Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة إحدى عشرة من الهجرة] — تتمة ٤
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 64 of 840
فأما ما ذكره القاضي عياض بن موسى السبتي في كتابه " الشفا "، وذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين وغيرهما، «أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار يسمى زياد بن شهاب، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه ; ليطلب له بعض أصحابه فيجيء إلى باب أحدهم فيقعقعه، فيعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه، وأنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سلالة سبعين حمارا، كل منها ركبه نبي، وأنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب فتردى في بئر فمات» . فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية، وقد أنكره غير واحد من الحفاظ، منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبوه، رحمهما الله، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي، رحمه الله، ينكره غير مرة إنكارا شديدا.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة ": ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى العنبري، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف، ثنا إبراهيم بن سويد الجذوعي، حدثني عبد الله بن أذينة الطائي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه، فقال " من أنت؟ " قال: أنا عمرو بن فلان، كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك، فملكني رجل من اليهود، فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعني ضربا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنت يعفور ".» هذا حديث غريب جدا.
** [فصل: إيراد ما بقي علينا من متعلقات السيرة الشريفة] **
[كتاب الشمائل]
فصل
وهذا أوان إيراد ما بقي علينا من متعلقات السيرة الشريفة، وذلك أربعة كتب ; الأول في الشمائل، والثاني في الدلائل، والثالث في الفضائل، والرابع في الخصائص، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
** كتاب الشمائل **
** [بيان خلقه الظاهر وخلقه الطاهر] **
شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان خلقه الظاهر وخلقه الطاهر
قد صنف الناس في هذا، قديما وحديثا، كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحسن من جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، رحمه الله، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور " بالشمائل "، ولنا به سماع متصل إليه، ونحن نورد عيون ما أورده فيه، ونزيد عليه أشياء مهمة لا يستغني عنها المحدث والفقيه، ولنذكر أولا بيان حسنه الباهر عليه الصلاة والسلام، وجماله الجميل، ثم نشرع بعد ذلك في إيراد الجمل والتفاصيل، فنقول، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل:
** [باب ما ورد في حسنه الباهر بعدما تقدم من حسبه الطاهر] **
قال البخاري: ثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب
يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير» . وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب، عن إسحاق بن منصور به.
وقال البخاري: حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه» . قال يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه: إلى منكبيه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: «ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس بالطويل ولا بالقصير» . وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث وكيع به.
وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، أنا أبو إسحاق، (ح) وحدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء
يقول: «ما رأيت أحدا من خلق الله أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن جمته لتضرب إلى منكبيه» . قال ابن أبي بكير: لتضرب قريبا من منكبيه. قال - يعني أبا إسحاق -: وقد سمعته يحدث به مرارا ما حدث به قط إلا ضحك. وقد رواه البخاري في اللباس، والترمذي في " الشمائل "، والنسائي في الزينة من حديث إسرائيل به.
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، ثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: سئل البراء بن عازب «أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر» . ورواه الترمذي من حديث زهير بن معاوية الجعفي الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي، واسمه عمرو بن عبد الله الكوفي، عن البراء بن عازب به، وقال: حسن صحيح.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل ": أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، ثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان، ثنا أبو نعيم وعبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، أنه سمع جابر بن سمرة قال له رجل: «أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه مثل السيف؟ قال جابر:
لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا» . وهكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبيد الله بن موسى به.
وقد رواه الإمام أحمد مطولا، فقال: ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن سماك، أنه سمع جابر بن سمرة يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته، فإذا ادهن ومشطهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير الشعر واللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا. قال: ورأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده» .
وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا المحاربي، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان في عيني أحسن من القمر» . وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن هناد بن السري، عن عبثر بن القاسم، عن أشعث بن سوار. قال النسائي: وهو ضعيف، وقد أخطأ، والصواب: أبو إسحاق عن البراء. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث أشعث بن سوار، وسألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - قلت: حديث أبي إسحاق عن البراء أصح أم حديثه عن جابر؟
فرأى كلا الحديثين صحيحا.
وثبت في " صحيح البخاري " عن كعب بن مالك في حديث التوبة قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر» . وقد تقدم الحديث بتمامه.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن امرأة من همدان سماها، قالت: «حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة، بيده محجن، عليه بردان أحمران يكاد يمس منكبه، إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن، ثم يرفعه إليه فيقبله. قال أبو إسحاق: فقلت لها: شبهيه. قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله» .
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا عبد الله بن موسى التيمي، ثنا أسامة بن زيد، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ: «صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: يا بني لو رأيته رأيت الشمس طالعة» . ورواه البيهقي من حديث يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد الله بن موسى التيمي بسنده، فقالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة.
وثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة
قالت: «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا تبرق أسارير وجهه» . الحديث.
وقال أبو زرعة الرازي في " دلائل النبوة ": باب من كان يتبرك بوجه النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه المبارك، حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، ثنا عبد الوارث، ثنا عتبة بن عبد الملك السهمي، حدثني كريم بن الحارث بن عمرو السهمي، أن الحارث بن عمرو حدثه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات وقد أطاف به الناس. قال: وتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك» .
** [صفة لون رسول الله صلى الله عليه وسلم] **
قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن خالد، هو ابن يزيد، عن سعيد، يعني ابن أبي هلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك «يصف النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ; ليس بأبيض أمهق ولا بآدم، ليس بجعد قطط ولا سبط رجل، أنزل عليه وهو ابن أربعين فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» . قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره، فإذا هو أحمر. فسألت فقيل: احمر من الطيب.
ثم قال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه سمعه يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، فتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» . وكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، ورواه أيضا عن قتيبة ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر وعن القاسم بن زكريا، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، ثلاثتهم عن ربيعة به. ورواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة عن مالك به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قال الحافظ البيهقي: ورواه ثابت عن أنس فقال: «كان أزهر اللون» . قال: ورواه حميد كما أخبرنا. ثم ساق بإسناده عن يعقوب بن سفيان، حدثني عمرو بن عون وسعيد بن منصور قالا: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمر اللون» .
وهكذا روى هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار عن الحسن بن علي،
عن خالد بن عبد الله، عن حميد عن أنس. قال: وحدثناه محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا حميد، عن أنس قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير، وكان إذا مشى تكفأ، وكان أسمر اللون» . ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن حميد إلا خالد وعبد الوهاب.
ثم قال البيهقي، رحمه الله: وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر الرزاز، ثنا يحيى بن جعفر، ثنا علي بن عاصم، ثنا حميد، سمعت أنس بن مالك يقول. . . فذكر الحديث «في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان أبيض، بياضه إلى السمرة» . قلت: وهذا السياق أصح من الذي قبله وهو يقتضي أن السمرة التي كانت تعلو وجهه عليه الصلاة والسلام من كثرة أسفاره وبروزه للشمس. والله أعلم.
فقد قال يعقوب بن سفيان الفسوي أيضا: حدثني عمرو بن عون وسعيد بن منصور قالا: ثنا خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن أبي الطفيل قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد رآه غيري. فقلنا له: صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان أبيض مليح الوجه» . ورواه مسلم عن سعيد بن منصور به. ورواه
أيضا أبو داود من حديث سعيد بن إياس الجريري، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض مليحا، إذا مشى كأنما ينحط في صبوب» . لفظ أبي داود.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، «أنبأنا الجريري قال: كنت أطوف مع أبي الطفيل فقال: ما بقي أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري. قلت: ورأيته؟ قال: نعم. قال: قلت: كيف كانت صفته؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا» . وقد رواه الترمذي عن بندار وسفيان بن وكيع، كلاهما عن يزيد بن هارون به.
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الله بن جعفر أو أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا واصل بن عبد الأعلى الأسدي، ثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جحيفة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه» . ثم قال: رواه مسلم عن واصل بن عبد الأعلى. ورواه البخاري، عن عمرو بن علي، عن محمد بن فضيل. وأصل الحديث كما ذكر في " الصحيحين " ولكن بلفظ آخر كما سيأتي.
وقال محمد بن إسحاق: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن
جعشم عن أبيه، أن سراقة بن مالك قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دنوت منه وهو على ناقته، جعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة» . وفي رواية يونس عن ابن إسحاق «والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة» . قلت: يعني من شدة بياضها كأنها جمارة طلع النخل.
وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية، عن مولى لهم مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، عن رجل من خزاعة يقال له: محرش أو مخرش. لم يكن سفيان يقف على اسمه، وربما قال: محرش. ولم أسمعه أنا، «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا، فاعتمر، ثم رجع فأصبح بها كبائت، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة» . تفرد به أحمد. وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي، أخبرني محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة «يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان شديد البياض» . وهذا إسناد جيد، ولم يخرجوه.
وقال الإمام أحمد: ثنا حسن، ثنا عبد الله بن لهيعة، ثنا أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كأن الشمس تجري في جبهته، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث» . ورواه الترمذي عن قتيبة، عن ابن لهيعة به، وقال: «كأن الشمس تجري في وجهه صلى الله عليه وسلم» . وقال: غريب. ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن المبارك، عن رشدين بن سعد المصري، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. وقال: «كأن الشمس تجري في وجهه» . وكذلك رواه ابن عساكر من حديث حرملة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة، فذكره، وقال: «كأنما الشمس تجري في وجهه» .
وقال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، يعني ابن الحنفية، عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون» .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز عن نافع بن جبير، «عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربا وجهه حمرة» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا ابن الأصبهاني، ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، «عن نافع بن جبير قال: وصف لنا علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان أبيض مشرب الحمرة» . وقد رواه الترمذي بنحوه من حديث المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هرمز وقال: هذا حديث صحيح.
قال البيهقي: وقد روي هكذا عن علي من وجه آخر. قلت: رواه ابن جريج، عن صالح بن سعيد، عن نافع بن جبير، عن علي. قال البيهقي: ويقال: إن المشرب منه حمرة ما ضحا للشمس والرياح، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر.
** [صفة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر محاسنه] من فرقه وجبينه وحاجبيه وعينيه، وأنفه وفمه وثناياه، وما جرى مجرى ذلك من محاسن طلعته ومحياه **
قد تقدم قول أبي الطفيل: «كان أبيض مليح الوجه» . وقول أنس: «كان أزهر اللون» . «وقول البراء وقد قيل له: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ يعني في صقاله، فقال: لا، بل مثل القمر. وقول جابر بن سمرة وقد قيل له مثل ذلك، فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا. وقول الربيع بنت معوذ: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة. وفي رواية: لرأيت الشمس طالعة» .
وقال أبو إسحاق السبيعي «عن امرأة من همدان حجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عنه، فقالت: كان كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله» . وقال أبو هريرة «كأن الشمس تجري في وجهه» . وفي رواية: في جبهته.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان وحسن بن موسى، قالا: ثنا حماد، وهو ابن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس، عظيم العينين، أهدب الأشفار مشرب
العينين بحمرة: كث اللحية، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت التفت جميعا» . تفرد به أحمد.
وقال أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى الواسطي، ثنا عباد بن العوام، ثنا الحجاج، عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، عن علي، أنه سئل عن «صفة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان لا قصيرا ولا طويلا، حسن الشعر رجله، مشربا وجهه حمرة ضخم الكراديس، شثن الكفين والقدمين، عظيم الرأس، طويل المسربة، لم أر قبله ولا بعده مثله، إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب» .
