Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 801 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
استهلت بيوم الأربعاء، والخليفة المستكفي منفي ببلاد قوص ومعه أهله وذووه ومن يلوذ به، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور، ولا نائب بديار مصر ولا وزير، ونائبه بدمشق تنكز، وقضاة البلاد ونوابها ومباشروها هم المذكورون في التي قبلها.
وفي ثالث ربيع الأول رسم السلطان بتسفير علي ومحمد ابني داود بن سليمان بن داود بن العاضد آخر خلفاء الفاطميين إلى الفيوم يقيمون به.
وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر عزل القاضي علم الدين بن القطب من كتابة السر، وضرب وصودر، ونكب بسببه القاضي فخر الدين المصري، وعزل عن مدرسته الدولعية، وأخذها ابن جملة، والعادلية الصغيرة، وباشرها ابن النقيب، ورسم عليه بالعذراوية مائة يوم، وأخذ شيء من ماله.
وفي ليلة الأحد ثالث عشرين ربيع الأول بعد المغرب هبت ريح شديدة بمصر وأعقبها رعد وبرق وبرد بقدر الجوز وهذا شيء لم يشاهدوا مثله من أعصار متطاولة بتلك البلاد.
وفي عاشر جمادى الأولى استهل الغيث بمكة من أول الليل، فلما انتصف الليل جاء سيل عظيم هائل لم ير مثله من دهر طويل، فخرب دورا كثيرة نحوا من ثلاثين أو أكثر، وغرق جماعة، وكسر أبواب المسجد، ودخل الكعبة، وارتفع فيها نحوا من ذراع أو أكثر، وجرى أمر عظيم، حكاه الشيخ عفيف الدين المطري.
وفي سابع عشرين من جمادى الأولى عزل القاضي جلال الدين القزويني عن قضاء مصر، واتفق وصول خبر موت قاضي الشام ابن المجد بعد أن عزل بيسير، فولاه السلطان قضاء الشام، فسار إليها راجعا عودا على بدء، ثم عزل السلطان برهان الدين بن عبد الحق قاضي الحنفية، وعزل قاضي الحنابلة تقي الدين، ورسم على ولده صدر الدين بأداء ديون الناس إليهم، وكانت قريبا من ثلاثمائة ألف. فلما كان يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة بعد سفر جلال الدين بخمسة أيام طلب السلطان أعيان الفقهاء إلى بين يديه، فسألهم عمن يصلح للقضاء بمصر، فوقع الاختيار على القاضي عز الدين بن جماعة، فولاه في الساعة الراهنة، وولى قضاء الحنفية لحسام الدين حسن بن محمد الغوري البغدادي قاضي بغداد، وخرجا من بين يديه إلى المدرسة الصالحية، وعليهما الخلع، ونزل عز الدين بن جماعة عن دار الحديث الكاملية لصاحبه الشيخ عماد الدين الدمياطي، فدرس فيها، وأورد حديث: «إنما الأعمال
بالنيات» بسنده، وتكلم عليه، وعزل نواب الحكم، واستمر بالمناوي الذي أشار بتوليته.
ولما كان يوم خامس عشرين منه ولي قضاء الحنابلة الإمام العالم موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك المقدسي، عوضا عن المعزول، ولم يبق من القضاة سوى الأخنائي المالكي.
وفي رمضان فتحت الصبابية التي أنشأها شمس الدين بن تقي الدين بن الصباب التاجر دار قرآن ودار حديث، وقد كانت خربة شنيعة قبل ذلك.
وفي رمضان باشر علاء الدين علي ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله كتابة السر بمصر، بعد وفاة أبيه، كما ستأتي ترجمته، وخلع عليه وعلى أخيه بدر الدين، ورسم لهما أن يحضرا مجلس السلطان، وذهب أخوه شهاب الدين إلى الحج.
وفي هذا الشهر سقط بالجانب الغربي من مصر برد كالبيض وكالرمان، فأتلف شيئا كثيرا. ذكر ذلك البرزالي، ونقله من كتاب الشهاب الدمياطي.
