Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ١١
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 23 of 67
ثم توفى سليمان بدابق من أرض قنسرين من سنة تسعة وتسعين في صفر منها، وقد كان في مرضه أراد أن يعهد إلى ولده داود، ثم استصغره وقال له كاتبه رجاء بن حيوة ابنك غائب عنك بقسطنطينية ولا يعرف حياته من موته فعدل إلى عمر بن عبد العزيز وقال له: إني والله لأعلم أنها تكون فتنة ولا يتركونه أبدا يلي عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده، وكان عبد الملك قد جعل ذلك له وكتب بعد البسملة هذا كتاب من عبد الله بن سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز: إني قد وليتك الخلافة من بعدي
ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله، ولا تختلفوا فيطمع فيكم وختم الكتاب ثم أمر كعب بن جابر العبسي صاحب الشرطة أن يجمع أهل بيته، وأمر رجاء بن حيوة أن يدفع لهم كتابه وقال: أخبرهم أنه كتابي فليبايعوا من وليت فيه فبايعوه رجلا رجلا وتفرقوا وأتى عمر إلى رجاء يستعمله ويناشده الله والمودة يستعفي من ذلك فأبى وجاءه هشام أيضا يستعمله ليطلب حقه في الأمر فأبى، فانصرف أسفا أن يخرج من بني عبد الملك ثم مات سليمان وجمع رجاء أهل بيته فقرأ عليهم الكتاب فلما ذكر عمر قال هشام: والله لا نبايعه أبدا فقال له رجاء: والله نضرب عنقك فقام أسفا يجر رجليه حتى جاء إلى عمر بن عبد العزيز وقد أجلسه رجاء على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه، فبايعه واتبعه الباقون ودفن سليمان وصلى عليه عمر بن عبد العزيز والوليد كان غائبا عن موت سليمان ولم يعلم بيعة عمر فعقد لواء ودعا لنفسه وجاء إلى دمشق. ثم بلغه عهد سليمان فجاء إلى عمر واعتذر إليه وقال: بلغني أن سليمان لم يعهد فخفت على الأموال أن تنهب فقال: عمر لو قمت بالأمر لقعدت في بيتي ولم أنازعك فقال عبد العزيز: والله لا أحب لهذا الأمر غيرك وأول ما بدأ به عمر لما استقرت البيعة له أنه رد ما كان لفاطمة بنت عبد الملك زوجته من المال والحلي والجوهر إلى بيت المال وقال: لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد فردته جميعه ولما ولى أخوها يزيد من بعد رده عليها فأبت وقالت: ما كنت أعطيه حيا أعطيه ميتا [1] ففرقه يزيد على أهله وكان بنو أمية يسبون عليا فكتب عمر إلى الآفاق بترك ذلك، وكتب إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول بالمسلمين.
** عزل يزيد بن المهلب وحبسه والولاية على عماله **
ولما استقرت البيعة لعمر كتب في سنة مائة إلى يزيد بن المهلب أن يستخلف على عماله ويقدم فاستخلف مخلدا ابنه وقدم من خراسان وقد كان عمر ولى على البصرة عدي ابن أرطاة الفزاري وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وضم إليه أبا الزناد، فكتب إلى عدي بن أرطاة موسى أن يقبض على يزيد بن المهلب ويبعثه مقيدا، فلما نزل يزيد واسط وركب السفن يريد البصرة بعث علي بن
أرطاة موسى بن الرحيبة الحميري فلقيه في نهر معقل عند الجسر فقيده وبعث به إلى عمر، وكان عمر يبغضه ويقول إنه مراء وأهل بيته جبابرة فلما طالبه بالأموال التي كتب بها إلى سليمان من خمس جرجان قال: إنما كتبت لأسمع الناس، وعلمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بذلك. فقال له عمر: اتق الله وهذه حقوق المسلمين لا يسعني تركها ثم حبسه بحصن حلب وبعث الجراح بن عبد الله الحكمي واليا على خراسان مكانه. وانصرف يزيد بن يزيد فقدم على عمر واستعطفه لأبيه وقال له: يا أمير المؤمنين إن كانت له بينة فخذ بها وإلا فاستحلفه وإلا فصالحه أو فصالحني على ما تسأل فأبى عمر من ذلك وشكر من مخلد ما فعل، ثم ألبس يزيد جبة صوف وحمله على جمل وسيره إلى دهلك ومر يزيد على الناس وهو ينادي بعشيرة وبالنكير لما فعل به فدخل سلامة بن نعيم الخولاني على عمر وقال: أردد يزيد إلى محبسه لئلا ينزعه قومه، فإنهم قد غضبوا، فرده إلى أن كان من أمر فزارة ما يذكر.
** ولاية عبد الرحمن بن نعيم القشيري على خراسان **
ولما عزل يزيد عن خراسان وكان عامل جرجان جهم بن ذخر الجعفي فأرسل عامل العراق على جرجان عاملا مكانه، فحبسه جهم وقيده فلما جاء الجراح إلى خراسان أطلق أهل جرجان عاملهم، ونكر الجراح على جهم ما فعل وقال: لولا قرابتك مني ما سوغتك هذا! يعني أن جهما وجعفا معا ابنا سعد العشيرة. ثم بعث في الغزو وأوفد على عمر وفدا فكلم فيه بعضهم عمر بأنه يعري الموالي بلا عطاء ولا رزق ويؤاخذ من أسلم من أهل الذمة بالخراج. ثم عرض بأنه سيف من سيوف الجراح قد علم بالظلم والعدوان. فكتب عمر إلى الجراح انظر من صلى قبلك فخل عنه الجزية فسارع الناس إلى الإسلام فرارا من الجزية فامتحنهم بالختان وكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمران! الله بعث محمدا داعيا ولم يبعثه خاتنا واستقدم الجراح وقال: احمل معك أبا مخلد واستخلف على حرب خراسان عبد الرحمن ابن نعيم القشيري ولما قدم على عمر قال: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان.
قال: صدق من وصفك بالجفاء، ألا أقمت حتى تقطر ثم تسافر. ثم سأل عمر أبا مخلد عن عبد الرحمن بن عبد الله فقال يكافئ الأكفاء ويعادي الأعداء ويقدم إن وجد ما يساعده، قال: فعبد الرحمن بن نعيم؟ قال: يحب العافية وتأتيه! قال:
هو أحب إلي فولاه الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيري الخراج فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى قتل يزيد بن المهلب. وولي مسلمة فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف وظهر من أيام الجراح بخراسان دعاة بني العباس فيمن بعثه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس إلى الآفاق حسبما يذكر في أخبار الدولة العباسية.
** وفاة عمر بن عبد العزيز وبيعة يزيد **
ثم توفى عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان ودفن بها السنتين وخمسة أشهر من ولايته ولأربعين من عمره وكان يدعى أشج بني أمية رمحته دابة وهو غلام فشجته. ولما مات ولي بعده يزيد بن عبد الملك بعهد سليمان كما تقدم وقيل لعمر حين احتضر: أكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة فقال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبد الملك! ثم كتب أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما أترك لمن لا يحمدك وتصير إلى من لا يعذرك والسلام. ولما ولي يزيد عزل أبا بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن المدينة وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري وغير كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز وكان من ذلك شأن خراج اليمن فإن محمدا أخا الحجاج جعل عليهم خراجا مجددا وأزال ذلك عمر إلى العشر أو نصف العشر وقال: لئن يأتيني من اليمن حبة ذرة أحب إلي من تقرير هذه الوظيفة فلما ولي يزيد أعادها وقال لعامله خذها منهم ولو صاروا حرضا وهلك عمه محمد بن مروان فولى مكانه على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية عمه الآخر مسلمة بن عبد الملك.
** احتيال يزيد بن المهلب مقتله **
قد تقدم لنا حبس يزيد بن المهلب فلم يزل محبوسا حتى اشتد مرض عمر بن عبد العزيز فعمل في الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لأن زوجته بنت أخي الحجاج وكان سليمان أمر ابن المهلب بعذاب قرابة الحجاج كلهم فنقلهم من البلقاء وفيهم زوجة يزيد وعذبها وجاءه يزيد بن عبد الملك إلى منزله شافعا فلم يشفعه فضمن حمل ما قرر عليها فلم يقبل فتهدده فقال له ابن المهلب لئن وليت أنت لأرمينك بمائة ألف
سيف، فحمل يزيد بن عبد الملك عنها مائة ألف دينار. ولما اشتد مرض عمر خاف من ذلك وأرسل إلى مواليه أن يغدوا له بالإبل والخيل في مكان عينه لهم وبعث إلى عامل حلب باشفاقه من يزيد، وبذل له المال وإلى الحرس الذين يحفظونه فخلى سبيله، وأتى إلى دوابه فركبها ولحق بالبصرة. وكتب إلى عمر: إني والله لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك. ولكن خفت أن يقتلني يزيد شر قتله فقرأ عمر الكتاب وبه رمق فقال: اللهم إن كان ابن المهلب يريد بالمسلمين سوءا فألحقه به وهضه فقد هاض. انتهى. ولما بويع ليزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة وإلى عدي بن أرطاة بالبصرة بهربه والتحرر منه وأبى عدي أن يأخذ المهلب بالبصرة فحبس المفضل حبيبا ومروان ابني المهلب، وبعث عبد الحميد من الكوفة جندا عليهم هشام بن ساحق بن عامر فأتوا العذيب ومر بيزيد عليهم فوق القطقطانة فلم يقدموا عليه. ومضى نحو البصرة وقد جمع عدي بن أرطاة أهل البصرة وخندق عليها وبعث على خيلها المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل وجاء يزيد على أصحابه الذين معه وانضم إليه أخوه محمد فيمن اجتمع إليه من قومهم. وبعث عدي بن أرطاة على كل خمس من أخماس البصرة رجالا: فعلى الأزد المغيرة بن زياد بن عمر العتكي، وعلى تميم محرز بن حمدان السعدي، وعلى بكرة نوح بن شيبان بن مالك بن مسمع، وعلى عبد القيس مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى أهل العالية عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، وهم قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان ومزينة فلم يعرضوا ليزيد وأقبل فانزل. انتهى. واختلف الناس إليه وأرسل إلى عدي أن يطلق له إخوته فينزل به البصرة، ويخرج حتى يأخذ لنفسه من يزيد، وبعث حميد ابن أخيه عبد الملك بن المهلب يستأمن له من يزيد بن عبد الملك فأجاره خالد القسري وعمر بن يزيد الحكمي بأمان يزيد له ولأهله وقد كان بعد منصرف حميد فرق في الناس قطع الذهب والفضة فانثالوا عليه، وعدي يعطي درهمين درهمين ثم تناجزوا الحرب وحمل أصحاب يزيد على أصحاب عدي فانهزموا ودنا يزيد من القصر، وخرج عدي بنفسه فانهزم أصحابه. وخاف إخوة يزيد وهم في الحبس أن يقتلوا قبل وصوله فأغلق الباب وامتنعوا فجاءهم الحرس يعالجون فأجفلهم الناس عنه فخلوا عنهم وانطلقوا إلى أخيهم. ونزل يزيد دار مسلم بن زياد إلى جنب القصر وتسور القصر بالسلالم وفتحه وأتى بعدي بن أرطاة فحبسه. وهرب رءوس
البصرة من تميم وقيس ومالك بن المنذر إلى الكوفة والشام وخرج المغيرة بن زياد بن عمر العتكي إلى الشام فلقي خالدا القسري وعمر بن يزيد وقد جاءوا بأمان يزيد بن المهلب مع حميد بن أخيه فأخبرهما بظهور يزيد على البصرة وحبسه عديا فرجعا إلى وعد لهما فلم يقبلا، وقبض عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة على خالد بن يزيد ابن المهلب وحماد بن ذخر، وحملهما وسيرهما إلى الشام فحبسهما يزيد حتى هلكا بالسجن وبعث يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثني عليهم ويمنيهم الزيادة وجهز أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد إلى العراق في سبعين ألف مقاتل أو ثمانين من أهل الشام والجزيرة، فقدموا الكوفة ونزلوا النخيلة. وتكلم العباس يوما ببعض الكلام فأساء عليه حيان النبطي بالكشة الأعجمية ولما سمع ابن المهلب بوصول مسلمة وأهل الشام فخطب الناس وشجعهم للقائهم وهون عليهم أمرهم وأخبرهم أن أكثرهم له واستوثق له أهل البصرة وبعث عماله على الأهواز وفارس وكرمان وبعث إلى خراسان مدرك بن المهلب وعليها عبد الرحمن بن نعيم وبعث بنو تميم ليمنعوه ولقيه الأزد على رأس المغارة فقالوا: ارجع عنا حتى نرى مآل أمركم. ثم خطب يزيد الناس يدعوهم إلى الكتاب والسنة ويحثهم على الجهاد وأن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم ونكر ذلك الحسن البصري والنضر بن أنس بن مالك وتابعهما الناس في النكير. وسار يزيد من البصرة إلى واسط واستخلف عليها أخاه مروان بن المهلب وأقام بواسط أياما ثم خرج منها سنة اثنتين ومائة واستخلف عليها أمان معونة وقدم أخاه عبد الملك بن المهلب نحو الكوفة فاستقبله ابن الوليد بسور له فاقتتلوا وانهزم عبد الملك وعاد إلى يزيد وأقبل مسلمة على شاطئ الفرات إلى الأنهار فعقد الجسر وعبر وسار حتى نزل على يزيد بن المهلب وفزع إليه ناس من أهل الكوفة وكان عسكره مائة وعشرين [1] وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة وشق المياه وجعل الأرصاد على أهل الكوفة أن يفزعوا إلى يزيد بن المهلب، وبعث بعثا إلى مسلمة مع صبرة بن عبد الرحمن بن مختف فعزل مسلمة بن عبد الحميد عن الكوفة واستعمل عليها محمد بن عمر بن الوليد بن عقبة. ثم أراد يزيد بن المهلب أن يبعث أخاه محمد بالعساكر يبيتون مسلمة فأبى عليه أصحابه وقالوا: قد وعدناهم بالكتاب والسنة ووعدوا بالإجابة فلا نغدرهم فقال يزيد: ويحكم تصدقونهم إنهم
يخادعونكم ليمكروا بكم فلا يسبقوكم إليه والله ما في بني مروان أمكر ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصغرى يعني مسلمة. وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحث الناس على اللحاق بيزيد أخيه والحسن البصري يثبطهم ويتهدده فلم يكف ثم طلب الذين يجتمعون إليه فافترقوا فأقام مسلمة بن عبد الملك يطاول يزيد بن المهلب ثمانية أيام ثم خرج يوم الجمعة منتصف صغر فعبى أصحابه وعبى العباس بن الوليد كذلك والتقوا، واشتد القتال وأمر مسلمة فأحرق الجسر فسطع دخانه فلما رآه أصحاب يزيد انهزموا واعترضهم يزيد يضرب في وجوههم حتى كثروا عليه فرجع وترجل في أصحابه وقيل له: قتل أخوك حبيب فقال: لا خير في العيش بعده ولا بعد الهزيمة.
ثم استمات ودلف إلى مسلمة لا يريد غيره فعطف عليه أهل الشام فقتلوه هو وأصحابه، وفيهم أخوه محمد وبعث مسلمة برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد ابن الوليد بن عقبة وقيل إن الذي قتله الهذيل بن زفر بن الحرث الكلابي وأنف أن ينزل فيأخذ رأسه فأخذه غيره وكان المفضل بن المهلب يقاتل في ناحية المعترك وما علم بقتل يزيد فبقي ساعة كذلك يكر ويفر حتى أخبر بقتل إخوته فافترق الناس عنه، ومضى إلى واسط وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد فقاتلهم أبو رؤبة رأس الطائفة المرجئة ومعه جماعة منهم صدق، فقاتلوا ساعة من النهار ثم انصرفوا وأسر مسلمة ثلاثمائة أسير حبسهم بالكوفة. وجاء كتاب يزيد إلى محمد بن عمر بن الوليد بقتلهم فأمر العريان بن الهيثم صاحب الشرطة بذلك وبدأ بثمانين من بني تميم فقتلهم. ثم جاء كتاب يزيد بإعفائهم فتركهم وأقبل مسلمة فنزل الحيرة وجاء الخبر بقتل يزيد إلى واسط فقتل ابنه معاوية عدي بن أرطاة ومحمدا ابنه ومالكا وعبد الملك ابنا مسمع في ثلاثين ورجع إلى البصرة بالمال والخزائن واجتمع بعمه المفضل وأهل بيتهم، وتجهزوا للركوب في البحر وركبوا إلى قندابيل وبها وداع بن حميد الأزدي ولاه عليها يزيد بن المهلب ملجأ لأهل بيته إن وقع بهم ذلك فركبوا البحر بعيالهم وأموالهم إلى جبال كرمان فنزلوا بها واجتمع إليهم الفل من كل جانب. وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبي في طلبهم فقاتلهم وقتل من أصحاب المفضل النعمان بن إبراهيم ومحمد بن إسحاق بن محمد بن الأشعث وأسر ابن صول قهستان، وهرب عثمان بن إسحاق بن محمد بن الأشعث فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة ورجع ناس من أصحاب بني المهلب فاستأمنوا وأمنهم مسلمة منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر والورد
ابن عبد الله بن حبيب السعدي التميمي ومضى إلى آل المهلب ومن معهم بقندابيل فمنعهم وداع بن حميد من دخولها وخرج معهم لقتال عدوهم وكان مسلمة قد رد مدرك بن ضب بعد هزيمتهم في جبال كرمان وبعث في أثرهم هلال بن أحور التميمي فلحقهم بقندابيل فتبعوا لقتاله! وبعث هلال راية أمان فمال إليه وداع بن حميد وعبد الملك بن هلال وافترق الناس عن آل المهلب ثم استقدموا فاستأمنوا فقتلهم عن آخرهم: المفضل وعبد الملك وزياد ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب والمنهال بن أبي عيينة بن المهلب وعمر بن يزيد بن المهلب وعثمان بن المفضل بن المهلب برتبيل [1] ملك الترك وبعث هلال بن أحور برءوسهم وسبيهم وأسراهم إلى مسلمة بالحيرة فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك فسيرهم يزيد إلى العباس بن الوليد في حلب فنصب الرءوس وأراد مسلمة أن يبتاع الذرية فاشتراهم الجراح بن عبد الله الحكمي بمائة ألف وخلى سبيلهم. ولم يأخذ مسلمة من الجراح شيئا ولما قدم بالأسرى على يزيد بن عبد الملك وكانوا ثلاثة عشر أمر يزيد فقتلوا وكلهم من ولد المهلب واستأمنت هند بنت المهلب لأخيها عيينة إلى يزيد بن عبد الملك فأمنه وأقام عمر وعثمان عند رتبيل حتى أمنهما أسد بن عبد الله القسري وقدما عليه بخراسان.
** ولاية مسلمة على العراق وخراسان **
ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب بني المهلب ولاه يزيد بن عبد الملك على العراق وجمع له ولاية البصرة والكوفة وخراسان فأقر على الكوفة محمد بن عمر بن الوليد وكان قد قام بأمر البصرة بعد بني المهلب شبيب بن الحرث التميمي فبعث عليها مسلمة عبد الرحمن بن سليم الكلبي وعلى شرطتها عمر بن يزيد التميمي وأراد عبد الرحمن أن يقتل شيعة بن المهلب بالبصرة فعزله وولى على البصرة عبد الملك بن بشر ابن مروان. وأقر عمر بن يزيد على الشرطة واستعمل مسلمة على خراسان صهره على [2] سعيد بن عبد العزيز بن الحرث بن الحكم بن أبي العباس
ويلقب سعيد خدينة. دخل عليه بعض العرب بخراسان وعليه ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، وسئل عنه لما خرج فقال: خدينة وهي الدهقانة ربة البيت. ولما ولاه على خراسان سار إليها فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند فسار إليها وقدم الصغد وكان أهلها كفروا أيام عبد الرحمن بن نعيم، ثم عادوا إلى الصلح فوبخ ساكنها من العرب وغيرهم بالجبن فاعتذروا بأمر أميرهم علي بن حبيب العبدي. ثم حبس سعيد عمال عبد الرحمن بن عبد الله وأطلقهم، ثم حبس عمال يزيد بن المهلب رفع لهم أنهم اختانوا الأموال فعذبهم فمات بعضهم في العذاب وبقي بعضهم بالسجن حتى غزاهم الترك والصغد فأطلقهم.
** العهد لهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد **
لما بعث يزيد بن عبد الملك الجيوش إلى يزيد بن المهلب مع مسلمة أخيه والعباس بن أخيه الوليد قال له العباس: إنا نخاف أن يرجف أهل العراق بموتك ويبث [1] ذلك في أعضادنا وأشار عليه بالعهد لعبد العزيز أخيه بن الوليد وبلغ ذلك مسلمة فجاءه وقال: أخوك أحق فإن ابنك لم يبلغ وأشار عليه بأخيه هشام وابنه الوليد من بعده.
والوليد ابن إحدى عشرة سنة فبايع لهما كذلك ثم بلغ ابنه الوليد فكان إذا رآه يقول الله بيني وبين من قدم هشاما عليك.
** غزوة الترك **
لما ولي سعيد خراسان استضعفه الناس وسموه خدينة واستعمل شعبة على سمرقند ثم عزله كما مر وولى مكانه عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير فطمعت الترك، وبعثهم خاقان إلى الصغد، وعلى الترك كورصول وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي وفيه مائة أهل بيت بذراريهم. وكتبوا إلى عثمان بسمرقند وخافوا أن يبطئ المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة. وندب عثمان الناس فانتدب المسيب بن بشر الرياحي ومعه أربعة آلاف من سائر القبائل.
