Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس وثلاثين] ففيها مقتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه — تتمة ٢
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 95 of 840
هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - واسمه عبد مناف - بن عبد المطلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو الحسن والحسين، ويكنى بأبي تراب وأبي القضم، الهاشمي، ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته فاطمة الزهراء. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. ويقال: إنها أول هاشمية ولدت هاشميا. وكان له من الإخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد
منهم وبين الآخر عشر سنين، وله أختان ; أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت.
1 -
. كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو راض عنهم، وكان رابع الخلفاء الراشدين، وكان رجلا آدم شديد الأدمة شكل العينين عظيمهما، فيهما خفش، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، قد ملأت صدره ومنكبيه، أبيضها كثير، وكان كثير شعر الصدر والكتفين، حسن الوجه، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض.
أسلم علي قديما وهو ابن سبع، وقيل: ابن ثمان. وقيل: تسع. وقيل: عشر. وقيل: إحدى عشرة. وقيل: اثني عشرة. وقيل: ثلاث عشرة. وقيل: أربع عشرة. وقيل: ابن خمس عشرة، أو ست عشرة سنة. قاله عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن. ويقال: إنه أول من
أسلم. والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار. وكان سبب إسلام علي صغيرا أنه كان في كفالة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ; لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة فأخذوه من أبيه، فكان في كفالته، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت، ومن جملتهم علي، وكان الإيمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصديق، رضي الله عنه. وقد ورد عن علي أنه قال: أنا أول من أسلم. ولا يصح إسناده إليه. وقد روي في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر، كثيرة منكرة لا يصح شيء منها. والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد، من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة: سمعت أبا حمزة - رجلا من موالي الأنصار - قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي. وفي رواية: أول من صلى. قال عمرو: فذكرت ذلك للنخعي فأنكره وقال: أبو بكر أول من أسلم. وقال محمد بن كعب القرظي: أول من آمن خديجة، وأول رجلين آمنا أبو بكر وعلي، ولكن كان أبو بكر يظهر إيمانه وعلي يكتم إيمانه. قلت: يعني خوفا من أبيه، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه ونصرته.
وهاجر علي بعد خروج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من مكة، وكان قد أمره بقضاء ديونه ورد ودائعه، ثم يلحق به، فامتثل ما أمره به، ثم هاجر، وآخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين سهل بن حنيف. وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آخى بينه وبين نفسه. ولا يصح، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شيء منها ; لضعف أسانيدها، وركة بعض متونها، فإن في بعضها: " «أنت أخي ووارثي وخليفتي وخير من أمر بعدي» ". وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في " الصحاح " وغيرهما. والله أعلم.
وقد شهد علي بدرا وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر، وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيدة بن الحارث وخصومهم الثلاثة - عتبة وشيبة والوليد بن عتبة - نزل قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] الآية [الحج: 19] . وقال الحكم وغيره، عن مقسم، «عن ابن عباس قال: دفع النبي، صلى الله عليه وسلم، الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة» . وقال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد، عن سعيد بن محمد الحنظلي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: نادى مناد في السماء يوم بدر - يقال له: رضوان -: لا سيف إلا ذو
الفقار ولا فتى إلا علي. قال ابن عساكر: وهذا مرسل، وإنما تنفل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيفه ذا الفقار يوم بدر، ثم وهبه من علي بعد ذلك. وقال يونس بن بكير، عن مسعر، عن أبي عون، عن أبي صالح، عن علي قال: قيل لي يوم بدر ولأبي بكر قيل لأحدنا: معك جبريل، ومع الآخر ميكائيل. قال: وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ويكون في الصف.
وشهد علي أحدا، وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب على القلب، وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل: المقداد بن الأسود. وقد قاتل علي يومئذ قتالا شديدا وقتل خلقا كثيرا من المشركين وغسل عن وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، الدم حين شج في رأسه وكسرت رباعيته.
وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن عبد ود العامري كما قدمنا ذلك.
وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة،
ومشاهد طائلة ; منها أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فدعا عليا - وكان أرمد - فدعا له، وبصق في عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه، وقتل مرحبا اليهودي» . وذكر محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع أن يهوديا ضرب عليا فطرح ترسه، فتناول بابا عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده. قال أبو رافع: فلقد رأيتني أنا وسبعة معي نجهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع. وقال ليث، عن أبي جعفر، عن جابر أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحمله إلا أربعون رجلا. ومنها أنه قتل مرحبا فارس يهود وشجاعهم.
وشهد علي، رضي الله عنه، عمرة القضاء، وفيها قال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «أنت
مني وأنا منك» . وما يذكره كثير من القصاص في مقاتلته الجن في بئر ذات العلم - وهو بئر قريب من الجحفة - فلا أصل له، وهو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به.
وشهد الفتح وحنينا والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالا كثيرا، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك واستخلفه على المدينة قال: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي» .
وبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أميرا وحاكما على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام حجة الوداع إلى مكة، وساق معه هديا، وأهل كإهلال النبي، صلى الله عليه وسلم، فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه، ونحرا هديهما بعد فراغ نسكهما، كما تقدم.
ولما مرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له العباس: سل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في من الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله، فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا. والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جدا إليه،
كما قدمنا ذلك، ولله الحمد. وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء، من أنه أوصى إلى علي بالخلافة، فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير ; من جور الصحابة وتمالئهم بعده، عليه السلام، على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب، وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء ; لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء، وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة، ولله الحمد.
وما يقصه بعض القصاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها، من الوصية لعلي بآداب وأخلاق في المأكل والمشرب والملبس، مثل ما يقولون: يا علي لا تعتم وأنت قاعد، يا علي لا تلبس سراويلك وأنت قائم، يا علي لا تمسك عضادتي الباب، ولا تجلس على أسكفة الباب، ولا تخط ثوبك وهو عليك. ونحو ذلك، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل له، بل هو اختلاق وكذب وزور.
