Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 638 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
وفيها كانت وقعة مرج عيون.
استهلت هذه السنة والسلطان صلاح الدين نازل بجيشه على تل القاضي ببانياس، ثم قصده الفرنج بجمعهم، فنهض إليهم نهوض الأسد، فما هو إلا أن تواجه الفريقان واصطدم الجندان، حتى أنزل الله نصره وأعز جنده وهزم الأعداء وحده، ففرت ألوية الصلبان ذاهبة، وخيل الله لرقابهم راكبة، فقتل منهم خلق كثير وجم غفير، وأسر من ملوكهم جماعة، وأنابوا إلى السمع والطاعة، منهم مقدم الداوية، ومقدم الإسبتارية وصاحب الرملة وصاحب طبرية وقسطلان يافا وآخرون من ملوكهم، وخلق من شجعانهم وأبطالهم، ومن فرسان القدس جماعة كثيرون قريبا من ثلاثمائة أسير من أشراف النصارى، فصاروا يتهادون في قيودهم كأنهم سكارى وما هم بسكارى.
قال العماد الكاتب: فاستعرضهم السلطان في الليل حتى أضاء الفجر على الظلماء، وصلى يومئذ الصبح بوضوء العشاء، وكان السلطان جالسا ليلتئذ في
نحو العشرين وهم في هذه العدة، فسلمه الله تعالى منهم، ثم أرسلهم إلى دمشق ; ليعتقلوا بقلعتها وليكونوا في كنف دولتها، فافتدى ابن البارزاني صاحب الرملة نفسه بعد سنة بمائة ألف وخمسين ألف دينار صورية وإطلاق ألف أسير من بلاده، فأجيب إلى ذلك، وكذا افتدى جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة وتحف جليلة، ومنهم من مات في السجن، فانتقل منه إلى سجين، وهكذا يفعل الله بالكافرين. واتفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان على الفرنج بمرج عيون، ظهر أسطول المسلمين على بطسة للفرنج في البحر وأخرى معها فغنموا منها ألف رأس من السبي، وعاد إلى الساحل مؤيدا منصورا، وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، وكتب بذلك إلى بغداد فدقت البشائر بها فرحا وسرورا بظهور المسلمين على أعداء الله الملحدين.
وكان الملك المظفر تقي الدين عمر غائبا عن هذه الوقعة مشتغلا بما هو أعجب منها، وذلك أن ملك الروم قلج أرسلان بعث يطلب حصن رعبان، وزعم أن نور الدين اغتصبه منه، وأن ولده قد أغضى له عنه، فلم يجبه السلطان تقي الدين عمر إلى ذلك، فبعث صاحب الروم عشرين ألف مقاتل يحاصرونه، فأرسل السلطان تقي الدين عمر في ثمانمائة فارس منهم
سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، فالتقوا بهم فهزموهم بإذن الله، واستقرت يد الملك صلاح الدين على حصن رعبان، وقد كان مما عوض به ابن المقدم عن بعلبك وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة، ويرى أنه قد هزم عشرين ألفا، وقيل: ثلاثين ألفا بثمانمائة فارس. وكان السبب في ذلك أنه بيتهم وأغار عليهم وهم غارون، فما لبثوا أمامه بل فروا منهزمين عن آخرهم، فأكثر فيهم القتل، واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم، ويقال: إنه كسرهم يوم كسر السلطان الفرنج بمرج عيون. والله أعلم.
** [تخريب حصن بيت الأحزان] **
وهو قريب من صفد
ثم ركب السلطان في جحافله إلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في العام الماضي وحفروا فيه بئرا عينا معينا، وسلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران فجعله دكا وخربه إلى الأساس، وغنم جميع ما فيه من الحواصل، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح، ومن المأكل شيء كثير، وأخذ منه سبعمائة أسير، فقتل بعضا وأرسل إلى دمشق الباقين، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا، غير أنه مات من أمرائه عشرة بسبب ما نالهم من الحر والوباء في مدة الحصار، وكانت أربعة عشر يوما، وعاد الناس إلى زيارة مشهد يعقوب على عادتهم، وقد امتدحه الشعراء فقال بعضهم:
بجدك أعطاف القنا تتعطف ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف
شهاب هدى في ظلمة الشرك ثاقب ... وسيف إذا ما هزه الله مرهف
وقفت على حصن المخاض وإنه ... لموقف حق لا يوازيه موقف
فلم يبد وجه الأرض بل حال دونه ... رجال كآساد الشرى وهي تزحف
وجرداء سلهوب ودرع مضاعف ... وأبيض هندي ولدن مثقف
وما رجعت أعلامك الصفر ساعة ... إلى أن غدت أكبادها السود ترجف
كبا من أعاليه صليب وبيعة ... وشاد به دين حنيف ومصحف
صليبة عباد الصليب ومنزل ... النزال لقد غادرته وهو صفصف
أتسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها وهي تحلف
نصحتكم والنصح في الدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف
وقال آخر:
هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها
ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها
ومن كتاب فاضلي إلى بغداد في وصف هذا الحصن الذي خربه صلاح الدين: وقد عرضوا حائطه إلى أن زاد على عشرة أذرع وقطعت له عظام الحجارة ; كل فص منها من سبعة أذرع، إلى ما فوقها وما دونها، وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر الحجر في مكانه ولا يستقل في بنيانه إلا بأربعة دنانير فما فوقها، وفيما بين الحائطين حشو من الحجارة الضخمة الصم، المرغم بها أنوف الجبال الشم، وقد جعلت سقيته بالكلس الذي إذا أحاطت قبضته بالحجر مازجه بمثل جسمه وصاحبه بأوثق وأصلب من جرمه، وأوعز إلى خصمه من الحديد بأن لا يتعرض لهدمه.