فقال لهم المسيب: من أراد الغزو والصبر على الموت فليتقدم فرجع عنه ألف، وقالها بعد فرسخ فرجع ألف آخر، ثم أعادها ثالثة بعد فرسخ فاعتزله ألف. وسار حتى كان
على فرسخين من العدو فأخبره بعض الدهاقين بقتل الرهائن وميعادهم غدا. وقال أصحابي ثلاثمائة مقاتل وهم معكم فبعث المسيب إلى القصر رجلين عجميا وعربيا يأتيانه بالخبر، فجاءوا في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء بدائر القصر لئلا يصل إليه أحد فصاح بهما فقالا له اسكت وادع لنا فلانا. فأعلماه قرب العسكر وسألا هل عندكم امتناع غدا؟ فقال: لهما نحن مستميتون. فرجعا إلى المسيب فأخبراه فعزم على تبييت الترك وبايعه أصحابه على الموت وساروا يومهم إلى الليل. ولما أمسى حثهم على الصبر وقال: ليكن شعاركم يا محمد ولا تتبعوا موليا واعقروا الدواب فإنه أشد عليهم، وليست بكم قلة فإن سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنته، وان كثر أهله. ثم دنوا من العسكر في السحر وثار الترك وخالطهم المسلمون وعقروا الدواب وترجل المسيب في أصحاب له فقاتلوا قتالا شديدا وقتل عظيم من عظماء الترك فانهزموا ونادى منادي المسيب لا تتبعوهم واقصدوا القصر واحملوا من فيه، ولا تحملوا من متاعهم إلا المال ومن حمل امرأة أو صبيا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله وإلا فله أربعون درهما. وحملوا من في القصر إلى سمرقند ورجع الترك من الغد فلم يروا في القصر أحدا. ورأوا قتلاهم فقالوا: لم يكن الذين جاءونا بالأمس.
** غزو الصغد **
ولما كان من انتقاض الصغد إعانتهم الترك على المسلمين ما ذكرنا تجهز سعيد لغزوهم وعبر النهر فلقيه الترك وطائفة من الصغد فهزمهم المسلمون. ونهاهم سعيد عن اتباعهم وقال هم جباية أمير المؤمنين فانكفوا عنهم. ثم سار المسلمون إلى واد بينهم وبين المرج فقطعه بعض العسكر وقد أكمن لهم الترك فخرجوا عليهم وانهزم المسلمون إلى الوادي وقيل بل كان المنهزمون مسلحة للمسلمين وكان فيمن قتل شعبة بن ظهر [1] في خمسين رجلا. وجاء الأمير والناس فانهزم العدو وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا رد السبي وعاقب السرية فثقل سعيد على الناس وضعفوه ولما رجع من هذه الغزاة وكان سورة بن الأبجر قد قال لحيان النبطي يوم أمر سعيد بالكف عن الصغد وأنهم جباية أمير المؤمنين [2] فقال: سورة ارجع عنهم يا حيان فقال: عقيرة
الله لا أدعها. فقال انصرف يا نبطي. قال: أنبط الله وجهك فحقدها عليه سورة وأغرى به سعيد خدينة وقال: إنه أفسد خراسان على قتيبة ويثب عليك ويتحصن ببعض القلاع فقال له سعيد: لا يسمع هذا منك أحد، ثم حاول عليه وسقاه لبنا قد ألقى فيه ذهبا مسحوقا. ثم ركض والناس معه أربعة فراسخ فعاش حيان من بعدها ليالي قلائل ومات.
** ولاية ابن هبيرة على العراق وخراسان **
كان مسلمة لما ولي على هذه الأعمال لم يدفع من الخراج شيئا واستحيا يزيده من عزله فكتب إليه بالقدوم وأن يستخلف على عمله وسار لذلك سنة ثلاث وأربعمائة، فلقيه عمر بن هبيرة بالطريق على دواب البريد، وقال: وجهني أمير المؤمنين لحيازة أموال بني المهلب فارتاب لذلك، وقال له بعض أصحابه: كيف يبعث ابن هبيرة من عند الجزيرة لمثل هذا الغرض؟ ثم أتاه أن ابن هبيرة عزل عماله. وكان عمر بن هبيرة من النجابة بمكان، وكان الحجاج يبعثه في البعوث، وهو ممن سار لقتال مطرف بن المغيرة حين خلع ويقال إنه الذي قتله، وجاء برأسه، فسيره الحجاج إلى عبد الملك فاقطعه قرية قريبة من دمشق. ثم بعثه إلى كروم ابن مرثد الفزاري ليخلص منه مالا فارتاب وأخذ المال ولحق بعبد الملك عائدا به من الحجاج وقال قتلت ابن عمه ولست آمنه على نفسي، فأجاره عبد الملك، وكتب الحجاج إليه فيه فقال: أمسك عنه وعظم شأنه عبد الملك وبنوه واستعمله عمر بن عبد العزيز على الروم من ناحية أرمينية وأثخن فيهم وأسر سبعمائة منهم وقتلهم. واستخدم أيام يزيد لمحبوبته حبابة [1] فسعت له في ولاية العراق، فولاه يزيد مكان أخيه مسلمة. ولما ولي قدم عليه المجشر بن مزاحم السلمي، وعبد الله بن عمر الليثي في وفد فشكوا من سعيد وحذيفة عاملهم وهو صهر مسلمة فعزله وولى مكانه على خراسان سعيد بن عمر الحريشي من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فسار خدينة عن خراسان وقدم سعيد فلم يعرض لعماله. ولما قدم على خراسان كان الناس بإزاء العدو وقد نكثوا، فحثهم على الجهاد وخاف الصغد منه بما كانوا أعانوا الترك أيام خدينة، فقال لهم ملكهم: احملوا له خراج ما مضى واضمنوا خراج ما يأتي
والعمارة والغزو معه، وأعطوه الرهن بذلك. فأبوا إلا أن يستجيروا بملك فرغانة وخرجوا من بلادهم إلى خجندة وسألوا الجوار وأن ينزلوا شعب عصام. فقال:
أمهلونا عشرين يوما أو أربعين لنخليه لكم وليس لكم علي جوار قبل دخولكم إياه.
ثم غزاهم الحريش سنة أربع ومائة فقطع النهر وترك قصر الريح على فرسخين من الدنوسية، وأتاه ابن عم ملك فرغانة يغريه بأهل الصغد وأنهم بخجندة، ولم يدخلوا جواره بعد، فبعث معه عبد الرحمن القسري في عسكر، وجاء في أثره حتى نزلوا على خجندة، وخرج أهل صغد لقتالهم فانهزموا، وقد كانوا حفروا خندقا وغطوه بالتراب ليسقط فيه المسلمون عند القتال. فلما انهزموا ذلك اليوم أخطأهم الطريق وأسقطهم الله في ذلك الخندق. ثم حاصرهم الحريشي، ونصب عليهم المجانيق وأرسلوا إلى ملك فرغانة ليجيرهم، فقال: قد شرطت عليكم أن لا جوار قبل الأجل الذي بيني وبينكم. فسألوا الصلح من الحريشي على أن يردوا ما في أيديهم من سبي العرب، ويعطوا ما كسر من الخراج ولا يتخلف أحد منهم بخجندة، وإن أحدثوا حدثا استبيحت دماؤهم. فقبل منهم وخرجوا من خجندة ونزلوا في العسكر على كل من يعرفه. وبلغ الحريشي أنهم قتلوا امرأة فقتل قاتلها، فخرج قبيل منهم فاعترض الناس وقتل جماعة. وقتل الصغد من أسرى المسلمين مائة وخمسين، ولقي الناس منهم عنفا ثم أحاطوا بهم وهم يقاتلون بالخشب ليس لهم سلاح فقتلوا عن آخرهم ثلاثة آلاف أو سبعة آلاف. وكتب الحريشي إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب لعمر بن هبيرة فأحفظه ذلك ثم سرح الحريشي سليمان بن أبي السري إلى حصن يطيف به وراء الصغد ومعه خوارزم شاه وملك أجرون وسومان. فسار سليمان وعلى مقدمته المسيب بن بشر الرياحي، ولقيه أهل الحصن فهزمهم ثم حاصرهم فسألوا الصلح على أن لا يعرض لسبيهم ويسلموا القلعة بما فيها فقبل. وبعث إلى الحريشي فقبضه [1] وبعث من قبضه. وسار الحريشي إلى كش ونسف حربا وخراجا سليمان بن أبي السري واستنزل مكانه آخر اسمه قشقري من حصنه على الأمان وجاء به إلى مرو فشنقه وصلبه.
** ولاية الجراح على أرمينية وفتح بلنجر **
ولما سار ابن هبيرة على الجزيرة وأرمينية تشبب البهراني فحفل لهم الخزر وهم التركمان واستجاشوا بالقفجاق وغيرهم من أنواع الترك، ولقوا المسلمين بمرج الحجارة فهزموهم واحتوى التركمان على عسكرهم وغنموا ما فيه. وقدم المنهزمون على يزيد بن عبد الملك فولى على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمي وأمده بجيش كثيف وسار لغزو الخزر فعادوا للباب والأبواب. ونزل الجراح بردعة فأراح بها قليلا، ثم سار نحوهم وعبر نهر الكر وأشاع الإقامة ليرجع بذلك عيونهم إليهم ثم أسرى من ليلته وأجد السير إلى مدينة الباب فدخلها وبث السرايا للنهب والغارة. وزحف إليه التركمان وعليهم ابن ملكهم فلقيهم عند نهر الزمان واشتد القتال بينهم، ثم انهزم التركمان وكثر القتل فيهم، وغنم المسلمون ما معهم وساروا حتى نزلوا على الحصن، ونزل أهلها على الأمان فقتلهم. ثم سار إلى مدينة برغوا [1] فحاصرها ستة أيام، ثم نزلوا على الأمان ونقلهم [2] ثم ساروا إلى بلنجر وقاتلهم التركمان دونها فانهزموا وافتتح الحصن عنوة.
وغنم المسلمون جميع ما فيه فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار وكانوا بضعة وثلاثين ألفا. ثم إن الجراح رجع حصن بلنجر إلى صاحبه ورد عليه أهله وماله، على أن يكون عينا للمسلمين على الكفار. ثم نزل على حصن الوبيد [3] وكان به أربعون ألف بيت من الترك فصالحوا الجراح على مال أعطوه إياه. ثم تجمع الترك والتركمان وأخذوا الطرق على المسلمين فأقام في رستاق سبى وكتب إلى يزيد بالفتح وطلب المدد وكان ذلك آخر عمر يزيد وبعث هشام بعد ذلك إليه بالمدد وأقره على العمل.
** ولاية عبد الواحد القسري على المدينة ومكة **
كان عبد الرحمن بن الضحاك عاملا على الحجاز منذ أيام عمر بن عبد العزيز وأقام عليها ثلاث سنين ثم حدثته نفسه خطبة فاطمة بنت الحسين فامتنعت فهددها بأن يجلد ابنها في الخمر وهو عبد الله بن الحسن المثنى. وكان على ديوان المدينة عامل من أهل الشام يسمى ابن هرمز. ولما رفع حسابه وأراد السير إلى يزيد جاء ليودع فاطمة، فقالت: أخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض لي. ثم بعث
رسولها بكتابها إلى يزيد يخبره. وقدم ابن هرمز على يزيد فبينما هو يحدثه عن المدينة قال الحاجب: بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فذكر ابن هرمز ما حملته.
فنزل عن فراشه وقال عندك مثل هذا وما تخبرني به! فاعتذر بالنسيان. فأدخل يزيد الرسول وقرأ الكتاب وجعل ينكث الأرض بخيزارنة ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك هل من رجل يسمعني صوته في العذاب قيل له عبد الواحد بن عبد الله القسري فكتب إليه بيده قد وليتك المدينة فانهض إليها واعزل ابن الضحاك وغرمه أربعين ألف دينار، وعذبه حتى أسمع وأنا على فراشي. وجاء البريد بالكتاب إليه ولم يدخل على ابن الضحاك فأحضر البريد ودس إليه بألف دينار فأخبره الخبر فسار ابن الضحاك إلى مسلمة بن عبد الملك واستجار به وسأل مسلمة فيه يزيد فقال: والله لا أعفيه أبدا فرده مسلمة إلى عبد الواحد بالمدينة فعذبه ولقي شرا، ولبس جبة صوف يسأل الناس وكان قد آذى الأنصار فذموه وكان قدوم القسري في شوال سنة أربع ومائة وأحسن السيرة فأحبه الناس وكان يستشير القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله.
** عزل الحريشي وولاية مسلم الكلبي على خراسان **
كان سعيد الحريشي عاملا على خراسان لابن هبيرة كما ذكرنا وكان يستخف به ويكاتب الخليفة دونه ويكنيه أبا المثنى. وبعث من عيونه من يأتيه بخبره فبلغه أعظم مما سمع فعزله وعذبه حتى أدى الأموال وعزم على قتله ثم كف عنه. وولى ابن هبيرة على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، ولما جاء إلى خراسان حبسه وقيده وعذبه كما قلنا. فلما هرب ابن هبيرة بعد ذلك عن العراق أرسل خالد القسري في طلبه الحريشي فأدركه على الفرات وقال لابن هبيرة ما ظنك بي قال: إنك لا تدفع رجلا من قومك إلى رجل من قسر قال: هو ذاك ثم انصرف وتركه.
** وفاة يزيد وبيعة هشام **
ثم توفي يزيد بن عبد الملك في شعبان سنة خمس ومائة لأربع سنين من خلافته وولى بعده أخوه هشام بعهده إليه بذلك كما مر، وكان بحمص فجاءه الخبر بذلك فعزل عمر ابن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري فسار إلى العراق من يومه.
** غزو مسلم الترك **
غزا مسلم بن سعيد الترك سنة خمسة ومائة فعبر النهر وعاث في بلادهم ولم يفتح شيئا وقفل فأتبعه الترك ولحقوه على النهر فعبر بالناس ولم ينالوا منه. ثم غزا بقية السنة وحاصر أفشين حتى صالحوه على ستة آلاف رأس، ثم دفعوا إليه القلعة. ثم غزا سنة ست ومائة، وتباطأ عنه الناس، وكان ممن تباطأ البختري بن درهم، فرد مسلم نصر بن سيار إلى بلخ وأمره أن يخرج الناس إليه، وعلى بلخ عمر بن قتيبة أخو مسلم، فجاء نصر وأحرق باب البختري وزياد بن طريف الباهلي. ثم منعهم عمر من دخول بلخ وقد قطع سعيد النهر، ونزل نصر بن سيار البروقان وأتاه جند الضلاضيان، وتجمعت ربيعة والأزد بالبروقان على نصف فرسخ من نصر وخرجت مضر إلى نصر، وخرج عمر بن مسلم إلى ربيعة والأزد وتوافقوا وسفر الناس بينهما في الصلح وانصرف نصر. ثم حمل البختري وعمر بن مسلم على نصر فكر عليهم فقتل منهم ثمانية عشر وهزمهم وأتى بعمر بن مسلم والبختري وزياد بن طريف فضربهم مائة مائة وحلق رءوسهم ولحاهم وألبسهم المسوح. وقيل إن سبب تعزير عمر بن مسلم انهزام تميم عنه وقيل انهزام ربيعة والأزد ثم أمنهم نصر بعد ذلك وأمرهم أن يلحقوا بمسلم بن سعيد. ولما قطع مسلم النهر ولحقه من لحق من أصحابه سار إلى بخارى فلحقه بها كتاب خالد بن عبد الله القسري بولايته وبأمره بإتمام غزاته، فسار إلى فرغانة وبلغه أن خاقان قد أقبل إليه فارتحل. ولحقه خاقان بعد ثلاثة مراحل لقي فيها طائفة من المسلمين فأصابهم. ثم أطاف بالعسكر وقاتل المسلمين، وقتل المسيب بن بشر الرياحي والبراء من فرسان المهلب وأخو غورك وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر ورحل مسلم بالناس ثمانية أيام والترك مطيفون بهم بعد أن أمر بإحراق ما ثقل من الأمتعة، فأحرقوا ما قيمته ألف ألف. وأصبحوا في التاسع قريب النهر دونه أهل فرغانة والشاش. فأمر مسلم الناس أن يخرطوا سيوفهم ويحملوا فافرج أهل فرغانة والشاش عن النهر، ونزل مسلم بعسكره ثم عبر من الغد، واتبعهم ابن خاقان. فكان حميد بن عبد الله على الساقة من وراء النهر وهو مثخن بالجراحة.
فبعث إلى مسلم بالانتظار وعطف على الترك فقاتلهم وأسر قائدهم وقائد الصغد ثم أصابه سهم فمات. وأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعة وجهد ولقيهم هنالك كتاب
أسد بن عبد الله القسري أخي خالد بولايته على خراسان واستخلافه عبد الرحمن بن نعيم. فقرأ مسلم الكتاب وقال سمعا وطاعة.
** ولاية أسد القسري على خراسان **
ولما غزا خالد بن عبد الله خراسان استخلف عليها أخاه أسد بن عبد الله فقدم ومسلم ابن سعيد بفرغانة فلما رجع وأتى النهى ليقطعه منعه الأشهب بن عبد الله التميمي وكان على السفن بآمد [1] حتى عرفه أنه الأمير فأذن له. ثم عبر أسد النهر ونزل بالمرج وعلى سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج بالناس وتلقى أسدا وأدخله سمرقند وبعث أسد إلى عبد الرحمن بن نعيم بالولاية على العسكر فقفل بالناس إلى سمرقند. ثم عزل أسدا عنها وولى مكانه الحسن بن أبى العمرطة الكندي ثم قدم مسلم بن سعيد بن عبد الله بخراسان فكان يكرمه ومر بابن هبيرة وهو يروم الهرب وأسلم على يديه. ثم غزا الغور وهي جبال هراة فوضع أهلها أثقالهم في الكهوف ولم يكن إليهم طريق فاتخذ التوابيت ووضع فيها الرجال ودلاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه ثم قطع كماق النهر وجاءه خاقان ولم يكن بينهما قتال وقيل عاد مهزوما من الجسر. ثم سار إلى عوبرين وقاتلها وأبلى نصر بن سيار ومسلم بن أحور وانهزم المشركون وحوى المسلمون عسكرهم بما فيه.
** ولاية أشرس على العراق **
كان أسد بن عبد الله في ولايته على خراسان يتعصب حتى أفسد الناس وضرب نصر ابن سيار بالسياط وعبد الرحمن بن نعيم وسورة بن أبجر والبختري بن أبي درهم، وعامر بن مالك الحماني وحلقهم وسيرهم إلى أخيه، وكتب إليه أنهم أرادوا الوثوب بي فلامه خالد وعنفه وقال: هلا بعثت برءوسهم؟ وخطب أسد يوما فلعن أهل خراسان. فكتب هشام بن عبد الملك إلى خالد اعزل أخاك فعزله في رمضان سنة تسع وولى مكانه الحكم بن عوانة الكلبي فقعد عن الصائفة تلك السنة فاستعمل هشام على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي وأمره أن يراجع خالدا فكان خيرا ففرح به أهل خراسان.
** عزل أشرس **
أرسل أشرس إلى سمرقند سنة عشر ومائة أبا الصيدا صالح بن ظريف مولى بني ضبة والربيع بن عمران التميمي إلى سمرقند وغيرها مما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، وعليها الحسن بن العمرطة الكندي على حربها وخراجها، فدعاهم لذلك وأسلموا. وكتب غورك إلى الأشرس أن الجراح قد انكسر، فكتب أشرس إلى ابن العمرطة: بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، وإنما أسلموا نفورا من الجزية فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. ثم عزل ابن العمرطة عن الخراج وولى عليها ابن هانئ ومنعهم أبو الصيدا أخذ الجزية ممن أسلم، وكتب هانئ إلى أشرس بأنهم أسلموا وبنوا المساجد فكتب إليه وإلى العمال أن يعيدوا الجزية على من كانت عليه ولو أسلم، فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على فراسخ من سمرقند وخرج معهم أبو الصيدا وربيع بن عمران والهيثم الشيباني وأبو فاطمة الأزدي وعامر بن قشير وبشير الجحدري وبيان العنبري وإسماعيل بن عقبة لينصروهم. وبلغ الخبر إلى أشرس فعزل ابن العمرطة عن الحرب وولى مكانه المجشر بن مزاحم السلمي وعميرة بن سعد الشيباني، فكتب المجشر إلى أبي الصيدا يستقدمه هو وأصحابه فقدم ومعه ثابت قطنة فحبسهما وسيرهما إلى أشرس، واجتماع الباقون وولوا عليهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا فكتب أشرس ووضع عنهم الخراج فرجعوا وضعف أمرهم وتتبعوا فحبسوا كلهم وألح هانئ في الخراج واستخف بفعل العجم والدهاقين. وأقيموا في العقوبات وحرقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم وأخذت الجزية ممن أسلم.
فكفرت الصغد وبخارى، واستجاشوا بالترك وخرج أشرس غازيا فنزل آمد وأقام أشهرا وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم في عشرة آلاف فعبر النهر ولقي الترك وأهل الصغد وبخارى ومعهم خاقان، فحصروا قطنا في خندقه. وأغار الترك على سرح المسلمين، وأطلق أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو وبعثه معه في خيل، فاستقدمه من أيدي الترك ما أخذوه ثم عبر أشرس بالناس ولحق بقطن ولقيهم العدو فانهزموا أمامهم وسار أشرس بالناس حتى جاء بيكند فحاصرها المسلمون، وقطع أهل البلد عنهم الماء، وأصابهم العطش فرحلوا إلى المدينة
واعترضهم دونها العدو فقاتلوهم قتالا شديدا وأبلى الحرث بن شريح وقطن بن قتيبة بلاء شديدا وأزالوا الترك عن الماء فقتل يومئذ ثابت قطنة وصخر بن مسلم بن النعمان العبدي، وعبد الملك بن دثار الباهلي وغيرهم وحمل قطن بن قتيبة في جماعة تعاقدوا على الموت، فانهزم العدو واتبعهم المسلمون يقتلونهم إلى الليل. ثم رجع أشرس إلى بخارى وجهز عليها عسكرا يحاصرونها وعليهم الحرث بن شريح الأزدي ثم حاصر خاقان مدينة كمرجة من خراسان وبها جمع من المسلمين. وقطعوا القنطرة وأتاهم ابن جسر وابن يزدجرد وقال: إن خاقان جاء يرد علي منكبي وأنا آخذ لكم الأمان فشتموه وأتاهم يزغري في مائتين وكان داهية، وكان خاقان لا يخالفه.
