John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة خمس وثلاثين] ففيها مقتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 94 of 840

** [أسباب مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه] **

وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص، مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا يعملون عليه حتى شكوه إلى عثمان؛ لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب وتركه على الصلاة، وولى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما، حتى كان بينهما كلام قبيح، فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر؛ خراجها وحربها وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، فاقدم إلي. فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم، وشر كبير، فكلمه فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على أبي عثمان، وأنه كان أعز منه، فقال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية. وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على

عثمان. وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح - على ما قدمنا - وينقمون عليه في عزله جماعة من علية الصحابة، وتوليته من دونهم أو من لا يصلح عندهم للولاية. وكره أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية.

ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب؛ لينكروا على عثمان، فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى أبي عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين، فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم؛ ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. ويقال: بل ندب الناس إليهم فانتدب علي، رضي الله عنه،

لذلك فبعثه وخرج معه جماعة الأشراف وأمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر، فقال علي لعمار فأبى عمار أن يخرج معه، فبعث عثمان سعد بن أبي وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرضه على الخروج مع علي إليهم، فأبى عمار كل الإباء، وامتنع أشد الامتناع، وكان متغضبا على عثمان بسبب تأديبه له على أمر، وضربه إياه في ذلك، وذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن أبي لهب، فأدبهما عثمان، فتآمر عمار عليه لذلك، وجعل يحرض الناس عليه، فنهاه سعد بن أبي وقاص عن ذلك ولامه عليه، فلم يقلع عنه ولم يرجع ولم ينزع، فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمير بسببه، وتحتجون عليه به. ويقال: إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه؟ فذكروا أشياء؛ منها أنه حمى الحمى، وأنه حرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة، وأنه ولى الأحداث الولايات، وترك الصحابة الأكابر، وأعطى بني أمية أكثر من الناس، فأجاب علي عن ذلك فقال: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه، وقد حماه عمر من قبله، وأما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثبت في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة

فأتمها، وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا، وقد ولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة وطعن الناس في إمارته فقال: إنه لخليق للإمارة. وأما إيثاره قومه بني أمية فقد «كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يؤثر قريشا على الناس،» ووالله لو أن مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بني أمية إليها.

ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر. فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما. وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الطائف فذكر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال: فقد نفاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم رده.

وروي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له. ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم، فصفح عنهم وتركهم، رضي الله عنه، وردهم إلى قومهم، فرجعوا خائبين من حيث أتوا ولم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا وراموا، ورجع علي إلى عثمان فأخبره برجوعهم عنه وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين

قبله، وأنه لا يحيد عنها كما كان الأمر أولا في مدة ست سنين الأول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني. وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحدا من ذلك، ونزل فصلى بالناس، ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.

قال الواقدي: فحدثني علي بن عمر عن أبيه قال: ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة فتقول: يا علي اركب إليهم. ويقدم آخرون من البصرة فتقول: يا علي اركب إليهم. فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك؟! قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، وأعلم الناس من نفسه التوبة فقام ; فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فوالله ما عاب من عاب شيئا أجهله، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه، ولكن ضل رشدي، ولقد سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «من زل فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة، إن من

تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق» . فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فوالله لأكونن كالمرقوق، إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن الله مذهب إلا إليه. قال: فرق الناس له وبكى من بكى، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين، الله الله في نفسك! فأتمم على ما قلت. فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس، وجاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت؟ فقالت امرأة عثمان - نائلة بنت الفرافصة الكلبية - من وراء الحجاب: بل اصمت، فوالله إنهم لقاتلوه، ولقد قال مقالة لا ينبغي له النزوع عنها. فقال لها: وما أنت وذاك! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ. فقالت له: دع ذكر الآباء. ونالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان، وقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ فقال له عثمان: بل تكلم. فقال مروان: بأبي أنت وأمي لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين، وخلف السيل الزبى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها، خير من توبة تخوف عليها، وإنك لو شئت

لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلمهم، فإني أستحي أن أكلمهم. قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم؟ كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه! كل إنسان آخذ بأذن صاحبه، ألا من أريد؟ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسوءكم ولا تحمدوا غبه، ارجعوا إلى منازلكم، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدينا. قال: فرجع الناس، وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر، فجاء علي مغضبا حتى دخل على عثمان فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك، وإن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك. فلما خرج علي دخلت نائلة على عثمان فقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي. فقالت: سمعت قول علي أنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة، فأرسل إلى علي فاستصلحه، فإن له قرابة منك وهو لا يعصى. قال: فأرسل عثمان إلى علي فأبى أن يأتيه، وقال: لقد أعلمته أني لست بعائد. قال: وبلغ مروان قول نائلة فيه،

فجاء إلى عثمان فقال: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلم. فقال: إن نائلة بنت الفرافصة، فقال عثمان: لا تذكرها بحرف فأسوء لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك. قال: فكف مروان.

** [ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية من مصر] وغيرها في شوال من هذه السنة **

وسبب ذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان وغضب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير، وتكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم.

وقال سيف بن عمر التميمي، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان - وقاله غيرهم أيضا - قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء؛ المقلل لهم يقول: ستمائة. والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن

بشر التجيبي، وعروة بن شييم الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني، وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا، ومعهم ابن السوداء، وكان أصله ذميا، فأظهر الإسلام وأحدث بدعا قولية وفعلية - قبحه الله - وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وأمراؤهم زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعلى الجميع عمرو بن الأصم، وخرج أهل البصرة أيضا في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبدي، وابن محرش الحنفي، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي. وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة

مصممون على تولية طلحة. لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة - كما تواعدوا في كتبهم - في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب، وطائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم؛ ليختبروا الناس ويخبروهم أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا في الدخول، فكل الناس أبى دخولهم، ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة. وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف، معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف، وليس عليه قميص، وقد سرح ابنه الحسن إلى عثمان في من اجتمع إليه، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وأطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صبحكم الله. قالوا: نعم. وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه، فصاح بهم وأطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة. فرجع كل فريق منهم إلى قومهم وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياما راجعين، ثم

كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن. فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياما. هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال علي لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا. وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه. فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله. يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا.

وكان المصريون - فيما ذكر - لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه، ففتشوه، فإذا معه في إدواة كتاب على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم. وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان والبريد أحد غلمان عثمان، وعلى جمل عثمان، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير

المؤمنين في ذلك، فقال: بينة علي بذلك، وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم. فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون. ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سرح ويولي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك فلما رجعوا وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه، فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقا شديدا، وطافوا بالكتاب على الناس فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس.

وروى ابن جرير، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي على جمل لعثمان. وذكر ابن جرير، من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه. وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا.

واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر،

فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: بينا أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي، صلى الله عليه وسلم، التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له جهجاه: قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر. وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها، فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل.

قال ابن جرير: حدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أن جهجاها الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمي في ذلك المكان بأكلة.

وقال الواقدي: وحدثني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إنك قد ركبت نهابير وركبناها معك، فتب نتب. فاستقبل عثمان

القبلة وشهر يديه قال أبو حبيبة: فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة، فانزل فلندرجك في العباءة، ولنطرحك في الجامعة، ولنحملك على الشارف، ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم نزل عثمان. قال أبو حبيبة: وكان آخر يوم رأيته فيه.

وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيئ جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو في نادي قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة لم تردون عليه؟ رجل قال كذا وكذا. ثم أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه. فقال عثمان: أي بطانة؟ فوالله إني لأتخير الناس. فقال: مروان تخيرته؟! ومعاوية تخيرته؟! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته؟! وعبد الله بن سعد

بن أبي سرح تخيرته؟! منهم من نزل القرآن بدمه، وأباح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دمه. قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم.

قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح، عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة، عن عثمان بن الشريد قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره، ومعه جامعة فقال: يا نعثل، والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء، ولأخرجنك إلى حرة النار. ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه.

وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا، فقال في خطبته: يا هؤلاء العدا الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيئ إلا بالحسن. فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك. فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع، وثار القوم

بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه، فاحتمل وأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر. وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، واستقتل جماعة من الصحابة؛ منهم أبو هريرة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء.

** [صفة حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان] **

، رضي الله عنه

لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيا عليه، واحتمل إلى داره، تفاقم الأمر وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس وألجئوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له،

ولزم كثير من الصحابة بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة عن أمر آبائهم ; منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبد الله بن عمر، وصاروا يجاحفون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أنه يقتل، إلا ما كان في نفس أولئك الخارجين عليه. وانقطع عثمان عن المسجد، فكان لا يخرج إليه إلا قليلا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلي بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب. وقد استمر الحصر أكثر من شهر. وقيل: أربعين يوما. حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا، رضي الله عنه، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والذي ذكره ابن جرير أن الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور طلحة بن عبيد الله. وروى الواقدي أن عليا صلى أيضا، وصلى

أبو أيوب وصلى بهم سهل بن حنيف، وكان يجمع بهم علي، وهو الذي صلى بهم بعد. وقد خاطب الناس في غبون ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر. وبالله المستعان.

قال الإمام أحمد: حدثنا بهز، ثنا أبو عوانة، ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال: «قال الأحنف: انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة، فبينما نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال: الناس في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي، فقال: هاهنا علي؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا الزبير؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا سعد؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني قد ابتعته. فقال: " اجعله في مسجدنا وأجره لك "؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول، صلى الله عليه وسلم، قال: من يبتاع بئر رومة؟ .

فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني قد ابتعتها - يعني بئر رومة - فقال: اجعلها سقاية للمسلمين ولك أجرها "؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثم انصرف» . ورواه النسائي من حديث حصين، وعنده: إذ جاء عثمان وعليه ملاءة صفراء.

طريق أخرى: قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري، حدثني أبو عبادة الزرقي الأنصاري، من أهل المدينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو ألقي حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال: أيها الناس أفيكم طلحة؟ فسكتوا. ثم قال: أيها الناس أفيكم طلحة؟ فسكتوا. ثم قال: أيها الناس أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله، فقال له عثمان: ألا

أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثم لا تجيبني، أنشدك الله يا طلحة، تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في موضع كذا وكذا، ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك - فقال: نعم - فقال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعنيني - رفيقي في الجنة؟ . فقال طلحة: اللهم نعم. ثم انصرف. لم يخرجوه.

طريق أخرى: قال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا هلال بن حق، عن الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري، قال: شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليهم اطلاعة، فقال: ادعوا لي صاحبيكم اللذين ألباكم علي، فدعيا له فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما

قدم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة؟ . فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين! ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله خير منها في الجنة؟» فاشتريتها من خالص مالي وأنتم تمنعوني أن أشرب منها! ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم. وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعباس الدوري وغير واحد. وأخرجه النسائي عن زياد بن أيوب. كلهم عن سعيد بن عامر، عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري، عن سعيد الجريري به. وقال الترمذي حسن.

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا القاسم - يعني ابن الفضل - ثنا عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد

قال: دعا عثمان رجالا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيهم عمار بن ياسر، فقال: إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني، نشدتكم الله، أتعلمون «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يؤثر قريشا على سائر الناس، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم،» فقال عثمان: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم. فبعث إلى طلحة والزبير، «فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعني عمارا - أقبلت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آخذا بيدي نتمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا؟ فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: " اصبر ". ثم قال: " اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت» . تفرد به أحمد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب.

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان، سمعت مغيرة بن مسلم أبا سلمة يذكر عن مطر، عن نافع، عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور فقال: علام تقتلوني؟ فإني سمعت

رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل» . فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه، ولا ارتددت منذ أسلمت؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. ورواه النسائي، عن أحمد بن الأزهر، عن إسحاق بن سليمان به.

