنزلة السلحدار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما «كان رافعا السيف في يده،

وهو واقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم في الخيمة يوم الحديبية فجعل كلما أهوى عمه عروة بن مسعود الثقفي حين قدم في الرسيلة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم - على ما جرت به عادة العرب في مخاطباتها - يقرع يده بقائمة السيف، ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك» . الحديث كما قدمناه.

قال محمد بن سعد وغيره: شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاه مع أبي سفيان الإمرة حين ذهبا فخربا طاغوت أهل الطائف وهي المدعوة بالربة، وهي اللات، وكان داهية من دهاة العرب. قال الشعبي: سمعته يقول: ما غلبني أحد قط. وقال الشعبي: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها. وقال الشعبي: القضاة أربعة; علي وعمر وابن مسعود وأبو موسى، والدهاة أربعة; معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد. وقال الزهري: الدهاة خمسة; معاوية وعمرو والمغيرة واثنان مع علي، وهما قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقاء.

وقال الإمام مالك: كان المغيرة بن شعبة رجلا نكاحا للنساء، وكان يقول: صاحب الواحدة إن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها،

وصاحب الثنتين بين نارين تشتعلان. قال: فكان ينكح أربعا جميعا ويطلقهن جميعا. وقال غيره: تزوج ثمانين امرأة. وقيل: ثلاثمائة امرأة. وقيل: أحصن ألف امرأة. وقد اختلف في وفاته على أقوال أشهرها وأصحها، وهو الذي حكى عليه الخطيب البغدادي الإجماع، أنه توفي سنة خمسين. ### $ ومنهم رضي الله عنهم المقداد بن الأسود أبو معبد الكندي، حليف بني زهرة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، «عن المقداد بن الأسود قال: قدمت المدينة أنا وصاحبان لي فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له، فذهب بنا إلى منزله، وعنده أربع أعنز، فقال: احلبهن يا مقداد، وجزئهن أربعة أجزاء، وأعط كل إنسان جزءا فكنت أفعل ذلك، فرفعت للنبي صلى الله عليه وسلم جزأه ذات ليلة، فاحتبس واضطجعت على فراشي، فقالت لي نفسي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الأنصار، فلو قمت فشربت هذه الشربة. فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزأه، فلما دخل في بطني وتقار أخذني ما قدم وما حدث، فقلت: يجيء الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآن، فلا يرى في القدح شيئا، فسجيت ثوبا على وجهي، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليما يسمع اليقظان ولا

يوقظ النائم، فكشف عنه فلم ير شيئا، فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم اسق من سقاني، وأطعم من أطعمني فاغتنمت دعوته، وقمت فأخذت الشفرة، فدنوت إلى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لأذبحها، فوقعت يدي على ضرع إحداهن، فإذا هي حافل، ونظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل، فنظرت فإذا هن كلهن حفل، فحلبت في الإناء فأتيته به فقلت: اشرب. فقال: ما الخبر يا مقداد؟ فقلت: اشرب ثم الخبر. فقال: بعض سوآتك يا مقداد فشرب ثم قال: " اشرب ". فقلت: اشرب يا نبي الله. فشرب حتى تضلع، ثم أخذته فشربته، ثم أخبرته الخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هيه ". فقلت: كان كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه بركة منزلة من السماء، أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك فقلت: إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت» . وقد رواه الإمام أحمد أيضا، عن أبي النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد. فذكر ما تقدم، وفيه «أنه حلب في الإناء الذي كانوا لا يطمعون أن يحلبوا فيه، فحلب حتى علته الرغوة، ولما جاء به قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد؟ فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب ثم ناولني، فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب ثم ناولني، فأخذت ما بقي ثم شربت، فلما عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد روى فأصابتني دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إحدى سوآتك يا مقداد فقلت: يا رسول الله، كان

من أمري كذا، صنعت كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كانت هذه إلا رحمة الله، ألا كنت آذنتني توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس» . وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ### $ ومنهم رضي الله عنهم مهاجر مولى أم سلمة. قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني إبراهيم بن عبد الله، سمعت بكيرا يقول: «سمعت مهاجرا مولى أم سلمة يقول: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين، فلم يقل لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ وفي رواية: خدمته عشر سنين أو خمس سنين.» ### $ ومنهم رضي الله عنهم أبو السمح. قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي: ثنا مجاهد بن موسى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا يحيى بن الوليد، حدثني محل بن خليفة، «حدثني أبو السمح قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم،. قال: كان إذا أراد أن يغتسل قال: ناولني إداوتي قال: فأناوله وأستره، فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت لأغسله فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن مجاهد بن موسى.

### $ ومنهم، رضي الله عنهم، أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق، رضي الله عنه. تولى خدمته بنفسه في سفرة الهجرة، لا سيما في الغار وبعد خروجهم منه، حتى وصلوا إلى المدينة كما تقدم ذلك مبسوطا، ولله الحمد والمنة.

[كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه]

** فصل أما كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم أجمعين **

فمنهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، وسيأتي ترجمة كل واحد منهم في أيام خلافته، إن شاء الله تعالى وبه الثقة. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي. أسلم بعد أخويه خالد وعمرو، وكان إسلامه بعد الحديبية; لأنه هو الذي أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة يوم الحديبية وقيل: أسلم قبل ذلك زمن خيبر; لأن له ذكرا في " الصحيح " من حديث أبي هريرة في قسمة غنائم خيبر وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام، فذكر له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الراهب: ما اسمه؟ قال: محمد. قال: فأنا أنعته لك. فوصفه بصفته سواء، وقال: إذا رجعت إلى أهلك فأقرئه السلام. فأسلم بعد مرجعه، وهو أخو

عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان

قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت، وكتب له عثمان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد. هكذا قال، وكأنه يعني بالمدينة، وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها، وقد كتبها الصحابة بمكة رضي الله عنهم. وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا، فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير والزبير بن بكار وأكثر أهل النسب: قتل يوم أجنادين. يعني في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة. وقال آخرون: قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة.

وقال محمد بن إسحاق: قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك لخمس مضين

من رجب سنة خمس عشرة. وقيل أنه تأخر إلى أيام عثمان، وأنه أمره عثمان رضي الله عنه، أن يمل المصحف على زيد بن ثابت، ثم توفي سنة تسع وعشرين. فالله أعلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري أبو المنذر، ويقال: أبو الطفيل. سيد القراء، شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها. وكان ربعة نحيفا، أبيض الرأس واللحية، لا يغير شيبه. قال أنس: جمع القرآن أربعة - يعني من الأنصار - أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ورجل من الأنصار يقال له: أبو زيد. أخرجاه

وفي " الصحيحين " عن أنس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال: وسماني لك يا رسول الله؟! قال: " نعم ". قال: فذرفت عيناه ومعنى " أن أقرأ عليك " ;» قراءة إبلاغ وإسماع لا قراءة تعلم منه، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه. وقد ذكرنا في موضع آخر سبب هذه القراءة عليه، وأنه صلى الله عليه وسلم قرأ عليه سورة: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة} [البينة: 1] وذلك «أن أبي بن

كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبي، فرفعه أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اقرأ يا أبي ". فقرأ، فقال: " هكذا أنزلت ". ثم قال لذلك الرجل: " اقرأ ". فقرأ فقال: " هكذا أنزلت ". قال أبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا» . فبعد ذلك تلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه السورة كالتثبيت له والبيان له أن هذا القرآن حق وصدق، وإنه أنزل على أحرف كثيرة; رحمة ولطفا بالعباد.