وقال محمد بن سعد: عن الواقدي، حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فإني لأخطب يوما على الناس، وحبر من أحبار يهود واقف في يده سفر ينظر فيه، فلما رآني قال: صف لنا أبا القاسم. فقال علي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير ولا بالطويل البائن، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، هو رجل الشعر أسوده، ضخم الرأس، مشرب لونه حمرة، عظيم الكراديس، شثن الكفين والقدمين، طويل المسربة، وهو الشعر الذي يكون من النحر إلى السرة، أهدب الأشفار، مقرون الحاجبين، صلت الجبين، بعيد ما بين المنكبين، إذا
مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب، لم أر قبله مثله ولا بعده مثله. قال علي: ثم سكت، فقال لي الحبر: وماذا؟ قال علي: هذا ما يحضرني. قال الحبر: في عينيه حمرة، حسن اللحية، حسن الفم، تام الأذنين، يقبل جميعا ويدبر جميعا. فقال علي: هذه والله صفته. قال الحبر: وشيء آخر. قال علي: وما هو؟ قال الحبر: وفيه جنأ. قال علي: هو الذي قلت لك: كأنما ينزل من صبب. قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، ونجده يبعث في حرم الله وأمنه وموضع بيته، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو، ويكون له حرمة كحرمة الحرم الذي حرم الله، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم، قوما من ولد عمرو بن عامر أهل نخل، وأهل الأرض قبلهم يهود. قال علي: هو هو، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحبر: فإني أشهد أنه نبي، وأنه رسول الله إلى الناس كافة، فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله. قال: فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن ويخبره بشرائع الإسلام، ثم خرج علي والحبر من هنالك حتى مات في خلافة أبي بكر وهو مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدق به» . وهذه الصفة قد وردت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من طرق متعددة سيأتي ذكرها.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده قال: سئل أو قيل لعلي: «انعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كان أبيض مشربا بياضه حمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار» .
قال يعقوب: وحدثنا عبد الله بن مسلمة وسعيد بن منصور، قالا: ثنا عيسى بن يونس، ثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد من ولد علي، قال: كان علي «إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان في الوجه تدوير، أبيض، أدعج العينين، أهدب الأشفار. قال الجوهري: الدعج: شدة سواد العينين مع سعتها» .
حديث آخر: روى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى فى كتابه " مسانيد الشعر "، من طريق البخاري في " التاريخ " أنه قال: ثنا عمرو بن محمد الربيعي، ثنا أبو عبيدة معمر بن المثنى، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كنت قاعدة أغزل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله. قالت: فنظرت إليه، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا. قالت: فبهت. قالت: فنظر إلي فقال: " ما لك يا عائشة؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله، نظرت إليك فجعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره. قال: " وما يقول أبو كبير؟ " فقلت: يقول:
ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه
برقت كبرق العارض المتهلل
قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان بيده، وقام إلي وقبل بين عيني، وقال: " يا عائشة، ما سررت مني كسروري منك» .
أبو عبيدة معمر بن المثنى مولاهم البصري أحد أئمة اللغة والأدب وأيام الناس. قال الجاحظ كان عارفا بجميع العلوم. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يثني عليه ويصحح روايته. وقال الدارقطني: لا بأس به، ولكنه كان متهما برأي الخوارج وبالإحداث. وتوفي سنة عشر ومائتين وقد قارب المائة أو أكملها. والله تعالى أعلم. وشيخ البخاري لا يعرف، وإسناد الغرابة إليه أولى من إسنادها إلى أبي عبيدة.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، أخبرني سماك سمعت جابر بن سمرة يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهل العينين، منهوس العقب، ضليع الفم» . هكذا وقع في رواية أبي داود عن شعبة: أشهل العينين. قال أبو عبيد: والشهلة حمرة في سواد العين، والشكلة حمرة في بياض العين. قلت: وقد روى هذا الحديث مسلم في " صحيحه "، عن أبي موسى وبندار، كلاهما
عن غندر، عن شعبة به. وقال: أشكل العينين. وهذا هو الصواب، ورواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن أبي قطن، عن شعبة به، وقال: أشكل العينين. وقال: حسن صحيح. ووقع في " صحيح مسلم " تفسير الشكلة بطول أشفار العينين، وهو من بعض الرواة. وقول أبي عبيد أنها حمرة في بياض العين أشهر وأصح، وذلك يدل على القوة والشجاعة. والله تعالى أعلم.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، حدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة «يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان مفاض الجبين، أهدب الأشفار» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو غسان، ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، حدثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي، عن خاله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان» .
وقال يعقوب: ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن كريب، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين، وكان إذا تكلم رئي كالنور بين ثناياه» . ورواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن المنذر به.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عباد بن حجاج، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «كنت إذا نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أكحل العينين. وليس بأكحل، وكان في ساقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسما» .
وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، حدثني مجمع بن يحيى، عن عبد الله بن عمران الأنصاري، عن علي والمسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز عن نافع بن جبير، عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير ولا بالطويل، ضخم الرأس واللحية، شثن الكفين والقدمين والكراديس، مشربا وجهه حمرة، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفيا، كأنما يتقلع من
صخر، لم أر قبله ولا بعده مثله» .
قال ابن عساكر: وقد رواه عبد الله بن داود الخريبي عن مجمع، فأدخل بين ابن عمران وبين علي رجلا غير مسمى. ثم أسند من طريق عمرو بن علي الفلاس، عن عبد الله بن داود، ثنا مجمع بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن عمران، عن رجل من الأنصار قال: «سألت علي بن أبي طالب وهو محتب بحمالة سيفه في مسجد الكوفة عن نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان أبيض اللون مشربا حمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، دقيق المسربة، سهل الخد، كث اللحية، ذا وفرة، كأن عنقه إبريق فضة، له شعر يجري من لبته إلى سرته كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا العاجز ولا اللأم، كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من المسك الأذفر، لم أر مثله قبله ولا بعده» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سعيد بن منصور، ثنا نوح بن قيس الحداني، ثنا خالد بن خالد التميمي، عن يوسف بن مازن المازني، أن رجلا
قال لعلي: يا أمير المؤمنين، «انعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: كان أبيض مشربا حمرة، ضخم الهامة، أغر، أبلج، أهدب الأشفار» .
وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن ابن عمير، قال شريك: قلت له: عمن يا أبا عمير، عمن حدثه؟ قال: عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الهامة، مشربا حمرة، شثن الكفين والقدمين، ضخم اللحية طويل المسربة، ضخم الكراديس، يمشي في صبب، يتكفأ في المشية لا قصير ولا طويل، لم أر قبله مثله ولا بعده» . وقد روي لهذا شواهد كثيرة عن علي، وروي عن عمر نحوه.
وقال الواقدي: ثنا بكير بن مسمار، عن زياد مولى سعد قال: سألت سعد بن أبي وقاص «هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، ولا هم به، كان شيبه في عنفقته وناصيته، لو أشاء أن أعدها لعددتها. قلت: فما صفته؟ قال: كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ولا بالسبط ولا بالقطط، وكانت لحيته حسنة، وجبينه صلتا، مشربا بحمرة، شثن الأصابع شديد سواد الرأس واللحية» .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ثنا يحيى بن حاتم العسكري، ثنا بشر بن مهران ثنا
شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: «إن أول شيء علمته من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قدمت مكة في عمومة لي، فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض، تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه، أقنى الأنف، براق الثنايا، أدعج العينين، كث اللحية، دقيق المسربة، شثن الكفين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان، كأنه القمر ليلة البدر» . وذكر تمام الحديث، «وطوافه عليه الصلاة والسلام بالبيت وصلاته عنده هو وخديجة وعلي بن أبي طالب، وأنهم سألوا العباس عنه، فقال: هذا هو ابن أخي محمد بن عبد الله، وهو يزعم أن الله أرسله إلى الناس» .
وقد ثبت في " الصحيحين " عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني أراكم من وراء ظهري ".» فقال بعض العلماء: يعني بعيني قلبه. حتى فسر بعضهم قوله تعالى {وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 219] بذلك، وهذا التفسير ضعيف. وقال آخرون: بل كان هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، أنه كان ينظر من ورائه كما ينظر أمامه. وقد نص على ذلك الحافظ أبو زرعة الرازي فى كتابه " دلائل النبوة "، فبوب عليه وأورد الأحاديث الواردة فى ذلك من طريق ثابت وحميد وعبد العزيز بن صهيب وقتادة، كلهم عن أنس، فذكره.
قال: وحدثنا علي بن الجعد، ثنا ابن أبي ذئب، عن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي، فأقيموا صفوفكم، وأحسنوا ركوعكم وسجودكم» .
وحدثنا سعيد بن سليمان، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فذكر حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي» ورواه من طريق محمد بن إسحاق، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، بمثله. وهو في " الصحيحين " من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترون قبلتي هاهنا؟ فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم ولا سجودكم؛ إني أراكم من وراء ظهري» .
ثم روى عن الحميدي، عن سفيان، عن داود بن سابور وحميد الأعرج وابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 219] قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه فى الصلاة كما يرى من بين يديه» .
ثم روى عن عمرو بن عثمان الحمصي وغيره، عن بقية، حدثني حبيب ابن أبي موسى - وهو ابن صالح - قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عينان في قفاه يبصر بهما من ورائه» . وهذا غريب جدا.
وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم في زمن ابن عباس. قال: وكان يزيد يكتب المصاحف. قال: فقلت لابن عباس: إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم. قال ابن عباس: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني " فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلا بين الرجلين، جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه، حتى كادت تملأ نحره. قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا من النعت. قال: فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا» .
وقال أبو زرعة الرازي في كتاب " دلائل النبوة ": باب من ذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا تكلم رئي النور من بين ثنيتيه. حدثنا إبراهيم بن المنذر بن عبد الله
الحزامي، ثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، عن إسماعيل بن إبراهيم بن أخي موسى بن عقبة عن موسى بن عقبة عن كريب، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم رئي النور من ثنيتيه» . إسناد جيد.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري قال سئل أبو هريرة، «عن صفة رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: أحسن الصفة وأجملها؛ كان ربعة إلى الطول أقرب ما هو، بعيد ما بين المنكبين أسيل الخدين شديد سواد الشعر أكحل العين أهدب الأشفار إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس لها أخمص، إذا وضع رداءه على منكبيه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر لم أر قبله ولا بعده مثله،» وقد رواه محمد بن يحيى من وجه آخر متصل، فقال: ثنا إسحاق بن إبراهيم يعني الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. فذكر نحو ما تقدم.
ورواه الذهلي، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن صالح، عن ابن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال «كان رسول الله كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش
المنكبين، يطأ بقدمه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا» .
ورواه الواقدي: حدثني عبد الملك، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شثن القدمين والكفين، ضخم الساقين، عظيم الساعدين، ضخم العضدين والمنكبين، بعيد ما بينهما، رحب الصدر، رجل الرأس، أهدب العينين، حسن الفم، حسن اللحية، تام الأذنين، ربعة من القوم، لا طويلا ولا قصيرا، أحسن الناس لونا، يقبل معا ويدبر معا، لم أر مثله، ولم أسمع بمثله» .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو الحسن المحمودي المروزي، ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عمر، ثنا حرب بن سريج صاحب الخلقان، حدثني رجل من بلعدوية، حدثني جدي قال: انطلقت إلى المدينة. . . فذكر الحديث «في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجمة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره، ورأيته بين طمرين، فدنا مني وقال: السلام عليك» .