وفيها أقطع السلطان صلاح الدين لابن أخيه عز الدين فروخشاه بن شاهنشاه ابن أيوب مدينة بعلبك. وأغار فيها على صفد وأعمالها، فقتل طائفة كبيرة من مقاتليها ورجالها، وكان فروخشاه من الصناديد الأبطال المشهورين المشكورين في النزال.
وفيها حج القاضي الفاضل من دمشق وعاد إلى مصر، فقاسى في الطريق أهوالا، ولقي برحا وتعبا وكلالا، وكان في العام الماضي قد حج من مصر وعاد إلى الشام ولكن كان أمره فيه أسهل من هذا العام.
وفيها كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع وقرى، ومات خلق كثير فيها من الورى، وسقط من رءوس الجبال صخور كبار، وصادمت بين الجبال في البراري والقفار، مع بعد ما بين الجبال من الأقطار. وفيها أصاب الناس غلاء
شديد وفناء شريد وجهد جهيد، فمات خلق كثير من الخلائق بهذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
** وفاة المستضيء بأمر الله وشيء من ترجمته **
كان ابتداء مرضه في أواخر شوال من هذه السنة فأرادت زوجته أن تكتم ذلك فلم يمكنها، ووقعت فتنة كبيرة ببغداد ونهبت العوام دورا كثيرة، وأموالا جزيلة، فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال خطب لولي العهد أبي العباس أحمد بن المستضيء، وهو الخليفة الناصر لدين الله، وكان يوما مشهودا نثر الذهب فيه على الخطباء والمؤذنين ومن حضر ذلك، عند ذكره على المنبر والتنويه باسمه في العشر.
فلما كان يوم السبت سلخ شوال مات الخليفة المستضيء بأمر الله، وكان مرضه بالحمى ابتدأ بها في يوم عيد الفطر، ولم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهرا، فمات، رحمه الله سلخ شوال، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته تسع سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما، وغسل وصلي عليه من الغد. ودفن بدار النصر التي بناها، وذلك عن وصيته التي
أوصاها، وترك من بعده ولدين ; أحدهما ولي عهده وهو عدة الدين والدنيا أبو العباس أحمد الناصر لدين الله، والآخر أبو منصور هاشم، وقد وزر له جماعة من الرؤساء، وكان من خيار الخلفاء، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، وضع عن الناس المكوسات والضرائب، ودرأ عنهم البدع والمصائب، وكان حليما وقورا كريما، فرحمه الله تعالى وبل ثراه وجعل الجنة مأواه. وبويع بالخلافة من بعده لولده الناصر.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ إبراهيم بن علي
أبو إسحاق السلمي، الفقيه الشافعي، المعروف بابن الفراء، الأموي ثم البغدادي، كان فقيها بارعا فاضلا مناظرا فصيحا بليغا شاعرا مطبقا، توفي عن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية، رحمه الله تعالى. ### $ إسماعيل بن موهوب
بن أحمد بن محمد بن الخضر، أبو محمد بن الجواليقي، الملقب حجة الإسلام أحد أئمة اللغة في زمانه، والمشار إليه من بين أقرانه بحسن الدين وقوة اليقين، وعلم اللغة والنحو، وصدق اللهجة وخلوص النية، وحسن السيرة في مرباه ومنشاه ومنتهاه، وقد سمع الحديث ورواه، وفهم الأثر واتبع سبيله ومغزاه، رحمه الله وأكرم مثواه.
### $ المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد
أبو محمد بن الطباخ، البغدادي، نزيل مكة ومجاورها، وحافظ الحديث بها والمشار إليه بالعلم فيها. كان يوم جنازته يوما مشهودا، رحمه الله تعالى.
** [خلافة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء] **
لما توفي أبوه في سلخ شوال من سنة خمس وسبعين وخمسمائة، بايعه الأمراء والوزراء والكبراء والخاصة والعامة، وكان قد خطب له على المنابر في حياة أبيه قبل موته بيسير، فقيل: إنه إنما عهد له قبل موته بيوم، وقيل: بأسبوع. ولكن قدر الله، عز وجل، أنه لم يختلف عليه اثنان بعد وفاة أبيه، ولقب بالخليفة الناصر لدين الله، ولم يل الخلافة من بني العباس قبله أطول مدة منه، فإن خلافته امتدت إلى سنة وفاته في سنة اثنتين وعشرين وستمائة ; وكان ذكيا شجاعا مهيبا، وسيأتي ذكر سيرته عند وفاته إن شاء الله تعالى.
وفي سابع ذي القعدة من هذه السنة عزل صاحب المخزن ظهير الدين أبو بكر بن العطار، وأهين غاية الإهانة، هو وأصحابه وقتل كثير منهم، وشهروا في البلد، وتمكن أمر الخليفة الناصر، وعظمت هيبته في البلاد وفي قلوب العباد وقام
بأعباء الخلافة على ما ينبغي في جميع أموره وشئونهم. ولما حضر عيد الأضحى أقيم على ما جرت به العادة. والله أعلم.