وقال ابن أبي خيثمة: هو أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بالمدينة.

وقال محمد بن سعد: كان يكتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف في وفاته، فقيل: في سنة تسع عشرة. وقيل: سنة عشرين. وقيل: ثلاث وعشرين. وقيل: قبل مقتل عثمان بجمعة. فالله أعلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، أرقم بن أبي الأرقم، واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي. أسلم قديما، وهو الذي

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا في داره عند الصفا، وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن أنيس، وهو الذي كتب أقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفخ وغيره; وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم. وقد توفي في سنة ثلاث - وقيل: خمس - وخمسين. وله خمس وثمانون سنة.

وقد روى الإمام أحمد له حديثين; الأول: قال أحمد والحسن بن عرفة، واللفظ لأحمد: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن هشام بن زياد، عن عمار بن سعد، عن عثمان بن أرقم بن أبي الأرقم، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار» والثاني: قال أحمد: حدثنا عصام بن خالد، ثنا العطاف بن خالد، ثنا يحيى بن

عمران، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم، عن جده الأرقم، أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أين تريد؟ قال: أردت يا رسول الله هاهنا. وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس قال: ما يخرجك إليه؟ أتجارة؟ قال: لا، ولكن أردت الصلاة فيه. قال: الصلاة هاهنا - وأومأ بيده إلى مكة - خير من ألف صلاة، وأومأ بيده إلى الشام» تفرد بهما أحمد. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد. المدني خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد المدايني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: «قدم عبد الله بن علس الثمالي، ومسلية بن هران الحداني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم; كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة، رضي الله عنهم» . وهذا الرجل ممن ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة.

وروى الترمذي في " جامعه " بإسناد على شرط مسلم، عن أبي هريرة،

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل عمرو بن الجموح.»

وقد قتل رضي الله عنه، شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة في أيام أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وله قصة سنوردها، إن شاء الله تعالى، إذا انتهينا إلى ذلك، بحول الله وقوته وعونه ومعونته. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي الأسيدي الكاتب. وأخوه رباح صحابي أيضا، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب.

قال: الواقدي: كتب للنبي صلى الله عليه وسلم كتابا. وقال غيره: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف في الصلح. وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها، وقد أدرك أيام علي، وتخلف، عن القتال معه في الجمل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان، ومات بعد أيام علي، وقد ذكر ابن الأثير في " الغابة " أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت:

تعجبت دعد لمحزونة ... تبكي على ذي شيبة شاحب

إن تسأليني اليوم ما شفني ... أخبرك قولا ليس بالكاذب

إن سواد العين أودى به ... حزن على حنظلة الكاتب

قال أحمد بن عبد الله بن البرقي: كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد علي، جاء عنه حديثان. قلت: بل ثلاثة; قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، وعفان، قالا: ثنا همام، ثنا قتادة، عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حافظ على الصلوات الخمس; ركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله، دخل الجنة» أو قال: «وجبت له الجنة» تفرد به أحمد، وهو منقطع بين قتادة وحنظلة. والله أعلم. والحديث الثاني رواه أحمد ومسلم والترمذي، وابن ماجه من حديث سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة: «لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم، وفي طرقكم، وعلى فرشكم، ولكن ساعة، وساعة» وقد رواه أحمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن حنظلة. والثالث رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري، عن أبي

الزناد، عن المرقع بن صيفي بن حنظلة، عن جده، في النهي عن قتل النساء في الحرب. لكن رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرت، عن أبي الزناد، عن مرقع بن صيفي بن رباح بن ربيع، عن جده رباح بن ربيع أخي حنظلة الكاتب. فذكره. وكذلك رواه أحمد أيضا عن حسين بن محمد وإبراهيم بن أبي العباس، كلاهما عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي، كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن مرقع، عن جده رباح، ومن طريق المغيرة رواه النسائي، وابن ماجه كذلك. وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع، عن أبيه، عن جده رباح، فذكره. فالحديث عن رباح لا عن حنظلة، ولذا قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث.

قلت: وصح قول ابن البرقي أنه لم يرو سوى حديثين. والله أعلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو سعيد الأموي، أسلم قديما. يقال بعد الصديق بثلاثة أو

أربعة. وأكثر ما قيل خمسة. وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأنه واقف على شفير جهنم. فذكر من سعتها ما الله به عليم. قال: وكأن أباه يدفعه فيها، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيده ليمنعه من الوقوع فيها. فقص هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فقال له: لقد أريد بك خير، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه تنج مما خفته. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه، وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه، وأخرجه من منزله، ومنعه القوت، ونهى بقية إخوته أن يكلموه، فلزم خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا، ثم أسلم أخوه عمرو، فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم، ثم كان هو الذي ولي العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا، ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد افتتحها، فأسهم لهما عن مشورة المسلمين، وجاء أخوهما أبان بن سعيد، فشهد فتح خيبر كما قدمنا، ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوليهم الأعمال، فلما كانت خلافة الصديق خرجوا إلى الشام للغزو، فقتل خالد بأجنادين، ويقال: بمرج الصفر. والله أعلم.

قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم يعني أن خالد بن سعيد «كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمي أعطاه غلوتين بسهم وغلوة بحجر برهاط، فمن حاقه فلا

حق له، وحقه حق» وكتب خالد بن سعيد.

وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثني جعفر بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف، وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو سليمان المخزومي. وهو أمير الجيوش المنصورة الإسلامية، والعساكر المحمدية والمواقف المشهودة، والأيام المحمودة، ذو الرأي السديد، والبأس الشديد، والطريق الحميد، أبو سليمان خالد بن الوليد، رضي الله عنه. ويقال: إنه لم يكن في جيش فكسر، لا في جاهلية ولا إسلام. قال الزبير بن بكار كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل. أسلم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة بعد الحديبية وقيل: خيبر. ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فيما يبعثه أميرا، ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق، رضي الله عنه، فلما ولي عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عزله وولى أبا عبيدة أمين الأمة، على أن لا يخرج عن رأي أبي سليمان، ثم مات خالد في أيام عمر، وذلك في سنة إحدى وعشرين، وقيل: اثنتين وعشرين.

والأول أصح، بقرية على ميل من حمص.

قال الواقدي: سألت عنها، فقيل لي: دثرت. وقال دحيم: مات بالمدينة. والأول أصح. وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها.

قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم، أن «هذه قطايع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين أن عضاه وج لا يعضد، وصيده لا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن هذا من محمد النبي وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد صلى الله عليه وسلم» . ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو عبد الله الأسدي. أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وزوج أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم، «أن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، هو الذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم» . رواه ابن عساكر بإسناده، عن عتيق به.

