Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة والأمور العظام يوم القيامة] — تتمة ٥
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 836 of 840
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن إبراهيم المهراني، حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، حدثنا الحارث بن محمد، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا» ". ثم مال: إسناده ضعيف بمرة.
وقد رواه الحافظان البزار، وابن أبي الدنيا، عن إسماعيل بن أبي الحارث، عن داود بن المحبر، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، وجعفر بن زيد، زاد البزار: ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك، - يرفعه، بنحوه. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا مالك بن مغول، عن عبيد الله بن العيزار، قال؟ عند الميزان ملك إذا وزن العبد نادى: ألا إن فلان ابن فلان ثقلت موازينه، وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، ألا إن فلان ابن فلان خفت موازينه، وشقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا يوسف بن صهيب، حدثنا موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، عن حذيفة، قال: صاحب الميزان يوم القيامة جبريل، يرد بعضهم على بعض، ولا ذهب يومئذ ولا فضة. قال: فيؤخذ من حسنات الظالم، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم، فردت على الظالم.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن العباس بن محمد، حدثنا عبد الله بن صالح العجلي، حدثنا أبو الأحوص، قال: افتخرت قريش عند سلمان، فقال سلمان: لكني خلقت من نطفة قذرة، ثم أعود جيفة منتنة، ثم يؤتى بي إلى الميزان، فإن ثقلت فأنا كريم، وإن خفت فأنا لئيم. قال أبو الأحوص: تدري من أي شيء يخاف؟ إذا ثقلت ميزان عبد نودي في مجمع فيه الأولون والآخرون: ألا إن فلان ابن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإذا خفت ميزانه نودي على رءوس الخلائق: ألا إن فلان ابن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا.
وقال البيهقي: حدثنا أبو الحسن علي بن أبي علي السقاء، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا يونس بن
محمد، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في حديث الإيمان، قال: «يا محمد، ما الإيمان، قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: " نعم ". قال: صدقت» . وقال شعبة: عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: للناس عند الميزان تجادل وزحام.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو نصر التمار، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: يوضع الميزان وله كفتان، لو وضع في إحداهما السماوات والأرض وما فيهن لوسعتها، فتقول الملائكة: يا ربنا من يزن بهذا؟ فيقول تعالى: من شئت من خلقي. فيقولون: ربنا، ما عبدناك حق عبادتك.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، في قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] . قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه، ويجاء بشيء مثل الغمامة، أو مثل السحاب كثرة فيوضع في كفة أخرى في ميزانه، فيرجح، فيقال: أتدري ما هذا؟ هذا العلم
الذي تعلمته، وعلمته الناس، فعلموه وعملوا به بعدك.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذاك عن ابن مسعود، قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ثم قرأ: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} [المؤمنون: 102]
[المؤمنون: 102، 103] . ثم قال؟ إن الميزان يخف بمثقال حبة من خردل أو يرجح.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن سفيان، حدثنا السهمي، حدثنا عباد بن شيبة، عن سعيد بن أنس، عن الحسن، قال: يعتذر الله يوم القيامة إلى آدم ثلاث معاذير، يقول: يا آدم، لولا أني لعنت الكاذبين، وأبغض الكذب والخلف، لرحمت ذريتك اليوم من شدة ما أعددت لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي وعصى أمري، لأملأن جهنم منهم أجمعين. ويا آدم، اعلم أني لا أعذب بالنار أحدا من ذريتك، وأدخل النار أحدا منهم إلا من قد علمت في علمي أنه لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان عليه، ولن يرجع. ويا آدم، أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرجع إليك من أعمالهم، فمن رجح خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة، حتى تعلم أني لا أعذب إلا كل ظالم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن يوسف بن الصباح، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا كان يوم القيامة قامت ثلة من الناس، يسدون الأفق، نورهم كنور الشمس، فيقال: للنبي الأمي. فيتحسس لها كل نبي، فيقال: محمد وأمته. ثم تقوم ثلة أخرى تسد ما بين الأفق، نورهم كنور القمر ليلة البدر، فيقال: للنبي الأمي. فيتحسس لها كل نبي، فيقال: محمد وأمته. ثم تقوم ثلة أخرى، نورهم مثل كل كوكب في السماء، فيقال: للنبي الأمي. فيتحسس لها كل نبي، فيقال: محمد وأمته. ثم يجيء الرب تعالى، فيقول: هذا لك مني يا محمد، وهذا لك مني يا محمد. ثم يوضع الميزان، ويؤخذ في الحساب» ".
[إنكار المعتزلة للميزان والرد عليهم]
** فصل (إنكار المعتزلة للميزان والرد عليهم) **
وقد نقل القرطبي عن بعضهم أن الميزان له كفتان عظيمتان، لو وضعت السماوات والأرض في كل واحدة منهما لوسعتها، فأما كفة الحسنات فنور، وأما الأخرى فظلمة، وهو منصوب بين يدي العرش، وعن يمينه الجنة، وكفة النور من ناحيتها، وعن يساره جهنم، وكفة الظلمة من ناحيتها.
قال: وقد أنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: الأعمال أعراض لا جرم لها،
فكيف توزن قال: وقد روي عن ابن عباس: أن الله يخلق الأعراض أجساما، فتوزن. قال: والصحيح أنه توزن كتب الأعمال. قلت: قد تقدم ما يدل على الأول، وعلى الثاني، وعلى أن العامل نفسه يوزن مع عمله.
قال القرطبي: وقد روي عن مجاهد، والضحاك، والأعمش، أن الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقال: هذا الكلام في وزن هذا.
قلت: لعل هؤلاء إنما فسروا هذا عند قوله تعالى: {والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} [الرحمن: 7]
[الأعراف: 8] . {ومن خفت موازينه} [الأعراف: 9] . وهذا إنما يكون لشيء محسوس.
قال القرطبي: فالميزان حق، وليس هو في حق كل أحد، بدليل قوله تعالى. {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} [الرحمن: 41] . وقوله صلى الله عليه وسلم: " «فيقول الله: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب» ".
قلت: وقد تواترت الأخبار في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لكن يلزم من هذا أن لا توزن أعمالهم، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقد توزن أعمال الشهداء، وإن كانت راجحة; لإظهار شرفهم وفضلهم على رءوس الأشهاد، والتنويه بسعادتهم ونجاتهم، وإن كانوا لا حساب عليهم. وأما الكفار فتوزن أعمالهم، وإن لم يكن لهم حسنات تنفعهم يقابل بها كفرهم، فإن حسناتهم - ولو بلغت ما بلغت - لا تقابل كفرهم ولا توازنه، وهي غير نافعة لهم، فتوزن لإظهار شقائهم وتوبيخهم وفضيحتهم على رءوس الأشهاد. وقد جاء في الحديث: " «إن الله لا يظلم أحدا حسنة، أما الكافر فيطعمه بحسناته في الدنيا، حتى يوافي الله وليس له حسنة يجزيه بها» ".
وقد ذكر القرطبي في " التذكرة " أن الكافر قد يوافي يوم القيامة بصدقة وصلة رحم وعتق، فيخفف الله عنه بذلك من عذابه، واستشهد بقضية أبي طالب حين جعله الله في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، وفي هذا نظر; إذ قد يكون هذا خاصا به; لأجل حياطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته له، كما سقي أبو لهب في النقرة التي هي في ظهر الإبهام بسبب عتاقته ثويبة التي أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل القرطبي على ذلك بعموم قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} [الأنبياء: 47] الآية [الأنبياء: 47] .
قلت: وقصارى هذه الآية العموم، فيخص من ذلك الكافرون، وقد «سئل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان،: ذكر له أنه كان يقري الضيف، ويطعم الجائع، ويصل الرحم، ويعتق، فهل ينفعه ذلك؟ قال: " لا; إنه لم يقل يوما من الدهر: لا إله إلا الله» ". وفي رواية: " لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وقال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] . وقال عن أعمال الكفار: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39] .
[الحكم فيمن ثقلت حسناته على سيئاته بحسنة أو بحسنات]
** فصل (الحكم فيمن ثقلت حسناته على سيئاته بحسنة أو بحسنات) **
قال القرطبي وغيره: من ثقلت حسناته على سيئاته، ولو بصؤابة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أثقل ولو بصؤابة دخل النار، إلا أن يعفو الله سبحانه عنه، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف. وروي مثل هذا عن ابن مسعود، رضي الله عنه.
قلت: يشهد له قوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] لكن ما الحكم فيمن ثقلت حسناته على سيئاته بحسنة أو بحسنات؟ هل يدخل الجنة فيرتفع في
درجاتها بجميع حسناته، وتكون قد أحبطت السيئات التي وازنتها وقابلتها؟ أو يرتفع بما بقي له من الحسنات الراجحة على السيئات، وتكون السيئات قد أسقطت ما وازنها من الحسنات، فأبطلتها؟ وكذلك إذا رجحت سيئاته على حسناته بسيئة أو بسيئات، هل يعذب في النار بجميع سيئاته، أو بما رجح على حسناته من سيئاته؟
** [ذكر العرض على الله عز وجل يوم القيامة وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عز وجل عباده] **
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر العرض على الله عز وجل يوم القيامة وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عز وجل عباده
قال الله تعالى: {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 48]
[الزمر: 69] إلى آخر السورة، وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} [الأنعام: 94] الآية. [الأنعام: 94] وقال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون} [يونس: 28] . إلى قوله تعالى: {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} [الأنعام: 130] الآية [الأنعام 128 - 130] . وقال تعالى: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18]
[الحاقة: 18] . والآيات في هذا كثيرة جدا، وسيأتي في كل موطن ما يتعلق به من آيات القرآن.
وتقدم في " صحيح البخاري " عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] » [الأنبياء: 104] . وعن عائشة وأم سلمة وغيرهما نحو ما تقدم.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبو نصر التمار، حدثنا عقبة الأصم، عن الحسن، قال: سمعت أبا موسى الأشعري، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ; فعرضتان جدال ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حسابا يسيرا، دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار ".»
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا علي بن علي بن رفاعة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعندها تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» . وكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، به.
والعجب أن الترمذي روى هذا الحديث عن أبي كريب، عن وكيع، عن علي بن علي، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله، ثم قال الترمذي: ولا يصح هذا؛ من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. قال: وقد رواه بعضهم عن علي بن علي، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: الحسن قد روى له البخاري عن أبي هريرة مقرونا بغيره.
وقد وقع في " مسند الإمام أحمد " التصريح بسماع الحسن من أبي هريرة، فالله أعلم. وقد يكون الحديث عنده عن أبي موسى، وأبي هريرة، والله أعلم.
وأما الحافظ البيهقي فرواه من طريق مروان الأصفر، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، من قوله مثله سواء. وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك
أنه أنشد في ذلك شعرا:
وطارت الصحف في الأيدي منشرة ... فيها السرائر والجبار مطلع
فكيف سهوك والأنباء واقعة ... عما قليل ولا تدري بما تقع
إما الجنان وفوز لا انقطاع له ... أو الجحيم فلا تبقي ولا تدع
تهوي بساكنها طورا وترفعهم ... إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا
طال البكاء فلم يرحم تضرعهم ... فيها ولا رقة تغني ولا جزع
لينفع العلم قبل الموت عالمه ... قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا} [الانشقاق: 6]
[الانشقاق: 6 - 15] .
