Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة إحدى عشرة من الهجرة] — تتمة ٥
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 65 of 840
ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب في قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه إلى قوله: فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52] . قال: «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حقروهم، فأتوا فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: " نعم " قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا. قال فدعا بصحيفة، ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام، فقال: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52] ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] . ثم قال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] . قال: فدنونا منه حتى، وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز
وجل: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} [الكهف: 28] ولا تجالس الأشراف {تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} [الكهف: 28] يعني عيينة والأقرع {واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] . قال: هلاكا. قال: أمر عيينة والأقرع. ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم» .
ثم قال ابن ماجه: حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد قال: «نزلت هذه الآية فينا ستة؛ في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. قال: قالت قريش: يا رسول الله، إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم، فاطردهم عنك. قال: فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله عز وجل: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] الآية» .
وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا أبو الحسين خلف بن محمد الواسطي كردوس،
ثنا يزيد بن هارون، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا المعلى بن زياد، يعني عن العلاء بن بشير المازني، ثنا أبو الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: «كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نسمع إلى كتاب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم نفسي ". قال: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل بيننا نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا. قال: فاستدارت الحلقة وبرزت وجوههم. قال: فما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا منهم غيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام» ".
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس قال: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك» .
** [فصل في عبادته عليه الصلاة والسلام واجتهاده في ذلك] **
قالت عائشة، رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر. ويفطر حتى نقول: لا يصوم. وكان لا تشاء تراه من الليل قائما إلا رأيته، ولا تشاء تراه نائما إلا رأيته. قالت: وما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. قالت: ولقد كان يقوم حتى أرثي له؛ من شدة قيامه» .
وذكر ابن مسعود «أنه صلى معه ليلة فقرأ في الركعة الأولى بالبقرة والنساء
وآل عمران، ثم ركع قريبا من ذلك، ورفع نحوه وسجد نحوه» .
وعن أبي ذر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] » [المائدة: 118] . رواه أحمد.
وكل هذا في " الصحيحين " وغيرهما من الصحاح، وموضع بسط هذه الأشياء في كتاب " الأحكام الكبير ".
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: " أفلا أكون عبدا شكورا» .
وتقدم في حديث سلام بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» " رواه أحمد والنسائي.
وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أخبرني علي بن زيد، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، «أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت» .
وثبت في " الصحيحين " عن أبي الدرداء قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة» .
وفي " الصحيحين " من حديث منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: «سألت عائشة، رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع؟» !
وثبت في " الصحيحين " من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة، رضي الله عنهم، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يواصل، ونهى أصحابه عن الوصال وقال: " إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» ".
والصحيح أن هذا الإطعام والسقيا معنويان، كما ورد في الحديث الذي رواه ابن ماجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم» وما أحسن ما قال بعضهم:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
وقال النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» ".
وروى البخاري، عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقرأ علي ". فقلت: اقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: " إني أحب أن أسمعه من غيري ". قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] . قال: " حسبك ". فالتفت فإذا عيناه تذرفان» .
وثبت في الصحيح «أنه عليه الصلاة والسلام، كان يجد التمرة على فراشه فيقول: لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» .
وقال الإمام أحمد حدثنا: وكيع، ثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله، أرقت الليلة. قال: " إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه» ". تفرد به أحمد. وأسامة بن زيد هذا هو الليثي؛ من
رجال مسلم. والذي نعتقد: أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة؛ لعصمته عليه الصلاة والسلام، ولكن من كمال ورعه عليه الصلاة والسلام أرق تلك الليلة.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بما أتقي» وفي الحديث الآخر أنه قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل. وفي رواية: وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء» .
وروى البيهقي من طريق أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني، ثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «قال أبو بكر: يا رسول الله، أراك شبت. فقال: " شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» ".
وفي رواية له، عن أبي كريب، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال عمر بن الخطاب: «يا رسول الله، أسرع إليك الشيب. فقال: " شيبتني هود وأخواتها؛ الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت» "
** [فصل في شجاعته صلى الله عليه وسلم] **
ذكرت في " التفسير " عن بعض السلف أنه استنبط من قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} [النساء: 84] . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأمورا أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه، ولو كان وحده، من قوله: {لا تكلف إلا نفسك} [النساء: 84] وقد كان صلى الله عليه وسلم من أشجع الناس وأصبر الناس وأجلدهم، ما فر قط من مصاف ولو تولى عنه أصحابه. قال بعض الصحابة: كنا إذا اشتد الحرب وحمي البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصباء، فنالتهم أجمعين حين قال: ( «شاهت الوجوه» وكذلك يوم حنين كما تقدم، وفر أكثر أصحابه في ثاني الحال يوم أحد وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه، ولم يبق معه إلا اثنا عشر، قتل منهم سبعة، وبقي الخمسة، وفي هذا الوقت قتل أبي بن خلف، لعنه الله، فعجله الله إلى النار، ويوم حنين ولى الناس كلهم، وكانوا يومئذ اثني عشر ألفا، وثبت هو في نحو من مائة من أصحابه وهو راكب يومئذ بغلته، وهو يركض بها إلى نحو العدو، وهو ينوه باسمه الكريم ويعلن بذلك
قائلا: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» حتى جعل العباس وعلي وأبو سفيان بن الحارث يتعلقون في تلك البغلة ليبطؤوا سيرها؛ خوفا عليه من أن يصل أحد من الأعداء إليه، وما زال كذلك حتى نصره الله وأيده في مقامه ذلك، وما تراجع الناس إلا والأسارى مكبلة بين يديه صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو زرعة حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي، حدثنا مروان، يعني ابن محمد، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الناس بشدة البطش» .
** [فصل فيما يذكر من صفاته عليه الصلاة والسلام في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين] **
قد أسلفنا طرفا صالحا من ذلك في البشارات به قبل مولده، ونحن نذكر هاهنا غررا من ذلك.
فقد روى البخاري والبيهقي، واللفظ له، من حديث فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: «لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا، ومبشرا، ونذيرا، وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء؛ أن يقولوا: لا إله إلا الله. وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» . قال عطاء بن يسار ثم لقيت كعبا الحبر، فسألته، فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا قال: أعينا عمومى وقلوبا غلوفى وآذانا صمومى.
ورواه البخاري أيضا عن عبد الله غير منسوب - قيل: هو ابن رجاء. وقيل: عبد الله بن صالح. وهو الأرجح - عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن هلال بن علي به. قال البخاري: وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. كذا علقه البخاري.
وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح، هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام أنه كان يقول: «إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، نفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا» . قال عطاء بن يسار وأخبرني الليثي،
أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام.
وقد روي عن عبد الله بن سلام من وجه آخر، فقال الترمذي: حدثنا زيد بن أخزم الطائي البصري، ثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، حدثني أبو مودود المدني، ثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده قال: مكتوب في التوراة: صفة محمد، وعيسى بن مريم يدفن معه. فقال أبو مودود: وقد بقي في البيت موضع قبر. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. هكذا قال: عثمان بن الضحاك. والمعروف الضحاك بن عثمان المدني، وهكذا حكى شيخنا الحافظ المزي في كتابه " الأطراف " عن ابن عساكر أنه قال مثل قول الترمذي، ثم قال: وهو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان، ذكره ابن أبي حاتم، عن أبيه فيمن اسمه عثمان. فقد روي هذا عن عبد الله بن سلام، وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان له اطلاع على ذلك من
جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك فكان يحدث منهما عن أهل الكتاب، وعن كعب بن ماتع الحبر وكان بصيرا بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط، وتحريف وتبديل، فكان يقولها بما فيها من غير نقد، وربما أحسن بعض السلف بها الظن فنقلها عنه مسلمة، وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة، لكن لا يتفطن لها كثير من الناس، ثم ليعلم أن كثيرا من السلف يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب، سواء كانت هذا الكتاب المتلو عندهم، أو أعم من ذلك، كما أن لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصا، وقد يستعمل ويراد به غيره، كما في الصحيح: " خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ ". وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. والله أعلم.
وقال البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: «كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال: نجده: محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عورا، ويسمع به
آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه» .
وبه عن يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن العيزار بن حريث، عن عائشة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل: لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا فيض البجلي، حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله عز وجل، إلى عيسى بن مريم: جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع يا بن الطاهر البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فبين لأهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يدك أني أنا الحق القائم الذي لا أزول، صدقوا بالنبي الأمي العربي، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة،
الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأنجل العينين، الأهدب الأشفار الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الجبين الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر وينحدر في صبب، ذو النسل القليل.
وروى الحافظ البيهقي بسنده عن وهب بن منبه اليماني قال: إن الله عز وجل لما قرب موسى نجيا، قال: رب، إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة هم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها، وكان من قبلهم يقرؤون كتبهم نظرا ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقاتلون رؤوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب،
إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها نارا فأكلتها، فإن لم تقبل لم تقربها النار، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد.
قال: وذكر وهب بن منبه في قصة داود عليه السلام، وما أوحي إليه في الزبور: يا داود، إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد، صادقا سيدا، لا أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم، يا داود، إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها،
أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم؛ لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافا مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلا، وإما أن أصرف عنهم سوءا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود، من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقا بها، فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب محمدا وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي، صببت عليه في قبره العذاب صبا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار.
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا الشريف أبو الفتح العمري، ثنا عبد الرحمن بن أبي شريح الهروي، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي، حدثني محمد بن عمر بن إبراهيم يعني ابن
محمد بن جبير بن مطعم، قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيها، عن أبيه قال: سمعت أبي جبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي، فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: انظر، هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته. فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، فإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر، هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم. قالوا: أهو هذا؟ وأشاروا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: اللهم نعم، أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي هو آخذ بعقبه؟ قلت: نعم. قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده.
ورواه البخاري في " التاريخ " عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا بإسناده، فذكره مختصرا، وعنده: فقالوا: إنه لم يكن نبي إلا بعده نبي إلا هذا النبي. وقد ذكرنا في كتابنا " التفسير " عند قوله تعالى في سورة الأعراف: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157] الآية [الأعراف: 175] . ذكرنا ما أورده البيهقي وغيره من طريق أبي أمامة الباهلي،
«عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام. فذكر اجتماعهم به وأن غرفته تنفضت حين ذكروا الله عز وجل، فأنزلهم في دار ضيافته، ثم استدعاهم بعد ثلاث فدعا بشيء نحو الربعة العظيمة، فيها بيوت صغار، عليها أبواب، وإذا فيها صور الأنبياء ممثلة في قطع من حرير، من آدم إلى محمد، صلوات الله عليهم أجمعين، فجعل يخرج لهم واحدا واحدا، ويخبرهم عنه، وأخرج لهم صورة آدم ثم نوح ثم إبراهيم، ثم تعجل إخراج صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم فتح بابا آخر، فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وبكينا. قال: والله يعلم أنه قام قائما، ثم جلس، وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم، إنه لهو كما تنظر إليه. فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم. ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه صور بقية صور الأنبياء وتعريفه إياهما بهم. وقال في آخره: قلنا له: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنا رأينا صورة نبينا عليه الصلاة والسلام، مثله. فقال: إن آدم، عليه السلام، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم عليه السلام، عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت. قال: ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، حدثناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا. قال: فبكى أبو بكر، قال: مسكين لو
أراد الله به خيرا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم» .