** [ذكر شعره عليه الصلاة والسلام] **
قد ثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فرق بعد» .
وقال الإمام أحمد: ثنا حماد بن خالد، ثنا مالك، ثنا زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سدل ناصيته ما شاء أن يسدل، ثم فرق بعد» . تفرد به من هذا الوجه.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: «أنا فرقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه؛ صدعت فرقه عن يافوخه، وأرسلت ناصيته بين عينيه» .
قال ابن إسحاق وقد قال لي محمد بن جعفر بن الزبير، وكان فقيها مسلما: ما هي إلا سيما من سيما الأنبياء، تمسكت بها النصارى من بين الناس.
وثبت في " الصحيحين " عن البراء «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعره إلى منكبيه» . وجاء في الصحيح عنه، وعن غيره: إلى أنصاف أذنيه. ولا منافاة بين الحالين، فإن الشعر تارة يطول، وتارة يقصر منه، فكل حكى بحسب ما رأى.
وقال أبو داود: ثنا ابن نفيل، ثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة» . وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام حلق جميع رأسه في حجة الوداع. وقد مات بعد ذلك بأحد وثمانين يوما صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن مسلمة ويحيى بن عبد الحميد، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم هانئ: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قدمة وله أربع غدائر» . تعني ضفائر. ورواه الترمذي من حديث سفيان بن عيينة.
وثبت في " الصحيحين " من حديث ربيعة، عن أنس قال بعد ذكره شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس بالسبط ولا بالقطط. قال: وتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» .
وفي " صحيح البخاري " من حديث أيوب، عن ابن سيرين، أنه قال: قلت لأنس: «أخضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنه لم ير من الشيب إلا قليلا» . وكذا روى هو ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت: قيل لأنس: «هل كان شاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما شانه الله بالشيب، ما كان في رأسه إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة» .
وعند مسلم من طريق المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختضب، إنما كان شمط عند العنفقة يسيرا، وفي الصدغين يسيرا، وفي الرأس يسيرا» .
وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا همام، عن قتادة قال: سألت أنسا: «هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، إنما كان شيء في صدغيه.»
وروى البخاري، عن عصام بن خالد، عن حريز بن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر السلمي: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكان شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض» . وتقدم عن جابر بن سمرة مثله.
وفي " الصحيحين " من حديث أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه منه بيضاء. يعني عنفقته» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة السكري، عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي قال: «دخلنا على أم سلمة، فأخرجت إلينا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم» . رواه البخاري، عن موسى بن إسماعيل، عن سلام بن أبي مطيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن أم سلمة به.
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إسرائيل، «عن عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم، فيه من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا أصاب إنسانا الحمى بعث إليها
فخضخضته فيه، ثم ينضحه الرجل على وجهه. قال فبعثني أهلي إليها فأخرجته، فإذا هو هكذا - وأشار إسرائيل بثلاث أصابع - وكان فيه خمس شعرات حمر» . رواه البخاري، عن مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل عن عثمان به.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد الله بن إياد، حدثني إياد، عن أبي رمثة قال: «انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته قال: هل تدري من هذا؟ قلت: لا قال: إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظن أن رسول صلى الله عليه وسلم شيء لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران» . ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن أبي رمثة، واسمه حبيب بن حيان، ويقال: رفاعة بن يثربي. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إياد. كذا قال.
وقد رواه النسائي أيضا من حديث سفيان الثوري وعبد الملك بن عمير، كلاهما عن إياد بن لقيط به ببعضه. ورواه يعقوب بن سفيان
أيضا، عن محمد بن عبد الله المخرمي، عن أبي سفيان الحميري، عن الضحاك بن حمزة، عن غيلان بن جامع، عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالحناء والكتم، وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه» .
وقال أبو داود: ثنا عبد الرحيم بن مطرف أبو سفيان، ثنا عمرو بن محمد، أنا ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية. ويصفر لحيته بالورس والزعفران،» وكان ابن عمر يفعل ذلك. ورواه النسائي، عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي، عن عمرو بن محمد العنقزي به.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا
يحيى بن آدم، (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، أنا يعقوب بن سفيان، حدثني أبو جعفر محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة» . وفي رواية إسحاق: «رأيت شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه» .
قال البيهقي: وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا هلال بن العلاء الرقي، ثنا حسين بن عياش الرقي، ثنا جعفر بن برقان، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: «قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر، وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني رأيت شعرا من شعره قد لون؟ فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد متع بالسواد، ولو عددت ما أقبل علي من شيبة في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي غير لونه» .
قلت: ونفي أنس للخضاب معارض بما تقدم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقررة أن الإثبات مقدم على النفي؛ لأن المثبت معه زيادة علم ليست عند النافي. وهكذا إثبات غيره لأزيد مما ذكر من الشيب مقدم، لا سيما عن
ابن عمر الذي المظنون أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة، فإن اطلاعها أتم من اطلاع أنس؛ لأنها ربما أنها فلت رأسه الكريم عليه الصلاة والسلام.
** [ذكر ما ورد في منكبيه وساعديه وإبطيه وقدميه وكعبيه صلى الله عليه وسلم] **
قد تقدم ما أخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا، بعيد ما بين المنكبين» . وقال الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين» .
وروى البخاري، عن أبي النعمان، عن جرير عن قتادة، عن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس والقدمين، سبط الكفين. وتقدم من غير وجه أنه عليه الصلاة والسلام، كان شثن الكفين والقدمين» . وفي رواية ضخم الكفين والقدمين.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا آدم وعاصم بن علي، قالا: ثنا ابن أبي ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «كان شبح الذراعين بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين» . وفي حديث نافع بن جبير، عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شثن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس، طويل المسربة» . وتقدم في حديث حجاج، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «كان في ساقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة» . أي لم يكونا ضخمين. وقال سراقة بن مالك بن جعشم: فنظرت إلى ساقيه - وفي رواية: قدميه في الغرز. يعني الركاب - كأنهما جمارة. أي جمارة النخل؛ من بياضهما.
وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن سمرة: «كان ضليع الفم - وفسره بأنه عظيم الفم - أشكل العينين - وفسره بأنه طويل شق العينين - منهوس العقب. وفسره بأنه قليل لحم العقب» . وهذا أنسب وأحسن في حق الرجال.
وقال الحارث بن أبي أسامة: ثنا عبد الله بن بكر، ثنا حميد، عن أنس قال: «أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام كاتب يخدمك. قال: فخدمته تسع سنين، فما قال لشيء صنعت: أسأت. ولا: بئس ما صنعت. ولا مسست شيئا قط خزا ولا حريرا
ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وهكذا رواه معتمر بن سليمان وعلي بن عاصم ومروان بن معاوية الفزاري وإبراهيم بن طهمان، كلهم عن حميد، عن أنس، في لين كفه، عليه الصلاة والسلام، وطيب رائحته، صلاة الله وسلامه عليه. وفي حديث الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يطأ بقدمه كلها، ليس لها أخمص» . وقد جاء خلاف هذا، كما سيأتي.
وقال يزيد بن هارون حدثني عبد الله بن يزيد بن مقسم قال: حدثتني عمتي سارة بنت مقسم، عن ميمونة بنت كردم قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهو على ناقة له، وأنا مع أبي، وبيد رسول الله صلى الله عليه وسلم درة كدرة الكتاب، فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه، فأقر له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه» . ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون مطولا. ورواه أبو داود من حديث يزيد بن هارون ببعضه، وعن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة عن خالته عنها، بنحوه. ورواه ابن ماجه من وجه آخر عنها. والله أعلم.
وقال البيهقي: أنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا محمد بن إسحاق أبو بكر، ثنا سلمة بن حفص السعدي، ثنا يحيى بن اليمان، ثنا إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «كانت أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ خنصره من رجليه متظاهرة» . وهذا حديث غريب.
** [صفة قوامه عليه الصلاة والسلام وطيب رائحته] **
في " صحيح البخاري " من حديث ربيعة، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة من القوم؛ ليس بالطويل ولا بالقصير» .
وقال أبو إسحاق عن البراء: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل ولا بالقصير» . أخرجاه في " الصحيحين ".
وقال نافع بن جبير عن علي: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا
بالقصير، لم أر قبله ولا بعده مثله» .
وقال سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير،» وهو إلى الطول أقرب، وكان عرقه كاللؤلؤ. الحديث.
وقال سعيد، عن نوح بن قيس، عن خالد بن خالد التميمي، عن يوسف بن مازن الراسبي، عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالذاهب طولا، وفوق الربعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، وكان عرقه في وجهه كاللؤلؤ» . الحديث.
وقال الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة، وهو إلى الطول أقرب، وكان يقبل جميعا، ويدبر جميعا، لم أر قبله ولا بعده مثله» .
وثبت في " البخاري " من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ولا شيئا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم» . ورواه مسلم من
حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس به.
ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وقال أحمد: ثنا ابن أبي عدي، ثنا حميد، عن أنس قال: «ما مسست شيئا قط خزا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وهذا إسناد ثلاثي على شرط " الصحيحين "، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.
وقال يعقوب بن سفيان: أنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد - وأخرجه البيهقي من حديث أحمد بن حازم بن أبي غرزة عنه - قال: ثنا أسباط بن نصر، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا. قال: وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده
بردا وريحا، كأنما أخرجها من جؤنة عطار» . ورواه مسلم عن عمرو بن حماد به نحوه.
قال أبو زرعة الرازي ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا أبو ثميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال: «كنت أصافح النبي صلى الله عليه وسلم أو يمس جلدي جلده، فأتعرفه في يدي بعدما نالته أطيب رائحة من المسك» .
وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، وحجاج، أخبرني شعبة، عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة» . زاد فيه عون عن أبيه: يمر من ورائها الحمار والمرأة.
قال حجاج في الحديث: ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم. قال فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك. وهكذا رواه البخاري، عن الحسن بن منصور، عن حجاج بن محمد الأعور، عن شعبة، فذكر مثله سواء. وأصل الحديث في
" الصحيحين " أيضا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا هشام بن حسان وشعبة وشريك، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد، عن أبيه - يعني يزيد بن الأسود - قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر بمنى، فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: " ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ " قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال " فلا تفعلا إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة " قال: فقال أحدهما: استغفر لي يا رسول الله. فاستغفر له، قال: ونهض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهضت معهم، وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلده. قال: فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده، فوضعتها إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وهو يومئذ في مسجد الخيف» .
ثم رواه أيضا، عن أسود بن عامر وأبي النضر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، سمعت جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصبح، فذكر الحديث، قال: «ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فمسحت بها وجهي، فوجدتها أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك» . وقد رواه أبو داود من حديث شعبة، والترمذي والنسائي من حديث هشيم، عن يعلى به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا مسعر، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني أهلي عن أبي قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء، فشرب منه، ثم مج في الدلو، ثم صب في البئر، أو شرب من الدلو، ثم مج في البئر، ففاح منها مثل ريح المسك» . وهكذا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي نعيم، وهو الفضل بن دكين به.