قال البخاري في " صحيحه ": حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا عبد الله بن أبي مليكة، حدثني القاسم بن محمد، حدثتني عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك ". فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه} [الانشقاق: 7]
[الانشقاق: 7، 8] ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا
عذب» . أشار إلى أن الله تعالى لو ناقش العباد في حسابه لهم، لعذبهم كلهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح ويغفر، ويستر في الدنيا والآخرة، كما في حديث ابن عمر في النجوى: «يدني الله العبد يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه، ثم يقرره بذنوبه، حتى إذا ظن أنه قد هلك، قال الله تعالى: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» .
** فصل: **
قال الله تعالى: {فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} [الواقعة: 6] الآيات [الواقعة: 6 - 12] . فإذا نصب كرسي فصل القضاء انماز الكافرون عن المؤمنين في الموقف إلى ناحية الشمال، وبقي المؤمنون عن يمين العرش، ومنهم من يكون بين يديه، قال الله تعالى: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] . وقال تعالى: {ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} [يونس: 28] الآية [يونس: 28] ، وقال تعالى: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28] . فالخلق كلهم قيام لرب العالمين بين يديه، والعرق قد غمر أكثرهم، وبلغ الجهد منهم كل مبلغ، والناس فيه بحسب الأعمال، كما تقدم في الأحاديث، خاضعين، صامتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه تعالى، ولا يتكلم يومئذ إلا الأنبياء والرسل، حولهم أممهم، وكتاب الأعمال قد اشتمل على عمل الأولين والآخرين، موضوع لا يغادر
صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، مما كان يعمل الخلق وأحصاه الله ونسوه وكتبته عليهم الحفظة، كما قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} [القيامة: 13]
[الإسراء: 13، 14] . قال الحسن البصري: لقد أنصفك يا بن آدم، من جعلك حسيب نفسك. والميزان منصوب لوزن أعمال الخير والشر، والصراط قد مد على متن جهنم، والملائكة محدقون ببني آدم وبالجن، وقد برزت الجحيم، وأزلفت دار النعيم، وتجلى الرب سبحانه لفصل القضاء بين عباده، وأشرقت الأرض بنور ربها، وقرئت الصحف، وشهدت على بني آدم الملائكة بما فعلوا، والأرض بما عملوا على ظهرها، فمن اعترف منهم، وإلا ختم على فيه، ونطقت جوارحه بما عمل بها في أوقات عمله، من ليل أو نهار.
وقال تعالى عن الأرض: {يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة: 4] الآيات إلى قوله: {فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 23]
[النور: 24، 25] ، وقال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} [يس: 65] إلى قوله: {ولا يرجعون} [يس: 67]
[طه: 111، 112] . أي لا ينقص من حسناته شيء، وهو الهضم، ولا يحمل عليه من سيئات غيره، وهو الظلم.
** [فصل أول ما يقضي الله تعالى بينهم من المخلوقات الحيوانات] **
فصل (فصل: أول ما يقضي الله تعالى بينهم من المخلوقات الحيوانات)
فأول ما يقضي الله تعالى بينهم من المخلوقات الحيوانات، قبل الإنس والجن، وهما الثقلان ; فالإنس ثقل والجن ثقل، والدليل على حشر الحيوانات يوم القيامة قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام: 38] . وقال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} [التكوير: 5] .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عباس بن محمد، وأبو يحيى البزاز، قالا: حدثنا حجاج بن نصير، حدثنا شعبة، عن العوام بن مراجم، من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجماء لتقص من القرناء يوم القيامة» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، عن شعبة: سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها» . وهذا إسناد على شرط مسلم، ولم يخرجوه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض، حتى للجماء من القرناء، وحتى للذرة من الذرة» . تفرد به أحمد.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدثنا عبيد الله بن محمد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن الهزيل بن شرحبيل، عن أبي ذر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا وشاتان تعتلفان، فنطحت إحداهما الأخرى، فأجهضتها، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: " عجبت لها، والذي نفسي بيده ليقادن لها يوم القيامة» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان،
هو الأعمش، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ح) وأبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن منذر بن يعلى، عن أشياخه، عن أبي ذر، فذكر معناه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: " يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ " قال: لا. قال: " لكن الله تعالى يدري، وسيقضي بينهما» . وهذا إسناد جيد حسن. قال القرطبي: ورواه شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله.
قال القرطبي: وروى ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن الهزيل، عن أبي ذر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاتين تنتطحان، فقال: " ليقضين الله يوم القيامة لهذه الجلحاء من هذه القرناء» . قال: وذكر ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، أن أبا سالم الجيشاني حدثه أن ثابت بن طريف استأذن على أبي ذر، فسمعه رافعا صوته يقول: أما والله لولا يوم الخصومة لسوأتك. فدخلت، فقلت: ما شأنك يا أبا ذر؟ فقال: هذه. قلت: وما عليك أن تضربها؟ فقال: أما والذي نفسي بيده - أو قال: والذي نفس محمد بيده - لتسألن الشاة فيم نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيم نكب أصبع الرجل.
وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، إنه ليختصم الخلق يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ابن علية، حدثنا أبو حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين
أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك» . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي حيان، واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي، به.
وتقدم في حديث أبي هريرة: «ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر، فتطؤه بأخفافها، كلما مرت عليه أخراها ردت عليه أولاها» . وذكر تمام الحديث في البقر والغنم. فهذه الأحاديث مع الآيات فيها دلالة على حشر الحيوانات كلها.
وتقدم في حديث الصور: «فيقضي الله تعالى بين خلقه إلا الثقلين ; الإنس والجن، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه ليقيد الجماء من ذات القرن، حتى إذا فرغ الله من ذلك، فلم يبق لواحدة تبعة عند أخرى، قال الله تعالى لها: كوني ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: {يا ليتني كنت ترابا} [النبأ: 40] »
[النبأ: 40] .
وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، أنبأنا جعفر بن سليمان: سمعت أبا عمران الجوني يقول: حدثت أن البهائم إذا رأت بني آدم يوم القيامة وقد تصدعوا من بين يدي الله عز وجل ; صنفا إلى الجنة، وصنفا إلى النار، أن البهائم تناديهم: الحمد لله يا بني آدم، الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم، فلا جنة نرجو، ولا عقاب نخاف.
وذكر القرطبي، عن أبي القاسم القشيري في " شرح الأسماء الحسنى " عند قوله: المقسط الجامع. قال: وفي خبر الوحوش والبهائم، تحشر يوم القيامة فتسجد لله سجدة، فتقول الملائكة: ليس هذا يوم سجود، هذا يوم الثواب والعقاب. فتقول البهائم: هذا سجود شكر ; حيث لم يجعلنا الله، عز وجل، من بني آدم. قال: ويقال: إن الملائكة تقول للبهائم: إن الله لم يحشركم لثواب ولا لعقاب، وإنما حشركم تشهدون فضائح بني آدم.
وحكى القرطبي أنها إذا حشرت وحوسبت تعود ترابا، ثم يحثى بها في وجوه فجرة بني آدم، قال: وذلك قوله: {ووجوه يومئذ عليها غبرة} [عبس: 40] . والله سبحانه أعلم، وفيما ذكره نظر.
** [فصل أول ما يقضي الله فيه الدماء] **
قال في حديث الصور: «ثم يقضي الله بين العباد، فيكون أول ما يقضي فيه الدماء» . وهذا هو الواقع يوم القيامة، وهو أنه بعد أن يفرغ الله سبحانه من الفصل بين البهائم، يشرع في القضاء بين العباد، كما قال تعالى: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} [يونس: 47] .
ويكون أول الأمم يقضي بينهم هذه الأمة ; لشرف نبيها صلى الله عليه وسلم وفضلها، كما أنهم أول من يجوز على الصراط، وأول من يدخل الجنة، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ". وفي رواية: " المقضي لهم قبل الخلائق» .
وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين
الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» .
** [ذكر أول ما يقضى بين الناس فيه يوم القيامة ومن يناقش في الحساب ومن يسامح فيه] **
قد تقدم في الحديث: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء» . وفي حديث أبي هريرة: «وحتى للذرة من الذرة» . والمراد بالذرة هاهنا النملة، والله أعلم.
وإذا كان هذا حكم الحيوانات التي ليست مكلفة، فلتخليص الحقوق من الآدميين والجان بعضهم من بعض يوم القيامة أولى وأحرى، وقد ثبت في " الصحيحين "، و " مسند أحمد "، و " سنن الترمذي "، و " النسائي "، و " ابن ماجه "، من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة في الدماء» .
وقد تقدم في حديث الصور «أن المقتول يأتي يوم القيامة تشخب أوداجه
دما - وفي بعض الأحاديث: " ورأسه في يده " - فيتعلق بالقاتل، حتى ولو كان قتله في سبيل الله، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى: لم قتلته؟ فيقول: يا رب: قتلته لتكون العزة لك. فيقول الله تعالى: صدقت. ويقول المقتول ظلما: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لي - وفي رواية: " لتكون العزة لفلان " - فيقول الله تعالى: تعست. ثم يقتص منه لكل من قتله ظلما، ثم يبقى في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه.» وهذا دليل على أن القاتل لا يتعين عذابه في نار جهنم، كما ينقل عن ابن عباس، وغيره من السلف، حتى نقل بعضهم عنه: أن القاتل لا توبة له. وهذا إذا حمل على أن القتل من حقوق الآدميين - وهي لا تسقط بالتوبة - صحيح، وإن حمل على أنه لا بد من عقابه فليس بلازم، بدليل حديث الذي قتل تسعة وتسعين، ثم أكمل المائة، ثم سأل عالما من بني إسرائيل هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ائت بلد كذا وكذا، فإنه يعبد الله تعالى بها فاعبد الله معهم. فلما توجه نحوها، وتوسط بينها وبين التي خرج منها أدركه الموت، فنأى بصدره نحو التي هاجر إليها، فتوفته ملائكة الرحمة. الحديث بطوله، وفي سورة " الفرقان " نص
على قبول توبة القاتل، كما قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب} [الفرقان: 68] الآية [الفرقان: 68 - 70] والتي بعدها، وموضع تقرير هذا في كتاب " الأحكام "، وبالله المستعان.
وقال الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: يجيء المقتول يوم القيامة، فيجلس على الجادة، فإذا مر به القاتل قام إليه، فأخذ بتلابيبه فقال: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: أمرني فلان فيؤخذ الآمر والقاتل، فيلقيان في النار. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لخراب السماوات والأرض - وفي رواية: لزوال الدنيا - أهون على الله من قتل مؤمن» .
وقال في حديث الصور: «ثم يقضي الله تعالى بين خلقه، حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها منه، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه، أن يخلص اللبن من الماء» . وقد قال الله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 161]
[آل عمران: 161] ، وفي " الصحيحين " عن سعيد بن زيد، وغيره، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة» .
وفي " الصحيحين ": «من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» ، وفي رواية: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم» .
