Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 791 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
الأحداث التي وقعت فيها
في ذي القعدة منها كانت وفاة شيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية قدس الله روحه.
استهلت هذه السنة وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، سوى نائب مصر، وقاضي حلب.
وفي يوم الأربعاء ثاني المحرم درس بحلقة صاحب حمص الشيخ الحافظ صلاح الدين العلائي، نزل له عنها شيخنا الحافظ المزي، وحضر عنده الفقهاء والقضاة والأعيان، وذكر درسا حسنا مفيدا. وفي يوم الجمعة رابع المحرم حضر قاضي القضاة علاء الدين القونوي مشيخة الشيوخ بالسميساطية عوضا عن القاضي المالكي شرف الدين، وحضر عنده الفقهاء والصوفية على العادة.
وفي يوم الأحد ثامن عشر صفر درس بالمسرورية تقي الدين عبد الرحمن بن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضا عن جمال الدين بن الشريشي بحكم انتقاله إلى قضاء حمص، وحضر الناس عنده وترحموا على والده.
وفي يوم الأحد خامس عشرين صفر وصل إلى دمشق الأمير الكبير صاحب بلاد الروم تمرتاش بن جوبان قاصدا إلى مصر، فخرج نائب السلطنة والجيش
لتلقيه، وهو شاب حسن الصورة، تام الشكل، مليح الوجه. ولما انتهى إلى السلطان بمصر أكرمه، وأعطاه تقدمة ألف، وفرق أصحابه على الأمراء، فأكرموا إكراما زائدا، وكان سبب قدومه إلى مصر أن صاحب العراق الملك بو سعيد كان قد قتل أخاه خواجا دمشق في شوال من السنة الماضية، فهم والده جوبان بمحاربة السلطان بو سعيد، فلم يتمكن من ذلك، وكان جوبان إذ ذاك مدبر الممالك، فخاف تمرتاش هذا عند ذلك من السلطان، ففر هاربا بدمه إلى السلطان الناصر بمصر.
وفي ربيع الأول توجه نائب الشام سيف الدين تنكز إلى الديار المصرية لزيارة السلطان، فأكرمه، واحترمه، واشترى في هذه السفرة دار الفلوس التي بالقرب من البزوريين والجوزية، وهي شرقيهما، وقد كان سوق البزورية اليوم يسمى سوق القمح، فاشترى هذه الدار، وعمرها دارا هائلة ليس بدمشق دار أحسن منها، وسماها دار الذهب، وهدم حمام سويد تلقاءها، وجعله دار قرآن وحديث، وجاءت في غاية الحسن أيضا، ووقف عليها أماكن، ورتب فيها المشايخ والطلبة، كما سيأتي تفصيله في موضعه، واجتاز برجوعه من مصر بالقدس الشريف، وزاره، وأمر ببناء حمام به، وببناء دار حديث أيضا وخانقاه، كما يأتي بيانه.
وفي أواخر ربيع الأول وصلت القناة إلى القدس الشريف التي أمر بعمارتها
وتجديدها سيف الدين قطلبك، فقام بعمارتها مع ولاة تلك النواحي، وفرح المسلمون بها، ودخلت حتى إلى وسط المسجد الأقصى، وعمل به بركة هائلة، وهي مرخمة ما بين الصخرة والأقصى، وكان ابتداء عملها من شوال من السنة الماضية.
وفي هذه المدة عمر سقوف رواقات المسجد الحرام بمكة وأبوابه، وعمرت بمكة طهارة مما يلي باب بني شيبة.
قال البرزالي: وفي هذا الشهر كملت عمارة الحمام الذي بسوق باب توماء، وله بابان.
