Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 678 of 840
** [الأحداث الواقعة فيها] **
استهلت والعادل بمرج الصفر لمناجزة الفرنج، وأمر ولده المعظم بتخريب حصن الطور، فخربه ونقل ما فيه من آلات الحرب إلى البلدان خوفا من الفرنج.
وفي ربيع الأول نزلت الفرنج على دمياط وأخذوا برج السلسلة في جمادى الأولى، وكان حصنا منيعا، وهو قفل بلاد مصر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها التقى المعظم والفرنج على القيمون، فكسرهم وقتل منهم خلقا، وأسر من الداوية مائة، فأدخلهم إلى القدس منكسة أعلامهم.
وفيها جرت خطوب كثيرة ببلد الموصل بسبب موت ملوكها أولاد قرا أرسلان واحدا بعد واحد، وتغلب غلام أبيهم بدر الدين لؤلؤ على الأمور، ويذكر أنه هو الذي كان يقتلهم في الباطن ليستحوذ هو على الأمور، فالله أعلم.
وفيها أقبل ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو يريد أخذ مملكة حلب،
وساعده على ذلك الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط، فصده عن ذلك الملك الأشرف موسى بن العادل، وقهر ملك الروم، وكسر جيشه، ورده خائبا.
وفيها تملك الأشرف مدينة سنجار مضافا إلى ما بيده من الممالك هنالك.
وفيها توفي السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، فأخذت الفرنج - لعنهم الله - ثغر دمياط، ثم ركبوا، وقصدوا بلاد مصر من ثغر دمياط، فحاصروه مدة أربعة أشهر، والكامل محمد يقاتلهم ويمانعهم ويصدهم عما يريدونه، فتملكوا على المسلمين برج السلسلة، وهو كالقفل على ديار مصر، وصفته في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر، ومن هذا البرج إلى دمياط - وهو على شاطئ البحر وحافة النيل - سلسلة، ومنه إلى الجانب الآخر وعليه الجسر - سلسلة أخرى، ليمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل، فلا يمكن الدخول، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شق ذلك على المسلمين بديار مصر وغيرها، وحين وصل الخبر إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر، تأوه لذلك تأوها شديدا، ودق بيده على صدره أسفا وحزنا، ومرض من ساعته مرض الموت لأمر يريده الله عز وجل، فلما كان يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة توفي - رحمه الله - بقرية عالقين، فجاء ولده المعظم مسرعا، فجمع حواصله، وأرسله في
محفة، ومعه خادم بصفة أن السلطان مريض، وكلما جاء أحد من الأمراء ليسلم عليه بلغهم عنه الطواشي ; يعني لضعف السلطان عن الرد عليهم، فلما انتهي به إلى القلعة المنصورة دفن بها مدة، ثم حول إلى تربته بمدرسة العادلية الكبيرة. وقد كان الملك سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شاذي من خيار الملوك وأجودهم سيرة، وأحسنهم سريرة، دينا عاقلا صبورا وقورا، أبطل المحرمات والخمور والمعازف من ممالكه كلها، وقد كانت ممتدة من أقصى بلاد مصر واليمن والشام والجزيرة إلى همذان كلها، أخذها بعد أخيه صلاح الدين، رحمهما الله وسوى حلب، فإنه أقرها بيد ابن أخيه الظاهر غازي ; لأنه زوج ابنته صفية الست خاتون. وكان رحمه الله حليما صفوحا، صبورا على الأذى، كثير الجهاد بنفسه، وحضر مع أخيه مواقفه كلها أو أكثرها، وله في تلك الأيام اليد البيضاء. وكان رحمه الله ماسك اليد، وقد أنفق في عام الغلاء بمصر أموالا عظيمة جدا، وتصدق على أهل الحاجة من أبناء الناس وغيرهم شيئا كثيرا، ثم في العام بعده في الفناء كفن ثلاثمائة ألف إنسان من الغرباء، وكان كثير الصدقة في أيام مرضه، حتى كان يخلع جميع ما عليه ويتصدق به وبمركوبه، وكان كثير الأكل، ممتعا بصحته وعافيته مع كثرة صيامه، يأكل في اليوم الواحد أكلات جيدة، ثم بعد هذا يأكل وقت النوم رطلا بالدمشقي من الحلوى السكرية اليابسة، وكان يعتريه مرض في أنفه في زمن الورد، وكان لا يقدر على الإقامة بدمشق حتى يفرغ زمن الورد، فكان يضرب له الوطاق بمرج الصفر، ثم
يدخل البلد بعد ذلك. وتوفي، رحمه الله، عن خمس وسبعين سنة.