وفي " الصحيح: «من تحلم بحلم لم يره كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، وليس بفاعل» . وتقدم حديث أبي هريرة في أمر الغلول، وأن من غل شيئا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، وهو في " الصحيحين " بطوله.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن بكار البصري، ثنا أبو محصن حصين بن نمير، عن حسين بن قيس، عن عطاء، عن ابن عمر، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن
خمس: عن عمرك فيما أفنيت؟ وعن شبابك فيما أبليت؟ وعن مالك ; من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ وما عملت فيما علمت "؟» . وروى البيهقي من طريق عبد الله بن المبارك، عن شريك بن عبد الله، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم، قال: كان عبد الله بن مسعود إذا حدث بهذا الحديث قال: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: يا عبدي، ما غرك بي؟ ماذا عملت فيما علمت؟ ماذا أجبت المرسلين؟
هكذا أورده البيهقي بعد الحديث الذي رواه من طريق محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وليقفن أحدكم بين يدي الله، عز وجل، ليس بينه وبينه حجاب يحجبه، ولا ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أوتك مالا؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أرسل إليك رسولا؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، وينظر عن يساره فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» وقد رواه البخاري في " صحيحه ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، وعفان، قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: كنت آخذا بيد ابن عمر، فجاءه رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ فقال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله سبحانه يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، فيقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكفار والمنافقون ف {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] » وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث قتادة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، حدثنا حماد، حدثنا إسحاق بن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله، عز وجل، يوم القيامة: يا ابن آدم، حملتك على الخيل، والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك "؟» .
وروى مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال فيه: «فيلقى الله تعالى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، أي رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟
فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، أي رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت. ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا ". قال: " ثم يقال: الآن نبعث شاهدنا عليك. فيفكر في نفسه: من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله كائنا ما كان، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه، ثم ينادي مناد: تتبع كل أمة ما كانت تعبد» . وسيأتي الحديث بطوله.
وقد روى البزار عن عبد الله بن محمد الزهري، عن مالك بن سعير بن الخمس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، رفعاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله إلى قوله: " فاليوم أنساك كما نسيتني ".
وروى مسلم، والبيهقي واللفظ له، من حديث سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو، عن عامر الشعبي، عن أنس بن مالك،
قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، وقال: " هل تدرون مم أضحك "؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " من مخاطبة العبد ربه - يعني يوم القيامة - يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا. قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام. قال: فيقول:. بعدا لكن وسحقا! فعنكن كنت أناضل» .
وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا الحسن، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد، وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا. فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ويدخلهم النار» .
وروى أحمد، والبيهقي، من حديث يزيد بن هارون، عن الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «تجيئون يوم القيامة على أفواهكم الفدام، فأول ما يتكلم من ابن آدم فخذه وكفه» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن الوليد بن أبان، حدثنا محمد بن الحسن المخزومي، حدثني عبد الله بن عبد العزيز الليثي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته، والله ما يتكلم لسانها، ولكن يداها ورجلاها، يشهدان عليها بما كانت تغيب لزوجها، وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها، ثم يدعى بالرجل وخدمه مثل ذلك، ثم يدعى بأهل الأسواق، فما يؤخذ منهم دوانيق ولا قراريط، ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظلم، وتدفع سيئات هذا إلى الذي ظلمه، ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد، فيقال: سوقوهم إلى النار. فوالله ما أدري أيدخلونها، أم كما قال الله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 71]
[مريم: 71، 72] » ".
ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح والحسن بن يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يومئذ تحدث أخبارها} [الزلزلة: 4] . قال: " أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا؟ الله ورسوله أعلم. قال: " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ; أن تقول:
عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا. فذلك أخبارها» ".
وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، به، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح.
وروى البيهقي من حديث الحسن البصري، حدثنا صعصعة عم الفرزدق، أنه قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقرأ هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7]
[الزلزلة: 7، 8] فقال: والله لا أبالي أن لا أسمع غيرها، حسبي حسبي» .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عيسى، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المديني، أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا حدثه أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة. فقال: فدنوت منه، حتى
قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أنشدك بحق وحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته. ثم نشغ أبو هريرة نشغة، فمكث طويلا، ثم أفاق، ثم قال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره. ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، فمكث طويلا كذلك، ثم أفاق ثم مسح وجهه، فقال: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره. ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارا على وجهه، وأسندته طويلا، ثم أفاق، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله تعالى للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار. فيقول الله تعالى له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله تعالى: إنما أردت أن يقال: فلان قارئ. فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله تعالى له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب. قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال. كنت
أصل الرحم، وأتصدق. فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله تعالى له: بل أردت أن يقال: فلان جواد. فقد قيل ذلك.
ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له: فيما قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جريء. فقد قيل ذلك ". قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: " يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» ".
قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة أن شفيا - وكان سيافا لمعاوية - دخل على معاوية، فأخبره بحديث أبي هريرة هذا، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا، حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 15]
[هود: 15، 16] .
وهذا الحديث له شاهد صحيح في " صحيح مسلم " من طريق أخرى عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «أول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاثة ; بالعالم والمتصدق والمجاهد، الذين أرادوا بأعمالهم الدنيا» ".
وقال ابن أبي الدنيا: أخبرنا محمد بن عثمان بن معبد، أنبأنا محمد بن بكار بن بلال، قاضي دمشق، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «أول ما يحاسب به الرجل صلاته، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، ثم يقول الله، عز وجل: انظروا هل لعبدي نافلة، فإن كانت له نافلة أتمت بها الفريضة. ثم سائر الفرائض كذلك» ". ورواه الترمذي والنسائي، من حديث همام، عن قتادة. وقال الترمذي: حسن غريب.
ورواه النسائي أيضا، من حديث عمران بن داود أبي العوام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المبارك - هو ابن فضالة - عن الحسن، عن أبي هريرة، أراه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن العبد المملوك ليحاسب بصلاته، فإذا نقص منها قيل: لم نقصت منها؟ فيقول: يا رب، سلطت علي مليكا شغلني عن صلاتي. فيقول: قد رأيتك تسرق من ماله لنفسك، فهلا سرقت
لنفسك من عملك؟ - أو عمله؟ - قال: فيتخذ الله عليه الحجة» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أول ما تسأل عنه المرأة يوم القيامة، عن صلاتها، ثم عن بعلها، كيف فعلت إليه؟» " وهذا مرسل جيد.
وقال أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، قال: حدثنا الحسن، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب، أنا الصلاة. فيقول: إنك على خير. ثم تجيء الصدقة، فتقول: يا رب، أنا الصدقة. فيقول: إنك على خير. ثم يجيء الصيام، فيقول: يا رب، أنا الصيام. فيقول: إنك على خير. ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول: إنك على خير. ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام. فيقول الله، عز وجل: إنك على خير، بك اليوم آخذ، وبك أعطي» . قال الله تعالى في كتابه: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي، حدثنا بقية بن الوليد الكلاعي، حدثنا سلمة بن كلثوم، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «يؤتى بالحكام يوم القيامة ; بمن قصر، وبمن تعدى، فيقول الله:
أنتم خزان أرضي، ورعاة غنمي، وعندكم بغيتي. فيقول للذي قصر: ما حملك على ما صنعت؟ فيقول: الرحمة. فيقول الله جل جلاله.: أنت أرحم بعبادي مني؟! ويقول للذي تعدى: ما حملك على ما صنعت؟! فيقول: غضبت لك. فيقول الله: أنت أشد غضبا مني؟! فيقول الله: انطلقوا بهم، فسدوا بهم ركنا من أركان جهنم» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «لما رجعت مهاجرة الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا تخبروني بأعجب ما رأيتم في أرض الحبشة؟ "، فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائزهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها، فخرت على ركبتيها، وانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه، وقالت: سوف تعلم يا غدر، إذا وضع الله الكرسي لفصل القضاء، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، سوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا. قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدقت، كيف يقدس الله قوما لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم؟» ".
وقد تقدم في حديث عبد الله بن أنيس، «أن الله تعالى ينادي العباد يوم القيامة، فيقول: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده مظلمة» . وذكر الحديث كما تقدم، رواه أحمد، وعلقه البخاري في " صحيحه ".
وقال الإمام مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «من كانت لأخيه عنده مظلمة فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» ". ورواه البخاري، ومسلم.
وروى ابن أبي الدنيا من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أتدرون من المفلس؟ " قالوا: من لا درهم له ولا دينار. فقال: " بل المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقضى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الوليد بن شجاع السكوني أنبأنا القاسم بن مالك المزني، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا تموتن وعليك دين ; فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات، جزاء بجزاء، ولا يظلم ربك أحدا» ". وروي من وجهين آخرين، عن ابن عمر مرفوعا مثله.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا بكر بن يونس بن بكير، عن موسى بن علي بن رباح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إنه ليأتي العبد يوم القيامة، وقد سرته حسناته، فيجيء الرجل فيقول: يا رب، ظلمني هذا، فيؤخذ من حسناته، فيجعل في حسنات الذي سأله، فما يزال كذلك حتى ما تبقى له حسنة، فإذا جاء من يسأله، نظر إلى سيئاته فجعلت مع سيئات الرجل، فلا يزال يستوفى من حسناته، وترد عليه سيئات من ظلمه، فما يزال يستوفى منه حتى يدخل النار» ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" «الدواوين عند الله، عز وجل، ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله ; فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله عز وجل: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} [المائدة: 72] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة» ".
وروى البيهقي من حديث زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس مرفوعا: " «الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وهو الشرك، وظلم يغفره، وهو ظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وظلم لا يترك الله منه شيئا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضا، حتى يدين بعضهم من بعض» ". ثم ساقه من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس، مرفوعا بنحوه، وكلا الطريقين ضعيف.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الله تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء - أو قال: يكفر الذنوب كلها - إلا الأمانة ". قال: " يؤتى
بصاحب الأمانة، فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب، وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية. فيذهب به إليها، فيهوي حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها في نار جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت فهوت، وهوى في إثرها، فهو كذلك أبد الآبدين ". قال: " والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع» ". قال: فلقيت البراء، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ قال: صدق.
قال شريك: وحدثنا عباس العامري، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يذكر الأمانة في الصلاة، والأمانة في كل شيء. إسناده جيد، ولم يروه أحمد، ولا أحد من أصحاب الكتب الستة، وله شاهد من الحديث الذي رواه مسلم. عن أبي سعيد، «أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟ قال: " نعم، إلا الدين» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا محمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، قال: «لما نزلت: {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 30]
[الزمر: 30، 31] ، قال الزبير: يا رسول الله: أيكرر علينا ما
يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: " نعم، ليكررن عليكم، حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه ". فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد» .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا إسحاق بن سليمان، أخبرنا أبو سنان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: الأمم جاثون للحساب، فلهم يومئذ أشد تعلقا بعضهم ببعض منهم في الدنيا، الأب بابنه، والابن بأبيه، والأخت بأخيها، والأخ بأخته، والزوج بامرأته، والمرأة بزوجها. ثم تلا عبد الله: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] .
وقال أبو بكر البزار: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا سعيد بن مسلمة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يؤتى بالمليك والمملوك، والزوج والزوجة، فيحاسب المليك والمملوك، والزوج والزوجة، حتى يقال للرجل: شربت يوم كذا وكذا على لذة. ويقال للزوج: خطبت فلانة مع خطاب فزوجتكها وتركتهم» ". وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عمرو بن حبان مولى بني تميم، حدثنا عبد بن حميد، عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله يدعو العبد يوم القيامة، فيذكره ويعد عليه: دعوتني يوم كذا وكذا فأجبتك.
