John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[كتاب صفة النار وما فيها من العذاب الأليم]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 837 of 840

** [الآيات التي وردت في صفة النار] **

كتاب صفة النار - أجارنا الله منها - وما فيها من العذاب الأليم

قال الله تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 24] . وقال تعالى: {فما أصبرهم على النار} [البقرة: 175] وقال تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} [آل عمران: 91] وقال تعالى؟ {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} [النساء: 56] . وقال تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا - إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا} [النساء: 168 - 169]

[النساء: 168، 169] . وقال تعالى: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم} [المائدة: 36]

[الأعراف: 38] . وقال تعالى:

{قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} [التوبة: 81] ، وقال تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} [هود: 106] . وقال تعالى: {مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] . وقال تعالى: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم - يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد الآيات} [الحج: 19 - 20]

[الحج: 19 - 21] . وقال تعالى: {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون - تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون الآيات} [المؤمنون: 103 - 104]

[المؤمنون: 103، 104] . وقال تعالى: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} [الفرقان: 11] الآيات [الفرقان: 11] ، وقال تعالى: {وبرزت الجحيم للغاوين} [الشعراء: 91] الآيات [الشعراء: 91] . وقال تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} [السجدة: 20] الآية [السجدة: 20] . {يوم تقلب وجوههم في النار} [الأحزاب: 66] الآية [الأحزاب: 66] وقال تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] الآيات [فاطر: 36] قال تعالى: {هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} [يس: 63] الآيات [يس: 63، 64] . وقال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 22] الآيات [الصافات: 22، 23] . وقال تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد} [ص: 55] الآيات إلى قوله {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} [ص: 64] إلى قوله: {فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر: 72]

[الآيات إلى قوله تعالى:

{ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 52] الآيات إلى قوله تعالى: {ليكونا من الأسفلين} [فصلت: 29]

[الزخرف: 74] . وقال تعالى: {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم} [الدخان: 47] . وقال تعالى: {كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] . وقال تعالى: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} [ق: 30] . وقال تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} [الطور: 13] ، وقال تعالى: {مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 15] . وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد} [التحريم: 6] الآية [التحريم: 6] وقال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التحريم: 9] وقال تعالى: {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير} [الملك: 6] الآيات [الملك: 6] . وقال تعالى: {سأصليه سقر} [المدثر: 26] إلى قوله: {وما هي إلا ذكرى للبشر} [المدثر: 31] الآيات إلى قوله: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 30] الآيات [الليل: 14] . وقال تعالى: {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة} [البلد: 19]

[البلد: 19، 20] . وقال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة - الذي جمع مالا وعدده - يحسب أن ماله أخلده - كلا لينبذن في الحطمة - وما أدراك ما الحطمة - نار الله الموقدة - التي تطلع على الأفئدة} [الهمزة: 1 - 7]

إلى آخر السورة [الهمزة: 1 - 7] .

وقال ابن المبارك، عن خالد بن أبي عمران بسنده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن النار تأكل أهلها، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم يعود كما كان، ثم تستقبله أيضا، فتأكله حتى تطلع على فؤاده، فهو كذلك أبدا، فذلك قوله: {نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة} [الهمزة: 6] » [الهمزة: 6، 7] .

وقد تركنا إيراد آيات كثيرة خوف الإطالة، وفيما ذكرنا إرشاد لما تركنا، وبالله المستعان، وستأتي الأحاديث الواردة في صفة جهنم - أجارنا الله منها آمين - مرتبة على ترتيب حسن، وبالله التوفيق.

وقال ابن المبارك: أنبأنا معمر، عن محمد بن المنكدر، قال: لما خلقت النار فزعت الملائكة، وطارت أفئدتها، فلما خلق آدم سكن ذلك عنهم، وذهب ما كانوا يجدون.

وقال ابن المبارك: أنبأنا محمد بن مطرف، عن الثقة، «أن فتى من الأنصار دخلته خشية من النار، فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه في البيت، فلما دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم

اعتنقه الفتى، وخر ميتا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جهزوا صاحبكم، فإن الفرق من النار فلذ كبده» ".

قال القرطبي: وروي أن عيسى عليه السلام مر بأربعة آلاف امرأة متغيرات الألوان، وعليهن مدارع الشعر والصوف، فقال عيسى: ما الذي غير ألوانكن معاشر النسوة؟ قلن: ذكر النار غير ألواننا يا ابن مريم، إن من دخل النار لا يذوق فيها بردا ولا شرابا. ذكره الخرائطي في كتاب " القبور ".

وروي أن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} [الحجر: 43] . فر ثلاثة أيام هاربا من الخوف، لا يعقل، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} [الحجر: 43] فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي. فأنزل الله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون} [الحجر: 45] الآية [الحجر: 45] . ذكره الثعلبي.

** [ذكر جهنم وشدة سوادها أجارنا الله منها] **

قال الله تعالى: {وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} [التوبة: 81]

[التوبة: 81] ، وقال تعالى: {وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية} [القارعة: 8]

[الغاشية: 5] . وقال تعالى: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43]

[الرحمن: 43، 44] . أي حار قد تناهى حره، وبلغ الغاية في الحرارة.

وقال مالك في موطئه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ". فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: " إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» ".

ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، به. وأخرجه مسلم، عن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، به، نحوه.

وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» ". على شرط " الصحيحين ".

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد، عن محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: " «نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ". فقال رجل: إن كانت لكافية. فقال: " لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا» ".

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ناركم هذه، ما يوقد بنو آدم، جزء واحد من سبعين جزءا من حر جهنم ". قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: " فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها» ".

** طريق أخرى: **

قال البزار: حدثنا بشر بن خالد العسكري، حدثنا سعيد بن مسلمة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن ناركم هذه، وكل نار أوقدت - أو هم يوقدونها - جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» ".

** طريق أخرى بلفظ آخر: **

قال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم» ". وهذا الإسناد على شرط مسلم. وفي لفظه غرابة،

وأكثر الروايات عن أبي هريرة. " جزء من سبعين جزءا ".

وقد ورد الحديث عن غيره كذلك، من طريق ابن مسعود، كما قال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا عبيد بن إسحاق العطار، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الرؤيا الصالحة بشرى، وهى جزء من سبعين جزءا من النبوة، وإن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من سموم جهنم، وما دام العبد ينتظر الصلاة فهو في صلاة ما لم يحدث» ". قال البزار: وقد روي موقوفا.

ومن طريق أبي سعيد، كما قال البزار: حدثنا محمد بن الليث، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، لكل جزء منها حرها» ".

وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا» ".

قال الحافظ الضياء: وقد رواه أبو مصعب، عن مالك، فرفعه، وهو عندي

على شرط الصحيح.

وروى الترمذي وابن ماجه، كلاهما عن عباس الدوري، عن يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» ". قال الترمذي: ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير، عن شريك. كذا قال الترمذي، وقد رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن شريك، به، مثله ".

وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النار لا يطفأ جمرها، ولا يضيء لهبها ". قال: ثم قرأ: {وذوقوا عذاب الحريق} [الأنفال: 50] » [الأنفال: 50] . قال البيهقي: ورفعه ضعيف. ثم رواه من وجه آخر موقوفا. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا

محمد بن يونس، حدثنا أبو عتاب الدلال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس، قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {نارا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6] . قال: " أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء لا يضيء لهبها» ".

وقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم، حدثنا الحكم بن مروان، حدثنا سلام الطويل، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عدي بن عدي، قال: قال عمر بن الخطاب: «أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في حين لم يكن يأتيه فيه، فقال: " يا جبريل، ما لي أراك متغير اللون؟ " فقال: إني لم آتك حتى أمر الله عز وجل، بفتح أبواب النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جبريل، صف لي النار، وانعت لي جهنم " فقال: إن الله أمر بها، فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها. وقال: والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق السلسلة التي نعت الله عز وجل، في كتابه وضعت على جبال الدنيا لأذابتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حسبي يا جبريل ; لا ينصدع قلبي ". فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فإذا هو يبكي. فقال: " يا جبريل، أتبكي وأنت من الله بالمكان الذي أنت به منه؟ " قال: وما يمنعني أن أبكي، وأنا لا أدري لعلي أن أكون في علم الله على غير هذه الحال؟ فقد كان إبليس مع الملائكة، وقد كان هاروت وماروت من الملائكة.

فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يبكي وجبريل، حتى نوديا: يا محمد، ويا جبريل، إن الله عز وجل، قد أمنكما أن تعصياه ". قال: فارتفع جبريل، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فمر بقوم من أصحابه يتحدثون ويضحكون. فقال: " أتضحكون وجهنم من ورائكم، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، عز وجل ". فأوحى الله تعالى إليه: يا محمد، إني بعثتك مبشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشروا، وسددوا، وقاربوا» ". قال الضياء: قال الحافظ أبو القاسم - يعني إسماعيل بن محمد بن الفضل: هذا حديث حسن، وإسناده جيد.

وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه ".» ورواه مسلم من حديث يزيد بن الهاد به.

وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن أدنى أهل النار عذابا

ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه» ".

وقال أحمد: حدثنا حسن وعفان، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أهون أهل النار عذابا رجل في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه» ". وساق أحمد تمام الحديث.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، سمعت النعمان، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه» ". ورواه مسلم من حديث شعبة.

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، أو يغلي القمقم» ".

وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن

سلمة، حدثنا ثابت، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه» ".

وقال أحمد: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم " «أهون أهل النار عذابا عليه نعلان يغلي منهما دماغه» ". وبهذا الإسناد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا» ".

وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا زائدة، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا " قالوا: يا رسول الله، وما رأيت؟ قال: " رأيت الجنة والنار ".»

ورواه أحمد أيضا من حديث شعبة، عن موسى بن أنس، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ".

وقال أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا ابن عياش، عن عمارة بن غزية الأنصاري: أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى، يقول: سمعت ثابتا

البناني يحدث عن أنس بن مالك، «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال لجبريل: " ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط؟ قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» ".

وقد قال تعالى: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون - انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب - لا ظليل ولا يغني من اللهب - إنها ترمي بشرر كالقصر - كأنه جمالة صفر - ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 29 - 49]

[المرسلات: 29 - 34] .

قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، سمعت ابن مسعود يقول في قوله تعالى: {إنها ترمي بشرر كالقصر} [المرسلات: 32] . قال: أما إنها ليست مثل الشجر والجبل، ولكنها مثل المدائن والحصون.

وقال الطبراني: حدثنا طالب بن قرة "، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «لو أن شررة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من بالمغرب» ".

وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين ; نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما يكون من الحر من فيح جهنم» ". وبهذا الإسناد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؟ فإن شدة الحر من فيح جهنم» ".

وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضا فنفسني. فأذن لها كل عام بنفسين، فأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم "، وأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم» ". وأخرجه البخاري، ومسلم من حديث الزهري.

وقال أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا بن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي

بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» ".

وقال أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم يا رب. قال: فيقال: لقد سئلت أيسر من ذلك، فذلك قوله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به} [آل عمران: 91] » [آل عمران: 91] .

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك ; قد أخذت عليك الميثاق في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بي» ".

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا روح وعفان، قالا: حدثنا حماد،

أخبرنا ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقال له: يا بن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب، خير منزل، فيقول: سل وتمن. فيقول: ما أسأل وأتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرات. لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار، فيقول له: يا بن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب، شر منزل. فيقول له: أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول؟ أي رب، نعم. فيقول: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل. فيرد إلى النار» ".

وقال البزار: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله ومحمد بن الليث، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لم ير مثل النار، نام هاربها، ولم ير مثل الجنة، نام طالبها» ".

وروى الحافظ أبو يعلى، وغيره، من طريق محمد بن شبيب، عن

جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار، فتنفس فأصابهم نفسه لأحرق المسجد ومن فيه» ". وهذا حديث غريب جدا.

** [ذكر بعد قعر جهنم واتساعها وضخامة أهلها] ، أجارنا الله منها **

قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} [النساء: 145] . وقال تعالى: {وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية} [القارعة: 8]

[الأعراف: 41] . وقال تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون} [الطور: 13] . إلى قوله: {وتقول هل من مزيد} [ق: 30]

[ق: 24 - 30] .

وقد ثبت في " الصحيحين " من غير وجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع عليها رب العزة قدمه،

فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول؟ قط قط وعزتك» ".

وقال مسلم: حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» ".

ورواه البخاري عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز، بنحوه، ولفظه: " يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق ". ولم يذكر المغرب.

وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا الزبير بن سعيد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الرجل ليتكلم بالكلمة؟ يضحك بها جلساءه، يهوي بها من أبعد من الثريا» ". غريب، والزبير فيه لين.

وقال أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف بن خليفة، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمعنا وجبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا، فالآن انتهى إلى قعرها» ". ورواه مسلم عن محمد بن عباد وابن أبي عمر، عن مروان، عن يزيد بن كيسان، به، نحوه.

** حديث آخر: **

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا عبد الملك بن الحسن بن يوسف السقطي، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا أبو أيوب الأنصاري

أحمد بن عبد الصمد، حدثنا إسماعيل بن قيس، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتا هاله ذلك، فأتاه جبريل فقال: " ما هذا الصوت يا جبريل؟ قال: هذه صخرة هوت من شفير جهنم منذ سبعين عاما، فهذا حين بلغت قعرها، أحب الله أن يسمعك صوتها ". قال: فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم ضاحكا ملء فيه حتى قبضه الله عز وجل» . وقد روى البيهقي من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من هذا السياق.