فطلب رجلا يكلمه فجاءه يزيد بن سعد الباهلي فرغبه باضعاف العطاء والإحسان على النزول ويسيرون معهم، فلاطفه ورجع إلى أصحابه وقال هؤلاء يدعونكم لقتال المسلمين، فأبوا وأمر خاقان فألقى الحطب الرطب في الخندق ليقطعه، وألقى المسلمون البهائم ليأكلوها ويحشوا جلودها ترابا ويملئوا بها الخندق. وأرسل الله سبحانه سحابة فاحتمل السيل ما في الخندق إلى النهر الأعظم ورمى المسلمون بالسهام فأصيب يزغري بسهم ومات من ليلته فقتلوا جميع من عندهم من الأسرى والرهن.
ولم يزالوا كذلك حتى نزلت جيوش المسلمين فرغانة فجردوا عليهم واشتد قتالهم وصالحهم المسلمون على أن يسلموا لهم كمرجة ويرحلوا عليها إلى سمرقند والدنوسية وتراهنوا على ذلك وتأخر خاقان حتى يخرجوا وخلف معهم كورصول ليبلغهم إلى مأمنهم فارتحلوا حتى بلغوا الدنوسية وأطلقوا الرهن وكان مدة الحصار ستين يوما.
** عزل أشرس عن خراسان وولاية الجنيد **
وفي سنة إحدى عشرة ومائة عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن بن عمر بن الحرث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري أهدى إلى أم حكيم بنت يحيي بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جواهر فأعجبت هشاما فأهدى له أخرى مثلها فولاه خراسان وحمله على البريد فقدم خراسان في خمسمائة ووجد الخطاب ابن محرز السلمي خليفة أشرس على خراسان فسار الجنيد إلى ما وراء النهر ومعه الخطاب واستخلف على مرو المجشر بن مزاحم
السلمي وعلى بلخ سورة بن أبجر التميمي. وبعث إلى أشرس وهو يقاتل أهل بخارى والصغد أن يبعث إليه بسرية مخافة أن يعترضه العدو، فبعث إليه أشرس عامر بن مالك الجابي فعرض له الترك والصغد فقاتلوهم ثم استداروا وراء معسكر الترك وحمل المسلمون عليهم من أمامهم فانهزم الترك ولحق عامر بالجنيد فأقبل معه وعلى مقدمته عمارة بن حزيم واعترضه الترك فهزمهم. وزحف اليه خاقان بنواحي سمرقند وقطن ابن قتيبة على ساقته، فهزم خاقان وأسر ابن أخيه وبعث به إلى هشام، ورجع إلى مرو ظافرا. واستعمل قطن بن قتيبة على بخارى والوليد بن القعقاع العبسي على هراة وحبيب بن مرة العبسي على شرطته ومسلم بن عبد الرحمن الباهلي على بلخ وعليها نصر بن سيار فبعث مسلم إلى نصر وجيء به في قميص دون سراويل، فقال شيخ مضر جئتم به على هذه الحالة؟ فعزل الجنيد مسلما عن بلخ وأوفد وفدا إلى هشام يخبر غزاته.
** مقتل الجراح الحكمي **
قد كان تقدم لنا دخوله إلى بلاد الخزر سنة أربع ومائة وانهزامهم أمامه وأنه أثخن فيهم وملك بلنجر وردها على صاحبها وأدركه الشتاء فأقام هنالك. وأن هشاما أقره على عمله ثم ولاه أرمينية فدخل بلاد التركمان من ناحية تفليس سنة إحدى عشرة ففتح مدينتهم البيضاء وانصرف ظافرا. فاجتمع الخزر والترك من ناحية اللاف، وزحف إليهم الجراح سنة اثنتي عشرة ولقيهم بمرج أردبيل، فاقتتلوا أشد قتال، وتكاثر العدو عليه فاستشهد ومن معه وقد كان استخلف أخاه الحجاج على أرمينية ولما قتل طمع الخزر وهم التركمان وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل، وقيل كان قتله ببلنجر.
ولما بلغ الخبر هشاما دعا سعيد الحريشي فقال: بلغني أن الجراح انهزم! قال:
الجراح أعرف بالله من أن ينهزم ولكن قتل فابعثني على أربعين من دواب البريد وابعث إلي كل يوم أربعين رجلا مددا واكتب إلى أمراء الأجناد يواسوني ففعل وسار الحريشي فلا يمر بمدينة إلا ويستنهض أهلها فيجيبه من أراد الجهاد. ووصل مدينة أزور فلقيه جماعة من أصحاب الجراح فردهم معه ووصل إلى خلاط فحاصرها وفتحها وقسم غنائمها. ثم سار عنها يفتح القلاع والحصون إلى بروعة فنزلها وابن خاقان يومئذ بأذربيجان يحاصر مدينة ورثان منها ويعيث في نواحيها، وبعث الحريشي إلى
أهل ورثان يخبرهم بوصوله فأخرج العدو عنهم ووصل إليهم الحريشي. ثم اتبع العدو إلى أردبيل وجاءه بعض عيونه بأن عشرة آلاف من عسكرهم على أربعة فراسخ منه ومعهم خمسة آلاف بيت من المسلمين أسارى وسبايا، فبيتهم وقتلهم أجمعين ولم ينج منهم أحد واستنقذ المسلمين منهم. وسار إلى باجروان فجاءه عين آخر ودله على جمع منهم فسار إليهم واستلحمهم أجمعين واستنقذ من معهم من المسلمين، وكان فيهم أهل الجراح وولده فحملهم إلى باجروان. ثم زحف إليهم جموع الخزر مع ابن ملكهم والتقوا بأرض زرند، واشتد القتال والسبي من معسكر الكفار فبكى المسلمون رحمة لهم وصدقوا الحملة، فانهزم الكفار واتبعهم المسلمون إلى نهر أرس وغنموا ما كان معهم من الأموال واستنقذوا الأسرى والسبايا وحملوهم إلى باجروان. ثم تناصر الخزر في ملكهم ورجعوا فنزلوا نهر البيلقان واقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزموا فكان من غرق أكثر ممن قتل وجمع الحريشي الغنائم وعاد إلى باجروان فقسمها وكتب إلى هشام بالفتح. واستقدمه وولى أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان.
** وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان **
وخرج الجنيد سنة اثنتي عشرة ومائة من خراسان غازيا إلى طخارستان وبعث إليها عمارة ابن حزيم في ثمانية عشر ألفا، وبعث إبراهيم بن سام الليثي في عشرة آلاف إلى وجه آخر وحاشتك الترك [1] وزحف بهم خاقان إلى سمرقند وعليها سورة بن أبجر فكتب إلى الهند مستغيثا فأمر الجنيد بعبور النهر فقال له المجشر بن مزاحم السلمي وابن بسطام الأزدي: إن الترك ليسوا كغيرهم وقد مزقت جندك فسلم ابن عبد الرحمن بالنبراود والبختري بهراة وعمارة بن حزيم بطخارستان ولا تعبر النهر في أقل من خمسين الفا. فاستقدم عمارة وأمهل فقال: أخي على سورة وعبر الجنيد فنزل كش وتأهب للسير. وغور الترك الآبار في طريق كش وسار الجنيد على التعبية واعترضه خاقان ومعه أهل الصغد وفرغانة والشاش، وحملوا على مقدمته، وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير فرجعوا والترك في أتباعهم ثم حملوا على المدينة وأمدهم الجنيد
بنصر بن سيار وشدوا على العدو وقتل أعيانا منهم وأقبل الجنيد على الميمنة وأقبل تحت راية الأزد فقال له صاحب الراية: ما قصدت كرامتنا لكن علمت أنا لا نصل إليك ومنا عين تطرف. فصبروا وقاتلوا حتى كلت سيوفهم وقطع عبيدهم الخشب فقاتلوا بها حتى أدركهم الملل وتعانقوا ثم تحاجزوا وهلك من الأزد في ذلك المعترك نحو من ثمانين فيهم عبد الله بن بسطام ومحمد بن عبد الله بن جودان والحسين بن شيخ ويزيد ابن المفضل الحراني. وبين الناس كذلك إذ طلعت أوائل عسكر خاقان فنادى منادي الجنيد بالنزول فترجلوا، وخندق كل كائن على رجاله. وقصد خاقان جهة بكر بن وائل وعليهم زياد بن الحرث فحملت بكر عليهم فأفرجوا واشتد القتال، وأشار أصحاب الجنيد عليه بأن يبعث إلى سورة بن أبجر من سمرقند ليتقدم الترك إليه ليكون لهم شغل به عن الجنيد وأصحابه، فكتب يستقدمه فاعتذر فأعاد عليه وتهدده وقال:
أخرج وسر مع النهر لا تفارقه فلما خرج هو استبعد طريق النهر واستخلف على سمرقند موسى بن أسود الحنظلي وسار محمد في اثني عشر ألفا حتى إذا بقي بينه وبين الجنيد وعساكره فرسخ لقيه خاقان عند الصباح وحال بينهم وبين الماء واضرم النار في اليبس حواليهم فاستماتوا وحملوا وانكشفت الترك وأظلم الجو بالعجاج. وكان من وراء الترك لهب سقط فيه جميع العدو والمسلمون وسقط سورة فاندقت فخذه ثم عطف الترك فقتلوا المسلمين ولم يبق منهم إلا القليل وانحاش بالناس المهلب بن زياد والعجمي في ستمائة أو ألف، ومعه قريش بن عبد الله العبدي إلى رستاق المرغاب، وقاتلوا بعض قصوره فأصيب المهلب وولوا عليهم الرحب بن خالد. وجاءهم الاسكيد صاحب نسف وغورك ملك الصغد فنزلوا معه إلى خاقان فلم يجز أمان غورك وقتلهم ولم ينج منهم أحد. ثم خرج الجنيد من الشعب قاصدا سمرقند وأشار عليه مجشر بن مزاحم بالنزول فنزل ووافقته جموع الترك فجال الناس جولة وصبر المسلمون وقاتل العبيد وانهزم العدو ومضى الجنيد إلى سمرقند فحمل العيالات إلى مرو وأقام بالصغد أربعة أشهر وكان صاحب الرأي بخراسان في الحرب المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الرحمن ابن صبح المخزومي وعبيد الله بن حبيب الهجري. ولما انصرفت الترك بعث الجنيد نهار بن توسعة بن تيم الله وزميل بن سويد بن شيم بالخبر وتحامل فيه على سورة بن أبجر بما عصاه من مفارقة النهر حتى نال العدو منه فكتب إليه هشام قد بعث إليك من المدد عشرة آلاف من البصرة ومثلها من الكوفة وثلاثون ألف رمح ومثلها سيفا. وأقام
الجنيد بسمرقند وسار خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن مسلم فخاف عليه من الترك واستشار عبد الله بن أبي عبد الله مولى بن سليم بعد أن اختلف عليه أصحابه فاشترط عليه أن لا يخالفه فأشار بحمل العيالات من سمرقند فقدمهم واستخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في أربعمائة فارس وأربعمائة راجل ووفر أعطياتهم وسار العيادات في مقدمته حتى [1] من الضيق ودنا من الطواويس. فأقبل إليه خاقان بكير ميمنية [2] أول رمضان سنة اثنتي عشرة، واقتتلوا قليلا، ثم رجع الترك وارتحل من الغد، فاعترضه الترك ثانيا وقتل مسلم بن أحوز بعض عظمائهم فرجعوا من الطواويس. ثم دخل الجنيد بالمسلمين بخارى وقدمت الجنود من البصرة والكوفة فسرح الجنيد معهم حورثة بن زيد العنبري فيمن انتدب معه.
** ولاية عاصم على خراسان وعزل الجنيد **
بلغ هشاما سنة ست عشرة أن الجنيد بن عبد الرحمن عامل خراسان تزوج بنت يزيد بن المهلب فغضب لذلك وعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي وكان الجنيد قد مرض بالاستسقاء. فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه فلما قدم عاصم وجده قد مات وكانت بينهما عداوة فحبس عمارة بن حزيم وكان الجنيد استخلفه وهو ابن عذبة فعذبه عاصم وعذب عمال الجنيد.
** ولاية مروان بن محمد على أرمينية وأذربيجان **
لما عاد مسلمة من غزو الخزر وهم التركمان إلى بلاد المسلمين وكان في عسكره مروان بن محمد بن مروان، فخرج مختفيا عنه إلى هشام وشكا له من مسلمة وتخاذله عن الغزو وما أدخل بذلك على المسلمين من الوهم. وبعث إلى العدو بالحرب وأقام شهرا حتى استعدوا وحشدوا ودخل بلادهم فلم يكن له فيهم نكاية وقصد أراد السلامة ورغب إليه بالغزو إليهم لينتقم منهم، وأن يمده بمائة وعشرين ألف مقاتل ويكتم عليه.
فأجابه لذلك وولاه على أرمينية. فسار إليها وجاءه المدد من الشام والعراق والجزيرة.
فأظهر أنه يريد غزو اللان وبعث إلى ملك الخزر في المهادنة فأجاب. وأرسل رسله لتقرير الصلح فأمسكهم مروان إلى أن تجهز وودعهم وسار على أقرب الطرق فوافاهم ورأى ملك الخزر أن اللقاء على تلك الحال غرر فتأخر إلى أقصى بلاده. ودخل مروان فأوغل فيها وخرب وغنم وسبى إلى آخرها. ودخل بلاد ملك السرير وفتح قلاعها وصالحوه على ألف رأس نصفها غلمان ونصفها جواري ومائة ألف مد تحمل إلى الباب. وصالحه أهل تومان على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مد. ثم دخل أرض وردكران فصالحوه. ثم أتى حمرين وافتتح حصنهم، ثم أتى سبدان فافتتحها صلحا، ثم نزل صاحب اللكز في قلعته وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج يريد ملك الخزر فأصيب بسهم ومات وصالح أهل اللكز مروان، وأدخل عامله وسار مروان إلى قلعة سروان فأطاعوا، وسار إلى الرودانية فأوقع بهم ورجع.
** خلع الحرث بن شريح [1] بخراسان **
كان الحرث هذا عظيم الأزد بخراسان فخلع سنة ست عشرة ولبس السواد، ودعا إلى كتاب الله وسنة نبيه والبيعة للرضا على ما كان عليه دعاة بني العباس هناك. وأقبل الى الغاربات [2] وجاءته رسل عاصم مقاتل بن حيان النبطي والخطاب بن محرز السلمي فحبسهما وفروا [3] من السجن إلى عاصم بدم الحرث وغدره. وسار الحرث من الغاربات إلى بلخ وعليها نصر بن سيار والتخيبي، فلقياه في عشرة آلاف وهو في أربعة فهزمهم، وملك بلخ واستعمل عليها سليمان بن عبد الله بن حازم. وسار إلى الجوزجان [4] عليها ثم سار إلى مرو ونمي إلى عاصم أن أهل مرو يكاتبونه فاستوثق منهم بالقسامة وخرج وعسكر قريبا من مرو، وقطع الجسور وأقبل الحرث في ستين ألفا ومعه فرسان الأزد وتميم ودهاقين الجوزجان والغاربات، وملك الطالقان وأصلحوا القناطر ثم نزع محمد بن المثنى في ألفين من الأزد وحماد بن عامر
الجابي في مثلها من بني تميم إلى عاصم، ولحقوا به. ثم اقتتلوا فانهزم الحرث وغرق كثير من أصحابه في نهر مرو وقتلوا قتلا ذريعا. وكان ممن غرق حازم. ولما قطع الحرث نهر مرو ضرب رواقه واجتمع إليه بها ثلاثة آلاف فارس وكف عاصم عنهم.
** ولاية أسد القسري الثانية بخراسان **
كتب عاصم إلى هشام سنة سبع عشرة أن خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى العراق ليكون مددها قريب الغوث، فضم هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله القسري وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد فبعث خالد أخاه أسدا فسار على مقدمته محمد بن مالك الهمداني. (ولما بلغ عاصم) الخبر راود الحرث بن شريح على الصلح وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه الكتاب والسنة، فإن أبى اجتمعا وأبى بعض أهل خراسان ذلك فانتقض بينهما واقتتلا، فانهزم الحرث وأسر من أصحابه كثير قتلهم عاصم. وبعث بالفتح إلى هشام مع محمد بن مسلم العنبري فلقيه أسد بالري وجاء إلى خراسان فبعث عاصما وطلبه بمائة ألف درهم، وأطلق عمارة بن حزيم وعمال الجنيد. ولم يكن لعاصم بخراسان إلا مرو ونيسابور وكانت مروالروذ للحرث، وواصل لخالد بن عبيد الله الهجري على مثل رأي الحرث. فبعث أسد عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحرث، وسار هو بالناس إلى آمد.
فخرج إليه زياد القرشي مولى حيان النبطي في العسكر، فهزمهم أسد وحاصرهم حتى سألوا الأمان، واستعمل عليهم يحيي بن نعيم بن هبيرة الشيباني، وسار إلى بلخ، وقد بايعوا سليمان بن عبد الله بن حازم. فسار حتى قدمها ثم سار منها إلى ترمذ والحرث محاصر لهما، وأعجزه وصول المدد إليها فخرج إلى بلخ، وخرج أهل ترمذ فهزموا الحرث وقتلوا أكثر أصحابه. ثم سار أسد إلى سمرقند ومر بحصن زم وبه أصحاب الحرث فبعث إليهم وقال: إنما نكرتم منا سوء السيرة ولم يبلغ ذلك النساء واستحلال الفروج ولا مظاهرة المشركين على مثل سمرقند وأعطاه الأمان على تسليم سمرقند، وهدده إن قاتل بأنه لا يؤمنه أبدا. فخرج إلى الأمان وسار معه إلى سمرقند فأنزلهم على الأمان ثم رجع أسد إلى بلخ وسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التي فيها ثقل الحرث وأصحابه في طخارستان. فحاصرها وفتحها وقتل مقاتلهم ومنهم بنو بزري من ثعلب أصحاب الحرث. وباع سبيهم في سوق بلخ وانتقض على الحرث
أربعمائة وخمسون من أصحابه بالقلعة، ورئيسهم جرير بن ميمون القاضي. فقال لهم الحرث: إن كنتم مفارقي ولا بد فاطلبوا الأمان، وإن طلبتموه بعد رحيلي لا يعطونه لكم، فأبوا إلا أن ارتحل، فبعثوا بالأمان فلم يجبهم إليه. وسرح جديعة الكرماني في ستة آلاف فحصرهم حتى نزلوا على حكمه وحمل خمسين منهم إلى أسد فيهم ابن ميمون القاضي. فقتلهم وكتب إلى الكرماني بإهلاك الباقين واتخذ أسد مدينة بلخ دارا ونقل إليها الدواوين. ثم غزا طخارستان وأرض حبونة [1] فغنم وسبى.