وقال الواقدي: حدثني علي بن عيسى الحكمي، عن أبيه، «عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلم. قال هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك. وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره. قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو بن نفيل وأقرأته منه السلام، فرد عليه السلام، وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا» .
** [كتاب دلائل النبوة] **
** [تعريفها] **
وهي معنوية وحسية؛ فمن المعنوية إنزال القرآن العظيم عليه، وهو أعظم المعجزات، وأبهر الآيات، وأبين الحجج الواضحات؛ لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضته وفصاحتهم وبلاغتهم. ثم تحداهم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدي بسورة من مثله فعجزوا عنه، وهم يعلمون عجزهم وتقصيرهم عن ذلك، وأن هذا ما لا سبيل لأحد إليه أبدا، قال الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] . وهذه الآية مكية، وقال في سورة " الطور " وهي مكية: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 33]
[البقرة 23، 24] .
وقال تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 13]
[يونس: 37 - 39] فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه، وأنهم لا يستطيعون ذلك أبدا، كما قال تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [البقرة: 24] أي؛ فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذا تحد ثان، وهو أنه لا يمكن معارضته لهم لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن البشر معارضته ولا الإتيان بمثله، ولو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض، فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له، ومعلوم لكل ذي لب أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر، فما كان ليقدم على هذا إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته، وهكذا وقع، فإن من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدا، فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من
خلقه؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟! وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنفال: 31] كذب منهم ودعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان، ولو كانوا صادقين لأتوا بما يعارضه، بل هم يعلمون كذب أنفسهم، كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم: {أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] قال الله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 6] أي؛ أنزله عالم الخفيات، ورب الأرض والسماوات، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فإنه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النبي الأمي الذي كان لا يحسن الكتابة ولا يدريها بالكلية، ولا يعلم شيئا من علم الأوائل، وأخبار الماضين، فقص الله عليه خبر ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء، وهو في ذلك يفصل بين الحق والباطل الذي اختلفت في إيراده جملة الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] وقال تعالى: {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا} [طه: 99] الآية [المائدة: 48]
وقال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 48]
[يونس: 15 - 17] يقول لهم: إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي، وإنما
الله عز وجل، هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت، وأنا مبلغ عنه، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به؛ لأني نشأت بين أظهركم، وأنتم تعلمون نسبي وصدقي، وأمانتي، وأني لم أكذب على أحد منكم يوما من الدهر، فكيف يسعني أن أكذب على الله عز وجل، مالك الضر والنفع، الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم؟! وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، ونسبة ما ليس منه إليه؟ كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44]
[الحاقة: 44 - 47] أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه ولا يمنعنا منه.
وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93] وقال تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وهذا الكلام فيه الإخبار بأن الله شهيد على كل شيء، وأنه تعالى أعظم الشهداء، وهو مطلع علي وعليكم فيما جئتكم به عنه، وتتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له، كما قال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17] ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن الله وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية، كالسماوات، والأرضين، وما بينهما وما فيهن، أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة
القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح، كما قال تعالى: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا} [الإسراء: 89] وقال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} [الروم: 58]
[القصص: 46] وقال تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] وقال تعالى في سورة يوسف: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين} [يوسف: 102]
[يوسف: 101 - 104]
إلى أن قال في آخرها {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 111] وقال تعالى: {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} [طه: 133] وقال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 52] ؛ أي في العلم بأن الله مطلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة، كما تقدم بيان ذلك.
وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا " التفسير "، وما سنذكره من الملاحم والفتن، كقوله تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20]
وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة. وكذلك قوله تعالى في سورة " اقتربت " وهي مكية بلا خلاف: {سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 45]
[القمر: 45، 46] وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك، إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة، وسيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده عليه الصلاة والسلام، طبق ما أخبر به.
وفي القرآن الأحكام العادلة أمرا ونهيا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات، الرحيم بعباده، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته وإحسانه، قال تعالى {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: 115] ؛ أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأوامر والنواهي. وقال تعالى {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1] أي؛ أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه. وقال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} [التوبة: 33] أي العلم النافع والعمل الصالح. وهكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال لكميل بن زياد: هو كتاب الله، فيه
خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم. وقد بسطنا هذا كله في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة
فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة؛ من فصاحته، وبلاغته، ونظمه، وتراكيبه، وأساليبه، وما تضمنه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية، فالتحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع أهل الأرض من الملتين؛ أهل الكتابين وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأعصار، وأما من زعم من المتكلمين أن الإعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إمكان ذلك، أو هو سلب قدرهم على ذلك، فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه الله في بعض الأجرام، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق، وقولهم هذا كفر وباطل، وليس بمطابق لما في نفس الأمر، بل القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا فالخلق كلهم عاجزون حقيقة في نفس الأمر عن الإتيان بمثله ولو تعاضدوا وتظاهروا على ذلك، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق وأعلم الخلق وأكملهم أن يتكلموا بمثل كلام الله، وهذا القرآن الذي يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن
الله كلام له أسلوب لا يشبه أساليب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساليب كلامه عليه الصلاة والسلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته فيما يرومه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل وكلام الصحابة أسلوب أعلى من أساليب كلام التابعين، وهلم جرا إلى زماننا، وعلماء السلف أفصح وأعلم وأقل تكلفا في أداء ما يريدونه من المعاني بألفاظهم، من علماء الخلف، وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس، كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك.
ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى، وهو فيما رواه الإمام أحمد قائلا: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به. ومعنى هذا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كل منهم قد أوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم، سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم، أو جحدوا
فاستحقوا العقوبة، وقوله، «وإنما كان الذي أوتيت» أي جله وأعظمه الوحي الذي أوحاه إليه، وهو القرآن الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده، فإن البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم، ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجة قائمة، كأنما يسمعه السامع من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم فحجة الله قائمة به في حياته عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته، ولهذا قال «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» أي لاستمرار ما آتاني الله من الحجة البالغة والبراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعا.
** [الدلائل المعنوية] **
فصل
ومن الدلائل المعنوية أخلاقه عليه الصلاة والسلام الطاهرة وخلقه الكامل، وشجاعته، وحلمه، وكرمه، وزهده، وقناعته، وإيثاره، وجميل صحبته، وصدقه، وأمانته، وتقواه، وعبادته، وكريم أصله، وطيب مولده ومنشئه ومرباه، كما قدمناه مبسوطا في مواضعه، وما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية، رحمه الله، في كتابه الذي رد فيه على فرق النصارى واليهود ومن أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتخبة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله وفهمه. قال في أواخر هذا الكتاب المذكور:
فصل
وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته - أي من
دلائل نبوته - قال: وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته من آياته، ودينهم من آياته، وكرامات صالحي أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن مات، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبا؛ من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، وجعل الله له ابنين؛ إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره، ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث فيهم رسولا منهم، ثم الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش صفوة إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجه، ولم يزل محجوجا من عهد إبراهيم مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفا بالصدق، والبر، ومكارم الأخلاق، والعدل، وترك الفواحش، والظلم وكل وصف مذموم، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة، ولا يعرف له شيء يعاب به؛ لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في أخلاقه، ولا جرت عليه كذبة قط، ولا ظلم، ولا فاحشة.
وكان صلى الله عليه وسلم، خلقه وصورته من أحسن الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أميا من قوم أميين لا يعرف لا هو
ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب؛ التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئا من علوم الناس، ولا جالس أهلها، ولم يدع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله.
ثم اتبعه أتباع الأنبياء، وهم ضعفاء الناس، وكذبه أهل الرياسة وعادوه، وسعوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم، والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة؛ فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم ولا جهات يوليهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيف والمال والجاه مع أعدائه، وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم؛ لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة.
وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم عليه السلام، فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب، وكانوا جيران اليهود، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي يخبرهم به اليهود، وكانوا قد سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته، فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة، فآمنوا به وبايعوه على هجرته، وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه، فهاجر هو ومن اتبعه
إلى المدينة وبها المهاجرون والأنصار، ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم.
ثم أذن له في الجهاد ثم أمر به، ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء، لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لأحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليه من حرب وسلم، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وقدرة وعجز، وتمكن وضعف، وقلة وكثرة، وظهور على العدو تارة وظهور العدو تارة.
وهو على ذلك كله لازم لأكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان، ومن أخبار الكهان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المحرمة، وقطيعة الأرحام، لا يعرفون آخرة ولا معادا، فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم، حتى إن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء. وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم، يعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين.
وهو صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الأنفس والأموال، مات ولم يخلف درهما ولا دينارا، ولا شاة ولا بعيرا، إلا بغلته وسلاحه، ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم
بأنه لا يورث، ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك.
وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرع الشريعة شيئا بعد شيء، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به. ولا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه. وأحل لهم الطيبات لم يحرم شيئا منها كما حرم في شرع غيره، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحله غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب، فليس في الكتب إيجاب لعدل، وقضاء بفضل، وندب إلى الفضائل، وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع.
وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، وإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا، وإذا قيس
سخاؤهم وبذلهم وسماحة أنفسهم بغيرهم ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم. وهذه الفضائل به نالوها، ومنه تعلموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح، عليه السلام، بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور، وبعضها من النبوات، وبعضها من المسيح، وبعضها ممن بعده كالحواريين ومن بعد الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح.
وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرؤون كتابا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 136] الآية، [البقرة: 285 - 286]
وأمته عليه الصلاة والسلام، لا يستحلون أن يأخذوا شيئا من الدين غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، لكن ما قصه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم اعتبروا به، وما حدثهم به أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه، وما لم يعلموا صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا أنه باطل كذبوه، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند أو الفرس أواليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع، وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهم الظاهرون إلى قيام الساعة، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» .
وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرسل عموما، ودين محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدا مذموما، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا قام به أكابر علمائهم وعبادهم، وقاتل عليه ملوكهم، ودان به جمهورهم، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح ولا دين غيره من الأنبياء، والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع، والعمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في
البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما وعملا، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون أمته، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخذوه عن نبيهم، مع ما يظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو في الأصل المعلم، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام، كان أكمل الناس علما ودينا، وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله: {إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] لم يكن كاذبا مفتريا، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم إن كان صادقا، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبا، وما ذكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله {إني رسول الله} [الأعراف: 158] لأن الذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا، والأول يوجب أنه كان ظالما غاويا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا، ومحمد صلى الله عليه وسلم كمال علمه ينافي جهله، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن متعمدا للكذب، ولم يكن جاهلا يكذب بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق؛ ولهذا نزهه الله عن هذين الأمرين بقوله تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 1] ثم قال عنه: {وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين} [التكوير: 22]
أي؛ بمتهم أو بخيل كالذي لا يعلم إلا بجعل، أو لمن يكرمه: {وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين} [التكوير: 25] إلى قوله: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} [الشعراء: 221]
[الحاقة: 40 - 43] انتهى ما ذكره، رحمه الله، وهذا عين ما أورده بحروفه.
[الدلائل الحسية]
** باب أما دلائل النبوة الحسية - أعني المشاهدة بالأبصار - فسماوية وأرضية **
** [انشقاق القمر] **
ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال الله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر} [القمر: 1]
[القمر: 1 - 5] وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة.
رواية أنس بن مالك قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: «سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 1] » ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق.
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس بن مالك، «أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما» . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شيبان، عن قتادة، ومسلم من حديث شعبة، عن قتادة.
رواية جبير بن مطعم: قال أحمد: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فرقتين؛ فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم» . تفرد به أحمد. ورواه ابن جرير والبيهقي من طرق، عن حصين بن عبد الرحمن به.
رواية حذيفة بن اليمان: قال أبو جعفر بن جرير حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي، وحضرت معه، فخطبنا حذيفة، فقال: إن الله تعالى يقول: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت
بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق. فقلت لأبي: أتستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني، إنك لجاهل إنما هو السباق بالأعمال. ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله يقول: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة.
ورواه أبو زرعة الرازي في كتاب " دلائل النبوة " من غير وجه، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن حذيفة فذكر نحوه، وقال: «ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
رواية عبد الله بن عباس: قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: «انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.» ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة به.
طريق أخرى عنه: قال ابن جرير ثنا ابن مثنى، ثنا عبد الأعلى، ثنا داود بن أبي هند، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: « {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 1] قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه» . وروى العوفي، عن ابن عباس نحوا من هذا.
وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس، فقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن عمرو البزار، ثنا محمد بن يحيى القطعي، ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر. فنزلت: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 1] » وهذا سياق غريب. وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره. والله أعلم.
رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا وهب بن جرير عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في قوله: « {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد» وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد. قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله بن مسعود: قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا» " ورواه البخاري ومسلم، من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود به. قال البخاري: وقال أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بمكة.
وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده أبو داود الطيالسي في " مسنده " فقال: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فقالوا ذلك.»
وروى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن سعيد بن سليمان، عن هشيم عن مغيرة عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: «انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار - وقدموا من كل وجه - فقالوا: رأينا.»
ورواه ابن جرير من حديث المغيرة وزاد: فأنزل الله: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر.»
وروى ابن جرير، عن يعقوب الدوري، عن ابن علية، عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود كان يقول: لقد انشق القمر.
ففي " صحيح البخاري " من حديث الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: خمس قد مضين؛ الروم واللزام والبطشة والدخان والقمر. في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة " الدخان ".
وقال أبو زرعة في " الدلائل ": حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن ابن أبي كثير قال: «انشق القمر بمكة،
والنبي صلى الله عليه وسلم بها قبل الهجرة، فخر شقتين، فقال المشركون: سحره ابن أبي كبشة» . وهذا مرسل من هذا الوجه.
فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز، وما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ونحو هذا الكلام، فليس له أصل يعتمد عليه، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء، بل انفرق باثنتين، وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والأخرى من الناحية الأخرى، وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السماء، وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شيء سحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين، فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه. فإن قيل: فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الأرض؟ فالجواب؛ ومن ينفي ذلك؟ ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله، ولعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه، على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه: إنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها. ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفى أمره على كثير من الناس؛ لأمور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة، من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم، ولنوم كثير منهم، أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس، وغير ذلك من الأمور. والله أعلم. وقد حررنا
هذا فيما تقدم في كتابنا " التفسير ".
** [حديث رد الشمس بعد مغيبها] **
فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها، فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الأمناء بن عساكر إذنا، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر، المشهور بالنسابة كتابة قال: أنا الحافظ الكبير أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عساكر في كتابه قال: أخبرنا أبو المظفر بن القشيري وأبو القاسم المستملي، قالا: ثنا أبو عثمان الحيري أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الداندانقاني بها، أنا محمد بن أحمد بن محبوب. وفي حديث ابن القشيري: ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود (ح) قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: وأنا أبو الفتح الماهاني، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن منده، أنا عثمان بن أحمد التنيسي، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ثنا فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن - زاد أبو أمية: بن الحسن - عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: صليت العصر؟ - وقال أبو أمية: " صليت يا علي؟ " - قال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقال أبو أمية: فقال النبي صلى الله عليه وسلم -: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك - وقال أبو أمية: " رسولك " - فاردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.» وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات " من طريق أبي عبد الله بن منده، كما تقدم، ومن طريق أبي جعفر العقيلي، ثنا أحمد بن داود، ثنا عمار بن مطر، ثنا فضيل بن مرزوق، فذكره، ثم قال: وهذا حديث موضوع، وقد اضطرب الرواة فيه، فرواه سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء، وهذا تخليط في الرواية. قال: وأحمد بن داود ليس بشيء؛ قال الدارقطني: متروك كذاب. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. وعمار بن مطر قال فيه العقيلي: كان يحدث عن الثقات بالمناكير. وقال ابن عدي متروك الحديث. قال: وفضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات ويخطئ عن الثقات.
وبه قال إلى الحافظ أبي القاسم بن عساكر، قال: وأخبرنا أبو محمد
ابن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا أبو العباس بن عقدة، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين غليظتين، وهي عجوز كبيرة، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال. ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها «أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوحي إليه، فجلله بثوبه، فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس. تقول: غابت أو كادت أن تغيب. ثم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم سري عنه فقال: " أصليت يا علي " قال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم رد على علي الشمس فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد» قال عبد الرحمن: وقال أبي: حدثني موسى الجهني نحوه. ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل.
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات ": وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة. فذكره، ثم قال: وهذا باطل، والمتهم به ابن عقدة، فإنه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة.
قال الخطيب: ثنا علي بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول: كان ابن عقدة بجامع براثا يملي مثالب الصحابة - أو قال: الشيخين - فتركته. وقال الدارقطني: كان ابن عقدة رجل سوء.
وقال ابن عدي سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث؛ لأنه كان يحمل شيوخا بالكوفة على الكذب، فيسوي لهم نسخا ويأمرهم أن يرووها، وقد تبينا ذلك منه في غير شيخ بالكوفة.
وقال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه " الذرية الطاهرة ": حدثنا إسحاق بن يونس، ثنا سويد بن سعيد، ثنا المطلب بن زياد، عن إبراهيم بن حيان، عن عبد الله بن حسين، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين قال: «كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر علي وهو يوحى إليه» . فذكر الحديث بنحو ما تقدم. إبراهيم بن حيان هذا تركه الدارقطني وغيره. وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ: هذا الحديث موضوع. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وصدق ابن ناصر. وقال ابن الجوزي: وقد رواه ابن مردويه من
حديث داود بن فراهيج، عن أبي هريرة قال: «نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجر علي، ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له، فردت عليه الشمس حتى صلى، ثم غابت ثانية» . ثم قال: وداود ضعفه شعبة، ثم قال ابن الجوزي: ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يتلمح عدم الفائدة، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء، فرجوع الشمس لا يعيدها أداء، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع» .
قلت: هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال، وشيعي ومتروك، ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده؛ لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله، فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة، لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى، وبالنسبة إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في " الصحيح " أنها ردت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيت المقدس واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة، وكانوا لا يقاتلون يوم السبت، فنظر إلى الشمس وقد تضيفت للغروب، فقال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله عليه حتى فتحوها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم جاها، وأجل منصبا، وأعلى قدرا من يوشع بن نون، بل من سائر الأنبياء على الإطلاق، ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا عنه،
ولا نسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صح لكنا من أول القائلين به، والمعتقدين له. وبالله المستعان.
وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه " إثبات إمامة أبي بكر الصديق " فإن قال قائل من الروافض: إن أفضل فضيلة لأبي الحسن وأدل دليل على إمامته ما روي عن أسماء بنت عميس قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " صليت؟ " قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس ". قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.» قيل له: كيف لنا بصحة هذا الحديث لنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى؟ ! ولكن الحديث ضعيف جدا، لا أصل له، وهذا مما كسبت أيدي الروافض، ولو ردت الشمس بعد ما غربت لرآها المؤمن والكافر، ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعد ما غربت، ثم يقال للروافض: أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والأنصار - وعلي فيهم - حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق؟ ! قال: وأيضا مرة أخرى عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار حين قفل من غزوة خيبر. فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس. قال: فلم يرد الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى
أصحابه. قال: ولو كان هذا فضلا، أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان الله ليمنع رسوله شرفا وفضلا. يعني أعطيه علي بن أبي طالب
ثم قال: وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي: ما تقول فيمن يقول: رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلى العصر؟ فقال: من قال هذا فقد كذب.
وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت: إن ناسا عندنا يقولون: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت عليه الشمس. فقال: كذب هذا كله.
** [فصل في إيراد طرق هذا الحديث من أماكن متفرقة] **
وقد جمع فيه أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني جزءا وسماه " مسألة في تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس "
وقال: قد روى ذلك من طريق أسماء بنت عميس، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري. ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري وأحمد بن الوليد الأنطاكي والحسن بن داود، ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو ثقة، أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني، وهو ثقة أيضا، عن عون بن محمد. قال: وهو ابن محمد بن الحنفية. عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة، فجاء وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فوضع رأسه في حجر علي، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه، فرد عليه شرقها قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام علي فتوضأ وصلى العصر، ثم غابت الشمس.» وهذا الإسناد فيه من يجهل حاله، فإن عونا هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما دون هذا المقام، فكيف يثبت بخبرهما هذا الأمر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة؟! فالله أعلم. ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أم لا.