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، قال: وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال: فدخل عثمان يوما لحاجة، فخرج إلينا منتقعا لونه، فقال: إنهم ليتوعدوني بالقتل آنفا. قال: قلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين. قال: فقال: وبم يقتلوني؟ فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» . فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلا بديني مذ هداني الله له، ولا قتلت نفسا، فبم يقتلوني؟ . وقد رواه أهل

" السنن الأربعة " من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة - زاد النسائي: وعبد الله بن عامر بن ربيعة - قالا: كنا مع عثمان. فذكره. وقال الترمذي: حسن، وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه.

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا قطن، حدثنا يونس - يعني ابن أبي إسحاق - عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أشرف عثمان من القصر وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم حراء، إذ اهتز الجبل فركله بقدمه، ثم قال: «اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وأنا معه» . فانتشد له رجال. قال: أنشد بالله من شهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بيعة الرضوان، إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: " هذه يدي وهذه يد عثمان " فبايع لي؟ فانتشد له رجال. قال: أنشد بالله من شهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت في الجنة؟ فابتعته من مالي فوسعت به المسجد؟ فانتشد له رجال. قال: وأنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال: من ينفق اليوم نفقة متقبلة؟ . فجهزت نصف الجيش من مالي؟ فانتشد له رجال. وأنشد بالله من

شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل، فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل؟ قال: فانتشد له رجال. ورواه النسائي، عن عمران بن بكار، عن خطاب بن عثمان، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جده أبي إسحاق السبيعي به.

وقد ذكر ابن جرير أن عثمان، رضي الله عنه، لما رأى ما فعله هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار، من محاصرته في داره، ومنعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام، وإلى ابن عامر بالبصرة، وإلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة، وانتدب يزيد بن أسد القسري في جيش، وبعث أهل الكوفة جيشا، وأهل البصرة جيشا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان، رضي الله عنه، كما سنذكره.

وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي، ووضعت لعثمان وسادة في كوة من داره، فأشرف على الناس فقال له عثمان: يا أشتر ماذا يريدون؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الإمرة، وإما أن تقيد من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، وإما أن يقتلوك.

وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليها من يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه، أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر. فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم، وما فعل من الأمر ما يستحق بسببه القتل، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. وأما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض، وقال لهم فيما قال: وأي شيء إلي من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته، وكلما رضيتم عنه وليته؟ وقال لهم فيما قال: والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي أبدا، ولا تصلوا جميعا أبدا، ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا. وقد صدق، رضي الله عنه فيما قال.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن أبي قيس، حدثني النعمان بن بشير قال: كتب معي معاوية إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه، فحدثتني أنها سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لعثمان: «إن الله لعله يقمصك قميصا فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه ثلاث مرات» . قال النعمان: فقلت يا أم المؤمنين، فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بني، والله أنسيته. وقد رواه

الترمذي من حديث الليث، عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان، عن عائشة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه من حديث الفرج بن فضالة، عن ربيعة بن يزيد، عن النعمان فأسقط عبد الله بن عامر

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس، عن أبي سهلة، عن عائشة قالت: «قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " ادعوا لي بعض أصحابي ". قلت: أبو بكر؟ قال: " لا ". قلت: عمر؟ قال: " لا ". قلت: ابن عمك علي؟ قال: " لا ". قالت: قلت: عثمان؟ قال: " نعم ". فلما جاء قال: تنحي. فجعل يساره ولون عثمان يتغير. فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا؛ إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه» . تفرد به أحمد.

وقال محمد بن عائذ الدمشقي: حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفهمي يقول: قدمت على

عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته، فقال: وكيف رأيتهم؟ فقلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عديس البلوي، فصعد ابن عديس منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى بهم الجمعة وتنقص عثمان في خطبته، فدخلت على عثمان فأخبرته بما قام فيهم، فقال: كذب والله ابن عديس، ولولا ما ذكر ما ذكرت ذلك، إني لرابع أربعة في الإسلام، ولقد أنكحني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابنته، ثم توفيت، فأنكحني ابنته الأخرى، والله ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تعتيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أتت علي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية. ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن لهيعة قال: لقد اختبأت عند ربي عشرا فذكرهن.

** فصل **

كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من أبناء المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبا من سبعمائة؛ فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسن، والحسين، ومروان، وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه، فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله. وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير. وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل الدار، وحمي من خارج، واشتد الأمر وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله، فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليكون خير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] . وروي أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن بن علي وقد جرح، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم.

وروى موسى بن عقبة، عن سالم أو نافع، أن ابن عمر لم يلبس سلاحه

بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا يوم الدار، ويوم نجدة الحروري

قال أبو جعفر الرازي، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر أن عثمان، رضي الله عنه، أصبح يحدث الناس قال: رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، في المنام فقال: " يا عثمان أفطر عندنا ". فأصبح صائما وقتل من يومه.

وقال سيف بن عمر، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن رجل قال: دخل عليه كثير بن الصلت، فقال: يا أمير المؤمنين، اخرج فاجلس بالفناء، فيرى وجهك، فإنك إن فعلت ارتدعوا. فضحك، وقال: يا كثير رأيت البارحة وكأني دخلت على نبي الله، صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر وعمر، فقال: " ارجع فإنك مفطر عندي غدا ". ثم قال عثمان: ولن تغيب الشمس والله غدا - أو كذا وكذا - إلا وأنا من أهل الآخرة. قال: فوضع سعد وأبو هريرة السلاح، وأقبلا حتى دخلا على عثمان.

وقال موسى بن عقبة: حدثني أبو علقمة - مولى لعبد الرحمن بن عوف - حدثني ابن الصلت، قال: أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل

فيه فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس: تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا أصلحك الله، حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس. فقال: إني رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في منامي هذا فقال: " إنك شاهد معنا الجمعة ".

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، ثنا خلف بن تميم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، ثنا عبد الملك بن عمير، حدثني كثير بن الصلت، قال: دخلت على عثمان وهو محصور فقال لي: يا كثير، ما أراني إلا مقتولا يومي هذا. قال: قلت: ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين. قال: ثم أعاد علي فقلت: وقت لك في هذا اليوم شيء، أو قيل لك شيء؟ قال: لا، ولكني سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كان عند السحر أغفيت إغفاءة، فرأيت فيما يرى النائم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لي: يا " عثمان الحقنا لا تحبسنا، فإنا ننتظرك ". قال: فقتل من يومه ذلك.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يزيد بن هارون، عن فرج بن فضالة، عن مروان بن أبي أمية عن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحبا بأخي، رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الليلة في هذه الخوخة - قال: وخوخة في البيت - فقال: " يا عثمان حصروك؟ ". قلت: نعم. قال: " عطشوك؟ ". قلت: نعم. فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت، حتى إني لأجد برده بين ثديي بين كتفي، وقال

لي: " إن شئت نصرت عليهم وإن شئت أفطرت عندنا ". فاخترت أن أفطر عنده. فقتل ذلك اليوم.

وقال محمد بن سعد: ثنا محمد بن عمر، أنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب، ثنا داود عن زياد بن عبد الله، عن أم هلال بنت وكيع، عن امرأة عثمان - قال: وأحسبها بنت الفرافصة - قالت: أغفى عثمان فلما استيقظ قال: إن القوم يقتلونني. قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر فقالوا: " أفطر عندنا الليلة ". أو: " إنك تفطر عندنا الليلة ".

وقال الهيثم بن كليب: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، ثنا شبابة، ثنا يحيى بن أبي راشد مولى عمر بن حريث، عن محمد بن عبد الرحمن الجرشي، وعقبة بن أسيد، عن النعمان بن بشير، عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية - امرأة عثمان - قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان قبل قتله صائما، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب، فأبوا عليه وقالوا:

دونك ذلك الركي - وركي في الدار الذي يلقى فيه النتن - قالت: فلم يفطر، فأتيت جارات لنا على أجاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألتهم الماء العذب فأعطوني كوزا من ماء، فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به. قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما. قالت: فقلت: ومن أين ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: " اشرب يا عثمان ". فشربت حتى رويت ثم قال: " ازدد ". فشربت حتى نهلت ثم قال: " أما إن القوم سيبكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا ". قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.

وقال أبو يعلى الموصلي، وعبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عثمان

بن أبي شيبة، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي، عن أبيه، عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان، أن عثمان أعتق عشرين مملوكا، ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المنام وأبا بكر وعمر وإنهم قالوا لي: " اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة ". ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل، رضي الله عنه، في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل ; فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحيي منه الملائكة، كما نطق بذلك النبي، صلى الله عليه وسلم. ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه، واستسلم لقضاء الله، عز وجل، وكف يده عن القتال، وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا.

وقال هشام بن عروة، عن أبيه: إن عثمان، رضي الله عنه، أوصى إلى الزبير.

وقال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه قال: لما قتل عثمان فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا، ففتحوه فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيا وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى.

وروى ابن عساكر أن عثمان، رضي الله عنه، قال يوم دخلوا عليه فقتلوه:

أرى الموت لا يبقي عزيزا ولم يدع ... لعاد ملاذا في البلاد ومرتقى

وقال أيضا:

يبيت أهل الحصن والحصن مغلق ... ويأتي الجبال في شماريخها العلا

** [صفة قتله رضي الله عنه] **

قال خليفة بن خياط: حدثنا ابن علية، ثنا ابن عون عن الحسن قال: أنبأني وثاب قال: بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال: ما يريد الناس؟ قال: ثلاث ليس من إحداهن بد. قال: ما هن؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا من شئتم، وبين أن تقص من نفسك، فإن أبيت فإن القوم قاتلوك. فقال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله، وأما أن أقص لهم من نفسي، فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يدي قد كانا يعاقبان، وما يقوم بدني بالقصاص، وأما أن يقتلوني، فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي أبدا، ولا تصلون بعدي جميعا أبدا،

ولا تقاتلون بعدي عدوا جميعا أبدا. قال: وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع، وجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا، فأخذ بلحيته فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر، وما أغنت عنك كتبك. قال: أرسل لحيتي يا ابن أخي. قال: فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه - يعني أشار إليه - فقام إليه بمشقص فوجأ به رأسه. قلت: ثم مه؟ قال: ثم تعاوروا عليه والله حتى قتلوه.

وقال سيف بن عمر التميمي، رحمه الله، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد - وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان - أنها كانت في الدار، ودخل محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه ليجأ بها في حلقه، فقال: مهلا يا ابن أخي، فوالله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به. فتركه وانصرف مستحييا نادما، فاستقبله القوم على باب الصفة، فردهم طويلا حتى غلبوه فدخلوا، وخرج محمد راجعا، فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان، فضرب بها رأسه فشجه،

فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تغاووا عليه، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه، وقالت: يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين! وأخذت السيف فقطع الرجل يدها، وانتهبوا متاع الدار، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن، ولا مضجع كافر أكرم. فلا والله ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به.

وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف، ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار، وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم إلا محمد بن أبي بكر، وسبقه بعضهم فضربوه حتى غشي عليه وصاح النسوة فانذعروا وخرجوا، ودخل محمد بن أبي بكر، وهو يظن أنه قد قتل، فلما رآه قد أفاق قال: على أي دين أنت يا نعثل؟ قال: على دين الإسلام، ولست بنعثل، ولكني أمير المؤمنين. فقال: غيرت كتاب الله. فقال: كتاب الله بيني وبينكم. فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول:

{ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] . وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول: يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي. وجاء رجل من كندة من أهل مصر - يلقب حمارا ويكنى، بأبي رومان. وقال قتادة: اسمه رومان. وقال غيره: كان أزرق أشقر. وقيل: كان اسمه سودان بن رومان المرادي. وعن ابن عمر قال: كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة - وبيده السيف صلتا فقال: أفرجوا. ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه، ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكأ عليه وتحامل حتى قتله، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها، رضي الله عنها.

ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت حلقه. والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحيى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وجاحف دونه فلم يفد، وكان أمر الله قدرا مقدورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا.

وروى ابن عساكر، عن ابن عون، أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد، فخر لجنبه، وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه.

وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي وإسحاق بن داود الصواف التستري، قالا: ثنا محمد بن خالد بن خداش، ثنا سلم بن قتيبة، ثنا مبارك، عن الحسن قال: حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا ابن أخي فلست بقاتلي. قال: وكيف علمت ذاك؟ قال: لأنه أتي بك النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة. ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتي بك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة، فخريت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، ووجأه بمشاقص كانت في يده. هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة.

وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137] . ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه. وليس ببعيد، فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن.

وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال: بسم الله توكلت على الله فلما قطر الدم قال: سبحان الله العظيم.

وقد ذكر ابن جرير في " تاريخه " بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان متأولا قوله تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] . وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان، رضي الله عنه، من جملة المفسدين في الأرض، ولا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزور على خطه وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، ولهذا لما

وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، وظنوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر، فرجعوا إلى المدينة، فطافوا به على رءوس الصحابة، وأعانهم على ذلك قوم آخرون، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان، رضي الله عنه، فلما قيل لعثمان، رضي الله عنه، في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين، حلف بالله العظيم - وهو الصادق البار الراشد - أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه، ولا علم به فقالوا له: فإن عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه وخاتمه. قالوا: فإنه مع غلامك وعلى جملك. فقال: والله لم أشعر بشيء من ذلك. فقالوا له بعد كل مقاله: إن كنت قد كتبته فقد خنت، وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت، ومثلك لا يصلح للخلافة ; إما لخيانتك، وإما لعجزك.

وهذا الذي قالوا باطل على كل تقدير، فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب - وهو لم يكتبه في نفس الأمر - لا يضره ذلك ; لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الإمام، وأما إذا لم يكن قد علم به فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه؟ ! وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه، رضي الله عنه، وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة ظلمة مفترون، ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها، ومن أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث ; النفس بالنفس والثيب

الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وذكر أنه لم يقتل نفسا، ولا ارتد بعد إيمانه، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل. ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان. ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونفد ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ، وتنفير لدابته، وإخراق عظيم بليغ، وكان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال لهم فيما قال: والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون. فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار، وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها، فقالوا: ما جاء بك؟ فقالت: إن عنده وصايا بني أمية لأيتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها. فكذبوها في ذلك، ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندت بها، وكادت أو سقطت عنها، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جدا، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا، ولزم أكثر الناس بيوتهم، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك. فقالت: إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة. فعزمت على الخروج.

واستخلف عثمان، رضي الله عنه، في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس، فقال له عبد الله بن عباس: إن مقامي على بابك أجاحف عنك أفضل من الحج. فعزم عليه فخرج بالناس إلى الحج، واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع البشير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. وبلغهم أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن حديج، وأن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع بن عمرو في جيش، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش، فعند ذلك صمموا على أمرهم وبالغوا فيه وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج، وأحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، وأحرقوا الباب، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار ; كدار عمرو بن حزم وغيرها، وجاحف الناس عن عثمان أشد المجاحفة، واقتتلوا على الباب قتالا شديدا، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم، وجعل أبو هريرة يقول: هذا يوم طاب امضراب. وقتل طائفة من

أهل الدار، وآخرون من أولئك الفجار، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة، وكذلك جرح الحسن بن علي، ومروان بن الحكم فقطع إحدى علباويه، فعاش أوقص حتى مات.

ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس بن شريق، ونيار بن عبد الله الأسلمي، في أناس وقت المعركة.

ويقال: إنه انهزم أصحاب عثمان ثم تراجعوا. ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا - كما تقدم - فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب ومن الجدران، وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه - وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] فكان أول من دخل عليه

رجل يقال له: الموت الأسود. فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ثم دخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته، ثم ندم وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها. فقيل: إنه أبانها. وقيل: بل قطعها ولم يبنها. إلا أن عثمان قال: والله إنها لأول يد كتبت المفصل. فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137] . ثم جاء آخر شاهرا سيفه، فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها، ثم إنه تقدم إليه، فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان وأرضاه.

وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في يده، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله، فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان، رضي الله عنه، وسالت عليه الدماء، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فمانعته نائلة، فقطع أصابعها، فولت فضرب عجيزتها بيده، وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب

سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له: قتيرة. فقتله.

وروى ابن جرير أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله، فصاح النساء وضربن وجوههن ; فيهن امرأتاه نائلة وأم البنين وبناته، فقال ابن عديس: اتركوه! فتركوه. ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه، وذلك أنه نادى مناديهم: أيحل لنا دمه ولا يحل لنا ماله! فانتهبوه، ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قتيرة فقتله، وجعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه، حتى استلب رجل يقال له: كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وقتل الغلام أيضا، ثم تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه. فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا: يا قوم النجاء النجاء! فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله، وكذبوا إنما قصدهم الدنيا. فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا.

وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سهم بن خنبس أبي خنبش أو خنيس الأزدي - وكان قد شهد الدار - ورواه محمد بن عائذ، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن يزيد الرحبي، عنه وكان قد استدعاه عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان، فسأله عن مقتل عثمان، فذكر ما ملخصه أن وفد الأشقياء وهم وفد مصر كانوا قد قدموا على عثمان فأجازهم وأرضاهم، فانصرفوا راجعين، ثم كروا إلى المدينة، فوافقوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر، فحصبوه بالحصا والنعال والخفاف، فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في أناس، وأطاف وفد مصر بداره، فاستشار الناس، فقال عبد الله بن الزبير: يا أمير المؤمنين إني أشير بإحدى ثلاث خصال ; إما أن تحرم بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا، وإما أن نركب معك إلى معاوية بالشام، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم، فإنا على الحق وهم على الباطل. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الإحرام بعمرة فتحرم دماؤنا فإنهم يرونا حلالا الآن وحال الإحرام وبعد الإحرام، وأما الذهاب إلى الشام فإني أستحيي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام وتسمع الأعداء من الكفار ذلك، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة دم. قال: ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة

فقالا لي: صم يا عثمان فإنك تفطر عندنا. وإني أشهدكم أني قد أصبحت صائما، وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالما مسلوما منه. فقلنا: يا أمير المؤمنين، إن خرجنا لم نأمن منهم علينا، فائذن لنا أن نكون في بيت من الدار تكون لنا فيه جماعة ومنعة. ثم أمر بباب الدار ففتح، ودعا بالمصحف فأكب عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة الكلبية وابنة شيبة، فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته، فقال: دعها يا ابن أخي فوالله لقد كان أبوك يتلهف لها بأدنى من هذا. فاستحيى فخرج فقال للقوم: قد أشعرته لكم. وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه، ثم دخل رومان بن سودان، رجل أزرق قصير مخدد، عداده من مراد معه جرز من حديد، فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. فقال: كذبت. وضربه بالجرز على صدغه الأيسر فقتله فخر، فأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها - وكانت امرأة جسيمة ضليعة - فألقت نفسها عليه، وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقي من

جسده ودخل رجل من أهل مصر بالسيف مصلتا فقال: والله لأقطعن أنفه. فعالج المرأة عنه، فغلبته، فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها، فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها، فقبضت على السيف فقطع أناملها، فقالت يا رباح - لغلام عثمان أسود - يا غلام ادفع عني هذا الرجل. فمشى إليه الغلام فضربه فقتله، وخرج أهل البيت يقاتلون عن أنفسهم، فقتل المغيرة بن الأخنس وجرح مروان. قال: فلما أمسينا قلنا: إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به. فاحتملناه إلى بقيع الغرقد في جوف الليل، وغشينا سواد من خلفنا فهبناهم وكدنا أن نتفرق عنه، فنادى مناديهم: أن لا روع عليكم، اثبتوا إنما جئنا لنشهده معكم - وكان أبو خنيس يقول: هم ملائكة الله - فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا، فلقينا الجيش بوادي القرى عليهم حبيب بن مسلمة.

** [تعليقات على مقتل عثمان رضي الله عنه] **

فصل (تعليقات على مقتل عثمان رضي الله عنه)

ولما وقع هذا الأمر العظيم الفظيع الشنيع أسقط في أيدي الناس،

فأعظموه جدا، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج على ما صنعوا، وأشبهوا من تقدمهم ممن قص الله علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل في قوله تعالى: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 149]

ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم. ثم تلا قوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} [يس: 49] الآية [الحشر: 16] . ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له، وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103]

[الكهف: 103، 104] . ثم قال سعد: اللهم أندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير. وهكذا ينبغي أن يكون؛ لوجوه منها، دعوة سعد المستجابة، كما ثبت في

الحديث الصحيح. وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن.

وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، قال: الذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالعرج سمعنا رجلا يغني تحت الليل:

ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

ولما رجع الحجيج وجدوا عثمان، رضي الله عنه، قد قتل وبايع الناس علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة، فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي.

** [مدة حصاره رضي الله عنه] **

فصل (مدة حصاره رضي الله عنه)

كانت مدة حصر عثمان، رضي الله عنه، في داره أربعين يوما على

المشهور. وقيل: كانت بضعا وأربعين يوما. وقال الشعبي: كانت ثنتين وعشرين ليلة. ثم كان قتله، رضي الله عنه، في يوم الجمعة بلا خلاف. قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها. ونص عليه مصعب الزبيري وآخرون. وقال آخرون: ضحوة. وهذا أشبه. وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور. وقيل: في أيام التشريق. رواه ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير، ثنا أبو خيثمة، ثنا وهب بن جرير قال: سمعت أبي قال: سمعت يونس بن يزيد، عن الزهري قال: قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق - ورواه عبد الله بن أحمد، عن عبيد الله بن معاذ، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان قال: قتل عثمان في أوسط أيام التشريق - وقال بعضهم: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. وقيل: قتل يوم النحر. حكاه

ابن عساكر. ويستشهد له بقول الشاعر:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

قلت: والأول هو الأشهر. وهو أنه قتل يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، على الصحيح المشهور. وقيل: سنة ست وثلاثين. قاله مصعب الزبيري وطائفة. وهو غريب. فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما ; لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين.

فأما عمره، رضي الله عنه، فإنه جاوز الثمانين على المشهور. فقيل: إحدى وثمانين سنة. وقال الواقدي وغير واحد: توفي عن ثنتين وثمانين سنة. وقال صالح بن كيسان: وأشهر. وقيل: أربع وثمانين سنة. وقال

أحمد، عن حسن بن موسى، حدثنا أبو هلال، عن قتادة: توفي عثمان عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه: توفي عن ست وثمانين سنة. وعن هشام بن الكلبي: توفي عن خمس وسبعين سنة. وهذا غريب جدا. وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه ; وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان، رضي الله عنه عن ثلاث وستين سنة.

وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب - شرقي البقيع - وقد بني عليه زمان بني أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم. قال الإمام مالك: بلغني أن عثمان، رضي الله عنه، كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح

. وقد ذكر ابن جرير أن عثمان، رضي الله عنه، بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: وكأنه اشتغل الناس عنه بمبايعة علي، رضي الله عنه حتى تمت. وقيل: إنه مكث ليلتين. وقيل: بل دفن من ليلته. ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج. وقيل: بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم.

فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة ; منهم حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وطلحة، والزبير، وعلي بن أبي طالب، وجماعة من أصحابه ونسائه ; منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عيينة بن حصن، وصبيان. وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي.

قال أحمد: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صلى الزبير على عثمان ودفنه وكان أوصى إليه. وروى عبد الله من طريق إبراهيم بن عبد الله بن فروخ، عن أبيه: شهدت عثمان دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسل.

وحمله جماعة من خدمه بعد ما غسلوه وكفنوه. وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن. والصحيح الأول. وصلى عليه جبير بن مطعم. وقيل: الزبير بن العوام. وقيل: حكيم بن حزام. وقيل: مروان بن الحكم. وقيل: المسور بن مخرمة. وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه وإلقاءه عن سريره،

وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بلغ علي بن أبي طالب، فبعث إليهم من نهاهم عن ذلك، وحمل جنازته حكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم، وجبير بن مطعم.

وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلى عليه - عند مصلى الجنائز - أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته. ثم قالوا: لا يدفن في البقيع، ولكن ادفنوه وراء الحائط. فدفنوه شرقي البقيع تحت نخلات هناك.

وذكر الواقدي أن عمير بن ضابئ نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه، فكسر ضلعا من أضلاعه، وقال: أحبست ضابئا حتى مات في السجن؟ وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا.

وقال البخاري في " التاريخ ": حدثنا موسى بن إسماعيل، عن عيسى بن منهال، ثنا غالب، عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي. وما أظن أن تغفر لي. فقلت: يا عبد الله ما سمعت أحدا

يقول ما تقول. قال: كنت أعطيت الله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون فيصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته، وسجيته، وقد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود.

ثم خرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار ; وهما صبيح ونجيح، رضي الله عنهما، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب. وقيل: إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب.

وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين.

** [ذكر صفته رضي الله عنه] **

كان، رضي الله عنه، حسن الوجه، رقيق البشرة، كبير اللحية، معتدل القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، حسن الثغر، فيه سمرة. وقيل: بياض. وقيل: كان في وجهه شيء من آثار الجدري، رضي الله عنه. وعن الزهري: كان حسن الوجه والشعر، مربوعا، أضلع، أروح الرجلين.

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا سالم أبو جميع، ثنا الحسن وذكر عثمان وشدة حيائه فقال: إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء ; يمنعه الحياء أن يقيم صلبه.

وقال عبد الله: حدثنا زياد بن أيوب، ثنا هشيم قال: زعم أبو المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن قال: دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان بن عفان

متوكئ على ردائه، فأتاه سقاءان يختصمان فقضى بينهما، ثم أتيته فنظرت إليه فإذا رجل حسن الوجه، بوجنتيه نكتات جدري، وإذا شعره قد كسا ذراعيه. وقال واقد بن عبد الله: حدثني من رأى عثمان بن عفان ضبب أسنانه بالذهب.

وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة، عن سعيد بن أبي زيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم، وخمسمائة ألف درهم، وخمسون ومائة ألف دينار، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها ; ببئر أريس، وخيبر، ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار.

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا أرطاة بن المنذر، ثنا أبو عون الأنصاري «أن عثمان قال لابن مسعود: هل أنت منته عما بلغني عنك؟

فاعتذر بعض العذر. فقال عثمان: إني قد سمعت وحفظت، وليس كما سمعت، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إنه سيقتل أمير، وينتزي منتز» . وإني أنا المقتول وليس عمر، إن عمر قتله واحد وإنه سيجتمع علي.

وقال أحمد: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس قال: حدثني أبو سهلة أن عثمان قال يوم الدار: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد لي عهدا فأنا صابر عليه. قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم.

ورواه الترمذي من حديث وكيع ويحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به.

وفي " مسند أبي يعلى "، من طريق أبي سهلة قال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ستبتلى بعدي فلا تقاتل»

** [كلام الصحابة في مقتل عثمان رضي الله عنه] **

فصل (كلام الصحابة في مقتل عثمان رضي الله عنه)

قال الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال.

وروى الحافظ بن عساكر، من طريق شبابة، عن حفص بن مورق

الباهلي، عن حجاج بن أبي عثمان الصواف، عن زيد بن وهب، عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره: أنا محمد بن سعد، أنا عمرو بن عاصم الكلابي، ثنا أبو الأشهب، حدثني عوف، عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال: اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء، والله لئن كان قتله خيرا لتحلبنه لبنا، ولئن كان قتله شرا لتمتصن به دما. وقد ذكره البخاري في " صحيحه ".

طريق أخرى عنه:

قال محمد بن عائذ: ذكر يحيى بن حمزة، حدثني أبو عبد الله النجراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه، كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه فسألهما فقالا: خير. فقال:

إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير. قال: قتل الرجل. يعني عثمان. قال: فاسترجع، ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فإن كان خيرا فهو لمن حضره، وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره، وأنا منه بريء، اليوم نفرت القلوب بأنفارها، الحمد لله الذي سبق بي الفتن، قادتها وعلوجها، الحظي من تردى بعيره، فشبع شحما وقل عمله.

وقال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي موسى الأشعري قال: لو كان قتل عثمان هدى، لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا، فاحتلبت به الأمة دما. وهذا منقطع.

وقال محمد بن سعد: أنا عارم بن الفضل، أنا الصعق بن حزن، ثنا قتادة، عن زهدم الجرمي قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وقد روي من غير هذا الوجه عنه.

وقال الأعمش وغيره، عن ثابت بن عبيد، عن أبي جعفر الأنصاري

قال: لما قتل عثمان جئت عليا وهو جالس في المسجد وعليه عمامة سوداء فقلت له: قتل عثمان. فقال: تبا لهم آخر الدهر. وفي رواية: خيبة لهم.

وقال أبو القاسم البغوي أنبأنا علي بن الجعد، أنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن أبي ليلى قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد، أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. وقال أبو هلال: عن قتادة عن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ.

وروى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة، عن أبي العالية أن عليا دخل على عثمان، فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به.

وقال الثوري وغيره، عن ليث، عن طاوس.

، عن ابن عباس قال: قال علي يوم قتل عثمان: والله ما قتلت، ولا أمرت، ولكني غلبت. ورواه غير ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، عن علي نحوه.

وقال حبيب بن أبي العالية، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال علي: إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله، ما قتلت عثمان، ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني. وقد روي من غير وجه عن علي بنحوه.

وقال محمد بن يونس الكديمي: ثنا هارون بن إسماعيل، ثنا قرة بن خالد، عن الحسن، عن قيس بن عباد قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة» . وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: اللهم إني لمشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت، فلما قالوا: أمير المؤمنين، فكأنما صدع قلبي وانسكبت بعبرة.

وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي، أنه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله، ولا أمر بقتله، ولا مالأ، ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث. ولله الحمد والمنة. وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} [الحجر: 47]

[الحجر: 47] . وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا. وفي رواية أنه قال: كان عثمان، رضي الله عنه، خيرنا، وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهورا، وأتقانا للرب، عز وجل.

وروى يعقوب بن سفيان، عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، عن مجالد، عن عمير بن زوذي أبي كثير قال: خطب علي فقطع الخوارج عليه خطبته، فنزل فقال: إن مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة ; أحمر وأبيض وأسود، ومعهم في أجمة أسد، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران، فقال للأسود والأحمر: إن هذا الأبيض قد فضحنا في هذه الأجمة فخليا عنه حتى آكله. فخليا عنه فأكله، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر، فقال للأحمر: إن هذا الأسود قد فضحنا في هذه الأجمة، وإن لوني على لونك، فلو خليت عنه أكلته. فخلى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر: إني آكلك. فقال: دعني حتى أصيح ثلاث صيحات. فقال: دونك. فقال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض. ثلاثا، ثم قال علي: وإنما أنا وهنت يوم قتل عثمان. قالها ثلاثا.

وروى ابن عساكر، من طريق محمد بن هارون الحضرمي، عن سوار بن عبد الله العنبري القاضي، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: كانت المرأة تجيء في زمان عثمان إلى بيت المال، فتحمل وقرها وتقول: اللهم بدل، اللهم غير. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان، رضي الله عنه:

قلتم بدل فقد بدلكم ... سنة حرى وحربا كاللهب

ما نقمتم من ثياب خلفة ... وعبيد وإماء وذهب

قال: وقال أبو حميد أخو بني ساعدة - وكان ممن شهد بدرا، وكان في من جانب عثمان - فلما قتل قال: والله ما أردنا قتله، ولا كنا نرى أن يبلغ منه القتل، اللهم إن لك علي أن لا أفعل كذا وكذا، ولا أضحك حتى ألقاك.

وقال محمد بن سعد: أنا عبد الله بن إدريس، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: لقد رأيتني وإن عمر موثقي وأخته على الإسلام، ولو ارفض أحد فيما صنعتم بابن عفان،

لكان حقيقا. وهكذا رواه البخاري في " صحيحه ".

وروى محمد بن عائذ، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمع عبد الله بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان، فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام: أجل إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة، ولكن تنتطح فيه الرجال بالسلاح، والله ليقتلن به أقوام، إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد.

وقال ليث عن طاوس قال: قال ابن سلام: يحكم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل.

وقال أبو عبد الله المحاملي: ثنا أبو الأشعث، ثنا حزم بن أبي حزم، سمعت أبا الأسود يقول: سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أشرك في دم عثمان.

وقال أبو يعلى: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا محمد بن عباد الهنائي، ثنا البراء بن أبي فضالة، ثنا الحضرمي، عن أبي مريم رضيع

الجارود قال: كنت بالكوفة فقام الحسن بن علي خطيبا فقال: أيها الناس، رأيت البارحة في منامي عجبا ; رأيت الرب تبارك وتعالى فوق عرشه، فجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قام عند قائمة من قوائم العرش، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبي بكر، ثم جاء عثمان فكان نبذة، فقال: رب سل عبادك فيم قتلوني؟ فانبعث من السماء ميزابان من دم في الأرض. قال: فقيل لعلي: ألا ترى ما يحدث به الحسن؟ فقال: حدث بما رأى.

ورواه أبو يعلى أيضا، عن سفيان بن وكيع، عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن بن مجالد، عن طحرب العجلي: سمعت الحسن بن علي يقول: ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها ; رأيت العرش، ورأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متعلقا بالعرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب

عمر، ورأيت دما دونهم فقلت: ما هذا؟ فقيل: هذا دم عثمان يطلب الله به.

وقال مسلم بن إبراهيم: ثنا سلام بن مسكين، عن وهب بن شبيب، عن زيد بن صوحان أنه قال يوم قتل عثمان: نفرت القلوب منافرها، والذي نفسي بيده، لا تتآلف إلى يوم القيامة.

وقال محمد بن سيرين: قالت عائشة: مصتموه موص الإناء ثم قتلتموه.

وقال خليفة بن خياط: ثنا أبو قتيبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن عون بن عبد الله بن عتبة: قال: قالت عائشة: غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف! استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقلب المصفى قتلتموه.

وقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن مسروق قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه. وفي

رواية: ثم قربتموه فذبحتموه كما يذبح الكبش. فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمرينهم أن يخرجوا إليه. فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون، ما كتبت إليهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وهذا إسناد صحيح إليها. وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج، قبحهم الله، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق، يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه. ولله الحمد والمنة.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حزم القطعي، ثنا أبو الأسود بن سوادة، أخبرني طلق بن خشاف. قال: قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوما لعن الله قتلته.

وروى محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس قال: قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان: رحمه الله، أما إنهم لن

يحتلبوا بعده إلا دما.

وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله: أما مررتم ببلاد ثمود؟ قالوا: نعم. قال: أشهد أنكم مثلهم، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته. وقال ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما. وقال أبو جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق

** [ذكر بعض ما رثي به رضي الله عنه] **

قال مجالد عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك:

فكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن الله ليس بغافل

وقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل

فكيف رأيت الله صب عليهم ... العداوة والبغضاء بعد التواصل

وكيف رأيت الخير أدبر بعده

عن الناس إدبار النعام الجوافل

وقد نسب هذه الأبيات سيف بن عمر إلى المغيرة بن الأخنس بن شريق.

