Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 637 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل من مصر إلى السلطان وهو بالشام يهنئه بسلامة أولاده الملوك الاثني عشر، يقول في بعضه: وهم بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها، وريحانة الحياة وزهرتها، وإن فؤادا وسع فراقهم لواسع، وإن قلبا قنع بأخبارهم لقانع، وإن طرفا نام عن البعد عنهم لهاجع، وإن ملكا ملك تصبره عنهم لحازم، وإن نعمة الله بهم لنعمة بها العيش ناعم، أما يشتاق جيد المولى أن يتطوق بدررهم؟ أما تظمأ عينه أن تتروى بنظرهم ; أما يحن قلبه إلى قلبه؟ أما يلتقط هذا الطائر بتقبيلهم من خرج من حبه؟ وللمولى - أبقاه الله - أن يقول:
وما مثل هذا الشوق تحمل مضغة ... ولكن قلبي في الهوى يتقلب
وفيها أسقط السلطان صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ من حجاج الغرب شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس فربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض أميرها بمال يقطعه بديار مصر، وأن يحمل إليه في كل سنة ثمانية آلاف إردب غلة إلى مكة ; ليكون عونا له ولأتباعه، ورفقا بما تيسر على المجاورين من ابتياعه، وقرر للمجاورين أيضا غلات تحمل إليهم، فرحمة الله عليه في سائر الأوقات.
وفيها عصى الأمير شمس الدين بن مقدم ببعلبك، ولم يجئ إلى خدمة السلطان وهو نازل على ظاهر حمص ; وذلك أنه بلغه أن أخا السلطان تورانشاه طلب بعلبك من السلطان فأطلقها له، فامتنع ابن المقدم من الخروج منها حتى جاء السلطان بنفسه، فحصره فيها من غير قتال، حتى جاءت الأمطار والبرد، فعاد إلى دمشق في رجب، ووكل بالبلد من يحصره من غير قتال، ثم عوض ابن المقدم عنها بتعويض كثير خير مما كان بيده، فخرج منها وتسلمها تورانشاه.
قال ابن الأثير: وكان في هذه السنة غلاء شديد بسبب قلة المطر، عم العراق والشام وديار مصر، واستمر إلى سنة خمس وسبعين، فجاء المطر ورخصت الأسعار، ولكن تعقب ذلك وباء شديد، وعم البلاد مرض واحد، وهو السرسام، فما ارتفع إلا في سنة ست وسبعين، فمات بسبب ذلك خلق كثير، وأمم لا يعلم عددهم إلا الله الذي خلقهم.
وفي رمضان منها وصلت خلع الخليفة إلى الملك صلاح الدين وهو بدمشق، وكانت سنية عظيمة جدا، وزيد في ألقابه، معز أمير المؤمنين، وخلع على أخيه تورانشاه ولقب بمصطفى أمير المؤمنين.
وفيها جهز الناصر صلاح الدين ابن أخيه فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بين يديه لقتال الفرنج الذين قد عزموا على قتال المسلمين، وعاثوا في نواحي دمشق وقراها، فنهبوا مما حولها وأرجاءها، وأمره أن يداريهم حتى يتوسطوا البلاد، ولا يقاتلهم حتى يقدم عليه، فلما التقوا عاجلوه بالقتال، فكسرهم وقتل من ملوكهم
صاحب الناصرة الهنفري، وكان من أكابر ملوكهم وشجعانهم، لا ينهنهه اللقاء، فكبته الله في هذه الغزوة، ثم ركب السلطان صلاح الدين في إثر ابن أخيه فما وصل إلى الكسوة حتى تلقته الرءوس على الرماح، والغنائم والأسارى، والجيش في سمره وبيضه من البنادق والصفاح.
وفيها بنت الفرنج - لعنهم الله - قلعة عند بيت الأحزان للداوية، فجعلوها مرصدا لحرب المسلمين، وقطع طريقهم عليهم، ونقضت ملوكهم العهود التي كانت بينهم وبين صلاح الدين، وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب ; ليشغلوا المسلمين عنهم، وتفرقت جيوشهم فلا تجتمع في بقعة واحدة، فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر بثغر حماة ومعه شمس الدين بن مقدم وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب، وبثغر حمص ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه، وبعث إلى أخيه سيف الدين أبي بكر العادل نائبه بمصر أن يبعث إليه ألفا وخمسمائة فارس يستعين بهم على قتال الفرنج، وكتب إلى الفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الذي بنوه للداوية، فامتنعوا إلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه، فبذل لهم ستين ألف دينار فلم يقبلوا، فوصلهم إلى مائة ألف دينار فأبوا، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر: ابذل هذه في جنود المسلمين، وسر إلى هذا الحصن فخربه. فأخذ بقوله في ذلك وخربه في السنة الآتية، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها أمر الخليفة المستضيء بكتابة لوح على قبر الإمام أحمد بن حنبل، فيه
آية الكرسي، وبعدها: هذا قبر تاج السنة، وحيد الأمة، العالي الهمة، العالم العابد الفقيه الزاهد. وذكر تاريخ وفاته، رحمه الله تعالى.