وثبت في " صحيح مسلم "، عن عتبة بن غزوان، أنه قال في خطبته: وقد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرا، والله لتملأن، أفعجبتم؟ وقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام.

حديث آخر: قال أبو يعلى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي بكر، عن أبيه أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لو أن حجرا قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفا قبل

أن يبلغ قعرها» ".

** حديث آخر: **

روى الترمذي، والنسائي، والبيهقي، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، واللفظ له، من حديث عبد الله بن المبارك: حدثنا عنبسة، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، «عن ابن عباس، قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ فقلنا: لا. فقال: أجل، والله ما تدرون، إن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا، تجري فيه أودية القيح والدم. قال: قلنا: أنهار؟ قال: لا، بل أودية. ثم قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قال: قلنا: لا. قال: أجل، والله ما تدرون، حدثتني عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] . أين الناس يومئذ؟ قال: " على جسر جهنم» ".

وإنما روى الترمذي، والنسائي المرفوع فقط، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.

وثبت في " صحيح مسلم " من حديث العلاء بن خالد، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، مرفوعا: " «يجاء بجهنم يومئذ

تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» ". وروي موقوفا على ابن مسعود. فالله أعلم.

وروي في حديث، عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، مرفوعا: " «هل تدرون ما تفسير هذه الآية: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم} [الفجر: 21]

[الفجر: 21 - 23] . قال: " إذا كان يوم القيامة تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك ". قال: " فتشرد شردة لولا أن الله حبسها لأحرقت السماوات والأرض» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا سعيد بن يزيد، حدثنا أبو السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهى مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت

الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين سنة، الليل والنهار، قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» ". ورواه الترمذي.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حيي، حدثني صفوان بن يعلى، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «البحر هو جهنم» ".

** [ذكر تعظيم خلقهم في النار] ، أعاذنا الله من النار **

قال الله تعالى. {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} [النساء: 56] .

وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثني أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى

القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد» ". كذا رواه أحمد في " مسنده " عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، وهو الصحيح. وكذا رواه البيهقي، ثم رواه من طريق عمران بن زيد، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، فذكر مثله، ثم صحح البيهقي الأول كما ذكرنا. والله أعلم.

وهذا الحديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد من وجوه أخرى عن أبي هريرة. فالله أعلم.

فقال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وفخذه مثل ورقان، ومقعده في النار مثل ما بيني وبين الربذة» ".

ورواه البيهقي، من طريق بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق،

وزاد فيه: " وعضده مثل البيضاء ".

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن عبد الله بن دينار - عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار» ".

** طريق أخرى: **

قال البزار: حدثنا محمد بن الليث الهدادي، وأحمد بن عثمان بن حكيم، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا شيبان - يعني ابن عبد الرحمن - عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده أربعون ذراعا» ".

** طريق أخرى: **

قال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو عامر،

حدثنا محمد بن عمار، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ضرس الكافر مثل أحد، ومقعده من النار مسيرة ثلاث» ".

** طريق أخرى: **

قال الحسن بن سفيان: حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا الفضل بن موسى، عن الفضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ما بين منكبي الكافر مسيرة خمسة أيام للراكب المسرع» ".

قال الحسن: وحدثنا محمد بن طريف البجلي، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رفعه، قال: " «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» ".

قال البيهقي: رواه البخاري، عن معاذ بن أسد، عن الفضل بن موسى. ورواه مسلم، عن أبي كريب وغيره، عن ابن فضيل، ولم يقل: رفعه.

** طريق أخرى: **

قال البزار: حدثنا الحسين بن الأسود، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل الورقان، وغلظ جلده أربعون ذراعا» ".

ثم قال البزار: لا يروى عن أبي هريرة بأحسن من هذا الإسناد، ولم نسمعه إلا من الحسين بن الأسود.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس، قال: سمعت الحارث بن أقيش، يحدث أن أبا برزة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن من أمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر، وإن من أمتي لمن يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها» ". ورواه أحمد أيضا، عن محمد بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، به.

وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أبو حيان، حدثني يزيد بن حيان التيمي، قال: وحدثنا زيد بن أرقم قال: " «إن الرجل من أهل

النار ليعظم للنار حتى يكون الضرس من أضراسه كأحد» ".

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم، يقال له: بولس. فتعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال ; عصارة أهل النار» ".

وكذا رواه الترمذي والنسائي "، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن عجلان، وقال الترمذي: حسن. فالمراد أنهم يحشرون يوم القيامة في العرصات كذلك، فإذا سيقوا إلى النار ودخلوها عظم خلقهم، كما دلت على ذلك الأحاديث التي أوردناها ; ليكون ذلك أنكى وأشد في عذابهم، وأعظم في خزيهم، كما قال: {ليذوقوا العذاب} [النساء: 56] . والله سبحانه أعلم.

** [ذكر أن البحر يسجر يوم القيامة ويكون من جملة جهنم] **

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثنا محمد بن حيي، حدثنا صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «البحر هو جهنم» ". قالوا ليعلى. فقال: ألا ترون أن الله تعالى يقول: {نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] ؟ قال: لا، والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله عز وجل.

وقد رواه البيهقي، من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو عاصم، حدثنا محمد بن حيي، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «البحر هو جهنم» ". ثم تلا: {نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] . وهكذا رأيته بخط الحافظ ابن عساكر ; حدثنا أبو عاصم، حدثني محمد بن حيي.

وفى " المسند " - كما تقدم - بينهما عبد الله بن أمية. وكذلك رواه أبو مسلم الكجي، عن أبي عاصم، عن عبد الله بن أمية، حدثني رجل، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «البحر هو جهنم» ".

وقال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبى عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر، أو غاز في سبيل الله ; فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا» ".

** [ذكر أبواب جهنم وصفة خزنتها وزبانيتها] ، أعاذنا الله من ذلك بما شاء **

قال الله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين - قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر: 71 - 72]

[الزمر: 71، 72] . وقال تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} [الحجر: 43]

[الحجر: 43، 44] .

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا بشر بن بكر، حدثني عبد الرحمن بن يزيد، حدثني أبو سعيد: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الصراط بين ظهري جهنم، دحض مزلة، فالأنبياء يقولون عليه: اللهم سلم سلم. والناس كلمح البرق، وكطرف العين، وكأجاويد الخيل والبغال، والركاب، وشدا على الأقدام، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومطروح فيها، ولها سبعة

أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم» ".

وقال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا معمر، عن الخليل بن مرة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ " تبارك "، و " حم السجدة "، وقال: " الحواميم سبع، وأبواب جهنم سبع ; جهنم، والحطمة، ولظى، وسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم ". قال: " تجيء كل حم منها يوم القيامة ". أحسبه قال: " تقف على باب من هذه الأبواب، فتقول: اللهم لا تدخل هذه الأبواب، من كان يؤمن بي ويقرأني» ". ثم قال البيهقي: وهذا منقطع، والخليل بن مرة فيه نظر.

وروى الترمذي من حديث مالك بن مغول، عن جنيد عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لجهنم سبعة أبواب ; باب منها لمن سل السيف على أمتي» ". أو قال: " على أمة محمد " ". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.

وقال كعب: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية. وقال وهب بن

منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو شهاب الحناط، عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: إن أبواب جهنم بعضها فوق بعض - وأشار أبو شهاب بأصابعه - فيملأ هذا، ثم هذا، ثم هذا.

حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا حجاج، أنبأنا ابن جريج، في قوله تعالى: {لها سبعة أبواب} [الحجر: 44] قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، وفيها أبو جهل، ثم الهاوية.

وقال الله تعالى: {عليها ملائكة غلاظ شداد} [التحريم: 6] . أي: غلاظ

الأخلاق، شداد الأبدان. {لا يعصون الله ما أمرهم} [التحريم: 6] . أي بعزمهم، ونيتهم، فهم لا يريدون أن يخالفوه في شيء أبدا، لا بالعزم ولا بالنية، لا ظاهرا ولا باطنا. {ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] . أي أن فعلهم ليس بإرادتهم ولا باختيارهم، بل إنما هو صادر عن أمر الله لهم بما أمروا به، بل لهم قوة على إبراز ما أمروا به من العزم إلى الفعل، فلهم عزم صادق، وأفعال عظيمة، وقوة بليغة، وشدة باهرة.

وقال تعالى: {عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} [المدثر: 30]

[المدثر: 31] . أي اختبارا وامتحانا، وكأن هؤلاء التسعة عشر كالمقدمين الذين لهم أعوان وأتباع، وقد روينا عند قوله تعالى: {خذوه فغلوه} [الحاقة: 30] ، أن الرب تعالى إذا قال ذلك وأمر به، ابتدره سبعون ألفا من الزبانية. وقد قال الله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد} [الفجر: 25]

[الفجر: 25، 26] .

وروى الحافظ الضياء من حديث محمد بن سليمان بن أبي داود، عن أبيه، عن يزيد البصري، عن الحسن البصري، عن أنس مرفوعا: " «والذي نفسي بيده، لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام، فهم كل يوم يزدادون

قوة إلى قوتهم، حتى يقبضوا على من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام» ".

** [ذكر سرادق النار وهو سورها المحيط بها وما فيها من المقامع والأغلال والسلاسل والأنكال] ، أجارنا الله تعالى من ذلك جميعه **

قال الله تعالى: {إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] الآية [الكهف: 29] . وقال تعالى {إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة} [الهمزة: 8]

[الهمزة: 8، 9] .

مؤصدة أي مطبقة. وقد رواه ابن مردويه في " تفسيره " من طريق شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد الأخنسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قوله.

وقال تعالى: {إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 12]

[غافر: 71، 72] . وقال تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 48]

[الزمر: 16] . وقال تعالى: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين} [الأعراف: 41] . وقال تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد} [الحج: 19]

[الحج: 19 - 21] .

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «لسرادق النار أربع جدر كثف، كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة» ". ورواه الترمذي عن سويد، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، به، نحوه.

وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض» ". وقال ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لو ضرب بمقمع من حديد جهنم الجبل لفتته فعاد غبارا» ".

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في " تفسيره "، من طريق بشير بن طلحة، عن خالد بن دريك، عن يعلى ابن منية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «ينشئ الله لأهل النار سحابة مظلمة، فإذا أشرفت عليهم نادتهم: يا أهل النار، أي شيء تطلبون؟ وما الذي تسألون؟ فيذكرون بها سحائب الدنيا، والماء الذي كان ينزل عليهم، فيقولون: نسأل يا ربنا الشراب. فتمطرهم أغلالا

تزاد في أغلالهم، وسلاسل تزاد في سلاسلهم، وجمرا يلهب النار عليهم» ".

وقال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد الكندي، حدثنا سعيد بن زربي، عن حميد بن هلال، عن أبي الأحوص، قال: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذابا؟ فقال رجل: المنافقون. قال: صدقت، فهل تدري كيف يعذبون؟ قال: لا. قال: يجعلون في توابيت من حديد، فتصمد عليهم، ثم يجعلون في الدرك الأسفل من النار في تنانير أضيق من الزج، يقال له: جب الحزن. فيطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني علي بن حسن، عن محمد بن جعفر المدائني، حدثنا بكر بن خنيس، عن أبي سلمة الثقفي، عن وهب بن منبه، قال: إن أهل النار الذين هم أهلها، فهم في النار لا يهدءون ولا ينامون ولا يموتون، يمشون على النار ويجلسون، ويشربون من صديد أهل النار، ويأكلون من زقوم النار، لحفهم نار، وفرشهم نار، وقمصهم نار وقطران، وتغشى

وجوههم النار، وجمع أهل النار في سلاسل، بأيدي الخزنة أطرافها، يجذبونهم مقبلين ومدبرين، فيسيل صديدهم إلى حفر في النار، فذلك شرابهم. قال: ثم بكى وهب حتى سقط مغشيا عليه. قال: وغلب بكر بن خنيس البكاء حتى قام، فلم يقدر أن يتكلم، وبكى محمد بن جعفر بكاء شديدا.

وهذا الكلام عن وهب بن منبه اليماني، وقد كان ينظر في كتب الأوائل، وينقل من صحف أهل الكتاب الغث والسمين، ولكن لهذا الكلام شواهد من القرآن العظيم، وغيره من الأحاديث، قال الله تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} [الزخرف: 74] الأنبياء [39، 40] وقال تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر: 36]

[فاطر: 36، 37] . وقال

تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب - قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 49 - 50]

[غافر: 49، 50] . وقال تعالى: {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيا} [الأعلى: 11] . [الأعلى: 11 - 13] وتقدم في الصحيح: " «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» ". وفي الحديث المتقدم في ذبح الموت بين الجنة والنار: " «ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» ". وكيف ينام من هو في عذاب متواصل، لا يغير عنه ساعة واحدة ولا لحظة، بل كلما خبت نارهم، زادهم الله سعيرا، قال الله تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق} [الحج: 22] الحج: [22] .

وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه» ".