** مقتل خاقان **
ولما كانت سنة تسع عشرة غزا أسد بن عبد الله بلاد الختل فافتتح منها قلاعا وامتلأت أيدي العسكر من السبي والشاء وكثب بن السائحي [2] صاحب البلاد يستجيش خاقان على العرب، ويضعفهم له فتجهز وخفف من الأزودة استعجالا للعرب فلما أحس به ابن السائحي بعث بالنذير إلى أسد فلم يصدقه، فأعاد عليه إني الذي استمددت خاقان لأنك معرت البلاد، ولا أريد أن يظفر بك خشية من معاداة العرب واستطالة خاقان علي، فصدقه حينئذ أسد وبعث الأثقال مع إبراهيم بن عاصم العقيلي، الذي كان ولي سجستان، وبعث معه المشيخة كثير بن أمية، وأبا سفيان بن كثير الخزاعي وفضيل بن حيان المهري وغيرهم وأمدهما بجند آخر. وجاء في أثرهم فانتهى إلى نهر بلخ وقد قطعه إبراهيم بن عاصم بالسبي والأثقال، فخاض النهر من ثلاثة وعشرين موضعا، وحمل الناس شياههم حتى حمل هو شاة فما استكمل العبور حتى طلعت عليهم الترك وعلى المسلمة الأزد وتميم. فحمل خاقان عليهم فانكشفوا فرجع أسد إلى عسكره وخندق. وظنوا أن خاقان لا يقطع النهر فقطع النهر إليهم وقاتله المسلمون في معسكرهم وباتوا والترك محيطون بهم فلما أصبحوا لم يروا منهم أحدا فعلموا أنهم اتبعوا الأثقال والسبي، واستعلموا علمها من الطلائع، فشاور أسد الناس فأشاروا بالمقام وأشار نصر بن سيار باتباعهم يخلص الأثقال ويقطع شقة لا بد من قطعها، فوافقه أسد وطير النذير إلى إبراهيم بن عاصم. وصبح خاقان للأثقال وقد خندقوا عليهم فأمر أهل الصغد بقتلهم فهزمتهم مسلحة المسلمين فصعد
على تل حتى رأى المسلمين من خلفهم. وأمر الترك أن يأتوهم من هنالك ففعلوا وخالطوهم في معسكرهم وقتلوا صاغان خذاه وأصحابه وأحسوا بالهلاك وإذا بالغبار قد رهج والترك يتنحون قليلا قليلا. وجاء أسد ووقف على التل الذي كان عليه خاقان وخرج إليه بقية الناس وجاءته امرأة صاغان خذاه معولة فأعول معها، ومضى خاقان يقود أسرى المسلمين في الآفاق ويسوق الإبل الموقورة والجواري وأراد أهل العسكر قتالهم فمنعهم أسد ونادى رجل من عسكر خاقان وهو من أصحاب الحرث بن شريح يعير أسدا ويحرضه ويقول: قد كان لك عن الختل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي، قد كانت ما رأيت، ولعل الله ينتقم منك. ومضى أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى جاء الشتاء، فدخل البلد وشتى فيها. وكان الحرث بن شريح بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان وأغراه بغزو خراسان وزحفوا إلى بلخ. وخرج أسد يوم الأضحى فخطب الناس وعرفهم بأن الحرث بن شريح استجلب الطاغية ليطفئ نور الله ويبدل دينهم، وحرضهم على الاستنصار بالله وقال أقرب ما يكون العبد لله ساجدا. ثم سجد وسجد الناس وأخلصوا الدعاء وخرج للقائهم وقد استمد خاقان من وراء النهر، وأهل طخارستان وحبونة في ثلاثين ألفا وجاء الخبر إلى أسد وأشار بعض الناس بالتحصن منهم بمدينة بلخ. واستمد خالد وهشام. وأبى الأسد إلا اللقاء، فخرج واستخلف على بلخ الكرماني بن علي، وعهد إليه أنه لا يدع أحدا يخرج من المدينة. واعتزم نصر بن سيار والقاسم بن نجيب وغيرهم على الخروج فأذن لهم وصلى بالناس ركعتين وطول. ثم دعا وأمر الناس بالدعاء ونزل من وراء القنطرة ينتظر من تخلف، ثم بدا له وارتحل فلقي طليعة خاقان وأسر قائدهم وسار حتى نزل على فرسخين من الجوزجان ثم أصبحوا وقد تراءى الجمعان وأنزل أسد الناس ثم تهيأ للحرب ومعه الجوزجان (أه) . وحملت الترك على الميسرة فانهزموا إلى رواق أسد، فشدت عليهم الأسد وبنو تميم والجوزجان من الميمنة فانكشفوا إلى خاقان وقد انهزم والحرث معه واتبعهم الناس ثلاثة فراسخ يقتلونهم واستاقوا مائة وخمسين ألفا من الشاء ودواب كثيرة. وسلك خاقان غير الجادة والحرث بن شريح [1] ولقيهم أسد عند الطريق. وسلك الجوزجان بعثمان بن عبد الله بن الشخير طريقا،
يعرفها حتى نزلوا على خاقان وهو آمن، فتركوا الأبنية والقدور تغلي وبناء العرب والموالي والعسكر مشحون من آنية الفضة، وركب خاقان والحرث يمانع عنه. وأعجلوا امرأة خاقان عن الركوب فقتلها الخصي الموكل بها. وبعث أسد بجوار الترك دهاقين خراسان يفادون بها أسراهم، وأقام خمسة أيام وانصرف إلى بلخ لتاسعة من خروجه. ونزل الجوزجان وخاقان هارب أمامه. وانتهى خاقان إلى جونة الطخاري، فنزل عليه، وانصرف أسد إلى بلخ، وأقام خاقان عند جونة حتى أصلح آلته، وسار وسبيه بها فأخذه جدكاوش أبو فشين فأهدى إليه وأتحفه وحمل أصحابه يتخذ بذلك عنده يدا. ثم وصل خاقان بلاده وأخذ في الاستعداد في الحرب ومحاصرة سمرقند وحمل الحرث وابن شريح وأصحابه على خمسة آلاف برذون.
ولاعب خاقان بالنرد كورصول يوما فغمزه كورصول فأنف وتشاجر، فصك كورصول يد خاقان، فحلف خاقان ليكسرن يده فتنحى وجمع. ثم بيت خاقان فقتله وافترق الترك وحملوه وتركوه بالعراء فحمله بعض عظمائهم ودفنه. وكان أسد بعث بالفتح من بلخ إلى خالد بن عبد الله فأخبره وبعث به إلى هشام فلم يصدقه، ثم بعده القاسم بن نجيب بقتل خاقان، فحثت قيس أسدا وخالدا، وقالوا لهشام: استقدم مقاتل بن حيان. فكتب بذلك إلى خالد، فأرسل إلى أسد أن يبعث به فقدم على هشام والأبرش وزيره جالس عنده، فقص عليه الخبر فسر بذلك وقال لمقاتل: ما حاجتك؟ قال يزيد بن المهلب أخذ من حيان أبي مائة ألف درهم بغير حق، فأمر بردها علي. فاستحلفه وكتب له بردها، وقسمها مقاتل بين ورثة حيان. ثم غزا أسد الختل بعد مقتل خاقان، وقدم مصعب بن عمر الخزاعي إليها فسار إلى حصن بدرطرخان فاستأمن له أن يلقي أسدا فأمنه وبعث إلى أسد فسأل أن يقبل منه ألف درهم، وراوده على ذلك فأبى أسد ورده إلى مصعب ليرده إلى حصنه، فقال له مسلمة بن أبي عبد الله وهو من الموالي: إن أمير المؤمنين سيندم على حبسه. ثم أقبل أسد بالناس ووعد له المجشر بن مزاحم بدرطرخان أو قبول ما عرض، فندم أسد وأرسل إلى مصعب يسأل عنه فوجده مقيما عند مسلمة، فجيء به وقطعت يده. ثم أمر رجلا من الأزد كان بدرطرخان قتل أباه فضرب عنقه وغلب على القلعة. وبعث العساكر في بلاد الختل فامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي وامتنع ولد بدرطرخان
وأمواله في قلعة فوق بلدهم صغيرة فلم يوصل [1] إليهم.
** وفاة أسد **
وفي ربيع الأول سنة عشرين توفي ابن عبدا القسري بمدينة بلخ واستخلف جعفر بن حنظلة النهرواني فعمل أربعة أشهر ثم جاء عهد نصر بن سيار بالعمل في رجب.
** ولاية يوسف بن عمر الثقفي على العراق وعزل خالد **
وفي هذه السنة عزل هشام خالدا عن أعماله جميعها بسعاية أبي المثنى وحسان النبطي وكانا يتوليان ضياع هشام بالعراق، فنقلا على خالد وأمر الأشدق بالنهوض على الضياع وأنهى ذلك حسان بعد أبي المثنى، وأن غلته في السنة ثلاثة عشر ألف ألف فوقرت في نفس هشام. وأشار عليه بلال بن أبي بردة والعريان بن الهيثم أن يعرض أملاكه على هشام ويضمنون له الرضا فلم يجبهم. ثم شكا من خالد بعض آل عمر والأشدق بأنه أغلظ له في القول بمجلسه، فكتب إليه هشام يوبخه ويأمره بأن يمشي ساعيا على قدميه إلى بابه ويترضاه ونميت عنه من هذا أقوال كثيرة وأنه يستقل ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يا ابن أم خالد بلغني أنك تقول ما ولاية العراق لي بشرف، يا ابن اللخناء كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله إني لأظن أن أول من يأتيك صقر من قريش يشد يديك إلى عنقك. ثم كتب إلى يوسف بن عمر الثقفي وهو باليمن يأمره أن يقدم في ثلاثين من أصحابه إلى العراق فقد ولاه ذلك. فسار إلى الكوفة ونزل قريبا منها وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده وأهدى إليه وصيفا ووصيفة سوى الأموال والثياب ومر يوسف وأصحابه ببعض أهل العراق فسألوهم فعرضوا وظنوهم خوارج، وركب يوسف إلى دور ثقيف فكتموا، ثم جمع يوسف بالمسجد من كان هنالك من مضر ودخل مع الفجر فصلى، وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما. وقيل إن خالدا كان بواسط وكتب إليه بالخبر بعض أصحابه من دمشق، فركب إلى خالد وأخبره بالخبر وقال: اركب إلى أمير المؤمنين واعتذر إليه قال: لا أفعل بغير إذن قال: فترسلني أستأذنه قال: لا. قال: فاضمن له جميع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده
وهي مائة ألف ألف قال: والله ما أجد عشرة آلاف ألف قال: أتحملها أنا وفلان وفلان. قال: لا أعطي شيئا وأعود فيه فقال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ونستبقي الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال وهي عند الكوفة فنقتل ويأكلون الأموال فأبى خالد من ذلك كله فودعه طارق ومضى وبكى ورجع إلى الكوفة. وخرج خالد إلى الحمة وجاء كتاب هشام بخطه إلى يوسف بولاية العراق وأن يأخذ ابن النصرانية يعني خالدا وعماله فيعذبهم، فأخذ الأولاد وسار من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت وقدم في جمادى الأخيرة سنة عشرين ومائة فنزل النجف وأرسل مولى كيسان فجاء بطارق ولقيه بالحيرة فضربه ضربا مبرحا ودخل الكوفة. وبعث عثمان عطاء بن مقدم إلى خالد بالحمة فقدم عليه وحبسه وصالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابه على سبعة آلاف ألف. وقيل أخذ منه مائة ألف وكانت ولايته العراق خمس عشرة سنة ولما ولي يوسف نزلت الذلة بالعراق في العرب وصار الحكم فيه إلى أهل الذمة.
** ولاية نصر بن سيار خراسان وغزوة وصلح الصغد **
ولما مات أسد بن عبد الله ولى هشام على خراسان نصر بن سيار وبعث إليه عهده على عبد الكريم بن سليط الحنفي، وقد كان جعفر بن حنظلة لما استخلفه أسد عند موته عرض على نصر أن يوليه بخارى فقال له: البحتري بن مجاهد مولى بني شيبان لا تقبل فإنك شيخ مضر بخراسان، وكان عهدك قد جاء على خراسان كلها فكان كذلك ولما ولي نصر استعمل على بلخ مسلم بن عبد الرحمن وعلى مروالروذ وشاح ابن بكير بن وشاح، وعلى هراة الحرث بن عبد الله بن الحشرج، وعلى نيسابور زياد بن الرحمن القسري، وعلى خوارزم أبا حفص علي بن حقنة، وعلى الصغد قطن بن قتيبة. وبقي أربع سنين لا يستعمل في خراسان إلا مضريا فعمرت عمارة لم تعمر مثلها، وأحسن الولاية والجباية. وكان وصول العهد إليه بالولاية في رجب سنة عشرين فغزا غزوات أولها إلى ما وراء النهر من نحو باب الحديد. وسار إليها من بلخ ورجع إلى مرو فوضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة وجعلها على من كان يخفف عنه منهم وانتهى عددهم ثلاثين ألفا من الصنفين وضعت عن هؤلاء وجعلت على هؤلاء. ثم غزا الثانية إلى سمرقند، ثم الثالثة إلى الشاش سار إليها من
مرو ومعه ملك بخارى وأهل سمرقند وكش ونسف في عشرين ألفا. وجاء إلى نهر الشاش فحال بينه وبين عبوره كورصول، عسكر نصر في ليلة ظلماء، ونادى نصر لا يخرج أحد وخرج عاصم بن عمير في جند سمرقند، فجاولته خيل الترك ليلا وفيهم كورصول فأسره عاصم وجاء به إلى نصر فقتله وصلبه على شاطئ النهر فحزنت الترك لقتله وأحرقوا أبنيته وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب خيولهم. وأمر نصر بإحراق عظامه لئلا يحملوها بعد رجوعه. ثم سار إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس، وكتب إليه يوسف بن عمران ليسير إلى الحرث بن شريح في الشاش ويخرب بلادهم ويسبيهم. فسار لذلك وجعل على مقدمته يحيى بن حصين وجاء بهم إلى الحرث وقاتلهم وقتل عظيما من عظماء الترك وانهزموا. وجاء ملك الشاش في الصلح والهدنة والرهن واشترط نصر عليه إخراج الحرث بن شريح من بلده فأخرجه إلى فاراب.
واستعمل على الشاش ينزل ابن صالح مولى عمرو بن العاص. ثم سار إلى أرض فرغانة وبعث أمه في إتمام الصلح، فجاءت لذلك وأكرمها نصر وعقد لها ورجعت. وكان الصغد لما قتل خاقان طمعوا في الرجعة إلى بلادهم، فلما ولي نصر بعث إليهم في ذلك وأعطوه ما سألوه من الشروط، وكان أهل خراسان قد نكروا شروطهم، وكان منها أن لا يعاقب من ارتد عن الإسلام إليهم ولا يؤخذ منهم أسرى إلا ببينة وحكم وعاب الناس ذلك على نصر لما أمضاه لهم. فقال: لو عاينتم شكوتهم في المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم. وأرسل إلى هشام في ذلك فأمضاه وذلك سنة ثلاث وعشرين.
** ظهور زيد بن على ومقتله **
ظهر زيد بن علي بالكوفة خارجا على هشام داعيا للكتاب والسنة وإلى جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء ورد المظالم وأفعال الخير ونصر أهل البيت. واختلف في سبب خروجه فقيل: إن يوسف ابن عمران لما كتب في خالد القسري كتب إلى هشام أنه شيعة لأهل البيت، وأنه ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ورد عليه الأمن، وأنه أودع زيدا وأصحابه الوافدين عليه مالا، فكان زيد قد قدم على خالد بالعراق هو ومحمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس فأجازهم ورجعوا إلى المدينة
فبعث هشام عنهم وسألهم فأقروا بالجائزة وحلفوا على ما سوى ذلك وأن خالدا لم يودعهم شيئا فصدقهم هشام وبعثهم إلى يوسف فقاتلوا خالدا وصدقهم الآخر، وعادوا إلى المدينة ونزلوا القادسية. وراسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم، وقيل في سبب ذلك، إن زيدا اختصهم مع ابن عمه جعفر ابن الحسن المثنى في وقف علي، ثم مات جعفر فخاصم أخوه عبد الله زيدا وكانا يحضران عند عامل خالد بن عبد الملك بن الحرث، فوقعت بينهما في مجلسه مشاتمة وأنكر زيد من خالد إطالته للخصومة وأن يستمع لمثل هذا فأغلظ له زيد وسار إلى هشام فحجبه، ثم أذن له بعد حين فحاوره طويلا ثم عرض له بأنه ينكر الخلاف وتنقصه. ثم قال له: أخرج؟ قال: نعم ثم لا أكون إلا بحيث تكره! فسار إلى الكوفة وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: ناشدتك الله الحق بأهلك ولا تأت الكوفة وذكره بفعلهم مع جده وجده يستعظم ما وقع به. وأقبل الكوفة فأقام بها مستخفيا ينتقل في المنازل واختلف إليه الشيعة وبايعه جماعة منهم: مسلمة بن كهيل ونصر بن خزيمة العبسي ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري وناس من وجوه أهل الكوفة يذكر لهم دعوته. ثم يقول: أتبايعون على ذلك؟ فيقولون: نعم فيضع يده على أيديهم ويقول عهد الله عليك وميثاقه وذمته وذمة نبيه بيقين تتبعني ولا تقاتلني مع عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية. فإذا قال نعم وضع يده على يده ثم قال: اللهم اشهد فبايعه خمسة عشر ألفا وقيل أربعون. وأمرهم بالاستعداد وشاع أمره في الناس وقيل: إنه أقام في الكوفة ظاهرا ومعه داود بن علي ابن عبد الله بن عباس لما جاءوا لمقاتلة خالد فاختلف إليه الشيعة، وكانت البيعة. وبلغ الخبر إلى يوسف بن عمران فأخرجه من الكوفة ولحق الشيعة بالقادسية أو الغلبية وعذله داود بن علي في الرجوع معه وذكره حال جده الحسين فقالت الشيعة لزيد: هذا إنما يريد الأمر لنفسه ولأهل بيته فرجع معهم ومضى داود إلى المدينة. ولما أتى الكوفة جاءه مسلمة بن كهيل فصده عن ذلك وقال أهل الكوفة لا يعولون لك. وقد كان مع جدك منهم أضعاف من معك ولم تعاوله، وكان أعز عليهم منك على هؤلاء فقال له: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم. قال: فتأذن لي أن أخرج من هذا البلد فلا آمن أن يحدث حدث وأنا لا أهلك نفسي، فخرج لليمامة وكتب عبد الله بن الحسن المثنى إلى زيد يعذله ويصده فلم يصغ إليه وتزوج نساء بالكوفة وكان يختلف إليهن والناس يبايعونه، ثم أمر
أصحابه يتجهزون. ونمى الخبر إلى يوسف بن عمر فطلبه وخاف فتعجل الخروج وكان يوسف بالحيرة وعلى الكوفة الحكم بن الصلت وعلى شرطته عمر بن عبد الرحمن من القاهرة ومعه عبيد الله بن عباس الكندي في ناس من أهل الشام. ولما علم الشيعة أن يوسف يبحث عن زيد جاء إليه جماعة منهم فقالوا: ما تقول في الشيخين؟
فقال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، وما سمعت أهل بيتي يذكرونهما إلا بخير. وغاية ما أقول أنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس فدفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك الكفر، وقد عدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة. قال: فإذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إن هؤلاء ظلموا المسلمين أجمعين فإنا ندعوهم إلى الكتاب والسنة وأن نحيي السنن ونطفئ البدع، فإن أجبتم سعدتم وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام الحق يعنون محمدا الباقر، وأن جعفرا ابنه إمامنا بعده، فسماهم زيد الرافضة ويقال إنما سماهم الرافضة حيث فارقوه ثم بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بأن يجمع أهل الكوفة في المسجد فجمعوا وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة فخرج منها ليلا واجتمع إليه ناس من الشيعة وأشعلوا النيران ونادوا يا منصور حتى طلع الفجر، وأصبح جعفر بن أبي العباس الكندي فلقى اثنين من أصحاب زيد يناديان بشعاره فقتل واحدا وأتى بالآخر إلى الحكم فقتله، وأغلق أبواب المسجد على الناس وبعث إلى يوسف بالخبر فسار من الحيرة وقدم الرياف بن سلمة الأراثيني في ألفين خيالة وثلاثمائة ماشية. وافتقد زيد الناس فقيل إنهم في الجامع محصورون، ولم يجد معه إلا مائتين وعشرين. وخرج صاحب الشرطة في خيله فلقي نصر بن خزيمة العبسي من أصحاب زيد ذاهبا إليه فحمل عليه نصر وأصحابه فقتلوه وحمل زيد على أهل الشام فهزمهم وانتهى إلى دار أنس بن عمر الأزدي ممن بايعه وناداه فلم يخرج إليه.
ثم سار زيد إلى الكناسة فحمل على أهل الشام فهزمهم ثم دخل الكوفة، والريات في اتباعه فلما رأى زيد خذلان الناس قال لنصر بن خزيمة: أفعلتموها حسينية؟ قال:
أما أنا فو الله لأموتن معك وإن الناس بالمسجد فامض بنا إليهم فجاء إلى المسجد ينادي بالناس بالخروج إليه فرماه أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد فانصرفوا عند المساء. وأرسل يوسف بن عمر من الغد العباس ابن سعد المزني في أهل الشام فجاءه في دار الزرق وقد كان أوى إليها عند المساء، فلقيه زيد بن ثابت فاقتتلوا فقتل نصر.
ثم حملوا على أصحاب العباس فهزمهم زيد وأصحابه وعبأهم يوسف بن عمر من العشي ثم سرحهم فكشفهم أصحاب زيد ولم يثبت خيلهم لخيله. وبعث إليهم يوسف بن عمر بالقادسية واشتد القتال وقتل معاوية بن زيد ثم رمي زيد عند المساء بسهم أثبته فرجع أصحابه وأهل الشام يظنون أنهم تحاجزوا ولما نزع النصل من جبهته مات فدفنوه وأجروا عليه الماء وأصبح الحكم يوم الجمعة يتبع الجرحى من الدور ودله بعض الموالي على قبر زيد فاستخرجه وقطع رأسه وبعث بها إلى يوسف بالحيرة، فبعثه إلى هشام فنصبه على باب دمشق وأمر يوسف الحكم أن يصلب زيدا بالكناسة ونصر ابن خزيمة ومعاوية بن إسحاق ويحرسهم فلما ولي الوليد أمر بإحراقهم واستجار يحيي ابن زيد بعبد الملك بن شبر بن مروان فأجاره حتى سكن المطلب ثم سار إلى خراسان في نفر من الزيدية.
