John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وستمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 761 of 840

** [الأحداث الواقعة فيها] **

استهلت والخليفة الحاكم العباسي، وسلطان البلاد المنصور لاجين، ونائبه بمصر مملوكه سيف الدين منكوتمر، وقاضي الشافعية الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والحنفي حسام الدين الرازي، والمالكي والحنبلي كما تقدم، ونائب الشام سيف الدين قبجق المنصوري، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها، والوزير تقي الدين توبة، والخطيب بدر الدين بن جماعة.

ولما كان في أثناء المحرم رجعت طائفة من الجيش من بلاد سيس بسبب المرض الذي أصاب بعضهم، فجاء كتاب السلطان بالعتب الأكيد والوعيد الشديد لهم، وأن الجيش يخرج جميعه صحبة نائب السلطنة قبجق إلى هناك، ونصب مشانق لمن تأخر بعذر أو غيره، فخرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجق، وصحبته الجيوش، وخرج أهل البلد للفرجة على الأطلاب على ما جرت به العادة، فبرز نائب السلطنة في أبهة عظيمة وتجمل هائل، فدعت له العامة، وكانوا يحبونه، واستمر الجيش سائرين قاصدين بلاد سيس، فلما وصلوا إلى حمص بلغ الأمير سيف الدين قبجق وجماعة من الأمراء أن السلطان متقلب الخاطر عليهم بسبب سعي منكوتمر فيهم، وعلموا أن السلطان لا يخالفه لمحبته

له، فاتفق جماعة منهم على الدخول إلى بلاد التتار والنجاة بأنفسهم، فساقوا من حمص فيمن أطاعهم، وهم قبجق وبزلى وبكتمر السلحدار ألبكي، واستمروا ذاهبين، فرجع كثير من الجيش إلى دمشق، وتخبطت الأمور، وتأسفت العوام على قبجق لحسن سيرته فيهم، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

** [ذكر مقتل المنصور لاجين وعود] الملك إلى محمد بن قلاوون **

لما كان يوم السبت التاسع عشر ربيع الآخر وصل جماعة من البريدية، وأخبروا بمقتل السلطان الملك المنصور لاجين ونائبه سيف الدين منكوتمر، وأن ذلك كان ليلة الجمعة حادي عشرة، على يد الأمير سيف الدين كرجي الأشرفي ومن وافقه، وذلك بحضور القاضي حسام الدين الحنفي وهو جالس في خدمته يتحدثان، وقيل: كانا يلعبان بالشطرنج. فلم يشعرا إلا وقد دخل عليهما، فبادروا إلى السلطان بسرعة جهرة ليلة الجمعة، فقتلوه وقتل نائبه صبرا صبيحة يوم الجمعة، وألقي على مزبلة، واتفق الأمراء على إعادة ابن أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأرسلوا وراءه، وكان بالكرك ونادوا له بالقاهرة، وخطب له على المنابر قبل قدومه، وجاءت الكتب إلى نائب الشام سيف الدين قبجق، فوجدوه قد فر خوفا من غائلة لاجين، فسارت البريدية

وراءه، فلم يدركوه إلا وقد لحق بالمغول عند رأس العين، من أعمال ماردين، وتفارط الحال، ولا قوة إلا بالله.

وكان الذي شمر العزم وراءهم، وساق ليردهم الأمير سيف الدين بلبان، وقام بأعباء البلد نائب القلعة علم الدين أرجواش والأمير سيف الدين جاغان، واحتاطوا على ما كان له اختصاص بتلك الدولة، فكان منهم جمال الدين يوسف الرومي محتسب البلد وناظر المارستان، ثم أطلق بعد مدة، وأعيد إلى وظائفه، واحتيط أيضا على سيف الدين جاغان وحسام الدين لاجين والي البر، وأدخلا القلعة، وقتل بمصر الأميران سيف الدين طغجي - وكان قد ناب عن الناصر أربعة أيام - وكرجي الذي تولى قتل لاجين، فقتلا وألقيا على المزابل، وجعل الناس من العامة وغيرهم يتأملون صورة طغجي، وكان جميل الصورة جدا، ثم بعد الدلال والمال والملك وارتهم هناك قبور، فدفن السلطان لاجين، وعند رجليه نائبه ومملوكه سيف الدين منكوتمر، ودفن الباقون في مضاجعهم هنالك.