حتى يعد عليه فيما يعد ; وقلت: يا رب، زوجني فلانة - ويسميها باسمها - فزوجناكها» ". وروي من حديث ليث بن أبي سليم، عن أبي بردة، عن عبد الله بن سلام، موقوفا، بنحوه.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثني الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن العار ليلزم العبد يوم القيامة، حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى من العار. وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب» ". وقد قال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] .
وفي " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما أكل هو وأصحابه في حديقة أبي الهيثم بن التيهان من تلك الشاة التي ذبحت له، وأكلوا من الرطب، وشربوا من ذلك الماء، قال: " هذا من النعيم الذي تسألون عنه» . أي عن القيام بشكره، وماذا عملتم في مقابلة ذلك، كما ورد في الحديث: " «أذيبوا طعامكم بذكر الله، وبالصلاة، ولا تناموا عليه، فتقسو قلوبكم» ". وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا وكيع، أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن ثابت - أو أبي ثابت - أن رجلا دخل مسجد
دمشق، فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، وارزقني جليسا صالحا. فسمعه أبو الدرداء، فقال: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بما قلت منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « {فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] . قال: الظالم الذي يؤخذ منه في مقامه ذلك، وذلك الحزن والغم. {ومنهم مقتصد} [فاطر: 32] . قال: يحاسب حسابا يسيرا. {ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] . قال: يدخل الجنة بغير حساب» . وستأتي الأحاديث فيمن يدخل الجنة بغير حساب، وكم عدتهم.
** [حديث فيه أن الله تعالى يصالح عن عبده الذي له به عناية من ظلمه بما يريه من قصور الجنة ونعيمها] **
قال أبو يعلى: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس، عن أنس، قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر؟ ما أضحكك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي؟ فقال: " رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة، تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب، خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته. قال: يا رب، لم يبق من حسناتي شيء. قال
الله تعالى للطالب: كيف تصنع بأخيك؟ لم يبق من حسناته شيء. قال: يا رب، فليحمل عني من أوزاري ". قال: وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: " إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج فيه الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك، فانظر في الجنان. فرفع رأسه، فقال: يا رب، أرى مدائن من فضة، وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن. قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب، فإني قد عفوت عنه. قال الله تعالى: خذ بيد أخيك، فأدخله الجنة ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم ; فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» ". إسناد غريب، وسياق غريب، ومعنى حسن عجيب.
وقد رواه البيهقي، من حديث عبد الله بن بكر، به، وحكى عن البخاري أنه قال: سعيد بن أنس عن أبيه في المظالم لا يتابع عليه. ثم أورده البيهقي من طريق زياد بن ميمون البصري، عن أنس مرفوعا، بنحوه، وفيه نظر أيضا، وقد يستشهد له بما رواه البخاري في " صحيحه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» ".
وقد روى أبو الوليد الطيالسي، عن عبد القاهر بن السري، ورواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، من حديثه، عن ابن لكنانة بن عباس بن مرداس السلمي، وفي رواية ابن ماجه، عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجابه الله تعالى: " إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا ". فقال: " يا رب، إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم ". فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه الله: " إني قد غفرت لهم ". فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، تبسمت في ساعة لم تكن تبسم فيها؟ فقال: " تبسمت من عدو الله إبليس، إنه لما علم أن الله سبحانه، قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه» ".
قال البيهقي: وهذا العفو يحتمل أن يكون بعد عذاب يمسهم، ويحتمل أن يكون خاصا ببعض الناس، ويحتمل أن يكون عاما في كل أحد.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران
الجوني، عن قيس بن زيد - أو زيد بن قيس - عن قاضي المصرين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة، فيقول: يا بن آدم، فيم أضعت حقوق الناس؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب، لم أفسد، ولكني أصبت، إما غرقا، وإما سرقا. فيقول: أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته، فيؤمر به إلى الجنة» ".
وثبت في " صحيح مسلم "، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي يقول الله عز وجل: " «اعرضوا عليه صغار ذنوبه، واتركوا كبارها. فيقال له: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول؟ لا. وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقول الله تعالى: إنا قد أبدلناك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: يا رب، إني قد عملت ذنوبا لا أراها هاهنا؟ " قال: وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه» .
وتقدم حديث ابن عمر في حديث النجوى: " «يدني الله العبد يوم القيامة، حتى يضع عليه كنفه، ويقرره بذنوبه، حتى إذا ظن أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ويعطى كتاب حسناته بيمينه» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار بن حاتم، أنبأنا جعفر بن سليمان، أنبأنا أبو عمران الجوني، عن أبي هريرة، قال: يدني الله تعالى العبد يوم القيامة، فيضع عليه كنفه ليستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه، في ذلك الستر، فيقول تعالى: " اقرأ يا بن آدم كتابك ". فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويسر بها قلبه، فيقول الله تعالى: " أتعرف يا عبدي؟ " فيقول: نعم، يا رب، أعرف. فيقول: " إني قد تقبلتها منك ". قال: فيخر ساجدا، قال: فيقول الله تعالى: " ارفع رأسك، وعد في قراءة كتابك. فيمر بالسيئة، فتسوءه ويسود لها وجهه، ويوجل منها قلبه، وترعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره، فيقول الله تعالى له: " أتعرف يا عبدي؟ " فيقول: نعم، يا رب، أعرف. فيقول الله سبحانه: " فإني قد غفرتها لك ". " فيخر ساجدا فيقول الله عز وجل: " ارفع رأسك ". فلا يزال في حسنة تقبل، وسيئة تغفر، وسجود عند كل حسنة وسيئة، لا يرى الخلائق منه إلا ذاك السجود، حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط. ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين الله عز وجل، مما قد وقفه عليه.
وقال ابن أبي الدنيا: وقال أبو ياسر عمار بن نصر: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، أو غيره، قال: من أوتي كتابه بيمينه أتي
بكتاب في باطنه سيئاته، وفي ظاهره حسناته، فيقال له: اقرأ كتابك. فيقرأ باطنه، فيساء بما فيه من سيئاته، حتى إذا أتى على آخرها قرأ فيه: " هذه سيئاتك، وقد سترتها عليك في الدنيا، وغفرتها لك اليوم ". ويغبطه بها الأشهاد - أو قال: أهل الجمع - مما يقرءون في ظاهر كتابه من حسناته، ويقولون: سعد هذا. ثم يؤمر بتحويله، وقراءة ما في ظاهره، فيحوله، ويبدل الله عز وجل ما كان في باطنه من سيئاته، فيجعلها الله حسنات، ويقرأ حسناته حتى يأتي على آخرها، ثم يقول: " هذه حسناتك، قد قبلتها منك ". فعند ذلك يقول لأهل الجمع: {هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه} [الحاقة: 19]
[الحاقة: 25 - 29] .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج - والبذج ولد الشاة - فيقول له ربه عز وجل: أين ما خولتك؟ أين ما ملكتك؟ أين ما أعطيتك؟ فيقول: يا رب، جمعته وثمرته، وتركته أكثر ما كان.
فيقول: ما قدمت منه؟ فلا يرى قدم شيئا، فيطلب من الله الرجعة إلى الدنيا وليس براجع إلى الدنيا أبدا» ".
وحدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبد الله بن عثمان، أنبأنا ابن المبارك، أخبرنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، وقتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه، وزاد فيه: " «فيقول: يا رب أرجعني آتك به كله. فإذا أعيد لم يقدم شيئا، فيمضى به إلى النار» ". ثم ساقه من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقد قال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} [الأنعام: 94] .
وفي " صحيح مسلم ": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت "، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس ". وقال تعالى: {يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد} [البلد: 6]
[البلد: 6، 7] .»
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا سيف بن محمد، ابن أخت سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن عدي بن عدي، عن الصنابحي، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ; عن عمره: فيم أفناه؟ وعن جسده: فيم أبلاه؟
وعن علمه: ما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟» " وقد تقدم عن ابن مسعود نحوه. وروي عن أبي ذر قريب منه، والله أعلم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الغضور بن عتيق، عن مكحول، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يا عويمر، يا أبا الدرداء، كيف بك إذا قيل لك يوم القيامة: علمت أو جهلت؟ فإن قلت: علمت. قيل لك: فماذا عملت فيما علمت؟ وإن قلت: جهلت. قيل: فماذا كان عذرك فيما جهلت؟ ألا تعلمت» " وقد روي من وجه آخر موقوفا " على أبي الدرداء، رضي الله عنه، فالله أعلم.
** [فصل ما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم] **
قال البخاري، رحمه الله: باب ما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم. ثم أورد حديث عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يرفع لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان» ".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، ومحمد بن بكار، قالا: حدثنا هشيم، عن داود بن عمرو، وعن عبد الله بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم» ".
وقال البزار: حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، حدثني أبي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «تقيء الأرض أفلاذ كبدها، فيمر السارق، فيقول؟ في هذا قطعت يدي. ويجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت. ويجيء قاطع الرحم، فيقول: في هذا قطعت رحمي. ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» ".
** [فصل حال الناس عند أخذ الكتاب يوم القيامة] **
قال الله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] . وقال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة} [القيامة: 22]
[عبس: 38 - 42] . وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [يونس: 26]
[يونس 26، 27] .
وقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، ومحمد بن عثمان بن كرامة، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} [الإسراء: 71] .
قال: " يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا. فيأتيهم، فيقول: أبشروا، فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد له في جسمه، فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من هذا، ومن شر هذا، اللهم لا تأتنا به. فيأتيهم، فيقولون: اللهم أخزه. فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» ". ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي الدنيا، عن العباس بن محمد، عن عبيد الله بن موسى العبسي، به.
وروى أبو داود من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله ". قالوا: يا رسول الله، فخبرنا من هم؟ قال: " هم قوم تحابوا بروح الله سبحانه على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن لوجوههم لنورا، وإنهم لعلى كراسي من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ": وقرأ هذه الآية: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} [يونس: 62]
[يونس: 62 - 64] .»
وروى ابن أبي الدنيا، عن بعض السلف، وهو الحسن البصري، أنه قال: إذا قال الله تعالى للملائكة: {خذوه فغلوه} [الحاقة: 30] . ابتدره سبعون ألف ملك، فتسلك السلسلة من فيه، فتخرج من دبره، فينظم في السلسلة كما ينظم الخرز في الخيط، ويغمس في النار غمسة، فيخرج عظاما، فتقعقع، ثم تسجر تلك العظام في النار، ثم يعاد غضا طريا.
وقال بعضهم: إذا قال الله: خذوه. ابتدره أكثر من ربيعة ومضر. وعن معتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه قال: لا يبقى شيء إلا ذمه، فيقول: أما
ترحمني؟ فيقول: كيف أرحمك، ولم يرحمك أرحم الراحمين؟! .
** [فصل ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة] **
قال ابن ماجه في الرقائق ; باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «إن لله مائة رحمة، قسم منها رحمة بين جميع الخلائق، فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها تعطف الوحش على أولادها، وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» ".
ورواه مسلم، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل
الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار» ". انفرد به البخاري من هذا الوجه.
ثم قال ابن ماجه: حدثنا أبو غريب، وأحمد بن سنان، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «خلق الله، يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، فجعل في الأرض منها رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والبهائم بعضها على بعض، والطير، وأخر تسعا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة» ". انفرد به، وهو على شرط " الصحيحين ".