** ظهور أبي مسلم بالدعوة العباسية **
كان أهل الدعوة العباسية بخراسان يكتمون أمرهم منذ بعث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دعاته إلى الآفاق سنة مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز، لما مر أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ذاهبا وجائيا من الشام من عند سليمان بن عبد الملك فمرض عنده بالحميمة من أعمال البلقاء وهلك هنالك وأوصى له بالأمر. وكان أبو هاشم قد علم شيعته بالعراق وخراسان وأن الأمر صائر في ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فلما مات أبو هاشم قصدت الشيعة محمدا وبايعوه سرا وبعث دعاته منهم إلى الآفاق وكان الذي بعث إلى العراق مسيرة بن والي خراسان محمد بن حبيش، وأما عكرمة السراج وهو أبو محمد الصادق وحيان العطار خال إبراهيم بن سلمة فجاءوا إلى خراسان ودعوا إليه سرا وأجابهم الناس وجاءوا بكتب من أجاب إلى مسيرة انتهى. فبعث بها إلى محمد واختار أبو محمد الصادق اثني عشر رجلا من أهل الدعوة فجعلهم نقباء عليهم وهم: سليمان بن كثير الخزاعي ولاهز بن قريط التميمي، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وأبو حمزة بن عمر ابن أعين مولى خزاعة وأخوه عيسى، وأبو علي شبلة بن طهمان الهروي مولى بني حنيفة. واختار بعده سبعين رجلا وكتب إليه محمد بن علي كتابا يكون لهم مثالا
يقتدون به في الدعوة، وأقاموا على ذلك ثم بعث مسيرة رسله من العراق سنة اثنتين ومائة في ولاية سعيد خدينة، وخلافة يزيد بن عبد الملك. وسعى بهم إلى سعيد فقالوا نحن تجار فضمنهم قوم من ربيعة واليمن فأطلقهم وولد محمد ابنه عبد الله السفاح سنة أربع ومائة، وجاء إليه أبو محمد الصادق في جماعة من دعاة خراسان فأخرجه لهم ابن خمسة عشر يوما قال: هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده، فقبلوا أطرافه وانصرفوا. ثم دخل معهم في الدعوة بكير بن هامان جاء من السند مع الجنيد بن عبد الرحمن فلما عزل قدم الكوفة ولقي أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بن حبيش وعمار العبادي خال الوليد الأزرق دعاه إلى خراسان في ولاية أسد القسري أيام هشام ووشى بهم إليه فقطع أيدي من ظفر به منهم وصلبه وأقبل عمار إلى بكير بن هامان فأخبره فكتب إلى محمد بن علي بذلك فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم وقد بقيت منكم قتلى ستعد. ثم كان أول من قدم محمد بن علي إلى خراسان أبو محمد زياد مولى همذان بعثه محمد بن علي سنة تسعة في ولاية أسد أيام هشام وقال له: انزل في اليمن وتلطف لمضر ونهاه عن الغالب النيسابورى شيعة بني فاطمة. فشتى زياد بمرو ثم سعى به إلى أسد فاعتذر بالتجارة، ثم عاد إلى أمره، فأحضره أسد وقتله في عشرة من أهل الكوفة ثم جاء بعدهم إلى خراسان رجل من أهل الكوفة اسمه كثير ونزل على أبي الشحم وأقام يدعو سنتين أو ثلاثة، ثم أخذ أسد بن عبد الله في ولايته الثانية سنة سبع عشرة. أخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريط بثلاثمائة سوط وشهد حسن ابن زيد الأزدي ببراءتهم فأطلقهم. ثم بعث بكير بن هامان سنة ثماني عشرة عمار بن زيد على شيعتهم بخراسان فنزل مرو وتسمى بخراش وأطاعه الناس. ثم نزل دعوتهم بدعوة الحزمية [1] فأباح النساء وقال: إن الصوم إنما هو عن ذكر الإمام وأشار إلى إخفاء اسمه والصلاة الدعاء له، والحج القصد إليه وكان خراش هذا نصرانيا بالكوفة وأتبعه على مقالته مالك بن الهيثم والحريش بن سليم. وظهر أسد على خبره وبلغ الخبر بذلك إلى محمد بن علي فنكر عليهم قبولهم من خراش وقطع مراسلتهم فقدم عليه ابن كثير منهم يستعلم خبره ويستعطفه على ما وقع منهم، وكتب معه إليهم كتابا مختوما لم يجدوا فيه غير البسملة، فعلموا مخالفة خراش لأمره وعظم
عليهم. ثم بعث محمد بن بكير بن بان وكتب معه بكذب خراش فلم يصدقوه فجاء إلى محمد وبعث معه عصيا مضبية بعضها بالحديد وبعضها بالنحاس ودفع إلى كل رجل عصا فعلموا أنهم قد خالفوا السيرة فتابوا ورجعوا وتوفي محمد بن علي سنة أربع وعشرين وعهد ابنه إبراهيم بالأمر وأوصى الدعاة بذلك، وكانوا يسمونه الإمام.
وجاء بكير بن هامان إلى خراسان بنعيه والدعاء لإبراهيم الإمام سنة ست وعشرين ومائة، ونزل مرو ودفع إلى الشيعة والنقباء كتابه بالوصية والسيرة فقبلوه، ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقاتهم فقدم بها بكير على إبراهيم. ثم بعث إليهم أبا مسلم سنة أربع وعشرين وقد اختلف في أوليته اختلافا كثيرا وفي سبب اتصاله بإبراهيم الإمام أو أبيه محمد فقيل: كان من ولد بزرجمهر، ولد بأصبهان وأوصى به أبوه إلى عيسى بن موسى السراج، فحمله إلى الكوفة ابن سبع سنين ونشأ بها واتصل بإبراهيم الإمام وكان اسم أبي مسلم إبراهيم بن عثمان بن بشار فسماه إبراهيم الإمام عبد الرحمن وزوجة أبيه أبي النجم عمران ابن إسماعيل من الشيعة فبنى بها بخراسان وزوج ابنته من محرز بن إبراهيم فلم يعقب.
وابنته أسماء من فهم بن محرز فأعقبت فاطمة وهي التي يذكرها الحزمية [1] .
وقيل في اتصاله بإبراهيم الإمام أن أبا مسلم كان مع موسى السراج وتعلم منه صناعة السروج وكان يتجهز فيها بأصبهان والجبال والجزيرة والموصل واتصل بعاصم بن يونس العجلي صاحب عيسى السراج وابني أخيه عيسى وإدريس ابني معقل، وإدريس هو جد أبي دلف ونمى إلى يوسف بن عمران العجلي من دعاة بني العباس فحبسهم مع عمال خالد القسري. وكان أبو مسلم معهم في السجن بخدمتهم وقبل منهم الدعوة وقيل لم يتصل بهم من عيسى السراج وإنما كان من ضياع بني العجلي بأصبهان أو الجبل. وتوجه سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريط وقحطبة بن شبيب من خراسان يريدون إبراهيم الإمام بمكة، فمروا بعاصم بن يونس وعيسى وإدريس ابني معقل العجلي بمكانهم من الحبس فرأوا معهم أبا مسلم فأعجبهم وأخذوه ولقوا إبراهيم الإمام بمكة فأعجبه فأخذه. وكان يخدمه ثم قدم النقباء بعد ذلك على إبراهيم الإمام يطلبون أن يوجه من قبله إلى خراسان فبعث معه أبا مسلم. فلما تمكن ونوى أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس وكان من أولية هذا الخبر أن
جارية لعبد الله بن العباس ولدت لغير رشدة [1] فحدها واستعبد وليدها وسماه سليطا فنشأ واختص بالوليد. وادعى أن عبد الله بن عباس أقر بأنه ابنه وأقام البينة على ذلك وخاصم علي بن عبد الله في الميراث وأذاه. وكان في صحابته عمر الدن من ولد أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها سليط بالخبر، فاستعدت الوليد على علي فأنكر وحلف، فنبشوا في البستان فوجدوه. فأمر الوليد بعلي فضرب ليدله على عمر الدن. ثم شفع فيه عباد بن زياد فأخرج إلى الحميمة. ولما ولي سليمان رده إلى دمشق وقيل: إن أبا مسلم كان عبدا للعجليين، وابن بكير بن هامان كان كاتبا لعمال بعض السند وقدم الكوفة فكان دعاة بني العباس فحبسوا وبكير معهم.
وكان العجليون في الحبس، وأبو مسلم العبسي بن معقل. فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه، واستحسن الغلام فاشتراه من عيسى بن معقل بأربعمائة درهم وبعث به إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى موسى السراج من الشيعة. فسمع منه وحفظ وصار يتردد إلى خراسان. وقيل كان لبعض أهل هراة وابتاعه منه إبراهيم الإمام، ومكث عنده سنين وكان يتردد بكتبه إلى خراسان ثم بعثه أميرا على الشيعة وكتب إليهم بالطاعة له، وإلى أبي سلمة الخلال داعيهم بالكوفة يأمره بإنفاذه إلى خراسان فنزل على سليمان بن كثير وكان من أمره ما يذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى. ثم جاء سليمان بن كثير ولاهز بن قريط وقحطبة إلى مكة سنة سبع وعشرين بعشرين ألف دينار للإمام إبراهيم ومائتي ألف درهم ومسك ومتاع كثير ومعهم أبو مسلم وقالوا: هذا مولاك وكتب بكير بن هامان إلى الإمام بأنه أوصى بأمر الشيعة بعده لأبي سلمة حفص بن سليمان الخلال وهو رضى فكتب إليه إبراهيم بالقيام بأمر أصحابه وكتب إلى أهل خراسان بذلك فقبلوه وصدقوه وبعثوا بخمس أموالهم ونفقة الشيعة للإمام إبراهيم. ثم بعث إبراهيم في سنة ثمان وعشرين مولاه أبا مسلم إلى خراسان وكتب له: إني قد أمرته بأمري فاسمعوا له وأطيعوا. وقد أمرته على خراسان وما غلبت عليه فارتابوا من قوله ووفدوا على إبراهيم الإمام من قابل مكة وذكر له أبو مسلم أنهم لم يقبلوه. فقال لهم: قد عرضت عليكم الأمر فأبيتم من قبوله، وكان عرضه على سليمان بن كثير ثم على إبراهيم بن مسلمة فأبوا. وإني قد أجمع رأيي على أبي مسلم وهو منا أهل البيت فاسمعوا له وأطيعوا. وقال لأبي مسلم: انزل في أهل
اليمن وأكرمهم. فإن بهم يتم الأمر وآتهم البيعة. وأما مضر فهم العدو والغريب، واقتل من شككت فيه وإن قدرت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل وارجع إلى سليمان بن كثير واكتف به مني وسرحه معهم فساروا إلى خراسان.
** وفاة هشام بن عبد الملك وبيعة الوليد بن يزيد **
توفي هشام بن عبد الملك بالرصافة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة لعشرين سنة من خلافته وولي بعده الوليد ابن أخيه يزيد بعهد يزيد بذلك كما مر، وكان الوليد متلاعبا وله مجون وشراب وندمان، وأراد هشام خلعه فلم يمكنه. وكان يضرب من يأخذه في صحبته، فخرج الوليد في ناس من خاصته ومواليه وخلف كاتبه عياض بن مسلم ليكاتبه بالأحوال فضربه هشام وحبسه. ولم يزل الوليد مقيما بالبرية حتى مات هشام، وجاءه مولى أبي محمد السفياني على البريد بكتاب سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل بالخبر فسأل عن كاتبه عياض فقال: لم يزل محبوسا حتى مات هشام، فأرسل إلى الحراق أن يحتفظوا بما في أيديهم حتى منعوا هشاما من شيء طلبه. ثم خرج بعد موته من الحبس وختم أبواب الخزائن ثم كتب الوليد من وقته إلى عمه العباس بن عبد الملك أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وخدمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كان يراجع أباه في الرفق بالوليد، فانتهى العباس لما أمر به الوليد. ثم استعمل الوليد العمال وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة فجاءته بيعتهم وكتب مروان ببيعته واستأذن في القدوم. ثم عقد الوليد من سنته لابنيه الحكم وعثمان بعده وجعلهما وليي عهده وكتب بذلك إلى العراق وخراسان.
** ولاية نصر للوليد على خراسان **
وكتب الوليد في سنته إلى نصر بن سيار بولاية خراسان وأفرده بها، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله فرد إليه الوليد خراسان. وكتب يوسف إلى نصر بالقدوم ويحمل معه الهدايا والأموال وعياله جميعا وكتب له الوليد بأن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة ويجمع له البراذين الغرة [1] ويجمع بذلك إليه في
وجوه أهل خراسان، واستحثه رسول يوسف فأجازه. ثم سار واستخلف على خراسان عصمة بن عبد الله الأسدي وعلى شاش موسى بن ورقاء وعلى سمرقند حسان بن [1] من أهل الصغانيان وعلى آمد مقاتل بن علي الصغدي. وأسر إليهم أن يداخلوا الترك في المسير إلى خراسان ليرجع إليهم وبينا هو في طريقه إلى العراق بيهق لقيه مولى لبني ليث، وأخبره بقتل الوليد والفتنة بالشام وأن منصور بن جمهور قدم العراق وهرب يوسف بن عمر فرجع بالناس.
** مقتل يحيى بن زياد **
كان يحيى بن زياد سار بعد قتل أبيه وسكون الطلب عنه كما مر فأقام عنه الحريش ابن عمر ومروان في بلخ ولما ولي الوليد كتب إلى نصر بأن يأخذه من عند الحريش فأحضر الحريش وطالبه بيحيى، فأنكر، فضربه ستمائة سوط، فجاء ابنه قريش ودله على يحيى فحبسه وكتب إلى الوليد فأمره أن يخلي سبيله وسبيل أصحابه فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد فسار وأقام بسرخس فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عياد يخرجه عنها فأخرجه إلى بيهق وخاف يحيى بن يوسف بن عمر فسار إلى نيسابور وبها عمر ابن زرارة، وكان مع يحيى سبعون رجلا ولقوا دواب وأدركهم الإعياء فأخذوها بالثمن. وكتب عمر بن زرارة بذلك إلى نصر فكتب إليه يأمره بحربهم، فحاربهم في عشرة آلاف فهزموه وقتلوه، ومروا بهراة فلم يعرضوا لها وسرح نصر بن سيار مسلم بن أحور المازني إليهم فلحقهم بالجوزجان فقاتلهم قتالا شديدا وأصيب يحيى بسهم في جبهته فمات. وقتل أصحابه جميعا وبعثوا برأسه إلى الوليد وصلب بالجوزجان. وكتب الوليد إلى يوسف بن عمر بأن يحرق شلو زيد، فأحرقه وذراه في الفرات ولم يزل يحيى مصلوبا بالجوزجان حتى استولى أبو مسلم على خراسان فدفنه ونظر في الديوان أسماء من حضر لقتله فمن كان حيا قتله ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء.
** مقتل خالد بن عبد الله القسري **
قد تقدم لنا ولاية يوسف بن عمر على العراق وأنه حبس خالدا أصحاب العراق
وخراسان قبله [1] فأقام بحبسه في الحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد ابن خالد والمنذر ابن أخيه أسد واستأذن هشاما في عذابه فأذن له على أنه إن هلك قتل يوسف به فعذبه. ثم أمر هشام بإطلاقه سنة إحدى وعشرين، فأتى إلى قرية بإزاء الرصافة فأقام بها، حتى خرج زيد وقتل وانقضى أمره، فسعى يوسف بخالد عند هشام بأنه الذي داخل زيدا في الخروج، فرد هشام سعايته ووبخ رسوله وقال:
لسنا نتهم خالدا في طاعة. وسار خالد إلى الصائفة وأنزل أهله دمشق وعليها كلثوم بن عياض القشيري، وكان يبغض خالدا. فظهر في دمشق حريق في ليال، فكتب كلثوم إلى هشام بأن موالي خالد يريدون الوثوب إلى بيت المال ويتطرقون إلى ذلك بالحريق كل ليلة في البلد. فكتب إليه هشام بحبس الكبير منهم والصغير والموالي فحبسهم. ثم ظهر على صاحب الحريق وأصحابه. وكتب بهم الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج ولم يذكر فيهم أحدا من آل خالد ومواليه فكتب هشام إلى كلثوم يوبخه ويأمره بإطلاق آل خالد وترك الموالي فشفع فيهم خالد عند مقدمه من الصائفة، فلما قدم دخل منزله وأذن للناس فاجتمعوا ببابه فوبخهم وقال: إن هشاما يسوقهن إلى الحبس كل يوم. ثم قال خرجت غازيا سامعا مطيعا فحبس أهلي مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين. ولم يغير ذلك أحد منكم، أخفتم القتل؟ أخافكم الله. والله ليكفن عني هشام أو لأعودن إلى عراقي الهوى شامي الدار حجازي الأصل يعني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وبلغ ذلك هشاما فقال: خرف أبو الهيثم. ثم تتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام بطلب يزيد بن خالد فأرسل إلى كلثوم بإنفاذه إليه فهرب يزيد فطلبه كلثوم من خالد وحبسه فيه فكتب إليه هشام بتخليته ووبخه انتهى.
ولما ولي الوليد بن يزيد استقدم خالدا وقال أين ابنك؟ قال: هرب من هشام وكنا نراه عندك حتى استخلفك الله فلم نره وطلبناه ببلاد قومه من الشراة فقال: ولكن خلفته طلبا للفتنة فقال: إنا أهل بيت طاعة. فقال: لتأتيني به أو لازهقن، نفسك فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه فأمر الوليد بضربه. ولما قدم يوسف بن عمر من العراق بالأموال اشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف فقال له الوليد: إن
يوسف يشتريك بكذا فاضمنها إلي قبل أن أدفعك إليه. فقال: ما عهدت العرب تباع! والله لو سألتني عودا ما ضمنته. فدفعه إلى يوسف فألبسه عباءة وحمله على غير وطاء وعذبه عذابا شديدا وهو لا يكلمه. ثم حمله إلى الكوفة فاشتد في عذابه ثم قتله ودفنه في عباءة يقال: إنه قتله بشيء وضعه على وجهه. وقيل وضع على رجليه الأعواد وقام عليها الرجال حتى تكسرت قدماه. وذلك في المحرم سنة ستة وعشرين ومائة.
** مقتل الوليد وبيعة يزيد **
ولما ولي الوليد لم يقلع عما كان عليه من الهوى والمجون. حتى نسب إليه في ذلك كثير من الشنائع مثل رمية المصحف بالسهام حين استفتح فوقع على قوله: وخاب كل جبار عنيد 14: 15 وينشدون له في ذلك بيتين تركتهما لشناعة مغزاهما [1] . ولقد ساءت القالة فيه كثيرا، وكثير من الناس نفوا ذلك عنه وقالوا: إنها من شناعات الأعداء الصقوها به. قال المدائني: دخل ابن الغمر بن يزيد على الرشيد فسأله: ممن أنت؟
فقال: من قريش. قال: من أيها؟ فوجم، فقال: قل وأنت آمن ولو أنك مروان فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد. فقال: رحم الله الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعا عليه، ارفع حوائجك فرفعها وقضاها. وقال شبيب بن شبة:
كنا جلوسا عند المهدي فذكر الوليد فقال المهدي: كان زنديقا فقام ابن علانة الفقيه [2] فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا لقد أخبرني عنه من كان يشهده في ملاعبة وشربه ويراه في طهارته وصلاته فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المصيبة المصبغة. ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظيفة فيلبسها ويشتغل بربه. أترى هذا فعل من لا يؤمن بالله؟ فقال المهدي: بارك الله عليك يا ابن علانة، وإنما كان الرجل محسودا في خلاله ومزاحما بكبار عشيرة بيته من بني عمومته مع لهو كان يصاحبه، أوجد لهم به السبيل على نفسه. وكان من خلاله قرض الشعر الوثيق ونظم الكلام
البليغ. قال يوما لهشام يعزيه في مسلمة أخيه: إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى، واختل الثغر فهوى. وعلى أثر من سلف، يمضي من خلف، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى. فأعرض هشام وسكت القوم.
واما حكاية مقتله فإنه لما تعرض له بنو عمه ونالوا من عرضه أخذ في مكافأتهم.
فضرب سليمان بن عمه هشام مائة سوط وحلقه وغربه إلى معان من أرض الشام، فحبسه إلى آخر دولته وحبس أخاه يزيد بن هشام، وفرق بين ابن الوليد وبين امرأته، وحبس عدة من ولد الوليد، فرموه بالفسق والكفر واستباحة نساء أبيه.
وخوفوا بني أمية منه بأنه اتخذ ميتة جامعة لهم [1] وطعنوا عليه في تولية ابنيه الحكم وعثمان العهد مع صغرهما. وكان أشدهم عليه في ذلك يزيد بن الوليد لأنه كان يتنسك فكان الناس إلى قوله أميل. ثم فسدت اليمامة عليه بما كان منه لخالد القسري. وقالوا: إنما حبسه ونكبه لامتناعه من بيعة ولديه. ثم فسدت عليه قضاعة وكان اليمن وقضاعة أكثر جند الشام. واستعظموا منه ما كان من بيعة خالد ليوسف ابن عمر، وصنعوا على لسان الوليد قصيدة معيرة اليمنية بشأن خالد. فازداد واختفى. وأتوا إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة. وشاور عمر بن زيد الحكمي فقال: شاور أخاك العباس وإلا فأظهر أنه قد بايعك، فإن الناس له أطوع. فشاور العباس فنهاه عن ذلك فلم ينته، ودعا الناس سرا وكان بالبادية. وبلغ الخبر مروان بأرمينية فكتب إلى سعيد بن عبد الملك يعظم عليه الأمر ويحذره الفتنة ويذكر له أمر يزيد، فأعظم ذلك سعيد وبعث بالكتاب إلى العباس فتهدد أخاه يزيد فكتمه فصدقه. ولما اجتمع ليزيد أمره أقبل إلى دمشق لأربع ليال متنكرا، معه سبعة نفر على الحمر. ودخل دمشق ليلا وقد بايع له أكثر أهلها سرا وأهل المزة.
وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج فاستوياها فنزل قطنا، واستخلف عليها ابنه محمدا وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي. ونمى الخبر إليهما فكذباه وتواعد يزيد مع أصحابه بعد المغرب بباب الفراديس. ثم دخلوا المسجد فصلوا العتمة، ولما قضوا الصلاة جاء حرس المسجد لإخراجهم فوثبوا عليهم، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فجاء به إلى المسجد في زهاء مائتين وخمسين، وطرقوا باب المقصورة فأدخلهم الخادم فأخذوا أبا العاج وهو سكران
وخزان [1] بيت المال. وبعث عن محمد بن عبد الملك فأخذه وأخذوا سلاحا كثيرا كان بالمسجد، وأصبح الناس من الغد من النواحي القريبة متسائلين للبيعة أهل المزة والسكاسك وأهل دارا وعيسى بن شيب الثعلبي في أهل درهة وحرستا، وحميد بن حبيب اللخمي في أهل دمرعران، وأهل حرش والحديثة ودرير كاوربعي بن هشام الحرثي في جماعة من عر وسلامان. ويعقوب بن عمير بن هانئ العبسي وجهينة ومواليهم. ثم بعث عبد الرحمن بن مصادي في مائتي فارس، فجاء بعبد الملك بن محمد بن الحجاج من قصره على الأمان. ثم جهز يزيد الجيش الى الوليد بمكانه من البادية مع عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ومنصور بن جمهور وقد كان الوليد لما بلغه الخبر بعث عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق فأقام بطريقة قليلا، ثم بايع ليزيد وأشار على الوليد أصحابه أن يلحق بحمص فيتحصن بها. قال له ذلك يزيد بن خالد بن يزيد، وخالفه عبد الله بن عنبسة وقال: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره وحرمه قبل أن يقاتل فسار إلى قصر النعمان ابن بشير، ومعه أربعون من ولد الضحاك وغيره. وجاء كتاب العباس بن الوليد بأنه قادم عليه، وقاتلهم عبد العزيز ومنصور بعد أن بعث إليهم زياد بن حصين الكلبي يدعوهم إلى الكتاب والسنة. فقتله أصحاب الوليد واشتد القتال بينهم وبعث عبد العزيز بن منصور بن جمهور لاعتراض العباس بن الوليد أن يأتي بالوليد، فجاء به كرها إلى عبد العزيز وأرسل الوليد إلى عبد العزيز بخمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي على أن ينصرف عنه فأبى. ثم قاتل قتالا شديدا حتى سمع النداء بقتله وسبه من جوانب الحومة، فدخل القصر فأغلق الباب وطلب الكلام من أعلى القصر، فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي فذكره بحرمة وفعله فيهم فقال ابن عنبسة: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، وإنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله. قال: حسبك الله يا أخا السكاسك! فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت. ثم رجع إلى الدار فجلس يقرأ في المصحف وقال: يوم كيوم عثمان فتسوروا عليه وأخذ يزيد بن عنبسة بيده يقيه لا يريد قتله، وإذا بمنصور بن جمهور في جماعة معه ضربوه واجتزوا رأسه فساروا به إلى يزيد فأمر بنصبه، فتلطف له يزيد بن فروة مولى
بني مرة في المنع من ذلك، وقال: هذا ابن عمك وخليفة وإنما تنصب رءوس الخوارج ولا آمن أن يتعصب له أهل بيته. فلم يجبه، وأطافه بدمشق على رمح ثم دفع إلى أخيه سليمان بن يزيد وكان معهم عليه وكان قتله آخر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين لسنتين وثلاثة أشهر من بيعته. ولما قتل خطب الناس يزيد فذمه وثلبه وأنه إنما قتله من أجل ذلك، ثم وعدهم بحسن الظفر والاقتصار عن النفقة في غير حاجاتهم وسد الثغور والعدل في العطاء والأرزاق ورفع الحجاب وإلا فلكم ما شئتم من الخلع.
وكان يسمى الناقص لأنه نقص الزيادة التي زادها الوليد في أعطيات الناس وهي عشرة عشرة. ورد العطاء كما كان أيام هشام وبايع لأخيه إبراهيم بالعهد ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك حمله على ذلك أصحابه القدرية لمرض طرقه [1] .
ولما قتل الوليد وكان قد حبس سليمان ابن عمه هشام بعمان، خرج سليمان من الحبس وأخذ ما كان هناك من الأموال ونقله إلى دمشق. ثم بلغ مقتله إلى حمص وأن العباس بن الوليد أعان على قتله فانتقضوا وهدموا دار العباس وسبوها، وطلبوه فلحق بأخيه يزيد. وكاتبوا الأجناد في الطلب بدم يزيد وأمروا عليهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك ومعاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وراسلهم يزيد فطردوا رسوله فبعث أخاه مسرورا في الجيش فنزل حوارين. ثم جاء سليمان بن هشام من [2] فرد عليه ما أخذ الوليد من أموالهم، وبعث على الجيش وأمر أخاه مسرورا بالطاعة. واعتزم أهل حمص على المسير إلى دمشق فقال لهم مروان: ليس من الرأي أن تتركوا خلفكم هذا الجيش وإنما نقاتله قبل، فيكون ما بعده أهون علينا. فقال لهم السميط بن ثابت [3] : إنما يريد خلافكم وإنما هواه مع يزيد والقدرية، فقتلوه وولوا عليهم محمدا السفياني وقصدوا دمشق، فاعترضهم ابن
هشام بغدرا [1] فقاتلهم قتالا شديدا وبعث يزيد عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك في ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب وهشام بن مضاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية. وبينما سالم يقاتلهم إذ أقبلت عساكر من ثنية العيقاب فانهزم أهل حمص، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري: الله الله على قومك يا سليمان. فكف الناس عنهم وبايعوا ليزيد. وأخذ أبا محمد السفياني ويزيد بن خالد ابن يزيد وبعثهما إلى يزيد فحبسهما أه. واستعمل على حمص معاوية بن يزيد بن الحصين وكان لما قتل الوليد وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه وتولى منهم سعيد وضبعان ابنا روح. وكان ولد سليمان ينزلون فلسطين فأحضروا يزيد بن سليمان وولوه عليهم. وبلغ ذلك أهل الأردن فولوا عليهم محمد بن عبد الملك. وبعث يزيد سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني على ثمانين ألفا، وبعث إلى ابني روح بالإحسان والولاية، فرجعا بأهل فلسطين. وقدم سليمان عسكرا من خمسة آلاف إلى طبرية فنهبوا القرى والضياع وخشي أهل طبرية على من وراءهم، فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، ونزلوا بمنازلهم، فافترقت جموع الأردن وفلسطين وسار سليمان بن هشام ولحقه أهل الأردن فبايعوا ليزيد وسار إلى طبرية والرملة وأخذ على أهلهما البيعة ليزيد وولى على فلسطين ضبعان بن روح وعلى الأردن إبراهيم بن الوليد.
** ولاية منصور بن جمهور على العراق ثم ولاية عبد الله بن عمر **
لما ولي يزيد استعمل منصور بن جمهور على العراق وخراسان ولم يكن من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحنقا على يوسف بقتله خالد القسري. ولما بلغ يوسف قتل الوليد ارتاب في أمره، وحبس اليمانية لما تجتمع المضرية عليه. فلم ير عندهم ما يحب فأطلق اليمانية. وأقبل منصور وكتب من عين البقر [2] إلى قواد الشام في الحيرة بأخذ يوسف وعماله، فأظهر يوسف الطاعة ولما قرب منصور
دخل دار عمر ابن محمد بن سعيد بن العاص ولحق منها بالشام سرا وبعث يزيد بن الوليد خمسين فارسا لتلقيه. فلما أحس بهم هرب واختفى، ووجد بين النساء فأخذوه وجاءوا به إلى يزيد فحبسه مع ابني الوليد، حتى قتلهم مولى ليزيد بن خالد القسري.
ولما دخل منصور بن جمهور الكوفة لأيام خلت من رجب أفاض العطاء وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج، واستعمل أخاه على الري وخراسان، فسار لذلك فامتنع نصر بن سيار من تسليم خراسان له. ثم عزل يزيد منصور بن جمهور لشهرين من ولايته، وولى على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال: سر إلى أهل العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك. فسار وانقاد له أهل الشام وسلم إليه منصور العمل، وانصرف إلى الشام وبعث عبد الله العمال على الجهات واستعمل عمر بن الغضبان بن القبعثرى على الشرطة وخراج السواد والمحاسبات وكتب إلى نصر بن سيار بعهده على خراسان.
** انتقاض أهل اليمامة **
ولما قتل الوليد كان علي بن المهاجر على اليمامة عاملا ليوسف بن عمر فجمع له المهير بن سليمان بن هلال من بني الدول بن خولة [1] . وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر فالتقوا وانهزم علي وقتل ناس من أصحابه، وهرب إلى المدينة وملك المهير اليمامة ثم مات. واستخلف عليها عبد الله بن النعمان من بني قيس بن ثعلبة. من الدؤل فبعث المندلب [2] بن إدريس الحنفي على الفلج قرية من قرى بني عامر بن صعصعة فجمع له بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني عمير فقتلوا المندلب وأكثر أصحابه. فجمع عبد الله ابن النعمان جموعا من حنيفة وغيرها وغزا الفلج وهزم بني عقيل وبني بشير وبني جعدة وقتل أكثرهم. ثم اجتمعوا ومعهم نمير فلقوا بعض حنيفة بالصحراء فقتلوهم وسلبوا نساءهم، ثم جمع عمر بن الوازع الحنفي الجموع وقال لست بدون عبد الله بن النعمان وهذه فترة من السلطان. وأغار وامتلأت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه وأقبلت بنو عامر والتقوا فانهزم بنو حنيفة ومات أكثرهم من العطش. ورجع بنو عامر بالأسرى والنساء ولحق عمر بن الوازع باليمامة ثم جمع
عبيد الله بن مسلم الحنفي جمعا وأغار على قشير وعكل فقتل منهم عشرين وسمى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على اليمامة من قبل أبيه حتى ولي العراق لمروان فتعرض المثنى لبني عامر وضرب عدة من بني حنيفة وحلقهم. ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفيا حتى قدم كسرى بن عبيد الله الهاشمي واليا على العامة لبني العباس ودل عليه فقتله.
** اختلاف أهل خراسان **
ولما قتل الوليد وقدم على نصر عهد خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز صاحب العراق، انتقض عليه جديع بن علي الكرماني وهو أزدي. وإنما سمى الكرماني لأنه ولد بكرمان وقال لأصحابه: هذه فتنة فانظروا لأموركم رجلا.
فقالوا له: أنت! وولوه. وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عزله عن الرئاسة بغيره فتباعد ما بينهما. وأكثر على نصر أصحابه في أمر الكرماني، فاعتزم على حبسه، وأرسل صاحب حرسه ليأتي به.
وأراد الأزد أن يخلصوه فأبى، وجاء إلى نصر يعدد عليه أياديه قبله من مراجعة يوسف بن عمر في قتله، والغرامة عنه، وتقديم ابنه للرئاسة. ثم قال: فبدلت ذلك بالإجماع على الفتنة، فأخذ يعتذر ويتنصل، وأصحاب نصر يتحاملون عليه مثل مسلم بن أحور وعصمة بن عبد الله الأسدي. ثم ضربه وحبسه آخر رمضان سنة ست وعشرين. ثم نقب السجن واجتمع له ثلاثة آلاف، وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على الكتاب والسنة. فلما جاء الكرماني قدمه عبد الملك ثم عسكر نصر على باب مروالروذ، واجتمع إليه الناس، وبعث سالم بن أحور في الجموع إلى الكرماني وسفر الناس بينهما على أن يؤمنه نصر ولا يحبسه. وأجاب نصر إلى ذلك وجاء الكرماني إليه وأمره بلزوم بيته. ثم بلغه عن نصر شيء فعاد إلى حاله، وكلموه فيه فأمنه، وجاء إليه وأعطى أصحابه عشرة عشرة. فلما عزل جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز خطب نصر قدام بن جمهور وأثنى على عبد الله، فغضب الكرماني لابن الجمهور وعاد لجمع المال واتخاذ السلاح. وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة ويصلي خارج المقصورة، ويدخل فيسلم ولا يحبس. ثم أظهر الخلاف وبعث إليه نصر سالم بن أحور فأفحش في
صرفه وسفر بينهما الناس في الصلح على أن يخرج الكرماني من خراسان وتجهز للخروج إلى جرجان.
** أمان الحرث بن شريح وخروجه من دار الحرث **
لما وقعت الفتنة بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر أن يستظهر الكرماني عليه بالحرث بن شريح، وكان مقيما ببلاد الترك منذ اثنتي عشرة سنة كما مر، فأرسل مقاتل بن حيان النبطي يراوده على الخروج من بلاد الترك، بخلاف ما يقتضي له الأمان من يزيد بن الوليد وبعث خالد بن زياد البدي الترمذي وخالد بن عمرة مولى بني عامر لاقتضاء الأمان له من يزيد، فكتب له الأمان وأمر نصرا أن يرد عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة أن يكتب لهما بذلك أيضا. ولما وصل إلى نصر بعث إلى الحرث بذلك فلقيه الرسول راجعا مع مقاتل بن حيان وأصحابه ووصل سنة سبع وعشرين في جمادى الأخيرة وأنزله نصر بمرو، ورد عليه ما أخذ له، وأجرى عليه كل يوم خمسين درهما وأطلق أهله وولده. وعرض عليه أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار فلم يقبل. وقال: لست من الدنيا واللذات في شيء، وإنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنة وبذلك أساعدك على عدوك، وإنما خرجت من البلاد منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور فكيف تزيدني عليه؟ وبعث إلى الكرماني: إن عمل نصر بالكتاب عضدته في أمر الله ولا أعتبك إن ضمنت لي القيام بالعدل والسنة. ثم دعا قبائل تميم فأجاب منهم ومن غيرهم كثير واجتمع إليه ثلاثة آلاف وأقام على ذلك.
** انتقاض مروان لما قتل الوليد **
كان مروان بن محمد بن مروان على أرمينية وكان على الجزيرة عبدة بن رياح العبادي. وكان الوليد قد بعث بالصائفة أخاه فبعث معه مروان ابنه عبد الملك. فلما انصرفوا من الصائفة لقيهم بجرزان حين مقتل الوليد، وسار عبدة عن الجزيرة.
فوثب عبد الملك بالجزيرة وجرزان فضبطهما، وكتب إلى أبيه بأرمينية يستحثه، فسار طالبا بدم الوليد بعد أن أرسل إلى الثغور من يضبطها. وكان معه ثابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين، وكان صاحب فتنة. وكان هشام قد حبسه على إفساد
الجند بإفريقية عند مقتل كلثوم بن عياض، وشفع فيه مروان فأطلقاه واتخذا عنده يدا. فلما سار من أرمينية داخل ثابت أهل الشام في العود إلى الشام من وجه الفرات واجتمع له الكبير من جند مروان وناهضه القتال. ثم غلبهم وانقادوا له وحبس ثابت بن نعيم وأولاده. ثم أطلقهم من حران إلى الشام وجمع نيفا وعشرين ألفا من الجزيرة ليسير بهم إلى يزيد، وكتب إليه يشترط ما كان عبد الملك ولى أباه محمدا من الجزيرة والموصل وأذربيجان، فأعطاه يزيد ولاية ذلك وبايع له مروان وانصرف.
** وفاة يزيد وبيعة أخيه إبراهيم **
ثم توفي يزيد آخر سنة ست وعشرين لخمسة أشهر من ولايته. ويقال إنه كان قدريا وبايعوا لأخيه إبراهيم من بعده، إلا أنه انتقض عليه الناس ولم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وأقام على ذلك نحوا من ثلاثة أشهر ثم خلعه مروان ابن محمد على ما يذكر وهلك سنة اثنتين وثلاثين [1] .
** مسير مروان إلى الشام **
ولما توفي يزيد وولي أخوه إبراهيم وكان مضعفا، انتقض عليه مروان لوقته، وسار إلى دمشق. فلما انتهى إلى قنسرين وكان عليها بشر بن الوليد عاملا لأخيه يزيد ومعه أخوهما مسرور، ودعاهم مروان إلى بيعته ومال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة، وخرج بشر للقاء مروان فلما تراءى الجمعان مال ابن هبيرة وقيس إلى مروان وأسلموا بشرا ومسرورا فأخذهما مروان وحبسهما، وسار بأهل قنسرين ومن معه إلى حمص، وكانوا امتنعوا من بيعة إبراهيم. فوظه إليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك في جند أهل دمشق. فكان يحاصرهم. فلما دخل مروان رحل عبد العزيز عنهم، وبايعوا مروان وخرج للقائه سليمان بن هشام في مائة وعشرين ألفا ومروان في ثمانين فدعاهم إلى الصلح وترك الطلب بدم الوليد على أن يطلقوا ابنيه الحكم وعثمان وليي عهده فأبوا وقاتلوه. وسرب عسكرا جاءوهم من خلفهم فانهزموا، وأثخن فيهم أهل حمص فقتلوا
منهم نحوا من سبعة عشر ألفا وأسروا مثلها. ورجع مروان بالفل وأخذ عليهم البيعة للحكم وعثمان ابني الوليد وحبس يزيد بن العقار والوليد بن مصاد الكلبيين فهلكا في حبسه. وكان ممن شهد قتل الوليد ابن الحجاج وهرب يزيد بن خالد القسري إلى دمشق فاجتمع له مع إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج وتشاوروا في قتل الحكم وعثمان، خشية أن يطلقهما مروان فيثأرا بأبيهما. وولوا ذلك يزيد بن خالد فبعث مولاه أبا الأسد فقتلهما وأخرج يوسف ابن عمر فقتله، واعتصم أبو محمد السفياني ببيت في الحبس فلم يطيقوا فتحة، وأعجلهم خيل مروان فدخل دمشق وأتى بأبي الوليد ويوسف بن عمر مقتولين فدفنهما، وأتى بأبي عمر السفياني في قيوده فسلم عليه بالخلافة وقال: إن ولي العهد جعلها لك. ثم بايعه وسمع الناس فبايعوه وكان أولهم بيعة معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وأهل حمص. ثم رجع مروان إلى خراسان واستأمن له إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام وقدما عليه، وكان قدوم سليمان من تدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا لمروان.
** انتقاض الناس على مروان **
ولما رجع إلى خراسان راسل ثابت بن نعيم من فلسطين أهل حمص في الخلاف على مروان فأجابوه وبعثوا إلى من كان بتدمر ممن طلب وجاء الأصبغ بن دؤالة الكلبي وأولاده، ومعاوية السكسكي فارس أهل الشام وغيرها في ألف من فرسانهم، ودخلوا حمص ليلة الفطر من سنة سبعة وعشرين وزحف مروان في العساكر من حران ومعه إبراهيم المخلوع وسليمان بن هشام، ونزل عليهم ثالث يوم الفطر، وقد سدوا أبوابهم فنادى مناديه: ما دعاكم إلى النكث؟ قالوا لم ننكث ونحن على الطاعة.
ودخل عمر الوضاح في ثلاثة آلاف فقاتله المحتشدون هنالك للخلاف وخرجوا من الباب الآخر وجفل مروان في اتباعهم وعلا الباب. فقتل منهم نحو خمسمائة وصلبهم وهدم من سورها علوه وأفلت الأصبغ بن دؤالة وابنه قرافصة. ثم بلغ مروان وهو بحمص خلاف أهل الغوطة وأنهم ولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحاصروا دمشق وأميرها زامل بن عمر، فبعث مروان إليهم ابا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحرث، وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف. فلما دنوا من دمشق حملوا عليهم، وخرج إليهم من كان بالمدينة فهزموهم وقتلوا يزيد بن خالد وبعثوا برأسه إلى مروان وأحرقوا المزة
وقرى البرامة. ثم خرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين وحاصر طبرية وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم. فبعث مروان إليه أبا الورد، فلما قرب منه خرج أهل طبرية عليه فهزموه ولقيه أبو الورد منهزما فهزمه أخرى، وافترق أصحابه وأسر ثلاثة من ولده وبعث بهم إلى مروان. وتغيب ثابت وولى مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز الكناني فظفر بثابت بعد شهرين وبعث به إلى مروان موثقا فقطعه وأولاده الثلاثة، وبعثهم إلى دمشق فصلبوه. ثم بايع لابنيه عبد الله وعبيد الله وزوجهما بنتي هشام، ثم سار إلى ترمذ [1] من دير أيوب وكانوا قد غوروا المياه فاستعمل المزاد والقرب والإبل وبعث وزيره الأبرش الكلبي إليهم وأجابوا إلى الطاعة. وهرب نفر منهم إلى البلد وهدم الأبرش سورها ورجع بمن أطاع إلى مروان ثم بعث مروان يزيد ابن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الشيباني الخارجي بالكوفة وأمده ببعوث أهل الشام ونزل قرقيسيا ليقدم ابن هبيرة لقتال الضحاك. وكان سليمان بن هشام قد استأذنه بالمقام في الرصافة أياما ويلحق به فرجعت طائفة عظيمة من أهل الشام الذين بعثهم مروان مع ابن هبيرة فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان بن هشام بالبيعة فأجاب، وسار معهم إلى قنسرين فعسكر بها، وكاتب أهل الشام فأتوه من كل وجه. وبلغ الخبر مروان فكتب إلى ابن هبيرة بالمقام ورجع من قرقيسيا إلى سليمان فقاتله فهزمه، واستباح معسكره وأثخن فيهم وقتل أسراهم، وقتل إبراهيم أكبر ولد سليمان وخالد بن هشام المخزومي جا [2] أبيه فيما ينيف على ثلاثين ألفا وهرب سليمان إلى حمص في الفل فعسكر بها وبنى ما كان تهدم من سورها. وسار مروان إليه فلما قرب منه بيته جماعة من أصحاب سليمان تبايعوا على الموت، وكان على احتراس وتعبية فترك القتال بالليل وكمنوا له في طريقه من الغد فقاتلهم إلى آخر النهار، وقتل منهم نحوا من ستمائة وجاءوا إلى سليمان فلحق بتدمر وخلف أخاه سعيدا بحمص وحاصره مروان عشرة أشهر ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا حتى استأمنوا
له وأمكنوه من سعيد بن هشام وآخرين شرطهم عليهم. ثم سار لقتال الضحاك الخارجي بالكوفة. وقيل إن سليمان بن هشام لما انهزم بقنسرين لحق بعبد الله ابن عمر بن عبد العزيز بالعراق، وسار معه إلى الضحاك فبايعوه وكان النصر بن سعيد قد ولي العراق، فلما اجتمعوا على قتاله سار نحو مروان فاعترضه بالقادسية جنود الضحاك من الكوفة مع ابن ملحان فقتله النضر. وولى الضحاك مكانه بالكوفة المثنى بن عمران وسار الضحاك إلى الموصل وأقبل ابن هبيرة إلى الكوفة فنزل بعيد التمر [1] وسار إليه المثنى فهزمه ابن هبيرة وقتله وعدة من قواد الضحاك. وانهزم الخوارج ومعهم منصور بن جمهور ثم جاءوا إلى الكوفة واحتشدوا وساروا للقاء ابن هبيرة فهزمهم ثانية، ودخل الكوفة وسار إلى واسط وأرسل الضحاك عبيدة بن سوار الثعلبي لقتاله، فنزل الصراة وقاتله ابن هبيرة هنالك فانهزمت الخوارج كما يأتي في أخبارهم.