أسلم الزبير، رضي الله عنه، قديما وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال: ابن ثمان سنين. وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وهو أول من سل سيفا في سبيل الله، وقد جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أبويه، وقال: «إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير» وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين، ويخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين، رضي الله عنه، وله فضائل ومناقب كثيرة، وكانت وفاته يوم الجمل ; وذلك أنه كر راجعا عن القتال، فلحقه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس، ورجل ثالث يقال له: نفيع. التميميون، بمكان يقال له: وادي السباع. فبدر إليه عمرو بن جرموز، وهو نائم فقتله، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة، وقد خلف رضي الله عنه، بعده تركة عظيمة، فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينا كانت عليه، فلما قضي دينه وأخرج ثلث ماله قسم الباقي على ورثته، فنال كل امرأة من

نسائه - وكن أربعا - ألف ألف ومائتي ألف، فمجموع ما ذكرناه مما تركه، رضي الله عنه، تسعة وخمسون ألف ألف وثمان مائة ألف، وهذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفيء والمغانم، ووجوه متاجر الحلال، وذلك كله بعد إخراج الزكوات في أوقاتها، والصلات البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها، رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنات الفردوس مثواه، وقد فعل ; فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين بالجنة، ولله الحمد والمنة. وذكر ابن الأثير في " الغابة " أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وأنه كان يتصدق بذلك كله، وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك:

أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والقول بالفعل يعدل

أقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل

هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوم محجل

وإن امرأ كانت صفية أمه ... ومن أسد في بيته لمرفل

له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل

فكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل

إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها ... بأبيض سباق إلى الموت يرقل

فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل

وقد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع وهو نائم، ويقال: بل قام من آثار النوم وهو دهش، فركب وبارزه ابن جرموز، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة ونفيع، فقتلوه، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه، فلما دخل بهما على علي قال علي رضي الله عنه، لما رأى سيف الزبير: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي فيما قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. فيقال: إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه. والصحيح أنه عمر بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير، فاستناب أخاه مصعبا على العراق، فاختفى عمرو بن جرموز خوفا من سطوته أن يقتله بأبيه، فقال مصعب: أبلغوه أنه آمن، أيحسب أني أقتله بأبي عبد الله؟ كلا والله ليسا سواء. وهذا من حلم مصعب وعلمه ورياسته.

وقد روى الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها، ولما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع، كما تقدم، قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه، رضي الله عنها وعنه:

غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد

يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد

كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن فقع القردد

ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله ... فيمن مضى ممن يروح ويغتدي

والله ربك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو سعيد. ويقال أبو خارجة. ويقال: أبو عبد الرحمن. المدني، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة ; فلهذا لم يشهد بدرا لصغره، قيل: ولا أحدا. وأول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها، وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا، ثبت عنه في " صحيح البخاري " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتبوا إليه، فتعلمه في خمسة عشر يوما» .

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، ثنا عبد الرحمن، عن أبي

الزناد، عن خارجة بن زيد، أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال زيد: ذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة. فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا زيد تعلم لي كتاب يهود ; فإني والله ما آمن يهود على كتابي. قال زيد: فتعلمت له كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب» . ثم رواه أحمد عن سريج بن النعمان، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه، فذكر نحوه. وقد علقه البخاري في الأحكام، عن خارجة بن زيد بن ثابت بصيغة الجزم، فقال: وقال: خارجة بن زيد فذكره. ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، والترمذي عن علي بن حجر، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وهذا ذكاء مفرط جدا، وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء، كما ثبت في " الصحيحين " عن أنس. وروى أحمد والنسائي من حديث أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر،

وأصدقها حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبي عبيدة ففي " صحيح البخاري " من هذا الوجه.

وقد كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن، ومن أوضح ذلك ما ثبت في " الصحيح " عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] الآية. دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله» فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها، فنزل: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] فأمرني فألحقتها، فقال زيد: فإني لأعرف موضع ملحقها عند صدع في ذلك اللوح. يعني من عظام. الحديث.

وقد شهد زيد اليمامة وأصابه سهم فلم يضره، وهو الذي أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه، وقال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه. ففعل ما أمره به الصديق، فكان في ذلك خير كثير، ولله الحمد والمنة. وقد استنابه عمر مرتين

في حجتين على المدينة واستنابه لما خرج إلى الشام وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا، وكان علي يحبه، وكان يعظم عليا ويعرف له قدره، ولم يشهد معه شيئا من حروبه، وتأخر بعده حتى توفي سنة خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى - وقيل: خمس - وخمسين. وهو ممن كان يكتب المصاحف الأئمة التي نفذ بها عثمان بن عفان إلى سائر الآفاق، اللائي وقع على التلاوة طبق رسمهن الإجماع والاتفاق، كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الذي كتبناه مقدمة في أول كتابنا " التفسير ". ولله الحمد والمنة. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، السجل. كما ورد به الحديث المروي في ذلك، عن ابن عباس - إن صح - وفيه نظر. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: «السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم» . وهكذا رواه النسائي عن قتيبة به. وعن ابن عباس أنه كان يقول في هذه الآية: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) [الأنبياء: 104] قال: السجل: الرجل. هذا لفظه. وكذا رواه أبو جعفر بن جرير في " تفسيره " عند قوله تعالى: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب. عن نصر بن علي، عن

نوح بن قيس، وهو ثقة من رجال مسلم، وقد ضعفه ابن معين في رواية عنه. وأما شيخه يزيد بن كعب العوذي البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس، وقد ذكره مع ذلك ابن حبان في " الثقات ". وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في " سنن أبي داود ". فقال شيخنا المزي: وأنا أقوله.

قلت: وقد رواه الحافظ ابن عدي في " كامله " من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة، عن يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، «عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له: السجل. وهو قوله تعالى: " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب " قال: كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي السماء» . وهكذا رواه البيهقي، عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي علي الرفاء عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم، عن يحيى بن عمرو بن مالك به. ويحيى هذا ضعيف جدا فلا يصلح للمتابعة. والله أعلم.

وأغرب من ذلك أيضا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب وابن منده من حديث أحمد بن سعيد البغدادي المعروف بحمدان، عن ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له: سجل. فأنزل الله " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب» . قال ابن منده: غريب، تفرد به حمدان. وقال البرقاني: قال أبو الفتح الأزدي: تفرد به ابن نمير، إن صح.

قلت: وهذا أيضا منكر عن ابن عمر كما هو منكر عن ابن عباس، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف ذلك، فقد روى الوالبي والعوفي عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية: قال: كطي الصحيفة على الكتاب. وكذلك قال مجاهد. وقال ابن جرير هذا هو المعروف في اللغة أن السجل هو الصحيفة. قال: ولا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل. وأنكر أن يكون السجل اسم ملك من الملائكة كما رواه عن أبي كريب، عن ابن يمان، ثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ". قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال الله:

اكتبها نورا، وحدثنا بندار، عن مؤمل، عن سفيان: سمعت السدي يقول. فذكر مثله.

وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كريب، عن ابن المبارك، عن معروف بن خربوذ عمن سمع أبا جعفر يقول: السجل الملك. وهذا الذي أنكره ابن جرير من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدا، والحديث في ذلك منكر جدا. ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن منده وأبي نعيم الأصبهاني وابن الأثير في " الغابة "، إنما ذكره إحسانا للظن بهذا الحديث، أو تعليقا على صحته. والله أعلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، سعد بن أبي سرح. فيما قاله خليفة بن خياط وقد وهم إنما هو ابنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كما سيأتي قريبا إن شاء الله. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصديق. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: قال الزهري: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك - أن أباه أخبره أنه «سمع سراقة يقول، فذكر خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال فيه: فقلت

له: إن قومك جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزءوني منه شيئا، ولم يسألوني إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى.»