ثم أورده هذا المصنف من طريق حسين بن الحسن الأشقر، وهو شيعي جلد، وضعفه غير واحد، عن الفضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين الشهيد، عن أسماء بنت عميس، فذكر الحديث. قال: وقد رواه عن فضيل بن مرزوق جماعة، منهم عبيد الله بن موسى، ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي، من طريق عبيد الله، وقد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود وأبي أمية الطرسوسي، عن عبيد الله بن موسى العبسي، وهو من الشيعة.
ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي جعفر العقيلي، عن أحمد بن داود، عن عمار بن مطر، عن فضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي - ويقال: الرؤاسي، أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة - وثقه الثوري وابن عيينة، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرا. وقال ابن معين: ثقة. وقال مرة: صالح ولكنه شديد التشيع. وقال مرة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، يهم كثيرا، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال: إنه ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي أرجو أن لا بأس به. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا، كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات.
وقد روى له مسلم وأهل السنن الأربعة، فمن هذه ترجمته لا يتهم بتعمد الكذب، ولكنه قد يتساهل، ولا سيما فيما يوافق مذهبه، فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن، فيدلس حديثه، ويسقطه ويذكر شيخه، ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه وتوقي الكذب فيه: عن. بصيغة التدليس، ولم يأت بصيغة التحديث، فلعل بينهما من يجهل أمره، على أن شيخه هذا إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ليس بذاك المشهور في حاله، ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، ولا روى عنه غير الفضيل بن مرزوق هذا ويحيى بن المتوكل. قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل. وأما أمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي أخت زين العابدين، فحديثها مشهور، روى لها أهل السنن الأربعة، وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق وهي من الثقات، ولكن لا يدرى أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا. فالله أعلم.
ثم قد رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكتاني، ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي، حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم، ثنا خلف بن سالم ثنا
عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أمه، عن فاطمة، يعني بنت الحسين، عن أسماء «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعلي حتى ردت عليه الشمس» . وهذا إسناد غريب جدا، وحديث عبد الرزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الأئمة، لا يكاد يترك منه شيء من المهمات، فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إلا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط والعدالة كغيرهم؟! ثم إن أم أشعث مجهولة. فالله أعلم.
ثم ساقه هذا المصنف من طريق محمد بن مرزوق، ثنا حسين الأشقر، وهو شيعي وضعيف كما تقدم، عن علي بن هاشم بن البريد - وقد قال فيه ابن حبان: كان غاليا في التشيع يروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس، فذكره، وهذا إسناد لا يثبت.
ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، عن عروة بن عبد الله، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس، فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي. وقد روى عنه البخاري في كتاب " الأدب "، وحدث عنه جماعة من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: كان واهي
الحديث. وذكره ابن حبان في كتاب " الثقات "، وقال: ربما أخطأ. وأرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين، وقد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال: إنما أتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة. ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن والجرح وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها. فالله أعلم. قلت: في سياق هذا الإسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد. وهذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه.
ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي، ثنا علي بن العباس بن الوليد، ثنا عباد بن يعقوب الرواجني، ثنا علي بن هاشم، عن صباح، عن عبد الله بن الحسن أبي جعفر، عن حسين المقتول، عن فاطمة، عن أسماء بنت عميس قالت: «لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم المغنم حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما صليت؟ قال: لا. فدعا الله فارتفعت حتى توسطت السماء، فصلى علي فلما غابت الشمس سمعت لها صريرا كصرير المنشار في الحديد» . وهذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة، مع أن إسناده مظلم جدا، فإن صباحا هذا لا يعرف، وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيدا عن واحد، عن أسماء بنت عميس؟ !
هذا تخبيط فاحش إسنادا ومتنا، ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة، وهذا لم يقله أحد ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب، وإن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال، كما حكاه البخاري عن مكحول والأوزاعي، وأنس بن مالك في جماعة أصحابه بتستر، واحتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق وأمره، عليه الصلاة والسلام، أصحابه أن لا يصلين أحد منهم العصر إلا في بني قريظة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف، والمقصود أنه لم يقل أحد من العلماء أنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع علي رضي الله عنه، وهو الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوسطى هي العصر، فإن كان هذا ثابتا على ما رواه هؤلاء الجهلة، وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري؛ لأن هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا؛ لأنه كان بخيبر سنة سبع، وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك، وإن كان علي ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس، بل وقتها بعد الغروب، والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث. والله أعلم. وهذا
كله مما يدل على ضعف هذا الحديث، ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدم، فقد تعدد رد الشمس غير مرة، ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء، ولا رواه أهل الكتب المشهورة، وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم. والله أعلم.
ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي العباس بن عقدة، حدثنا يحيى بن زكريا، ثنا يعقوب بن معبد، ثنا عمرو بن ثابت قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن علي عن حديث رد الشمس على علي بن أبي طالب هل ثبت عندكم؟ فقال لي: ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشمس. قلت: صدقت جعلني الله فداك، ولكني أحب أن أسمعه منك. فقال: حدثني أبي الحسن، عن أسماء بنت عميس أنها قالت: «أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف ونزل عليه الوحي، فأسنده إلى صدره، فلم يزل مسنده إلى صدره حتى أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أصليت العصر يا علي؟ قال: جئت والوحي ينزل عليك، فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة. فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة وقد غربت الشمس، فقال: " اللهم إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه ". قالت أسماء: فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر فقام علي متمكنا فصلى، فلما فرغ رجعت الشمس ولها
صرير كصرير الرحى، فلما غابت الشمس اختلط الظلام وبدت النجوم» وهذا منكر أيضا إسنادا ومتنا، وهو مناقض لما قبله من السياقات، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل، ويعرف بعمرو بن أبي المقدام الحداد، روى عن غير واحد من التابعين، وحدث عنه جماعة، منهم؛ سعيد بن منصور وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، تركه عبد الله بن المبارك، وقال لا تحدثوا عنه؛ فإنه كان يسب السلف. ولما مرت به جنازته توارى عنها. وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، وقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، ولا مأمون، ولا يكتب حديثه. وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم: كان ضعيفا. زاد أبو حاتم: وكان رديء الرأي شديد التشيع، لا يكتب حديثه. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو داود: كان من شرار الناس؛ كان رافضيا خبيثا رجل سوء. قال هناد: ولما مات لم أصل عليه؛ لأنه قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر الناس إلا خمسة. وجعل أبو داود يذمه. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال ابن عدي والضعف على حديثه بين. وأرخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجل قدرا من أن يحدثا بهذا
الكذب.
قال هذا المصنف لا المنصف: وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، ثنا أبو محمد صالح بن الفتح الشاشي، ثنا أحمد بن عمير بن جوصاء، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبيه ثنا داود بن فراهيج وعن عمارة بن برد، عن أبي هريرة. فذكره، وقال: اختصرته من حديث طويل. وهذا إسناد مظلم، ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج، عن أبي هريرة، وضعف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما. والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد أدخل على أحدهم وهو لا يشعر. والله أعلم.
قال: وأما حديث أبي سعيد، فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة، أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم، أنا محمد بن أحمد بن
متيم، أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي عن أبيه محمد، عن أبيه عبد الله، عن أبيه محمد، عن أبيه عمر قال: قال الحسين بن علي، سمعت أبا سعيد الخدري يقول: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأسه في حجر علي وقد غابت الشمس، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: " يا علي أصليت العصر؟ " قال: لا يا رسول الله ما صليت، كرهت أن أضع رأسك من حجري وأنت وجع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " " ادع يا علي أن ترد عليك الشمس " فقال علي: يا رسول الله، ادع أنت وأؤمن أنا. فقال: " يا رب إن عليا في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس ". قال أبو سعيد: فوالله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية.» وهذا إسناد مظلم أيضا، ومبتكر منكر، ومخالف لما تقدمه من السياقات، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل، يسرقه بعض هؤلاء الرافضة من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه، كما أخرجا في " الصحيحين "
من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج وغير ذلك من فضائل علي.
قال: وأما حديث أمير المؤمنين علي فأخبرنا أبو العباس الفرغاني، أنا أبو الفضل الشيباني ثنا رجاء بن يحيى الساماني، ثنا هارون بن مسلم بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين، ثنا عبد الله بن عمرو بن الأشعث، عن داود بن الكميت، عن عمه المستهل بن زيد، عن أبيه زيد بن سلهب، «عن جويرية بنت شهر قالت: خرجت مع علي بن أبي طالب فقال: يا جويرية، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجري.» فذكر الحديث. وهذا الإسناد مظلم، وأكثر رجاله لا يعرفون، والذي يظهر، والله أعلم، أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم الله، ولعن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعجل له ما توعده الشارع من العذاب والنكال حيث قال، وهو الصادق في المقال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفيه منقبة عظيمة له ودلالة معجزة باهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون؟! وهل لهم وجود في الخارج أم لا؟ الظاهر، والله أعلم، لا. ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال، فأين أصحاب علي الثقات كعبيدة السلماني وشريح القاضي وعامر الشعبي وأضرابهم، ثم في ترك الأئمة كمالك، وأصحاب الكتب الستة، وأصحاب
المسانيد والسنن والصحاح والحسان رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم، أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم، وهو مفتعل مأفوك بعدهم، وهذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص علي بن أبي طالب ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكم في " مستدركه "، وكلاهما ينسب إلى شيء من التشيع، ولا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقع مثل هذا نهارا جهرة، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة، وأكثرها مركبة موضوعة، وأجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء، على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف. وقد اغتر بذلك أحمد بن صالح، رحمه الله، ومال إلى صحته، ورجح ثبوته.
قال الطحاوي في كتابه " مشكل الحديث ": عن علي بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصري، أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس؛ لأنه من علامات النبوة. وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا، فيما قيل. ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا فيما يقتضي نقله؛ لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين، فإنه من أعلام النبوة، وهو مفارق لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة.
وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا، وهذا حق لو كان الحديث صحيحا، ولكنه لم ينقل كذلك، فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر. والله أعلم.
قلت: والأئمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه، ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ؛ كمحمد ويعلى ابني عبيد الطنافسيين، وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر، والشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس بن تيمية.
وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي، ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى، ثنا عبد الله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول: خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حديث: «لو صدق السائل ما أفلح من رده» . وحديث: «لا وجع إلا وجع العين،» «ولا غم إلا غم الدين» . وحديث أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب وحديث: «أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام» . وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم، إنهما كانا يغتابان» .