ثم أورد ابن ماجه ما أخرجاه في " الصحيحين " من طرق عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الله كتب كتابا يوم خلق السماوات والأرض: إن رحمتي تغلب غضبي» ". وفي رواية: " سبقت غضبي ". وفي رواية: " فهو موضوع عنده على العرش ". وفي رواية: " فوق العرش ". وكلها روايات صحيحة.
وقد قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] . وقال: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] الآية: [الأعراف: 156] . {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر: 7] . هذا إخبار من الملائكة عن الله سبحانه أنه وسع كل شيء رحمة وعلما. وقال: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام: 147]
[الأنعام: 147] .
ثم أورد ابن ماجه حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال له: " «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ". ثم قال: " أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» ". وهو ثابت في " صحيح البخاري "، من طريق الأسود بن هلال، وأنس بن مالك، عن معاذ.
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سهيل بن عبد الله، أخو حزم القطعي، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ - أو تلا - هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} [المدثر: 56] . قال: " قال الله تعالى: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله آخر، فمن اتقى أن يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له» ".
وقال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إبراهيم بن أعين، حدثنا إسماعيل بن يحيى الشيباني، عن عبد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فمر بقوم فقال: " من القوم؟ " قالوا: نحن المسلمون. وامرأة تحصب تنورها، ومعها ابن لها، فإذا ارتفع وهج
التنور تنحت به، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أنت رسول الله؟ قال: " نعم ". قالت: بأبي أنت وأمي، أليس الله بأرحم الراحمين؟ قال: " بلى ". قالت: أوليس الله أرحم بعباده من الأم بولدها؟ قال: " بلى ". قالت: إن الأم لا تلقي ولدها في النار. فأكب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، ثم رفع رأسه إليها، فقال: " إن الله، عز وجل، لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد، الذي يتمرد على الله، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله» ". إسناده فيه ضعف، وسياقه فيه غرابة.
وقد قال تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} [الليل: 15]
[القيامة: 31، 32] .
وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: «قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى، فإذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها، فأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: " أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: " لله
أرحم بعباده من هذه بولدها» ".
ورواه مسلم عن حسن الحلواني، ومحمد بن سهل بن عسكر، كلاهما عن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسان محمد بن مطرف، به. وفي رواية: " «والله لله أرحم بعباده من هذه بولدها» ".
ثم قال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا عمرو بن هاشم، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يدخل النار إلا شقي ". قيل: يا رسول الله، ومن الشقي؟ قال: " من لم يعمل لله بطاعة، ولم يترك له معصية» ". وفى إسناده ضعف أيضا.
وفى " صحيح مسلم " من حديث أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل، إلى كل مسلم يهوديا، أو نصرانيا، فيقول: هذا فكاكك من النار» ". وفي رواية: " «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه إلى النار يهوديا أو نصرانيا» ". قال:
فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحلف له.
وفي رواية لمسلم أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» ".
وقال ابن ماجه: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في السجود، فيسجدون له طويلا، ثم يقال: ارفعوا رءوسكم، قد جعلنا عدتكم فداءكم من النار» ".
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه، الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه» ".
** [ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب] **
قال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا ابن فضيل، حدثنا حصين (ح) وحدثنا أسيد بن زيد، حدثنا هشيم، عن حصين، قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: حدثني ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «عرضت علي الأمم، فأجد النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت، فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم، ولا عذاب. قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ". فقام إليه عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: " اللهم اجعله منهم ". ثم قام إليه رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: " سبقك بها عكاشة» ".
ورواه مسلم، عن سعيد بن منصور، عن هشيم به، بنحوه، وهو أطول من هذا.
ثم أورد البخاري ومسلم أيضا من طريق يونس، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وقال فيه: ثم قام رجل من الأنصار، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: " سبقك بها عكاشة ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «سألت ربي، عز وجل، فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدت فزادني مع كل ألف سبعين ألفا، فقلت: أي رب، إن لم يكن هؤلاء مهاجري أمتي؟ قال: إذن أكملهم لك من الأعراب» ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل، عن زياد المخزومي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أول زمرة من أمتي يدخلون الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم، صورة كل رجل
منهم على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب في السماء، ثم هم بعد ذلك منازل» ".
ثم رواه أحمد، عن حسن، عن ابن لهيعة، عن أبي يونس سليم بن جبير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما تقدم.
وكذا رواه أحمد، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وفيه ذكر عكاشة.
ورواه الطبراني من حديث إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة، كما سيأتي.
** حديث آخر: **
قال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا، أو سبعمائة ألف - شك في أحدهما - متماسكين آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على ضوء القمر ليلة البدر» ".
وقد رواه البخاري ومسلم، عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، به.
** حديث آخر: **
قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي، حدثني بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، وقلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي، عز وجل، فزادني مع كل واحد سبعين ألفا» ". قال أبو بكر، رضي الله عنه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى، ومصيب من حافات البوادي.
** حديث آخر: **
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري الأمم بالموسم، فراثت عليه أمته، قال: " فأريت أمتي، فأعجبني كثرتهم، قد ملئوا السهل والجبل، فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ". فقال عكاشة: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا له، ثم قام - يعني آخر - فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: " سبقك بها عكاشة» ". قال الحافظ الضياء: هذا عندي على شرط مسلم.
** طريق أخرى عنه: **
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر،
عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود، قال: «أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ثم غدونا عليه، فقال: " عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي ليس معه أحد، حتى مر علي موسى معه كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: هذا أخوك موسى، معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي؟ فقيل لي: انظر عن يمينك. فنظرت، فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال، ثم قيل لي: انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت: رضيت يا رب، رضيت يا رب. فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فدى لكم أبي وأمي، إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفا فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم ناسا يتهاوشون ". فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله لي يا رسول الله، أن يجعلني من السبعين ألفا. فدعا له، فقام رجل آخر، فقال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال: " قد سبقك بها عكاشة ". قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟
قوم ولدوا في الإسلام، لم يشركوا بالله شيئا، حتى ماتوا؟ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» ".
** حديث آخر: **
قال الطبراني: حدثنا محمد بن محمد الجذوعي، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب ". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: " هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» ".
ورواه مسلم عن يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان، عن هشام بن حسان، به، وعنده ذكر عكاشة، وليس عنده في هذه الرواية: " يتطيرون ".
وقال الحافظ الضياء: وقد روي عن عمران من غير طريق.
** حديث آخر: **
قال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم. فذكر حديثا، وفيه: " «فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك» ". وذكر بقيته.
ورواه مسلم، من حديث روح، فلم يرفعه. وقد روى البزار عن عمر بن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن جده، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو الذي قبله سواء.
** حديث آخر: **
قال البزار: حدثنا محمد بن مرداس، حدثنا مبارك، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «سبعون ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» ".
** حديث آخر: **
قال البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا، مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا» ". وهذا يحتمل أن يكون مع كل واحد من الألوف، ويحتمل أن يكون مع كل واحد من
الآحاد، وهو أشمل وأكثر. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس - أو عن النضر بن أنس، عن أنس - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف ". فقال أبو بكر، رضي الله عنه: زدنا يا رسول الله. قال: " وهكذا ". وجمع كفيه. فقال: زدنا يا رسول الله. قال: " وهكذا ". فقال عمر: حسبك يا أبا بكر. فقال أبو بكر: دعني يا عمر، وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا؟! فقال عمر: إن الله إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر» ".
** طريق أخرى عنه: **
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، حدثنا حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا ". قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: " لكل رجل سبعون ألفا ". قالوا: زدنا يا رسول الله. وكان على كثيب، فحثا بيده، قالوا: زدنا يا رسول الله. فقال: " وهكذا ". وحثا بيده. قالوا: يا نبي الله، أبعد الله من دخل النار بعد هذا» .
قال الحافظ الضياء: لا أعلمه روي عن أنس إلا بهذا الإسناد. وقد سئل ابن معين عن عبد القاهر، فقال: صالح.
** حديث آخر غريب: **
قال الطبراني: حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، ومحمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، قالا: حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة ". فقال عمير: يا رسول الله، زدنا. فقال " وهكذا ". بيده. فقال عمير: يا رسول الله، زدنا. فقال عمر: حسبك يا عمير. فقال: ما لنا ولك يا ابن الخطاب، وما عليك أن يدخلنا الله تعالى الجنة؟ فقال عمر: إن الله تعالى إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر» ".
قال الحافظ الضياء: لا أعرف لعمير حديثا غيره.
** حديث آخر: **
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش، سمعت محمد بن زياد يحدث عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم (ح) وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسين بن إسحاق التستري قالا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني محمد بن زياد، قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعين ألفا، لا حساب
عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل» ". واللفظ لابن أبي شيبة، وليس عند الطبراني: " مع كل ألف سبعين ألفا ".
** طريق أخرى عنه: **
قال أبو بكر بن أبي عاصم: حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، وأبي اليمان الهوزني، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ". قال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذبان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإن الله قد وعدني سبعين ألفا، مع كل ألف سبعين ألفا، وزادني ثلاث حثيات» ".
قال الضياء: رجاله رجال الصحيح إلا الهوزني، واسمه عامر بن عبد الله بن لحي، وما علمت فيه جرحا.
** حديث آخر: **
قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي، أنه سمع عتبة بن عبد السلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب،
ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي تعالى بكفيه ثلاث حثيات " فكبر عمر، وقال: إن السبعين الأولى يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في أحد الحثيات الأواخر» .
قال الحافظ الضياء: لا أعلم بهذا الإسناد علة، والله أعلم.
** حديث آخر: **
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام - يعني الدستوائي - حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، أن رفاعة الجهني حدثه، قال: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد، أو قال: بقديد. فذكر حديثا فيه: ثم قال: " وعدني ربي، عز وجل، أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم، ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة» ".
ورواه يعقوب بن سفيان، عن آدم بن أبي إياس، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، به. قال الحافظ الضياء: هذا عندي على شرط الصحيح، والله سبحانه أعلم.
** حديث آخر: **
قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق
الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن ربي وعدني من أمتي سبعين ألفا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفا» ".
** حديث آخر: **
قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر، أن قيسا الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن ربي، عز وجل، وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه» ".
قال قيس: فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بأذني، ووعاه قلبي. قال أبو سعيد: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وذلك إن شاء الله يستوعب مهاجري أمتي، ويوفي الله بقيته من أعرابنا ".
قال الطبراني: لم يرو عن أبي سعيد الأنماري إلا بهذا الإسناد، تفرد به
معاوية بن سلام.
وقال الحافظ الضياء: وقد رواه محمد بن سهل بن عسكر، عن أبي توبة الربيع بن نافع، بإسناده، قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ أربعة آلاف ألف ألف وتسعمائة ألف، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك إن شاء الله يستوعب مهاجري أمتي ".
** حديث آخر: **
قال البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ". فقام عكاشة فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: " اللهم اجعله منهم ". فقال رجل آخر: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: " اللهم اجعله منهم ". فسكت القوم، ثم قال بعضهم لبعض: لو قلنا: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنا منهم. قال: " سبقكم بها عكاشة وصاحبه، أما إنكم لو قلتم لقلت، ولو قلت لوجبت» ".