قلت: وقد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة. وقد روي أن أبا بكر هو الذي كتب لسراقة هذا الكتاب. فالله أعلم.

وقد كان عامر بن فهيرة - ويكنى أبا عمرو - من مولدي الأزد، أسود اللون، وكان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخي عائشة لأمها أم رومان، فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم - التي عند الصفا - مستخفيا، فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه فيأبى، فاشتراه أبو بكر الصديق فأعتقه، فكان يرعى له غنما بظاهر مكة ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، كان معهما رديفا لأبي بكر، ومعهم الدليل الدئلي فقط، كما تقدم مبسوطا، ولما وردوا المدينة نزل عامر بن فهيرة على سعد بن خيثمة، وآخى رسول الله بينه وبين أوس بن معاذ، وشهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة كما تقدم، وذلك سنة أربع من الهجرة، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة. فالله أعلم. وقد ذكر عروة وابن إسحاق والواقدي وغير واحد، أن عامرا قتله يوم بئر معونة رجل يقال له: جبار بن سلمى من بني كلاب. فلما

طعنه بالرمح قال: فزت ورب الكعبة. ورفع عامر حتى غاب عن الأبصار حتى قال عامر بن الطفيل لقد رفع حتى رأيت السماء دونه. وسأل عمرو بن أمية عنه فقال: كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم. قال جبار: فسألت الضحاك بن سفيان عما قال، ما يعني به؟ فقال: يعني الجنة. ودعاني الضحاك إلى الإسلام فأسلمت ; لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة، فكتب الضحاك إلى رسول الله يخبره بإسلامي وما كان من أمر عامر، فقال: «وارته الملائكة وأنزل عليين» وفي " الصحيحين " عن أنس أنه قال: قرأنا فيهم قرآنا أن: (بلغوا عنا قومنا، أنا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا) . وقد تقدم ذلك بتمامه في موضعه عند غزوة بئر معونة.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا: عامر بن فهيرة.

وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: رفع عامر بن فهيرة إلى السماء فلم توجد جثته، يرون أن الملائكة وارته. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي. أسلم

عام الفتح، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم. قال الإمام مالك: وكان ينفذ ما يفعله ويشكره ويستجيده. وقال سلمة، عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويختم على ما يقرؤه ; لأمانته عنده،» وكتب لأبي بكر، وجعل إليه بيت المال، وأقره عليهما عمر بن الخطاب، فلما كان عثمان عزله عنهما. قلت: وذلك بعد ما استعفاه عبد الله بن أرقم، ويقال: إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها وقال: إنما عملت لله فأجري على الله عز وجل.

قال ابن إسحاق وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت، فإذا لم يحضر ابن الأرقم وزيد بن ثابت كتب من حضر من الناس، وقد كتب عمر وعلي وزيد والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص، وغيرهم ممن سمي من العرب. «وقال الأعمش قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عبد الله بن الأرقم،» وقد جاءنا كتاب عمر بالقادسية وفي أسفله: وكتب عبد الله بن الأرقم.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ،

حدثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم كتاب رجل، فقال لعبد الله بن الأرقم: أجب عني فكتب جوابه، ثم قرأه عليه، فقال: أصبت وأحسنت، اللهم وفقه» قال: فلما ولي عمر كان يشاوره. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما رأيت أخشى لله منه. يعني في العمال. أضر رضي الله عنه قبل وفاته. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي. صاحب الأذان، أسلم قديما، فشهد عقبة السبعين، وحضر بدرا وما بعدها، ومن أكبر مناقبه رؤيته الأذان والإقامة في النوم، وعرضه ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقريره عليه، وقوله له: «إنها لرؤيا حق فألقه على بلال ; فإنه أندى صوتا منك» وقد قدمنا الحديث بذلك في موضعه. وقد روى الواقدي بأسانيده، عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش، فيه الأمر لهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإعطاء خمس المغنم. وقد توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين، عن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي

العامري. أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ; أرضعت أمه عثمان، وكتب الوحي، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء - فجاء إلى عثمان بن عفان، فاستأمن له، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا في غزوة الفتح، ثم حسن إسلام عبد الله بن سعد جدا بعد ذلك.

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم.» ورواه النسائي من حديث علي بن الحسين بن واقد به.

قلت: وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح عمرو مصر سنة عشرين في الدولة العمرية، فاستناب عمر بن الخطاب عمرا عليها، فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عمرو بن العاص، وولى عليها عبد الله بن سعد سنة خمس وعشرين، وأمره بغزو بلاد إفريقية فغزاها، ففتحها وحصل للجيش منها مال عظيم، كان قسم الغنيمة لكل فارس من الجيش ثلاثة آلاف مثقال من ذهب، وللراجل ألف مثقال، وكان معه في جيشه هذا ثلاثة من العبادلة ; عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ثم غزا عبد الله بن سعد بعد إفريقية الأساود من أرض النوبة فهادنهم فهي إلى اليوم،

وذلك سنة إحدى وثلاثين، ثم غزا غزوة الصواري في البحر إلى الروم، وهي غزوة عظيمة، كما سيأتي بيانها في موضعها، إن شاء الله تعالى، فلما اختلف الناس على عثمان خرج من مصر، واستناب عليها ليذهب إلى عثمان لينصره، فلما قتل عثمان أقام بعسقلان، وقيل: بالرملة، ودعا الله أن يقبضه في الصلاة، فصلى يوما الفجر، وقرأ في الأولى منها " بفاتحة الكتاب "، و " العاديات "، وفي الثانية " بفاتحة الكتاب "، وسورة، ولما فرغ من التشهد سلم التسليمة الأولى، ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما، رضي الله عنه، وذلك في سنة ست وثلاثين. وقيل: سنة سبع. وقيل إنه تأخر إلى سنة تسع وخمسين. والصحيح الأول. قلت: ولم يقع له رواية في الكتب الستة ولا في " المسند " للإمام أحمد. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق وقد تقدم الوعد بأن ترجمته ستأتي في أيام خلافته إن شاء الله عز وجل، وبه الثقة، وقد جمعت مجلدا في سيرته، وما رواه من الأحاديث، وما روي عنه من الآثار.

والدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، «عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم، فلما غشيهم - وكان من أمر فرسه ما كان - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا، ثم ألقاه إليه» .

وقد روى الإمام أحمد من طريق الزهري بهذا السند أن عامر بن فهيرة

كتبه. فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه، ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقيه. والله أعلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عثمان بن عفان أمير المؤمنين. وستأتي ترجمته في أيام خلافته. وكتابته بين يديه عليه الصلاة والسلام مشهورة.