وروى الترمذي، والطبراني، واللفظ له، من حديث قطبة بن

عبد العزيز، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يلقى على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيؤتون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا إذا غصوا يسيغونه بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيؤتون بالحميم في قلال من نار، فإذا أدنيت من وجوههم قشرت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون عند ذلك، فيقال لهم: {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 50] . فيقولون: ادعوا لنا مالكا. فيقولون: {يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] . فيقولون: {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين} [المؤمنون: 106] . فيقال لهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] .» ورواه الترمذي عن الدارمي، وحكى عنه أنه قال: الناس لا يرفعون هذا الحديث. قال الترمذي: إنما يروى عن أبي الدرداء ; قوله.

** [ذكر طعام أهل النار وشرابهم] **

قال الله تعالى: {ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع} [الغاشية: 6]

[الغاشية: 6، 7] . والضريع شوك بأرض الحجاز، يقال له: الشبرق وفي حديث الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا: " «الضريع شيء يكون في النار، يقال: يشبه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار، إذا طعمه صاحبه لا يدخل البطن، ولا يرتفع إلى الفم، فيبقى بين ذلك، لا يسمن ولا يغني من جوع» ". وهذا حديث غريب جدا.

وقال تعالى: {إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 12]

[إبراهيم: 16، 17] . وقال تعالى: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين} [الواقعة: 51]

[الصافات: 62 - 68] .

وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بشر اليحصبي، عن أبي أمامة، «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} [إبراهيم: 16] قال: " يقرب إليه، فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره، قال الله تعالى: {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] . ويقول تعالى: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب} [الكهف: 29] » ". ورواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، به نحوه، وقال الترمذي: غريب.

وفي حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد،

عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] . قال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت عليهم معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟» ".

رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي، وابن ماجه، من حديث شعبة، به.

وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لو أن دلوا من غساق يهراق إلى الدنيا، لأنتن أهل الدنيا» ". ورواه الترمذي، من حديث دراج.

وعن كعب الأحبار أنه قال: إن الله لينظر إلى عبده يوم القيامة وهو غضبان، فيقول: خذوه. فيأخذه مائة ألف ملك، أو يزيدون، فيجمعون بين

ناصيته وقدميه غضبا لغضب الله، فيسحبونه على وجهه إلى النار، فالنار عليه أشد غضبا منهم بسبعين ضعفا، فيستغيث بشربة، فيسقى شربة يسقط منها لحمه، وعصبه، ويكدس في النار، فويل له من النار.

وعنه أيضا أنه قال: هل تدرون ما غساق؟ قالوا: لا. قال: إنها عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة، من حية أو عقرب أو غير ذلك، فيستنقع، ويؤتى بالآدمي، فيغمس فيه غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده عن العظام، وتعلق جلده ولحمه في كعبيه، فيجر لحمه، كما يجر الرجل ثوبه.

** [ذكر أماكن في النار وردت بأسمائها الأحاديث وبيان صحيح ذلك وسقيمه] **

قال الله تعالى: {وأما من خفت موازينه فأمه هاوية} [القارعة: 8] . أي الدرك الأسفل من النار، أو هي صفة النار من حيث هي. وقد ورد في الحديث ما يقوي هذا المعنى، والله أعلم.

قال أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه: حدثنا عبد الله بن خالد بن

محمد بن رستم، حدثنا محمد بن طاهر بن أبي الدميك، حدثنا إبراهيم بن زياد، سبلان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا روح بن المسيب، أنه سمع ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فإن كان مات ولم يأتهم، قالوا: خولف به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية. حتى يقولوا: ما فعل فلان؟ هل تزوج؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فيقولون: دعوه يستريح، فقد خرج من كرب الدنيا» ".

وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى، قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون؟ روحوا أخاكم، فإنه كان في غم الدنيا. قال: ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أوما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية. وروى الحافظ الضياء من طريق شريك القاضي، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال: يكفر كل ذنب - إلا

الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا. ثلاث مرات، فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيذهب به إليها، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عاتقه، ثم يصعد بها في نار جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج منها، زلت، فهوى في أثرها أبد الآبدين ".

قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. قال - يعني زاذان: فلقيت البراء، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.»

وهذا الحديث ليس هو في المسند، ولا في شيء من الكتب الستة.

** [سجن في جهنم يقال له بولس] **

تقدم ذكره في حديث رواه الإمام أحمد، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

** [جب الحزن] **

قال علي بن حرب: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا عمار بن

سيف، عن أبي معاذ، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «استعيذوا بالله من جب الحزن ". قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: " واد في جهنم تستعيذ جهنم منه كل يوم أربعمائة مرة، أعده الله للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يؤازرون الأمراء الجورة» ".

ورواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث عمار بن سيف، عن أبي معان - وهو الصواب - به. اختصره الترمذي، وقال: غريب. وعنده: " مائة مرة ". وبسطه ابن ماجه، وعنده: " يزورون الأمراء الجورة ".

** [جب الفلق] **

قال هشيم: عن العوام بن حوشب، عن عبد الجبار الخولاني، قال: قدم علينا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دمشق، فرأى ما فيه الناس من الحرص على الدنيا، والشهوات، وما هم فيه من زينتها، فقال: وما يغني

عنهم ذلك؟ أليس من ورائهم الفلق؟! قيل له: وما الفلق؟ قال: جب في النار، إذا فتح هر منه أهل النار. كذا، ولم يقل: فر منه أهل النار، بل هر منه. كذا ذكر ابن عساكر في ترجمة رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

** [ذكر وادي لملم] **

قال الحسن بن سفيان: حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن عبيد الله: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن في جهنم لواديا يقال له: لملم. إن أودية جهنم لتستعيذ بالله من حره» ". هذا حديث غريب.

** [ذكر نهر فيها هو منها بمنزلة نهر القلوط من أنهار الدنيا] **

وهو مجتمع الأوساخ، والأقذار، والنتن، أعاذنا الله تعالى منه بمنه وكرمه. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قرأت على الفضيل بن ميسرة، عن حديث أبي حريز، أن أبا بردة حدثه، عن حديث أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمنا للخمر سقاه الله تعالى من نهر الغوطة ". قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: " نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن» ".

** [ذكر واد أو بئر فيها يقال له هبهب] **

قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الأزهر بن سنان، حدثنا محمد بن واسع، قال: دخلت على بلال بن أبي بردة، فقلت له: يا بلال، إن أباك حدثني، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «إن في جهنم واديا يقال له: هبهب. حقا على الله أن يسكنه كل جبار، فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه» ".

وقد رواه الطبراني من حديث سعيد بن سليمان، عن أزهر بن سنان، عن محمد بن واسع، أنه دخل على بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، فقال له: إن أباك حدثني، عن جدك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إن في جهنم واديا، في الوادي بئر يقال له: هبهب. حق على الله أن يسكنه كل جبار عنيد» ". تفرد به أزهر بن سنان، وقد تكلم فيه بعض الحفاظ، ولينه.

** [ذكر ويل وصعود] **

قال الله تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 15] . وقال تعالى:

{سأرهقه صعودا} [المدثر: 17] . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " «ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار، يتصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا» ". وكذا رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، ثم قال: غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من طريق ابن لهيعة. (كذا قال) . وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، به.

وبكل حال فهو حديث غريب، بل منكر، والأظهر في تفسير ويل أنه ضد السلامة والنجاة، كما تقول العرب: ويل له، ويا ويله، وويله.

وقد روى البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث شريك القاضي، عن عمار الدهني، عن عطية، عن أبي سعيد، قال:

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {سأرهقه صعودا} [المدثر: 17] . قال: " هو جبل في النار من نار، يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله عليه ذابت، فإذا رفعها عادت» ".

وقال قتادة: قال ابن عباس: صعود: صخرة في جهنم، يسحب عليها الكافر على وجهه.

وقال السدي: صعود: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها.

وقال مجاهد {سأرهقه صعودا} [المدثر: 17] . أي مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه، واختاره ابن جرير.

** [ذكر حياتها وعقاربها] ، أعاذنا الله منها برحمته **

قال تعالى: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] . وثبت في " صحيح البخاري " من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح،

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه فيقول: أنا مالك، أنا كنزك» ". وفي رواية: " يفر منه، وهو يتبعه، ويتقي منه، فيلقمه يده، ثم يطوقه ". وقرأ هذه الآية. وقد روي مثله عن ابن مسعود مرفوعا.

وقال الأعمش: عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] . قال: زيدوا عقارب، لها أذناب كالنخل الطوال.

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق، عن أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «إن في النار لحيات أمثال أعناق البخت، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا، وإن فيها لعقارب كالبغال المؤكفة، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا» .

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا محمد بن عثمان، أبو الجماهر، عن إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، حدثني الحجاج بن عبد الله الثمالي - وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وحج معه حجة الوداع - أن نفير بن مجيب - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقدمائهم - قال: إن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف شق، في كل شق سبعون ألف ثعبان، في شدق كل

ثعبان سبعون ألف عقرب، لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله، وهذا موقوف، وغريب جدا، بل منكر نكارة شديدة، وسعيد بن يوسف هذا - الذي حدث عنه به إسماعيل بن عياش - مجهول، والله أعلم، وبتقدير رواية إسماعيل بن عياش له، عن يحيى بن أبي كثير ; وهو حجازي، وإسماعيل في غير الشاميين غير مقبول، وقد ذكر هذا الأثر البخاري في " تاريخه الكبير "، بنحو من هذا السياق، فالله أعلم.

وقد ذكر بعض المفسرين في تفسير: " غي " و " أثام "، أنهما واديان من أودية جهنم، أجارنا الله تعالى منها. وقال بعضهم في قوله تعالى: {وجعلنا بينهم موبقا} [الكهف: 52] . قال: هو نهر من قيح ودم. وقال عبد الله بن عمرو، ومجاهد: هو واد من أودية جهنم. زاد عبد الله بن عمرو: عميق، فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى، وأهل الضلالة.

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن ابن معين، عن هشيم، عن العوام بن حوشب، عن عبد الجبار

الخولاني، قال: قدم علينا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دمشق، فرأى ما فيه الناس - يعني من الدنيا - فقال: وما يغني عنهم، أليس من ورائهم الفلق؟ وقد تقدم هذا الأثر.

وروى البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن إبراهيم بن مرزوق بمصر، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، قال: كتب إلي منصور وقرأته عليه، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، وكان يزيد بن شجرة رجلا من الزهاد، وكان معاوية يستعمله على الجيوش، فخطبنا يوما، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، اذكروا نعمة الله عليكم، ما أحسن أثر نعمة الله عليكم لو ترون ما أرى من بين أحمر وأصفر ومن كل لون، وفي الرحال ما فيها، إنه إذا أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء وأبواب الجنة وأبواب النار، وإذا التقى الصفان فتحت أبواب الجنة وأبواب النار وزين الحور العين فيطلعن، فإذا أقبل أحدكم بوجهه إلى القتال، قلن: اللهم ثبته، اللهم انصره. وإذا أدبر احتجبن عنه، وقلن: اللهم اغفر له، فانهكوا وجوه القوم، فداكم أبي وأمي، فإن أول

قطرة تقطر من دم أحدكم يحط الله بها عنه خطاياه، كما يحط الغصن من ورق الشجر، وتبتدره اثنتان من الحور العين ويمسحان التراب عن وجهه، وتقولان: فدانا لك. ويقول: فدانا لكما. فيكسى مائة حلة لو وضعت بين إصبعي هاتين لوسعتاهن، ليست من نسج بني آدم، ولكنها من ثياب الجنة، إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم ونجواكم وحلاكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان، هذا نورك، يا فلان، لا نور لك، وإن لجهنم جبابا من ساحل كساحل البحر، فيه هوام وحيات كالبخاتي، وعقارب كالبغال الدلم، أو كالدلم البغال، فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل: اخرجوا إلى الساحل. فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم، وبما شاء الله من ذلك، فتكشطها فيرجعون، فيبادرون إلى معظم النار، ويسلط عليهم الجرب، حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم، فيقال له: يا

فلان، هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم، فيقال له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين.

وروى الترمذي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة. ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار» ".

وروى البيهقي، عن أبي سعيد، أو عن ابن حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة، أن أحدهما حدثه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " «إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر نار جهنم. قال الله عز وجل لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك، وإني أشهدك أني قد أجرته. وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سبحانه سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته ". قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: " جب يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة البرد بعضه من بعض» ".

** [فصل في دركات جهنم] **

فصل (دركات جهنم)

قال القرطبي: قال العلماء: أعلى الدركات جهنم، وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي التي تخلو من أهلها، فتصفق الرياح أبوابها، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.

وقال الضحاك: في الدرك الأعلى المحمديون، وفي الثاني النصارى، وفي الثالث اليهود، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون. قلت: هذه المراتب والمنازل، وتخصيصها بهؤلاء، مما يحتاج إثباته إلى سند صحيح إلى المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، أو قرآن ناطق بذلك، ولكن معلوم أن هؤلاء كلهم يدخلون النار، وكونهم يكونون على هذه الصفة في الأخبار، وعلى هذا الترتيب، فالله أعلم بذلك، فأما المنافقون ففي الدرك الأسفل من النار بنص القرآن لا محالة.

قال القرطبي: فمن هذه الأسماء ما هو علم للنار كلها بجملتها، نحو جهنم، وسعير، ولظى، فهذه أعلام ليست لباب دون باب. وصدق فيما قال.