والطحاوي، رحمه الله، إن كان قد اشتبه عليه أمره، فقد روي عن أبي حنيفة، رحمه الله إنكاره والتهكم بمن رواه. قال أبو العباس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمر، ثنا سليمان بن عباد، سمعت بشار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويت حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه: يا سارية، الجبل. فهذا أبو حنيفة، رحمه الله، وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضله الله به ورسوله، وهو مع هذا ينكر هذا على راويه، وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب، بل مجرد معارضة لا تجدي، أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث، وهو وإن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا سارية، الجبل. وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا، لا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام قد شهد الشارع له بأنه محدث بأمر جزء من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر علامات الساعة؟! والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه، بل حبست ساعة قبل غروبها؛ بمعنى أنها تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح. والله أعلم. وتقدم ما أورده هذا المصنف من طرق هذا الحديث،
عن علي وأبي هريرة وأبي سعيد وأسماء بنت عميس. وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في " الذرية الطاهرة " من حديث الحسن بن علي، والظاهر أنه عنه، عن أبي سعيد الخدري كما تقدم. والله أعلم.
وقد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن، الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الإمامة الذي رد عليه فيه شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية، قال ابن المطهر: التاسع: رجوع الشمس له مرتين؛ إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية بعده، أما الأولى فروى جابر وأبو سعيد، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عند الله، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين، فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس فصلى علي العصر بالإيماء، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " سل الله أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما " فدعا، فردت الشمس، فصلى العصر قائما.» وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بتعبير دوابهم، وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، وفات كثيرا منهم، فتكلموا في ذلك، فسأل الله رد الشمس، فردت. قال: وقد نظمه الحميري فقال:
ردت عليه الشمس لما فاته ... وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
حتى تبلج نورها في وقتها ... للعصر ثم هوت هوي الكوكب
وعليه قد ردت ببابل مرة ... أخرى وما ردت لخلق معرب
قال شيخنا أبو العباس، رحمه الله: فضل علي وولايته لله وعلو منزلته عند الله معلوم، ولله الحمد، بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني، لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب، وحديث رد الشمس قد ذكره طائفة؛ كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما، وعدوا ذلك من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع. ثم أورد طرقه واحدة واحدة كما قدمنا، وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم، وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه، والله الموفق. واعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغتر بسنده، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقد جيد للأسانيد كجهابذة الحفاظ، وقال في غضون كلامه: والذي يقطع به أنه كذب مفتعل. قلت: وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب، ولكن لم يسنده، وفي سياقه ما يقتضي أن عليا هو الذي دعا برد الشمس في الأولى والثانية، وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد، وأظنه، والله أعلم من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلوا العصر، بل قاموا إلى بطحان، وهو واد هناك، فتوضؤوا وصلوا العصر بعد ما غربت الشمس، وكان علي أيضا فيهم، ولم ترد لهم، وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس ولم ترد لهم، وكذلك لما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، عن صلاة الصبح
حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار، ولم يرد لهم الليل، فما كان الله عز وجل، يعطي عليا وأصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأما نظم الحميري فليس فيه حجة، بل هو كهذيان ابن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر، وهذا لا يدري صحة ما ينظم، بل كلاهما كما قال الشاعر:
إن كنت أدري فعلي بدنه ... من كثرة التخليط أني من أنه
والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود، رحمه الله، في " سننه " «عن علي أنه مر بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر، فلم يصل حتى جاوزها، وقال: نهاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة.» وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه " الملل والنحل " مبطلا لرد الشمس على علي بعد كلام ذكره رادا على من ادعى باطلا من الأمر، فقال: ولا فرق بين من ادعى شيئا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال:
فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى ... لهجتها نور السماء المرجع
فوالله ما أدري علي بدا لنا ... فردت له أم كان في القوم يوشع
هكذا أورده ابن حزم في كتابه، وهذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب، وأنه مصنوع. والله أعلم.
** [ما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة] **
ومما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة، استسقاؤه عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل لأمته حين تأخر المطر، فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته عليه الصلاة والسلام وكذلك استصحاؤه
قال البخاري: ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال البخاري: وقال أبو عقيل الثقفي، عن عمر بن حمزة، ثنا سالم عن أبيه: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب: تفرد به البخاري. وهذ الذي علقه قد أسنده ابن ماجه في " سننه " فرواه عن أحمد بن الأزهر، عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن عمر بن حمزة، عن سالم عن أبيه.
وقال البخاري: ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك «يذكر أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فقال يا رسول الله هلكت الأموال، وتقطعت السبل، فادع الله لنا يغيثنا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: " اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا " قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، ولا بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: فوالله ما رأينا الشمس سبتا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائما، وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل ادع الله أن يمسكها. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: " اللهم حوالينا، ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية، منابت الشجر " قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس.» قال شريك: فسألت أنسا: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم، من حديث إسماعيل بن جعفر، عن شريك به.
وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر، فادع الله أن يسقينا. فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة. قال: فقام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يصرفه عنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم حوالينا، ولا علينا ". قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا، يمطرون ولا يمطر أهل المدينة.» تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله. فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، ثم جاء فقال: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي فادع الله أن يمسكها فقام صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر " فانجابت عن المدينة انجياب الثوب.»
وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا الأوزاعي، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، حدثني أنس بن مالك قال: «أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على
المنبر يوم الجمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وما في السماء قزعة فثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. قال: فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا قال: فما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت، حتى صارت المدينة في مثل الجوبة، حتى سال الوادي، وادي قناة، شهرا، قال: فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود» . ورواه البخاري أيضا في الجمعة، ومسلم من حديث الوليد، عن الأوزاعي.
وقال البخاري: وقال أيوب بن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك قال: «أتى
رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون. قال فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بشق المسافر ومنع الطريق» .
قال البخاري: وقال الأويسي يعني عبد العزيز بن عبد الله: حدثني محمد بن جعفر هو ابن أبي كثير، عن يحيى بن سعيد وشريك، سمعا أنسا، عن النبي صلى الله عليه وسلم «رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه» . هكذا علق هذين الحديثين، ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية.
وقال البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا معتمر، عن عبيد الله، عن ثابت عن أنس بن مالك قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقام الناس
فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائم فادع الله أن يسقينا. فقال: " اللهم اسقنا " مرتين، وايم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فأنشأت سحابة فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى، ثم انصرف ولم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل» . وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان، عن عبيد الله، وهو ابن عمر العمري، به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد قال: «سئل أنس: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول الله، قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال. قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة، فما قضينا الصلاة حتى إن قريب الدار الشاب ليهمه الرجوع إلى أهله. قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول الله، تهدمت البيوت واحتبس الركبان. فتبسم
رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرعة ملالة ابن آدم، وقال اللهم حوالينا، ولا علينا قال: فتكشطت عن المدينة» . وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجوه.
وقال البخاري وأبو داود واللفظ له: ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، ويونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، قال: «أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلكت الكراع هلكت الشاء، فادع الله أن يسقينا. فمد يديه ودعا. قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابة، ثم اجتمعت، ثم أرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم نزل نمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، فادع الله أن يحبسه. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: حوالينا، ولا علينا فنظرت إلى السماء والسحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل» . فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك، وإنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن.
وقال البيهقي بإسناده من غير وجه إلى أبي معمر سعيد بن خثيم الهلالي، عن مسلم الملائي، عن أنس بن مالك قال: «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، والله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ولا صبي يصيح، وأنشد:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء وقال " اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا، مريعا، سريعا، غدقا طبقا، عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار، تملأ به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون ". قال فوالله ما رد يديه
إلى نحره حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاء أهل البطانة يضجون: يا رسول الله، الغرق الغرق. فرفع يديه إلى السماء، وقال: " اللهم حوالينا، ولا علينا " فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرتا عيناه من ينشد قوله؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
قال: وقام رجل من كنانة فقال:
لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة ... إليه وأشخص منه البصر
فلم يك إلا كلف الرداء ... وأسرع حتى رأينا الدرر
دفاق العزالي عم البقاع
أغاث به الله عليا مضر ... وكان كما قاله عمه
أبو طالب أبيض ذو غرر ... به الله يسقي صوب الغمام
وهذا العيان لذاك الخبر ... فمن يشكر الله يلق المزيد
ومن يكفر الله يلقى الغير
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت» وهذا السياق فيه غرابة، ولا يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس؛ فإن كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني، ثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الله بن مصعب، ثنا عبد الجبار، ثنا مروان بن معاوية، ثنا محمد بن أبي ذئب المدني، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحي، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي قال: «لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن
حصن، والحر بن قيس، وهو أصغرهم، ابن أخي عيينة بن حصن، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقرين بالإسلام فسألهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن بلادهم، فقالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وأجدب جنابنا، وعريت عيالنا، وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبحان الله، ويلك هذا، أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟! لا إله إلا الله وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد " قال رسول الله صلى الله عليه، وسلم " إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم " فقال الأعرابي: ويضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: " نعم ". فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر، وتكلم بكلام ورفع يديه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: " اللهم اسق بلدك،
وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا، طبقا واسعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء ". فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول الله، التمر في المرابد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اسقنا " فقال أبو لبابة: التمر في المرابد. ثلاث مرات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بإزاره " قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه، فقال الرجل: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل. فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال " اللهم حوالينا، ولا علينا، على الآكام والظراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر " فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب» وهذا السياق يشبه سياق مسلم الملائي، عن أنس ولبعضه شاهد في " سنن أبي داود "، وفي
حديث أبي رزين العقيلي شاهد لبعضه أيضا. والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن علي بن المؤمل، أنا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، ثنا محمد بن حماد الطهراني، أنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسندي بن عبدويه، عن عبد الله بن عبد الله أبي أويس المدني، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري قال: «استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة، فقال: " اللهم اسقنا، اللهم اسقنا ". فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله، إن التمر في المرابد، وما في السماء من سحاب نراه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اسقنا ". فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله، إن التمر في المرابد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اسقنا، حتى يقوم أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره ". فاستهلت السماء ومطرت، وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أطاف الأنصار بأبي لبابة يقولون له: يا أبا لبابة، إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب
مربدك بإزارك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره، فأقلعت السماء.» وهذا إسناد حسن، ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب. والله أعلم.
وقد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق، كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس، «أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة. فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا. فقال " أوتحب ذلك؟ " قال: نعم. قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.» وهذا إسناد جيد قوي، ولم يخرجوه.
وقد قال الواقدي: قد كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير، ومثلها من الخيل، وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة. قال: ونزل من المطر ماء أغدق الأرض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض، وذلك في حمارة القيظ. أي شدة الحر البليغ، فصلوات الله وسلامه عليه.
وكم له عليه الصلاة والسلام من مثل هذا في غير ما حديث صحيح، ولله الحمد. وقد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعا كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعلهز، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم.
وقد قال البخاري: ثنا الحسن بن محمد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أبي عبد الله بن المثنى، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» . قال فيسقون. تفرد به البخاري.