** ظهور عبد الله بن معاوية **
كان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الكوفة في إخوانه وولده، فأكرمهم عبد الله وأجرى عليهم ثلاثمائة درهم في كل يوم وأقاموا كذلك. ولما بويع إبراهيم بن الوليد بعد أخيه واضطرب الشام وسار مروان إلى دمشق، حبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاد في رزقه بعده لمروان يبايعه ويقاتله [2] . فلما ظفر مروان بإبراهيم سار إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة وقاتله عبد الله بن عمر ثم خاف إسماعيل أن يفتضح فكفوا خبرهم فوقعت العصبية بين الناس من إيثار عبد الله بن عمر بعضا من مضر وربيعة بالعطاء دون غيرهم، فثارت
ربيعة فبعث إليهم أخاه عاصما ملقيا بيده فاستحيوا ورجعوا وأفاض [1] في رءوس الناس يستميلهم. فاستنفر الناس واجتمعت الشيعة إلى عبد الله بن معاوية فبايعوه وأدخلوه قصر الكوفة وأخرجوا منه عاصم بن عمر فلحق بأخيه بالحيرة وبايع الكوفيون ابن معاوية ومنهم منصور بن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وعمر بن العطاء، وجاءته البيعة من المدائن وجمع الناس وخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة، فسرح للقائه مولاه. ثم خرج في أثره وتلاقيا ونزع منصور بن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وعمر بن العطاء. وجاءته البيعة من ابن عمر ولحقوا بالحيرة وانهزم ابن معاوية إلى الكوفة. وكان عمر بن الغضبان قد حمل على ميمنة ابن عمر فكشفها وانهزم أصحابه من ورائه، فرجع إلى الكوفة وأقام مع ابن معاوية في القصر، ومعهم ربيعة والزيدية على أفواه السكك يقاتلون ابن عمر. ثم أخذ ربيعة الأمان لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية، وسار ابن معاوية إلى المدائن وتبعه قوم من أهل الكوفة فتغلب بهم على حلوان والجبل وهمذان وأصبهان والري إلى أن كان من خبره ما نذكره.
** غلبة الكرماني على مرو وقتله الحرث بن شريح **
لما ولي مروان وولى على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة كتب يزيد إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد فارتاب الحرث وقال: ليس لي أمان من مروان وخرج فعسكر وطلب من نصر أن يجعل الأمر شورى فأبى، وقرأ جهم بن صفوان مولى راسب وهو رأس الجهمية سيرته وما يدعو إليه على الناس، فرضوا وكثر جمعه. وأرسل إلى نصر في عزل سالم بن أحور عن الشرطة، وتغيير العمال.
فتقرر الأمر بينهما على أن يردوا ذلك إلى رجال أربعة: مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان بتعيين نصر والمغيرة بن شعبة الجهضمي [2] ومعاذ بن جبلة بتعيين الحرث.
وأمر نصر أن يكتب بولاية سمرقند وطخارستان لمن يرضاه هؤلاء الأربعة. وكان الحرث يقول إنه صاحب السور وإنه يهدم سور دمشق ويزيل ملك بني أمية فأرسل إليه نصر: إن كان ما تقوله حقا فتعال نسير إلى دمشق، وإلا فقد أهلكت عشيرتك.
فقال الحرث: هو حق لكن لا تبايعني عليه أصحابي. قال: فكيف تهلك عشرين ألفا من ربيعة واليمن؟ ثم عرض عليه ولاية ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل.
فقال له: فابدأ بالكرماني فأقتله وأنا في طاعتك. ثم اتفقا على تحكيم جهم ومقاتل، فاحتكما بأن يعزله نصر ويكون الأمر شورى. فأتى نصر فخالفه الحرث، وقدم على نصر جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة منهم عاصم بن عمير الضريمي وأبو الديال الناجي ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم، فكانوا معه وأمر الحرث أن يقرأ سيرته في الأسواق والمساجد، وأتاه الناس وقرئت على باب نصر.
فضرب غلمان نصر قارئها فنادى بهم وتجهزوا للحرب. ونقب الحرث سور مرو من الليل ودخل بالنهار فاقتتلوا وقتل جهم بن مسعود الناجي وأعين مولى حيان ونهبوا منزل مسلم بن أحور، فركب سالم حين أصبح فقاتل الحرث وهزمه، وجاء إلى عسكره فقتل كاتبه وبعث نصر إلى الكرماني وكان في الأزد وربيعة وكان موافقا للحرث لما قدمناه، فجاءه نصر على الأمان وحادثهم وأغلظوا له في القول فارتاب ومضى، وقتل من أصحابه جهم بن صفوان. ثم بعث الحرث ابنه حاتما إلى الكرماني يستجيشه فقال له أصحابه: دع عدويك يضطربان، ثم ضرب بعد يومين وناوش القتال أصحاب نصر فهزمهم، وصرع تميم بن نصر ومسلم بن أحور وخرج نصر من مرو من الغد فقاتلهم ثلاثة أيام وانهزم الكرماني وأصحابه ونادى مناد يا معشر ربيعة واليمن إن أبا سيار قتل فانهزمت مضر ونصر وترجل ابنه تميم فقاتل وأرسل إليه الحرث إني كاف عنك فإن اليمانية يعيرونني بانهزامكم، فاجعل أصحابك إزاء الكرماني، ولما انهزم نصر غلب الكرماني على مرو ونهب الأموال فأنكر ذلك عليه الحرث، ثم اعتزل عن الحرث بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال: إنما كنا نقاتل معك طلبا للعدل، فأما إن اتبعت الكرماني للعصبية فنحن لا نقاتل فدعا الحرث الكرماني إلى الشورى فأبى، فانتقل الحرث عنه وأقاموا أياما. ثم ثلم الحرث السور ودخل البلد وقاتله الكرماني قتالا شديدا فهزمه وقتله وأخاه سوادة. واستولى الكرماني على مرو وقيل إن الكرماني خرج مع الحرث لقتال
بشر بن جرموز ثم ندم الحرث على اتباع الكرماني وأتى عسكر بشر فأقام معهم وبعث إلى مضر من عسكر الكرماني فساروا إليهم وكانوا يقتتلون كل يوم ويرجعون إلى خنادقهم ثم نقب الحرث بعد أيام سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني واقتتلوا فقتل الحرث وأخاه وبشر بن جرموز وجماعة من بني تميم وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة فانهزم الباقون وصفت مرو لليمن وهدموا دور المضرية.
** ظهور الدعوة العباسية بخراسان **
قد ذكرنا أن أبا مسلم كان يتردد إلى الإمام من خراسان ثم استدعاه سنة تسعة وعشرين ليسأله عن الناس فسار في سبعين من النقباء مؤدين بالحج ومر بنسا فاستدعى أسيدا فأخبره بأن كتب الإمام جاءت إليه مع الأزهر بن شعيب وعبد المالك بن سعيد، ودفع إليه الكتب ثم لقيه بقومس كتاب الإمام إليه وإلى سليمان بن كثير إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث يلقاك كتابي ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال والعروض وجاء أبو مسلم إلى مرو وأعطى كتاب الإمام لسليمان بن كثير وفيه الأمر بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت ودعوا إلى طاعة بني العباس وكتبوا إلى الدعاة بإظهار الأمر، وترك أبو مسلم بقرية من قرى مرو في شعبان من سنة تسع وعشرين ثم بثوا الدعاة في طخارستان ومروالرود والطالقان وخوارزم، وأنهم إن أعجلهم عدوهم دون الوقت عاجلوه وجردوا السيوف للجهاد، ومن شغله العدو عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعد الوقت. ثم سار أبو مسلم فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي آخر رمضان ونصر بن سيار يقاتل الكرماني وشيبان فعقد اللواء الذي بعث به الإمام إليه وكان يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا. ثم عقد الراية التي بعثها معه وتسمى السحاب وهو يتلو: أذن للذين يقاتلون 22: 39 الآية. ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وأخوه سليمان ومواليه ومن أجاب الدعوة من أهل تلك القرى وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم في خرقان فأصبحوا عنده ثم قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح في سبعمائة راجل. وقدم من الدعاة أبو العباس المروزي وحصن أبو مسلم بسفيدنج ورمها وحضر عيد الفطر، فصلى سليمان بن كثير وخطب على المنبر في العسكر وبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة. وكبر في الأولى ست تكبيرات وفي الثانية خمسا خلاف ما كان بنو أمية
يفعلون. وكل ذلك مما سنه لهم الإمام وأبوه. ثم انصرفوا من الصلاة مع الشيعة فطمعوا وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب نصر بن سيار يبدأ باسمه فلما قوى بمن اجتمع إليه كتب إلى نصر وبدأ بنفسه وقال: (أما بعد) فإن الله تباركت أسماؤه عير قوما في القرآن فقال: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير 35: 42 (إلى) ولن تجد لسنت الله تحويلا 35: 43 فاستعظم الكتاب وبعث مولاه يزيد لمحاربة أبي مسلم لثمانية عشر شهرا من ظهوره فبعث إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي فدعاه إلى الرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستكبروا فقاتلهم مالك وهو في مائتين يوما بكماله.
وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي وإبراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فسرحهم إلى مالك فقوي مالك بهم، وقاتلوا القوم فحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر فأسره، وانهزم أصحابه وأرسله الطائي إلى أبي مسلم ومعه رءوس القتلى فأحسن أبو مسلم إلى يزيد وعالجه، ولما اندملت جراحة قال: إن شئت أقمت عندنا وإلا رجعت إلى مولاك سالما بعد أن تعاهدنا على أن لا تحاربنا ولا تكذب علينا فرجع إلى مولاه. وتفرس نصر أنه عاهدهم فقال: والله هو ما ظننت وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم وأنهم الله يصلون الصلاة لوقتها بأذان وإقامة ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحسب أمرهم إلا سيعلو ولولا أنك مولاي لأقمت عندهم. وكان الناس يرجفون عنهم بعبادة الأوثان واستحلال الحرام. ثم غلب حازم بن خزيمة على مروالروذ وقتل عامل نصر بها وكان من بني تميم من الشيعة وأراد بنو تميم منعه فقال: أنا منكم فإن ظفرت فهي لكم وإن قتلت كفيتم أمري فنزل قرية زاها. ثم تغلب على أهلها فقتل بشر بن جعفر السغدي عامل نصر عليها أوائل ذي القعدة، وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن حازم. وقيل في أمر أبي مسلم غير هذا وأن إبراهيم الإمام أزوج أبا مسلم لما بعثه خراسان بابنه أبي النجم وكتب إلى النقباء بطاعته. وكان أبو مسلم من سواد الكوفة فهزما فانتهى [1] لإدريس بن معقل العجلي ثم سار إلى ولاية محمد بن علي، ثم ابنه إبراهيم، ثم للأئمة من ولاية [2] من ولده وقدم خراسان وهو حديث
السن واستصغره سليمان بن كثير فرده وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا وراء النهر، فلما جاء إلى مرو أقرأه كتاب الإمام وسألهم عن أبي مسلم فأخبروه أن سليمان بن كثير رده لحداثة سنه وأنه لا يقدر على الأمر، فنخاف على أنفسنا وعلى من يدعوه فقال لهم أبو داود: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جميع خلقه، وأنزل عليه كتابه بشرائعه وأنبأه بما كان وما يكون وخلف علمه رحمة لأمته وعمله إنما هو عند عترته وأهل بيته وهم معدن العلم وورثة الرسول فيما علمه الله أتشكون في شيء من ذلك؟ قالوا: لا. قال: فقد شككتم والرجل لم يبعثه إليكم حتى علم أهليته لما يقوم به فبعثوا عن أبي مسلم وردوه من قومس بقول أبي داود وولوه أمرهم وأطاعوه ولم تزل في نفس أبي مسلم من سليمان بن كثير. ثم بعث الدعاة ودخل الناس في الدعوة أفواجا واستدعاه الإمام سنة تسع وعشرين أن يوافيه بالمرسوم ليأمره في إظهار الدعوة وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويحمل ما اجتمع عنده من الأموال فسار في جماعة من النقباء والشيعة فلقيه كتاب الإمام بقومس يأمره بالرجوع وإظهار الدعوة بخراسان، وبعث قحطبة بالمال وأن قحطبة سار إلى جرجان. واستدعى خالد بن برمك وأبا عون فقدما بما عندهما من مال الشيعة فسار به نحو الإمام.
** مقتل الكرماني **
قد ذكرنا من قبل أن الكرماني قتل الحرث بن شريح فخلصت له مرو وتنحى نصر عنها ثم بعث نصر سالم بن أحور في رابطته وفرسانه إلى مرو فوجد يحيي بن نعيم الشيباني في ألف رجل من ربيعة ومحمد بن المثنى في سبعمائة من الأزد وأبو الحسن ابن الشيخ في ألف منهم والحربي السغدي [1] في ألف من اليمن. فتلاحى سالم وابن المثنى وشتم سالم الكرماني فقاتلوه فهزموه وقتل من أصحابه نحو مائة. فبعث نصر بعده عصمة بن عبد الله الأسدي فكان بينهم مثل ما كان أولا، فقاتلهم محمد السغدي، فانهزم السغدي وقتل من أصحابه أربعمائة. ورجع إلى نصر فبعث مالك بن عمر التميمي فاقتتلوا كذلك وانهزم مالك وقتل من أصحابه سبعمائة ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة. ولما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنه لا مدد لهم جعل يكتب إلى شيبان الخارجي يذم اليمانية تارة ومضر أخرى ويوصي
الرسول بكتاب مضر أن يتعرض لليمانية ليقرؤا ذم مضر والرسول بكتاب اليمانية أن يتعرض لمضر ليقرؤا ذم اليمانية حتى صار هوى الفريقين معه ثم كتب إلى نصر بن سيار والكرماني: أن الإمام أوصاني بكم ولا أعد ورأيه فيكم. ثم كتب يستدعي الشيعة أسد بن عبد الله الخزاعي بنسا ومقاتل بن حكيم بن غزوان وكانوا أول من سود ونادوا يا محمد يا منصور! ثم سود أهل أبي ورد ومروالروذ وقرى مرو فاستدعاهم أبو مسلم وأقبل فنزل بين خندق الكرماني وخندق نصر وهابه الفريقان وبعث إلى الكرماني إني معك وقبل فانضم أبو مسلم إليه، وكتب نصر بن سيار إلى الكرماني يحذره منه ويشير عليه بدخول مرو ليصالحه فدخل ثم خرج من الغد، وأرسل إلى نصر في إتمام الصلح في مائتي فارس، فرأى نصر فيه غرة فبعث إليه ثلاثمائة فارس فقتلوه. وسار ابنه إلى أبي مسلم وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة إلى بعض الدور. ودخل أبو مسلم مرو فبايعه علي بن الكرماني، وقال له أبو مسلم أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. وكان نصر حين نزل أبو مسلم بين خندقه وخندق الكرماني ورأى قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه بخروجه وكثرة من معه ودعائه لإبراهيم بن محمد:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكو ... وإن الحرب أولها الكلام
فإن لم تطفئوها يخرجوها ... مسجرة يشيب لها الغلام
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن يك قومنا أضحوا نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام
تعزي عن رجالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام.
فوجده مشتغلا بحرب الضحاك بن قيس فكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فاحثهم التلول قبلك. فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده.
وصادف وصول كتاب نصر إلى مروان عثورهم على كتاب من إبراهيم الإمام لابي مسلم يوبخه حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكنته ويأمره أن لا يدع بخراسان متكلما بالعربية. فلما قرأ الكتاب بعث إلى عامله بالبلقاء أن يسير إلى الحيسة [1] فيبعث إليه بإبراهيم بن محمد مشدود الوثاق فحبسه مروان.
** اجتماع أهل خراسان على قتل أبي مسلم **
لما أظهر أبو مسلم أمره سارع إليه الناس، وكان أهل مرو يأتونه ولا يمنعهم نصر، وكان الكرماني وشيبان الخارجي لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع مروان وكان أبو مسلم ليس له حرس ولا حجاب ولا غلظة الملك، فكان الناس يأنسون به لذلك، وأرسل نصر إلى شيبان الخارجي في الصلح ليتفرغ لقتال أبي مسلم، إما أن يكون معه أو يكف عنه، ثم نعود إلى ما كنا فيه فهم شيبان بذلك، وكتب أبو مسلم إلى الكرماني فحرضه على منع شيبان من ذلك فدخل عليه وثناه عنه ثم بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة فملكها وطرد عنها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي عامل نصر. فجاء يحيي بن نعيم بن هبيرة الشيباني إلى الكرماني وشيبان وأغراهما بمصالحة نصر وقال: إن صالحتم نصرا قاتله أبو مسلم وترككم لأن أمر خراسان لمضر وإن لم تصالحوه صالحه وقاتلكم فقدموا نصر قبلكم. فأرسل شيبان إلى نصر في الموادعة فأجلب وجاء مسلم بن أحور بكتب الموادعة فكتبوها وبعث أبو مسلم إلى شيبان في موادعة ثلاثة أشهر فقال ابن الكرماني إذا ما صالحت نصرا إنما صالحه شيبان وأنا موتور بأبي ثم عاود القتال وقعد شيبان عن نصره وقال: لا يحل الغدر فاستنصر ابن الكرماني بأبي مسلم فأقبل حتى نزل الماخران لاثنتين وأربعين يوما من نزوله يسفيدنج وخندق على معسكره وجعل له بابين وعلى شرطته مالك بن الهيثم وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند أبا صالح كامل بن المظفر وعلى الرسائل أسلم بن صبيح وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب وكان القاسم يصلي بأبي مسلم ويقرأ القصص بعد العصر فيذكر فضل بني هاشم وسالف بني أمية ولما نزل أبو مسلم الماخران أرسل إلى ابن الكرماني بأنه معه فطلب لقاءه فجاءه أبو مسلم وأقام عنده يومين ثم رجع وذلك أول المحرم سنة ثلاثين [1] ثم عرض الجند وأمر كامل ابن مظفر بكتب أسمائهم وأنسابهم في دفتر فبلغت عدته سبعة آلاف ثم إن القبائل من ربيعة ومضر واليمن توادعوا على وضع الحرب والاجتماع على قتال أبي مسلم فعظم ذلك عليه وتحول عن الماخران لأربعة أشهر من نزولها لأنها كانت
تحت الماء وخشي أن يقطع فتحول إلى طبسين وخندق بها، وخندق نصر بن سيار على نهر عياض وأنزل عماله بالبلاد، فأنزل أبا الديال في جنده لطوسان فآذوا أهلها وعسفوهم وكان أكثرهم مع أبي مسلم في خندق فسير إليهم جندا فقاتلوه فهزموه وأسروا من أصحابه ثلاثين، فأطلقهم أبو مسلم ثم بعث محرز بن إبراهيم في جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مروالروذ وبلخ وطخارستان فخندق بين نصر وبين هذه البلاد، واجتمع إليه ألف رجل وقطع المادة عن نصر.
** مقتل عبد الله بن معاوية **
قد تقدم لنا أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بويع بالكوفة وغلبه عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ولحق بالمدائن وجاءه ناس من أهل الكوفة وغيرها فسار إلى الجبال وغلب عليها وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري وأقام بأصبهان وكان محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس فجاء إلى دار الإمارة بإصطخر وطرد عامل عبد الله بن عمر عنها، وبايع الناس لعبد الله بن معاوية. ثم سار إلى كرمان فأغار عليها وانضم إليه قواد من أهل الشام فسار إلى سالم بن المسيب عامل عبد الله ابن عمر على شيراز فقتله سنة ثمان وعشرين. ثم سار محارب إلى أصبهان وحول عبد الله ابن معاوية إلى إصطخر بعد أن استعمل على الجبال أخاه الحسن بن معاوية، وأتى إلى إصطخر فنزل بها وأتاه بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال وبعث العمال. وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام، وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي ثم أتاه أبو جعفر المنصور وعبد الله ابن أخيه عيسى. ولما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي على الأهواز وأن يقاتل عبد الله بن معاوية، وبلغ سليمان بن حبيب وهو بالأهواز فسرح داود بن حاتم للقاء نباتة، وهرب سليمان من الأهواز إلى نيسابور وقد غلب الأكراد عليها فطردهم عنها، وبايع لابن معاوية، فبعث أخاه يزيد بن معاوية عليها. ثم إن محارب بن موسى فارق عبد الله بن معاوية وجمع، وقصد نيسابور فقاتله يزيد بن معاوية وهزمه، فأتى كرمان وأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه ثم نافره، فقتله ابن الأشعث وأربعة وعشرين ابنا له. ثم بعث يزيد بن هبيرة بعد نباتة بن حنظلة ابنه داود ابن يزيد في العساكر إلى عبد الله بن معاوية، وعلى مقدمته داود بن ضبارة. وبعث
معن بن زائدة من وجه آخر، فقاتلوا عبد الله بن معاوية وهزموه وأسروا وقتلوا، وهرب منصور بن جمهور إلى السند وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر، وبعثوا بالأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم ومضى ابن معاوية عن فارس إلى خراسان. وسار معن بن زائدة في طلب منصور بن جمهور وكان فيمن أسر مع عبد الله بن معاوية عبد الله بن علي بن عبد الله ابن عباس، شفع فيه حرب ابن قطن من أخواله بني هلال، فوهبه له ضبارة وغاب عبد الله بن معاوية عن ابن ضبارة، ورمى أصحابه باللواطة، فبعث إلى ابن هبيرة ليخبره، وسار ابن ضبارة في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحاصره بها حتى خرج منها هاربا ومعه أخوه الحسن ويزيد وجماعة من أصحابه، فسلك المفازة على كرمان إلى خراسان طمعا في أبي مسلم لأنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد، وقد استولى على خراسان فوصل إلى نواحي هراة وعليها مالك فقال له:
انتسب نعرفك. فانتسب له فقال: أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل الرسول وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم. قال: إن جدي كان عند معاوية حين ولد أبي فبعث إليه مائة ألف على أن يسمي ابنه باسمه فقال: لقد اشتريتم الأسماء الخبيثة بالثمن اليسير [1] فلا نرى لك حقا فيما تدعو إليه ثم بعث بخبره إلى أبي مسلم فأمره بالقبض عليه وعلى من معه فحبسهم. ثم كتب إليه بإطلاق أخويه الحسن ويزيد وقتل عبد الله فوضع الفراش على وجهه فمات [2] .