** حديث آخر: **
رواه البيهقي في كتاب " البعث والنشور "، من حديث
الضحاك بن نبراس، حدثني ثابت بن أسلم البناني، عن أبي يزيد المديني، عن عمرو بن حزم الأنصاري، قال: «تغيب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، لا يخرج إلا لصلاة مكتوبة، ثم يرجع، فلما كان يوم الرابع خرج إلينا، فقلنا: يا رسول الله، احتبست عنا، حتى ظننا أنه قد حدث حدث؟ فقال: " إنه لم يحدث إلا خير، إن ربي عز وجل، وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم، وإني سألت ربي في هذه الثلاثة الأيام المزيد، فوجدت ربي واجدا ماجدا كريما، فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا ". قال: " قلت: يا رب، وتبلغ أمتي هذا؟ قال: أكمل لك العدد من الأعراب» ". الضحاك هذا قد تكلموا فيه، وقال النسائي: متروك. وتقدم في أحاديث الحوض من حديث سعيد، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل، وفيه: " «وبشرني أن معي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب» ". رواه أحمد.
وذكر ابن الأثير في ترجمة عامر بن عمير، وكان قد شهد حجة الوداع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إني وجدت ربي ماجدا، أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، مع كل واحد سبعون ألفا. فقلت: إن أمتي لا تبلغ هذا؟ فقال: أكملهم لك من الأعراب» ". قال: رواه ثابت البناني، عن أبي يزيد المدني عنه.
** حديث آخر: **
قال الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثنا أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن الله منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة، جميعها يخبطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء» ".
** [ذكر كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير ففريق في الجنة وفريق في السعير] **
قال الله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} [مريم: 39] . وقال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون} [الروم: 14]
[الروم: 43] . وقال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} [الجاثية: 27] الآيات إلى قوله: {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين} [الجاثية: 31]
[الجاثية: 27 - 31] إلى آخر السورة. وقال تعالى: {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} [الزمر: 70]
[هود 105 - 108] . وقال تعالى: {وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى: 7] . وقال تعالى: {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} [التغابن: 9]
[مريم: 85، 86] . وقال تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 106]
[آل عمران: 106، 107] .
والآيات في هذا كثيرة جدا، ولنذكر من الأحاديث ما يناسب هذا المقام، وهي مشتملة على مقاصد كثيرة غير هذا الفصل، وسنشير إليها.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عثمان العجلي، حدثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن القاسم بن الوليد، في قوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} [النازعات: 34] . قال: حين سيق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.
** إيراد الأحاديث في ذلك: **
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سعيد وعطاء بن يزيد، أن أبا هريرة أخبرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (ح) . وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: «قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب "؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: " هل تضارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب "؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: " فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا
جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأكون أول من يجيز. ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفيه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: " فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله عز وجل، فتخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل، ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرجه، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء، يقال له: ماء الحياة. فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار. فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟ فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره. فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا
رب، قربني إلى باب الجنة. فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك! يا بن آدم، ما أغدرك! فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟ فيقول: لا، وعزتك، لا أسألك غيره. فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب، أدخلني الجنة. فيقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك يا بن آدم، ما أغدرك! . فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك. فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له: تمن من كذا. فيتمنى، ثم يقال له: تمن من كذا. فيتمنى، حتى تنقطع به الأماني، فيقول: هذا لك، ومثله معه ". قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا. قال: وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئا من حديثه، حتى إذا انتهى إلى قوله: " هذا لك ومثله معه ". قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هذا لك وعشرة أمثاله ". قال أبو هريرة: ما حفظت إلا: " ومثله معه» ".
وهكذا رواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، به، وزاد: فقال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " ذلك لك وعشرة أمثاله "، وهذا الإثبات من أبي سعيد مقدم على ما لم يحفظه أبو هريرة، حتى ولو نفاه أبو هريرة قدمنا إثبات أبي سعيد، لما معه من زيادة الثقة المقبولة، لا سيما وقد تابعه غيره من الصحابة، كابن مسعود، كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: «قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: " هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ " قلنا: لا. قال: " فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما ". قال: " ثم ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى لا يبقى إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرا ابن الله. فيقال لهم: كذبتم ; لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا. قال: فيقال: اشربوا. فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فيقال: ما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا. فيتساقطون فيها حتى لا يبقى إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يجلسكم وقد ذهب الناس؟! فيقولون: إن لنا إلها كنا نعبده، فارقنا الناس، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا
يعبدون. وإنا ننتظر ربنا، عز وجل ". قال: " فيأتيهم الجبار، سبحانه، في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا؟ ولا يكلمه يومئذ إلا الأنبياء، فيقال: هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم ". قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: " مدحضة مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفة تكون بنجد، يقال لها: السعدان. المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم، من المؤمنين يومئذ للجبار، إذا رأوا أنهم قد نجوا، في إخوانهم، يقولون: ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا. فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوهم. ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه. فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه.
فيخرجون من عرفوا ". قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرءوا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء: 40] . " فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار، عز وجل: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة، فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة. فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه. فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» ".
وقال مسلم: حدثنا عبيد الله بن سعيد، وإسحاق بن منصور، كلاهما عن روح، قال عبيد الله: حدثنا روح بن عبادة القيسي، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود، فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا - انظر: أي ذلك فوق الناس - قال: فتدعى الأمم
بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم، ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم ; منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، فيشفعون، حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا، وعشرة أمثالها معها.
وقال مسلم: حدثنا محمد بن طريف بن خليفة البجلي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يجمع الله سبحانه الناس، فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟! لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله ". قال: " فيقول إبراهيم: لست
بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما. فيأتون موسى. فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه. فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى محمد. فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم، فيقوم ويؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق ". قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: " ألم تروا إلى البرق، كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب، سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا ". قال: " وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة، تأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار ". والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفا» .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يحشر الله تعالى الأمم في صعيد واحد، فإذا أراد أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يقحمونهم النار، ثم يأتينا ربنا ونحن في مكان رفيع، فيقول: ما أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون. فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا. فيقول: هل تعرفونه
إن رأيتموه؟ فنقول: نعم. فيقول: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ فنقول: إنه لا عدل له. فيتجلى لنا ضاحكا، فيقول: أبشروا معشر المسلمين ; فإنه ليس منكم أحد إلا قد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا» ".
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عبد الصمد وعفان، عن حماد بن سلمة، به مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، ولكن روى مسلم من حديث سعيد بن أبي بردة وعون بن عبد الله بن عتبة، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا» ".
** [فصل في ذكر الصراط غير ما ذكر آنفا من الأحاديث الصحيحة] **
ثم ينتهي الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط - وهو جسر على جهنم - كما تقدم عن عائشة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: " هم في الظلمة دون الجسر ". وفي هذا الموضع يميز المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم وبينهم بسور يمنعهم من الوصول
إليهم، كما قال تعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 12] » [التحريم: 8] .
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني في كتاب " الأفراد ": حدثنا محمد بن مخلد بن حفص، ومحمد بن أحمد المطيري، قالا: حدثنا محمد بن حمزة بن زياد الطوسي، حدثنا أبي، حدثنا قيس بن الربيع، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «جهنم محيطة بالدنيا، والجنة من ورائها ; ولذلك صار الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة» ". ثم قال: غريب من حديث مجاهد، عن ابن عمر، لم يروه عن عبيد المكتب، غير قيس، وتفرد به حمزة بن زياد، عنه.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، والحسن بن يعقوب، وإبراهيم بن عصمة، قالوا: حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني، حدثنا المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، «عن عبد الله بن مسعود، قال: " يجمع الله الناس يوم القيامة فينادي مناد: يا أيها الناس، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم من كان يتولى في الدنيا؟ قال: فيمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر، ويبقى أهل الإسلام جثوما، فيقال لهم: ما لكم لم تنطلقوا، كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا ربا ما رأيناه بعد. قال: فيقال: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه. قيل: وما هي؟ قالوا: فيكشف عن ساق. قال: فيكشف عند ذلك عن ساق. قال: فيخر من كان يعبده ساجدا، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون. قال: ثم يؤمرون فيرفعون رءوسهم، فيعطون نورهم على قدر أعمالهم. قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة،
إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام. قال: فيمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دحض مزلة. قال: فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ومنهم من يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار. قال: فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا ".
قال مسروق: فما بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث إلا ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لقد حدثت بهذا الحديث مرارا، كلما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت؟! فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه مرارا، فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك، حتى تبدو لهواته، ويبدو آخر ضرس من أضراسه، لقول الإنسان: أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر» .
قال البيهقي: هكذا وجدته في كتابي. وقد رواه غيره، فذكر آخر من يدخل الجنة، وقوله تعالى له: " يا بن آدم، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ قال ابن مسعود: فيقول الله سبحانه: " لا، ولكني على ذلك قادر ".
وقد أورده البيهقي بعد هذا من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، فذكره موقوفا.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «الصراط كحد الشفرة، أو كحد السيف، وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات، وإن جبريل، عليه السلام، لآخذ بحجزتي، وإني لأقول: يا رب سلم سلم، فالزالون، والزالات يومئذ كثير» ".
وروى البيهقي من حديث سعيد بن زربي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، مرفوعا نحو ما تقدم بأبسط منه، وإسناده ضعيف، ولكن يتقوى بما قبله. والله أعلم.
وقال الثوري: عن حصين، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم، وسيماكم، وحلاكم، ونجواكم، ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان، هذا نورك، يا فلان، لا نور لك. وقرأ: {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} [الحديد: 12] وقال الضحاك:
ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم، كما طفئ نور المنافقين، فقالوا: {ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} [التحريم: 8] .
وقال إسحاق بن بشر أبو حذيفة: حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نورا، وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون والمنافقات للمؤمنين: {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] . وقال المؤمنون: {ربنا أتمم لنا نورنا} [التحريم: 8] . فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا» ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي، أنبأنا يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن مسعود، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير، يحدث أنه سمع أبا الدرداء، وأبا ذر يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «أنا
أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم ". فقال له رجل: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ قال: " أعرفهم، محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم ووجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وذريتهم» ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، وحدثني سليم بن عامر، قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلي على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل، تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله سبحانه، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من أمر الله، فتبيض وجوه، وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر، فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق، فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] ولا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى
ببصر البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} [الحديد: 13] وهى خدعة الله، سبحانه، التي خدع بها المنافقين، حيث قال تعالى: {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئا، فينصرفون إليهم، وقد ضرب بينهم بسور له باب {باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] الآية. يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المؤمن والمنافق.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج، عن أبي أمامة، قال: تبعث ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن، ولا كافر، يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين على قدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون، فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم.