** [فصل في المعجزات الأرضية] **
فصل: وأما المعجزات الأرضية
فمنها ما هو متعلق بالجمادات، ومنها ما هو متعلق بالحيوانات، فمن المتعلق بالجمادات تكثيره الماء في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردها بأسانيدها، إن شاء الله، وبدأنا بذلك؛ لأنه أنسب بإتباع ما أسلفنا ذكره من استسقائه وإجابة الله له.
قال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم.» وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، ثنا حزم، سمعت الحسن يقول: حدثنا أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم لبعض مخارجه معه ناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجد القوم ماء يتوضؤون به فقالوا: يا رسول الله، والله ما نجد ما
نتوضأ به. ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربعة على القدح، ثم قال: " هلموا فتوضؤوا " فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون. قال الحسن: سئل أنس: كم بلغوا؟ قال: سبعين أو نحو ذلك» . وهكذا رواه البخاري عن عبد الرحمن بن المبارك العيشي، عن حزم بن مهران القطعي به.
طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد ويزيد - قال: أنا حميد المعنى - عن أنس بن مالك قال: «نودي بالصلاة، فقام كل قريب الدار من المسجد، وبقي من كان أهله نائي الدار، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة، فصغر أن يبسط كفه فيه. قال: فضم أصابعه. قال: فتوضأ بقيتهم. قال حميد: وسئل أنس: كم كانوا؟ قال: ثمانين أو زيادة» .
وقد رواه البخاري عن عبد الله بن منير، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: «حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة فيه ماء،
فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعا، قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا ثمانين رجلا» .
طريق أخرى عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد إملاء، عن قتادة، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء فأتي بإناء فيه ماء، لا يغمر أصابعه، فأمر أصحابه أن يتوضؤوا، فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم. قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة.»
وهكذا رواه البخاري عن بندار، عن ابن أبي عدي، ومسلم، عن أبي موسى، عن غندر، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة - وبعضهم يقول: عن شعبة. والصحيح: سعيد - عن قتادة، عن أنس قال: «أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء وهو في الزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم. قال قتادة: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة» . لفظ البخاري.
حديث البراء بن عازب في ذلك: قال البخاري: ثنا مالك بن
إسماعيل، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، «عن البراء بن عازب قال: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير البئر، فدعا بماء فمضمض، ومج في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركابنا.» تفرد به البخاري إسنادا ومتنا.
حديث آخر عن البراء بن عازب: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان وهاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا يونس - هو ابن عبيدة، مولى محمد بن القاسم - «عن البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأتينا على ركي ذمة - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيها ستة أناس أنا سادسهم ماحة، فأدليت إلينا دلو. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على شفة الركي فجعلنا فيها نصفها، أو قراب ثلثيها، فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البراء: فكدت بإنائي هل أجد شيئا أجعله في حلقي؟ فما وجدت فرفعت الدلو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمس يده فيها، فقال ما شاء الله أن يقول، وأعيدت إلينا الدلو بما فيها. قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق. قال: ثم ساحت؛ يعني جرت نهرا.» تفرد به الإمام أحمد، وإسناده جيد قوي، والظاهر أنها قصة أخرى غير يوم الحديبية. والله أعلم.
حديث آخر عن جابر في ذلك: قال الإمام أحمد: ثنا سيار بن حاتم، ثنا جعفر، يعني ابن سليمان، ثنا الجعد أبو عثمان، ثنا أنس بن مالك، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه العطش. قال: فدعا بعس، فصب فيه شيء من الماء، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، وقال " اسقوا ". فاستقى الناس، قال: فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم» . تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وفي أفراد مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل، عن أبي حرزة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل قال فيه: «سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئا يستتر به، وإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: " انقادي علي بإذن الله " فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: " انقادي علي بإذن الله ". فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما - يعني جمعهما - فقال: " التئما علي بإذن الله ". فالتأمتا.
قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه سلم مقبلا، وإذا بالشجرتين قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف وقفة، فقال برأسه هكذا، يمينا وشمالا، ثم أقبل فلما انتهى إلي قال: " يا جابر، هل رأيت مقامي؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: " فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا، فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك ". قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فانذلق لي، فأتيت الشجرتين، فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما، حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقت فقلت: قد فعلت يا رسول الله. قال: فقلت: فلم ذاك؟ قال: " إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين ". قال: فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا جابر ناد بوضوء " فقلت: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال: قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة. وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه سلم الماء
في أشجاب له على حمارة من جريد. قال: فقال لي " انطلق إلى فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ " قال: فانطلقت إليه، فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه. قال: " اذهب فأتني به ". فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه، فقال: " يا جابر، ناد بجفنة ". فقلت: يا جفنة الركب. فأتيت بها تحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في الجفنة هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: " خذ يا جابر فصب علي، وقل: بسم الله ". فصببت عليه، وقلت: بسم الله. فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: " يا جابر ناد من كان له حاجة بماء ". قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا. قال: فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة، وهي ملأى. قال: وشكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع فقال: " عسى الله أن
يطعمكم ". فأتينا سيف البحر، فزخر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار، فاطبخنا واشتوينا، وأكلنا حتى شبعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان - حتى عد خمسة - في حجاج عينها ما يرانا أحد حتى خرجنا، وأخذنا ضلعا من أضلاعه فقوسناه ثم دعونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كفل في الركب، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه.» .
وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: «عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ، فجهش الناس نحوه، قال: " ما لكم؟ " قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك. فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.» وهكذا
رواه مسلم من حديث حصين، وأخرجاه من حديث الأعمش، زاد مسلم: وشعبة، ثلاثتهم عن سالم، عن جابر، وفي رواية الأعمش كنا أربع عشرة مائة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، أن جابر بن عبد الله قال: «غزونا - أو سافرنا - مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن يومئذ بضع عشر ومائتان، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل في القوم من ماء؟ . فجاءه رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء، قال: فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح قال: فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح، فركب الناس القدح: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلكم ". حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الماء والقدح، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله ". ثم قال: " أسبغوا الوضوء ". قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رفعها حتى توضؤوا أجمعون.» وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد، وظاهره كأنه
قصة أخرى غير ما تقدم.
وفي " صحيح مسلم " عن سلمة بن الأكوع قال: «قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة - أو أكثر من ذلك - وعليها خمسون رأسا لا ترويها، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية، فإما دعا وإما بصق فيها. قال: فجاشت، فسقينا واستقينا» .
وفي " صحيح البخاري " من حديث الزهري، عن عروة، عن المسور ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية الطويل: «فعدل عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه» . وقد تقدم الحديث بتمامه في صلح الحديبية فأغنى عن إعادته، وروى ابن إسحاق عن بعضهم أن الذي نزل بالسهم ناجية بن جندب سائق البدن. قال: وقيل البراء بن عازب ثم رجح ابن إسحاق الأول.
حديث عن ابن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد: ثنا حسين الأشقر، ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: «أصبح رسول
الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وليس في العسكر ماء، فأتاه رجل فقال يا رسول الله، ليس في العسكر ماء. قال: " هل عندك شيء؟ " قال: نعم. قال: " فأتني به ". قال: فأتاه بإناء فيه شيء من ماء قليل. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه. قال: فانفجرت من بين أصابعه عيون، وأمر بلالا، فقال: " ناد في الناس: الوضوء المبارك» تفرد به أحمد ورواه الطبراني من حديث عامر الشعبي، عن ابن عباس بنحوه.
حديث عن عبد الله بن مسعود في ذلك: قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: «كنا نعد الآيات بركة. وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقل الماء فقال: " اطلبوا فضلة من ماء ". فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء، ثم قال: " حي على الطهور المبارك والبركة من الله عز وجل ". قال: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» ورواه الترمذي، عن بندار، عن أبي أحمد، وقال: حسن صحيح.
حديث عن عمران بن حصين في ذلك: قال البخاري: ثنا أبو الوليد،
ثنا سلم بن زرير، سمعت أبا رجاء قال: «حدثنا عمران بن حصين، أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فأدلجوا ليلتهم، حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا، فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر، وكان لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه حتى يستيقظ، فاستيقظ عمر، فقعد أبو بكر عند رأسه، فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل وصلى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا، فلما انصرف قال: " يا فلان، ما يمنعك أن تصلي معنا؟ " قال: أصابتني جنابة. فأمره أن يتيمم بالصعيد، ثم صلى، وجعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب بين يديه، وقد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ فقالت: إنه لا ماء. فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة. فقلنا: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته بمثل الذي حدثتنا، غير أنها حدثته أنها مؤتمة، فأمر بمزادتيها، فمسح في العزلاوين، فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، غير أنه لم نسق بعيرا، وهي تكاد تنض من الملء ثم قال: " هاتوا
ما عندكم ". فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها، قالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا. فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا.» وكذلك رواه مسلم من حديث سلم بن زرير، وأخرجاه من حديث عوف الأعرابي، كلاهما عن أبي رجاء العطاردي - واسمه عمران بن تيم - عن عمران بن حصين به. وفي رواية لهما: فقال لها: " «اذهبي بهذا معك لعيالك، واعلمي أنا لم نرزأك من مائك شيئا، غير أن الله سقانا» ". وفيه أنه لما فتح العزلاوين سمى الله عز وجل.
حديث عن أبي قتادة في ذلك: قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: " إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا ". وانطلق سرعان الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالت برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعمته فادعم، ثم مال فدعمته
فادعم، ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال: " من الرجل؟ فقلت: أبو قتادة. قال: " منذ كم كان مسيرك؟ " قلت: منذ الليلة. قال: " حفظك الله كما حفظت رسوله ". ثم قال: " لو عرسنا ". فمال إلى شجرة فنزل فقال: " انظر هل ترى أحدا؟ " قلت: هذا راكب، هذان راكبان. حتى بلغ سبعة. فقال: " احفظوا علينا صلاتنا ". فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس، فانتبهنا فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وسرنا هنيهة، ثم نزل فقال: " أمعكم ماء؟ ". قال: قلت: نعم، معي ميضأة فيها شيء من ماء. قال: " ائت بها " قال: فأتيته بها، فقال " مسوا منها، مسوا منها " فتوضأ القوم وبقيت جرعة، فقال: " ازدهر بها يا أبا قتادة فإنه سيكون لها نبأ ". ثم أذن بلال، وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا، فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإلي ". قلنا: يا رسول الله، فرطنا في صلاتنا. فقال: " لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها، ومن الغد وقتها ". ثم قال: " ظنوا بالقوم ". قالوا: إنك قلت بالأمس: " إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا "؛ فالناس بالماء. فقال: " أصبح الناس، وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء. وفي
القوم أبو بكر وعمر فقالا: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم. وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا " قالها ثلاثا. فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هلكنا عطشا، تقطعت الأعناق. فقال: " لا هلك عليكم ". ثم قال: " يا أبا قتادة، ائت بالميضأة ". فأتيته بها، فقال: " احلل لي غمري " يعني قدحه. فحللته فأتيته به فجعل يصب فيه، ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس أحسنوا الملأ، فكلكم سيصدر عن ري " فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فصب لي، فقال: اشرب يا أبا قتادة ". قال: قلت اشرب أنت يا رسول الله. قال: " إن ساقي القوم آخرهم " فشربت وشرب بعدي، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاثمائة.» قال عبد الله: فسمعني عمران بن حصين، وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرجل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري. قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث، فإني أحد السبعة تلك الليلة. فلما فرغت قال: ما كنت أحسب أحدا يحفظ هذا الحديث غيري.
