John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[كتاب صفة النار وما فيها من العذاب الأليم] — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 838 of 840

وهكذا رواه البخاري، عن ابن مسعود، فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا، رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة. فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب، وجدتها ملأى فيقول: اذهب فادخل الجنة. فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب، وجدتها ملأى. فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة

أمثالها - أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا - فيقول: أتسخر بي - أو تضحك مني - وأنت الملك؟ ". فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» .

** [فصل في آخر من يدخل الجنة] **

فصل (آخر من يدخل الجنة)

روى الدارقطني في كتابه " الرواة عن مالك "، والخطيب البغدادي، من طريق غريبة، عن عبد الملك بن الحكم، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة. فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين، سلوه: هل بقي في النار أحد من الخلائق؟» ". وهذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مالك ; لجهالة رواته عنه، ولو كان محفوظا من حديثه لكان في كتبه المشهورة عنه، ك " الموطأ " وغيره مما رواه عنه الثقات. والعجيب أن القرطبي ذكره في " التذكرة "، وجزم به، فقال: قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة. فيقول أهل الجنة: وعند جهينة الخبر اليقين» ". وكذلك ذكره السهيلي، ولم يضعفه، وحكى السهيلي قولا آخر أن اسمه هناد. فالله أعلم.

وقال مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب، قد عملت أشياء لا أراها ههنا ". فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه» .

وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن سعد بن يحيى الرقي، حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن سنان الرهاوي، حدثني أبي عن أبيه، حدثني أبو يحيى الكلاعي، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن، كالغلام يضربه أبوه، وهو يفر منه يعجز عنه عمله أن يسعى، فيقول: يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار، فيوحي الله إليه: عبدي، إن أنا نجيتك من النار، وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول العبد: نعم يا رب، وعزتك وجلالك لئن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي. فيجوز الجسر، ويقول العبد فيما بينه وبين

نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار. فيوحي الله إليه: عبدي، اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك، وأدخلك الجنة. فيقول العبد: لا وعزتك وجلالك، ما أذنبت ذنبا قط، ولا أخطأت خطيئة قط. فيوحي الله إليه: إن لي عليك بينة. فيلتفت يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول: يا رب، أرني بينتك، فيستنطق الله جلده بالمحقرات، فإذا رأى العبد ذلك يقول: يا رب، عندي وعزتك العظائم. فيوحي الله إليه: عبدي أنا أعرف بها منك، اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة. فيعترف العبد بذنوبه، فيدخله الجنة ". ثم ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، يقول: " هذا أدنى أهل الجنة منزلة، فكيف بالذي فوقه؟» ! ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا سلام - يعني ابن مسكين - عن أبي ظلال، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان، يا منان ". قال: " فيقول الله لجبريل: اذهب فائتني بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى ربه، فيخبره، فيقول: اذهب فائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به، فيوقفه على ربه، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب، شر مكان وشر مقيل. فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها. فيقول: دعوا عبدي» ". انفرد به أحمد.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت وأبو عمران الجوني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يخرج أربعة من النار - قال أبو عمران: أربعة. وقال ثابت: رجلان - فيعرضون على الله، عز وجل، ثم يؤمر بهم إلى النار، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب، قد كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها. فينجيه الله سبحانه منها» ". وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، به.

وقال عبد الله بن المبارك: حدثني رشدين بن سعد، حدثني ابن أنعم، عن أبي عثمان، أنه حدثه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن رجلين ممن دخل النار يشتد صياحهما، فقال الرب جل جلاله: أخرجوهما. فأخرجا، فقال لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا. قال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. قال: فينطلقان، فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها الله عليه بردا وسلاما، ويقوم الآخر، فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب تعالى: ما منعك أن تلقي نفسك، كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب، إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها. فيقول الرب: لك رجاؤك. فيدخلان جميعا الجنة برحمة الله، عز وجل» ".

وذكر بلال بن سعد في خطبته أن الله تعالى إذا أمرهما بالرجوع إلى النار

ينطلق أحدهما في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها، ويتلكأ الآخر، فيقول الله تعالى للأول: ما حملك على ما صنعت؟ فيقول: إني خبرت من وبال معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانيا. ويقول للآخر: ما حملك على أن تلكأت؟ فيقول: حسن ظني بك إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها. فيرحمهما الله، عز وجل، ويدخلهما الجنة.

** [فصل في خلود الكافرين في النار] **

فصل (خلود الكافرين في النار)

إذا خرج أهل المعاصي من النار، فلم يبق فيها غير الكافرين، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، بل هم خالدون فيها أبدا، وهم الذين حبسهم القرآن، وحكم عليهم بالخلود، كما قال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} [الجن: 23] . وقال: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا} [الأحزاب: 64]

[النساء: 168، 169] .

فهذه ثلاث آيات، فيهن الحكم عليهم بالخلود في النار أبدا، ليس لهن رابعة مثلهن في ذلك. وأما قوله تعالى: {خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] . وقوله: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] . فقد

تكلم ابن جرير وغيره من المفسرين على هذه الآيات بكلام يطول بسطه، وجاءت آثار عن الصحابة غريبة، ووردت أخبار عجيبة، وللكلام على ذلك موضع آخر، ليس هذا موضعه. والله أعلم وأحكم وأكرم.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عمر بن محمد بن زيد، حدثني أبي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا صار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار جيء بالموت حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت. فازداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، وازداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ".

وهكذا رواه البخاري، عن معاذ بن أسد، عن عبد الله بن المبارك، به مثله.

وقال الإمام أحمد: حدثنا غسان بن الربيع، موصلي، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يؤتى بالموت كبشا أغبر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة. فيشرئبون، وينظرون، ويقال: يا أهل النار. فيشرئبون وينظرون،

ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح ويقال: خلود لا موت» ". وهذا إسناد غريب من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وابن نمير، قالا: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " «يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا - وقال يزيد: أن يخرجوا - من مكانهم الذي هم فيه فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم ربنا، هذا الموت. ثم يقال: يا أهل النار. فيطلعون فرحين مستبشرين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الموت. فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كليهما: خلود فيما تجدون لا موت فيه أبدا» ". إسناده جيد قوي على شرط الصحيح، ولم يخرجه أحد من هذا الوجه.

وقال البزار: حدثنا بشر بن آدم، حدثنا نافع بن خالد الطاحي، حدثنا نوح بن قيس الطاحي، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت» ". ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه. والله سبحانه أعلم.

[صفة الجنة وما فيها من النعيم المقيم الدائم على الأبد]

[ذكر صفة الجنة وما فيها من النعيم المقيم الدائم على الأبد]

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com