Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 782 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها. وفي مستهل المحرم هبت ريح شديدة بدمشق، سقط بسببها شيء كثير من الجدران، واقتلعت أشجارا كثيرة. وفي يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم خلع على القاضي جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال عوضا عن ابن الشريشي.
وفي يوم الأربعاء خامس صفر درس بالناصرية الجوانية ابن صصرى، عوضا عن ابن الشريشي أيضا، وحضر عنده الناس على العادة. وفي عاشره باشر شد الدواوين جمال الدين آقوش الرحبي، عوضا عن فخر الدين أياس، وكان آقوش متولي دمشق من سنة سبع وسبعمائة، وولي مكانه بالبلاد الأمير علم الدين طرقشي الساكن العقيبة.
وفي هذا اليوم نودي بالبلد أن يصوم الناس لأجل الخروج إلى الاستسقاء، وشرع في قراءة " البخاري "، وتهيأ الناس لذلك، ودعوا عقيب الصلوات وبعد الخطب، وابتهلوا إلى الله تعالى في الاستسقاء، فلما كان يوم
السبت منتصف صفر - وكان سابع نيسان - خرج أهل البلد برمتهم إلى عند مسجد القدم، وخرج نائب السلطنة والأمراء مشاة يبكون، ويتضرعون، واجتمع الناس هنالك، وكان مشهدا عظيما، وخطب بالناس القاضي صدر الدين سليمان الجعفري، وأمن الناس على دعائه ورجعوا، فلما أصبح الناس من اليوم الثاني جاءهم الغيث بإذن الله ورحمته ورأفته، لا بحولهم ولا بقوتهم، ففرح الناس فرحا شديدا، وعم البلاد كلها، ولله الحمد والمنة.
وفي أواخر الشهر شرعوا في إصلاح رخام الجامع وترميمه، وجلي أبوابه، وتحسين ما فيه.
وفي رابع عشر ربيع الآخر درس بالناصرية الجوانية، ابن الشيرازي بتوقيع سلطاني، وأخذها من ابن صصرى، وباشرها إلى أن مات.
وفي يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى باشر ابن شيخ السلامية فخر الدين - أخو ناظر الجيش - الحسبة بدمشق، عوضا عن ابن الحداد، وباشر ابن الحداد نظر الجامع عوضا عن ابن شيخ السلامية، وخلع على كل منهما.
وفي بكرة الثلاثاء خامس جمادى الآخرة قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن الشيخ زكي الدين ظافر الهمداني المالكي - على قضاء المالكية بالشام، عوضا عن ابن سلامة، توفي، فكان بينهما ستة أشهر، ولكن تقليد هذا مؤرخ بآخر ربيع
الأول، ولبس الخلعة، وقرئ تقليده بالجامع.
وفي هذا الشهر درس بالخاتونية البرانية القاضي بدر الدين بن الفويرة الحنفي، وعمره خمس وعشرون سنة، عوضا عن القاضي شمس الدين محمد قاضي ملطية، توفي.
وفي يوم السبت خامس رمضان وصل إلى دمشق سيل عظيم أتلف للناس شيئا كثيرا، وارتفع حتى دخل من باب الفرج، ووصل إلى العقيبة، وانزعج الناس له، وانتقلوا من أماكنهم، ولم تطل مدته؛ لأن أصله كان مطرا وقع بأرض آبل السوق والحسينية.
وفي هذا اليوم باشر طرقشي شد الدواوين بعد موت جمال الدين الرحبي، وباشر ولاية المدينة صارم الدين الجوكندار، وخلع عليهما.
ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقرئ عليهم كتاب من السلطان يتضمن منع الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الفتيا في مسألة الطلاق، وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك.
وفي يوم الجمعة تاسع شوال خطب القاضي صدر الدين الداراني عوضا عن
بدر الدين بن ناصر الدين بن عبد السلام، بجامع جراح، وكان فيه خطيبا قبله، فتولاه بدر الدين حسن العقرباني، واستمر ولده في خطابة داريا التي كانت بيد أبيه من بعده.
وفي يوم السبت عاشره خرج الركب وأميرهم عز الدين أيبك المنصوري أمير علم.
وحج فيها صدر الدين قاضي القضاة الحنفي، وبرهان الدين بن عبد الحق، وشرف الدين ابن تيمية، ونجم الدين الدمشقي وهو قاضي الركب، ورضي الدين المنطيقي، وشمس الدين بن الوزير خطيب جامع القبيبات، وعبد الله بن رشيق المالكي، وغيرهم.