وقال حرملة، عن ابن وهب، أخبرني عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه، أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إن في النار لحيات أمثال أعناق البخت» ". وقد تقدم هذا الحديث.

وقال الطبراني: حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن الربيع، عن البراء بن عازب، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تعالى: {زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88] . قال: " عقارب أمثال النخل الطوال، تنهشهم في جهنم ".» وقد رواه الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، قوله، وتقدم.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا شجاع بن الأشرس، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن

كعب الأحبار، قال: حيات جهنم أمثال الأودية، وعقاربها أمثال القلال، وإن لها لأذنابا كأمثال الرماح، تلقى إحداهن الكافر فتلسعه، فيتناثر لحمه على قدميه.

** [ذكر بكاء أهل النار فيها] **

قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن حميد، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «يا أيها الناس، ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل فتقرح العيون، فلو أن سفنا أرسلت فيها لجرت» ". ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بنحوه. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن العباس، حدثنا حماد الجزري، عن

زيد بن رفيع، رفعه، قال: " «إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانا، ثم بكوا القيح زمانا، فيقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء، تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها وتبكون في الدار التي لا يرحم أهلها، هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ " قال: " فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة، يا معشر الآباء والأمهات والأولاد، خرجنا من القبور عطاشا، وكنا طول الموقف عطاشا، ونحن اليوم في النار عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. " قال: " فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم أحد، ثم يجيبهم مالك: {إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] قال؟ " فييأسون من كل خير» ".

قوله تعالى: {تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} [المؤمنون: 104] .

قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أخبرنا سعيد بن يزيد أبو شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، «عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {وهم فيها كالحون} [المؤمنون: 104] قال: " تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته

السفلى حتى تبلغ سرته ".»

ورواه الترمذي، عن سويد، عن ابن المبارك، به، وقال: حسن صحيح غريب. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حدثنا الخضر بن علي بن يوسف القطان، حدثنا عم الحارث بن الخضر القطان، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: {تلفح وجوههم النار} [المؤمنون: 104] قال: " تلفحهم لفحة، فتسيل لحومهم على أعقابهم ".» أجارنا الله منها، آمين.

** [أحاديث شتى في صفة النار وأهلها] **

قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن الحسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا

مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام، وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب، فأخذنا بها. فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي في النار من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا ". قال: ثم قرأ رسول صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 1]

[الحجر: 1، 2] .»

وقال الطبراني: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم أبو روق عطية بن الحارث، حدثني صالح بن أبي طريف، سألت أبا سعيد الخدري، فقلت له: «هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] ؟ قال: نعم، سمعته يقول: " يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعد ما يأخذ نقمته منهم ". وقال: " لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال لهم المشركون: تزعمون أنكم كنتم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فيشفع الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون، حتى يخرجوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم، فتدركنا الشفاعة، فنخرج معهم. قال. فذلك قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] فيسمون في الجنة: الجهنميون. من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا ربنا، أذهب عنا هذا الاسم. فيأمرهم، فيغتسلون في نهر الجنة، فيذهب ذلك الاسم عنهم ". فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم.»

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن العباس - هو الأخرم - حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ، وأثنى عليه يحيى بن معين، حدثنا معرف بن واصل، عن يعقوب بن أبي نباتة، عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن ناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إله إلا الله. وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم، فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرءون من حرقهم، كما يبرأ القمر من كسوفه، فيدخلون الجنة، ويسمون فيها الجهنميين ". فقال رجل: يا أنس، أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار ". نعم، أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا.»

قال الطبراني: لم يروه عن معرف بن واصل إلا صالح بن إسحاق الجهبذ.

** [أثر غريب وسياق عجيب في وصف جهنم] **

أثر غريب وسياق عجيب

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، حدثنا طلحة

بن سنان، حدثنا عبد الملك بن أبجر، عن الشعبي، عن أبي هريرة قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ بكل زمام سبعون ألف ملك، وهى تمايل عليهم حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي الله عليها الذل يومئذ، فيوحي الله إليها: ما هذا الذل؟ فتقول: يا رب، أخاف أن يكون لك في نقمة. فيوحي الله إليها: إنما خلقتك نقمة، وليس لي فيك نقمة. فيوحي الله إليها، فتزفر زفرة لا تبقى دمعة في عين إلا جرت. قال: ثم تزفر أخرى، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا صعق، إلا نبيكم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، يقول: يا رب، أمتي أمتي.

** [أثر آخر من أغرب الآثار عن كعب الأحبار في جهنم] **

أثر آخر من أغرب الآثار عن كعب الأحبار

قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الحسين البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا عبيد الله بن محمد ابن عائشة، حدثنا سلم الخواص، عن فرات بن السائب، عن زاذان، قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فنزلت الملائكة، فصاروا صفوفا، فيقول الله تعالى: يا جبريل

ائتني بجهنم. فيأتي بها جبريل تقاد بسبعين ألف زمام، حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم زفرت ثانية، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، ثم زفرت الثالثة، فتبلغ القلوب الحناجر، وتذهل العقول، فيفزع كل امرئ إلى عمله، حتى إن إبراهيم الخليل، عليه السلام، يقول: بخلتي لا أسألك إلا نفسي. ويقول موسى عليه السلام: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي. وإن عيسى، عليه السلام، ليقول: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني. ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول: أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي، إنما أسألك أمتي. قال: فيجيبه الجليل جل جلاله: أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فوعزتي وجلالي لأقرن عينك في أمتك. ثم تقف الملائكة بين يدي الله عز وجل، ينتظرون ما يؤمرون به، فيقول لهم الرب تعالى وتقدس: معاشر الزبانية، انطلقوا بالمصرين من أهل الكبائر من أمة محمد إلى النار، فقد اشتد غضبي عليهم بتهاونهم بأمري في دار الدنيا، واستخفافهم بحقي، وانتهاكهم حرمتي، يستخفون من الناس، ويبارزوني بالمعاصي مع كرامتي لهم، وتفضيلي إياهم على الأمم، ولم يعرفوا فضلي، وعظم نعمتي. فعندها تأخذ الزبانية بلحى الرجال، وذوائب النساء، فينطلقون بهم إلى النار، وما من عبد يساق إلى النار من غير هذه الأمة إلا مسودا وجهه، وقد وضعت الأنكال في قدميه، والأغلال في عنقه إلا ما كان من هذه الأمة، فإنهم يساقون بألوانهم، فإذا وردوا على مالك قال

لهم: معاشر الأشقياء، من أي أمة أنتم؟ فما ورد علي أحسن وجوها منكم. فيقولون: يا مالك، نحن من أمة القرآن. فيقول لهم: معاشر الأشقياء، أوليس القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء: وامحمداه، يا محمد، اشفع لمن آمن بك ممن أمر به إلى النار من أمتك. قال: فينادى مالك، بتهدد وانتهار: يا مالك، من أمرك بمعاتبة الأشقياء ومحادثتهم، والتوقف عن إدخالهم العذاب؟ يا مالك، لا تسود وجوههم، فقد كانوا يسجدون لي بها في دار الدنيا، يا مالك لا تغلهم بالأغلال؟ فقد كانوا يغتسلون من الجنابة، يا مالك، لا تقيدهم بالأنكال، فقد طافوا حول بيتي الحرام، يا مالك لا تلبسهم القطران؟ فقد خلعوا ثيابهم للإحرام، يا مالك، مر النار لا تحرق ألسنتهم ; فقد كانوا يقرءون القرآن، يا مالك، قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من العذاب من الوالدة بولدها. فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره. قال: فإذا انتقم الله منهم على قدر كبائرهم وعتوهم وإصرارهم فتح بينهم وبين المشركين بابا، وهم في الطبق الأعلى من النار، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، يبكون ويقولون: يا محمداه، ارحم من أمتك الأشقياء، واشفع لهم؟ فقد أكلت النار لحومهم وعظامهم ودماءهم. ثم ينادون: يا رباه، يا

سيداه، ارحم من لم يشرك بك في دار الدنيا، وإن كان قد أساء وأخطأ وتعدى. فعندها يقول المشركون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم بالله وبمحمد؟ ! فيغضب الله لذلك، فيقول: يا جبريل، انطلق، فأخرج من في النار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فيخرجهم ضبائر، قد امتحشوا، فيلقيهم في نهر على باب الجنة، يقال له: نهر الحياة. فيمكثون حتى يعودوا أنضر ما كانوا، ثم يأمر الله، عز وجل، بإدخالهم الجنة، مكتوب على جباههم: هؤلاء الجهنميون، عتقاء الرحمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فيعرفون من بين أهل الجنة بذلك، فيتضرعون إلى الله تعالى أن يمحو عنهم تلك السمة، فيمحوها الله عنهم، فلا يعرفون بها بعد ذلك من بين أهل الجنة.

لبعض هذا الأثر شواهد من الأحاديث، والله أعلم. وسيأتي بعد ذكر أحاديث الشفاعة ذكر آخر من يخرج من النار، ويدخل الجنة، إن شاء الله تعالى.

** [ذكر الأحاديث الواردة في شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وبيان أنواعها وتعدادها] **

** [النوع الأول الشفاعة العظمى الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم] **

ذكر الأحاديث الواردة في شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وبيان أنواعها وتعدادها:

فالنوع الأول منها: شفاعته الأولى، وهي العظمى الخاصة به من بين سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وهي التي يرغب إليه فيها الخلق كلهم، حتى إبراهيم الخليل، وموسى

الكليم، ويتوسل الناس إلى آدم فمن بعده من المرسلين، فكل يحيد عنها، ويقول: لست بصاحبها. حتى ينتهي الأمر إلى سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: " أنا لها، أنا لها ". فيذهب فيشفع عند الله سبحانه وتعالى في أن يأتي، لفصل القضاء بين الخلق، ويريحهم مما هم فيه، ويميز بين مؤمنهم وكافرهم، بمجازاة المؤمنين بالجنة، والكافرين بالنار.

وقد ذكرنا ذلك في تفسير سورة " سبحان " عند قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] . وقد قدمنا في هذا الكتاب من الأحاديث الدالة على هذا المقام المحمود ما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.

وثبت في " الصحيحين " من طريق هشيم، عن سيار، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة» ".

وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن واصل، عن مجاهد، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه، ورواه الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن

عمير، عن أبي ذر.

فقوله: " وأعطيت الشفاعة ". يعني بذلك الشفاعة العظمى، وهي الأولى التي يشفع فيها عند الله عز وجل، أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، ويغبطه بها الأولون والآخرون، فهو مختص بهذه الشفاعة دون غيره.

وأما الشفاعة في العصاة فيشركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، حتى القرآن والأعمال الصالحة، كما سيأتي بيانه فيما نورده من الأحاديث الصحيحة، وغيرها.

وقال الأوزاعي، عن أبي عمار، عن عبد الله بن فروخ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أنا أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع» ".

ورواه البيهقي، عن معمر بن راشد، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع ومشفع، بيدي لواء الحمد، تحتي آدم فمن دونه» ".

وفي " صحيح مسلم " من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن ربي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف،

فرددت عليه: يا رب، هون على أمتي. فرد علي الثانية أن اقرأه على حرفين " قال: " قلت: يا رب، هون على أمتي. فرد علي الثالثة أن اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم» ".

** [النوع الثاني والثالث شفاعته في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم] **

النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم، ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.

قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب " الأهوال ": حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا محمد بن ثابت البناني، عن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ينصب للأنبياء يوم القيامة منابر من ذهب، فيجلسون عليها ". قال: " ويبقى منبري لا أجلس عليه، قائما بين يدي الله، عز وجل، منتصبا بأمتي ; مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي، فأقول: يا رب أمتي، فيقول الله: يا محمد، وما تريد أن أصنع بأمتك؟ فأقول: يا رب، عجل حسابهم، فيدعى بهم، فيحاسبون، فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، وما أزال أشفع حتى أعطى

صكاكا برجال قد بعث بهم إلى النار، حتى أن مالكا خازن النار ليقول: يا محمد، ما تركت لغضب ربك لأمتك من نقمة» ".

وحدثنا إسماعيل بن عبيد بن عمر بن أبي كريمة، حدثني محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة، قال: " «يحشر الناس عراة، فيجتمعون شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء قياما أربعين سنة، فينزل الله عز وجل، من العرش إلى الكرسي، فيكون أول من يدعى إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، فيكسى قبطيتين من الجنة، ثم يقول: ادعوا لي النبي الأمي محمدا ". قال: " فأقوم، فأكسى حلة من ثياب الجنة ". قال: " ويفجر لي الحوض، وعرضه كما بين أيلة إلى الكعبة ". قال: " فأشرب وأغتسل وقد تقطعت أعناق الخلائق من العطش، ثم أقوم عن يمين الكرسي، ليس أحد يومئذ قائما ذلك المقام غيري، ثم يقال: سل تعطه، واشفع تشفع ". قال: فقال رجل: أترجو لوالديك شيئا يا رسول الله؟ قال: " إني لشافع لهما، أعطيت أو منعت، وما أرجو لهما شيئا» ".

