Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 781 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
الخليفة والسلطان هما هما، وكذلك النواب والقضاة، سوى المالكي بدمشق، فإنه العلامة فخر الدين بن سلامة، بعد القاضي جمال الدين الزواوي، رحمه الله. ووصلت الأخبار في المحرم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق: سنجار، والموصل، وماردين، وتلك النواحي بغلاء عظيم، وفناء شديد، وقلة الأمطار، وجور التتار، وعدم الأقوات، وغلاء الأسعار، وقلة النفقات، وزوال النعم، وحلول النقم، بحيث إنهم أكلوا ما وجدوه من الجمادات، والحيوانات، والميتات، وباعوا حتى أولادهم وأهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهما وأقل من ذلك، حتى إن كثيرا من الناس كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين تأثما، وكانت المرأة تصرح بأنها نصرانية، ليشترى منها ولدها لتنتفع بثمنه، ويحصل لها من يطعمه فيعيش، وتأمن عليه من الهلاك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجرت في تلك البلاد أحوال صعبة يطول ذكرها، وتنبو الأسماع عن وصفها، وقد ترحلت منهم فرقة قريب الأربعمائة إلى ناحية مراغة، فسقط عليهم ثلج أهلكهم عن آخرهم، وصحبت طائفة منهم فرقة من التتار، فلما انتهوا إلى
عقبة صعدها التتار، ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلفوا بهم، فماتوا عن آخرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وفي بكرة الاثنين السابع من صفر قدم القاضي كريم الدين عبد الكريم بن العلم هبة الله وكيل الخاص السلطاني بالبلاد جميعها - قدم إلى دمشق فنزل بدار السعادة، وأقام بها أربعة أيام، وأمر ببناء جامع القبيبات الذي يقال له: جامع كريم الدين. وراح لزيارة بيت المقدس، وتصدق بصدقات كثيرة وافرة، وشرع في بناء جامعه بعد سفره.
وفي ثاني صفر جاءت ريح شديدة ببلاد طرابلس على بيوت مقدم تركمان، فأهلكت لهم شيئا كثيرا من الأمتعة، وقتلت أميرا منهم يقال له: طرالي، وزوجته، وابنيه، وابني ابنيه، وجاريته، وأحد عشر نفسا، وقتلت جمالا كثيرة وغيرها، وكسرت الأمتعة والأثاث، وكانت ترفع البعير في الهواء مقدار عشرة أرماح، ثم تلقيه مقطعا، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد، وبرد عظيم، بحيث أتلف زروعا كثيرة في قرى عديدة نحو من أربع وعشرين قرية، حتى إنها لا ترد بدارها.
وفي صفر أخرج الأمير سيف الدين طغاي الخاصكي إلى نيابة صفد، فأقيم
بها شهرين، ثم مسك، والصاحب أمين الملك إلى نظر الدواوين بطرابلس على معلوم وافر.
قال الشيخ علم الدين: وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته، وأجاب إلى ما أشار به رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتين، ثم ورد البريد في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، وعقد في ذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونودي به في البلد، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتين الكبار، وقالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشيخ نصيحته، وأنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر.
وفي عاشره جاء البريد إلى صفد بمسك سيف الدين طغاي، وتولية بدر الدين القرماني نيابة حمص.
وفي هذا الشهر كان مقتل رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن عالي الهمذاني، كان أصله يهوديا عطارا، فتقدم بالطب، وشملته السعادة حتى صار عند خربندا الجزء الذي لا يتجزأ، وعلت رتبته وكلمته، وتولى مناصب الوزراء، وحصل له من الأموال، والأملاك، والسعادة ما لا يحد ولا يوصف، وكان قد أظهر
الإسلام، وكانت لديه فضائل جمة، وقد فسر القرآن، وصنف كتبا كثيرة، وكان له أولاد وثروة عظيمة، وبلغ الثمانين من العمر، وكانت له يد جيدة يوم الرحبة، فإنه صانع عن المسلمين، وأتقن القضية في رجوع ملك التتر عن البلاد الشامية سنة ثنتي عشرة، كما تقدم، وكان يناصح الإسلام، ولكن قد نال منه خلق كثير من الناس، واتهموه على الدين، وتكلموا في تفسيره هذا، ولا شك أنه كان مخبطا مخلطا، وليس لديه علم نافع، ولا عمل صالح. ولما تولى بو سعيد المملكة عزله، وبقي مدة خاملا، ثم استدعاه جوبان، وقال له: أنت سقيت السلطان خربندا سما؟ فقال له: أنا كنت في غاية الحقارة والذلة، فصرت في أيامه وأيام أبيه في غاية العظمة والعزة، فكيف أعمد إلى سقيه والحالة هذه! فأحضرت الأطباء، فذكروا صورة مرض خربندا وصفته، وأن الرشيد أشار بإسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل، فانطلق باطنه نحوا من سبعين مجلسا، فمات، فاعترف بذلك على وجه أنه أخطأ في الطب، فقال: فأنت إذا قتلته، فقتله وولده إبراهيم، واحتيط على حواصله وأمواله، فبلغت شيئا كثيرا، وقطعت أعضاؤه، وحمل كل جزء منها إلى بلدة، ونودي على رأسه بتبريز: هذا رأس اليهودي الذي بدل كلام الله، لعنه الله. ثم أحرقت جثته، وكان القائم عليه علي شاه.