وفيها حج سلطان الإسلام الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومعه جمع كثير من الأمراء، ووكيله كريم الدين، وفخر الدين كاتب المماليك، وكاتب السر ابن الأثير، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وصاحب حماة الملك عماد الدين، والصاحب شمس الدين غبريال، في خدمة السلطان، وكان في خدمته خلق كثير من الأعيان.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين التتار، بسبب أن سلطانهم بو سعيد كان قد ضاق ذرعا بجوبان، وعجز عن مسكه، فانتدب له جماعة من الأمراء عن
أمره منهم أبو يحيى خال أبيه، ودقماق، وقرمشي، وغيرهم من أكابر الدولة، وأرادوا كبس جوبان، فهرب وجاء إلى السلطان، فانتهى إليه ما كان منهم، وفي صحبته الوزير علي شاه، ولم يزل بالسلطان حتى رضي عن جوبان، وأمده بجيش كثيف، وركب السلطان معه أيضا، والتقوا مع أولئك، فكسروهم وأسروهم، وتحكم فيهم جوبان، فقتل منهم إلى آخر هذه السنة نحوا من أربعين أميرا.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الشيخ المقرئ شهاب الدين أبو عبد الله الحسين بن سليمان بن فزارة بن بدر الكفري الحنفي، ولد تقريبا في سنة سبع وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وقرأ بنفسه " كتاب الترمذي "، وقرأ القراءات، وتفرد بها مدة يشتغل الناس عليه، وجمع عليه السبع أكثر من عشرين طالبا، وكان يعرف النحو، والأدب، وفنونا كثيرة، وكانت مجالسته حسنة، وله فوائد كثيرة، درس بالطرخانية أكثر من أربعين سنة، وناب في الحكم عن الأذرعي مدة ولايته، وكان خيرا مباركا، وأضر في آخر عمره، وانقطع في بيته مواظبا على
التلاوة والذكر وإقراء القرآن إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ بجامع دمشق، ودفن بقاسيون رحمه الله. ### $ وفي هذا الشهر جاء الخبر بموت الشيخ الإمام تاج الدين عبد الرحمن بن محمد بن أبي حامد التبريزي الشافعي، المعروف بالأفضلي، بعد رجوعه من الحج ببغداد في العشر الأول من صفر، وكان صالحا فقيها مباركا، وكان ينكر على رشيد الدولة ويحط عليه، ولما قتل قال: كان قتله أنفع من قتل مائة ألف نصراني. وكان رشيد الدولة يريد أن يترضاه فلا يقبل، وكان لا يقبل من أحد شيئا، ولما توفي دفن بتربة الشونيزي، وكان قد قارب الستين، رحمه الله. ### $ محيي الدين محمد بن مفضل بن فضل الله المصري، كاتب ملك الأمراء، ومستوفي الأوقاف، كان مشكور السيرة، محبا للعلماء والصلحاء، فيه كرم وخدمة كثيرة للناس، توفي رابع عشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربة ابن هلال بسفح قاسيون، وله ست وأربعون سنة، وباشر بعده في وظيفته أمين الدين بن النحاس. ### $ الأمير الكبير غرلو بن عبد الله العادلي، كان من أكابر الدولة ومن
الأمراء المقدمين الألوف، وقد ناب بدمشق عن أستاذه الملك العادل كتبغا نحوا من ثلاثة أشهر في سنة خمس وسبعين وستمائة، وأول سنة ست وتسعين، واستمر أميرا كبيرا إلى أن توفي في سلخ جمادى الأولى يوم الخميس، ودفن بتربته بشمالي جامع المظفري بقاسيون، وكان شهما شجاعا ناصحا للإسلام وأهله، مات في عشر الستين. ### $ الأمير جمال الدين آقوش الرحبي المنصوري، ولي دمشق مدة طويلة، كان أصله من قرى إربل، وكان نصرانيا، فسبي وأبيع من نائب الرحبة، ثم انتقل إلى الملك المنصور فأعتقه وأمره، وتولى الولاية بدمشق نحوا من إحدى عشرة سنة، ثم انتقل إلى شد الدواوين أربعة أشهر قبل وفاته، وكانت وفاته ليلة الخميس حادي عشرين جمادى الآخرة، ودفن بمقابر الصوفية، وكان محبوبا إلى العامة مدة ولايته. ### $ الخطيب صلاح الدين يوسف بن محمد بن عبد اللطيف بن المغيزل الحموي، له تصانيف وفوائد، وكان خطيب جامع السوق الأسفل بحماة، وسمع من ابن طبرزد، توفي في جمادى الآخرة.
### $ العلامة فخر الدين أبو عمرو عثمان بن علي بن يحيى بن هبة الله بن إبراهيم بن المسلم بن علي الأنصاري الشافعي، المعروف بابن بنت أبي سعد المصري، سمع الحديث، وكان من ثقات العلماء، وناب في الحكم بالقاهرة مدة، وولي مكانه في ميعاد جامع طولون الشيخ علاء الدين القونوي شيخ الشيوخ، وفي ميعاد الجامع الأزهر شمس الدين بن علان، كانت وفاته ليلة الأحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بمصر وله من العمر تسعون سنة. ### $ الشيخ الصالح العابد أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي، له زاوية بالحسينية يزار فيها، ولا يخرج منها إلا إلى الجمعة، سمع الحديث، توفي يوم الثلاثاء بعد العصر السادس والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن من الغد بزاويته المذكورة، رحمه الله. ### $ الشيخ الصالح المعمر الرحلة عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد بن إسماعيل بن عطاف بن مبارك بن علي بن أبي الجيش المقدسي
الصالحي المطعم، راوي " صحيح البخاري " وغيره، وقد سمع الكثير من مشايخ عدة، وترجمه الشيخ علم الدين في " تاريخه "، توفي ليلة الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة، وصلي عليه بعد الظهر في اليوم المذكور بالجامع المظفري، ودفن بالساحة بالقرب من تربة المولهين وله أربع وتسعون سنة، رحمه الله تعالى.