ثم قال المنهال: حدثني عبد الله بن الحارث أيضا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أمر بقوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار، فيقولون: يا محمد، ننشدك

الشفاعة ". قال: " فآمر الملائكة أن يقفوا بهم ". قال: " فأنطلق فأستأذن على الرب عز وجل، فيؤذن لي فأسجد، وأقول: يا رب، قوم من أمتي قد أمرت بهم إلى النار ". قال: " فيقول: انطلق فأخرج منهم ". قال: " فأنطلق، فأخرج منهم من شاء الله أن أخرج، ثم ينادي الباقون: يا محمد، ننشدك الشفاعة. فأرجع إلى الرب عز وجل، فأستأذن، فيؤذن لي فأسجد، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع ". قال: " فأقوم فأثني على الله سبحانه ثناء لم يثن عليه أحد ثناء مثله، فأقول: يا رب، قوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار. فيقول: انطلق، فأخرج منهم ". قال: " فأقول: يا رب، أخرج منهم من قال لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه مثقال حبة من إيمان؟ " قال: " فيقول: يا محمد، ليست تلك لك، تلك لي ". قال: " فأنطلق فأخرج من شاء الله أن أخرج ". قال: " ويبقى قوم فيدخلون النار، فيعيرهم أهل النار فيقولون: أنتم كنتم تعبدون الله، ولا تشركون به شيئا، فما الذي أدخلكم النار؟! " قال: " فيحرجون ويحزنون من ذلك ". قال: " فيبعث الله ملكا بكف من ماء فينضح بها في النار التي فيها الموحدون، فلا يبقى أحد من أهل لا إله إلا الله إلا وقعت في وجهه منها قطرة ". قال: " فيعرفون بها. ويغبطهم أهل النار، ثم يخرجون فيدخلون الجنة، فيقال لهم: انطلقوا، فتضيفوا الناس. فلو أن جميعهم نزلوا برجل واحد كان لهم عنده سعة، ويسمون المحررين» ".

وهذا السياق يقتضي تعداد هذه الشفاعة فيمن أمر بهم إلى النار ثلاث مرات

أن لا يدخلوها، ويكون معنى قوله: " فأخرج ". أي أنقذ، بدليل قوله بعد ذلك: " ويبقى قوم فيدخلون النار ". والله أعلم بالصواب.

** [النوع الرابع شفاعته في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما يقتضيه ثواب أعمالهم] **

النوع الرابع من الشفاعة: شفاعته في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما يقتضيه ثواب أعمالهم.

وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة، وخالفوا فيما عداها من الشفاعات، مع تواتر الأحاديث فيها، على ما ستراه قريبا إن شاء الله تعالى.

فأما دليل هذه الشفاعة فهو ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من رواية أبي موسى الأشعري لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس، فلما أخبر أبو موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفع يديه، وقال: " «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» ".

وهكذا حديث أم سلمة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأبي سلمة بعد ما توفي، فقال: " اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه» ". وهو في " صحيح مسلم ".

** [النوع الخامس الشفاعة في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب] **

وقد ذكر القاضي عياض وغيره نوعا آخر من الشفاعة، وهو خامس، وهو في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، ولم أر لهذا شاهدا فيما علمت، ولم يذكر القاضي عياض له مستندا فيما رأيت، ثم تذكرت حديث عكاشة بن محصن، حين دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث مخرج في " الصحيحين "، كما تقدم "، وهو يناسب هذا المقام.

** [النوع السادس شفاعته في عمه أبي طالب] **

وذكر أبو عبد الله القرطبي في " التذكرة " نوعا سادسا من الشفاعة، وهو شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عذابه، واستشهد بحديث أبي سعيد في " صحيح مسلم " " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» ".

ثم قال: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] . قيل: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين الذين يخرجون منها، ويدخلون الجنة.

** [النوع السابع شفاعته لجميع المؤمنين قاطبة في أن يؤذن لهم في دخول الجنة] **

النوع السابع من الشفاعة: شفاعته لجميع المؤمنين قاطبة في أن يؤذن لهم في دخول الجنة، كما ثبت في " صحيح مسلم "، عن أنس بن مالك، أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أنا أول شفيع في الجنة ".»

وقال في حديث الصور بعد ذكر مرور الناس على الصراط: " «فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ". فذكر الحديث إلى أن قال: " ولكن عليكم بمحمد ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات، وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب، ثم أستفتح، فيفتح لي، فأحيا، ويرحب بي فإذا دخلت، فنظرت إلى ربي، عز وجل، خررت له ساجدا، فيأذن الله تعالى لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول الله لي: ارفع رأسك يا محمد، واشفع تشفع، وسل تعطه. فإذا رفعت رأسي قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله عز وجل: قد شفعتك، وأذنت لهم في دخول الجنة» ". وذكر الحديث كما تقدم في حديث الصور.

** [النوع الثامن شفاعته في أهل الكبائر من أمته] **

ثم ذكر بعد ذلك الشفاعة في أهل الكبائر، وهو النوع الثامن من الشفاعة، وهو شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار بذنوبه وكبائر إثمه، فيخرجون منها. وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث، وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة، فخالفوا في ذلك جهلا منهم بصحة الأحاديث، وعنادا ممن علم ذلك واستمر على بدعته. وهذه الشفاعة يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون، وهذه الشفاعة تتكرر منه أربع مرات.

** [بيان طرق الأحاديث وألفاظها] **

** [رواية أبي بن كعب] **

رواية أبي بن كعب: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الله بن وضاح، حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أنا خطيب الأنبياء يوم القيامة، وإمامهم، وصاحب شفاعتهم» ".

** [رواية أنس بن مالك] **

: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا سعيد بن سليمان، عن منصور بن أبي الأسود، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أنا أولهم خروجا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم، كأنهم بيض مكنون، أو كأنهم لؤلؤ منثور» ".

ثم رواه عن خلف بن هشام، عن حبان بن علي العنزي، عن ليث بن أبي سليم، عن عبيد الله بن زحر، عن الربيع بن أنس، فذكره مرفوعا كما تقدم.

** طريق أخرى عنه: **

قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا بسطام بن حريث، عن أشعث الحداني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ".

وهكذا رواه أبو داود، عن سليمان، عن بسطام، عن أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، عن أنس.

** طريق أخرى: **

قال البزار في " مسنده ": حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا الخزرج بن عثمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ". ثم قال: لم يروه عن ثابت إلا الخزرج بن عثمان.

وهكذا رواه أبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ".

** طريق أخرى عنه: **

قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر،

سمعت أبي يحدث عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «كل نبي قد سأل سؤالا ". أو قال: " لكل نبي دعوة قد دعاها، فاستخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". أو كما قال.

ورواه البخاري تعليقا، فقال: وقال معتمر، عن أبيه. وأسنده مسلم، فرواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه سليمان بن طرخان التيمي، عن أنس، به نحوه.

** طريق أخرى عنه: **

قال ابن أبي الدنيا: حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ".

قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن يزيد العجلي، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا كان يوم القيامة أنلت الشفاعة، فأشفع لمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى لا يبقى أحد في قلبه من الإيمان مثل هذا» ". وحرك الإبهام والمسبحة.

** طريق أخرى عنه: **

قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، قالا: حدثنا

همام، حدثنا قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن لكل نبي دعوة قد دعا بها، فاستجيب له، وإني استخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". وهذا الحديث على شرطهما، ولم يخرجوه من حديث همام، وإنما أخرجه الشيخان من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن قتادة.

ثم رواه مسلم من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيهمون بذلك، أو يلهمون ذلك» ". بمثل حديث أبي عوانة. وقال في الحديث: " ثم آتيه الرابعة - أو أعود الرابعة - فأقول: يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن ".

** طريق أخرى عنه: **

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يحبس المؤمنون يوم القيامة، فيهمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا فيريحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبونا، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك. قال: فيقول: لست هناكم. ويذكر خطيئته التي أصاب، أكله من الشجرة وقد نهي عنها. ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. قال: فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم.

ويذكر خطيئته ; سؤاله ربه ما ليس له به علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم. ويذكر خطيئته التي أصاب، ثلاث كذبات كذبهن ; قوله: إني سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وأتى على جبار مترف ومعه امرأته، فقال: أخبريه أني أخوك ; فإني مخبره أنك أختي. ولكن ائتوا موسى ; عبدا كلمه الله تكليما، وأعطاه التوراة. قال: فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم. ويذكر خطيئته التي أصاب ; قتله الرجل. ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه. قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا، عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". قال: " فيأتوني، فأستأذن على ربي، عز وجل، في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعط. فأرفع رأسي فأحمد ربي، عز وجل، بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم، فأدخلهم الجنة - وسمعته يقول: فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة - قال: " ثم أستأذن على ربي عز وجل، الثانية، فيؤذن لي عليه، فإذا

رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع رأسك محمد، وقل تسمع، واشفع تشفع وسل تعط ". قال: " فأرفع رأسي، وأحمد ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم، فأدخلهم الجنة " - قال همام: وسمعته يقول: " فأخرجهم من النار، فأدخلهم الجنة " - قال: " ثم أستأذن على ربي، عز وجل، الثالثة، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعط. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، فأدخلهم الجنة " - قال همام: وسمعته يقول: " فأخرجهم من النار، فأدخلهم الجنة " - " فما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود» ". ثم تلا قتادة: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] . قال: هو المقام المحمود الذي وعد الله عز وجل، نبيه صلى الله عليه وسلم.

وقد رواه البخاري في كتاب التوحيد معلقا، فقال: وقال حجاج بن منهال، عن همام. فذكره بنحوه.

** طرق أخر متعددة عن أنس: **

قال البخاري في كتاب التوحيد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا معبد بن هلال العنزي.

قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا معنا بثابت البناني يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره، فوافقناه يصلي الضحى -، فاستأذنا، فأذن لنا، وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة. فقال: يا أبا حمزة، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة، جاءوا يسألونك عن حديث الشفاعة.

فقال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك. فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم ; فإنه خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله. فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى ; فإنه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيأتوني، فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعطه. فأقول: يا رب، أمتي أمتي. فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. فأنطلق فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعطه. فأقول: يا رب، أمتي أمتي. فيقال:

انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة، أو خردلة من إيمان. فأنطلق فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع لك، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، أمتي أمتي. فيقال: انطلق، فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار. فأنطلق فأفعل» ".

قال: فلما خرجنا من عند أنس، قلت لبعض أصحابي: لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة، فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك. فأتيناه فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، فقال: هيه. فحدثناه بالحديث، فانتهينا إلى هذا الموضع فقال: هيه. فقلنا: لم يزد لنا على هذا. فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فما أدري أنسي أم كره أن تتكلوا؟ فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثنا. فضحك وقال: وخلق الإنسان عجولا، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم، قال: " «ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك،

وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله ".»

وهكذا رواه مسلم، عن أبي الربيع الزهراني وسعيد بن منصور، كلاهما عن حماد بن زيد، به نحوه.

وقد رواه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث بطوله، وقال: " «فأحمد ربي بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي، ولا يحمده بها أحد بعدي ". وفيه: " فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة ". ثم يعود، فيقال: " مثقال برة ". ثم يعود، فيقال: " مثقال ذرة» ". ولم يذكر الرابعة.

وكذا رواه البزار، عن محمد بن بشار ومحمد بن معمر، كلاهما عن حماد بن مسعدة، عن محمد بن عجلان، عن جوثة بن عبيد المدني، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث بطوله، وفيه الشفاعة ثلاثا، ثم قال: لم يرو عن جوثة بن عبيد إلا ابن عجلان.

وكذا رواه أبو يعلى من حديث الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، فذكر الحديث بطوله، وفيه ثلاث شفاعات، وقال في آخرهن: " فأقول: أمتي. " فيقال لي: لك من قال: لا إله إلا الله. مخلصا ".

** طريق أخرى: **

قال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عمران العمي، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا أزال أشفع، وأشفع - أو قال: ويشفعني ربي، عز وجل - حتى أقول: أي رب، شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقال: يا محمد، هذه ليست لك ولا لأحد، هذه لي، وعزتي ورحمتي لا أدع في النار أحدا يقول: لا إله إلا الله ".» ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد. ورواه ابن أبي الدنيا، عن أبي حفص الصيرفي، عن حماد بن مسعدة، به.

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثنا نبي الله صلى الله عليه وسلم: " «إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال: يجتمعون إليك - ويدعون الله

عز وجل أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله ; لغم ما هم فيه، فالخلق ملجمون في العرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيغشاه الموت ". قال: " يا عيسى، انتظر حتى أرجع إليك ". قال: فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق ملك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى الله، عز وجل، إلى جبريل: اذهب إلى محمد، فقل: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال: " فشفعت في أمتي ; أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا ". قال: " فما زلت أتردد على ربي، عز وجل، فلا أقوم مقاما إلا شفعت حتى أعطاني الله تعالى من ذلك أن قال: يا محمد، أدخل من أمتك من خلق الله من شهد أن لا إله إلا الله يوما واحدا مخلصا، ومات على ذلك ".» تفرد به أحمد، وقد حكم الترمذي بالحسن لهذا الإسناد.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو يوسف القلوسي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا حرب بن ميمون، حدثني النضر بن أنس، عن أنس قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حضر من أمر العباد ما حضر، فقال: ادن إلى ربك، فسل لأمتك الشفاعة. قال: " فدنوت من العرش، فقمت عند العرش، فلقيت ما لم يلق

نبي ولا ملك مقرب، فقال: سل تعطه، واشفع تشفع ". قال: " أمتي ".» وذكر تمام الحديث، كنحو ما ساقه الإمام أحمد.