وقد روى الواقدي بأسانيده «أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الإسلام» . ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. وستأتي ترجمته في خلافته، وقد تقدم أنه كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين قريش يوم الحديبية; أن يأمن الناس، وأنه لا إسلال، ولا إغلال، وعلى وضع الحرب عشر سنين، وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم، وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم، وفي آخره: وكتب علي بن أبي طالب وفيه شهادة جماعة من الصحابة، منهم سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان، فهو كذب مفتعل، وبهتان مختلق موضوع مصنوع، وقد بين جماعة من العلماء بطلانه، واغتر به بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا بوضع الجزية عنهم، وهذا ضعيف جدا، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه بطلانه، وأنه موضوع، اختلقوه ووضعوه، وهم أهل لذلك وبينته،

وجمعت متفرق كلام الأئمة فيه، ولله الحمد والمنة. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وستأتي ترجمته في موضعها، وقد أفردت له مجلدا على حدة، ومجلدا ضخما في الأحاديث التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآثار والأحكام المروية عنه رضي الله عنه، وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبد الله بن الأرقم. ### $ ومنهم رضي الله عنهم، العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد، ويقال: عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن عويف بن مالك بن الخزرج بن إياد بن الصدف بن زيد بن مقنع بن حضرموت بن قحطان. وقيل غير ذلك في نسبه، وهو من حلفاء بني أمية. وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة أبان بن سعيد بن العاص، وكان له من الإخوة عشرة غيره، فمنهم عمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش، وهي أول سرية، كما تقدم، ومنهم عامر بن الحضرمي الذي أمره أبو جهل، لعنه الله، فكشف عن عورته وناداه: واعمراه. حين اصطف المسلمون والمشركون يوم بدر فهاجت الحرب، وقامت على ساق، وكان ما كان مما قدمناه مبسوطا في موضعه، ومنهم شريح بن الحضرمي، وكان من خيار الصحابة. قال فيه

رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذاك رجل لا يتوسد القرآن» يعني لا ينام ويتركه، بل يقوم به آناء الليل والنهار، ولهم كلهم أخت واحدة، وهي الصعبة بنت الحضرمي أم طلحة بن عبيد الله، وقد «بعث النبي صلى الله عيه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها،» وأقره عليها الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ولم يزل بها حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة فلما كان في أثناء الطريق توفي، وذلك في سنة إحدى وعشرين. وقد روى البيهقي وغيره عنه كرامات كثيرة منها ; أنه سار بجيشه على وجه البحر ما يصل إلى ركب خيولهم، وقيل: إنه ما بل أسافل نعال خيولهم. وأمرهم كلهم، فجعلوا يقولون: يا حليم يا عظيم. وأنه كان في جيشه، فاحتاجوا إلى ماء، فدعا الله فأمطرهم قدر كفايتهم. وأنه لما دفن لم ير له أثر بالكلية، وكان قد سأل الله ذلك، وسيأتي هذا في كتاب دلائل النبوة قريبا، إن شاء الله عز وجل.

له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة أحاديث ; الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا» وقد أخرجه الجماعة من حديثه.

والثاني: قال أحمد حدثنا هشيم، ثنا منصور، عن ابن سيرين، «عن ابن

العلاء بن الحضرمي، أن أباه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه.» وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل.

والحديث الثالث رواه أحمد وابن ماجه من طريق محمد بن زيد، عن حبان الأعرج عنه، «أنه كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من البحرين في الحائط - يعني البستان - يكون بين الإخوة فيسلم أحدهم، فأمره أن يأخذ العشر ممن أسلم، والخراج. يعني ممن لم يسلم» . ### $ ومنهم العلاء بن عقبة. قال الحافظ ابن عساكر: كان كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم أجد أحدا ذكره إلا فيما أخبرنا. . . ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم: إن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم. فذكرها، وذكر فيها: " «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس بن مرداس السلمي، أعطاه مدفورا، فمن حاقه فيها فلا حق له، وحقه حق» ". وكتب العلاء بن عقبة وشهد، ثم قال: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهني، من ذي المروة وما بين بلكثة إلى

الظبية إلى الجعلات إلى جبل القبلية فمن حاقه فلا حق له، وحقه حق ". وكتبه العلاء بن عقبة. وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبني شنخ من جهينة، وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة وشهد. وقد ذكر ابن الأثير في " الغابة " هذا الرجل مختصرا فقال: العلاء بن عقبة كتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ذكره في حديث عمرو بن حزم، ذكره جعفر. أخرجه أبو موسى. يعني المديني في كتابه. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، محمد بن مسلمة بن سلمة بن حريش بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي الخزرجي أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن. ويقال: أبو سعيد المدني، حليف بني عبد الأشهل. أسلم على يدي مصعب بن عمير، وقيل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، «واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المدينة عام تبوك» .

قال ابن عبد البر في " الاستيعاب " كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جثة، وكان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة، واتخذ سيفا من خشب. ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور، وصلى عليه مروان بن الحكم، وقد روى حديثا كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر محمد بن سعد عن علي بن محمد المدايني بأسانيده، أن محمد بن مسلمة هو الذي كتب لوفد مهرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، وستأتي ترجمته في أيام إمارته، إن شاء الله تعالى. وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه عليه الصلاة والسلام. وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس، «أن» أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن. قال: " نعم " قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: " نعم " قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: " نعم ". الحديث. وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه، صلوات

الله وسلامه عليه، وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة.

فأما الحديث الذي قال الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " في ترجمة معاوية ها هنا: أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الله العطشي، حدثنا أحمد بن محمد البوراني، ثنا السري بن عاصم، ثنا الحسن بن زياد، عن القاسم بن بهرام، عن أبي الزبير، عن جابر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب» معاوية، فقال: استكتبه فإنه أمين. فإنه حديث غريب بل منكر، والسري بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذاني، وكان يؤدب المعتز بالله، كذبه في الحديث ابن خراش. وقال ابن حبان وابن عدي: كان يسرق الحديث. زاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات، لا يحل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: كان ضعيف‍‍ الحديث. وشيخه الحسن بن زياد ; إن كان اللؤلؤي فقد تركه غير واحد من الأئمة، وصرح كثير منهم بكذبه، وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال. وأما القاسم بن بهرام فاثنان ; أحدهما يقال له: القاسم بن بهرام الأسدي الواسطي الأعرج. أصله من أصبهان روى له النسائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حديث الفتون بطوله، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان. والثاني القاسم بن بهرام أبو همدان، قاضي هيت. قال: ابن معين:

كان كذابا. وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به، والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في " تاريخه " هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط، ثم لا يبين حالها، ولا يشير إلى شيء من ذلك إشارة لا ظاهرة، ولا خفية! ومثل هذا الصنيع فيه نظر. والله أعلم. ### $ ومنهم، رضي الله عنهم، المغيرة بن شعبة الثقفي، وقد تقدمت ترجمته فيمن كان يخدمه، عليه الصلاة والسلام، من أصحابه من غير مواليه، وأنه كان سيافا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد روى ابن عساكر بسنده، عن عتيق بن يعقوب بإسناده المتقدم غير مرة أن المغيرة بن شعبة هو الذي كتب إقطاع حصين بن نضلة الأسدي الذي أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره.

فهؤلاء كتابه الذين كانوا يكتبون بأمره بين يديه، صلوات الله وسلامه عليه.

** [فصل فيمن ذكر من أمنائه صلى الله عليه وسلم] **

فصل

وقد ذكر ابن عساكر من أمنائه أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري أحد العشرة، رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف الزهري.