وفي هذا الشهر - أعني: جمادى الأولى - تولى قضاء المالكية بمصر قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي عوضا عن زين الدين بن مخلوف، توفي
عن أربع وثمانين سنة، وله في الحكم ثلاث وثلاثون سنة.
وفي يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الأوحد خلعة الإمرة بمرسوم السلطان. وفي آخر رجب جاء سيل عظيم بظاهر حمص، خرب شيئا يسيرا، وجاء إلى البلد ليدخلها، فمنعه الخندق.
وفي شعبان تكامل بناء الجامع الذي عمره تنكز ظاهر باب النصر، وأقيمت الجمعة فيه يوم عاشر شعبان، وخطب فيه الشيخ نجم الدين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالقحفازي، من مشاهير الفضلاء ذوي الفنون المتعددة، وحضر نائب السلطنة، والقضاة، والأعيان، والقراء، والمنشدون، وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الجمعة التي تليها خطب بجامع القبيبات الذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان، وحضر فيه القضاة والأعيان، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الوزير الحراني الأسدي الحنبلي، وهو من الصالحين الكبار، ذوي الزهادة، والعبادة، والنسك، والتوجه، وطيب الصوت، وحسن السمت.
وفي حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين بن النقيب إلى حمص حاكما بها، مطلوبا مسئولا، مرغوبا فيه، وخرج الناس لتوديعه. وفي هذا الشهر حصل سيل عظيم بسلمية، ومثله بالشوبك.
وخرج المحمل في شوال وأمير الركب الأمير علاء الدين بن
معبد والي البر، وقاضيه زين الدين بن قاضي الخليل الحاكم بحلب.
وممن حج في هذه السنة من الأعيان: الشيخ برهان الدين الفزاري، وكمال الدين بن الشريشي وولده، وبدر الدين بن العطار.
وفي الحادي عشر من ذي الحجة انتقل الأمير فخر الدين أياس الأعسري من شد الدواوين بدمشق إلى طرابلس أميرا. وفي يوم الجمعة السابع عشر من ذي الحجة أقيمت الجمعة في الجامع الذي أنشأه الصاحب شمس الدين غبريال - ناظر الدواوين بدمشق - خارج باب شرقي، إلى جانب ضرار بن الأزور رضي الله عنه، بالقرب من محلة القعاطلة، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن التدمري، المعروف بالنيرباني، وهو من كبار الصالحين ذوي العبادة والزهادة، وهو من أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية، وحضره الصاحب المذكور، وجماعة من القضاة والأعيان.
وفي يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي - المحدث الحافظ - مشيخة الحديث بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين بن الشريشي، توفي بطريق الحج في شوال، وقد كان له في مشيختها ثلاث وثلاثون سنة، وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة.
وفي يوم الثلاثاء صبيحة هذا الدرس أحضر الفقيه زين الدين بن عبيدان الحنبلي من بعلبك، وحوقق على منام رآه، زعم أنه رآه بين النائم واليقظان، وفيه تخليط وتخبيط، وكلام كثير لا يصدر عن مستقيم المزاج، كان كتبه بخطه، وأرسله إلى بعض أصحابه، فاستسلمه القاضي الشافعي، وحقن دمه، وعزره، ونودي عليه في البلد، ومنع من الفتوى وعقود الأنكحة، ثم أطلق.
وفي يوم الأربعاء بكرة باشر بدر الدين محمد بن بصخان مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ مجد الدين التونسي، توفي، وحضر عنده الأعيان والفضلاء، وقد حضرته يومئذ، وقبل ذلك باشر مشيخة الإقراء بالأشرفية عوضا عن الشيخ محمد بن خروف الموصلي.
وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشر الشيخ الإمام، العلامة الحافظ الحجة، شيخنا ومفيدنا، أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي - مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضا عن كمال الدين بن الشريشي، ولم يحضر عنده كبير أحد لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، ولا أحفظ منه، وما عليه منهم إذ لم يحضروا عنده، فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم عنه أنس. والله أعلم.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الشيخ الصالح، العابد الناسك، الورع الزاهد القدوة، بقية السلف وقدوة الخلف، أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي، ولد سنة خمسين وستمائة ببالس، وسمع من أصحاب ابن طبرزد، وكان شيخا جليلا بشوش الوجه، حسن السمت، مقصدا لكل أحد، كثير الوقار، عليه سيما العبادة والخير، وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين ابن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي الدين لقازان وشجاعته، وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه: قل لقازان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون، وقاض، وإمام، وشيخ، على ما بلغنا، فغزوتنا، ودخلت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام، بل عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت. قال: وجرت له مع قازان، وقطلوشاه، وبولاي، أمور ونوب، قام ابن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق، ولم يخش إلا الله عز وجل. قال: وقرب إلى الجماعة طعام فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء،
فقال في دعائه: اللهم إن كان عبدك هذا محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا، وليكون الدين كله لك - فانصره، وأيده، وملكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياء وسمعة، وطلبا للدنيا، ولتكون كلمته هي العليا، وليذل الإسلام وأهله، فاخذله، وزلزله، ودمره، واقطع دابره. قال: وقازان يؤمن على دعائه، ويرفع يديه. قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله. قال: فلما خرجنا من عنده، قال له قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وغيره: كدت أن تهلكنا، وتهلك نفسك، والله لا نصحبك من هنا. فقال: وأنا والله لا أصحبكم. قال: فانطلقنا عصبة، وتأخر هو في خاصة نفسه، ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخواتين والأمراء من أصحاب قازان، فأتوه يتبركون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال: والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبوا أن يصحبوه، فخرج عليهم جماعة من التتر، فشلحوهم عن آخرهم. هذا الكلام أو نحوه. وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد تقدم ذلك.
توفي الشيخ محمد بن قوام ليلة الاثنين الثاني والعشرين من صفر بالزاوية المعروفة بهم غربي الصالحية والناصرية والعادلية، وصلي عليه بها، ودفن فيها، وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير، وكان في جملة الجمع الشيخ تقي
الدين ابن تيمية؛ لأنه كان يحبه كثيرا، ولم يكن للشيخ محمد مرتب على الدولة، ولا لزاويته مرتب ولا وقف، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل، وكان يزار، وكان لديه علم وفضائل جمة، وكان فهمه صحيحا، وكانت له معرفة تامة، وكان حسن العقيدة، وطويته صحيحة، وكان محبا للحديث وآثار السلف، كثير التلاوة والجمعية على الله عز وجل، وقد صنف جزءا فيه أخبار جيدة، رحمه الله، وبل ثراه بوابل الرحمة، آمين. ### $ الشيخ الصالح، الأديب البارع، الشاعر المجيد، تقي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ أحمد بن تمام بن حسان التلي ثم الصالحي الحنبلي، أخو الشيخ محمد بن تمام، ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وصحب الفضلاء، وكان حسن الشكل والخلق، طيب النفس، مليح المجاورة والمجالسة، كثير المفاكهة، أقام مدة بالحجاز، واجتمع بابن سبعين وبالتقي الحوراني، وأخذ النحو عن ابن مالك، وابنه بدر الدين، وصحبه مدة، وقد صحبه الشهاب محمود مدة خمسين سنة، وكان يثني عليه بالزهد والفراغ من الدنيا، توفي ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر،
ودفن بالسفح، وقد أورد الشيخ علم الدين البرزالي في ترجمته قطعة من شعره، فمن ذلك قوله:
أسكان المعاهد من فؤادي ... لكم في خافق منه سكون
أكرر فيكم أبدا حديثي ... فيحلو والحديث له شجون