وقال سيف بن عمر: وقال حسان بن ثابت:

ماذا أردتم من أخي الدين باركت ... يد الله في ذاك الأديم المقدد

قتلتم ولي الله في جوف داره ... وجئتم بأمر جائر غير مهتد

فهلا رعيتم ذمة الله بينكم ... وأوفيتم بالعهد عهد محمد

ألم يك فيكم ذا بلاء ومصدق ... وأوفاكم قدما لدى كل مشهد

فلا ظفرت أيمان قوم تبايعوا ... على قتل عثمان الرشيد المسدد

وقال ابن جرير: وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه:

من سره الموت صرفا لا مزاج له ... فليأت مأسدة في دار عثمانا

مستشعري حلق الماذي قد شفعت

قبل المخاطم بيض زان أبدانا ... ضحوا بأشمط عنوان السجود به

يقطع الليل تسبيحا وقرآنا ... صبرا فدى لكم أمي وما ولدت

قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا ... فقد رضينا بأرض الشام نافرة

وبالأمير وبالإخوان إخوانا ... إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا

ما دمت حيا وما سميت حسانا ... لتسمعن وشيكا في ديارهم

الله أكبر يا ثارات عثمانا ... يا ليت شعري وليت الطير تخبرني

ما كان شأن علي وابن عفانا

وقال راعي الإبل النميري في عثمان:

عشية يدخلون بغير إذن ... على متوكل أوفى وطابا

خليل محمد ووزير صدق ... ورابع خير من وطئ الترابا

** [كيفية قتل عثمان بالمدينة وبها جماعة من كبار الصحابة] **

فصل (كيفية قتل عثمان بالمدينة وبها جماعة من كبار الصحابة)

إن قال قائل: كيف وقع قتل عثمان، رضي الله عنه، بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة، رضي الله عنهم؟ فجوابه من وجوه:

أحدها، أن كثيرا منهم، بل أكثرهم أو كلهم، لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة ; إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع. والله أعلم.

الثاني، أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية.

الثالث، أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم.

الرابع، أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم

يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة ; لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة وفي الحج.

ومع هذا كان كثير من الصحابة قد اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارج محدقون بدار عثمان، رضي الله عنه. وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكن ذلك.

ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يجاحفون عن عثمان، رضي الله عنه، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجأ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه.

وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان، رضي الله عنه، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر ; كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم.

قال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان، رضي الله عنه بحش كوكب، وكان قد اشتراه وزاده في البقيع.

ولقد أحسن بعض السلف حيث يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.

وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله، بعد حكايته هذا الكلام: قلت: الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وابنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير. وهذا لفظه بحروفه.

** [الأحاديث الواردة في فضائل عثمان بن عفان] **

** [نسبه] **

فصل في الإشارة إلى شيء من الأحاديث الواردة في فضائل عثمان بن عفان، رضي الله عنه

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو عمرو، وأبو عبد الله، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، وزوج الابنتين. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس، وأمها أم حكيم ; وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم.

أسلم عثمان، رضي الله عنه، قديما على يدي أبي بكر الصديق، وكان سبب إسلامه عجيبا، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر، وملخص ذلك أنه لما بلغه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زوج ابنته رقية - وكانت ذات جمال - من ابن عمها عتبة بن أبي لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهموما

فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز - وكانت كاهنة - فقالت له:

أبشر وحييت ثلاثا تترا ... ثم ثلاثا وثلاثا أخرى

ثم بأخرى كي تتم عشرا ... أتاك خير ووقيت شرا

أنكحت والله حصانا زهرا ... وأنت بكر ولقيت بكرا وافيتها بنت عظيم قدرا

بنيت أمرا قد أشاد ذكرا

قال عثمان: فعجبت من قولها ; حيث تبشرني بامرأة قد تزوجت بغيري، فقلت: يا خالة ما تقولين! فقالت: عثمان

لك الجمال ولك اللسان ... هذا نبي معه البرهان

أرسله بحقه الديان ... وجاءه التنزيل والفرقان

فاتبعه لا تغتالك الأوثان

قال: فقلت إنك لتذكرين أمرا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله. ثم قالت:

مصباحه مصباح ... ودينه فلاح

وأمره نجاح ... وقرنه نطاح

ذلت له البطاح ... ما ينفع الصياح

لو وقع الذباح

وسلت الصفاح ... ومدت الرماح

قال عثمان: فانطلقت مفكرا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم ; لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟ قال: قلت: بلى، والله إنها لكذلك. فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه؟ فاجتمعنا برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عثمان أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه» . قال: فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان يقال: أحسن زوج رآه إنسان، رقية وزوجها عثمان. فقالت في ذلك سعدى بنت كريز:

هدى الله عثمانا بقولي إلى الهدى ... وأرشده والله يهدي إلى الحق

فتابع بالرأي السديد محمدا ... وكان برأي لا يصد عن الصدق

وأنكحه المبعوث بالحق بنته ... فكانا كبدر مازج الشمس في الأفق

فداؤك يا ابن الهاشميين مهجتي ... وأنت أمين الله أرسلت للخلق

قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مظعون، وبأبي عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم ; ثمانية وثلاثون رجلا.

ثم هاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقام بسببها في المدينة، فضرب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها. فلما توفيت زوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأختها أم كلثوم، فتوفيت أيضا في صحبته، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان» . وشهد أحدا وفر يومئذ فيمن تولى، وقد نص الله تعالى على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبية، وبايع عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز فيها جيش العسرة. فتقدم في رواية عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها. وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال النبي،

صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم» . مرتين. وحج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حجة الوداع، وتوفي وهو عنه راض.

وصحب أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض. وصحب عمر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض - ونص عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرهم، كما سيأتي - فولي الخلافة بعده ففتح الله على يديه كثيرا من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الإسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55] . وقوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [الصف: 9] . وقوله، صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» . وقوله، صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» . وهذا كله تحقق وقوعه وتأكد وتوطد في زمان عثمان، رضي الله عنه.

وقد كان، رضي الله عنه، حسن الشكل، مليح الوجه، كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، وكرم غزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله تأليفا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني ; لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعطي أقواما ويدع آخرين ; يعطي أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار، ويكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدى والإيمان، وقد عابه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما عاب بعض الخوارج على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإيثار. وقد قدمنا ذلك في غزوة حنين حيث قسم غنائمها.

وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان، رضي الله عنه، نذكر ما تيسر منها إن شاء الله تعالى، وبه الثقة ; وهي قسمان:

** [فيما ورد في فضائله مع غيره] **

الأول: فيما ورد في فضائله مع غيره

فمن ذلك: الحديث الذي رواه البخاري في " صحيحه ": حدثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن قتادة أن أنسا حدثهم قال: «صعد النبي، صلى الله عليه وسلم، أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف، فقال: " اسكن أحد - أظنه ضربه برجله - فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان» تفرد به دون مسلم. وقال الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان على حراء هو وأبو بكر

وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» . ثم قال: وفي الباب: عن عثمان، وسعيد بن زيد، وابن عباس، وسهيل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وهذا حديث صحيح. قلت: ورواه أبو داود، ورواه الترمذي، عن عثمان في خطبته يوم الدار، وقال على ثبير

حديث آخر: وهو ما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري قال: «كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حائط، فأمرني بحفظ الباب، فجاء رجل يستأذن، فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " ائذن له وبشره بالجنة ". ثم جاء عمر فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". ثم جاء عثمان فقال: " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ". فدخل وهو يقول: اللهم صبرا. وفي رواية: الله المستعان» . رواه عنه قتادة، وأيوب السختياني. وقال البخاري: وقال حماد بن زيد: حدثنا

عاصم الأحول وعلي بن الحكم، سمعا أبا عثمان يحدث عن أبي موسى الأشعري بنحوه، وزاد عاصم: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان قاعدا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها. وهو في " الصحيحين " أيضا، من حديث سعيد بن المسيب عن أبي موسى وفيه: أن أبا بكر وعمر دليا أرجلهما مع رسول الله في باب القف وهو في البئر، وجاء عثمان فلم يجد له موضعا فجلس ناحية. قال سعيد بن المسيب فأولت ذلك قبورهم ; اجتمعت وانفرد عثمان.

وقد وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قال: قال نافع بن الحارث: «خرجت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى دخل حائطا فقال لي: " أمسك علي الباب ". فجاء حتى جلس على القف ودلى رجليه، فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. قلت: يا رسول الله هذا أبو بكر. قال: " ائذن له وبشره بالجنة ". فدخل فجلس مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عمر. قلت: يا رسول الله هذا عمر. قال: " ائذن لي وبشره بالجنة ". ففعلت فجاء فجلس مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على القف ودلى رجليه في

البئر، ثم ضرب الباب فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله هذا عثمان. قال: " ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء ". فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله صلى الله، صلى الله عليه وسلم، ودلى رجليه في البئر» . هكذا وقع في هذه الرواية. وقد أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي سلمة.

فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب، أو أنها قصة أخرى

وقد رواه الإمام أحمد، عن عفان، عن وهيب، عن موسى بن عقبة سمعت أبا سلمة يحدث، ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث: «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل حائطا فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر فاستأذن فقال لأبي موسى: " ائذن له وبشره بالجنة ". ثم جاء عمر فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". ثم جاء عثمان فقال: " ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاء» وهذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي، من حديث صالح بن كيسان، عن أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث، عن أبي موسى الأشعري، فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنا همام، عن قتادة، عن ابن سيرين

ومحمد بن عبيد، عن عبد الله بن عمرو قال: «كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". ثم جاء عثمان فاستأذن فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". قال: قلت: فأين أنا؟ قال: " أنت مع أبيك» . تفرد به أحمد. وقد رواه البزار، وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك، بنحو ما تقدم.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، وعثمان حدثاه، أن أبا بكر استأذن على النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال: " اجمعي عليك ثيابك ". فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لا أراك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلي حاجته» . قال الليث: وقال جماعة الناس: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة: «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة!» . ورواه مسلم من

حديث الليث بن سعد به، ومن حديث صالح بن كيسان، عن الزهري به. ورواه مسلم، من حديث محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان ابني يسار، وأبي سلمة، عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي، من حديث سهيل، عن أبيه، عن عائشة. ورواه جبير بن نفير، وعائشة بنت طلحة عنها.

وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان، ثنا عبد الله بن يسار سمعت عائشة بنت طلحة تذكر عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان جالسا كاشفا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على حاله، ثم جاء عمر فاستأذن، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله، استأذن عليك أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك! فقال: «يا عائشة ألا أستحي من رجل، والله إن الملائكة تستحي منه» ! .

تفرد به أحمد من هذا الوجه.

طريق أخرى عن حفصة: رواه الحسن بن عرفة، وأحمد بن حنبل عن روح بن عبادة، عن ابن جريج، أخبرني أبو خالد عثمان بن خالد، عن عبد الله بن أبي سعيد المدني، حدثتني حفصة، فذكر مثل حديث عائشة، وفيه: فقال «ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة!» .

طريق أخرى عن ابن عباس: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو كريب، ثنا يونس بن بكير، ثنا النضر - هو ابن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز الكوفي - عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة ;» عثمان بن عفان. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قلت: هو على شرط الترمذي، ولم يخرجوه.

طريق أخرى عن ابن عمر: قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا أبو معشر، حدثني إبراهيم

بن عمر بن أبان، حدثني أبي - عمر بن أبان - عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: بينما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالس وعائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتحدث كاشفا عن ركبته فمد ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان، وقال لامرأته: استأخري. فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقالت عائشة: يا نبي الله دخل أبي وأصحابه، فلم تصلح ثوبك على ركبتك ولم تؤخرني عنك. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة! والذي نفس رسول الله بيده إن الملائكة لتستحيي من عثمان، كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريب مني لم يتحدث ولم يرفع رأسه حتى يخرج» . هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه زيادة على ما قبله، وفي إسناده ضعف. قلت: وفي الباب عن علي، وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن ثابت.

وروى أبو مروان القرشي، عن أبيه، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «عثمان حيي تستحي منه الملائكة» .

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأشدها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» . وهكذا رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث خالد الحذاء، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي " صحيح البخاري "، و " مسلم " آخره " «ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» ".

وقد روى هشيم عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر مثل حديث أبي قلابة، عن أنس، أو نحوه.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب، حدثني الزبيدي، عن ابن شهاب، عن عمرو بن أبان بن عثمان، عن جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ( «أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر» . قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأما ما ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من نوط بعضهم لبعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه، صلى الله عليه وسلم.