قلت: أما أبو عبيدة فقد روى البخاري من حديث أبي قلابة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» وفي لفظ، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد نجران لأبعثن معكم أمينا حق أمين فبعث معهم أبا عبيدة» . ### $ قال: ومنهم معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي مولى بني عبد شمس، كان على خاتمه، ويقال: كان خازنه. وقال غيره: أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة في الثانية، ثم إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وكان على الخاتم، واستعمله الشيخان على بيت المال. قالوا: وكان قد أصابه الجذام، فأمر عمر بن الخطاب، فدووي بالحنظل فتوقف المرض، وكانت وفاته في خلافة عثمان،

وقيل: سنة أربعين. فالله أعلم.

قال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، حدثني معيقب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: إن كنت لا بد فاعلا فواحدة» وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شيبان النحوي، زاد مسلم: وهشام الدستوائي. زاد الترمذي والنسائي وابن ماجه: والأوزاعي. ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير به، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقال الإمام أحمد: ثنا خلف بن الوليد، ثنا أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ويل للأعقاب من النار» تفرد به الإمام أحمد.

وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عتاب سهل بن حماد الدلال، عن أبي مكين نوح بن ربيعة، «عن إياس بن الحارث بن المعيقب، عن جده - وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم - قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي عليه فضة. قال فربما كان في يدي» .

قلت: أما خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أنه كان من فضة، فصه منه، كما سيأتي في " الصحيحين "، وكان قد اتخذ قبله خاتم ذهب، فلبسه حينا، ثم رمى به، وقال: «والله لا ألبسه» . ثم اتخذ هذا الخاتم من فضة، فصه منه، ونقشه: محمد رسول الله. " محمد " سطر، و " رسول " سطر، و " الله " سطر، فكان في يده عليه الصلاة والسلام، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، فلبث في يده ست سنين، ثم سقط منه في بئر أريس، فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه. وقد صنف أبو داود، رحمة الله عليه، كتابا مستقلا في " سننه " في الخاتم وحده، وسنورد منه إن شاء الله قريبا ما نحتاج إليه. وبالله المستعان. وأما لبس معيقب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، لكنه مشهور، فلعله أصابه ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم أو كان به وكان مما لا يعدى منه، أو كان ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم; لقوة توكله، كما قال لذلك المجذوم - ووضع يده في القصعة - «كل ثقة بالله، وتوكلا عليه» رواه أبو داود. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» والله أعلم.

وأما أمراؤه عليه الصلاة والسلام فقد ذكرناهم عند بعث

السرايا منصوصا على أسمائهم، ولله الحمد، والمنة.

وأما جملة الصحابة، فقد اختلف الناس في عدتهم، فنقل عن أبي زرعة أنه قال: يبلغون مائة ألف وعشرين ألفا. وعن الشافعي رحمه الله، أنه قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء ستين ألفا» . وقال الحاكم أبو عبد الله: يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي.

قلت: والذي روى عنهم الإمام أحمد، مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته، من الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا، ووقع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابي أيضا، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ، رحمهم الله، بضبط أسمائهم، وذكر أيامهم، ووفياتهم، من أجلهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه " الاستيعاب "، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، وأبو موسى المديني، ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير، صنف كتابه " الغابة " في ذلك، فأجاد وأفاد، وجمع وحصل، ونال ما رام وأمل، فرحمه الله وأثابه، وجمعه والصحابة آمين يا رب العالمين.

** [باب ما يذكر من آثار النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يختص بها في حياته] من ثياب وسلاح ومراكب وغير ذلك مما يجري في مجراه وينتظم في معناه **

** [ذكر الخاتم الذي كان يلبسه عليه الصلاة والسلام] **

ذكر الخاتم الذي كان يلبسه عليه الصلاة والسلام ومن أي شيء كان من الأجسام

وقد أفرد له أبو داود في كتابه " السنن " كتابا على حدة، ولنذكر عيون ما ذكره في ذلك مع ما نضيفه إليه، والمعول في أصل ما نذكره عليه.

قال أبو داود: حدثنا عبد الرحيم بن مطرف الرؤاسي، حدثنا عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى بعض الأعاجم، فقيل له: إنهم لا يقرؤن كتابا إلا بخاتم. فاتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه محمد رسول الله» . وهكذا رواه البخاري، عن عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به.

ثم قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، بمعنى حديث عيسى بن يونس، زاد: فكان في يده حتى قبض، وفي يد أبي بكر حتى قبض، وفي يد عمر حتى قبض، وفي يد عثمان، فبينما هو عند بئر إذ سقط في البئر، فأمر بها فنزحت، فلم يقدر عليه. تفرد به أبو داود من هذا الوجه.

ثم قال أبو داود، رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح، قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: «حدثني أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق، فصه حبشي» . وقد روى هذا الحديث البخاري من حديث الليث، ومسلم من حديث ابن وهب، وطلحة بن يحيى الأنصاري، وسليمان بن بلال، زاد النسائي وابن ماجه: وعثمان بن عمر، خمستهم عن يونس بن يزيد الأيلي به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: «كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضة كله، فصه منه» . وقد رواه

الترمذي والنسائي من حديث زهير بن معاوية الجعفي أبي خيثمة الكوفي به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

وقال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: «اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما، فقال: إنا اتخذنا خاتما، ونقشنا فيه نقشا، فلا ينقش عليه أحد قال: فإني أرى بريقه في خنصره.»

ثم قال أبو داود: حدثنا نصير بن الفرج، ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ الناس خواتم الذهب، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال: لا ألبسه أبدا ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه: محمد رسول الله، ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبي بكر عمر، ثم لبسه بعده عثمان حتى وقع في بئر أريس» . وقد رواه البخاري. عن يوسف بن موسى، عن أبي أسامة حماد بن أسامة به.

ثم قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقش

فيه: محمد رسول الله. وقال «لا ينقش أحد على خاتمي هذا» وساق الحديث، وقد رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث سفيان بن عيينة به نحوه.

ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الخبر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ عثمان خاتما، ونقش فيه: محمد رسول الله. قال: فكان يختم به أو يتختم به. ورواه النسائي، عن محمد بن معمر، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل به.

ثم قال أبو داود: باب في ترك الخاتم. حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه «رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس» . ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعد وشعيب وابن مسافر، كلهم قال: من ورق.

قلت: وقد رواه البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس،

عن ابن شهاب قال: حدثني أنس بن مالك أنه «رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم» . ثم علقه البخاري عن إبراهيم بن سعد الزهري المدني، وشعيب بن أبي حمزة، وزياد بن سعد الخراساني. وأخرجه مسلم من حديثه، وانفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلهم عن الزهري، كما قال أبو داود: خاتما من ورق.

والصحيح أن الذي لبسه يوما واحدا، ثم رمى به إنما هو خاتم الذهب لا خاتم الورق; لما ثبت في " الصحيحين " عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتما من ذهب، فنبذه وقال لا ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم. وقد كان خاتم الفضة يلبسه كثيرا، ولم يزل في يده حتى توفي صلوات الله وسلامه عليه، وكان فصه منه» ، يعني ليس فيه فص ينفصل عنه، ومن روى أنه كان فيه صورة شخص فقد أبعد وأخطأ، بل كان فضة كله، وفصه منه ونقشه: محمد رسول الله ثلاثة أسطر " محمد " سطر " رسول " سطر " الله " سطر. وكأنه والله أعلم كان منقوشا وكتابته مقلوبة ليطبع على الاستقامة، كما جرت العادة بهذا، وقد قيل: إن كتابته كانت مستقيمة. وتطبع كذلك. وفي صحة هذا نظر، ولست أعرف لذلك إسنادا لا صحيحا ولا ضعيفا.