وقال الحسن وقتادة، في قوله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] . قالا: هو حائط بين الجنة والنار. وقال ابن أسلم " هو الذي قال الله تعالى: {وبينهما حجاب} [الأعراف: 46] . وهذا هو الصحيح، وما روي عن عبد الله بن عمرو، وكعب
الأحبار، عن كتب الإسرائيلين، أنه سور بيت المقدس. فضعيف جدا، فإن كان أراد المتكلم بهذا ضرب مثال، وتقريب المغيب بالمشاهد، فقريب، ولعله مرادهما. والله أعلم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الربيع بن ثعلب، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مطعم بن المقدام الصنعاني وغيره، عن محمد بن واسع قال: «كتب أبو الدرداء إلى سلمان: يا أخي، إياك أن تجمع من الدنيا ما لا تؤدي شكره، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله عز وجل، فيها، وماله بين يديه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله: امض، فقد أديت حق الله تعالى في ". قال: " ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها، وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: ألا أديت حق الله تعالى في؟ فلا يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور» ".
وعن عبيد بن عمير أنه كان يقول: أيها الناس، إنه جسر مجسور، أعلاه دحض مزلة، مر الأول فنجا، ومر الآخر، فناج ومخدوش، والملائكة على جنبات الجسر يقولون: رب سلم سلم. قال: وإن الصراط مثل السيف، على
جسر جهنم، وإن عليه كلاليب وحسكا، والذي نفسي بيده، إن تلك الكلاليب والحسك لأعرف بالمارين عليها ومن تأخذه منهم ومن تخدشه، من الرجل بصاحبه وصديقه، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. رواه ابن أبي الدنيا.
وعن سعيد بن أبي هلال، قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة، وهو الجسر، يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وبعض الناس مثل الوادي الواسع. رواه ابن أبي الدنيا، وهذا الكلام صحيح إن شاء الله.
وقال غيره: بلغني أن الصراط إنما يراه أدق من الشعر، وأحد من السيف الهالك الذي ليس بناج، ويكون على بعض الناس أوسع من القاع والميدان المتسع، يمضي عليه كيف شاء. وقال ابن أبي الدنيا أيضا: حدثنا الخليل بن عمرو، حدثنا ابن السماك، الواعظ الزاهد، قال: بلغني أن الصراط ثلاثة آلاف سنة؟ ألف سنة يصعد الناس عليه، وألف يستوي الناس على ظهره، وألف سنة يهبط الناس.
وقال آخر: من وسع على نفسه الصراط في الدنيا، ضاق عليه صراط الآخرة، ومن ضيق على نفسه الصراط في الدنيا، اتسع له الصراط في الآخرة.
وقال أيضا: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شريك، عن أبي قتادة، عن
سالم بن أبي الجعد، قال: إن لجهنم ثلاث قناطر ; قنطرة عليها الأمانة، وقنطرة عليها الرحم، وقنطرة الله عليها، وهى المرصاد، فمن نجا من هاتين لم ينج من هذه. ثم قرأ: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] .
وقال عبيد الله بن العيزار: يمد الصراط يوم القيامة بين الأمانة والرحم، وينادي مناد: ألا من أدى الأمانة، ووصل الرحم فليمض آمنا غير خائف. رواه ابن أبي الدنيا.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الفضيل بن عياض قال: بلغني أن الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف استواء على ظهره، وخمسة نزول، وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف، على متن جهنم، لا يجوزه إلا كل ضامر مهزول من خشية الله، سبحانه. ثم يبكي الفضيل، رحمه الله.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن إدريس، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام، حدثني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة، قال: «دخلت على عائشة، وبيني وبينها حجاب، فقلت: إن في نفسي حاجة لم أجد أحدا يشفيني منها. فقالت: ممن أنت؟ قلت: من كندة. قالت: من أي الأجناد أنت؟ قلت: من أهل حمص. قالت: ماذا حاجتك؟ قلت: أحدثك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأتي عليه
ساعة يوم القيامة لا يملك لأحد فيها شفاعة؟ قالت: نعم، لقد سألته عن هذا، وأنا وهو في شعار واحد، فقال: " نعم، حين يوضع الصراط لا أملك لأحد شيئا حتى أعلم أين يسلك بي، وحين تبيض وجوه وتسود وجوه، حتى أنظر ما يفعل بي، وعند الجسر حتى يستحد ويستحر ". قلت: وما يستحد ويستحر؟ قال: " يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجيز لا يضره، وأما المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه حز في قدميه، فيهوي بيديه إلى قدميه "، قال: " هل رأيت من يسعى حافيا فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه؟ فإنه كذلك يهوي بيديه ورأسه إلى قدميه، فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدميه، فيقذف به في جهنم يهوي فيها مقدار خمسين عاما ". فقلت: ما يثقل الرجل! قالت: بل يثقل ثقل عشر خلفات سمان، فيومئذ {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} [الرحمن: 41] » [الرحمن: 41] ، غريب.
** [فصل في ورود الناس جميعهم جهنم] **
فصل (ورود الناس جميعهم جهنم)
قال الله تعالى: {فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} [مريم: 68] الآيات إلى قوله: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72]
[مريم: 68 - 72] . أقسم سبحانه بنفسه الكريمة أنه سيجمع بني آدم ممن كان يطيع الشياطين ويعبدها مع الله، عز وجل، ويطيعها فيما تأمره به من معاصي الله عز وجل، فإن طاعة الشياطين هي عبادتها، فإذا كان يوم القيامة جمع الشياطين ومن أطاعهم وأحضرهم حول جهنم جثيا، أي جلوسا على الركب، كما قال تعالى: {وترى كل أمة جاثية} [الجاثية: 28] .
وعن ابن مسعود: قياما. وهم يعاينون هولها، وبشاعة منظرها، وقد جزموا أنهم داخلوها لا محالة، كما قال تعالى: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 53] وقال تعالى: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم} [الشورى: 22] . وقال: {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا} [الفرقان: 12] إلى قوله: {كان على ربك وعدا مسئولا} [الفرقان: 16]
[التكاثر: 6، 7] .
ثم أقسم تعالى أن الخلق كلهم سيردون جهنم، فقال: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} [مريم: 71] ، قال ابن مسعود: قسما واجبا.
وفى " الصحيحين " من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «من مات له ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم» ".
وروى الإمام أحمد، عن حسن، عن ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «من حرس من وراء المسلمين متطوعا لا بأجر سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] » وذكر تمام الحديث.
وقد اختلف المفسرون في المراد بالورود ما هو، والأظهر، كما قررناه في " التفسير "، أنه المرور على الصراط. والله أعلم. كما قال تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] .
وقال مجاهد: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] . وقد روى ابن جرير في " تفسيره " حديثا يشبه هذا، فقال: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه وعكا، وأنا معه، ثم قال: " إن الله
يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة» ". وهذا إسناد حسن.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] . قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يرد الناس النار كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم» ".
وهكذا رواه الترمذي من حديث إسرائيل، عن السدي، به، مرفوعا، ثم رواه من حديث شعبة، عن السدي به، فوقفه، وهكذا رواه أسباط عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود، قال: يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر كمر البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرا رجل نوره على موضعي إبهامي قدميه، يمر يتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس. وذكر تمام الحديث. وله شواهد مما مضى، ومما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم، فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم ; أولهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يمر الرجل سعيا، حتى يمر الرجل ماشيا، ثم يكون آخرهم يتلبط على بطنه، ثم يقول: يا رب، لم أبطأت بي؟ فيقول: لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك.
وروي نحوه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا، والموقوف أصح. والله أعلم.
وقال الحافظ أبو نصر الوائلي في كتاب " الإبانة ": أخبرنا محمد بن محمد بن الحجاج، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الربعي، حدثنا علي بن الحسين، أبو عبيد، حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا أبو همام القرشي، عن سليمان بن المغيرة، عن قيس بن مسلم، عن طاوس، «عن أبي هريرة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل
الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثا برأيك» ". ثم قال: وهذا غريب الإسناد، والمتن حسن. أورده القرطبي.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار بن أبي مروان، عن خالد بن معدان، قال: قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟! فيقال: قد مررتم عليها وهى خامدة.
وقد ذهب آخرون إلى أن المراد بالورود الدخول، قاله ابن عباس، وعبد الله بن رواحة، وأبو ميسرة، وغير واحد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، «عن أبي سمية، قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعا - وقال سليمان مرة: يدخلونها جميعا. وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم ; {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] » [مريم: 72] . لم يخرجوه في كتبهم، وهو حسن.
وقال أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة السليطي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثني أبي منصور بن عمار، حدثني بشير بن طلحة الجذامي، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي» ". وهذا حديث غريب جدا.
وقال ابن المبارك "، عن سفيان، عن رجل، عن خالد بن معدان، قال: قالوا: ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار؟ فيقال: إنكم مررتم عليها وهي خامدة.
وفي رواية عن خالد بن معدان، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا أنا نرد النار؟ فيقال: إنكم وردتموها فألفيتموها رمادا.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي
السليل، عن غنيم بن قيس، قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة، حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي. قال: فتخسف بكل ولي لها، فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم وروي مثله أيضا عنه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فقال: " لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية ". قالت حفصة: أليس الله عز وجل، يقول: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فمه {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] » ورواه الإمام أحمد أيضا، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله.
ورواه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، سمع جابرا، عن أم مبشر، فذكر نحوه، وقد تقدم، وسيأتي في أحاديث الشفاعة كيفية جواز
المؤمنين على الصراط، وتفاوت سيرهم عليه، بحسب أعمالهم، وقد تقدم من ذلك جانب، وتقدم عنه، عليه السلام، أنه أول الأنبياء إجازة بأمته على الصراط.
وعن عبد الله بن سلام قال: محمد صلى الله عليه وسلم أول الرسل إجازة على الصراط، ثم عيسى، ثم موسى، ثم إبراهيم، حتى يكون آخرهم إجازة نوح، عليه السلام. قال: فإذا خلص المؤمنون من الصراط تلقتهم الخزنة يهدونهم إلى الجنة، فإنهم إذا خلصوا من الصراط وأتوا على آخره، فليس بعد ذلك إلا دخول الجنة. كما سيأتي.
وثبت في " الصحيح ": " «من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله، هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الزكاة دعي من باب الزكاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ". فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على أحد يدعى من أيها شاء من ضرورة، فهل يدعى أحد منها كلها؟ قال؟ " نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر، فإذا دخلوا الجنة هدوا إلى منازلهم، فلهم أعرف بها من منازلهم التي كانت في الدنيا» ". كما سيأتي بيانه في " الصحيح " عند البخاري.
وقد قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن
سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز ; بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» ".
وقد رواه الحافظ الضياء، من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يعطى المؤمن جوازا على الصراط ; بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان ابن فلان، أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» ".
وقد روى الترمذي في " جامعه "، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «شعار المؤمن على الصراط، رب سلم سلم» ". ثم قال: غريب.
وفى " صحيح مسلم ": " ونبيكم يقول: رب سلم سلم ". وتقدم أن الأنبياء كلهم يقولون ذلك، وكذلك الملائكة كلهم يقولون ذلك.
وثبت في " صحيح البخاري " من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة، فلأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» ".
وقد تكلم القرطبي على هذا الحديث في " التذكرة "، وجعل هذه القنطرة صراطا ثانيا للمؤمنين خاصة، وليس يسقط منه أحد في النار. قلت: هذه القنطرة تكون بعد مجاوزة النار، فقد تكون هذه القنطرة منصوبة على هول آخر مما يعلمه الله، ولا نعلمه نحن. والله أعلم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا صالح بن موسى، عن ليث، عن عثمان، عن محمد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يقول الله تعالى يوم القيامة للمؤمنين: جوزوا النار بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، فاقتسموها بفضائل أعمالكم» ". وهذا حديث غريب.