قال حماد بن سلمة: وحدثنا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وزاد: قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه، وإذا عرس
الصبح، وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده» . وقد رواه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري بطوله، وأخرجه من حديث حماد بن سلمة بسنده الأخير أيضا.
حديث آخر عن أنس يشبه هذا: روى البيهقي من حديث الحافظ أبي يعلى الموصلي، ثنا شيبان، ثنا سعيد بن سليمان الضبعي، ثنا أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهز جيشا إلى المشركين، فيهم أبو بكر وعمر فقال لهم: أجدوا السير؛ فإن بينكم وبين المشركين ماء، إن يسبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس، وعطشتم عطشا شديدا أنتم ودوابكم ". قال: وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانية أنا تاسعهم، وقال لأصحابه: " هل لكم أن نعرس قليلا، ثم نلحق بالناس؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. فعرسوا فما أيقظهم إلا حر الشمس، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستيقظ أصحابه، فقال لهم: " تقدموا واقضوا حاجاتكم ". ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: " هل مع أحد منكم ماء؟ " قال رجل منهم: يا رسول الله معي ميضأة فيها شيء من ماء. قال " " فجئ بها ". فجاء بها، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحها بكفيه،
ودعا بالبركة فيها، وقال لأصحابه: " تعالوا فتوضؤوا " فجاءوا وجعل يصب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضؤوا كلهم، فأذن رجل منهم وأقام، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وقال لصاحب الميضأة: " ازدهر بميضأتك فسيكون لها نبأ ". وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الناس، وقال لأصحابه: " ما ترون الناس فعلوا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال لهم: " فيهم أبو بكر وعمر، وسيرشد الناس ". فقدم الناس وقد سبق المشركون إلى ذلك الماء، فشق ذلك على الناس، وعطشوا عطشا شديدا؛ ركابهم ودوابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين صاحب الميضأة؟ " قالوا: هو ذا يا رسول الله. قال: " جئني بميضأتك ". فجاء بها وفيها شيء من ماء. فقال لهم: " تعالوا فاشربوا ". فجعل يصب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شرب الناس كلهم، وسقوا دوابهم وركابهم وملؤوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة، ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المشركين، فبعث الله، عز وجل، ريحا فضرب وجوه المشركين، وأنزل الله نصره، وأمكن من أدبارهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا أسارى كثيرة، واستاقوا غنائم كثيرة، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وافرين صالحين» . وقد تقدم قريبا عن جابر ما يشبه هذا، وهو في " صحيح مسلم ".
وقدمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلم من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، فذكر حديث جمع الصلاة في غزوة تبوك إلى أن قال: «وقال - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -: " إنكم ستأتون غدا إن شاء الله، عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي ضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي ". قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل مسستما من مائها شيئا؟ " قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا» .
وقال الإمام أحمد: ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن حبان بن بح الصدائي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن قومي كفروا، فأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهز إليهم جيشا، فأتيته فقلت: إن قومي على الإسلام. فقال: " أكذلك؟ " فقلت: نعم. قال: فاتبعته ليلتي إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما أصبحت، وأعطاني إناء توضأت منه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الإناء فانفجر عيونا، فقال: " من أراد منكم أن يتوضأ
فليتوضأ ". فتوضأت وصليت، وأمرني عليهم، وأعطاني صدقتهم، فقام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، فلان ظلمني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا خير في الإمرة لمسلم ". ثم جاء آخر فسأل صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الصدقة صداع في الرأس، وحريق في البطن، أو داء ". قال: فأعطيته صحيفتي، أو قال: صحيفة إمرتي وصدقتي. فقال: " ما شأنك؟ " فقلت: كيف أقبلها وقد سمعت منك ما سمعت؟! فقال: " هو ما سمعت» .
وذكرنا في باب الوفود من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد ابن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصدائي في قصة وفادته، فذكر حديثا طويلا فيه: «ثم قلنا: يا رسول الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا، وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق. فدعا بسبع حصيات فعركهن بيده، ودعا فيهن ثم قال: " اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا الله عز وجل ". قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر
إلى قعرها.» يعني البئر. وأصل هذا الحديث في " المسند " و " سنن أبي داود " و " الترمذي " و " ابن ماجه " وأما الحديث بطوله ففي " دلائل النبوة " للبيهقي رحمه الله.
وقال البيهقي: باب ما ظهر في البئر التي كانت بقباء من بركته. أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، ثنا أبو حامد بن الشرقي، أنا أحمد بن حفص بن عبد الله، ثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن يحيى بن سعيد، أنه حدثه «أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك. قال: فدللته عليها، فقال: لقد كانت هذه وإن الرجل لينضح على حماره، فينزح فنستخرجها له، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذنوب فسقي، فإما أن يكون توضأ منه، وإما أن يكون تفل فيه، ثم أمر به فأعيد في البئر. قال فما نزحت بعد. قال: فرأيته بال، ثم جاء فتوضأ، ومسح على خفيه، ثم صلى.»
وقال أبو بكر البزار: ثنا الوليد بن عمرو بن السكين، ثنا محمد بن عبد الله بن مثنى، عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلنا، فسقيناه من بئر لنا في دارنا كانت تسمى النزور، في الجاهلية فتفل
فيها، فكانت لا تنزح بعد» . ثم قال: لا نعلم هذا يروى إلا من هذا الوجه.
** [باب تكثيره عليه الصلاة والسلام الأطعمة للحاجة إليها في غير ما موطن] **
كما سنورده مبسوطا
تكثيره اللبن في مواطن أيضا: قال الإمام أحمد: ثنا روح، ثنا عمر بن ذر، عن مجاهد، «أن أبا هريرة كان يقول: والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل، ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فعرف ما في وجهي وما في نفسي، فقال: " أبا هريرة ". فقلت له: لبيك يا رسول الله. فقال: " الحق ". واستأذنت فأذن لي، فوجدت لبنا في قدح فقال: " من أين لكم هذا اللبن؟ " فقالوا: أهداه لنا فلان - أو آل فلان - قال: " أبا هر ". قلت لبيك يا رسول الله. قال: " انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي ". قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا جاءت
رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقة، أرسل بها إليهم ولم يصب منها. قال: وأحزنني ذلك، وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي، وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم. وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فانطلقت فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، ثم قال: " أبا هر خذ فأعطهم ". فأخذت القدح فجعلت أعطيهم، فيأخذ الرجل القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد القدح، وأعطيه الآخر، فيشرب حتى يروى، ثم يرد القدح، حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ القدح فوضعه في يده، وبقي فيه فضلة، ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال: " أبا هر ". فقلت: لبيك رسول الله. قال: " بقيت أنا وأنت " فقلت: صدقت يا رسول الله. قال: " اقعد فاشرب ". قال: فقعدت فشربت، ثم قال لي: " اشرب " فشربت، فما زال يقول لي: " اشرب " فأشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا. قال: " ناولني القدح ". فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة» . ورواه البخاري عن أبي نعيم، وعن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، وأخرجه الترمذي، عن هناد عن يونس بن بكير، ثلاثتهم عن عمر بن ذر. وقال الترمذي: صحيح.
وقال الإمام أحمد: ثنا أبوبكر بن عياش، حدثني عاصم، عن زر، «عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال: " يا غلام هل من لبن؟ " قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن. قال: " فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ " فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن، فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: " اقلص " فقلص. قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول. قال فمسح رأسي وقال " يرحمك الله، فانك غليم معلم» .
ورواه البيهقي من حديث أبي عوانة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن ابن مسعود، وقال فيه: ( «فأتيته بعناق جذعة، فاعتقلها ثم جعل يمسح ضرعها ويدعو، فأتاه أبو بكر بحجفة، فحلب فيها وسقى أبا بكر ثم شرب، ثم قال للضرع: " اقلص " فقلص فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول. فمسح رأسي وقال: " إنك غلام معلم ". فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر.» وتقدم في الهجرة حديث أم معبد، وحلبه عليه الصلاة والسلام شاتها، وكانت عجفاء لا لبن لها، فشرب هو وأصحابه، وغادر عندها إناء كبيرا من لبن حتى جاء زوجها. وتقدم في ذكر من كان يخدمه من غير مواليه عليه الصلاة والسلام، المقداد بن الأسود، حين شرب اللبن الذي كان
قد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام من الليل ليذبح له شاة فوجد لبنا كثيرا فحلب ما ملأ منه إناء كبيرا جدا. الحديث.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن ابنة خباب، «أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فاعتقلها وحلبها، فقال " " ائتني بأعظم إناء لكم ". فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملأها، ثم قال: " اشربوا أنتم وجيرانكم» .
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا محمد بن الفرج الأزرق، ثنا عصمة بن سليمان الخزاز، ثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرماني، «عن نافع، وكانت له صحبة، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكنا زهاء أربعمائة، فنزلنا في موضع ليس فيه ماء، فشق ذلك على أصحابه وقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم. قال: فجاءت شويهة لها قرنان، فقامت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلبها فشرب حتى روى، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم قال: " يا نافع املكها الليلة، وما أراك تملكها ". قال: فأخذتها فوتدت لها وتدا، ثم ربطتها بحبل، ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته من قبل أن يسألني، فقال: " يا نافع ذهب بها الذي جاء بها ".» قال البيهقي: ورواه محمد بن سعد، عن خلف بن الوليد أبي الوليد الأزدي، عن خلف بن
خليفة، عن أبان بن بشير، عن شيخ من أهل البصرة عن نافع، فذكره. وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا.
ثم قال البيهقي: أنا أبو سعيد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، أنا العباس بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن سعيد ابن أبي مريم، ثنا أبو حفص الرياحي، ثنا عامر بن أبي عامر الخزاز، عن أبيه عن الحسن بن سعد - يعني مولى أبي بكر - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احلب لي تلك العنز " قال وعهدي بذلك الموضع لا عنز فيه. قال: فأتيت فإذا بعنز حافل. قال: فاحتلبتها، واحتفظت بالعنز وأوصيت بها. قال: فاشتغلنا بالرحلة ففقدت العنز فقلت: يا رسول الله قد فقدت العنز. فقال: " إن لها ربا» وهذا أيضا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا، وفي إسناده من لا يعرف حاله. وسيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلق من المعجزات بالحيوانات.