وهذه الأحاديث التي أوردناها أنه عليه الصلاة والسلام كان له خاتم من فضة، ترد الأحاديث التي قدمناها في سنني أبي داود والنسائي من طريق أبي عتاب سهل بن حماد الدلال، عن أبي مكين نوح بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن معيقب بن أبي فاطمة، عن جده قال: «كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي، عليه فضة» . ومما يزيده ضعفا الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي طيبة عبد الله بن مسلم السلمي المروزي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، «أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه، فقال: مالي أجد منك ريح الأصنام؟ فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال " مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ " فطرحه، ثم قال: يا رسول الله من أي شيء أتخذه؟ قال: " اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا ". وقد كان عليه الصلاة والسلام يلبسه في يده اليمنى» . كما رواه أبو داود، والترمذي في " الشمائل "، والنسائي من حديث شريك القاضي، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه، عن علي، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال شريك: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن «أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه» . وروى: في اليسرى; رواه أبو داود من حديث عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره، وكان فصه في باطن كفه» . قال أبو داود: رواه أبو إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع: في يمينه.

وحدثنا هناد، عن عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان يلبس خاتمه في يده اليسرى.

ثم قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن سعيد، ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: «رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتما في خنصره اليمنى، فقلت: ما هذا؟ فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا، وجعل فصه على ظهرها. قال: ولا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتمه كذلك» . وهكذا رواه الترمذي من حديث محمد بن إسحاق به، ثم قال محمد بن إسماعيل، يعني البخاري: حديث ابن إسحاق عن الصلت حديث حسن.

وقد روى الترمذي في " الشمائل "، عن أنس، وعن جابر، وعن عبد الله بن جعفر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين» .

وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أبي، عن ثمامة، عن أنس بن مالك، أن أبا بكر لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر; " محمد " سطر و " رسول " سطر و " الله " سطر.

قال أبو عبد الله: وزادني أحمد: ثنا الأنصاري، حدثني أبي، ثنا ثمامة، عن أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر. قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط. قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فنزح البئر فلم نجده.

فأما الحديث الذي رواه الترمذي في " الشمائل " ; حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتخذ خاتما من فضة، فكان يختم به ولا يلبسه» . فإنه حديث غريب جدا. وفي " السنن " من حديث ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه» .

** [ذكر سيفه عليه الصلاة والسلام] **

قال الإمام أحمد: ثنا سريج، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعمى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد قال: «رأيت في سيفي ذي الفقار فلا، فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشا فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير، فبقر والله خير» فكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه به.

وقد ذكر أهل السنن أنه سمع قائل يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.

وروى الترمذي من حديث هود بن عبد الله بن سعد، عن جده مزيدة بن جابر العبدي العصري، رضي الله عنه، قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى سيفه ذهب وفضة» . الحديث، ثم قال: هذا حديث غريب.

وقال الترمذي في " الشمائل ": حدثنا محمد بن بشار، ثنا معاذ بن هشام:، ثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة» .

وروى أيضا من حديث عثمان بن سعد، عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة، وزعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حنفيا.

وقد صار إلى آل علي سيف من سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، بكربلاء عند الطف كان معه، فأخذه علي بن الحسين زين العابدين، فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية، ثم رجع معه إلى المدينة فثبت في " الصحيحين " عن المسور بن مخرمة، أنه تلقاه إلى الطريق، فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قال: فقال: لا. فقال: هل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإني أخشى أن يغلبك عليه القوم، وايم الله إن أعطيتنيه لا يخلص إليه أحد حتى يبلغ نفسي.

وقد ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك من السلاح، من ذلك الدروع، كما روى غير واحد منهم، السائب بن يزيد، وعبد الله بن الزبير، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر

يوم أحد بين درعين» .

وفي " الصحيحين " من حديث مالك، عن الزهري، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه قيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه» .

وعند مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء» .

وقال وكيع، عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وعليه عمامة سوداء» .

وقال وكيع، عن عبد الرحمن ابن الغسيل أبي سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة دسماء» . ذكرهما الترمذي في " الشمائل ".

وله من حديث الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدلها بين كتفيه» .

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده ": حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن محمد، ثنا مخول بن إبراهيم، ثنا إسرائيل، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، أنه كانت عنده عصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات فدفنت معه بين جنبه وبين قميصه. ثم قال البزار: لا نعلم رواه إلا مخول بن راشد، وهو صدوق فيه شيعية، واحتمل على ذلك. وقال الحافظ البيهقي بعد روايته هذا الحديث من طريق مخول هذا، قال: وهو من الشيعة يأتي بأفراد عن إسرائيل لا يأتي بها غيره، والضعف على رواياته بين ظاهر.

** [ذكر نعله التي كان يمشي فيها عليه الصلاة والسلام] **

ثبت في " الصحيح "، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية، وهي التي لا شعر عليها» .

وقد قال البخاري في " صحيحه ": حدثنا محمد، هو ابن مقاتل، حدثنا عبد الله، يعني ابن المبارك، أنا عيسى بن طهمان قال: «أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين لهما قبالان. فقال ثابت البناني: هذه نعل النبي صلى الله عليه وسلم» .

وقد رواه في كتاب الخمس، عن عبد الله بن محمد، عن أبي أحمد الزبيري، عن عيسى بن طهمان، عن أنس قال: «أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي صلى الله عليه وسلم» . وقد رواه الترمذي في " الشمائل " عن أحمد بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري به.

وقال الترمذي في " الشمائل ": حدثنا أبو كريب، ثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث، «عن ابن عباس قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان مثنى شراكهما» .

وقال أيضا: ثنا إسحاق بن منصور، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، «عن أبي هريرة قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان» .

وقال الترمذي: ثنا محمد بن مرزوق أبو عبد الله، ثنا عبد الرحمن بن قيس أبو معاوية، ثنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: «كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان،» وأبي بكر وعمر، وأول من عقد عقدا واحدا عثمان. حدثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن السدي،

حدثني من سمع عمرو بن حريث يقول: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين مخصوفين» . قال الجوهري: قبال النعل بالكسر: الزمام الذي يكون بين الأصبع الوسطى والتي تليها.

قلت: واشتهر في حدود سنة ستمائة وما بعدها عند رجل من التجار يقال له: ابن أبي الحدرد. نعل مفردة ذكر أنها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، فسامها الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها، فاتفق موته بعد حين، فصارت إلى الملك الأشرف المذكور، فأخذها إليه وعظمها، ثم لما بنى دار الحديث الأشرفية إلى جانب القلعة، جعلها في خزانة منها، وجعل لها خادما، وقرر له من المعلوم كل شهر أربعين درهما، وهي موجودة إلى الآن في الدار المذكورة.

وقال الترمذي في " الشمائل ": ثنا محمد بن رافع وغير واحد قالوا: ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا شيبان، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: «كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها» .

** [صفة قدح النبي صلى الله عليه وسلم] **

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن عاصم قال: رأيت عند أنس «قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة» .

وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله، أخبرني أحمد بن محمد النسوي، ثنا حماد بن شاكر، ثنا محمد بن إسماعيل - هو البخاري - ثنا الحسن بن مدرك، حدثني يحيى بن حماد، أنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض، من نضار. قال أنس: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتركه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، ثنا حجاج بن حسان قال: كنا عند أنس فدعا بإناء فيه ثلاث ضبات حديد وحلقة من حديد، فأخرج من غلاف أسود، وهو دون الربع وفوق نصف الربع، وأمر أنس بن مالك فجعل

لنا فيه ماء فأتينا به، فشربنا وصببنا على رءوسنا ووجوهنا، وصلينا على النبي صلى الله عليه وسلم. انفرد به أحمد.

** [ذكر ما ورد في المكحلة التي كان عليه الصلاة والسلام يكتحل منها] **

قال الإمام أحمد: ثنا يزيد أنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين» . وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن منصور: سمعت هذا الحديث من عكرمة؟ فقال: أخبرنيه ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عنه.

قلت: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي صلى الله عليه وسلم، اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة، وميل، ومشط وغير ذلك. فالله أعلم.

** [البردة] **

قال الحافظ البيهقي: وأما البرد الذي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة برده مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم،» فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار. يعني بذلك أول خلفاء بني العباس وهو السفاح، رحمه الله، وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف، كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه ويأخذ القضيب المنسوب إليه، صلوات الله وسلامه عليه، في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار، ويلبسون السواد في أيام الجمع والأعياد، وذلك اقتداء منهم بسيد أهل البدو والحضر، ممن سكن الوبر والمدر; لما أخرجه البخاري ومسلم إماما أهل الأثر من حديث مالك، عن الزهري، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر» . وفي رواية: وعليه عمامة سوداء، وفي رواية: قد أرخى طرفها بين كتفيه. صلوات الله وسلامه عليه.

وقد قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن حميد، عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا، فقالت: قبض روح

النبي صلى الله عليه وسلم في هذين.

وللبخاري من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة وابن عباس، قالا: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا. قلت: وهذه الأثواب الثلاثة لا يدرى ما كان من أمرها بعد هذا، وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام طرحت تحته في قبره الكريم قطيفة حمراء كان يصلي عليها، ولو تقصينا ما كان يلبسه في أيام حياته لطال الفصل، وموضعه كتاب اللباس من كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.

** [ذكر أفراسه ومراكيبه عليه الصلاة والسلام] **

قال ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير، عن علي قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس يقال له:

المرتجز. وحمار يقال له: عفير. وبغلة يقال لها: دلدل. وسيفه ذو الفقار، ودرعه ذو الفضول» . ورواه البيهقي من حديث الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي نحوه. قال البيهقي: وروينا في كتاب " السنن " أسماء أفراسه التي كانت عند الساعديين; لزازا واللحيف، وقيل: اللخيف. والظرب. والذي ركبه لأبي طلحة يقال له: المندوب. وناقته القصواء والعضباء والجدعاء، وبغلته الشهباء والبيضاء. قال البيهقي: وليس في شيء من الروايات أنه مات عنهن إلا ما روينا في بغلته البيضاء وسلاحه، وأرض جعلها صدقة، ومن ثيابه، ونعليه، وخاتمه، وما روينا في هذا الباب.

وقال أبو داود الطيالسي: ثنا زمعة بن صالح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله جبة صوف في الحياكة» . وهذا إسناد جيد.

وقد روى الحافظ أبو يعلى في " مسنده ": حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا علي بن ثابت، ثنا غالب الجزري، عن أنس قال: «لقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لينسج له كساء من صوف» . وهذا شاهد لما قبله.

وقال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا سعدان بن نصر، ثنا سفيان بن

عيينة، عن الوليد بن كثير، عن حسن بن حسين، عن فاطمة بنت الحسين، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وله بردان في الجف يعملان» . وهذا مرسل.

وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا أبو أمية عمرو بن هشام الحراني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن علي بن عروة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء وعمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته من فضة وقبيعته من فضة، وكان يسمى ذا الفقار، وكان له قوس تسمى السداد، وكانت له كنانة تسمى الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى النبعاء، وكان له مجن يسمى الذقن، وكان له ترس أبيض يسمى الموجز، وكان له فرس أدهم يسمى السكب، وكان له سرج يسمى الداج، وكان له بغلة شهباء يقال لها: دلدل. وكانت له ناقة تسمى القصواء، وكان له حمار يقال له: يعفور. وكان له بساط يسمى الكر، وكانت له عنزة تسمى النمر، وكانت له ركوة تسمى الصادر، وكانت له مرآة تسمى المرآة، وكان له مقراض

يسمى الجامع، وكان له قضيب شوحط يسمى الممشوق» . وهذا غريب جدا.

قلت: قد تقدم عن غير واحد من الصحابة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، سوى بغلة، وأرض جعلها صدقة،» وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام، نجز العتق في جميع ما ذكرناه من العبيد والإماء، والصدقة في جميع ما ذكر من السلاح والحيوانات والأثاث والمتاع مما أوردناه وما لم نورده، فأما بغلته فهي الشهباء، وهي البيضاء أيضا. والله أعلم. وهي التي أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية - واسمه جريج بن مينا - فيما أهدى من التحف، وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبها يوم حنين وهو في نحور العدو ينوه باسمه الكريم شجاعة وتوكلا على الله عز وجل، فقد قيل: إنها عمرت بعده حتى كانت عند علي بن أبي طالب في أيام خلافته، وتأخرت أيامها حتى كانت بعد علي عند عبد الله بن جعفر، فكان يجش لها الشعير حتى تأكله من ضعفها بعد ذلك. وأما حماره يعفور، ويصغر فيقال: عفير. فقد كان عليه الصلاة والسلام يركبه في بعض الأحايين.

وقد روى أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير، عن علي قال: «كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب حمارا يقال له: عفير» . ورواه أبو يعلى من حديث عون بن عبد الله، عن ابن مسعود. وقد ورد في أحاديث عدة «أنه عليه الصلاة والسلام ركب الحمار» .

وفي " الصحيحين " «أنه عليه الصلاة والسلام، مر وهو راكب حمارا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، وأخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فنزل ودعاهم إلى الله عز وجل، وذلك قبل وقعة بدر وكان قد عزم على عيادة سعد بن عبادة، فقال له عبد الله: لا أحسن مما تقول أيها المرء، فإن كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا. وذلك قبل أن يظهر الإسلام، ويقال: إنه خمر أنفه لما غشيتهم عجاجة الدابة، وقال: لا تؤذنا بنتن حمارك. فقال له عبد الله بن رواحة والله لريح حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب من ريحك. وقال عبد الله: بل يا رسول الله، اغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فتثاور الحيان، وهموا أن يقتتلوا، فسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذهب إلى سعد بن عبادة فشكى إليه عبد الله بن أبي، فقال: ارفق به يا رسول الله، فوالذي أكرمك بالحق لقد بعثك الله بالحق وإنا لننظم له الخرز ; لنتوجه علينا، فلما جاء الله بالحق الذي بعثك به شرق بريقه» .

وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر وجاء أنه أردف معاذا على حمار، ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل. والله أعلم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com