وأنظمه عقودا من دموعي ... فتنثره المحاجر والجفون
وأبتكر المعاني في هواكم ... وفيكم كل قافية تهون
وأسأل عنكم الباكين سرا ... وسر هواكم سر مصون
وأعتبق النسيم؛ لأن فيه ... شمائل من معاطفكم تبين
فكم لي في محبتكم غرام ... وكم لي في الغرام بكم فنون ### $ قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم بن منعم
بن خلف النويري المالكي، الحاكم بالديار المصرية، ولد سنة أربع وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، واشتغل، وحصل، وولي الحكم بعد ابن شاس سنة خمس وثمانين، وطالت أيامه إلى هذا العام، وكان غزير المروءة والاحتمال والإحسان إلى الفقهاء والشهود ومن يقصده، توفي ليلة الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة، ودفن بسفح المقطم بمصر، وتولى الحكم بعده بمصر تقي الدين الأخنائي المالكي. ### $ الشيخ إبراهيم بن أبي العلاء المقرئ الصيت المشهور المعروف بابن شعلان، وكان رجلا جيدا في شهود المسمارية، ويقصد للختمات لطيب صوته، توفي وهو كهل يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن بسفح قاسيون. ### $ الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر أحمد بن خلف بن إبراهيم بن أبي عيسى بن الحاج التجيبي القرطبي ثم الإشبيلي، ولد بإشبيلية سنة ثمان وثلاثين
وستمائة، وقد كان أهله بيت العلم والخطابة والقضاء بمدينة قرطبة، فلما أخذها الفرنج انتقلوا إلى إشبيلية، وتمحقت أموالهم وكتبهم، وصادر ابن الأحمر جده القاضي بعشرين ألف دينار، ومات أبوه وجده سنة إحدى وأربعين وستمائة، ونشأ يتيما، ثم حج وأقبل إلى الشام، فأقام بدمشق من سنة أربع وثمانين، وسمع من ابن البخاري وغيره، وكتب بيده نحوا من مائة مجلد إعانة لولديه أبي عمرو وأبي عبد الله على الاشتغال، ثم كانت وفاته بالمدرسة الصلاحية يوم الجمعة وقت الأذان ثامن عشر رجب، وصلي عليه بعد العصر، ودفن عند الفندلاوي بباب الصغير بدمشق، وحضر جنازته خلق كثير. ### $ الشيخ كمال الدين بن الشريشي، أحمد بن الإمام العلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سحمان البكري الوائلي الشريشي، كان أبوه مالكيا كما تقدم، واشتغل هو في مذهب الشافعي، فبرع، وحصل علوما كثيرة، وكان خبيرا بالكتابة مع ذلك، وسمع الحديث، وكتب الطباق وقرأه بنفسه، وأفتى، ودرس، وناظر، وباشر عدة مدارس ومناصب كبار، أول ما باشر مشيخة الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة
خمس وثمانين وستمائة إلى أن توفي، وناب في الحكم عن ابن جماعة، ثم ترك ذلك وولي وكالة بيت المال، وقضاء العسكر، ونظر الجامع مرات، ودرس بالشامية البرانية، ودرس بالناصرية عشرين سنة، ثم انتزعها من يده ابن جماعة وزين الدين الفارقي، فاستعادها منهما، وباشر مشيخة الرباط الناصري بقاسيون، مدة ومشيخة دار الحديث الأشرفية ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما تولاه من الجهات كلها، وقد عزم في هذه السنة على الحج، فخرج بأهله، فأدركته منيته بالحسا في سلخ شوال من هذه السنة، ودفن هناك، رحمه الله، وتولى بعده الوكالة جمال الدين بن القلانسي، ودرس في الناصرية كمال الدين بن الشيرازي، وبدار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المزي، وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي، وبالرباط الناصري ولده جمال الدين. ### $ الشهاب المقرئ أحمد بن أبي بكر بن أحمد البغدادي، نقيب المتعممين، كان عنده فضائل جمة نظما ونثرا، مما يناسب الوقائع وما يحضر فيه من التهاني والتعازي، ويعرف الموسيقى، والشعبذة، وضرب الرمل، ويحضر المجالس المشتملة على اللهو، والمسكر، واللعب، والبسط، ثم انقطع عن ذلك كله لكبر سنه، وهو مما يقال فيه وفي أمثاله:.
ذهبت عن توبته سائلا ... وجدتها توبة إفلاس
وكان مولده بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وتوفي ليلة السبت
خامس ذي القعدة، ودفن بمقابر باب الصغير في قبر أعده لنفسه، عن خمس وثمانين سنة، سامحه الله. ### $ قاضي القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدين أبي العباس أحمد بن سلامة الإسكندري المالكي، ولد سنة إحدى وسبعين وستمائة، وبرع في علوم كثيرة، وولي نيابة الحكم في الإسكندرية، فحمدت سيرته، وديانته، وصرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية، فباشرها أحسن مباشرة سنة ونصفا، إلى أن توفي بالصمصامية بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة، ودفن إلى جانب الفندلاوي بباب الصغير، وحضر جنازته خلق كثير، وشكره الناس، وأثنوا عليه، رحمه الله تعالى.