Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 677 of 840
** [الأحداث الواقعة فيها] **
في ثالث المحرم منها كمل تبليط داخل الجامع الأموي، وجاء المعتمد مبارز الدين إبراهيم المتولي بدمشق، فوضع آخر بلاطة منه بيده عند باب الزيارة، فرحا بذلك.
وفيها زادت دجلة ببغداد زيادة عظيمة، وارتفع الماء حتى ساوى السور إلا مقدار أصبعين، ثم طفح الماء من فوقه، وأيقن الناس بالهلكة، واستمر ذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما، ثم من الله فتناقص الماء، وذهبت الزيادة وقد بقيت بغداد تلولا، وتهدمت أكثر البنايات، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها درس بالنظامية محمد بن يحيى بن فضلان، وحضر عنده القضاة والأعيان.
وفيها سار الصدر بن حمويه في الرسلية إلى بغداد من العادل إلى الخليفة.
وفيها قدم ولده الفخر من الكامل إلى أخيه المعظم يخطب منه ابنته على ابنه أقسيس صاحب اليمن، فعقد العقد بدمشق على صداق هائل.
وفيها قدم السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش إلى همذان قاصدا إلى بغداد في أربعمائة ألف، وقيل في ستمائة ألف. فاستعد له الخليفة، واستخدم الجيوش الكثيرة، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه أن يكون بين يديه على قاعدة من تقدمه من الملوك السلاجقة، وأن يخطب له ببغداد على منابرها، فلم يجبه الخليفة إلى ذلك، وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي، فلما وصل شاهد عنده من العظمة وكثرة الملوك بين يديه، وهو جالس في خركاه من ذهب على سرير ساذج، وعليه قباء بخاري ما يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه جلدة ما تساوي درهما، فسلم فلم يرد عليه من الكبر، ولم يأذن له في الجلوس، فقام إلى جانب السرير، وأخذ في خطبة هائلة، فذكر فيها فضل بني العباس وشرفهم، وأورد حديثا في النهي عن أذاهم، والترجمان يعيد على الملك، فقال الملك: أما ما ذكرت من فضل الخليفة فإنه ليس كذلك، ولكني إذا قدمت بغداد أقمت من يكون بهذه الصفات، وما ذكرت من النهي عن أذاهم، فإني لم أوذ منهم أحدا، ولكن الخليفة في سجونه منهم طائفة كثيرة
يتناسلون في السجون، فهو الذي آذى بني العباس. ثم تركه ولم يرد عليه جوابا بعد ذلك، وانصرف السهروردي راجعا، وأرسل الله تعالى على الملك وجنده ثلجا عظيما ثلاثة أيام حتى طم الخراكي والخيام ووصل إلى رءوس الأعلام، وتقطعت أيدي رجال وأرجلهم، وعمهم من البلاء ما لا يحد ولا يوصف، فردهم الله خائبين، والحمد لله رب العالمين.
وفيها انقضت الهدنة التي كانت بين العادل والفرنج، واتفق قدوم العادل من الديار المصرية، فاجتمع هو وولده المعظم ببيسان، فركبت الفرنج من عكا ومقدمهم وصحبتهم ملوك السواحل كلهم، وساقوا كلهم قاصدين مغافصة العادل، فلما أحس بهم فر منهم لكثرة جيوشهم وقلة من معه، فقال له ابنه المعظم: إلى أين يا أبت؟ فشتمه بالعجمية، وقال له: أقطعت الشام مماليكك، وتركت من ينفعني من أبناء الناس. فتوجه العادل إلى دمشق، وكتب إلى واليها المعتمد ليحصنها من الفرنج، وينقل إليها من الغلات من داريا إلى القلعة، ويرسل الماء على أراضي داريا، وقصر حجاج والشاغور، ففزع الناس من ذلك، وابتهلوا إلى الله بالدعاء، وكثر الضجيج بالجامع، وأقبل السلطان، فنزل بمرج الصفر، وأرسل إلى ملوك الشرق ليقدموا لقتال الفرنج، فكان أول من قدم صاحب حمص أسد الدين شيركوه، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج، وجاء فسلم على ست الشام بدارها عند المارستان، ثم عاد إلى داره، ولما قدم
أسد الدين سري عن الناس وأمنوا، فلما أصبح توجه إلى السلطان بمرج الصفر، وأما الفرنج فإنهم وردوا إلى بيسان، فنهبوا ما كان بها من الغلات والدواب، وقتلوا وأسروا شيئا كثيرا، ثم عاثوا في الأرض فسادا يقتلون وينهبون ويسبون ما بين بيسان إلى بانياس، وخرجوا إلى أراضي الجولان إلى نوى وخسفين وغير ذلك من الأراضي، وسار الملك المعظم، فنزل على عقبة اللبن بين القدس ونابلس خوفا على القدس الشريف، ثم حاصر الفرنج حصن الطور حصارا هائلا، ومانع عنه الذين به من الأبطال ممانعة هائلة، ثم كر الفرنج راجعين إلى عكا، وجاء الملك المعظم إلى الطور، فخلع على الأمراء الذين به، وطيب نفوسهم، ثم اتفق هو وأبوه على هدمه، كما سيأتي.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وفيها توفي من الأعيان: ### $ الشيخ العماد، أخو الحافظ عبد الغني، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور، الشيخ عماد الدين المقدسي، كان أصغر من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين، وقدم معهم إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد مرتين، وسمع الحديث، وكان عابدا زاهدا ورعا،