وقد رواه أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن قتادة، عن عبد الله، من قوله، مثله، وهو منقطع، بل معضل، وقد قال بعض الوعاظ، فيما حكاه القرطبي في " التذكرة ": فتوهم نفسك يا أخي إذا صرت على الصراط، ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مظلمة مدلهمة، وقد تلظى سعيرها، وعلا لهيبها، وأنت تمشي أحيانا، وتزحف أخرى. ثم أنشد:
أبت نفسي تتوب فما احتيالي ... إذا برز العباد لذي الجلال
وقاموا من قبورهم حيارى ... بأوزار كأمثال الجبال
وقد نصب الصراط لكي يجوزوا ... فمنهم من يكب على الشمال
ومنهم من يسير لدار عدن ... تلقاه العرائس بالغوالي
يقول له المهيمن يا وليي ... غفرت لك الذنوب فلا تبالي
** [فصل في كيفية الحشر] **
فصل (كيفية الحشر)
قال الله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا - ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} [مريم: 85 - 86]
[مريم: 85، 86] . ورد في حديث سيأتي أنهم يؤتون بنجائب من الجنة يركبونها، وأنهم يؤتون بها عند قيامهم من قبورهم. وفي صحته نظر، إذ قد تقدم في الحديث أن الناس كلهم يحشرون مشاة حفاة عراة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر راكبا وحده ناقة حمراء، وبلال ينادي بالأذان بين يديه، فإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله. صدقه الأولون والآخرون.
فإذا كان هذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما يكون إتيانهم بالنجائب بعد جواز الصراط، وهو الأشبه، والله أعلم.
وقد روي في حديث الصور أن المتقين يضرب لهم حياض يردونها بعد مجاوزة الصراط، وأنهم إذا وصلوا إلى باب الجنة، يستشفعون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد، صلى الله عليهم جميعا
وسلم، فيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يشفع لهم في دخول الجنة، والله أعلم، كما ثبت في " صحيح مسلم " من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، ورواه أحمد عنه، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» ".
وقال مسلم: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة» ".
وفي " صحيح مسلم ": " «يجمع الله تعالى الناس، فيقوم المؤمنون، حين تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك» ". وذكر تمام الحديث كما تقدم "، وهو شاهد قوي لما ذكر في حديث الصور من ذهاب الناس إلى الأنبياء مرة ثانية يستشفعون إلى الله بهم في دخولهم الجنة، فتنحصر القسمة أيضا ويتعين لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تعين للشفاعة الأولى العظمى في الفصل بين الخلائق، كما تقدم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا سويد بن سعيد، أنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد، قال: «كنا جلوسا عند علي، فقرأ هذه الآية: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85] . قال: لا والله، ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة» .
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وزاد: عليها رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد. والباقي مثله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري، قال: «كان علي بن أبي طالب يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علي هذه الآية: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85] . فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون - أو يؤتون - بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون - أو قال: يأتون - باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء، على
صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع لها طنين يا علي، لم يسمع الخلائق مثله، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له - قال مسلمة: أراه قال: ساجدا - فيقول: ارفع رأسك، إنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت، حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتا من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بني على جندل اللؤلؤ والياقوت، طرائق حمر وخضر وصفر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، وفي البيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن - قال: صاف لا كدر فيه - وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاريين، لم تعصرها الرجال بأقدامها، وأنهار من عسل مصفى، لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء متكئا ". ثم تلا: " {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا} [الإنسان: 14] . فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض - قال: وربما قال: أخضر - فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك، فيقول: سلام عليكم، تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون. ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت إلى الأرض لأضاءت الأرض منها، ولكانت الشمس معها سوادا
في نور» "
. وقد رويناه في " الجعديات " من كلام علي بن أبي طالب موقوفا عليه، وهو أشبه بالصحة، والله سبحانه أعلم، فقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، قال: ذكر النار فعظم أمرها، ذكرا لا أحفظه. قال: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] . حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما، كأنما أمروا بها، فشربوا منها، فأذهبت ما في بطونهم من قذى أو أذى أو بأس، ثم عمدوا إلى الأخرى، فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، ولم تغبر أشعارهم بعدها أبدا، ولا تشعث رءوسهم، كأنما دهنوا بالدهان، ثم انتهوا إلى الجنة، فقالوا: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] ثم تلقاهم الولدان فيطيفون بهم، كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم، يقولون: أبشروا بما أعد الله لكم من الكرامة. ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين، فيقول: جاء فلان. باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا. قالت: أما رأيته؟ قال: نعم أنا رأيته، وهو بإثري. فيستخف إحداهن الفرح، حتى تقوم على أسكفة بابها، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه، فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أحمر وأخضر وأصفر من كل لون، ثم
رفع رأسه، فنظر إلى سقفه، فإذا مثل البرق، ولولا أن الله قدر أن لا يذهب بصره لألم أن يذهب ببصره، ثم طأطأ رأسه، فإذا أزواجه، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، ثم اتكئوا، فقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم ينادي مناد: تحيون فلا تموتون أبدا، وتقيمون فلا تظعنون أبدا، وتصحون فلا تمرضون أبدا.
وهذا الأثر يقتضي أن تغيير الشكل من الحال الذي كان الناس عليه في الدنيا إلى طول ستين ذراعا، وعرض سبعة أذرع، كما هي صفة كل من دخل الجنة من صغير وكبير، كما ورد به الحديث، يكون عند هاتين العينين اللتين يغتسلون من إحداهما، فتجري عليهم نضرة النعيم ويشربون من الأخرى فتغسل ما في بطونهم من الأذى، فيتجدد لهم الطول والعرض، وذهاب الأذى، وجريان نضرة النعيم بعد الغسل والشرب. وهذا أنسب وأقرب مما جاء في الحديث المتقدم، أن ذلك يكون في عرصات القيامة، وهو ضعيف الإسناد، وأبعد من هذا من زعم أن ذلك يكون عند الخروج من القبور ; لما يعارضه من الأدلة الدالة على خلاف ذلك، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل إذا دخل الجنة صور صورة أهل الجنة، وألبس لباسهم، وحلي حليتهم، وأري أزواجه وخدمه، يأخذه سوار فرح، لو كان ينبغي له أن يموت لمات من شدة سوار فرحه، فيقال له: أرأيت سوار فرحك هذا، فإنه قائم
لك، وباق أبدا.
وقال ابن المبارك: أخبرنا رشدين بن سعد، عن زهرة بن معبد القرشي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم، كأنهم اللؤلؤ.
قال ابن المبارك: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد الله بن زحر، عن محمد بن أيوب، عن أبي عبد الرحمن المعافري، قال: إنه ليصف للرجل من أهل الجنة سماطان، لا يرى طرفاهما من غلمانه، حتى إذا مر مشوا وراءه.
وروى أبو نعيم، عن سلمة، عن الضحاك بن مزاحم، قال: إذا دخل المؤمن الجنة دخل أمامه ملك، فيأخذ به في سككها، فيقول له: انظر، ما ترى؟ قال: أرى أكثر قصور رأيتها من ذهب وفضة، وأكثر أنيس. فيقول الملك: إن هذا أجمع لك. حتى إذا دفع لهم استقبلوه من كل باب ومن كل مكان: نحن لك. ثم يقول: امش. فيقول: ماذا ترى؟ فيقول: أكثر عساكر رأيتها من خيام، وأكثر أنيس. فيقول: إن هذا أجمع لك. فإذا دفع لهم استقبلوه: نحن لك.
وقال أحمد بن أبي الحواري، عن أبي سليمان الداراني، أنه قال في قوله تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} [الإنسان: 20] ، قال: الملك الكبير أن الملك يأتي إلى ولي الله بالتحفة من عند الله سبحانه، فلا يصل إليه إلا بإذن بعد إذن، يقول الملك لحاجبه: استأذن لي على ولي الله. فيعلم ذلك الحاجب حاجبا آخر، وحاجبا بعد حاجب، ومن دار إلى دار حتى ينتهي إلى ولي الله، عز وجل، بما أمر به، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه الولي على ربه، متى شاء بلا إذن، ورسول رب العزة لا يدخل عليه إلا بإذن.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشير بن شغاف قال: كنا جلوسا إلى عبد الله بن سلام، فقال: إن أكرم خليقة على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وإن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض، فإذا كان يوم القيامة بعث الله الخليقة أمة أمة، ونبيا نبيا، ثم يوضع جسر على جهنم، ثم ينادي مناد: أين أحمد وأمته؟ فيقوم وتتبعه أمته، برها وفاجرها، فيأخذون على الجسر، ويطمس الله تعالى أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين، وينجو النبي صلى الله عليه وسلم والصالحون معه، وتتلقاهم الملائكة، ويبوئونهم منازلهم من الجنة، على يمينك، على يسارك، حتى ينتهي إلى ربه، فيلقى له كرسي على يمين الله عز وجل، ثم ينادي المنادي: أين عيسى وأمته؟ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فيلقى له كرسي من
الجانب الآخر، ثم يتبعهم الأنبياء والأمم، حتى يكون آخرهم نوح، عليه السلام. وهذا موقوف على ابن سلام، رضي الله عنه.
وتقدم في حديث سلمان الفارسي الذي رواه ابن أبي الدنيا عن أبي نصر التمار، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، قال: يوضع الصراط يوم القيامة، وله حد كحد الموسى، فتقول الملائكة: ربنا، من يطيق أن يجوز على هذا؟ فيقول الله عز وجل: " من شئت من خلقي ". فيقولون: ربنا ما عبدناك حق عبادتك.
** [فصل أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر] **
فصل: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم ; من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» ".
وهكذا رواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، وأخرجه البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، كلاهما عن معمر، به.
وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على صورة أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء» ".
ورواه مسلم عن أبي خيثمة، واتفقا عليه، من حديث جرير.
وروى الإمام أحمد، والطبراني، واللفظ له، من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا، بيضا جعادا مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ; ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع» ".
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن إسماعيل العدوي، حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا عمران القطان، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يدخل أهل الجنة الجنة جردا، مردا، مكحلين بني ثلاث وثلاثين» ". ورواه الترمذي من حديث عمران بن داود القطان، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثني رواد بن جراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ; ستين ذراعا بذراع الملك، على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى، ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد، جرد مرد مكحلون» ".
وقد رواه أبو بكر بن أبي داود، حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد،
قالا: حدثنا عمر، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «يبعث أهل الجنة على صورة آدم، في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة، جردا مردا مكحلين، ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة، فيكسون منها، لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم» ".
وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين سنة في الجنة، لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار» ".
ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، فذكره. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف العجلي، عن سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، قال:
قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " «يبعث المؤمنون يوم القيامة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين» . وهذا منقطع بين شهر ومعاذ انقطاعا لو كان ساقه لكانت أبعد من شهر، وهو يفهم بعثهم من قبورهم كذلك، وقد تقدم أن كل أحد يبعث على ما مات عليه، ثم تغير حلاهم إلى الطول والعرض، كل أحد بحسبه بعد ذلك عند دخول الجنة والنار، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.