قال: وفي ربيع الآخر نقض الترخيم الذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزيادة، فوجدوا الحائط متجافيا، فخيف من أمره، وحضر تنكز بنفسه ومعه القضاة وأرباب الخبرة، فاتفق رأيهم على نقضه وإصلاحه، وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين ربيع الآخر، فكتب نائب السلطنة إلى السلطان يعلمه بذلك ويستأذنه في عمارته، فجاء المرسوم بالإذن في ذلك، فشرع في نقضه يوم الجمعة خامس عشرين جمادى الأولى، وشرعوا في عمارته يوم الأحد تاسع عشر جمادى الآخرة، وعمل محراب فيما بين باب الزيادة ومقصورة الخطابة يضاهي محراب الصحابة، ثم
جدوا ولازموا في عمارته، وتبرع كثير من الناس بالعمل فيه من سائر الناس، فكان يعمل فيه كل يوم أزيد من مائة رجل، حتى كملت عمارة الجدار، وأعيدت طاقاته وسقوفه في العشرين من رجب، وذلك بهمة تقي الدين بن مراجل، وهذا من العجب، فإنه نقض الجدار وما يسامته من السقف، وأعيد في مدة لا يتخيل إلى أحد أن عمله يفرغ فيما يقارب هذه المدة جزما، وساعدهم على سرعة الإعادة حجارة وجدوها في أساس الصومعة الغربية التي عند الغزالية، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة كما في الغربية والشرقية القبليتين منه، فأبيدت الشماليتان قديما، ولم يبق منهما من مدة ألوف من السنين سوى أس هذه المئذنة الغربية الشمالية، فكانت من أكبر العون على إعادة هذا الجدار سريعا، ومن العجب أن ناظر الجامع ابن مراجل لم ينقص أحدا من أرباب المرتبات على الجامع شيئا مع هذه العمارة.
وفي ليلة السبت خامس جمادى الأولى وقع حريق عظيم بالفرائين، واتصل بالرماحين، واحترقت القيسارية والمسجد الذي هناك، وهلك للناس شيء كثير من الفراء والجوخ والأقمشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الجمعة عاشره بعد الصلاة صلي على القاضي شمس الدين بن الحريري قاضي قضاة الحنفية بمصر، وصلي عليه صلاة الغائب بدمشق. وفي هذا اليوم قدم البريد بطلب برهان الدين بن عبد الحق الحنفي إلى مصر ليلي القضاء بها
بعد ابن الحريري، فخرج مسافرا إليها، ودخل مصر في خامس عشرين جمادى الأولى، واجتمع بالسلطان، فولاه القضاء، وأكرمه، وخلع عليه، وأعطاه بغلة بزناري، وحكم بالمدرسة الصالحية بحضرة القضاة والحجاب، ورسم له بجميع جهات ابن الحريري.
وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة أخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الكتب، والأوراق، والدواة، والقلم، ومنع من الكتب والمطالعة، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة، قال البرزالي: وكانت نحو ستين مجلدا، وأربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفرقوها بينهم، وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه التقي بن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة، فرد عليه الشيخ تقي الدين واستجهله، وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الأخنائي إلى السلطان وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك، وكان ما كان، كما ذكرنا.
وفي أواخره رسم لعلاء الدين بن القلانسي في الدست مكان أخيه جمال الدين توقيرا لخاطره عن المباشرة، وأن يكون معلومه على قضاء العساكر والوكالة، وخلع عليهما بذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرين رجب رسم للأئمة الثلاثة الحنفي والمالكي
والحنبلي بالصلاة في الحائط القبلي من الجامع الأموي، فعين المحراب الجديد الذي بين الزيادة والمقصورة للإمام الحنفي، وعين محراب الصحابة للمالكي، وعين محراب مقصورة الخضر الذي كان يصلي فيه المالكي للحنبلي، وعوض إمام محراب الصحابة بالكلاسة، وكان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة المعروفة بهم، ومحراب الحنابلة من خلفهم في الرواق الثالث الغربي - وكانا بين الأعمدة - فنقلت تلك المحاريب، وعوضوا بالمحاريب المستقرة بالحائط القبلي، واستقر الأمر كذلك.
وفي العشرين من شعبان مسك الأمير تمرتاش بن جوبان الذي أتى هاربا إلى السلطان الناصر بمصر وجماعة من أصحابه، وحبسوا بقلعة مصر، فلما كان ثاني شوال أظهر موته، يقال: إنه قتله السلطان، وأرسل رأسه إلى بو سعيد صاحب العراق ابن خربندا ملك التتار.
وفي يوم الاثنين ثاني شوال خرج الركب الشامي وأميره فخر الدين بن محمد بن الأمير شمس الدين لؤلؤ الحلبي أحد أمراء دمشق، وقاضيه قاضي قضاة الحنابلة عز الدين بن التقي سليمان.