** [رواية بريدة بن الحصيب] **

: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن معبد، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حصيرة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «إني لأرجو أن أشفع عدد كل حجر ومدر لأمتي» ".

** [رواية جابر بن عبد الله] **

: قال الإمام أحمد: حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله، حدثنا هشام قال: سمعت الحسن يذكر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن لكل نبي دعوة قد دعا بها، وإني استخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.

** طريق أخرى: **

قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، حدثنا محمد بن حمدويه بن سهل المروزي، أبو نصر الغازي، حدثنا عبد الله بن حماد الآملي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد،

حدثنا زهير بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمتي» ". فقلت: ما هذا يا جابر؟ قال: نعم يا محمد، إنه من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابا يسيرا، ثم يدخل الجنة، وإنما شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أوبق نفسه، وأغلق ظهره.

وقد رواه البيهقي أيضا، عن الحاكم، عن أبي بكر محمد بن جعفر بن أحمد المزكي، عن محمد بن إبراهيم العبدي، عن يعقوب بن كعب الحلبي، عن الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} [الأنبياء: 28] الأنبياء: 28] . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح. قال البيهقي: وظاهره يوجب أن تكون الشفاعة في أهل الكبائر مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، والملائكة إنما يشفعون في أهل الصغائر، وزيادة الدرجات، وقد يكون المراد من الآية بيان كون المشفوع فيه مرتضى بإيمانه، وإن كانت له كبائر وذنوب دون الشرك، فيكون المراد بالآية نفي الشفاعة للكفار ; لأن الله تعالى لم يأذن فيها، ولم يرض اعتقادهم.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " «لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم، عن محمد بن أحمد بن أبي خلف، عن روح بن عبادة به.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا ميز أهل الجنة وأهل النار، فدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قامت الرسل فشفعوا، فيقول: انطلقوا - أو اذهبوا - فمن عرفتم فأخرجوه. فيخرجونهم قد امتحشوا، فيلقونهم في نهر - أو على نهر - يقال له: الحياة ". قال: " فيسقط محاشهم على حافتي النهر، ويخرجون بيضا كالثعارير، ثم يشفعون فيقول: اذهبوا - أو انطلقوا - فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط من إيمان، فأخرجوه ". قال: " فيخرجون بشرا، ويشفعون، فيقول: اذهبوا - أو انطلقوا - فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه ". قال: " فيخرجون بشرا.

ثم يقول الله، عز وجل: أنا الآن أخرج بعلمي ورحمتي. فيخرج أضعاف ما أخرجوا وأضعافه، فيكتب في رقابهم: عتقاء الله تعالى، ثم يدخلون الجنة، فيسمون فيها الجهنميين» ". تفرد به الإمام أحمد.

** طريق أخرى: **

قال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، حدثني سعيد بن المهلب قال: قال طلق بن حبيب: كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر خلود أهل النار، فقال لي: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة نبيه مني؟! قلت: لا. قال: إن الذي قرأته هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا عذبوا بها، ثم أخرجوا من النار. ثم أومأ بيديه إلى أذنه، ثم قال: صمتا، إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ونحن نقرأ الذي تقرأ.

** [حديث عبادة بن الصامت] **

: قال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود الصنعاني، عن عبد الرحمن بن حسان، عن روح بن زنباع، عن عبادة بن الصامت قال: «فقد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أصحابه، وكانوا إذا نزلوا أنزلوه وسطهم، ففزعوا وظنوا أن الله

اختار له أصحابا غيرهم، فإذا هم بخيال النبي صلى الله عليه وسلم فكبروا حين رأوه، وقالوا: يا رسول الله، أشفقنا أن يكون الله تعالى اختار لك أصحابا غيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا، بل أنتم أصحابي في الدنيا والآخرة، إن الله تعالى أيقظني، فقال: يا محمد، إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه، فسل يا محمد تعطه. فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي ". فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة؟ قال: " أقول: يا رب شفاعتي التي اختبأت عندك. فيقول الرب سبحانه: نعم. فيخرج ربي بقية أمتي، فينبذهم في الجنة» ". تفرد به الإمام أحمد.

** [رواية عبد الله بن عباس] **

: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إنه لم يكن نبي إلا له دعوة قد تنجزها في الدنيا، وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي ولا فخر، ويطول يوم القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فيشفع لنا إلى ربنا، فليقض بيننا. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته،

وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربنا، فليقض بيننا. فيقول: إني لست هناكم، إني قد أخرجت من الجنة بخطيئتي، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا نوحا رأس النبيين. فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح، اشفع لنا إلى ربنا فليقض بيننا. فيقول: إني لست هناكم، إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الله. فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، اشفع لنا إلى ربنا، فليقض بيننا. فيقول: إني لست هناكم، إني كذبت ثلاث كذبات في الإسلام - والله إن حاول بهن إلا عن دين الله ; قوله: {إني سقيم} [الصافات: 88] . وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] . وقوله لامرأته حين أتى على الملك: أختي - وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا موسى الذي اصطفاه الله برسالته وبكلامه. فيأتونه فيقولون: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فاشفع لنا إلى ربك، فليقض بيننا. فيقول: لست هناكم، إني قتلت نفسا بغير نفس، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، اشفع لنا إلى ربك، فليقض بيننا. فيقول: إني لست هناكم، إني اتخذت إلها من دون الله، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن أرأيتم لو كان متاع في وعاء مختوم عليه أكان يقدر على ما في جوفه حتى يفض الخاتم؟ " قال: " فيقولون: لا. فيقول: إن محمدا خاتم النبيين، وقد حضر اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيأتوني، فيقولون: يا محمد، اشفع لنا إلى ربك، فليقض بيننا. فأقول: أنا لها. حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد أن يصدع بين خلقه نادى مناد: أين أحمد وأمته؟ فنحن الآخرون الأولون،

آخر الأمم، أول من يحاسب، فتفرج لنا الأمم طريقا، فنمضي غرا محجلين من أثر الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها، فآتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: أنا محمد. فيفتح لي فآتي ربي، عز وجل، وهو على كرسيه - أو سريره شك حماد - فأخر له ساجدا، فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي، وليس يحمده بها أحد بعدي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع لك، واشفع تشفع ". قال: " فأرفع رأسي، فأقول: أي رب، أمتي أمتي. فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال كذا وكذا - لم يحفظ حماد - ثم أعود فأسجد، فأقول ما قلت، فيقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أي رب، أمتي أمتي. فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال كذا وكذا. دون الأول، ثم أعود فأسجد، وأقول مثل ذلك، فيقال لي: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أي رب، أمتي أمتي. فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال كذا وكذا. دون ذلك» ".

وقد روى ابن ماجه بعضه، من رواية حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، عن ابن عباس به. وتقدم

في الصنف الثاني والثالث من أصناف الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.

** طريق أخرى: **

وقد روى الطبراني في " معجمه الكبير "، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ".

** [رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب] ، رضي الله عنهما: **

قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا.

** طريق أخرى: **

قال الطبراني: حدثنا

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا معمر بن سليمان الرقي أبو عبد الله، حدثنا زياد بن خيثمة، عن علي بن النعمان بن قراد، عن رجل، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «خيرت بين الشفاعة، أو يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم وأكفى، أترونها للمنقين؟ لا، ولكنها للمتلوثين الخطاءون» ". قال زياد: أما إنها لحن، لكن

هكذا حدثنا الذي حدثنا.

ورواه ابن أبي الدنيا، عن الحسن بن عرفة، عن عبد السلام بن حرب، عن نعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر، فذكره بنحوه. هكذا رأيته في كتاب " الأهوال "، وكذا رواه البيهقي في " البعث والنشور "، من طريق الحسن بن عرفة.

** [رواية عبد الله بن عمرو بن العاص] **

: قال مسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلا قول الله تعالى في إبراهيم {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] . وقول عيسى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] . فرفع يديه، وقال: " اللهم أمتي أمتي ". وبكى، فقال الله تعالى: " يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله: ما يبكيك "؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: " يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك ".»

** [رواية عبد الله بن مسعود] **

: قد تقدم رواية علقمة عنه في الحوض والمقام المحمود، وفيه ذكر الشفاعة.

** [رواية عبد الرحمن بن أبي عقيل] **

: قال البيهقي: حدثنا أبو الحسين بن الفضل القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو خالد يزيد الأسدي، حدثنا عون بن أبي جحيفة السوائي، حدثنا عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال: «انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في وفد، فأتيناه فأنخنا بالباب، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه منه، فلما خرجنا خرجنا وما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه منه. قال: فقال قائل منهم: يا رسول الله، ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه، فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". قلت: إسناده غريب قوي، وحديث غريب.

** [رواية أمير المؤمنين عثمان بن عفان] ، رضي الله عنه: **

قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة القرشي، عن علاق بن أبي مسلم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يشفع يوم القيامة ثلاثة ; الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» ".

وقال البزار: حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن، عن علاق بن أبي مسلم قال: ورأيته في موضع آخر عندي، عن عبد الملك بن علاق، عن أبان، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «أول من يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم الشهداء، ثم المؤمنون» ". قال البزار: عنبسة هذا لين الحديث، وعبد الملك بن علاق لا نعلم روى عنه غير عنبسة.

** [رواية أمير المؤمنين علي بن أبى طالب] ، رضي الله عنه: **

قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن زبدا المذاري، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا حرب بن سريج البزار قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق، أحق هي؟ قال: شفاعة ماذا؟ قلت: شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. قال: حق إي والله، والله لحدثني عمي محمد بن علي ابن الحنفية، عن علي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «أشفع لأمتي حتى يناديني ربي، عز وجل، فيقول: أرضيت يا محمد؟ فأقول: رب رضيت» ". ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد.

** [رواية عوف بن مالك] **

: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن خداش

وخلف بن هشام، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني الليلة آت من ربي عز وجل، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة ". فقالوا: يا رسول الله، ننشدك الله والصحبة لما جعلتنا من أهل شفاعتك. قال: " فإني أشهد من حضر أن شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئا من أمتي» ".

وقد رواه يعقوب بن سفيان، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن جابر بن غانم، عن سليم بن عامر، عن معديكرب بن عبد كلال، عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «أتاني جبريل عليه السلام بأن ربي خيرني بين خصلتين؟ أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة» ".

وقد رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن بحر بن نصر، عن بشر بن بكر، عن ابن جابر، عن سليم بن عامر، سمعت عوف بن مالك، فذكر الحديث، وفيه قصة.

ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، رد الحديث إلى عوف بن مالك.

** [رواية كعب بن عجرة] **

: قال البيهقي: أنبأنا محمد بن موسى بن الفضل، أخبرنا محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا جعفر بن أبي عمار الطيالسي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا عنبسة بن عبد الواحد، عن واصل مولى أبي عيينة، عن أمي أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة. قال: «قلت: يا رسول الله، الشفاعة الشفاعة. فقال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ".»

** [رواية أبي بكر الصديق] ، رضي الله عنه: **

قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثني النضر بن شميل المازني، حدثنا أبو نعامة، حدثنا أبو هنيدة البراء بن نوفل، عن والان العدوي، عن حذيفة، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، قال: «أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فصلى الغداة، ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم، حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنه؟ صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط. فسأله، فقال: " نعم، عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا وأمر الآخرة، يجمع الأولون والآخرون بصعيد واحد، ففظع الناس بذلك، حتى انطلقوا إلى آدم والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا: يا آدم، أنت أبو البشر، أنت اصطفاك الله، اشفع لنا إلى ربك. فقال: لقد لقيت مثل

الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح، عليه السلام، إن الله اصطفى آدم ونوحا. قال: فينطلقون إلى نوح، عليه السلام، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين ديارا. فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم ; فإن الله اتخذه خليلا. فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى موسى؟ فإن الله كلمه تكليما. فيقول موسى: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم؟ فإنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى. فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم؛ فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، انطلقوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع لكم إلى ربكم. قال: فينطلقون، فيأتي جبريل ربه، فيقول الله تعالى: ائذن له وبشره بالجنة. قال: فينطلق به جبريل، فيخر ساجدا قدر جمعة، فيقول الله تعالى: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه، عز وجل، خر ساجدا قدر جمعة أخرى، فيقول الله: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. قال: فيذهب ليقع ساجدا، فيأخذ جبريل بضبعيه، ويفتح عليه من الدعاء بشيء لم يفتحه على بشر قط، فيقول: أي رب، خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه ليرد علي الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة. ثم يقال: ادعوا

الأنبياء. قال فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي وليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الصديقين. فيشفعون. ثم يقال: ادعوا الشهداء، فيشفعون لمن أرادوا. قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك يقول الله تعالى: أنا أرحم الراحمين، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا. قال: فيدخلون الجنة. ثم يقول الله عز وجل: انظروا في النار هل تلقون من أحد عمل خيرا قط؟ قال: فيجدون في النار رجلا، فيقال له: هل عملت خيرا قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع. فيقول الله عز وجل: أسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي. ثم يخرجون من النار رجلا، فيقال له: هل عملت خيرا قط؟ فيقول: لا، غير أني قد أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني بالنار، ثم اطحنوني، حتى إذا كنت مثل الكحل، فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبدا. فقال الله له: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك. قال: فيقول الله، عز وجل: انظر إلى ملك أعظم ملك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله. قال: فيقول: لم تسخر بي، وأنت الملك؟ ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فذاك الذي ضحكت منه من الضحى» ". وقد تكلمنا على هذا الحديث في آخر مسند الصديق رضي الله عنه.