وفي ثالث عشرين رمضان درس بالقبة المنصورية بمشيخة الحديث شهاب الدين العسجدي، عوضا عن زين الدين الكتاني، توفي، فأورد حديثا من
" مسند الشافعي " بروايته عن الجاولي بسنده، ثم صرف عنها في ذي الحجة بالشيخ أثير الدين أبي حيان، فساق حديثا عن شيخه ابن الزبير، ودعا للسلطان، وحضر القضاة والأعيان، وكان مجلسا حافلا.
وفي ذي القعدة حضر تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب، عوضا عن القاضي جمال الدين بن جملة، توفي، وحضر عنده خلق كثير من الفقهاء والأعيان.
وفي ثاني ذي الحجة درس بالعادلية الصغيرة تاج الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، عوضا عن ابن النقيب بحكم ولايته الشامية البرانية، وحضر عنده القضاة والأعيان.
وفي هذا الشهر درس صدر الدين ابن القاضي جلال الدين بالأتابكية، وأخوهما الخطيب بدر الدين بالغزالية والعادلية نيابة عن أبيه.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان ### $ الأمير الكبير بدر الدين محمد بن فخر الدين عيسى بن التركمان باني جامع المقياس بديار مصر في أيام وزارته بها، ثم عزل عنها أميرا إلى الشام، ثم رجع إلى مصر فتوفي بها في خامس ربيع الآخر، ودفن بالحسينية، وكان مشكورا.
### $ الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أحمد بن البرهان، شيخ الحنفية بحلب، شارح " الجامع الكبير "، وكان رجلا صالحا منقطعا عن الناس، وانتفع الناس به، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثامن والعشرين من رجب، وكانت له معرفة بالقرآن، والقراءات، والعربية، ومشاركات في علوم أخر، رحمه الله. ### $ قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن المجد عبد الله بن الحسين بن علي الزرزاري الإربلي الأصل، ثم الدمشقي الشافعي، قاضي قضاة الشافعية بدمشق، ولد سنة ثنتين وستين وستمائة، واشتغل، وبرع، وحصل، وأفتى سنة ثلاث وتسعين، ودرس بالإقبالية، ثم الرواحية، وتربة أم الصالح، وولي وكالة بيت المال، ثم صار قاضي قضاة الشام إلى أن توفي في مستهل جمادى الأولى بالمدرسة العادلية، ودفن بمقابر باب الصغير، رحمه الله. ### $ الشيخ الإمام العالم زين الدين محمد بن عبد الله بن الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد بن المرحل، مدرس الشامية البرانية والعذراوية بدمشق، وكان قبل ذلك بمشهد الحسين، وكان فاضلا بارعا، فقيها أصوليا
مناظرا، حسن الشكل، طيب الأخلاق، حسن التدريس، دينا صينا، وناب في وقت عن الأخنائي في الحكم، فحمدت سيرته، توفي ليلة الأربعاء تاسع عشر رجب، ودفن من الغد عند مسجد الذبان في تربة لهم هناك، وحضر جنازته خلق كثير، والقاضي جلال الدين، وكان قدم من مصر له يومان، وقدم بعده ابن عبد الحق بخمسة أيام هو وأهله وأولاده، وباشر بعده تدريس الشامية البرانية ابن جملة، توفي بعده بشهور، وذلك يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة; وهذه ترجمته في تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي. ### $ توفي الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم بن جملة بن مسلم بن تمام بن حسين بن يوسف الصالحي الشافعي المحجي والده - بالمدرسة المسرورية، وصلي عليه عقيب الظهر يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة، ودفن بسفح قاسيون، ومولده في أوائل سنة ثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن البخاري وغيره، وحدث، وكان رجلا فاضلا في فنون، اشتغل، وحصل، وأفتى، وأعاد، ودرس، وله فضائل جمة ومباحث