وممن حج الأمير حسام الدين البشمقدار، والأمير قبجق، والأمير حسام الدين بن النجيبي، وتقي الدين بن السلعوس، وبدر الدين بن الصائغ، وابنا
جهبل، والفخر المصري، والشيخ علم الدين البرزالي، وشهاب الدين الظاهري.
وقبل ذلك بيوم حكم القاضي المنفلوطي الذي كان حاكما ببعلبك بدمشق نيابة عن شيخه قاضي القضاة علاء الدين القونوي، وكان مشكور السيرة، تألم أهل بعلبك لفقده، فحكم بدمشق عوضا عن القونوي بسبب عزمه على الحج، ثم لما رجع الفخر من الحج عاد إلى الحكم، واستمر المنفلوطي يحكم أيضا، فصاروا ثلاثة نواب: ابن جملة، والفخر المصري، والمنفلوطي.
وسافر القاضي معين الدين بن الحشيش في ثاني عشرين شوال إلى القاهرة لينوب عن القاضي فخر الدين كاتب المماليك إلى حين رجوعه من الحجاز، فلما وصل ولي حجابة ديوان الجيش، واستمر هناك، واستقل قطب الدين ابن شيخ السلامية بنظر الجيش بدمشق على عادته.
وفي شوال خلع على أمين الملك بالديار المصرية، وولي نظر الدواوين، فباشره شهرا ويومين، وعزل عنه.
** [وفاة الشيخ تقي الدين ابن تيمية] **
ذكر وفاة الشيخ تقي الدين ابن تيمية
قال الشيخ علم الدين البرزالي في " تاريخه ": وفي ليلة الاثنين العشرين من
ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ القدوة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسا فيها، وحضر جمع كثير إلى الغاية إلى القلعة، فأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل، وقرءوا القرآن، وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، وحضر جماعة من النساء ففعلوا مثل ذلك ثم انصرفوا، واقتصر على من يغسله، فلما فرغ من ذلك أخرج وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى الجامع، وامتلأ الجامع وصحنه، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات، إلى اللبادين والفوارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك، ووضعت في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصلي عليه أولا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام، ثم صلي عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الظهر، وحمل من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك، وصار النعش على الرءوس، تارة يتقدم وتارة يتأخر، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام، وكان المعظم من الأبواب الأربعة باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل، وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، وحمل إلى مقبرة الصوفية، فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله، رحمهما الله،
وكان دفنه وقت العصر أو قبلها بيسير، وغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس أو من عجز لأجل الزحام، وحضرها نساء كثير بحيث حزرن بخمسة عشر ألفا، وأما الرجال فحزروا بستين ألفا وأكثر إلى مائتي ألف، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، وقيل: إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم، وقيل: إن الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل، دفع فيه مائة وخمسون درهما، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء وتضرع، وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية والبلد، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا، ورئيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه جماعة بقصائد جمة.
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن عبد، والشيخ شمس الدين الحنبلي، والقاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وابن أبي بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم،
والفخر علي، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير، وقرأ بنفسه الكثير، وطلب الحديث، وكتب الطباق والأثبات، ولازم السماع بنفسه مدة سنين، ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيا كثير المحفوظ، فصار إماما في التفسير وما يتعلق به، عارفا بالفقه واختلاف العلماء، والأصلين والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون العلمية إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفا به متقنا له، وأما الحديث فكان حافظا له متنا وإسنادا، مميزا بين صحيحه وسقيمه، عارفا برجاله متضلعا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع، كمل منها جملة وبيضت وكتبت عنه، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولكن لم تبيض.
وأثنى عليه وعلى فضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، وابن الزملكاني، وغيرهم.
ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين، وكتب على مصنف له هذه الأبيات:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر
وهذا الثناء عليه وكان عمره نحو الثلاثين سنة، وكان بيني وبينه مودة
وصحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو خمسين سنة، وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة، وحبسه مرات، وأحواله، لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع في هذا الكتاب.