** [رواية أبي سعيد الخدري] **

: قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، عن سليمان بن عمرو بن عبد العتواري، قال أحمد: وهو أبو الهيثم - أحد بني ليث - وكان يتيما في حجر أبي سعيد الخدري، قال: سمعت أبا سعيد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «يوضع الصراط بين ظهري جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومجروح به، ثم ناج ومحتبس به فمنكوس فيها، فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد يفقد المؤمنون رجالا كانوا معهم في الدنيا، يصلون بصلاتهم، ويزكون بزكاتهم، ويصومون صيامهم، ويحجون حجهم، ويغزون غزوهم، فيقولون: أي ربنا، عباد من عبادك كانوا معنا في الدنيا، يصلون صلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صيامنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا، لا نراهم؟! فيقول: اذهبوا إلى النار، فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه. قال: فيجدونهم وقد أخذتهم النار على قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته إلى قدميه، ومنهم من أخذته إلى نصف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبته، ومنهم من أخذته إلى آزرته، ومنهم من أخذته إلى ثدييه، ومنهم من أخذته إلى عنقه، ولم تغش الوجوه، فيستخرجونهم

منها، فيطرحونهم في ماء الحياة ". قيل: يا رسول الله، وما الحياة؟ قال: " غسل أهل الجنة، فينبتون نبات الزرعة ". وقال مرة: " كما تنبت الزرعة في غثاء السيل، ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا، فيخرجونهم منها ". قال: " ثم يتحنن الله برحمته على من فيها، فما يترك فيها عبدا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا أخرجه منها» ". تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي الدنيا، من حديث ابن إسحاق به، قال: " يوضع الصراط بين ظهري جهنم ". قال محمد: فلا أعلمه قال: إلا كحرفة السيف. وذكر تمام الحديث.

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان، يعني التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون، ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة، فيميتهم في الناس، فيدخل عليهم الشفعاء، فيأخذ الرجل الضبارة فيبثهم - أو قال: فيبثون - على نهر الحيا - أو " قال: الحياة. أو قال: الحيوان. أو قال: نهر الجنة - فينبتون نبات الحبة في حميل السيل ". قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم،: " أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء - أو قال: تكون صفراء ثم تكون خضراء " قال: فقال بعضهم: كأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالبادية» .

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد، عن

أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،: " «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس - أو كما قال - تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فيبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» ". فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه من هذا الوجه.

** طريق أخرى: **

قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن غياث، حدثني أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: «يعرض الناس على جسر جهنم، عليه حسك، وكلاليب، وخطاطيف تخطف الناس. قال: فيمر الناس مثل البرق، وآخرون مثل الريح، وآخرون مثل الفرس المجرى، وآخرون يسعون سعيا، وآخرون يمشون مشيا، وآخرون يحبون حبوا، وآخرون يزحفون زحفا، فأما أهل النار فلا يموتون، ولا يحيون، وأما أناس فيؤخذون بذنوبهم فيحرقون، فيكونون فحما، ثم يأذن الله في الشفاعة، فيؤخذون ضبارات ضبارات، فيقذفون على نهر، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل رأيتم الصبغاء؟ " قال: وعلى النار ثلاث شجرات، فيخرج - أو يخرج - رجل من النار، فيكون على شفتها، فيقول: يا رب، اصرف وجهي

عنها. قال: فيقول: وعهدك وذمتك لا تسألني غيرها؟ قال: فيرى شجرة، فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها، وآكل من ثمرتها. قال: فيقول: وعهدك وذمتك لا تسألني غيرها؟ قال: فيرى شجرة أخرى أحسن منها، فيقول: يا رب، حولني إلى هذه الشجرة أستظل بظلها، وآكل من ثمرتها. قال: فيقول: وعهدك وذمتك لا تسألني غيرها؟ قال: فيرى الثالثة، فيقول: يا رب، حولني إلى هذه الشجرة أستظل بظلها، وآكل من ثمرتها. قال: فيقول: وعهدك وذمتك لا تسألني غيرها؟ قال: فيرى سواد الناس، ويسمع أصواتهم، فيقول: يا رب، أدخلني الجنة. قال أبو سعيد ورجل آخر من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، اختلفا، فقال أحدهما: فيدخل الجنة، ويعطى الدنيا ومثلها. وقال الآخر: فيدخل الجنة، ويعطى الدنيا وعشرة أمثالها» .

وقد رواه النسائي، من حديث عثمان بن غياث به نحوه.

** [رواية أبي هريرة] **

: قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان، يعني ابن داود، حدثنا إسماعيل، حدثنا عمرو، عن سعيد، عن أبي هريرة. قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله. خالصة من قبل نفسه» ".

هذا إسناد صحيح، على شرطهما، ولم يخرجاه من هذا الوجه.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ويعلى بن عبيد، قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي - يعني شفاعة - لأمتي، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئا» ". قال يعلى: شفاعة.

ورواه مسلم، من حديث أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش به.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، والخزاعي، يعني أبا سلمة، قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سالم بن أبي سالم، عن معاوية بن معتب الهذلي، عن أبي هريرة، أنه سمعه يقول: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا رد إليك ربك في الشفاعة؟ فقال: " والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي، لما رأيت من حرصك على العلم، والذي نفس محمد بيده لما يهمني من انقصافهم على أبواب الجنة أهم

عندي من تمام شفاعتي، وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه» ".

تفرد به أحمد من هذا الوجه.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن عن مالك، وحدثنا إسحاق، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لكل نبي دعوة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة» ". قال إسحاق: " فأردت أن أختبئ ".

وقد رواه البخاري من حديث مالك به.

** طريق أخرى: **

قال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، حدثني يونس، عن ابن شهاب، أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، أخبره أن أبا هريرة قال لكعب الأحبار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لكل نبي دعوة يدعوها، فأنا أريد، إن شاء الله، أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو هريرة: نعم. تفرد به مسلم.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر،

عن الزهري، أخبرني القاسم بن محمد قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث كعبا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكعب يحدث أبا هريرة عن الكتب. فقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ".

انفرد به أحمد، وإسناده صحيح على شرطهما، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة ومحمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال غندر في حديثه: قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن لكل نبي دعوة دعا بها، وإنما أريد أن أدخر دعوتي، إن شاء الله، شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". قال ابن جعفر: " في أمتي.

وقد رواه مسلم من حديث شعبة به.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لكل نبي دعوة تستجاب له، فأريد، إن شاء الله، أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ".

وهذا إسناد صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه.

** طريق أخرى: **

قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عمارة، وهو ابن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، فيستجاب له، فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» ". انفرد به مسلم.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا أبو أويس قال: قال الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لكل نبي دعوة، فأريد - إن شاء الله - أن أختبئ دعوتي ليوم القيامة شفاعة لأمتي» ".

تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.

ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.

وقد رواه البخاري من حديث شعيب بن أبي حمزة، ومسلم من طريق مالك، كلاهما عن الزهري به.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا داود الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة، «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 179]

[الإسراء: 179] . قال: " هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه» ".

ورواه الترمذي، عن أبي كريب، عن وكيع، عن داود، وقال: حسن.

** طريق أخرى: **

قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن ابن دارة مولى عثمان قال: إنا لبالبقيع مع أبي هريرة إذ سمعناه يقول: «أنا أعلم الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. قال: فتداك الناس عليه، فقالوا: إيه يرحمك الله. قال: يقول: " اللهم اغفر لكل عبد لقيك يؤمن بي لا يشرك بك ".» تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.

** [رواية أم حبيبة] **

: قال البيهقي: حدثنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الأدمي، حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا شعيب، عن الزهري، عن أنس، عن أم حبيبة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض فأحزنني ذلك، وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته أن يوليني فيهم شفاعة، ففعل» ". قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.

** [شفاعة المؤمنين لأهاليهم] **

** [ذكر شفاعة المؤمنين لأهاليهم] **

قد تقدم حديث عثمان بن عفان في شفاعة الأنبياء، ثم الشهداء، ثم المؤمنين. رواه البزار وابن ماجه.

وأما ما أورده القرطبي في " التذكرة "، من طريق أبي عمرو بن السماك: حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان، أخبرنا علي بن عاصم، حدثنا خالد الحذاء، عن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، قال: قال ابن مسعود: يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم، ثم الملائكة، ثم الصديقون، ثم الشهداء.

وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه به، وزاد أبو داود في روايته: لا يشفع أحد بعده أكثر منه، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 179] . فإنه حديث غريب جدا، ويحيى بن سلمه بن كهيل ضعيف.

وفي " الصحيح " من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد مرفوعا: " «إذا خلص المؤمنون من الصراط ورأوا أنهم قد نجوا فما أنتم بأشد مناشدة في الحق بعد ما تبين منهم لربهم عز وجل في إخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، ويغزون معنا، فيقال لهم: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه من النار، ثم يقول: نصف دينار. ثم يقول: مثقال ذرة. فأخرجوه من النار ". قال أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء: 40] . قال: " فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة. فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ".

" فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة فيقولون: هؤلاء عتقاء الله، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقال: عندي أفضل من هذا. فيقولون: ربنا، أي شيء

أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا» ".

وفي حديث إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بعد ذكر دخول أهل الجنة الجنة -: " «فأقول: يا رب، شفعني فيمن وقع في النار من أمتي. فيقول: نعم، أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، من كان في قلبه ثلثا دينار، نصف دينار، ثلث دينار، ربع دينار، حتى بلغ قيراطين، أخرجوا من لم يعمل خيرا قط ". قال: " ثم يؤذن في الشفاعة، فلا يبقى أحد إلا شفع، إلا اللعان فإنه لا يشفع، حتى إن إبليس ليتطاول يومئذ في النار رجاء أن يشفع له، مما يرى من رحمة الله تعالى، حتى إذا لم يبق أحد إلا شفع ". قال: " فيقول الله عز وجل: بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين، فيخرج منها ما لا يحصي عدتهم غيره سبحانه، كأنهم الخشب المحترقة، فيطرحون على شط نهر على باب الجنة، يقال له: الحيوان. فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل» ". رواه ابن أبي الدنيا.

وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا يوسف بن خالد - هو السمتي - عن الأعمش، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يعرض أهل النار صفوفا، فيمر بهم المؤمنون، فيرى الرجل من

أهل النار الرجل من المؤمنين قد عرفه في الدنيا، فيقول: يا فلان، أما تذكر يوم استعنتني على حاجة كذا وكذا فأعنتك؟ ويقول الآخر: يا فلان، أما تذكر يوم أعطيتك - قال: أراه قال: - كذا وكذا؟ فيذكر ذلك المؤمن، فيعرفه، فيشفع له إلى ربه، فيشفعه فيه» ". في إسناده ضعف.

** طريق أخرى عن أنس: **

قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يصف الناس يوم القيامة صفوفا - وقال ابن نمير: أهل الجنة وأهل النار - فيمر الرجل من أهل النار على الرجل من أهل الجنة، فيقول: يا فلان: أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ فيشفع له. ويمر الرجل على الرجل، فيقول: أما تذكر يوم استسقيتني فسقيتك شربة؟ قال: فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول: يا فلان، أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له» ".

ورواه الطحاوي بلفظ آخر قريب من هذا المعنى.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني علي بن عبد الله بن موسى، حدثنا حفص بن

عمر، أنبأ حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة: يا رب، إن فلانا سقاني شربة من ماء في الدنيا، فشفعني فيه. فيقول الله: اذهب فأخرجه من النار. فيذهب فيتحسس عليه في النار حتى يخرجه منها» ".

وهذا مرسل من مراسيل الحسن الحسان.

** [الأحاديث الواردة في شفاعة المؤمنين لأهاليهم] **

ومن الأحاديث الواردة في شفاعة المؤمنين لأهاليهم: حكى بعضهم عن زبور داود عليه الصلاة والسلام أن فيه مكتوبا: يقول الله عز وجل: إن عبادي الزاهدين أقول لهم يوم القيامة: إني لم أزو عنكم الدنيا لهوانكم علي، ولا لعزة الدنيا عندي ولكن أردت ذلك بكم لتستوفوا نصيبكم اليوم كاملا موفورا عندي، لم تكلمه الدنيا، ولم تشعثه الشهوات فتخللوا الصفوف، فمن أحببتموه في الدنيا أو قضى لكم حاجة، أو رد عنكم غيبة، أو كساكم خرقة، أو أطعمكم لقمة، أو سقاكم شربة؟ ابتغاء وجهي وطلب مرضاتي، فخذوا بيده، وأدخلوه الجنة.

وروى الترمذي والبيهقي من طريق مالك بن مغول، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن من أمتي رجالا يشفع الرجل منهم في

الفئام من الناس، فيدخلون الجنة بشفاعته، ويشفع الرجل للقبيلة، فيدخلون الجنة بشفاعته، ويشفع الرجل منهم للرجل وأهله، فيدخلون الجنة بشفاعته» ".