وقال الإمام أحمد: ثنا هاشم، ثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة، فغمس يده فيها» . ورواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، ثنا عبد العزيز، يعني ابن أبي
سلمة الماجشون، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتت فقيل لها: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما تصنعين يا أم سليم؟ " فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا. قال " أصبت» ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن حجين به.
وقال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، ثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عندنا فعرق، وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ " قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب» ورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به.
وقال أحمد: ثنا إسحاق بن منصور، يعني السلولي، ثنا عمارة، يعني ابن زاذان، عن ثابت، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عند أم سليم، وكان من أكثر الناس عرقا، فاتخذت له نطعا، وكان يقيل عليه، وخطت بين رجليه خطا، وكانت تنشف العرق فتأخذه، فقال: " ما هذا يا أم سليم؟ " قالت: عرقك يا رسول الله، أجعله في طيبي. قال: فدعا لها بدعاء حسن» تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد: ثنا محمد بن عبد الله، ثنا حميد، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بيت أم سليم فينام على فراشها، وليست أم سليم في بيتها، فتأتي فتجده نائما، وكان صلى الله عليه وسلم إذا نام ذف عرقا، فتأخذ عرقه بقطنة في قارورة فتجعله في مسكها» . وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ولا أحد منهما.
وقال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو المقرئ، أنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة - وقال مسلم: ثنا
أبو بكر بن أبي شيبة - ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن أم سليم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيها، فيقيل عندها فتبسط له نطعا، فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه، فتجعله في الطيب والقوارير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أم سليم، ما هذا؟ " فقالت: عرقك أدوف به طيبي» . لفظ مسلم.
وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده: ثنا بشر، ثنا حلبس بن غالب، ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني زوجت ابنتي، وأنا أحب أن تعينني بشيء. قال: " ما عندي شيء، ولكن إذا كان غد فأتني بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة، وآية بيني وبينك أن تدق ناحية الباب ". قال: فأتاه بقارورة واسعة الرأس، وعود شجرة. قال: فجعل يسلت العرق من ذراعيه حتى امتلأت القارورة. قال: " فخذها، ومر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة، وتطيب به ". قال: فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب فسموا بيوت المطيبين» وهذا حديث غريب جدا.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن هاشم، ثنا موسى بن عبد الله، ثنا عمر بن سعيد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب، وقالوا: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الطريق» . وقد رواه أبو زرعة الرازي في " دلائل النبوة " من حديث عمر بن سعيد الأبح، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر في طريق من طرق المدينة وجد من ذلك الطريق رائحة المسك، فيقولون: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الطريق» . ثم قال: وهذا الحديث رواه أيضا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرف بريح الطيب. قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، وريحه طيب، وكان مع ذلك يحب الطيب أيضا» .
قال الإمام أحمد: ثنا أبو عبيدة، عن سلام أبي المنذر، عن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» .
ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا سلام أبو المنذر القارئ، عن ثابت، عن
أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» وهكذا رواه النسائي بهذا اللفظ، عن الحسين بن عيسى القومسي، عن عفان بن مسلم، عن سلام بن سليمان أبي المنذر القارئ البصري، عن ثابت، عن أنس فذكره.
وقد روي من وجه آخر بلفظ: «حبب إلي من دنياكم ثلاث؛ الطيب والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة» وليس بمحفوظ بهذا، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وإنما هي من أهم شئون الآخرة. والله أعلم.
** [صفة خاتم النبوة الذي بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه] **
قال البخاري: ثنا محمد بن عبيد الله، ثنا حاتم، عن الجعيد قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: «ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وقع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ
فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة» . وهكذا رواه مسلم، عن قتيبة ومحمد بن عباد، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به.
ثم قال البخاري: قال ابن عبيد الله: الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه. وقال إبراهيم بن حمزة: مثل زر الحجلة. قال أبو عبد الله: الرز، الراء قبل الزاي.
وقال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، أنه سمع جابر بن سمرة يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية. فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل كان مثل الشمس
والقمر، وكان مستديرا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده» .
حدثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سماك سمعت جابر بن سمرة قال: «رأيت خاتما في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام» .
وحدثنا ابن نمير، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا حسن بن صالح، عن سماك، بهذا الإسناد مثله.
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سرجس قال: «ترون هذا الشيخ؟ يعني نفسه، كلمت نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأكلت معه، ورأيت العلامة التي بين كتفيه، وهي في طرف نغض كتفه اليسرى، كأنه جمع - يعني الكف المجتمع، وقال بيده فقبضها - عليه خيلان كهيئة الثآليل» .
وقال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم وأسود بن عامر، قالا: ثنا شريك،
عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلمت عليه، وأكلت من طعامه، وشربت من شرابه، ورأيت خاتم النبوة. قال هاشم: في نغض كتفه اليسرى، كأنه جمع فيه خيلان سود، كأنها الثآليل» . ورواه عن غندر، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس، فذكر الحديث، وشك شعبة في أنه هل هو في نغض الكتف اليمنى أو اليسرى.
وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد وعلي بن مسهر وعبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلت معه خبزا ولحما. أو قال: ثريدا. فقلت: يا رسول الله، غفر الله لك. قال: " ولك ". فقلت له: أستغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولكم. ثم تلا هذه الآية: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] . قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعا، عليه خيلان كأمثال الثآليل» .
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قرة بن خالد:، ثنا معاوية بن قرة، عن أبيه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أرني الخاتم. فقال " أدخل يدك ". فأدخلت يدي في جربانه، فجعلت ألمس أنظر إلى الخاتم، فإذا هو على
نغض كتفه مثل البيضة، فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي وإن يدي لفي جربانه» ورواه النسائي، عن أحمد بن سعيد، عن وهب بن جرير عن قرة بن خالد به.
وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إياد بن لقيط السدوسي، عن أبي رمثة التيمي قال: «خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت برأسه ردع حناء، ورأيت على كتفه مثل التفاحة، فقال أبي: إني طبيب ألا أبطها لك؟ قال: " طبيبها الذي خلقها " قال: وقال لأبي: " هذا ابنك؟ " قال: نعم. قال: " أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد الله بن إياد، حدثني أبي، عن أبي ربيعة أو رمثة قال: «انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله، إني كأطب الرجال أفأعالجها لك؟ قال: " لا، طبيبها الذي خلقها ".» .
قال البيهقي: وقال الثوري، عن إياد بن لقيط في هذا الحديث: فإذا خلف كتفه مثل التفاحة.
وقال عاصم بن بهدلة عن أبي رمثة: فإذا في نغض كتفه مثل بعرة البعير
أو بيضة الحمامة.
ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب، عن سلامة العجلي، عن سلمان الفارسي قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى رداءه وقال " " يا سلمان، انظر إلى ما أمرت به ". قال: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمامة» .
وروى يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، عن يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن التنوخي الذي بعثه هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بتبوك، فذكر الحديث كما قدمناه في غزوة تبوك إلى أن قال: فحل حبوته عن ظهره، ثم قال: «ههنا امض لما أمرت به فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة» .
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن ميسرة، ثنا عتاب، سمعت أبا سعيد يقول: «الخاتم الذي بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم لحمة ناتئة» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا شريج، ثنا أبو ليلى عبد الله بن ميسرة الخراساني، عن غياث البكري قال: «كنا نجالس أبا سعيد الخدري بالمدينة، فسألته عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان بين كتفيه، فقال بأصبعه السبابة هكذا: لحم ناشز بين كتفيه صلى الله عليه وسلم» . تفرد به أحمد من هذا الوجه. حديث غريب جدا رواه أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان البستي في " صحيحه " قائلا: أخبرنا نصر بن الفتح بن سالم المربعي العابد بسمرقند، ثنا رجاء بن مرجى الحافظ، ثنا إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند ثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عمر قال: «كان خاتم النبوة في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البندقة من لحم، عليه مكتوب: محمد رسول الله» . وهذا حديث سكت عليه ابن حبان، وقد دخل على راويه عن ابن جريج الوهم، فإن المكتوب عليه: محمد رسول الله، هو خاتمه الذي كان يلبسه في خنصره من الفضة، فأما خاتم النبوة الذي بين كتفيه فلم يرد فيه شيء من الأحاديث. وبمثل هذا التفرد لا يقبل من رواية ذلك حتى يرويه الثقات؛ إذ نقل هذا مما تتوفر الدواعي على نقل مثله فلا يقبل فيه تفرد الراوي. والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية المصري في كتابه " التنوير في مولد البشير النذير " عن أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسين بن بشر المعروف بالحكيم الترمذي، أنه قال: كان الخاتم الذي بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: الله وحده. وفي ظاهرها: توجه حيث شئت فإنك منصور. ثم قال: وهذا غريب. واستنكره، قال: وقيل: كان من نور. ذكره الإمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ في كتابه " تنقل الأنوار " وحكى أقوالا غريبة غير ذلك، ومن أحسن ما ذكره ابن دحية، رحمه الله، وغيره من العلماء قبله في الحكمة في كون الخاتم كان بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتي من ورائك. قال: وقيل كان على نغض كتفه. لأنه يقال: هو الموضع الذي يدخل الشيطان منه إلى باطن الإنسان. فكان هذا عصمة له عليه الصلاة والسلام من الشيطان.
قلت: وقد ذكرنا الأحاديث الدالة على أنه لا نبي بعده عليه الصلاة والسلام، ولا رسول، عند تفسير قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب: 40] .
** [باب جامع لأحاديث متفرقة وردت في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم] **
** [حديث علي بن أبي طالب في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم] **
قد تقدم في رواية نافع بن جبير عن علي بن أبي طالب، أنه قال: لم أر قبله ولا بعده مثله.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي وسعيد بن منصور، ثنا عمر بن يونس، ثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي، قال: «كان علي إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدوير، أبيض مشربا، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذا مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي
في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفا، وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وألزمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله» . وقد روى هذا الحديث الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الغريب "، ثم روى عن الكسائي والأصمعي وأبي عمرو تفسير غريبه، وحاصل ما ذكره مما فيه غرابة أن المطهم هو الممتلئ الجسم، والمكلثم شديد تدوير الوجه، يعني لم يكن بالسمين الناهض، ولم يكن ضعيفا، بل كان بين ذلك، ولم يكن وجهه في غاية التدوير بل فيه سهولة، وهي أحلى عند العرب ومن يعرف، وكان أبيض مشربا حمرة، وهي أحسن اللون، ولهذا لم يكن أمهق اللون، والأدعج هو شديد سواد الحدقة، وجليل المشاش هو عظيم رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين، والكتد الكاهل وما يليه من الجسد. وقوله: شثن الكفين. أي: غليظهما. وتقلع في مشيته، أي شديد المشية، وتقدم الكلام على الشكلة والشهلة والفرق
بينهما، والأهدب طويل أشفار العين، وجاء في حديث أنه كان شبح الذراعين يعني غليظهما. والله تعالى أعلم.