كثير الصلاة، كثير الصيام ; يصوم يوما ويفطر يوما، وكان فقيها مفتيا، له كتاب الفروق، وصنف أحكاما ولم يتمه، وكان يؤم بمحراب الحنابلة مع الشيخ الموفق، وإنما كانوا يصلون بغير محراب، ثم وضع المحراب في سنة سبع عشرة وستمائة، وكان يؤم بالناس لقضاء الفوائت، وهو أول من فعل ذلك. صلى المغرب ذات ليلة وكان صائما، ثم رجع إلى بيته بدمشق، فأفطر ثم مات فجأة، فصلى عليه بالجامع الأموي الشيخ الموفق عند مصلاهم، ثم صعدوا به إلى السفح، وكان يوم موته يوما مشهودا من كثرة الخلق. قال سبط ابن الجوزي: كان الخلق من الكهف إلى مغارة الدم إلى الميطور، لو بدر السمسم ما وقع إلا على رءوس الناس، فلما رجعت تلك الليلة فكرت فيه، وقلت: كان هذا رجلا صالحا، ربما أنه نظر إلى ربه حين وضع في لحده. ومر بذهني أبيات الثوري التي أنشدها بعد موته في المنام، فقال:
نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا
ابن سعيد
فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى
بعبرة مشتاق وقلب عميد ... فدونك فاختر أي قصر أردته
وزرني فإني منك غير بعيد
ثم قلت: أرجو أن يكون العماد رأى ربه كما رآه سفيان الثوري. فنمت
فرأيت الشيخ العماد في المنام وعليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى في درج متسعة، فقلت: يا عماد الدين، كيف بت فإني والله مفكر فيك؟ فنظر إلي وتبسم على عادته، ثم قال:
رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي ... وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي
وقال جزيت الخير عني فإنني ... رضيت فها عفوي لديك ورحمتي
دأبت زمانا تأمل الفوز والرضا ... فوقيت نيراني ولقيت جنتي
قال: فانتبهت وأنا مذعور، وكتبت الأبيات. ### $ القاضي جمال الدين بن الحرستاني:
عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل أبو القاسم الأنصاري بن الحرستاني، قاضي القضاة بدمشق، ولد سنة عشرين وخمسمائة، وكان أبوه من أهل حرستا، فنزل داخل باب توما، وأم بمسجد الزينبي، ونشأ ولده هذا نشأة حسنة، سمع الحديث الكثير، وشارك الحافظ ابن عساكر في كثير من شيوخه، وكان يجلس لإسماع الحديث بمقصورة الخضر، وعندها كان يصلي دائما، لا تفوته الجماعة بالجامع، وكان
منزله بالحويرة، ودرس بالمجاهدية، وعمر دهرا طويلا على هذا القدم الصالح، وناب في الحكم عن ابن أبي عصرون ثم ترك ذلك ولزم بيته وصلاته بالجامع، ثم عزل العادل القاضي ابن الزكي الطاهر بن محيي الدين محمد بن علي القرشي، وألزم القاضي جمال الدين بن الحرستاني هذا بولاية القضاء، وله ثنتان وتسعون سنة، وأعطاه تدريس العزيزية. وأخذ التقوية أيضا من ابن الزكي، وولاها فخر الدين بن عساكر. قال ابن عبد السلام: ما رأيت أحدا أفقه من ابن الحرستاني، كان يحفظ الوسيط للغزالي. وذكر غير واحد أنه كان من أعدل القضاة وأقومهم بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان ابنه عماد الدين يخطب بجامع دمشق وولي مشيخة الأشرفية ينوب عنه، وكان القاضي جمال الدين يجلس للحكم بمدرسته المجاهدية، وكان السلطان قد أرسل إليه طراحة ومسندا لأجل أنه شيخ كبير، وكان ابنه يجلس بين يديه، فإذا قام أبوه جلس هو مكانه، ثم إنه عزل ابنه عن نيابته لشيء بلغه عنه، واستناب شمس الدين بن الشيرازي، وكان يجلس تجاهه في شرقي الإيوان، واستناب معه شمس الدين ابن سني الدولة، وبنيت له دكة في الزاوية القبلية بغرب المدرسة، واستناب شرف الدين بن الموصلي الحنفي، فكان يجلس في محراب
المدرسة، واستمر حاكما سنتين وسبعة أشهر، ثم كانت وفاته يوم السبت رابع ذي الحجة من هذه السنة وله خمس وتسعون سنة، وصلي عليه بجامع دمشق، ثم دفن بسفح قاسيون. ### $ الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد الهكاري، باني المدرسة التي بالقدس، وكان من خيار الأمراء، يتمنى الشهادة دائما، فقتله الفرنج بحصن الطور هذه السنة، فدفن بتربته بماملا، وتربته تزار إلى الآن، رحمه الله. ### $ الشجاع محمود المعروف بالدماغ
كان من أصدقاء العادل يضحكه، فحصل أموالا جزيلة، كانت داره داخل باب الفرج، فجعلتها زوجته عائشة مدرسة للشافعية والحنفية، ووقفت عليها أوقافا دارة. رحمها الله. ### $$ الشيخة الصالحة العابدة الزاهدة
شيخة العالمات بدمشق، وتلقب بدهن اللوز.
### $$ وفيها توفيت بنت بوريحان، وهي آخر بناته وفاة، وجعلت أموالها وقفا على تربة أختها بنت صفية المشهورة.