ثم لما مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه،
كما تقدم ذلك مفصلا. ولله الحمد والمنة.
وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويجه بفاطمة بعد وقعة بدر، فولد له منها حسن وحسين ومحسن، كما قدمنا. وقد وردت أحاديث في ذلك لا يصح كثير منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص.
ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد، كما قدمنا. وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه، وأحب الأشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر، وكانت قد تغضبت بعض التغضب على أبي بكر، بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها، عليه السلام ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء، وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة، فأبى ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء، كما قدمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المداراة، فلما توفيت جدد علي البيعة مع الصديق، رضي الله عنهما، فلما توفي أبو بكر، وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر إليه بذلك، كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاوره في الأمور، ويقال: إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه في جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن
عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم علي، ثم خلص منهم بعثمان وعلي - كما قدمنا - فقدم عثمان على علي، سمع وأطاع. فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين، على المشهور عدل الناس إلى علي فبايعوه قبل أن يدفن عثمان، وقيل: بعد دفنه. كما تقدم، وقد امتنع علي من مبايعتهم، وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول، وأغلق بابه وامتنع من قبول الإمارة حتى تكرر قولهم، فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاءوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب.
** [ذكر بيعة علي، رضي الله عنه، بالخلافة] **
فيقال: إن أول من بايعه طلحة بيده اليمنى وكانت شلاء من يوم أحد - لما وقى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، - فقال بعض القوم: والله إن هذا الأمر لا يتم. وخرج علي إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار وعمامة خز، ونعلاه في يده، يتوكأ على قوسه، فبايعه عامة الناس، وذلك يوم السبت التاسع عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ويقال: إن طلحة والزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما وسألاه أن
يؤمرهما على البصرة والكوفة، فقال لهما: بل تكونان عندي أستأنس بكما.
ومن الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الأنصار ; منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة. ذكره ابن جرير، من طريق المدائني، عن شيخ من بني هاشم، عن عبد الله بن الحسن. قال المدائني: حدثني من سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليا، ولم يبايعه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة. قلت: وهرب مروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، وآخرون إلى الشام. وقال الواقدي: بايع الناس عليا بالمدينة، وتربص سبعة نفر لم يبايعوا ; منهم ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع فيما نعلم.
وذكر سيف بن عمر، عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد قتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام
بالأمر والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير، فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم: لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة. فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص، فقالوا: إنك من أهل الشورى. فلم يقبل منهم، ثم جاءوا إلى ابن عمر، فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة، اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم. فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر النخعي بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر النخعي. وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي. فلما كان يوم الجمعة وصعد المنبر، بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله، وإنا إليه راجعون. ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليا واللج على عنقي. ثم راح إلى مكة فأقام بها أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة، وكان أول خطبة خطبها أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى أنزل كتابا
هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، إن الله حرم حرما مجملة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس أمامكم وإنما خلفكم الساعة تحدوكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم، اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} [الأنفال: 26] فلما فرغ من خطبته قال المصريون:
خذها إليك واحذرن أبا الحسن ... إنا نمر الأمر إمرار الرسن
صولة أقوام كأسداد السفن ... بمشرفيات كغدران اللبن
ونطعن الملك بلين كالشطن
حتى يمرن على غير عنن
فقال علي مجيبا لهم:
إني عجزت عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر
أرفع من ذيلي ما كنت أجر ... وأجمع الأمر الشتيت المنتشر
إن لم يشاغبني العجول المنتصر ... أو يتركوني والسلاح يبتدر
وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة، وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، ونوابه ; على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى قرقيسياء جرير بن عبد الله البجلي، وعلى حلوان عتيبة بن
النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير. هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت.
ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين جاحفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الكف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الأخذ بثأر هذا الدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، وحث بعضهم بعضا على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان ممن قتله من أولئك الخوارج ; منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عبسة، وغيرهم من الصحابة ومن التابعين ;
شريك بن خباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم، وغيرهم من التابعين.
ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورءوس الصحابة، رضي الله عنهم، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان. فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة ليأتيه منها بالجنود، ليتقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان، رضي الله عنه، فقال لهما: حتى أنظر في هذا. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك فقال له: إني أرى أن تقر عمالك على البلاد، فإذا أتتك طاعتهم استبدلت بعد ذلك بمن شئت وتركت من شئت. ثم جاءه من الغد فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلم من يطيعك ممن يعصيك. فعرض ذلك علي على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس وغشك اليوم. فبلغ ذلك المغيرة فقال: نعم نصحته فلما لم يقبل غششته. ثم خرج المغيرة فلحق
بمكة، ولحق جماعة منهم طلحة والزبير بمكة، وكانوا قد استأذنوا عليا في الاعتمار فأذن لهم، ثم إن ابن عباس أشار على علي باستمراره بنوابه في البلاد إلى حين يتمكن الأمر، وأن يقر معاوية خصوصا على الشام وقال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطالبك بدم عثمان، ولا آمن طلحة والزبير أن يكرا عليك بسبب ذلك. فقال علي: إني لا أرى هذا، ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها. فقال ابن عباس: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده. فقال علي: والله إن هذا ما لا يكون أبدا. فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إن الحرب خدعة كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوالله لئن أطعتني لأوردنهم بعد صدرهم. ونهى ابن عباس عليا فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسنون له الدخول إلى العراق، ومفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد
المسلمين في ألف مركب، فأرسل الله عليه قاصفا من الريح فغرقه الله بحوله وقوته ومن معه، ولم ينج منهم أحد إلا الملك في شرذمة قليلة من قومه، فلما دخل صقلية عملوا له حماما فدخله فقتلوه فيه وقالوا: أنت قتلت رجالنا.