** [تكثيره عليه الصلاة والسلام السمن لأم سليم] **
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، ثنا محمد بن زياد البرجمي، عن
أبي الظلال، «عن أنس عن أمه، قال: كانت لها شاة فجمعت من سمنها في عكة، فملأت العكة ثم بعثت بها مع ربيبة فقالت: يا ربيبة، أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدم بها. فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، هذه عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم. قال: " فرغوا لها عكتها ". ففرغت العكة فدفعت إليها، فانطلقت بها، وجاءت وأم سليم ليست في البيت، فعلقت العكة على وتد، فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر، فقالت أم سليم: يا ربيبة، أليس أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: قد فعلت، فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت أم سليم ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله، إني بعثت معها إليك بعكة فيها سمن. قال: " قد فعلت، قد جاءت بها ". قالت: والذي بعثك بالحق ودين الحق، إنها لممتلئة تقطر سمنا! قال: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أم سليم، أتعجبين أن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه؟ كلي وأطعمي " قالت: فجئت إلى البيت فقسمت في قعب لنا وكذا وكذا، وتركت فيها ما ائتدمنا به شهرا أو شهرين» .
حديث آخر في ذلك: قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا علي بن بحر القطان، ثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم
الرماني، عن يوسف بن خالد، عن أوس بن خالد، «عن أم أوس البهزية قالت: سليت سمنا لي فجعلته في عكة، فأهديته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وترك في العكة قليلا، ونفخ فيه ودعا بالبركة، ثم قال: " ردوا عليها عكتها ". فردوها عليها وهي مملوءة سمنا. قالت: فظننت أن رسول الله صلى الله عليه سلم لم يقبلها، فجاءت ولها صراخ، فقالت: يا رسول الله، إنما سليته لك لتأكله. فعلم أنه قد استجيب له، فقال: " اذهبوا فقولوا لها فلتأكل سمنها وتدعو بالبركة " فأكلت بقية عمر النبي صلى الله عليه وسلم وولاية أبي بكر وولاية عمر، وولاية عثمان، حتى كان من أمر علي ومعاوية ما كان.»
حديث آخر: روى البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن عبد الأعلى بن أبي المساور القرشي، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة قال: «كانت امرأة من دوس يقال لها: أم شريك. أسلمت في رمضان. فذكر الحديث في هجرتها وصحبة ذلك اليهودي لها، وأنها عطشت، فأبى أن يسقيها حتى تهود، فنامت فرأت في النوم من يسقيها، فاستيقظت وهي ريانة، فلما جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم قصت عليه القصة، فخطبها إلى نفسها، فرأت نفسها أقل من ذلك، وقالت: بل زوجني من شئت. فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا، وقال: " كلوا ولا
تكيلوا ". وكانت معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرغت، وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ردتها أن تعلقها ولا توكئها، فدخلت أم شريك، فوجدتها ملأى، فقالت للجارية: ألم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: قد فعلت. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يوكئوها، فلم تزل حتى أوكتها أم شريك، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء.» .
حديث آخر: قال الطبراني: ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا يزيد بن يحيى بن يزيد الخزاعي أبو خالد، ثنا أبو بكر بن محمد بن حمزة، عن أبيه، عن جده قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وكنت على خدمته ذلك السفر، فنظرت إلى نحي السمن وقد قل ما فيه، وهيأت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، ووضعت النحي في الشمس ونمت، فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت برأسه بيدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تركته لسال واديا سمنا» حديث آخر في ذلك: قال الإمام أحمد: ثنا موسى، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر، «أن البهزية أم مالك كانت تهدي في عكة لها سمنا للنبي صلى الله عليه وسلم فبينما بنوها يسألونها الإدام وليس عندها شيء، فعمدت إلى نحيها التي
كانت تهدي فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت فيه سمنا، فما زال يقيم لها إدام بيتها حتى عصرته، وأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أعصرتيه؟ " فقالت: نعم. قال: " لو تركتيه ما زال ذلك مقيما» .
ثم روى الإمام أحمد بهذا الإسناد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أتاه رجل يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه هو وامرأته وضيف لهم حتى كالوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو لم تكيلوه لأكلتم منه ولقام لكم» وقد روى هذين الحديثين مسلم من وجه آخر، عن أبي الزبير، عن جابر.
[ضيافة أبي طلحة الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظهر في ذلك اليوم من دلائل النبوة]
** ذكر ضيافة أبي طلحة الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظهر في ذلك اليوم من دلائل النبوة في تكثيره الطعام النزر، حتى عم من هنالك من الضيفان وأهل المنزل والجيران **
قال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله
بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: «قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم. قال: " بطعام؟ " فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: " قوموا " فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هلمي يا أم سليم، ما عندك؟ " فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: " ائذن لعشرة ". فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: " ائذن لعشرة ". فأذن لهم. فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: " ائذن لعشرة " فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: " ائذن لعشرة ". فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا.» وقد رواه البخاري في مواضع أخر من " صحيحه " ومسلم من غير وجه عن مالك به.
طريق آخر عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال أبو يعلى: ثنا هدبة بن خالد، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا بكر وثابت البناني، عن أنس، «أن أبا طلحة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويا، فجاء إلى أم سليم، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويا، فهل عندك من شيء؟ قالت: ما عندنا إلا نحو من مد دقيق شعير. قال: فاعجنيه وأصلحيه، عسى أن ندعو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل عندنا. قال: فعجنته وخبزته، فجاء قرصا، فقال لي: يا أنس، ادع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ناس. قال مبارك: أحسبه قال: بضعة وثمانون. قال: فقلت: يا رسول الله، أبو طلحة يدعوك. فقال لأصحابه: " أجيبوا أبا طلحة ". فجئت جزعا حتى أخبرته أنه قد جاء بأصحابه. قال بكر: فقفدني قفدة. وقال ثابت: قال أبو طلحة: رسول الله أعلم بما في بيتي مني. وقالا جميعا عن أنس: فاستقبله أبو طلحة فقال: يا رسول الله، ما عندنا شيء إلا قرص، رأيتك طاويا فأمرت أم سليم فجعلت لك قرصا. قال: فدعا بالقرص، ودعا بجفنة فوضعه فيها وقال: " هل من سمن؟ " قال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء. قال: فجاء بها. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة يعصرانها حتى خرج شيء مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم به سبابته، ثم مسح القرص فانتفخ، فقال: " بسم الله ". فانتفخ القرص، فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ، حتى رأيت القرص في
الجفنة يتصيع، فقال: " ادع عشرة من أصحابي ". فدعوت له عشرة، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وسط القرص، وقال: " كلوا بسم الله ". فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، ثم قال: " ادع لي عشرة آخرين ". فدعوت له عشرة أخرى، فقال: " كلوا بسم الله ". فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص، حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص حتى شبعوا، وإن وسط القرص حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كما هو» . وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن، ولم يخرجوه. فالله أعلم.
طريق أخرى عن أنس بن مالك: قال الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نمير، ثنا سعد - يعني ابن سعيد بن قيس - ( «أخبرني أنس بن مالك قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأدعوه، وقد جعل له طعاما. قال: فأقبلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس. قال: فنظر إلي فاستحييت، فقلت: أجب أبا طلحة. فقال للناس: " قوموا " فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما صنعت شيئا لك! قال فمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا فيها بالبركة، ثم قال: " أدخل نفرا من أصحابي عشرة ". فقال: " كلوا ". فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وقال: "
أدخل عشرة ". فقال: " كلوا " فأكلوا حتى شبعوا، فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع، ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها» وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن عبد الله بن نمير، وعن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه، كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري.
طريق أخرى: رواه مسلم في الأطعمة، عن عبد بن حميد، عن خالد بن مخلد، عن محمد بن موسى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فذكر نحو ما تقدم. وقد رواه أبو يعلى الموصلي، عن محمد بن عباد المكي، عن حاتم، عن معاوية بن أبي مزرد، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن أبي طلحة، فذكره. والله أعلم.
طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد: ثنا علي بن عاصم، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس بن مالك قال: «أتى أبو طلحة بمدين من شعير، فأمر به فصنع طعاما، ثم قال لي: يا أنس، انطلق ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه، وقد تعلم ما عندنا. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده، فقلت: إن أبا طلحة يدعوك إلى طعام. فقام
وقال للناس " قوموا " فقاموا، فجئت أمشي بين يديه حتى دخلت على أبي طلحة فأخبرته، قال: فضحتنا! قلت: إني لم أستطع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره. فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الباب قال لهم: " اقعدوا ". ودخل عاشر عشرة، فلما دخل أتي بالطعام، تناول فأكل وأكل معه القوم حتى شبعوا، ثم قال لهم: " قوموا وليدخل عشرة مكانكم ". حتى دخل القوم كلهم وأكلوا. قال: قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا نيفا وثمانين. قال: وفضل لأهل البيت ما أشبعهم.» وقد رواه مسلم في الأطعمة، عن عمرو الناقد، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس قال: «أمر أبو طلحة أم سليم؛ قال: اصنعي للنبي صلى الله عليه وسلم لنفسه خاصة طعاما يأكل منه.» فذكر نحو ما تقدم.
طريق أخرى عن أنس: قال أبو يعلى: ثنا شجاع بن مخلد، ثنا وهب بن جرير ثنا أبي، سمعت جرير بن زيد يحدث عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: «رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مضطجعا يتقلب ظهرا لبطن، فأتى أم سليم فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في المسجد يتقلب ظهرا لبطن، ولا أراه إلا جائعا. فخبزت أم سليم قرصا، ثم قال لي أبو طلحة: اذهب فادع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته وعنده
أصحابه، فقلت: يا رسول الله، يدعوك أبو طلحة. فقام وقال " قوموا " قال: فجئت أسعى إلى أبي طلحة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه أصحابه، فتلقاه أبو طلحة فقال: يا رسول الله إنما هو قرص. فقال: " إن الله سيبارك فيه ". فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيء بالقرص في قصعة فقال: " هل من سمن؟ " فجيء بشيء من سمن، فغور القرص بأصبعه هكذا، ورفعها ثم صب وقال: " كلوا من بين أصابعي ". فأكل القوم حتى شبعوا، ثم قال: " أدخل علي عشرة ". فأكلوا حتى شبعوا، حتى أكل القوم فشبعوا، وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنا حتى شبعنا. وفضلت فضلة أهدينا لجيران لنا» . ورواه مسلم في الأطعمة من " صحيحه " عن حسن الحلواني، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن عمه جرير بن زيد، عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، فذكر نحو ما تقدم.