ورواه أبو داود، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حرب، ثم قال: ورواه يونس وشعيب، فلم يذكرا عمر.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود - عمر بن سعد - ثنا بدر بن عثمان، عن عبيد الله بن مروان، عن أبي عائشة، عن ابن

عمر قال: خرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: «رأيت قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهي التي تزنون بها، فوضعت في كفة، ووضعت أمتي في كفة، فوزنت بهم فرجحت، ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فوزن، ثم جيء بعمر فوزن فوزن، ثم جيء بعثمان فوزن بهم، ثم رفعت» تفرد به أحمد.

وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا هشام بن عمار، ثنا عمرو بن واقد، ثنا يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت أني وضعت في كفة وأمتي في كفة فعدلتها، ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها» .

حديث آخر: قال أبو يعلى: حدثنا عبد الله بن مطيع، ثنا هشيم، عن العوام، عمن حدثه، عن عائشة قالت: «لما أسس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه، وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك، فقال: هذا أمر الخلافة من بعدي» وقد تقدم هذا الحديث في بناء مسجده أول

مقدمه المدينة عليه الصلاة والسلام.

وكذلك تقدم في دلائل النبوة من حديث الزهري، عن رجل، عن أبي ذر في تسبيح الحصا في يده عليه الصلاة والسلام، ثم في كف أبي بكر، ثم في كف عمر، ثم في كف عثمان، رضي الله عنهم. وفي بعض الروايات: فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هذه خلافة النبوة

وسيأتي حديث سفينة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» فكانت ولاية عثمان، ومدتها ثنتي عشرة سنة، من جملة هذه الثلاثين بلا خلاف بين العلماء العاملين، كما أخبر به سيد المرسلين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حديث آخر: وهو ما روي من طرق متعددة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه شهد للعشرة بالجنة، وعثمان منهم بنص النبي، صلى الله عليه وسلم، على ذلك.

حديث آخر: قال البخاري: حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، ثنا شاذان، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبيد الله، عن نافع، «عن ابن عمر قال: كنا في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، لا نفاضل بينهم» . تابعه عبد الله بن صالح، عن

عبد العزيز. تفرد به البخاري. ورواه إسماعيل بن عياش، والفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه أبو يعلى، عن أبي معمر، عن يزيد بن هارون، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عمر به.

طريق أخرى عن ابن عمر، رضي الله عنهما: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر قال: كنا نعد ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، حي وأصحابه متوافرون ; أبو بكر وعمر وعثمان، ثم نسكت.

طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي وعقبة بن مكرم قالا: ثنا أبو عاصم، عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه قال: «كنا نقول في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر وعثمان،

يعني في الخلافة» . وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، لكن قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه، وعمر بن محمد لم يكن بالحافظ، وذلك في حديثه متبين إذا روى عن غير سالم.

وقد رواه غير واحد من الضعفاء، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه به، وقد اعتنى الحافظ - ابن عساكر بجمع طرقه عن ابن عمر فأفاد وأجاد.

فأما الحديث الذي رواه الطبراني: حدثنا سعيد بن عبدويه الصفار البغدادي، حدثنا علي بن جميل الرقي، أنا جرير، عن ليث، عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «في الجنة شجرة أو ما في

الجنة شجرة - شك علي بن جميل - ما عليها ورقة إلا مكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين» . فإنه حديث ضعيف، في إسناده من تكلم فيه، ولا يخلو من نكارة. والله أعلم.

** [فيما ورد من فضائله وحده] **

القسم الثاني فيما ورد من فضائله وحده: قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني ; هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك ; أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه» ، وأما تغيبه عن

بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه ; فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عثمان - وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان - إلى مكة، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. تفرد به دون مسلم.

طريق أخرى: وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين - قال عاصم: يقول: يوم أحد - ولم أتخلف عن يوم بدر، ولم أترك سنة عمر. قال: فانطلق فخبر ذلك عثمان فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم حنين فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عني فقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} [آل عمران: 155]

[آل عمران: 155] وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر. فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسهمي ومن ضرب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسهمه فقد شهد، وأما قوله: ولم أترك سنة عمر. فإني لا أطيقها ولا هو فأته فحدثه بذلك.

حديث آخر: قال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي، عن يونس قال ابن شهاب: أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد، فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة. قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك. قال: يا أيها المرء - قال أبو عبد الله: قال معمر: أراه قال - أعوذ بالله منك. فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان، رضي الله عنه، فأتيته فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله، فهاجرت الهجرتين، وصحبت

رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. فقال: أدركت رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. قال: أما بعد، فإن الله بعث محمدا بالحق وكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبايعته فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، عز وجل، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد، فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، ثنا الوليد بن سليمان، حدثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان بن بشير، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «أرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما رأينا إقبال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر كلام كلمه أن ضرب منكبه، وقال: " يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون

على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني " ثلاثا. فقلت لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيته والله فما ذكرته. قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به فكتبت إليه به كتابا»

وقد رواه أبو عبد الله الجسري، عن عائشة وحفصة بنحو ما تقدم. ورواه قيس بن أبي حازم وأبو سهلة عنها. ورواه أبو سهلة، عن عثمان: «إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد إلي عهدا فأنا صابر نفسي عليه» . ورواه فرج بن فضالة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكره. قال الدارقطني: تفرد به الفرج بن فضالة. ورواه أبو مروان محمد بن عثمان بن خالد العثماني، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي

الزناد، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورواه ابن عساكر من طريق المنهال بن بحر، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. ورواه أبو أسامة، عن الجريري: حدثني أبو بكر العدوي قال: سألت عائشة. فذكر عنها نحو ما تقدم. ورواه خصيف، عن مجاهد، عن عائشة بنحوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كناسة الأسدي أبو يحيى، ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: بلغني أن عائشة قالت: ما استمعت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا مرة، فإن عثمان جاءه في نحر الظهيرة فظننت أنه

جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: «إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه " فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه، علمت أنه من عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي عهد إليه» .

طريق أخرى: قال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف قال: كنا عند شفي الأصبحي فقال: حدثنا عبد الله بن عمر قال: التفت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عثمان إن ألبسك الله قميصا فأرادك الناس على خلعه فلا تخلعه فوالله لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط»

وقد رواه أبو يعلى من طريق عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة أم

المؤمنين. وفي سياق متنه غرابة، فالله أعلم

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثتني فاطمة بنت عبد الرحمن قالت: حدثتني أمي أنها سألت عائشة، وأرسلها عمها فقال: إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان، فإن الناس قد شتموه! فقالت: لعن الله من لعنه، فوالله لقد كان قاعدا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمسند ظهره إلي، وإن جبريل ليوحي إليه القرآن، وإنه ليقول له: «اكتب يا عثيم» قالت عائشة: فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريما على الله ورسوله. ثم رواه الإمام أحمد، عن يونس، عن عمر بن إبراهيم اليشكري، عن أمه، عن أمها أنها سألت عائشة عند الكعبة عن عثمان فذكرت مثله.

حديث آخر: قال البزار: حدثنا عمر بن الخطاب قال: ذكر أبو المغيرة، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التميمي، عن جابر «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكر فتنة، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: أنا أدركها؟ قال: " لا ". فقال عمر: أنا يا رسول الله أدركها؟ قال: " لا ". فقال عثمان: يا رسول الله أنا

أدركها؟ قال: " بك يبتلون» قال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا سنان بن هارون، ثنا كليب بن وائل: عن ابن عمر قال: «ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتنة فمر رجل، فقال: " يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما ". فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان، رضي الله عنه» . ورواه الترمذي عن إبراهيم بن سعيد عن شاذان به. وقال: حسن غريب.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة قال: حدثني أبو أمي أبو حبيبة، أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ( «إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا " - أو قال: " اختلافا وفتنة " - فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: " عليكم بالأمين وأصحابه " وهو يشير إلى عثمان بذلك» . تفرد به أحمد وإسناده جيد حسن، ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة - أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق، حدثني هرم بن الحارث وأسامة بن خريم - وكانا يغازيان - فحدثاني حديثا ولم يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدثنيه، عن مرة البهزي، قال: «بينما نحن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في طريق من طرق المدينة فقال: " كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ " قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: " عليكم هذا وأصحابه " - أو " اتبعوا هذا وأصحابه " - قال: فأسرعت حتى عييت فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: " هذا ". فإذا هو عثمان بن عفان، فقال: " هذا وأصحابه» . فذكره.

طريق أخرى: وقال الترمذي في " جامعه ": حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني «أن خطباء قامت بالشام، وفيهم رجال من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام آخرهم ; رجل يقال له: مرة بن كعب. فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما تكلمت، وذكر الفتن فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب، فقال:

" هذا يومئذ على الهدى ". فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال " نعم» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن حوالة وكعب بن عجرة. قلت: وقد رواه أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن جبير بن نفير، عن مرة بن كعب البهزي، فذكر نحوه.

وقد رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، عن صالح، عن سليم بن عامر، عن جبير بن نفير، عن كعب بن مرة البهزي، والصحيح مرة بن كعب، كما تقدم.

وأما حديث ابن حوالة، فقال حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن حوالة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت وفتنة تكون في أقطار الأرض؟ ". قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: " اتبع هذا الرجل، فإنه يومئذ ومن اتبعه على الحق ". قال: فأتبعته فأخذت بمنكبه فلفته، فقلت: هذا يا رسول الله؟ فقال: " نعم ". فإذا هو عثمان بن عفان» ،

وقال حرملة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن ابن حوالة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا ; موتي، وخروج الدجال، وقتل خليفة مصطبر قوام بالحق يعطيه» .

وأما حديث كعب بن عجرة، فقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، أخبرني مغيرة بن مسلم، عن مطر الوراق، عن ابن سيرين، عن كعب بن عجرة قال: «ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتنة فقربها وعظمها. قال: ثم مر رجل مقنع في ملحفة، فقال: " هذا يومئذ على الحق ". فانطلقت مسرعا - أو قال: محضرا - وأخذت بضبعيه، فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: " هذا ". فإذا هو عثمان بن عفان» .

ثم رواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عجرة، فذكر مثله.

ورواه أبو يعلى، عن هدبة، عن همام، عن قتادة، عن محمد بن

سيرين، عن كعب بن عجرة.

وكذا رواه أبو عون، عن ابن سيرين، عن كعب بن عجرة

وقد تقدم حديث أبي ثور الفهمي عنه، في قوله في الخطبة التي خاطب بها الناس من داره: والله ما تعتيت ولا تمنيت، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأنه كان يعتق كل يوم جمعة عتيقا، فإن تعذر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين. وقال مولاه حمران: كان عثمان يغتسل كل يوم منذ أسلم، رضي الله عنه.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش، ثنا الوليد بن مسلم، أنا الأوزاعي، عن محمد بن عبد الملك بن مروان أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهن ; إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام، فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية.

فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل، فلن أكون أول من خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم. فلن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام، فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله، صلى الله عليه وسلم» .

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا أرطاة - يعني ابن المنذر - حدثني أبو عون الأنصاري أن عثمان قال لابن مسعود: " هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر، فقال عثمان: ويحك! إني قد سمعت وحفظت - وليس كما سمعت - أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «سيقتل أمير وينتزي منتز. وإني أنا المقتول، وليس عمر، إنما قتل عمر واحد، وإنه يجتمع علي» . وهذا الذي قاله لابن مسعود قبل مقتله بنحو من أربع سنين، فإنه مات قبله بنحو ذلك.

حديث آخر: قال عبد الله بن أحمد: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري، حدثني أبو عبادة الزرقي الأنصاري - من أهل المدينة - عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز ولو ألقي حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي باب مقام جبريل، فقال: أيها الناس، أفيكم طلحة؟

فسكتوا ثم قال: أيها الناس، أفيكم طلحة بن عبيد الله؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان: ألا أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني؟ أنشدك الله يا طلحة، تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في موضع كذا وكذا ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك؟ فقال: نعم. قال: فقال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنه ما من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعنيني - رفيقي في الجنة "؟ فقال طلحة: اللهم نعم» . تفرد به.