ولما مات كنت غائبا عن دمشق بطريق الحجاز الشريف، وبلغنا خبره بعد موته بأكثر من خمسين يوما لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسف لفقده، رحمه الله تعالى، هذا لفظه في هذا الموضع من " تاريخه ".
ثم ذكر الشيخ علم الدين في " تاريخه " بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتها، وقوله: بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز. ولا شك أن جنازة الإمام أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، والشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله - توفي ببلده دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي انتهوا إليها، هذا مع أنه مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء يذكرون عنه أشياء كثيرة مما ينفر منها أهل الأديان، واتفق وفاته في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها، وتكلم به الحراس على الأبرجة، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل
الأسواق شيئا، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النهار على العادة، وكان نائب السلطنة سيف الدين تنكز في بعض الأماكن يتصيد، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال إلى نائب القلعة، فعزاه فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة وباب القاعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من البلد والصالحية، وجلسوا حوله وهم يبكون ويثنون، وكنت في من حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه وعلى رأسه عمامة بعذبة مغروزة، وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهينا فيها إلى آخر " اقتربت " فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان عبد الله بن المحب، وعبد الله الزرعي الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدآ من أول سورة " الرحمن " حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى.
ثم شرعوا في غسل الشيخ - وخرجت إلى مسجد هناك - ولم يمكث عنده إلا من ساعد في تغسيله، وفيهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة بالرجال، وكذلك ما حولها إلى الجامع، فصلي عليه بدركات القلعة، وضج الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى الجامع، فسلكوا طريق العمادية على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا إلى باب البريد وذلك؛ لأن سويقة باب البريد كانت قد
هدمت لتصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، والخلائق فيه لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة السنة، فتباكى الناس عند سماع ذلك الصارخ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس على غير صفوف، بل مرصوصين لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، وكثروا كثرة لا توصف، فلما أذن الظهر وفرغ من الأذان أقيمت الصلاة على السدة بخلاف العادة ليسرعوا بالناس، فلما فرغوا من صلاة الظهر خرج نائب الخطيب لغيبته بالديار المصرية، فصلى عليه إماما، وهو الشيخ علاء الدين بن الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل، ودعاء وثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين.
وبالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق، اللهم إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس بها كثيرا جدا، ثم دفن عند أخيه قريبا من أذان العصر، ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الضعفاء والمخدرات، وما علمت أحدا من أهل العلم تخلف عن الحضور في جنازته إلا النفر اليسير، وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى المقبرة في الأيام الثلاثة وكل يوم بكرة النهار، ويعود وهو راكب على حماره، وعليه الجلالة والوقار، رحمه الله تعالى.
وعملت له ختمات كثيرة، ورئيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة جدا. وقد أفردت له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم، وسنحصر من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه، وفضائله، وشجاعته، وكرمه، ونصحه، وزهادته، وعبادته، وعلومه الكثيرة المحررة، ومصنفاته الكبار والصغار في العلوم، ومفرداته في الاختيارات التي نصرها وأفتى بها.
وبالجملة كان من كبار العلماء، وممن يصيب ويخطئ، وقد صح في البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» . وقال الإمام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر.
وفي السادس والعشرين من ذي القعدة نقل نائب السلطنة سيف الدين تنكز حواصله وأمواله من دار الذهب داخل باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها، وكانت تعرف بدار فلوس، فسميت دار الذهب، وعزل خزنداره ناصر الدين محمد بن عيسى، وولى مكانه مملوكه أباجي.
وفي هذا الشهر الثاني والعشرين منه، جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى العصر، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئا كثيرا، وغرق سبعة نفر، وهلك للناس شيء كثير من الأموال والغلات والأمتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم، والله أعلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة ألزم القاضي الشافعي الشيخ علاء الدين القونوي جماعة الشهود بسائر المراكز أن يرسلوا في عمائمهم العذبات ليتميزوا بذلك عن عوام الناس، ففعلوا ذلك أياما ثم تضرروا من ذلك، فأرخص لهم في تركها، ومنهم من استمر بها.
وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قيم الجوزية، وكان معتقلا بالقلعة أيضا، من بعد اعتقال الشيخ تقي الدين بأيام من شعبان سنة ست وعشرين إلى هذا الحين.