وجاءت البشائر بدخول الملك السلطان الناصر إلى مصر يوم السبت رابع جمادى الأولى، وكان يوما مشهودا وضربت البشائر، ودخل القضاة وأكابر الدولة إلى القلعة، وبويع بحضرة علم الدين أرجواش، وخطب له على المنابر بدمشق وغيرها بحضرة أكابر العلماء والقضاة والأمراء، ثم جاء الخبر بأنه قد ركب وشق القاهرة، وعليه خلعة الخليفة، والجيش معه مشاة بين يديه، وكان يوما مشهودا وضربت البشائر أيضا. وجاءت مراسيمه، فقرئت على السدة،

وفيها الرفق بالرعايا والأمر بالإحسان إليهم، فدعوا له، وقدم الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نائبا على دمشق، فدخلها يوم الأربعاء قبل العصر ثاني عشرين من جمادى الأولى، فنزل بدار السعادة على العادة، وفرح الناس بقدومه، وأشعلوا له الشموع، وكذلك يوم الجمعة أشعلوا له لما جاء إلى صلاة الجمعة بالمقصورة، وبعد أيام أفرج عن جاغان ولاجين والي البر من القلعة، وعادا إلى ما كانا عليه، واستقر الأمير حسام الدين الأستادار أتابكا للعساكر المصرية، والأمير سيف الدين سلار نائبا بمصر، وأخرج الأعسر في رمضان من الحبس، وولي الوزارة بمصر، وأخرج قراسنقر المنصوري من الحبس أيضا، وأعطي نيابة الصبيبة، ثم لما مات صاحب حماة الملك المظفر نقل قراسنقر إليها.

وكان قد وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قبجق من البلد محنة للشيخ تقي الدين ابن تيمية ; قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة " بالحموية "، فانتصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عليه، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته، وفسر في قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين القزويني صبيحة يوم السبت، واجتمع عنده جماعة من الفضلاء، وبحثوا في " الحموية " وناقشوه

في أماكن منها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم قام الشيخ تقي الدين، وقد تمهدت الأمور وسكنت الأحوال، وكان القاضي إمام الدين معتقده حسن ومقصده صالح.

وفيها وقف علم الدين سنجر الدوادار رواقه داخل باب الفرج مدرسة ودار حديث، وولى مشيخته الشيخ علاء الدين بن العطار، وحضر عنده القضاة والأعيان وعمل لهم ضيافة، وأفرج عن قراسنقر.

وفي يوم السبت حادي عشر شوال فتح مشهد عثمان الذي جدده ناصر الدين بن عبد السلام ناظر الجامع، وأضاف إليه مقصورة الخدم من شماليه، وجعل له إماما راتبا، وحاكى به مشهد علي بن الحسين زين العابدين.

وفي العشر الأول من ذي الحجة عاد القاضي حسام الدين الرازي الحنفي إلى قضاء الشام، وعزل عن قضاء مصر، وعزل ولده عن قضاء الشام. وكثرت الأراجيف في ذي الحجة بقصد التتار بلاد الشام وبالله المستعان.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الشيخ نظام الدين أحمد بن الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السلام الحصيري الحنفي مدرس النورية، توفي ثامن المحرم، ودفن في تاسعه يوم الجمعة في مقابر الصوفية، كان مفتيا فاضلا، ناب في الحكم في وقت،

ودرس بالنورية بعد أبيه، ودرس بعده الشيخ شمس الدين بن الصدر سليمان في يوم الأربعاء رابع عشر المحرم. ### $ ابن النقيب المفسر، الشيخ الإمام العالم الزاهد جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين البلخي