حديث آخر، عن طلحة: قال الترمذي حدثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا يحيى بن اليمان، عن شيخ بن زهرة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي رفيق، ورفيقي في الجنة عثمان» . ثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي، وإسناده منقطع. ورواه أبو مروان محمد بن عثمان، عن أبيه،

عن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن أبي طالب البغدادي، وغير واحد قالوا: حدثنا عثمان بن زفر، حدثنا محمد بن زياد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «أتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بجنازة رجل ليصلي عليه فلم يصل عليه، فقيل: يا رسول الله ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا؟ فقال: " إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله، عز وجل» ". ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، ومحمد بن زياد هذا صاحب ميمون بن مهران ضعيف الحديث جدا، ومحمد بن زياد صاحب أبي هريرة بصري ثقة يكنى أبا الحارث، ومحمد بن زياد الألهاني صاحب أبي أمامة ثقة شامي يكنى أبا سفيان.

حديث آخر: روى الحافظ ابن عساكر، من حديث أبي مروان العثماني، حدثني أبي، عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقي عثمان بن عفان على باب المسجد فقال: «يا عثمان هذا جبريل يخبرني أن الله قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل مصاحبتها» وقد رواه ابن عساكر أيضا، من حديث ابن عباس، وعائشة، وعمارة بن رويبة، وعصمة بن مالك الخطمي، وأنس بن مالك، وابن عمر، وغيرهم. وهو غريب ومنكر من جميع طرقه.

وروي بإسناد ضعيف، عن علي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لو كان لي أربعون ابنة لزوجتهن بعثمان واحدة بعد واحدة، حتى لا يبقى منهن واحدة» .

وقال محمد بن سعيد الأموي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن المهلب بن أبي صفرة قال: سألت أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم قلتم في عثمان: أعلاها فوقا؟ قالوا: لأنه لم يتزوج رجل من الأولين والآخرين ابنتي نبي غيره. رواه ابن عساكر.

وقال إسماعيل بن عبد الملك، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رافعا يديه حتى يبدو ضبعيه إلا لعثمان بن عفان، إذا دعا له» .

وقال مسعر، عن عطية، عن أبي سعيد قال: «رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان بن عفان، يقول: " اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه» . وفي رواية يقول لعثمان " غفر الله لك ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما كان منك وما هو كائن إلى يوم القيامة. ورواه الحسن بن عرفة عن محمد بن القاسم

الأسدي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، مرسلا.

وقال ابن عدي، عن أبي يعلى، عن عمار بن ياسر المستملي، عن إسحاق بن إبراهيم المستملي، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث إلى عثمان يستعينه في غزاة غزاها، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه، فجعل يقلبها بين يديه ويدعو له: " غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعد هذا» ".

حديث آخر: وقال ليث بن أبي سليم: «أول من خبص الخبيص عثمان ; خلط بين العسل والنقي، ثم بعث به إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى منزل أم سلمة فلم يصادفه، فلما جاء وضعوه بين يديه، فقال: من بعث بهذا؟ قالوا: عثمان. قالت: فرفع يديه إلى السماء، فقال: " اللهم إن عثمان يترضاك فارض عنه» ".

حديث آخر: روى أبو يعلى، عن شيبان بن فروخ، عن طلحة بن زيد، عن عبيدة بن حسان، عن عطاء الكيخارني، عن جابر أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم، اعتنق عثمان، وقال: «أنت وليي في الدنيا ووليي في الآخرة» .

حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن حوالة قال: «قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: تهجمون على رجل معتجر ببردة من أهل الجنة، يبايع الناس. قال: فهجمنا على عثمان بن عفان معتجرا يبايع الناس» .

** [ذكر شيء من سيرته وهي دالة على فضيلته رضي الله عنه] **

فصل في ذكر شيء من سيرته وهي دالة على فضيلته، رضي الله عنه

قال ابن مسعود: لما توفي عمر بايعنا خيرنا ولم نأل. وفي رواية: بايعوا خيرهم ولم يألوا.

وقال الأصمعي، عن أبي الزناد، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان بن عفان، قال: كان نقش خاتم عثمان: آمنت بالذي خلق فسوى.

وقال محمد بن المبارك: بلغني أنه كان نقش خاتم عثمان: آمن عثمان بالله العظيم.

وقال البخاري في " التاريخ ": ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا، يقال لهم: يا معشر المسلمين، اغدوا على أعطياتكم. فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم. فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارة، والعدو متقى، وذات البين حسن، والخير

كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنا، من لقيه فهو أخوه من كان ; ألفته ونصيحته ومودته، قد عهد إليهم أنها ستكون أثرة، فإذا كانت فاصبروا. قال الحسن: فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، قالوا: لا والله ما نصابرها. فوالله ما ردوا وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم، فوالله ما زال مسلولا إلى يوم الناس هذا، وايم الله إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة.

وقال غير واحد، عن الحسن البصري، قال: سمعت عثمان يأمر في خطبته بذبح وقتل الكلاب.

وروى سيف بن عمر أن أهل المدينة اتخذ بعضهم الحمام، ورمى بعضهم بالجلاهقات، فوكل عثمان رجلا من بني ليث يتتبع ذلك، فيقص الحمام ويكسر الجلاهقات، وهي قسي البندق.

وقال محمد بن سعد: أنبأنا القعنبي، وخالد بن مخلد، ثنا محمد بن هلال، عن جدته - وكانت تدخل على عثمان وهو محصور - فولدت هلالا، ففقدها يوما، فقيل له: إنها قد ولدت هذه الليلة غلاما. قالت: فأرسل إلي بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية، وقال: هذا عطاء ابنك وكسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مائة.

وروى الزبير بن أبي بكر، عن محمد بن سلام، عن ابن داب، قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عنكثة المخزومي: انطلقت وأنا غلام في الظهيرة ومعي طير أرسله في المسجد، والمسجد يبنى، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أو بعض لبنة، فقمت أنظر إليه أتعجب من جماله، ففتح عينيه، فقال: من أنت يا غلام؟ فأخبرته، فنادى غلاما نائما، قريبا منه، فلم يجبه، فقال لي: ادعه. فدعوته، فأمره بشيء وقال لي: اقعد. قال: فذهب الغلام فجاء بحلة، وجاء بألف درهم، ونزع ثوبي وألبسني الحلة، وجعل الألف درهم فيها، فرجعت إلى أبي فأخبرته، فقال: يا بني من فعل هذا بك؟ فقلت: لا أدري إلا أنه رجل في المسجد نائم لم أر قط أحسن منه. قال: ذاك أمير المؤمنين عثمان بن عفان.

وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن صلاة طلحة بن عبيد الله؟ قال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان؟ قال:

نعم. قال: قلت لأغلبن الليلة النفر على الحجر - يعني المقام - فلما قمت إذا رجل يزحمني مقنعا، قال: فالتفت فإذا بعثمان فتأخرت عنه، فصلى فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذا هو أذان الفجر. أوتر بركعة لم يصل غيرها، ثم انطلق. وقد روي هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود، أيام الحج. وقد كان هذا من دأبه، رضي الله عنه. ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} [الزمر: 9] قال: هو عثمان بن عفان. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النحل: 76] . قال: هو عثمان بن عفان.

وقال حسان:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

وقال سفيان بن عيينة: ثنا إسرائيل بن موسى، سمعت الحسن يقول: قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما

يديم النظر فيه.

وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة. وقال غير واحد: إنه، رضي الله عنه، كان لا يوقظ أحدا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظان، وكان يصوم الدهر، وكان يعاتب فيقال له: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا، الليل لهم يستريحون فيه. وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه، رضي الله عنه.

** [في ذكر شيء من خطبه] **

فصل في ذكر شيء من خطبه

قال الواقدي: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن أول كل مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء، وسيعلمنا الله.

وقال الحسن: خطب عثمان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس اتقوا الله فإن تقوى الله غنم، وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نورا لظلمة القبر، وليخش عبد أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيرا، وقد يكفيني الحكيم جوامع الكلم، والأصم ينادى من مكان بعيد، واعلموا أن من كان الله معه لم يخف شيئا، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده؟

وقال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابن آدم، اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك، فخذ حذرك واستعد له، ولا تغفل فإنه لا يغفل عنك، واعلم

ابن آدم، إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها، لم يستعد لها غيرك، ولا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك. والسلام.

وقال سيف بن عمر، عن بدر بن عثمان، عن عمه قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى وإن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابا {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] إلى آخر الآيتين [آل عمران: 103، 104] .

** [مناقبه رضي الله عنه] **

فصل (مناقبه رضي الله عنه)

قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا محمد بن قيس الأسدي، عن موسى بن طلحة قال: سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم الصلاة، وهو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم وأسعارهم.

وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا يونس - يعني ابن عبيد - حدثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين أن عثمان اشترى من رجل أرضا فأبطأ

عليه، فلقيه فقال: ما منعك من قبض مالك؟ قال: إنك غبنتني، فما ألقى من الناس أحدا إلا وهو يلومني. قال: أوذلك يمنعك؟ قال: نعم. قال: فاختر بين أرضك ومالك. ثم قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا ; مشتريا، وبائعا، وقاضيا، ومقتضيا» .

وروى ابن جرير أن طلحة لقي عثمان وهو خارج إلى المسجد، فقال له طلحة: إن الخمسين ألفا التي لك عندي قد حصلت، فأرسل من يقبضها. فقال له عثمان: إنا قد وهبناكها لمروءتك.

وقال الأصمعي: استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين - أربعة آلاف - وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشي قطن الفوت فقال: من جاز الوادي فله ألف درهم. فحملوا أنفسهم على العظم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن: أعطوه جائزته. حتى جازوا جميعا وأعطاهم أربعة آلاف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها له، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل الله، فمن ذلك اليوم سميت الجوائز لإجازة الوادي، فقال الكناني ذلك:

فدى للأكرمين بني هلال ... على علاتهم أهلي ومالي

هم سنوا الجوائز في معد ... فعادت سنة أخرى الليالي

رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر قبل تركيب النصال

** [مناقبه الكبار وحسناته العظيمة] **

فصل (مناقبه الكبار وحسناته العظيمة)

ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خطأ الآخر أو كفره، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم. وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه ; لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع

الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، وكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفا وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفا، ويقال لهذه المصاحف: الأئمة. وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها: المصاحف العثمانية ; نسبة إلى أمره وزمانه وإمارته. كما يقال: دينار هرقلي. أي ضرب في زمانه ودولته.

وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ورواه غيره، من وجه آخر، عن أبي هريرة - قال: «لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة، فقال: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن أشد أمتي حبا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني يعملون بما في الورق المعلق " فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف. قال: فأعجب ذلك عثمان، وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال:

والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا، صلى الله عليه وسلم. ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه ; لئلا يقع بسببه اختلاف» ، فقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب " المصاحف ": حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن قالا: ثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال: قال لي علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، عن شعبة مثله. وقد رواه البيهقي وغيره، من حديث محمد بن أبان - زوج أخت حسين - عن علقمة بن مرثد قال: سمعت العيزار بن جرول، سمعت سويد بن غفلة قال: قال علي: أيها الناس، إياكم والغلو في عثمان، يقولون: حرق المصاحف. والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل.

وقد روي عن ابن مسعود أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، وأمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم، وتلا قوله تعالى {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] فكتب إليه عثمان، رضي الله عنه، يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب وأجاب إلى المتابعة وترك المخالفة، رضي الله عنهم أجمعين.

وقد قال أبو إسحاق: عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى، فقال: كم صلى أمير المؤمنين الظهر؟ قالوا: أربعا. فصلى ابن مسعود أربعا، فقالوا: ألم تحدثنا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر صلوا ركعتين؟ فقال: نعم، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن أكره الاختلاف.

وفي " الصحيح " أن ابن مسعود قال: ليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.