** [حديث أم معبد] **
في ذلك
قد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة من مكة إلى المدينة حين ورد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الديلي، فسألوها هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى. وكانوا ممحلين، فنظر إلى شاة في كسر خيمتها، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " فقالت: خلفها الجهد. فقال: " أتأذنين أن أحلبها؟ " فقالت: إن كان بها حلب فاحلبها. فدعا بالشاة فمسحها وذكر اسم الله. فذكر الحديث في حلبه منها ما كفاهم أجمعين، ثم حلبها وترك عندها إناءها ملأى، وكان يربض الرهط، فلما جاء بعلها استنكر اللبن وقال: من أين لك هذا يا أم معبد ولا حلوبة في البيت، والشاء عازب؟! فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. فقال: صفيه لي، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب. فقالت:
رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما، وعلاه البهاء، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب؛ ربعة لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. فقال بعلها: هذا والله صاحب قريش الذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. قال: وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يسمعونه، ولا يرون من يقوله وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد ... دعاها بشاة حائل فتحلبت
له بصريح ضرة الشاة مزبد ... فغادره رهنا لديها لحالب
يدر لها في مصدر ثم مورد
وقد قدمنا جواب حسان بن ثابت لهذا الشعر المبارك بمثله في الحسن.
والمقصود أن الحافظ البيهقي روى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي قال: ثنا الحر بن الصياح، عن أبي معبد الخزاعي. فذكر الحديث بطوله كما قدمناه بألفاظه. وقد رواه الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي، والحافظ أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " قال عبد الملك: فبلغني أن أبا معبد أسلم بعد ذلك، وأن أم معبد هاجرت وأسلمت. ثم إن الحافظ البيهقي أتبع هذا الحديث بذكر غريبه، وقد ذكرناه في الحواشي فيما سبق، ونحن نذكر هاهنا نكتا من ذلك؛ فقولها: ظاهر الوضاءة. أي ظاهر الجمال. أبلج الوجه: أي مشرق الوجه مضيئه. لم تعبه ثجلة: قال أبو عبيد: هو كبر البطن. وقال غيره: كبر الرأس. ورد أبو عبيد رواية من روى: لم تعبه نحلة. يعني من النحول، وهو الضعف. قلت: وهذا هو الذي فسر به البيهقي
الحديث، والصحيح قول أبي عبيدة ولو قيل: إنه كبر الرأس. لكان قويا؛ وذلك لقولها بعده: ولم تزر به صعلة. وهو صغر الرأس بلا خلاف، ومنه يقال لولد النعامة: صعل. لصغر رأسه، ويقال له: الظليم. وأما البيهقي فرواه: لم تعبه نحلة. يعني من الضعف كما فسره، ولم تزر به صقلة: قال: وهو الخاصرة، يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمنتفخ ولا ناحل. قال: ويروى: لم تعبه ثجلة. وهو كبر البطن. ولم تزر به صعلة. وهو صغر الرأس. وأما الوسيم فهو حسن الخلق، وكذلك القسيم أيضا. والدعج: شدة سواد الحدقة. والوطف: طول أشفار العينين. ورواه القتيبي: في أشفاره عطف. وتبعه البيهقي في ذلك. قال ابن قتيبة ولا أعرف ما هذا. وهو معذور؛ لأنه وقع في روايته غلط، فحار في تفسيره، والصواب ما ذكرناه. والله أعلم. وفي صوته صحل: وهو بحة يسيرة، وهي أحلى في الصوت من أن يكون حادا. قال أبو عبيد: وبالصحل توصف الظباء. قال: ومن روى: في صوته صهل. فقد غلط؛ فإن ذلك لا يكون إلا في الخيل، ولا يكون في الإنسان. قلت: وهو الذي أورده البيهقي؛ قال: ويروى: صحل. والصواب قول أبي عبيد. والله أعلم. وأما قولها: أحور. فمستغرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قبل يسير في العينين يزينها ولا يشينها كالحول. وقولها: أكحل. قد تقدم له شاهد. وقولها: أزج. قال أبو عبيد: هو المتقوس الحاجبين. قال: وأما قولها: أقرن. فهو التقاء الحاجبين بين العينين. قال: ولا يعرف هذا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم إلا في هذا
الحديث. قال: والمعروف في صفته عليه الصلاة والسلام أنه أبلج الحاجبين. في عنقه سطع: قال أبو عبيد: أي طول. وقال غيره: نور. قلت: والجمع ممكن بل متعين. وقولها: إذا صمت فعليه الوقار. أي الهيبة عليه في حال صمته وسكوته. وإذا تكلم سما: أي علا على الناس. وعلاه البهاء: أي في حال كلامه. حلو المنطق فصل: أي فصيح بليغ يفصل الكلام ويبينه. لا نزر ولا هذر: أي لا قليل ولا كثير. كأن منطقه خرزات نظم: يعني الدر من حسنه وبلاغته وفصاحته وبيانه وحلاوة لسانه. أبهى الناس وأجمله من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب: أي هو مليح من بعيد ومن قريب. وذكرت أنه لا طويل ولا قصير، بل هو أحسن من هذا ومن هذا. وذكرت أن أصحابه يعظمونه ويكرمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته، وما ذاك إلا لجلالته عندهم وعظمته في نفوسهم ومحبتهم له، وأنه ليس بعابس: أي ليس يعبس. ولا يفند أحدا: أي يهجنه ويستقل عقله؛ بل جميل المعاشرة، حسن الصحبة، صاحبه كريم عليه، وهو حبيب إليه صلى الله عليه وسلم
قال أبو زرعة في " الدلائل ": ثنا أبو نعيم، ثنا يوسف - يعني ابن صهيب - عن عبد الله بن بريدة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، «كان أحسن البشر قدما» . وهذا مرسل.
وقال أبو زرعة أيضا: ثنا إسماعيل بن أبان الأزدي الوراق، ثنا عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «قلت: يا رسول الله، تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو ما علمت يا عائشة أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء؟» هذا الحديث يعد من المنكرات. والله أعلم.
** [حديث هند بن أبي هالة] **
في ذلك
وهند هذا هو ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه خديجة بنت خويلد، وأبوه أبو هالة، كما قدمنا بيانه، والله أعلم.
قال يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ، رحمه الله: حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، قالا: ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة التميمي، «عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة - وكان وصافا - عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إذا تفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة،
كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق - فهو بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين، وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط القصب، شثن الكفين والقدمين، سابل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا، ويمشي هونا، ذريع المشية؛ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، يبدأ من لقيه بالسلام. قلت: صف لي منطقه. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت يفتتح الكلام، ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا ولا يمدحه، ولا يقوم لغضبه إذا تعرض للحق شيء حتى ينتصر له - وفي رواية: لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء
حتى ينتصر له - لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين بن علي زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا. قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك، وكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فرد ذلك على العامة والخاصة لا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأدبه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته؛ فإنه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه زوارا - ويروى: روادا. أي طالبين ما عنده - يفترقون إلا عن ذواق - وفي رواية: ولا يتفرقون إلا عن ذوق - ويخرجون أدلة، يعني فقهاء، قال: وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يخزن لسانه إلا بما يعنيهم، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه كيف كان، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. قال: فسألته عن سيرته في جلسائه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب
ولا فحاش ولا عياب، ولا مزاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث؛ المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث؛ كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه يستحلبونه في المنطق، ويقول إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام. قال: فسألته كيف كان سكوته، قال كان سكوته على أربع؛ الحلم والحذر والتقدير والتفكر. فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تذكره - أو قال: تفكره - ففيما يبقى ويفنى، وجمع له صلى الله عليه وسلم الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع؛ أخذه بالحسنى، والقيام لهم فيما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم» . وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي، رحمه الله في كتاب " شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن سفيان بن وكيع بن الجراح، عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، حدثني رجل من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله سماه غيره يزيد بن عمر، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي قال: سألت خالي. فذكره، وفيه حديثه عن أخيه الحسين، عن أبيه علي بن
أبي طالب. وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، لفظا وقراءة عليه، أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العقيقي صاحب كتاب " النسب " ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو محمد بالمدينة سنة ثلاث وستين ومائتين، حدثني علي بن جعفر بن محمد، عن أخيه موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه محمد بن علي عن علي بن الحسين قال: قال الحسن: سألت خالي هند بن أبي هالة. فذكره. ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، فذكره بإسناده مطولا، ثم أورد غريبه. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، رحمه الله، في كتابه " الأطراف " بعد ذكره ما تقدم من هاتين الطريقين: وروى إسماعيل بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن إسحاق بن صالح المخزومي، عن يعقوب التيمي، عن عبد الله بن عباس، أنه قال لهند بن أبي هالة، وكان وصافا
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر بعض هذا الحديث. وقد روى الحافظ البيهقي من طريق صبيح بن عبد الله الفرغاني، وهو ضعيف، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وعن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة حديثا مطولا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قريبا من حديث هند بن أبي هالة، وسرده البيهقي بتمامه، وفي أثنائه تفسير ما فيه من الغريب، وفيما ذكرناه غنية عنه. والله تعالى أعلم.
وروى البخاري، عن أبي عاصم الضحاك، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بليال، فخرج هو وعلي يمشيان، فإذا الحسن بن علي يلعب مع الغلمان. قال: فاحتمله أبو بكر على كاهله وجعل يقول: بأبي شبه النبي، ليس شبيها بعلي. وعلي يضحك منهما، رضي الله عنهما.
وقال البخاري: ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا إسماعيل، عن أبي جحيفة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحسن بن علي يشبهه» .
وروى البيهقي، عن أبي علي الروذباري، عن عبد الله بن جعفر بن شوذب الواسطي، عن شعيب بن أيوب الصريفيني، عن عبيد الله بن موسى،
عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي رضي الله عنه، قال: الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك.
** [باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم] **
** [حديث بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا] **
قد قدمنا طيب أصله ومحتده، وطهارة نسبه ومولده، وقد قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124] .
وقال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» .
وفي " صحيح مسلم " عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم.» .
وقال الله تعالى: {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 1] أي؛ وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال عطية:
لعلى أدب عظيم. وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام قال: «سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقلت: أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت بلى. فقالت: كان خلقه القرآن» .
وقد روى الإمام أحمد، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري قال: «سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن» .
وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، والنسائي من حديثه، وابن جرير من حديث ابن وهب، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: «حججت فدخلت على عائشة، فسألتها، عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن» . ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام، مهما أمره به القرآن امتثله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أكمل منها، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله، وهو مع ذلك خاتم النبيين، فلا رسول بعده ولا نبي، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الحسن بن يحيى، ثنا زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: «سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن؛ يرضى لرضاه ويسخط لسخطه» .
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، أنا قيس بن أنيف، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران، عن يزيد بن بابنوس قال: «قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. ثم قالت: أتقرأ سورة " المؤمنين "؟ اقرأ: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] إلى العشر. قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وهكذا رواه النسائي عن قتيبة.
وروى البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» تفرد به أحمد. ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه، فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .
وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقا» .
وقال مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها: قالت «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» . ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك.
وروى مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لا عبدا ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين أمرين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله عز وجل» .
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول: «سمعت عائشة، رضي الله عنها، وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. أو قالت: يعفو ويغفر» . شك أبو داود. ورواه الترمذي من حديث شعبة، وقال: حسن صحيح.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا آدم وعاصم بن علي، قالا: ثنا ابن أبي ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: «كان أبو هريرة رضي الله عنه ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان يقبل جميعا ويدبر جميعا، بأبي وأمي لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق. زاد آدم: ولم أر مثله قبله، ولن أرى بعده» .
وقال البخاري: ثنا عبدان عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا» ورواه مسلم من حديث الأعمش به.
وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» . وقد روي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار.
وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها.» حدثنا ابن بشار، ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا شعبة مثله، «وإذا
كره شيئا عرف ذلك في وجهه.» ورواه مسلم من حديث شعبة.
وقال الإمام أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لعانا ولا فاحشا، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ما له تربت جبينه؟» ورواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح.
وفي " الصحيحين " - واللفظ لمسلم - من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، «عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول لم تراعوا، لم تراعوا قال: وجدناه بحرا أو: إنه لبحر قال: وكان فرسا يبطأ» .
ثم قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، «عن أنس قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له: مندوب. فركبه فقال: ما رأينا من فزع، وإن وجدناه لبحرا وقال علي رضي الله عنه: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، «عن علي بن أبي طالب قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس بأسا.» رواه أحمد والبيهقي. وتقدم في غزوة هوازن «أنه عليه الصلاة والسلام، لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته، وهو ينوه باسمه الشريف يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء» ، وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام، صلوات الله وسلامه عليه.
وفي " صحيح مسلم " من حديث إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز، عن أنس قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيس فليخدمك. قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟»
وله من حديث سعيد بن أبي بردة، «عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط» .
وله من حديث عكرمة بن عمار، عن إسحاق، قال أنس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي. قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، ذهبت حيث أمرتك؟ فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين، ما علمته قال لشيء صنعته: لم صنعت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا» .
وقال الإمام أحمد: ثنا كثير بن هشام، ثنا جعفر، ثنا عمران القصير، «عن أنس بن مالك قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، وإن لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدر - أو قال: قضى - أن يكون كان» ثم رواه أحمد، عن علي بن ثابت، عن جعفر هو ابن برقان، عن عمران البصري، وهو القصير، عن أنس، فذكره، تفرد به الإمام أحمد.
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا أبو التياح، «ثنا أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير. قال: أحسبه قال فطيما. قال: فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال:
أبا عمير، ما فعل النغير؟ قال: نغر كان يلعب به. قال فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقوم خلفه يصلي بنا. قال: وكان بساطهم من جريد النخل» . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود، من طرق، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه.
وثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، ثنا حماد بن زيد، ثنا سلم العلوي، سمعت أنس بن مالك، «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل صفرة - أو قال: أثر صفرة - فكرهها. قال: فلما قام قال: لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة قال: وكان لا يكاد يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه» . وقد رواه أبو داود، والترمذي في " الشمائل "، والنسائي في " اليوم والليلة " من
حديث حماد بن زيد، عن سلم بن قيس العلوي البصري. قال أبو داود: وليس من ولد علي بن أبي طالب، وكان يبصر في النجوم، وقد شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال، فلم يجز شهادته.
وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبد الحميد الحماني، ثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل: ما بال فلان يقول. ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» .
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغني أحد عن أحد شيئا؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» .
وقال مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك. قال: فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر
له بعطاء» . أخرجاه من حديث مالك.
وقال الإمام أحمد: ثنا زيد بن الحباب، أخبرني محمد بن هلال القرشي، عن أبيه، أنه سمع أبا هريرة يقول: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلما قام قمنا معه، فجاء أعرابي فقال: أعطني يا محمد. فقال: " لا، وأستغفر الله ". فجذبه بحجزته فخدشه. قال: فهموا به. فقال: " دعوه ". قال: ثم أعطاه. قال: وكانت يمينه: " لا، وأستغفر الله ".» وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق، عن محمد بن هلال بن أبي هلال المدني مولى بني كعب، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال: «كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتمنه، وأنه عقد له عقدا فألقاه في بئر، فصرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا، وهي في بئر بني فلان، ولقد اصفر الماء من شدة عقده، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرج
العقد، فوجد الماء قد اصفر، فحل العقد، ونام النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات» . ورواه الطبراني من طريق علي بن المديني، عن جرير عن الأعمش به، وقال: فلم يعاتبه. قلت: والمشهور في الصحيح أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر تحت رعوفة بئر ذي أروان، وأن الحال استمر نحوا من ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين، ويقال إن آياتهما إحدى عشرة آية، وإن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة. وقد بسطنا ذلك في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية. والله أعلم.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي، ثنا زيد العمي، عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه، ولم ير
مقدما ركبتيه بين يدي جليس له» . ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زيد التغلبي أبي يحيى الطويل الكوفي، عن زيد بن الحواري العمي، عن أنس به.
وقال أبو داود: ثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو قطن، ثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: «ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده» . تفرد به أبو داود.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: ثنا شعبة - قال ابن جعفر في حديثه: قال - سمعت علي بن زيد قال: قال أنس بن مالك «إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت» . ورواه ابن ماجه من حديث شعبة.
وقال الإمام أحمد: ثنا هشيم، ثنا حميد، عن أنس بن مالك قال: «إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به في حاجتها» .
وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من " صحيحه " معلقا، فقال: وقال محمد بن عيسى - هو ابن الطباع -: ثنا هشيم. فذكره.
وقال الطبراني: ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، ثنا أيوب بن نهيك، سمعت عطاء بن أبي رباح، «سمعت ابن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى صاحب بز، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم، فخرج وهو عليه، فإذا رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله اكسني قميصا، كساك الله من ثياب الجنة. فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم، وبقي معه درهمان فإذا هو بجارية في الطريق تبكي فقال: " ما يبكيك؟ " فقالت: يا رسول الله، دفع إلي أهلي درهمين أشتري بهما دقيقا فهلكا. فدفع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرهمين الباقيين، ثم انقلبت وهي تبكي، فدعاها فقال " ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين؟ " فقالت: أخاف أن يضربوني. فمشى معها إلى أهلها، فسلم، فعرفوا صوته، ثم عاد فسلم، ثم عاد فسلم، ثم عاد فثلث فردوا، فقال: " أسمعتم أول السلام؟ " قالوا: نعم، ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام، فما أشخصك بأبينا وأمنا؟ فقال: " أشفقت هذه الجارية أن تضربوها ". فقال صاحبها: فهي حرة لوجه الله؛ لممشاك معها. فبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير والجنة، ثم قال: " لقد بارك الله في العشرة؛ كسا الله نبيه قميصا، ورجلا من الأنصار قميصا،
وأعتق الله منها رقبة، وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته» هكذا رواه الطبراني، وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي، وقد ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة منكر الحديث. وقال الأزدي: متروك.
وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس «أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي حاجة. فقال: " يا أم فلان انظري أي الطرق شئت؟ " فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها» وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة
وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: «ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه» . وقال الثوري، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر قال: «أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: كأنهم علموا أنا نحب اللحم» وذكر الحديث.
وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عمر بن عبد العزيز، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس
يتحدث، كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء» . وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من " سننه " من حديث محمد بن إسحاق به.
وقال أبو داود: حدثنا سلمة بن شبيب، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيده» . ورواه البزار في " مسنده "، ولفظه: كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه.
ثم قال أبو داود: ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا عبد الله بن حسان العنبري، حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة - قال موسى: ابنة حرملة. وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة، وكانت جدة أبيهما - أنها أخبرتهما «أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد القرفصاء. قالت: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق» . ورواه الترمذي في " الشمائل "، وفي " الجامع "، عن عبد بن حميد، عن عفان بن مسلم، عن عبد الله بن حسان به. وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في " معجمه الكبير ".
وقال البخاري: ثنا الحسن بن الصباح البزار، ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه» .
قال البخاري: وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: «ألا أعجبك أبو فلان، جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك، وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم» . وقد رواه أحمد عن علي بن إسحاق، ومسلم عن حرملة، وأبو داود عن سليمان بن داود، كلهم عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد به، وفي روايتهم: ألا أعجبك من أبي هريرة. فذكر نحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أسامة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل أحد
لم يكن يسرده سردا» . وقد رواه أبو داود، عن ابن أبي شيبة، عن وكيع.
وقال أبو يعلى: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا عبد الله بن مسعر، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله - أو ابن عمر - يقول: «كان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا، وإذا أتى قوما فسلم عليهم سلم ثلاثا.» ورواه البخاري من حديث عبد الصمد.
وقال أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عبد الله بن المثنى، سمعت ثمامة بن أنس يذكر «أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا، وكان يستأذن ثلاثا» .
وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي، عن محمد بن يحيى، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، عن عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا؛ لتعقل عنه.» ثم قال الترمذي: حسن
صحيح غريب.
وفي " الصحيح " أنه قال: «أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكم اختصارا» .
قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» وهكذا رواه البخاري من حديث الليث.
وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلام، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» . تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض
فتلت في يدي» . تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم.
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، حدثني أبو النضر، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم.»
وقال الترمذي: ثنا قتيبة:، ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: «ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم» . ثم رواه من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما. ثم قال: صحيح.
وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خيثمة، عن سماك بن حرب، قلت لجابر بن سمرة: «أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك وقيس بن سعد، عن سماك بن
حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: «أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كان كثير الصمت، قليل الضحك، فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده، وربما قالوا الشيء من أمورهم فيضحكون، وربما تبسم» .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، أنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا الليث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد، أن سليمان بن خارجة أخبره «عن خارجة بن زيد، يعني ابن ثابت، أن نفرا دخلوا على أبيه، فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا نحدثكم عنه» . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن عباس الدوري، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ به نحوه.
** [ذكر كرمه صلى الله عليه وسلم] **
تقدم ما أخرجاه في " الصحيحين " من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» . وهذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة في تشبيهه الكرم بالريح المرسلة في عمومها وتواترها وعدم انقطاعها.
وفي " الصحيحين " من حديث سفيان بن سعيد الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال: لا» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه. قال: فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة. قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء، ما يخشى الفاقة» . ورواه مسلم، عن عاصم بن النضر، عن خالد بن الحارث، عن حميد به.
وقال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس، «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا؛ فوالله إن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا الدنيا. فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه أو أعز عليه من الدنيا وما فيها» . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به. وهذا العطاء؛ ليؤلف به قلوب ضعيفي القلوب في الإسلام، ويتألف آخرين ليدخلوا في الإسلام، كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الأموال الجزيلة من الإبل والشاء والذهب والفضة في المؤلفة قلوبهم، ومع هذا لم يعط الأنصار وجمهور المهاجرين شيئا، بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الإسلام، وترك أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، وقال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة؛ لمن عتب من جماعة الأنصار: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟» قالوا: رضينا يا رسول الله. وهكذا أعطى عمه العباس بعدما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد، وجاء العباس فقال: «يا رسول الله، أعطني فقد فاديت نفسي يوم بدر وفاديت عقيلا. فقال: " خذ ". فنزع ثوبه عنه، وجعل يضع فيه من ذلك المال، ثم قام ليقله، فلم يقدر، فقال لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: ارفعه علي قال: " لا أفعل ". فقال: مر بعضهم ليرفعه علي. فقال: " لا " فوضع منه شيئا. ثم عاد، فلم يقدر، فسأله أن يرفعه أو أن يأمر بعضهم يرفعه، فلم يفعل، فوضع منه، ثم احتمل الباقي، وخرج به من المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره عجبا من حرصه.» قلت: وقد كان العباس رضي الله عنه رجلا شديدا طويلا نبيلا، فأقل ما احتمل شيء يقارب أربعين ألفا. والله أعلم. وقد ذكره البخاري في " صحيحه " في مواضع معلقا بصيغة الجزم، وهذا يورد في مناقب العباس لقوله تعالى {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: 70] وقد تقدم عن أنس بن مالك خادمه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأشجع الناس» . الحديث. وكيف لا يكون كذلك، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم المجبول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي الله عز وجل، الذي أنزل الله تعالي عليه في محكم كتابه العزيز: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض} [الحديد: 10] الآية؟! [الحديد: 10] . وقال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39] .