ثم المقدسي الحنفي، ولد في النصف من شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقدس، واشتغل بالقاهرة وأقام مدة بالجامع الأزهر، ودرس في بعض المدارس هناك، ثم انتقل إلى القدس، فاستوطنه إلى أن مات في المحرم منها، وكان شيخا فاضلا في التفسير، وله فيه مصنف حافل كبير، جمع فيه خمسين مصنفا من التفاسير، وكان الناس يقصدون زيارته بالقدس الشريف، ويتبركون به. ### $ الشيخ أبو يعقوب المغربي المقيم بالقدس

كان الناس يجتمعون به وهو منقطع بالمسجد الأقصى، وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يقول فيه: هو على طريقة ابن عربي وابن سبعين. توفي في المحرم من هذه السنة. ### $ التقي توبة الوزير

الصاحب الكبير الصدر الوزير تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة الربعي التكريتي، ولد سنة عشرين وستمائة يوم

عرفة بعرفة، وتنقل في الخدم إلى أن صار وزيرا بدمشق مرات عديدة، حتى توفي ليلة الخميس ثاني جمادى الآخرة، وصلي عليه غدوة بالجامع وسوق الخيل، ودفن بتربته تجاه دار الحديث الأشرفية بالسفح، وحضر جنازته القضاة والأعيان، رحمه الله، وباشر بعده نظر الدواوين فخر الدين بن الشيرجي، وأخذ أمين الدين بن الهلال نظر الخزانة. ### $ الأمير الكبير شمس الدين بيسري

كان من أكابر الأمراء المقدمين في خدمة الملوك من زمن قلاوون وهلم جرا، توفي في السجن بقلعة مصر، وعمل له عزاء بالجامع الأموي، وحضره نائب السلطنة الأفرم والقضاة والأعيان. ### $ السلطان الملك المظفر تقي الدين محمود بن ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب

صاحب حماة، وابن ملوكها كابرا عن كابر، توفي يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة، ودفن ليلة الجمعة. ### $ الملك الأوحد نجم الدين يوسف بن الملك الناصر داود بن المعظم ناظر القدس الشريف، توفي به ليلة الثلاثاء الرابع من ذي الحجة، ودفن برباطه عند

باب حطة عن سبعين سنة، وحضر جنازته خلق كثير، وكان من خيار أبناء الملوك دينا وفضيلة وإحسانا إلى الضعفاء، رحمه الله. ### $ القاضي شهاب الدين يوسف بن الصاحب محيي الدين بن النحاس

أحد رؤساء الحنفية، ومدرس الريحانية والظاهرية، وقد ولي نظر الخزانة ونظر الجامع في وقت، وكان صدرا كبيرا كافيا، توفي ببستانه بالمزة ثالث عشر ذي الحجة، ودرس بعده بالريحانية القاضي جلال الدين بن حسام الدين. ### $ الصدر الكبير الرئيس الصاحب أمين الدين أبو الغنائم، سالم بن محمد بن سالم بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التغلبي كان أسن حالا من أخيه القاضي نجم الدين بن صصرى، وقد سمع الحديث وأسمعه، وكان صدرا معظما، ولي نظر الدواوين ونظر الخزانة، ثم ترك المناصب وحج وجاور بمكة، ثم قدم دمشق، فأقام بها دون السنة ومات، توفي يوم الجمعة الثامن والعشرين ذي الحجة، وصلي عليه بعد الجمعة بالجامع، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، وعمل عزاؤه بالصاحبية.

### $ ياقوت بن عبد الله، أبو الدر المستعصمي الكاتب

لقبه جمال الدين، وأصله رومي، كان فاضلا، مليح الخط مشهورا بذلك، كتب ختما حسانا، وكتب الناس عليه ببغداد، وتوفي بها في هذه السنة، وله شعر رائق، فمنه ما أورده البرزالي في " تاريخه " عنه:

تجدد الشمس شوقي كلما طعلت ... إلى محياك يا سمعي ويا بصري

وأسهر الليل في أنس بلا ونس ... إذ طيب ذكراك في ظلماته يسري

وكل يوم مضى لا أراك به ... فلست محتسبا ماضيه من عمري

ليلي نهار إذا ما درت في خلدي ... لأن ذكرك نور القلب والبصر

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com