وجاء الخبر بأن السلطان أفرج عن الجاولي، والأمير فرج بن قراسنقر، ولاجين المنصوري، وأحضروا بعد العيد بين يديه، وخلع عليهم.
وفيه وصل الخبر بموت الأمير الكبير جوبان نائب السلطان بو سعيد على تلك البلاد، ووفاة قراسنقر المنصوري أيضا، كلاهما في ذي القعدة من هذه السنة.
وجوبان هذا هو الذي ساق القناة الواصلة إلى المسجد الحرام، وقد غرم عليها أموالا جزيلة كثيرة، وله تربة بالمدينة النبوية، ومدرسته مشهورة، وله آثار حسنة، وكان جيد الإسلام، له همة عالية، وقد دبر الممالك في أيام بو سعيد مدة طويلة على السداد، ثم أراد بو سعيد مسكه فتخلص من ذلك، كما ذكرنا فيما سلف، ثم إن بو سعيد قتل ابنه خواجا دمشق في السنة الماضية، ففر ابنه الآخر تمرتاش هاربا إلى سلطان مصر، فآواه شهرا، ثم ترددت الرسل بين
الملكين في قتله، فقتله صاحب مصر فيما قيل، وأرسل برأسه إليه، ثم توفي أبوه بعده بقليل، والله أعلم بالسرائر.
وأما قراسنقر المنصوري فهو من جملة كبار أمراء مصر والشام، وكان من جملة من قتل الأشرف خليل بن المنصور، كما تقدم، ثم ولي نيابة مصر مدة، ثم صار إلى نيابة دمشق، ثم إلى نيابة حلب، ثم فر إلى التتار هو والأفرم والزردكاش، فآواهم ملك التتار خربندا وأكرمهم، وأقطعهم بلادا كثيرة، وتزوج قراسنقر بنت هولاكو، ثم كانت وفاته بمراغة، بلده التي كان حاكما بها في هذه السنة، وله نحو تسعين سنة، والله أعلم.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ شيخ الإسلام العلامة تقي الدين ابن تيمية، كما تقدم ذكر ذلك في الحوادث، وسنفرد له ترجمة على حدة، إن شاء الله تعالى. ### $ الشريف العالم الزاهد المحدث أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن العلوي الحسيني الغرافي الإسكندري الشافعي، سمع الكثير، وحفظ " الوجيز " في الفقه، و " الإيضاح " في النحو، وكان زاهدا متقللا من الدنيا، وبلغ تسعين سنة وعقله وعلمه وذهنه ثابت متيقظ، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الجمعة خامس المحرم، ودفن بالإسكندرية بين
الماوين، رحمه الله. ### $ الشمس محمد بن عيسى التدمري، كانت فيه شهامة وصرامة، وكان يكون بين يدي الشيخ تقي الدين ابن تيمية كالمنفذ لما يأمر به وينهى عنه، ويرسله إلى الأمراء وغيرهم في الأمور المهمة، وله معرفة ومروءة، يبلغ رسالته على أتم الوجوه، توفي في الخامس من صفر بالقبيبات، ودفن عند الجامع الكريمي، رحمه الله تعالى. ### $ الشيخ الصالح أبو بكر بن شرف بن محسن بن معن بن عمار الصالحي، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وسمع الكثير صحبة الشيخ تقي الدين ابن تيمية والمزي، وكان ممن يحب الشيخ تقي الدين، وكان معهما كالخادم لهما، وكان فقيرا ذا عيال، يتناول من الزكاة والصدقات ما يقوم بأوده، وأقام في آخر عمره بحمص، وكان فصيحا مفوها، له تعاليق وتصانيف في الأصول وغيرها، وكان له عبادة وفيه خير وصلاح، وكان يتكلم على الناس بعد صلاة الجمعة إلى العصر من حفظه، وقد اجتمعت به غير مرة صحبة شيخنا المزي حين قدم من حمص، فكان قوي العبارة فصيحها، متوسطا في العلم، له ميل إلى التصوف والكلام في الأحوال، والأعمال، والقلوب، وغير ذلك، وكان يكثر
ذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية، توفي بحمص في الثاني والعشرين من صفر من هذه السنة، وقد كان الشيخ يحض الناس على الإحسان إليه، وكان يعطيه ويرفده. ### $ ابن الدواليبي البغدادي، الشيخ الصالح العالم العابد الرحلة المسند المعمر عفيف الدين، أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار البغدادي الأزجي الحنبلي، المعروف بابن الدواليبي، شيخ دار الحديث المستنصرية، ولد في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الكثير، وله إجازات عالية، واشتغل بحفظ " الخرقي "، وكان فاضلا في النحو وغيره، وله شعر حسن، وكان رجلا صالحا، جاوز التسعين، وصار رحلة العراق، وتوفي يوم الخميس رابع عشرين جمادى الأولى، ودفن بمقبرة الإمام أحمد في مقابر الشهداء، رحمه الله، وقد أجازني فيمن أجاز من مشايخ بغداد، ولله الحمد. ### $ قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري الحنفي، ولد سنة ثلاث وخمسين، وسمع الحديث، واشتغل، وقرأ
" الهداية "، وكان فقيها جيدا، ودرس بأماكن كثيرة بدمشق، ثم ولي القضاء بها، ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية، فباشر بها مدة طويلة، محفوظ العرض، لا يقبل من أحد هدية، ولا تأخذه في الحكم لومة لائم، وكان يقول: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن؟ وقال لبعض أصحابه: أتحب الشيخ تقي الدين؟ قال: نعم. قال: والله لقد أحببت شيئا مليحا. توفي رحمه الله يوم السبت رابع جمادى الآخرة ودفن بالقرافة، وكان قد عين لمنصبه القاضي برهان الدين بن عبد الحق، فنفذت وصيته بذلك، وأرسل إليه إلى دمشق فأحضر، فباشر الحكم بعده وجميع جهاته. ### $ الشيخ الإمام العالم المقرئ شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام تقي الدين محمد بن جبارة بن عبد الولي بن جبارة المقدسي المرداوي الحنبلي، شارح " الشاطبية "، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الكثير، وعني بفن القراءات فبرز فيه، وانتفع الناس به، وقد أقام بمصر مدة، واشتغل بها على القرافي في أصول الفقه، وتوفي بالقدس رابع رجب، رحمه الله، كان يعد من الصلحاء الأخيار، سمع عن خطيب مردى وغيره. ### $ ابن العاقولي البغدادي، الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو محمد
عبد الله بن محمد بن علي بن حماد بن ثابت الواسطي العاقولي، ثم البغدادي الشافعي، مدرس المستنصرية مدة طويلة، نحوا من أربعين سنة، وباشر نظر الأوقاف، وعين لقضاء القضاة في وقت، ولد ليلة الأحد عاشر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وبرع، واشتغل، وأفتى من سنة سبع وخمسين إلى أن مات، وذلك مدة إحدى وسبعين سنة، وهذا شيء غريب جدا، وكان قوي النفس، له وجاهة في الدولة، فكم كشف كربة عن الناس بسعيه وقصده، توفي ليلة الأربعاء رابع عشرين من شوال، وقد جاوز التسعين سنة، ودفن بداره، وقد كان قد أوقفها على شيخ وعشرة صبيان يسمعون القرآن ويحفظونه، وأوقف عليها أملاكه كلها، تقبل الله منه ورحمه، ودرس بعده بالمستنصرية قاضي القضاة قطب الدين. ### $ الشيخ الصالح العالم العابد التاجر البار شمس الدين محمد بن داود بن محمد بن منتاب السلامي البغدادي، أحد ذوي اليسار، وله بر تام بأهل العلم، ولا سيما أصحاب الشيخ تقي الدين، وقد أوقف كتبا كثيرة، وحج مرات، توفي ليلة الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة بعد وفاة الشيخ تقي الدين بأربعة أيام، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة، ودفن بباب الصغير، رحمه
الله، وأكرم مثواه. ### $$ وفي هذه الليلة توفيت الوالدة مريم بنت فرج بن مفرج بن علي، من قرية كان الوالد خطيبا بها - وهي مجيدل القرية - سنة ثلاث وسبعمائة، وصلي عليها بعد الجمعة، ودفنت بالصوفية شرقي قبر الشيخ تقي الدين ابن تيمية، رحمها الله تعالى.