وكان له من الأولاد جماعة; محمد الكامل صاحب مصر، وعيسى المعظم صاحب دمشق، وموسى الأشرف صاحب الجزيرة وخلاط وحران وغير ذلك، والأوحد أيوب ومات قبله، والفائز إبراهيم، والمظفر غازي صاحب الرها، والعزيز عثمان، والأمجد حسن، وهما شقيقا المعظم، والمغيث محمود، والحافظ أرسلان صاحب جعبر، والصالح إسماعيل، والقاهر إسحاق، ومجير الدين يعقوب، وقطب الدين أحمد، وخليل، وكان أصغرهم، وتقي الدين عباس، وكان آخرهم وفاة، بقي إلى سنة ستين وستمائة، وكان له بنات أشهرهن الست صفية خاتون زوجة الظاهر غازي صاحب حلب، وأم الملك العزيز والد الناصر يوسف الذي ملك دمشق، وإليه تنسب الناصريتان بدمشق والجبل، وهو الذي قتله هولاوو كما سيأتي.
** [صفة أخذ الفرنج دمياط] **
لما انتهى الخبر بموت العادل إلى ابنه محمد الكامل، وهو بثغر دمياط مرابط الفرنج، أضعف ذلك أعضاد المسلمين وفشلوا، ثم بلغ الكامل خبر آخر أن الأمير أحمد بن علي بن المشطوب، وكان أكبر أمير بمصر، قد أراد أن يبايع للفائز عوضا عن الكامل، فساق وحده جريدة من دمياط قاصدا إلى مصر لاستدراك هذا الخطب الجسيم، فلما فقده الجيش من بينهم انحل نظامهم، واعتقدوا أنه قد حدث أمر أكبر مما بلغهم، فركبوا وراءه، فدخلت الفرنج بأمان إلى الديار المصرية، واستحوذوا على معسكر الكامل وأثقاله وحواصل الجيش، فوقع أمر عظيم جدا، وذلك بتقدير العزيز العليم، ودخل
الكامل مصر، فلم يقع مما ظنه شيء، وهرب منه ابن المشطوب إلى الشام، ثم ركب من فوره في الجيش إلى الفرنج، فإذا الأمر قد تزايد وقد تمكنوا هنالك من البلدان، وقتلوا خلقا، وغنموا شيئا كثيرا، وعاثت هناك الأعراب على أموال الناس ببلاد دمياط، فكانوا أضر على المسلمين من الفرنج، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فنزل الكامل تجاههم يمانعهم عن دخولهم إلى القاهرة ومصرهم بعد أن كان يمانعهم عن دخول الثغر; وكتب إلى إخوته يستحثهم ويستنجد بهم، ويقول: الوحاء الوحاء، العجل العجل، أدركوا المسلمين قبل أن تملك الفرنج جميع الديار المصرية، فأقبلت العساكر الإسلامية إليه عند ذلك من كل مكان، وكان أول من قدم عليه أخوه الأشرف موسى صاحب الجزيرة، بيض الله وجهه، ثم المعظم، وكان من أمرهم مع الفرنج ما سنذكر بعد هذه السنة.
وفيها ولي حسبة بغداد الصاحب محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وهو مع ذلك يعمل ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه، وشكرت مباشرته للحسبة.
وفيها فوض إلى المعظم النظر في التربة البدرية تجاه الشبلية عند الجسر الذي على ثورا، ويقال له: جسر كحيل، وهي منسوبة إلى بدر الدين حسن بن الداية، كان هو وإخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي.
قلت: وقد جعلت في حدود الأربعين وستمائة جامعا فيه خطبة يوم الجمعة، ولله الحمد.
وفيها أرسل السلطان علاء الدين محمد بن تكش إلى الملك العادل وهو مخيم
بمرج الصفر، فرد إليه مع الرسول خطيب دمشق جمال الدين محمد بن عبد الملك الدولعي، واستنيب عنه في الخطابة الشيخ الموفق عمر بن يوسف خطيب بيت الآبار، فأقام بالعزيزية يباشر عنه، حتى قدم موت العادل. رحمه الله.