وهو عليه الصلاة والسلام القائل لمؤذنه بلال، وهو الصادق المصدوق في
الوعد والمقال: «أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» وفي الحديث الآخر أنه قال لعائشة: «لا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك» وفي " الصحيح " أنه عليه الصلاة والسلام قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم، أنفق أنفق عليك» فكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأشجع الناس، وهو المتوكل الذي لا أعظم منه في توكله، الواثق برزق الله ونصره المستعين بربه في جميع أمره؟! ثم قد كان قبل بعثته وبعدها وقبل هجرته، ملجأ الفقراء والأرامل، والأيتام والضعفاء والمساكين، كما قال عمه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة:
وما ترك قوم - لا أبالك - سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
** [تواضعه صلى الله عليه وسلم] **
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم
ما روى الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت - زاد النسائي: وحميد - «عن أنس أن رجلا قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله» .
وفي " صحيح مسلم " عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود قال: «قلت لعائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ قالت:
كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» .
وحدثنا وكيع ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود قال: «قلت لعائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى» . ورواه البخاري، عن آدم، عن شعبة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدة، ثنا هشام بن عروة، عن رجل قال: «سألت عائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يرقع الثوب، ويخصف النعل. أو نحو هذا» . وهذا منقطع من هذا الوجه. وقد قال: عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، وهشام بن عروة، عن أبيه قال: «سأل رجل عائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته» . رواه البيهقي فاتصل الإسناد.
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري إملاء، حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا
أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة قالت: «قلت لعائشة: ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه» . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة قالت: قيل لعائشة: ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ الحديث.
وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة، عن حارثة بن محمد الأنصاري، عن عمرة قالت: «قلت لعائشة: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله؟ قالت: كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان ضحاكا بساما» .
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، حدثني مسلم أبو عبد الله الأعور، سمع أنسا يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف» . وفي الترمذي، وابن ماجه من حديث مسلم بن كيسان الملائي، عن أنس بعض ذلك.
وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القارئ ببغداد، ثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه قال: سمعت يحيى بن عقيل يقول: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يستنكف أن يمشي مع العبد، ولا مع الأرملة، حتى يفرغ لهم من حاجاتهم» . ورواه النسائي، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري، عن ابن أبي أوفى بنحوه.
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري، ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شيبان أبو معاوية، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعتقل الشاة، ويأتي مراعاة الضيف» . وهذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه، وإسناده جيد.
وروى محمد بن سعد، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن سهل مولى غنيمة، أنه كان نصرانيا من أهل مريس، وأنه كان في حجر عمه، أو أمه قال: «قرأت يوما في مصحف لعمي فإذا فيه ورقة بغير الخط، وإذا فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم؛ لا قصير، ولا طويل، أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال: فلما جاء عمي ورآني قد قرأتها ضربني، وقال: ما لك وفتح هذه؟ فقلت: إن فيها نعت أحمد. فقال: إنه لم يأت بعد» .
وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن
أنس قال: «ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وذكر الحديث. ورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية به.
وقال الترمذي في " الشمائل ": ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود، عن شعبة، عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: «بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول " ارفع إزارك فإنه أتقى وأبقى ". فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء. قال: " أما لك في أسوة؟» فنظرت، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه.
ثم قال: ثنا سويد بن نصر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة، عن أبيه قال: «كان عثمان بن عفان يأتزر إلى أنصاف ساقيه، قال: وقال: هكذا كانت إزرة صاحبي صلى الله عليه وسلم» .
وقال أيضا: ثنا يوسف بن عيسى، ثنا وكيع، ثنا الربيع بن صبيح، ثنا يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع، كأن ثوبه ثوب زيات» . وهذا فيه غرابة ونكارة. والله أعلم.
وروى البخاري، عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن سيار أبي الحكم، عن ثابت، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم.» ورواه مسلم من وجه آخر، عن شعبة.
** [ذكر مزاحه عليه الصلاة والسلام] **
قال ابن لهيعة حدثني عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع صبي.» وقد تقدم حديثه في ملاعبته أخاه أبا عمير، وقوله: «أبا عمير، ما فعل النغير؟» يذكره بموت نغر كان يلعب به؛ ليخرجه بذلك، كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الأطفال الصغار.
وقال الإمام أحمد: ثنا خلف بن الوليد، ثنا خالد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا حاملوك على ولد ناقة " فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وهل تلد الإبل إلا النوق!» . ورواه أبو داود عن وهب بن بقية، والترمذي عن قتيبة، كلاهما عن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان به. وقال الترمذي: صحيح غريب.
وقال أبو داود في هذا الباب: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن النعمان بن بشير قال: «استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع صوت عائشة عاليا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: " كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ " فمكث أبو بكر أياما، ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد فعلنا قد فعلنا» .
ثم قال أبو داود: ثنا مؤمل بن الفضل، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فسلمت فرد وقال: " ادخل ". فقلت: أكلي يا رسول الله؟ فقال: " كلك ". فدخلت.» .
وحدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد، ثنا عثمان بن أبي العاتكة، إنما قال: أدخل كلي؟ من صغر القبة.
ثم قال أبو داود: ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا شريك، عن عاصم، عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ذا الأذنين» .
قلت: ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق:، ثنا معمر، عن ثابت، عن أنس، «أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن زاهرا باديتنا، ونحن حاضروه ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلا دميما، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من يشتري العبد؟ " فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكن عند الله لست بكاسد " أو قال: " لكن عند الله أنت غال» وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على شرط " الصحيحين "، ولم يروه إلا الترمذي في " الشمائل "، عن إسحاق بن
منصور، عن عبد الرزاق. ورواه ابن حبان في " صحيحه ".
ومن هذا القبيل ما رواه البخاري في " صحيحه " «أن رجلا كان يقال له: عبد الله. وكان يلقب حمارا، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يؤتى به في الشراب، فجيء به يوما، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " " لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله» .
ومن هذا ما قال الإمام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير، وكان حاد يحدو بنسائه أو سائق. قال: فكان نساؤه يتقدمن بين يديه، فقال: " يا أنجشة، ويحك، ارفق بالقوارير» .
وهذا الحديث في " الصحيحين " عن أنس قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم حاد يحدو بنسائه يقال له: أنجشة. فحدا، فأعنقت الإبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويحك يا أنجشة، ارفق بالقوارير» ومعنى القوارير: النساء، وهي كلمة دعابة، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
ومن مكارم أخلاقه ودعابته وحسن خلقه، استماعه عليه الصلاة والسلام
حديث أم زرع من عائشة بطوله، ووقع في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي قصه على عائشة.
ومن هذا ما رواه الإمام أحمد، ثنا أبو النضر، ثنا أبو عقيل - يعني عبد الله بن عقيل الثقفي. ثقة - حدثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: «حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ذات ليلة حديثا، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله، كان الحديث حديث خرافة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة» وقد رواه الترمذي في " الشمائل " عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به. قلت: وهو من غرائب الأحاديث، وفيه نكارة، ومجالد بن سعيد يتكلمون فيه. فالله أعلم.
وقال الترمذي في باب مزاح النبي صلى الله عليه وسلم من كتابه " الشمائل ": ثنا
عبد بن حميد، ثنا مصعب بن المقدام، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال: " يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز ". قال: فولت العجوز تبكي، فقال: " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز؛ إن الله تعالى يقول: " {إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا} [الواقعة: 35] » " [الواقعة: 35 - 37] وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقال الترمذي: ثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: «قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: " إني لا أقول إلا حقا» تداعبنا يعني تمازحنا. وهكذا رواه الترمذي في " جامعه " في باب البر، بهذا الإسناد، ثم قال: وهذا حديث حسن صحيح.
[باب زهده عليه الصلاة والسلام وإعراضه عن الدنيا]
** باب زهده عليه الصلاة والسلام، وإعراضه عن هذه الدار وإقباله واجتهاده وعمله لدار القرار **
قال الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [طه: 131] وقال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] وقال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} [النجم: 29]
[الحجر: 88، 87] والآيات في هذا كثيرة.
وأما الأحاديث؛ فقال يعقوب بن سفيان: حدثني أبو العباس حيوة بن شريح أنا بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله
بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث «أن الله أرسل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيا. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواضع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل أكون عبدا نبيا " قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي الله عز وجل» . وهكذا رواه البخاري في " التاريخ " عن حيوة بن شريح، وأخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان، كلاهما عن بقية بن الوليد به، وأصل هذا الحديث في " الصحيح " بنحو من هذا اللفظ.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة قال: «جلس جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق، قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك؛ أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا» . هكذا وجدته بالنسخة التي عندي " بالمسند " مقتصرا، وهو من أفراده من هذا الوجه.
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عباس، عن عمر بن الخطاب في حديث «إيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أن لا يدخل عليهن شهرا، واعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية، فإذا ليس فيها سوى صبرة من
قرظ، وآهبة معلقة، وصبرة من شعير، وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: " ما لك ". فقلت: يا رسول الله، أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه! فجلس محمرا وجهه، فقال: أوفي شك أنت يا بن الخطاب؟ " ثم قال: " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ". وفي رواية لمسلم: " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ " فقلت: بلى يا رسول الله. قال: " فاحمد الله عز وجل "، ثم لما انقضى الشهر أمره الله عز وجل، أن يخير أزواجه، وأنزل عليه قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 28] » [الأحزاب: 28، 29] . وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا " التفسير " وأنه بدأ بعائشة، فقال لها: إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، وتلا عليها هذه الآية. قالت: فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة. وكذلك قال سائر أزواجه، عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهن.
وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على سرير مرمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها
ليف، ودخل عليه عمر، وناس من الصحابة، فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: " ما يبكيك يا عمر؟ " قال: وما لي لا أبكي، وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى؟ فقال: " يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " قال: بلى. قال: " هو كذلك» " هكذا رواه البيهقي.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا مبارك، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على سرير مضطجع مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك يا عمر؟ " قال: والله ما أبكي إلا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت يا رسول الله في المكان الذي أرى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ " قال: بلى. قال: " فإنه كذلك» .
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: «اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه، وأقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ألا
آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: " ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ورواه ابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود الطيالسي، وأخرجه الترمذي، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن زيد بن الحباب، كلاهما عن المسعودي به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، فقال: حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان، قالوا: ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا. فقال " ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» . تفرد به أحمد.
وفي " صحيح البخاري " من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرني أن تأتي علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين» .
وفي " الصحيحين " من حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن
أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» .
فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن عطاء، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين» فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده؛ لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي، وهو ضعيف جدا. والله أعلم.
وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي، ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة " فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: " إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة، لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة، حبي المساكين وقربيهم؛ فإن الله يقربك يوم القيامة» ثم قال: هذا حديث غريب. قلت: وفي إسناده ضعف، وفي متنه نكارة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، يعني ابن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن
سهل بن سعد، أنه قيل له: «هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي بعينه، يعني الحوارى؟ فقال له: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي بعينه حتى لقي الله عز وجل. فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما كانت لنا مناخل. فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: ننفخه فيطير منه ما طار» . وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به. وزاد: ثم نثريه، ونعجنه. ثم قال: حسن صحيح، وقد رواه مالك عن أبي حازم. قلت: وقد رواه البخاري، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن مطرف أبي غسان المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به. ورواه البخاري أيضا والنسائي، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، عن سهل به.
وقال الترمذي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا جرير بن عثمان، عن سليم بن عامر، سمعت أبا أمامة يقول: «ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير» . ثم قال: حسن صحيح
غريب.
وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم قال: رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا: «والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا» . ورواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن كيسان.
وفي " الصحيحين " من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا محمد بن طلحة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض، وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض» .
وقال أحمد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا مطيع الغزال، عن كردوس، عن عائشة قالت: «قد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبيله، وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر» .
وقال الإمام أحمد: ثنا حسين، ثنا دويد، عن أبي سهل، عن سليمان بن رومان مولى عروة، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: «والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا، ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل، إلى أن قبض. قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف» . تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وروى البخاري، عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوما فنأكله. قلت: ولم تفعلون ذلك؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل» .
وقال أحمد: ثنا يحيى، ثنا هشام، أخبرني أبي، عن عائشة قالت: «كان يأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يوقدون فيه نارا، ليس إلا التمر والماء إلا أن نؤتى باللحم» .
وفي " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: «إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا، إنما هو الأسودان؛ التمر والماء، إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن» . ورواه أحمد، عن يزيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنها بنحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش وحسين بن محمد، قالا: ثنا محمد بن مطرف قال: ثنا أبو حازم، قال حسين: عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: «كان يمر برسول الله صلى الله عليه وسلم هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوته نار. قال: قلت: يا خالة على أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين؛ التمر والماء» . تفرد به أحمد.
وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود، عن عائشة قالت: «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض» . وقد رواه مسلم من حديث شعبة.
وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، حدثني سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: قالت عائشة: «بعث إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطعت، أو أمسكت وقطع. فقال الذي تحدثه: أعلى غير مصباح؟ فقالت: لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به، إن كان ليأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا» . وقد رواه أيضا، عن بهز بن أسد، عن سليمان بن المغيرة، وفي رواية: شهرين. تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد: ثنا خلف، ثنا أبو معشر، عن سعيد، هو ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: «كان يمر بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا لخبز ولا لطبيخ. قالوا: بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: الأسودان؛ التمر والماء، وكان لهم جيران من الأنصار، جزاهم الله خيرا، لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن» . تفرد به أحمد.
وفي " صحيح مسلم " من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه، عن عائشة قالت: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شبع الناس من الأسودين؛ التمر والماء» .
وقال ابن ماجه: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: «أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بطعام سخن فأكل، فلما فرغ قال: " الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا» .
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا عمار أبو هاشم صاحب الزعفراني، عن أنس بن مالك، «أن فاطمة ناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز شعير، فقال: " هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام» تفرد به أحمد. وروى الإمام أحمد عن عفان، والترمذي وابن ماجه جميعا عن عبد الله بن معاوية، كلاهما عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي، عن عكرمة، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم خبز الشعير» . وهذا لفظ أحمد.
وقال الترمذي في " الشمائل ": ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثنا عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن يزيد بن أبي أمية الأعور، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز الشعير، فوضع عليها تمرة، وقال: " هذه إدام هذه " وأكل.» .
وفي " الصحيح " من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد» .
وقال أبو عصام عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول " هو أروى وأبرأ وأمرى» .
وروى البخاري من حديث قتادة، عن أنس قال: «ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا شاة سميطا بعينه قط. وفي رواية له عنه أيضا: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق. فقلت لأنس: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر» .
وله من حديث قتادة أيضا، عن أنس، «أنه مشى إلى رسول صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد رهن درعه عند يهودي، فأخذ لأهله شعيرا،
ولقد سمعته ذات يوم يقول: " ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب» .
وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبان بن يزيد، ثنا قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف» . ورواه الترمذي في " الشمائل "، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عفان، وهذا الإسناد على شرط الشيخين.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يخطب، فذكر ما فتح الله على الناس، فقال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» . وأخرجه مسلم من حديث شعبة.
وفي " الصحيح " أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، «لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع» . وسيأتي الحديث في " دلائل النبوة ".
وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان، «أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع،
فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما أخرجكما؟ " فقالا: الجوع. فقال: " والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما ". فذهبوا إلى حديقة أبي الهيثم بن التيهان، فأطعمهم رطبا، وذبح لهم شاة، فأكلوا وشربوا الماء البارد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا من النعيم الذي تسألون عنه» ".
وقال الترمذي: ثنا عبد الله بن أبي زياد، ثنا سيار، ثنا سهل بن أسلم، عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس، عن أبي طلحة قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن حجرين» . ثم قال: غريب.
وثبت في " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، «عن عائشة، أنها سئلت عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان من أدم حشوه ليف» .
وقال الحسن بن عرفة: ثنا عباد بن عباد المهلبي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: «دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذا يا عائشة؟ " قالت: قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت
إلي بهذا. فقال: " رديه ". قالت: فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات. قالت: فقال: " رديه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» "
وقال الترمذي في " الشمائل ": حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، ثنا عبد الله بن ميمون، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: «سئلت عائشة: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف. وسئلت حفصة: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له. فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال: " ما فرشتموني الليلة؟ " قالت: قلنا: هو فراشك، إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات. قلنا: هو أوطأ لك. قال: " ردوه لحالته الأولى؛ فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة» ".
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن حكيم بن حزام قال:
«خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن، فأهديتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدة التي كانت بينه وبين قريش فقال: " لا أقبل هدية مشرك " فردها، فبعتها فاشتراها، فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه، فما رأيت شيئا في شيء أحسن منه فيها، فما ملكت أن قلت:
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما ... بدا واضح من غرة وحجول
إذا قايسوه المجد أربى عليهم ... كمستفرغ ماء الذناب سجيل
فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت إلي يتبسم، ثم دخل فكساها أسامة بن زيد»
وقال الإمام أحمد: حدثني حسين بن علي، عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال: حدثني ربعي بن حراش، عن أم سلمة قالت: «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ساهم الوجه. قالت: فحسبت ذلك من وجع. فقلت: يا رسول الله، أراك ساهم الوجه، أفمن وجع؟ فقال: " لا، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها أمس، أمسينا ولم ننفقها، نسيتها في خصم الفراش» تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد: ثنا أبو سلمة قال: أنا بكر بن مضر، ثنا موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل قال: «دخلت أنا وعروة بن الزبير يوما على عائشة فقالت: لو رأيتما نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في مرض مرضه. قالت: وكان له عندي ستة دنانير. قال موسى أو سبعة. قالت: فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها. قالت: فشغلني وجع نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله عز وجل. قالت: ثم سألني عنها فقال: " ما فعلت الستة؟ " قال: أو " السبعة " قلت: لا والله لقد كان شغلني عنها وجعك. قالت: فدعا بها ثم صفها في كفه، فقال: " ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده؟» تفرد به أحمد.
وقال قتيبة: ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد» . وهذا الحديث في " الصحيح ".
والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها؛ لما ثبت في " الصحيحين " عن عمر، أنه قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكان يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل» .
ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية قال: أخبرني هلال بن سويد أبو معلى قال: «سمعت أنس بن مالك وهو يقول: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر، فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد؛ فإن الله عز وجل يأتي برزق كل غد» .
حديث بلال في ذلك: قال البيهقي: ثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو محمد جعفر بن نصير، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري:، ثنا بكار بن محمد، أنا عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على بلال، فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمر أدخره. قال: " ويحك يا بلال! أو ما تخاف أن يكون له بخار في النار؟ أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» ".
قال البيهقي بسنده عن أبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي، كلاهما عن أبي توبة الربيع بن نافع، حدثني معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، حدثني عبد الله الهوزني قال: «لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما كان له شيء من ذلك إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، فكان إذا أتاه
الإنسان المسلم فرآه عاريا، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة والشيء فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني. ففعلت فلما كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي. قال: قلت: يا لبيه. فتجهمني، وقال قولا عظيما أو غليظا، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب. قال إنما بينك وبينه أربع ليال فآخذك بالذي لي عليك، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك، ولا من كرامة صاحبك، وإنما أعطيتك لتجب لي عبدا فأذرك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك. قال: فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت ثم أذنت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إن المشرك الذي ذكرت لك أني كنت أتدين منه قد قال كذا وكذا، وليس عندك ما يقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آتي بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني. فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، فاستقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمت انتبهت، فإذا رأيت علي ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الأول فأردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت
حتى أتيته، فإذا أربع ركائب عليهم أحمالهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر فقد جاءك الله بقضاء دينك فحمدت الله وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع قال: قلت: بلى. قال: فإن لك رقابهن وما عليهن فإذا عليهن كسوة وطعام أهداهن له عظيم فدك. فاقبضهن إليك، ثم اقض دينك قال: ففعلت فحططت عنهن أحمالهن، ثم عقلتهن، ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت إلى البقيع فجعلت أصبعي في أذني، فناديت فقلت: من كان يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليحضر. فما زلت أبيع وأقضي، وأعرض وأقضي حتى لم يبق على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين في الأرض حتى فضل عندي أوقيتان أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد وحده، فسلمت عليه، فقال لي ما فعل ما قبلك؟ قلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شيء. قال: فضل شيء؟ قلت: نعم: ديناران. قال: انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما قال: فلم يأتنا أحد فبات في المسجد حتى أصبح، وظل في المسجد اليوم الثاني حتى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان فانطلقت بهما
فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه. فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه، فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته فهذا الذي سألتني عنه» .
وقال الترمذي في " الشمائل ": حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة المديني، حدثني أبي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، «عن عمر بن الخطاب، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال: " ما عندي ما أعطيك، ولكن ابتع علي، فإذا جاءني شيء قضيته " فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته فما كلفك الله ما لا تقدر عليه. فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف التبسم في وجهه؛ لقول الأنصاري، وقال: بهذا أمرت» وفي الحديث «ألا إنهم ليسألوني ويأبى الله لي البخل وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم: والله لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمتها فيكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا، ولا كذابا» صلى الله عليه وسلم.
وقال الترمذي: ثنا علي بن حجر، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء قالت: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب، وأجر زغب، فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر " قال المسلمون: يا رسول الله، فما نقول؟ قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن مطرف، ومن حديث خالد بن طهمان، كلاهما عن عطية، وهو ابن سعد العوفي الجدلي أبو الحسن الكوفي، عن أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: حسن. قلت: وقد روي من وجه آخر عنه من حديث ابن عباس، كما سيأتي في موضعه.
ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام. قال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عمرو بن محمد العنقزي،