وفوائد، وهمة عالية، وحرمة وافرة، وفيه تودد وإحسان وقضاء للحقوق، وولي القضاء بدمشق نيابة واستقلالا، ودرس بمدارس كبار، ومات وهو مدرس الشامية البرانية، وحضر جنازته خلق كثير من الأعيان، رحمه الله. ### $ الشيخ الإمام شيخ الإسلام قاضي القضاة شرف الدين أبو القاسم هبة الله ابن قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم ابن القاضي شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله الجهني الحموي، المعروف بابن البارزي، قاضي القضاة بحماة، صاحب التصانيف الكثيرة المفيدة في الفنون العديدة، ولد في خامس رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الكثير، وحصل فنونا كثيرة، وصنف كتبا كثيرة جمة، وكان حسن الأخلاق، كريم المحاضرة، حسن الاعتقاد في الصالحين، وكان معظما عند الناس، وأذن لجماعة من الطلبة في الإفتاء، وعمي في آخر عمره وهو يحكم مع ذلك مدة، ثم نزل عن المنصب لحفيده نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم، وهو مع ذلك لا يقطع نظره عن المنصب، توفي ليلة الأربعاء العشرين من ذي القعدة بعد أن صلى العشاء والوتر، فلم تفته فريضة ولا نافلة، وصلي عليه من الغد، ودفن
بعقبة بعرين، وله من العمر ثلاث وتسعون سنة، رحمه الله. ### $ القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر، هو أبو المعالي يحيى بن فضل الله بن المجلي بن دعجان بن خلف العدوي العمري، ولد في حادي عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة بالكرك، وسمع الحديث وأسمعه، وكان صدرا كبيرا معظما في الدولة في حياة أخيه شرف الدين وبعده، وكتب السر بالشام وبمصر، توفي ليلة الأربعاء تاسع رمضان بمصر، ودفن من الغد بالقرافة، وتولى المنصب بعده ولده القاضي علاء الدين، وهو أصغر أولاده الثلاثة المعينين بهذا المنصب. ### $ الشيخ الإمام العلامة زين الدين بن الكتاني، شيخ الشافعية بمصر، وهو أبو حفص عمر بن أبي الحرم بن عبد الرحمن بن يونس الدمشقي الأصل، ولد بالقاهرة في حدود سنة ثلاث وخمسين وستمائة، واشتغل
بدمشق، ثم رحل إلى مصر واستوطنها، وتولى بها بعض الأقضية بالحكر، ثم ناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فحمدت سيرته، ودرس بمدارس كبار، وولي مشيخة دار حديث بالقبة المنصورية، وكان بارعا فاضلا، عنده فوائد جمة كثيرة جدا، غير أنه كان سيئ الأخلاق، منقبضا عن الناس، لم يتزوج قط، وكان حسن الشكل، بهي المنظر، يأكل الطيبات، ويلبس اللين من الثياب، وله فوائد وزوائد على " الروضة " وغيرها، وكان فيه استهتار ببعض العلماء، فالله يسامحه، توفي يوم الثلاثاء نصف رمضان، ودفن بالقرافة، رحمه الله. ### $ الشيخ الإمام العلامة ركن الدين بن القوبع، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الجليل القرشي الهاشمي الجعفري التونسي المالكي، المعروف بابن القوبع، كان من أعيان الفضلاء وسادة الأذكياء، وممن جمع الفنون الكثيرة، والعلوم الغزيرة الدينية الشرعية والطبية، وكان مدرسا بالمنكوتمرية وله وظيفة في المارستان
المنصوري، وبها توفي في بكرة السابع عشر من ذي الحجة عن أربع سنين، وترك مالا وأثاثا كثيرا ورثه بيت المال.
قلت: فهذا آخر ما أرخه شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيل به على " تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة "، وقد كانت وفاة البرزالي في العام القابل وهو محرم بمنزلة خليص، وقد ذيلت على " تاريخه " رحمه الله إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها، آمين.