وفيها توفي الملك القاهر صاحب الموصل، فأقيم ابنه الصغير مكانه، ثم قتل، وتشتت شمل البيت الأتابكي، وتغلب على الأمور بدر الدين لؤلؤ غلام أبيهم نور الدين أرسلان.
وفيها كان عود الوزير صفي الدين بن عبد الله بن علي بن شكر من آمد إلى دمشق بعد موت العادل، فعمل فيه الشيخ علم الدين السخاوي مقامة يمدحه فيها ويبالغ في شكره، وقد ذكروا أنه كان متواضعا يحب الفقهاء، ويسلم على الناس إذا اجتاز بهم، وهو راكب في أبهة وزارته، ثم إنه نكب في هذه السنة، وذلك أن الكامل هو الذي كان سبب طرده وإبعاده، كتب إلى أخيه المعظم فيه، فاحتاط على أمواله وحواصله، وعزل ابنه عن النظر بالدواوين، وقد كان ينوب عن أبيه في مدة غيبته.
وفي رجب منها أعاد المعظم ضمان القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش والمنكرات التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل خمرا إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، واعتذر المعظم في صنعه هذا المنكر بقلة الأموال على الجند، واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج.
وما استشعر أن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء، ويمكن فيهم الداء.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان: ### $ السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، كما تقدم ### $ القاضي شرف الدين أبو طالب عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي القرشي الدمشقي، من بني عم ابن الزكي، وكان أول من درس بالشامية البرانية وبالرواحية أيضا، وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين بن الزكي، وتوفي في شعبان من هذه السنة، ودفن عند مسجد القدم. ### $ أبو سليمان داود بن أبي الغنائم أحمد بن يحيى الملهمي الضرير البغدادي، كان ينسب إلى علم الأوائل، ولكنه كان يتستر بمذهب الظاهرية; قال فيه ابن الساعي: الداودي مذهبا، المعري أدبا واعتقادا،
ومن شعره:
إلى الرحمن أشكو ما ألاقي ... غداة غدوا على هوج النياق
سألتكم بمن زم المطايا ... أمر بكم أمر من الفراق
وهل داء أشد من التنائي ... وهل عيش ألذ من التلاق ### $ قاضي قضاة بغداد عماد الدين أبو القاسم، عبد الله بن الحسين بن الدامغاني الحنفي، سمع الحديث، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وولي القضاء ببغداد مرتين نحوا من سبع عشرة سنة، وكان مشكور السيرة، عارفا بالحساب والفرائض وقسمة التركات. ### $ أبو اليمن نجاح بن عبد الله الحبشي الشرابي
نجم الدين مولى الخليفة الناصر، وكان لا يفارق الخليفة، وكان يسمى سلمان دار الخلافة، فلما مات وجد عليه الخليفة وجدا عظيما، وكان يوم جنازته يوما مشهودا، كان بين يدي النعش مائة بقرة وألف شاة وأحمال من التمر والخبز والماورد، وقد صلى عليه الخليفة بنفسه تحت التاج، وتصدق عنه بعشرة آلاف دينار على المشاهد،
ومثلها على المجاورين بالحرمين، وأعتق مماليكه، ووقف عنه خمسمائة مجلد. ### $ أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر بن علي بن مهاجر الموصلي
تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، ثم عاد إلى الموصل، فساد أهل وقته، وتقدم في الفتوى والتدريس بمدرسة بدر الدين لؤلؤ وغيرها، وكان صالحا دينا، رحمه الله. ### $ أبو الطيب رزق الله بن يحيى بن خليفة بن سليمان بن رزق الله بن غانم بن غنام الماحوزي
المحدث الجوال الرحال الثقة الحافظ الأديب الشاعر. ### $ أبو العباس أحمد بن برنقش بن عبد الله العمادي
كان من أمراء سنجار، وكان أبوه من موالي الملك عماد الدين زنكي صاحبها، وكان أحمد هذا أديبا شاعرا، ذا مال جزيل وأملاك كثيرة، وقد احتاط على أمواله قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي، وأودعه سجنا، فنسي فيه، ومات كمدا، ومن شعره:
تقول وقد ودعتها ودموعها ... على نحرها من خشية البين تلتقي
مضى أكثر العمر الذي كان نافعا ... رويدك فاعمل صالحا في الذي بقي