وقال الأعمش: حدثني معاوية بن قرة - بواسط - عن أشياخه قالوا: صلى عثمان الظهر بمنى أربعا، فبلغ ذلك ابن مسعود، فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعا، فقيل له: عبت على عثمان وصليت أربعا؟ فقال: إني أكره الخلاف. وفي رواية: الخلاف شر. فإذا كان هذا متابعة من

ابن مسعود عثمان في هذا الفرع، فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن، والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرأوا بها لا بغيرها؟ وقد حكى الزهري وغيره أن عثمان إنما أتم الصلاة خشية على الأعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان. وقيل: بل قد تأهل بمكة. فروى أبو يعلى وغيره، من حديث عكرمة بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب، عن أبيه أن عثمان صلى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم، فقال: إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله» وإني أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها. وهذا الحديث لا يصح، وقد تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث ولم يتم الصلاة. وقد قيل: إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان. وهكذا تأولت عائشة فأتمت. وفي هذا التأويل نظر ; فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو رسول الله حيث كان، ومع هذا ما أتم الصلاة في الأسفار.

ومما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان يلزم عماله بحضور الموسم كل عام، ويكتب إلى الرعايا: من كانت له عند أحد منهم مظلمة فليواف إلى الموسم، فإني آخذ له حقه من عامله. وكان عثمان قد سمح لكثير من كبار الصحابة في المسير حيث شاءوا من البلاد، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك، حتى ولا في الغزو ويقول: إني أخاف أن تروا الدنيا أو أن يراكم أبناؤها. فلما

خرجوا في زمان عثمان اجتمع عليهم الناس، وصار لكل واحد أصحاب، وطمع كل قوم في تولية صاحبهم الإمارة العامة بعد عثمان، فاستعجلوا موته، واستطالوا حياته، حتى وقع ما وقع من بعض أهل الأمصار، كما تقدم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، العلي العظيم.

** [ذكر زوجاته وبنيه وبناته، رضي الله عنه] **

تزوج برقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فولد له منها عبد الله، وبه كان يكنى، بعد ما كان يكنى في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت، تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت، فتزوج بفاختة بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد الله الأصغر. وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عمرا، وخالدا، وأبان وعمر، ومريم، وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد وسعيدا. وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال: وعتبة. وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، فولدت له عائشة، وأم أبان، وأم عمرو ; بنات عثمان. وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن كلب، فولدت له مريم ويقال: وعنبسة.

وقتل، رضي الله عنه، وعنده أربع ; نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاختة. ويقال: إنه طلق أم البنين وهو محصور.

** فصل **

تقدم في دلائل النبوة الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " «إن رحى الإسلام ستدور لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلك فسبيل ما هلك، وإن يقم لهم دينهم، يقم لهم سبعين عاما ". قال: فقال عمر: يا رسول الله أبما مضى أم بما بقي؟ قال: " بل بما بقي» وفي لفظ له ولأبي داود: " «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين» . الحديث، وكأن هذا الشك من الراوي، والمحفوظ في نفس الأمر: " خمس وثلاثين ". فإن فيها قتل أمير المؤمنين عثمان، على الصحيح. وقيل: سنة ست وثلاثين. والصحيح الأول. وكانت أمور شنيعة فظيعة، ولكن الله سلم ووقى بحوله وقوته فلم يكن بأسرع من أن بايع الناس علي بن أبي طالب، رضي الله

عنه، وانتظم الأمر، واجتمع الشمل، ولكن جرت بعد ذلك أمور في يوم الجمل وأيام صفين، على ما سنبينه، إن شاء الله تعالى.

** [ذكر من توفي في زمان دولة عثمان] **

فصل (ذكر من توفي في زمان دولة عثمان)

في ذكر من توفي في زمان دولة عثمان ممن لا يعرف وقت وفاته على التعيين، على ما ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي وغيره. ### $ أنس بن معاذ بن أنس بن قيس الأنصاري النجاري - ويقال له: أنيس أيضا، شهد المشاهد كلها، رضي الله عنه. ### $ أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت الأنصاريان، شهد بدرا، وأوس هو زوج المجادلة المذكور في قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] . وأمرأته خولة بنت ثعلبة. ### $ أوس بن خولي الأنصاري، من بني الحبلى، شهد بدرا، وهو المنفرد من بين الأنصار بحضور غسل النبي، صلى الله عليه وسلم، والنزول مع أهله في قبره، عليه الصلاة والسلام.

### $ الجد بن قيس، كان سيدا في الأنصار، ولكن كان بخيلا ومتهما بالنفاق، يقال: إنه شهد يوم بيعة الرضوان فلم يبايع، واستتر ببعير له. وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [التوبة: 49] الآية [التوبة: 49] . وقد قيل: إنه تاب من ذلك وأقلع عنه. فالله أعلم. ### $ الحطيئة الشاعر المشهور، قيل: اسمه جرول. ويكنى بأبي مليكة، من بني عبس، أدرك أيام الجاهلية، وأدرك صدرا من الإسلام، وكان يطوف في الآفاق يمتدح الرؤساء من الناس، ويستجديهم، ويقال: كان بخيلا مع ذلك. سافر مرة فودع امرأته فقال لها:

عدي السنين إذا خرجت لغيبة ... ودعي الشهور فإنهن قصار

وكان مداحا هجاء، وله شعر جيد، ومن شعره ما قاله بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فاستجاد منه قوله:

من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس ### $ خبيب بن يساف بن عنبة الأنصاري، أحد من شهد بدرا. ### $ سلمان بن ربيعة الباهلي، يقال: له صحبة. كان من الشجعان الأبطال المذكورين والفرسان المشهورين، ولاه عمر قضاء الكوفة، ثم ولي في زمن عثمان إمرة على جهاد الترك، فقتل ببلنجر، فقبره هناك في تابوت يستسقي به الترك إذا قحطوا. ### $ عبد الله بن حذافة بن قيس القرشي السهمي، هاجر هو وأخوه قيس إلى الحبشة، وكان من سادات الصحابة، وهو القائل: من أبي يا رسول الله؟ - وكان إذا لاحى الرجال دعي لغير أبيه - فقال: " أبوك حذافة ". وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثه إلى كسرى، فدفع كتابه إلى عظيم بصرى، فبعث معه من يوصله إلى هرقل، كما تقدم. وقد أسرته الروم في زمن عمر بن الخطاب،

رضي الله عنه، في جملة ثمانين من المسلمين، فأرادوه على الكفر فأبى عليهم، فقال له الملك: قبل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين. فقبل رأسه، فأطلقهم، فلما قدم على عمر قال له: حق على كل مسلم أن يقبل رأسك. ثم قام عمر فقبل رأسه، ثم قبله الناس، رضي الله عنه. ### $ عبد الله بن سراقة بن المعتمر العدوي، صحابي أحدي، وزعم الزهري أنه شهد بدرا. فالله أعلم. ### $ عبد الله بن قيس بن خالد الأنصاري النجاري، شهد بدرا. ### $ عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري الحارثي، شهد أحدا وما بعدها، وقال ابن عبد البر: شهد بدرا. استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان، وقد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم، وهو القائل لأبي بكر، وقد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الأم وترك الأخرى وهي أم الأب - فقال له: أعطيت التي لو ماتت لم يرثها، وتركت التي لو ماتت لورثها. فشرك بينهما

### $ عمرو بن سراقة بن المعتمر العدوي، أخو عبد الله بن سراقة، وهو بدري كبير، روي أنه جاع مرة فربط حجرا على بطنه من شدة الجوع، ومشى يومه ذلك إلى الليل، فأضافه قوم من العرب ومن معه، فلما شبع قال لأصحابه: كنت أحسب الرجلين يحملان البطن، فإذا البطن، يحمل الرجلين. ### $ عمير بن سعد الأنصاري الأوسي، صحابي جليل القدر كبير المحل، كان يقال له: نسيج وحده. لكثرة زهادته وعبادته، شهد فتح الشام مع أبي عبيدة، وناب بحمص وبدمشق أيضا في زمان عمر، فلما كانت خلافة عثمان عزله وولى معاوية الشام بكماله، وله أخبار يطول ذكرها. ### $ عروة بن حزام، أبو سعيد العذري، كان شاعرا مغرما في ابنة عم له، وهي عفراء بنت مهاجر، يقول فيها الشعر، واشتهر بحبها فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره، وزوجها بابن عمها الآخر، فهلك عروة هذا في محبتها، وهو مذكور في كتاب " مصارع العشاق " ومن شعره فيها قوله:

وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب

وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتئي

وأنسى الذي أعددت حين تغيب ### $ قطبة بن عامر، أبو زيد الأنصاري، عقبي بدري. ### $ قيس بن قهد بن قيس بن ثعلبة الأنصاري النجاري، له حديث في الركعتين قبل الفجر. وزعم ابن ماكولا أنه شهد بدرا. قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري. وقال الأكثرون: بل

هو جد أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي، فالله أعلم. ### $ لبيد بن ربيعة أبو عقيل العامري الشاعر المشهور. صح أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ;

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

.» وتمام البيت:

وكل نعيم لا محالة زائل

فقال عثمان بن مظعون إلا نعيم الجنة. وقد قيل: إنه توفي سنة إحدى وأربعين. فالله أعلم. ### $ المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي، شهد بيعة الرضوان، وهو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين. ### $ معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري، شهد بدرا، وضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله، وحمل عكرمة بن أبي جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه، فقاتل بقية يومه وهي معلقة يسحبها خلفه، قال معاذ: فلما آذتني وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها، رضي الله عنه. وعاش بعد ذلك إلى هذه السنة سنة خمس وثلاثين.

### $ محمد بن جعفر بن أبي طالب، القرشي الهاشمي، ولد لأبيه وهو بالحبشة، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، وتوفي يوم مؤتة شهيدا، جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى منزلهم، فقال لأمهم أسماء بنت عميس " ائتيني ببني أخي ". فجيء بهم كأنهم أفرخ، فجعل يقبلهم ويشمهم ويبكي، فبكت أمهم فقال: " أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ ". ثم أمر الحلاق فحلق رءوسهم. وقد مات محمد وهو شاب في أيام عثمان، كما ذكرنا. وزعم ابن عبد البر أنه توفي في تستر. فالله أعلم. ### $ معبد بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قتل شابا بإفريقية من بلاد المغرب. ### $ معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، صاحب خاتم النبي، صلى الله عليه وسلم، قيل: توفي في أيام عثمان. وقيل: قبل ذلك. وقيل: سنة أربعين. والله أعلم. ### $ منقذ بن عمرو الأنصاري، أحد بني مازن بن النجار، كان قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، وضعف عقله، وكان يكثر من البيع والشراء، وكان يغبن، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «من بايعت فقل: لا خلابة. ثم أنت

بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام» . قال الشافعي: كان مخصصا بإثبات الخيار ثلاثة في كل بيع، سواء اشترط الخيار أم لا. ### $ نعيم بن مسعود أبو سلمة الغطفاني، وهو الذي خذل بين الأحزاب وبين بني قريظة، كما قدمناه، فله بذلك اليد البيضاء، والراية العليا. ### $ أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، الشاعر المشهور، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي، صلى الله عليه وسلم، وشهد يوم السقيفة، وصلى على النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان أشعر هذيل، وهذيل أشعر العرب، وهو القائل:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع

توفي غازيا بإفريقية في خلافة عثمان. ### $ أبو رهم سبرة بن عبد العزى، القرشي العامري. ذكره في هذا

الفصل محمد بن سعد وحده. ### $ أبو زبيد الطائي، الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر، كان نصرانيا، وكان يجالس الوليد بن عقبة، فأدخله على عثمان، فاستنشده شيئا من شعره، فأنشده قصيدة له في الأسد بديعة، فقال له عثمان: تفتأ تذكر الأسد ما حييت؟ إني لأحسبك جبانا نصرانيا. ### $ أبو سبرة بن أبي رهم العامري، أخو أبي سلمة بن عبد الأسد، أمهما برة بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا وما بعدها. قال الزبير بن بكار: لا نعلم بدريا سكن مكة بعد النبي سواه. قال: وأهله ينكرون ذلك.

### $ أبو لبابة بن عبد المنذر، أحد نقباء ليلة العقبة وقيل: إنه توفي في خلافة علي. والله أعلم. ### $ أبو هاشم بن عتبة، تقدم وفاته في سنة إحدى وعشرين. وقيل: في خلافة عثمان. والله أعلم.

** [خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه] **

ولنذكر شيئا من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com