وفيها احتيط ببغداد على شاعر ينشد للروافض، يقال له: ابن قرايا. يقف في الأسواق ويذكر أشعارا يضمنها ذم الصحابة، رضي الله عنهم، وسبهم، وتجويرهم، وتهجين من أحبهم، فعقد له مجلس بأمر الخليفة، واستنطق فإذا هو رافضي جلد داهية، فأفتى الفقهاء بقطع لسانه ويديه، ففعل به ذلك، ثم اختطفته العامة فما زالوا يرمونه بالآجر حتى ألقى نفسه في دجلة، فاستخرجوه منها وقتلوه حتى مات، فأخذوا شريطا وربطوه في رجليه وطوفوا به في البلد يجرجرونه في أكنافها، ثم ألقوه في بعض الأتونات مع الآجر والكلس، وعجز الشرط عن تخليصه منهم.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ أسعد بن بلدرك أبو أحمد الجبريلي
سمع الحديث، وكان شيخا ظريفا، حسن المذاكرة، جيد النادرة، سريع المبادرة، توفي في هذه السنة عن مائة سنة وأربع سنين، رحمه الله تعالى. ### $ محمد بن نسيم بن عبد الله، أبو عبد الله الخياط، عتيق الرئيس أبي الفضل بن عيشون، سمع الحديث وقارب الثمانين، سقط من درجة فمات.
قال: أنشدني مولى والدي، يعني ابن أعلى الحكيم أبا الفضل بن عيشون:
القارئ التشريح أجدر بالتقى ... من راهب في ديره متقوس
ومراقب الأفلاك كانت نفسه ... بعبادة الرحمن أحرى الأنفس
والماسح الأرضين وهي فسيحة ... أولى بمسح في أكف اللمس
أولى بخشية ربه من جاهل ... بمثلث ومربع ومخمس ### $ الحيص بيص
سعد بن محمد بن سعد، شهاب الدين أبو الفوارس الصيفي، الشاعر، له ديوان شعر مشهور، وكانت وفاته يوم الثلاثاء خامس شعبان من هذه السنة، وله اثنتان وثمانون سنة، وصلي عليه بالنظامية، ودفن بباب التبن، ولم يعقب، ولم يكن له في المراسلات بديل، كان يتقعر فيها ويتفاصح جدا، فلا تواتيه إلا وهي معجرفة، وكان يزعم أنه من بني تميم، فسئل أبوه عن ذلك فقال: ما سمعته إلا منه. فقال بعض الشعراء يهجوه فيما ادعاه من ذلك:
كم تبادى وكم تطول طرطو ... رك ما فيك شعرة من تميم
فكل الضب وابلع الحنظل اليا ... بس واشرب إن شئت بول الظليم
ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ... ري ولا يدفع الأذى عن حريم
ومن شعر الحيص بيص الجيد:
سلامة المرء ساعة عجب ... وكل شيء لحتفه سبب
يفر والحادثات تطلبه ... يفر منها ونحوها الهرب
فكيف يبقى على تقلبه ... مسلما من حياته العطب
ومن شعره أيضا:
لا تلبس الدهر على غرة ... فما لموت الحي من بد
ولا يخادعك طويل البقا ... فتحسب الطول من الخلد
يقرب ما كان له آخر ... ما أقرب المهد من اللحد
ويقرب من هذا ما ذكره صاحب " العقد "، وهو أبو عمر، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي في " عقده ":
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
وما الدهر والآمال إلا فجائع ... عليها وما اللذات إلا مصائب
فلا تكتحل عيناك منها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
وقد ذكر أبو سعد السمعاني حيص بيص هذا في " ذيله "، وأثنى عليه، وسمع عليه ديوانه ورسائله، وأثنى على رسائله القاضي ابن خلكان، وقال: كان فيه تيه وتعاظم، ولا يتكلم إلا معربا، وكان فقيها شافعي
المذهب، واشتغل بالخلاف وعلم النظر، ثم تشاغل عن ذلك كله بالشعر، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب، واختلاف لغاتهم. قال: وإنما قيل له: الحيص بيص ; لأنه رأى الناس في حركة واختلاط، فقال: ما للناس في حيص بيص. أي في شدة وهرج، فغلبت عليه هذه الكلمة. وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي طبيب العرب. ولم يترك عقبا. كانت له حوالة بالحلة، فذهب يتقاضاها، فتوفي ببغداد في هذه السنة، رحمه الله تعالى.