وروى البزار بسنده، عن أنس بن مالك، مرفوعا: " «إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة» ".

وله من حديث سفيان الثوري، عن آدم بن علي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يقال للرجل يوم القيامة: قم يا فلان فاشفع. فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة، ولأهل البيت، وللرجل، وللرجلين، على قدر عمله» ".

ومن حديث الحسين بن واقد، عن أبي غالب: أن أبا أمامة حدثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من عدد مضر، ويشفع الرجل في أهل بيته، ويشفع على قدر عمله» ".

وروى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن الحسن بن مكرم، عن يزيد بن هارون، أنبأنا حريز، عن عبد الرحمن - أو عبد الله - بن ميسرة، عن

أبي أمامة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين - أو مثل أحد الحيين - ربيعة، ومضر ". فقال رجل: يا رسول الله، وما ربيعة من مضر؟ فقال: " إنما أقول ما أقول» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق قال: جلست إلى رهط أنا رابعهم بإيلياء، فقال أحدهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم ". قلنا: سواك يا رسول الله؟ قال: " سواي ".» قلت: أنت سمعته؟ قال: نعم. فلما قام قلت: من هذا؟ قالوا: ابن أبي الجدعاء.

ثم رواه الإمام أحمد، عن غندر عن شعبة، وعن عفان عن وهيب، كلاهما عن خالد الحذاء، به، نحوه.

ورواه أبو عمرو بن السماك، عن يحيى بن جعفر، عن شبابة، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، وحبيب بن عبيد الرحبي، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة مثل

أحد الحيين ربيعة ومضر ". قيل: يا رسول الله، وما ربيعة ومضر. قال: " إنما أقول ما أقول» ". قال: فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان، رضي الله عنه.

وقال محمد بن يوسف الفريابي: حدثنا سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: جلست إلى نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم عبد الله بن أبي الجدعاء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم ". قالوا: سواك يا رسول الله؟ قال: " سواي ".» قال الفريابي: يقال: إنه عثمان بن عفان، رضي الله عنه.

رواه البيهقي، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، من طرق متعددة، عن خالد الحذاء، به.

وقال الترمذي: حسن صحيح، وليس لابن أبي الجدعاء حديث سواه. وله من حديث أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس

الأسدي، عن الحارث بن أقيش، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن من أمتي من سيعظم للنار حتى يكون أحد زواياها» ". وكذا رواه أحمد وابن ماجه، من غير وجه عن داود بن أبي هند، وفي لفظ لأحمد: " «إن من أمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر، وإن من أمتي لمن يعظم للنار حتى يكون ركنا من أركانها» ".

وروى البيهقي من حديث أبي بكر بن عياض عن هشام، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة أكثر من ربيعة ومضر» ". قال هشام: أخبرني حوشب، عن الحسن أنه أويس القرني. قال أبو بكر بن عياش: قلت لرجل من قومه: أويس بأي شيء بلغ هذا؟ قال: فضل الله يؤتيه من يشاء.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا سعيد بن زيد، سمعت أبا سليمان العصري، حدثني عقبة بن صهبان، سمعت أبا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم،

قال: " «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار، فينجي الله برحمته من يشاء، ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا، فيشفعون ويخرجون، ويشفعون ويخرجون، ويشفعون ويخرجون - زاد عفان مرة، فقال: ويشفعون ويخرجون - من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان» .

وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الخضر بن أبان، حدثنا سيار، حدثنا جعفر - يعني ابن سليمان - حدثنا أبو ظلال، حدثنا أنس بن مالك، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «سلك رجلان مفازة، أحدهما عابد، والآخر به رهق، ومع الذي به رهق إداوة، فيها ماء، وليس مع العابد ماء، فعطش العابد، فقال: أي فلان، اسقني فهو ذا أموت. فقال: إنما معي إداوة، ونحن في مفازة، فإن سقيتك هلكت. فسلكا، ثم إن العابد اشتد به العطش، فقال: أي فلان، اسقني فهو ذا أموت. فقال: إنما معي إداوة، ونحن في مفازة، فإن

سقيتك هلكت. فسلكا، ثم إن العابد اشتد به العطش، فقال: أي فلان، اسقني ; فهو ذا أموت. فقال: إنما معي إداوة، ونحن في مفازة، فإن سقيتك هلكت. فسلكا، ثم إن العابد سقط، فقال: أي فلان، اسقني؟ فهو ذا أموت. قال الذي به رهق: والله إن هذا العبد الصالح يموت ضياعا، إن تركته ولم أسقه لا تبلني عند الله بالة أبدا. فرش عليه من الماء وسقاه، ثم سلكا المفازة، فقطعاها، قال: فيوقفان للحساب يوم القيامة، فيؤمر بالعابد إلى الجنة، ويؤمر بالذي به رهق إلى النار. قال: فيعرف الذي به رهق العابد، ولا يعرف العابد الذي به رهق، فيناديه: أي فلان، أنا الذي آثرتك على نفسي يوم المفازة، وقد أمر بي إلى النار، فاشفع لي إلى ربك. فيقول العابد: أي رب، إنه قد آثرني على نفسه، أي رب هبه لي اليوم. فيهبه له، فيأخذ بيده، فينطلق به إلى الجنة ". زاد فيه: " فيقول: يا فلان، ما أشد ما غيرتك نعمة ربي، عز وجل» ".

ثم قال البيهقي: وهذا الإسناد، وإن كان غير قوي فله شاهد من حديث أنس بن مالك، حدثنا أبو سعد الزاهد إملاء، حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا علي بن أبي سارة، عن ثابت البناني، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على النار، فيناديه رجل من أهل النار، فيقول: يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا، والله ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت بي في الدنيا،

فاستسقيتني شربة من ماء، فسقيتك. قال: قد عرفتك. قال: فاشفع لي بها عند ربك. قال: فيسأل الله، عز وجل، فيقول يا رب: إني أشرفت على النار، فناداني رجل من أهلها، فقال: هل تعرفني؟ قلت: لا والله، ما أعرفك، من أنت؟ قال: أنا الذي مررت بي في الدنيا، فاستسقيتني شربة من ماء، فسقيتك فاشفع لي بها عند ربك. فشفعني فيه، فيشفعه الله، فيأمر الله به فيخرج من النار» ".

أنبأنا أبو طالب طاهر الفقيه، أنبأنا أبو عبد الله الصفار الأصبهاني حدثنا أبو قبيصة محمد بن عبد الرحمن بن عمارة بن القعقاع الضبي الأصبهاني البغدادي، حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي، سمعت أبا بكر بن عياش جار ابن هارون يحدث، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يجمع الله أهل الجنة صفوفا، وأهل النار صفوفا، فينظر الرجل من صفوف أهل النار إلى رجل من صفوف أهل الجنة، فيقول: يا فلان، ما تذكر يوم اصطنعت إليك في الدنيا معروفا؟ فيقول: يا رب، إن هذا اصطنع إلي في الدنيا معروفا. فيقال: خذ بيده، وأدخله الجنة» ". قال أنس: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله. قال: وكذا رواه السمعاني، عن أحمد بن عمران. والله أعلم.

** [حديث فيه شفاعة الأعمال الصالحة لصاحبها عند الله يوم القيامة] **

قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا رشدين بن سعد، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: إن الصيام، والقرآن ليشفعان للعبد ; يقول الصيام: رب منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه.

وروى نعيم بن حماد، عن إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن أبي قلابة، قال: كان ابن أخي يتعاطى الشراب، فمرض، فبعث إلي ليلا أن الحق بي فأتيته، فرأيت أسودين قد دنوا منه، فقلت: إنا لله، وإنا إليه راجعون، هلك ابن أخي. فاطلع أبيضان من الكوة التي في البيت، فقال أحدهما لصاحبه: انزل إليه. فلما نزل تنحى عنه الأسودان، فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ذكرا. ثم شم بطنه، فقال: ما أرى فيها صياما، ثم شم رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة. فقال له صاحبه: إنا لله وإنا إليه راجعون، رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس له من الخير شيء ويحك، عد فانظر. فعاد فنظر فلم يجد شيئا، فنزل

الآخر فشم، فلم يجد شيئا، ثم عاد، فإذا في طرف لسانه تكبيرة في سبيل الله، قالها ابتغاء وجه الله بأنطاكية، فقبضوا روحه، فشموا في البيت رائحة المسك، وشهد الناس جنازته. حديث غريب جدا.

قال العلامة أبو عبد الله محمد القرطبي في " التذكرة ": وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب " الديباج " له، حدثنا أحمد بن أبي الحارث، حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن معمر بن راشد، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش ; إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين ". قال: " فيخرج من النار مثل أهل الجنة ". أو قال: " مثلي أهل الجنة ". قال: وأكثر ظني أنه قال: " مثل أهل الجنة، مكتوب بين أعينهم: عتقاء الله» ".

وروى الترمذي، عن أنس، مرفوعا: " «يقول الله تعالى: أخرجوا من النار من ذكرني يوما، أو خافني في مقام» ". وقال: حسن غريب.

وله عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن رجلين ممن دخل النار اشتد صياحهما، فقال الرب تعالى: أخرجوهما. فلما أخرجا قال لهما: لأي

شيء اشتد صياحكما؟ فقالا: فعلنا ذلك لترحمنا. قال: إن رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه بردا وسلاما، ويقوم الآخر، فلا يلقي نفسه، فيقول الرب، عز وجل: ما منعك أن تلقي نفسك، كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني لأرجو أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها. فيقول الرب سبحانه: لك رجاؤك. فيدخلان الجنة جميعا برحمة الله» ".

وفي إسناده ضعف لحال رشدين بن سعد، عن ابن أنعم، وهما ضعيفان، ولكن تغتفر رواية مثل هذا في هذا الباب ; لأنه من الترغيب والترهيب. والله أعلم.

وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا رشدين بن سعد، حدثنا أبو هانئ الخولاني، عن عمرو بن مالك الجنبي، أن فضالة بن عبيد، وعبادة بن الصامت حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا كان يوم القيامة، وفرغ الله من قضاء الخلق فيبقى رجلان، فيؤمر بهما إلى النار، فيلتفت أحدهما، فيقول الجبار: ردوه. فيردونه، فيقول له: لم التفت؟ فيقول: كنت أرجو أن تدخلني الجنة. فيؤمر به إلى الجنة، فيقول: لقد أعطاني ربي حتى لو أني أطعمت أهل الجنة ما نقص ذلك مما عندي شيئا» ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكره يرى السرور في وجهه.

** [فصل في أصحاب الأعراف] **

قال الله تعالى: {وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم} [الأعراف: 46] الآيات [الأعراف: 46] . قال ابن عباس وغيره: الأعراف سور بين الجنة والنار، وعليه رجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار.

وقال الشعبي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك، عز وجل، فقال: قوموا ادخلوا الجنة ; فإني قد غفرت لكم. رواه البيهقي، ومن وجه آخر، عن الشعبي، عن حذيفة مرفوعا، وفيه نظر.

وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن

عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: أصحاب الأعراف رجال تستوي حسناتهم وسيئاتهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له: الحياة. تربته ورس وزعفران، وحافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون فيه فيبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يغتسلون فيزدادون بياضا، ثم يقال لهم: تمنوا ما شئتم. فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم سبعين مرة. فأولئك مساكين الجنة. وقد وردت أحاديث فيها غرابة في شأن أصحاب الأعراف، وصفاتهم، تركناها لضعفها، والله أعلم.

** [ذكر آخر من يخرج من النار] **

ثبت في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة أخبره «أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا. يا رسول الله. قال: " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: " فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله، تبارك وتعالى، في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون:

نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم، سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ". قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: " فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله. فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود ; حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم من ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل النار دخولا إلى الجنة، فيقول: أي رب، اصرف وجهي عن النار ; فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها. فيدعو الله ما شاء

أن يدعوه، ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره. ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدمني إلى باب الجنة. يقول الله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت؟ ويلك يا بن آدم، ما أغدرك فيقول: أي رب. ويدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك. فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة، فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة. فيقول الله سبحانه: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت. ويلك يا بن آدم، ما أغدرك! فيقول: أي رب، لا أكون أشقى خلقك. فلا يزال يدعو الله، حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة. فإذا دخلها قال الله له: تمنه. فيسأل الله ويتمنى، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله عز وجل: ذلك لك ومثله معه» ".

قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه شيئا من حديثه، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: " ومثله معه ". قال أبو سعيد: " وعشرة أمثاله معه " يا أبا هريرة. قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: " ذلك لك ومثله معه ". فقال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله

صلى الله عليه وسلم قوله: " ذلك لك وعشرة أمثاله ". قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة. هذا لفظ مسلم.

ثم ساقه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، ثم أورد الحديث من رواية عطاء بن يسار، وغيره، عن أبي سعيد وساقه بطوله، نحوه، وفيه: أنه يعطى ذلك وعشرة أمثاله. وفي بعض سياقاته: أنه ينتقل من النار إلى باب الجنة في ثلاث مراحل، كل مرحلة يجلس تحت شجرة، كل واحدة هي أحسن من أختها التي قبلها.

وكذلك رواه مسلم أيضا، من حديث ابن مسعود، وفيه: " عشرة أمثاله ". كما حفظه أبو سعيد. والله سبحانه وتعالى أعظم وأكرم وأرأف وأرحم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com