لما تعاقد نصروا ابن الكرماني وقبائل ربيعة واليمن ومضر على قتال أبي مسلم عظم على الشيعة، وجمع أبو مسلم أصحابه ودس سليمان بن كثير إلى ابن الكرماني يذكره بثأر أبيه من نصر فانتقضوا، فبعث نصر إلى أبي مسلم بموافقة مضر وبعث إليه أصحاب ابن الكرماني وهم ربيعة واليمن بمثل ذلك. واستدعى وفد الفريقين ليختار الركون إلى أحدهما وأحضر الشيعة لذلك وأخبرهم بأن مضر أصحاب مروان وعماله وشيعته وقبله [3] يحيى بن زيد. فلما حضر الوفد تكلم سليمان بن كثير، ويزيد بن شقيق
السلمي بمثل ذلك وبأن نصر بن سيار عامل مروان ويسميه أمير المؤمنين وينفذ أوامره فليس على هدى، وإنما يختار علي بن الكرماني وأصحابه ووافق السبعون من الشيعة على ذلك وانصرف الوفد ورجع أبو مسلم من أبين إلى الماخران وأمر الشيعة ببناء المساكن وأمن من فتنة العرب ثم أرسل إليه علي بن الكرماني أن يدخل مرو من ناحيته ليدخل هو وقومه من الناحية الأخرى، فلم يطمئن لذلك أبو مسلم وقال:
ناشبهم الحرب من قبل فناشب ابن الكرماني نصر بن سيار الحرب ودخل مرو من ناحيته وبعث أبو مسلم بعض النقباء. فدخل معه ثم سار وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع. فدخل مرو والفريقان يقتتلان، ومضى إلى قصر الإمارة وهو يتلو: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها 28: 15. وأمر الفريقين بالانصراف فانصرفوا إلى معسكرهم وصفت له مرو، وأمر بأخذ البيعة من الجند، وتولى أخذها أبو منصور طلحة بن زريق أحد النقباء الذين اختارهم محمد بن علي من الشيعة حين بعث دعاته إلى خراسان سنة ثلاث وأربع، وكانوا اثني عشر رجلا. فمن خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وعمر بن أعين. ومن طيئ قحطبة بن شبيب بن خالد سعدان. ومن تميم أبو عيينة موسى بن كعب ولاهز ابن قريط والقاسم بن مجاشع وأسلم بن سلام ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم الشيباني وأبو علي الهروي، ويقال شبل بن طهمان وكان عمر بن أعين مكان موسى بن كعب وأبو النجم إسماعيل بن عمران مكان أبي علي الهروي وهو ختن أبي مسلم. ولم يكن أحد من النقباء ووالده غير أبي منصور طلحة بن زريق بن سعد وهو أبو زينب الخزاعي، وكان قد شهد حرب ابن الأشعث وصحب المهلب وغزا معه. وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور. وكان نص البيعة: أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق، والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى أن لا تسألوا رزقا ولا طمعا حتى تبدأكم به ولاتكم، وذلك سنة ثلاثين ومائة. ثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريط في جماعة إلى نصر بن سيار يدعو إلى البيعة، وعلم نصر أن أمره قد استقام ولا طاقة له بأصحابه، فوعده بأنه يأتيه يبايعه من الغد، وأرسل أصحابه بالخروج من ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه. فقال
أسلم بن أحوز لا يتهيأ لنا الليلة. فلما أصبح [1] أبو مسلم كتابه وأعاد لاهز بن قريط إلى نصر يستحثه فأجاب وأقام لوضوئه، فقال لاهز: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فخرج نصر عند المساء من خلف حجرته ومعه ابنه تميم والحكم بن غيلة النميري وامرأته المرزبانة وانطلقوا هرابا. واستبطأه لاهز فدخل المنزل فلم يجده وبلغ أبا مسلم هربه فجاء إلى معسكره وقبض على أصحابه منهم سالم ابن أحوز صاحب شرطته والبحتري كاتبه، وابنان له ويونس بن عبد ربه ومحمد ابن قطن وغيرهم. وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلبه ليلتهما فأدركا امرأته قد خلفها وسار فرجعوا إلى مرو. وبلغ نصر من سرخس فأقام بطوس خمس عشرة ليلة. ثم جاء نيسابور فأقام بها وتعاقد ابن الكرماني مع أبي مسلم على رأيه. ثم بعث إلى شيبان الحروري يدعوه إلى البيعة فقال شيبان: بل أنت تبايعني [2] واستنصر بابن الكرماني فأبى عليه، وسار شيبان إلى سرخس واجتمع له جمع من بكر بن وائل وبعث إليه أبو مسلم في الكف فسجن الرسل. فكتب إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث المكنى بأبي ورد أن يسير إليه فقاتله وقتله وقتل بكر بن وائل الرسل الذين كانوا عنده. وقيل إن أبا مسلم إنما وجه إلى شيبان عسكرا من عنده عليهم خزيمة بن حازم وبسام بن إبراهيم. ثم بعث أبو مسلم كعبا من النقباء إلى أبيورد فافتتحها، ثم أبا داود خالد بن إبراهيم من النقباء إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري فجمع له أهل بلخ وترمذ وجند طخارستان ونزل الجوزجان، ولقيهم أبو داود فهزمهم وملك مدينة بلخ. وساروا إلى ترمذ فكتب أبو مسلم إلى أبي داود يستقدمه وبعث مكانه على بلخ يحيى بن نعيم أبا الميلاء فداخله زياد بن عبد الرحمن في الخلاف على أبي مسلم، واجتمع لذلك زياد ومسلم بن عبد الرحمن الباهلي، وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وما وراء النهر ونزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه. واتفقت كلمة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة وولوا عليهم مقاتل بن
حيان النبطي مخافة أن يتنافسوا. وبعث أبو مسلم أبا داود إليهم فأقبل بعساكره حتى اجتمعوا على نهر السرحسان [1] واقتتلوا. وكان زياد وأصحابه قد خلفوا أبا سعيد القرشي مسلحة وراءهم خشية أن يؤتوا من خلفهم وكانت راياته سودا وأغفلوا ذلك. فلما اشتد القتال زحف أبو سعيد في أصحابه لمددهم فظنوه كمينا للمسودة فانهزموا وسقطوا في النهر، وحوى أبو داود معسكرهم بما فيه وملك بلخ. ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ وكتب أبو مسلم يستقدم أبا داود وبعث النضر بن صبيح المزني على بلخ. ولما قدم أبو داود أشار على أبي مسلم بالتفرقة بين علي وعثمان ابني الكرماني. فبعث عثمان على بلخ وقدمها فاستخلف الفرافصة بن ظهير العبسي وسار هو والنضر بن صبيح إلى مروالروذ وجاء مسلم بن عبد الرحمن الباهلي من ترمذ في المضرية، فاستولى على بلخ ورجع إليه عثمان والنضر فهربوا من ليلتهم ولم يعن النضر في طلبهم وقاتلهم عثمان ناحية عنه فانهزم، ورجع أبو داود إلى بلخ وسار أبو مسلم إلى نيسابور ومعه علي بن الكرماني وقد اتفق مع أبي داود على قتال ابني الكرماني فقتل أبو داود عثمان في بلخ وقتل أبو مسلم عليا في طريقه إلى نيسابور.
** مسير قحطبة للفتح **
وفي سنة ثلاثين قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم من عند الإمام إبراهيم وقد عقد له لواء على محاربة العدو فبعثه أبو مسلم في مقدمته وضم إليه العساكر وجعل إليه التولية والعزل، وأمر الجنود بطاعته. وقد كان حين غلب على خراسان بعث العمال على البلاد فبعث ساعي بن النعمان الأزدي على سمرقند وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان ومحمد بن الأشعث الخزاعي على طبسين وجعل مالك بن الهيثم على شرطته. وبعث قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد: أبو عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك وعثمان بن نهيك، وحازم بن خزيمة وغيرهم فهزم أهل طوس وأفحش في قتلهم، ثم بعث أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق الحجة، وكتب إلى قحطبة بقتال تميم ابن نصر بالسودقان،
ومعه الثاني بن سويد وأصحاب شيبان، وأمده بعشرة آلاف مع علي بن معقل فزحف إليهم ودعاهم بدعوته وقاتلهم، فقتل تميم بن نصر وجماعة عظيمة من أصحابه، يقال بلغوا ثلاثين ألفا واستبيح معسكرهم وتحصن الباقي بالمدينة فاقتحمها عليهم، وخلف خالد بن برمك على قبض الغنائم، وسار إلى نيسابور فهرب منها نصر بن سيار الى قومس ثم تفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان وكان يزيد بن هبيرة بعثه مددا لنصر، فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري، ثم إلى جرجان وقدم قحطبة نيسابور فأقام بها رمضان وشوال وارتحل إلى جرجان، وجعل ابنه الحسن على مقدمته وانتهى إلى جرجان وأهل الشام بها مع نباتة فهابهم أهل خراسان فخطبهم قحطبة وأخبرهم أن الإمام أخبره أنهم يلقونه مثل هذه العدد فينصرونه عليهم. ثم تقدم للقتال وعلى ميمنته ابنه الحسن فانهزم أهل الشام وقتل نباتة في عشرة آلاف منهم وبعث برأسه إلى أبي مسلم، وذلك في ذي الحجة من السنة وملك قحطبة جرجان. ثم بلغه أن أهل جرجان يرومون الخروج عليه فاستعرضهم وقتل منهم نحوا من ثلاثين ألفا وسار نصر من قومس إلى خوار الري وعليها أبو بكر العقيلي وكتب إلى ابن هبيرة بواسط يستمده فحبس رسله. فكتب مروان إلى ابن هبيرة فجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا إلى نصر وعليهم ابن عطيف.
** هلاك نصر بن سيار **
ثم بعث قحطبة ابنه الحسن إلى محاصرة نصر في خوار الري في محرم سنة إحدى وثلاثين، وبعث إليه المدد مع أبي كامل وأبي القاسم محرز بن إبراهيم وأبي العباس المروزي. ولما تقاربوا نزع أبو كامل إلى نصر فكان معه وهرب جند قحطبة وأصحاب نصر أصابهم شيء من متاعهم فبعثه نصر إلى ابن هبيرة فاعترضه ابن عطيف بالري فأخذه فغاضبه نصر فأقام ابن عطيف بالري وسار نصر إلى الري وعليها حبيب بن يزيد النهشلي. فلما قدمها سار ابن عطيف إلى همذان وكان فيها مالك ابن أدهم بن محرز الباهلي، فعدل ابن عطيف عنها إلى أصبهان وبها عامر بن
ضبارة، وقدم نصر الري فأقام بها يومين ومرض وارتحل. فلما بلغ نهاوة [1] مات لاثنى عشر من ربيع الأول من اسنة ودخل أصحابه همذان.
** استيلاء قحطبة على الري **
ولما مات نصر بن سيار بعث الحسن بن قحطبة خزيمة بن حازم إلى سمنان وأقبل قحطبة من جرجان وقدم زياد بن زرارة القشيري وقد كان قدم على طاعة أبي مسلم واعتزم على اللحاق بابن ضبارة، فبعث قحطبة في أثره المسيب بن زهير الضبي فهزمه، وقتل عامة من مع ابن معاوية ورجع، ولحق قحطبة ابنه الحسن إلى الري فخرج عنها حبيب بن يزيد النهشلي وأهل الشام، ودخلها الحسن في صفر ثم لحق به أبوه وكتب بالخبر إلى أبي مسلم. وقد أكثر أهل الري إلى بني أمية فأخذ أبو مسلم أملاكهم ولم يردها عليهم إلا السفاح بعد حين فأقام قحطبة بالري وكتب أبو مسلم إلى أصبهبذ طبرستان بالطاعة وأداء الخراج فأجاب، وكتب إلى المصمغان صاحب دنباوند وكبير الديلم بمثل ذلك فأفحش في الرد.
فكتب أبو مسلم إلى موسى بن كعب أن يسير إليه من الري فسار ولم يتمكن منه لضيق بلاده وكان الديلم يقاتلونه كل يوم، فكثر فيهم الجراح والقتل، ومنعهم الميرة فأصابهم الجوع فرجع موسى إلى الري ولم يزل المصمغان متمنعا إلى أيام المنصور فأغزاه حماد بن عمر في جيش كثيف، ففتح دنباوند. ولما ورد كتاب قحطبة على أبي مسلم ارتحل عن مرو ونزل نيسابور ثم سير قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الري بثلاث ليال، فسار عنها مالك بن أدهم وأهل الشام وخراسان إلى نهاوند ونزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمده قحطبة بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة وأقام محاصرا لها.
** استيلاء قحطبة على أصبهان ومقتل ابن ضبارة وفتح نهاوند وشهرزور **
قد تقدم لنا أن ابن هبيرة بعث ابنه داود يزيد لقتال عبد الله بن معاوية بإصطخر،
وبعث معه عامر بن ضبارة فهزموه واتبعوه إلى كرمان سنة تسع وعشرين، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بجرجان سنة ثلاثين، كتب إلى ابنه داود ضبارة بالمسير إلى قحطبة فسار من كرمان في خمسين ألفا ونزلوا أصبهان وبعث إليهم قحطبة جماعة من القواد عليهم مقاتل بن حكيم الكعبي فنزلوا قم وسار قحطبة إلى نهاوند مددا لولده الحسن الذي حاصرهم فبعث مقاتلا بذلك قحطبة، فسار حتى لحقه، وزحفوا للقاء داود ابن ضبارة وهم في مائة ألف وقحطبة في عشرين ألفا.
وحمل قحطبة وأصحابه فانهزم ابن ضبارة وقتل واحتووا على ما كان في معسكرهم مما لا يعبر عنه من الأصناف وذلك في رجب. وطير قحطبة بالخبر إلى ابنه الحسن وسار إلى أصبهان فأقام بها عشرين ليلة، وقدم على ابنه فحاصروا نهاوند ثلاثة أشهر إلى آخر شوال، ونصبوا عليهم المجانيق وبعث بالأمان إلى من كان في نهاوند من أهل خراسان فلم يقبلوا، فبعث إلى أهل الشام فقالوا أشغل عنا أهل المدينة بالقتال نفتح لك المدينة من ناحيتنا، ففعلوا، وخرجوا إليه جميعا فقتلوا أهل خراسان فيهم أبو كامل وحاتم بن شريح وابن نصر بن سيار وعاصم بن عمير وعلي بن عقيل وبيهس. وكان قحطبة لما جاء إلى نهاوند بعث ابنه الحسن إلى جهات حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندي فتركها وهرب. ثم بعث قحطبة عبد الملك بن يزيد ومالك بن طرا في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمته عبد الله بن محمد فقاتلوا عثمان آخر ذي الحجة فانهزم وقتل. وملك أبو عون بلاد الموصل. وقيل إن عثمان هرب إلى عبد الله بن مروان وغنم أبو عون عسكره وقتل أصحابه، وبعث إليه قحطبة بالمدد وكان مروان بن محمد بحران فسار في أهل الشام والجزيرة والموصل ونزل الزاب الأكبر وأتوا شهرزور إلى المحرم سنة اثنتين وثلاثين.
** حرب سفاح بن هبيرة مع قحطبة ومقتلهما وفتح الكوفة **
ولما قدم على يزيد بن هبيرة ابنه داود منهزما من حلوان خرج يزيد للقاء قحطبة في مدد لا يحصى، وكان مروان أمده بحوثرة بن سهيل الباهلي، فسار معه حتى نزل حلوان واحتفر الخندق الذي كانت فارس احتفرته أيام الواقعة. وأقام وأقبل
قحطبة إلى حلوان ثم عبر دجلة إلى الأنبار فرجع ابن هبيرة مبادرا إلى الكوفة وقدم إليها حوثرة في خمسة عشر ألفا وعبر قحطبة الفرات من الأنبار لثمان من المحرم سنة اثنتين وثلاثين، وابن هبيرة معسكر على فم الفرات وعلى ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة، ومعه حوثرة وفل ابن ضبارة. وأشار عليه أصحابه أن يدع الكوفة ويقصد هو خراسان فيتبعه قحطبة فأبى إلا البدار إلى الكوفة، وعبر إليها دجلة من المدائن، وعلى مقدمته حوثرة والفريقان يسيران على جانب الفرات. وقال قحطبة لأصحابه إن الإمام أخبرني بأن وقعة تكون بهذا المكان والنصر لنا، ثم دلوه على مخاضة فعبر منها، وقاتل حوثرة وابن نباتة فانهزم أهل الشام، وقعد قحطبة وشهد مقاتل العللي بأن قحطبة عهد لابنه الحسن بعده، فبايع جميع الناس لأخيه الحسن، وكان في سرية فبعثوا عنه وولوه ووجد قحطبة في جدول هو وحرب بن كم ابن أحوز وقيل: إن قحطبة لما عبر الفرات وقاتل ضربه معن بن زائدة فسقط وأوصى إذا مات أن يلقى في الماء. ثم انهزم ابن نباتة وأهل الشام ومات قحطبة وأوصى بأمر الشيعة إلى أبي مسلمة الخلال بالكوفة وزير آل محمد. ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة فانهزم إلى واسط واستولى الحسن ابن قحطبة على ما في معسكرهم. وبلغ الخبر إلى الكوفة فثار بها محمد بن خالد القسري بدعوة الشيعة خرج ليلة عاشوراء وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثي وعلى شرطته عبد الرحمن بن بشير العجلي وسار إلى [1] فهرب زياد ومن معه من أهل الشام ودخل القصر ورجع إليه حوثرة [2] وعن محمد عامة من معه ولزم القصر. ثم جاء قوم من بجيلة من أصحاب حوثرة فدخلوا في الدعوة ثم آخرون من كنانة، ثم آخرون من نجدل [3] فارتحل حوثرة نحوه [4] وكتب محمد إلى قحطبة
وهو لم يعلم بهلاكه فقرأه الحسن على الناس وارتحل نحو الكوفة فصبحها الرابعة من مسيرة وقيل إن الحسن بن قحطبة سار إلى الكوفة بعد قتل ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب عنها وسبق محمد بن خالد وخرج في أحد عشر رجلا فلقى الحسن ودخل معه وأتوا إلى أبي مسلمة فاستخرجوه من بني مسلمة وعسكر بالنخيلة، ثم نزل حمام أعين. وبعث الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة وبايع الناس أبا مسلمة حفص ابن سليمان الخلال وزير آل محمد واستعمل محمد بن خالد القسري على الكوفة وكان يسمى الأمير، حتى ظهر أبو العباس السفاح وبعث حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد والمسيب بن هبيرة وخالد بن مرمل [1] ، إلى دير فناء وشراحيل إلى عير [2] وبسام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الرحمن بن عمر بن هبيرة فقاتله بسام وانهزم إلى البصرة وعليها مسلم بن قتيبة الباهلي عاملا لأخيه. وبعث بسام في أثره سفيان ابن معاوية بن يزيد بن المهلب واليا على البصرة، فجمع سالم قيسا ومضر وبني أمية وجاء قائد من قواد ابن هبيرة في ألفي رجل، وجمع سفيان اليمانية وحلفاءهم من ربيعة واقتتلوا في صفر. وقتل ابن سفيان واسمه معاوية فانهزم لذلك. ثم جاء إلى سالم أربعة آلاف مددا من عند مروان فقاتل الأزد واستباحهم ولم يزل بالبصرة حتى قتل ابن هبيرة فهرب عنها واجتمع ولد الحرث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أياما حتى قدم أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي من قبل أبي مسلم. فلما بويع أبو العباس السفاح ولاها سفيان بن معاوية.
** بيعة السفاح **
قد كنا قدمنا خبر الدعاة وقبض مروان على إبراهيم بن محمد وأنه حبسه بحران وكان نعى نفسه إلى أهل بيته وأمرهم باللحاق بالكوفة وأوصى على أخيه أبي العباس عبد الله ابن الحرثية. فسار أبو العباس ومعه أهل بيته وفي إخوته أبو جعفر المنصور وعبد الوهاب ومحمد ابن أخيه إبراهيم وعيسى ابن أخيه موسى ومن أعمامه داود وعيسى وصالح
وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس، وموسى ابن عمه داود ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، فقدموا الكوفة في صفر وأبو سلمة والشيعة على حمام أعين بظاهر الكوفة وأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم عن جميع القواد والشيعة أربعين ليلة، وأراد فيما زعموا أن يحول الأمر إلى أبي طالب. وسأله أبو الجهم من الشيعة وغيره فيقول: لا تعجلوا ليس هذا وقته. ولقي أبو حميد محمد بن إبراهيم ذات يوم خادم إبراهيم الإمام وهو سابق الخوارزمي فسأله عن الإمام فقال: قتل إبراهيم وأوصى إلى أخيه أبي العباس وها هو بالكوفة ومعه أهل بيته. فسأله في اللقاء فقال: حتى أستأذن وواعده من الغد في ذلك المكان، وجاء أبو حميد إلى أبي الجهم فأخبره وكان في عسكر أبي سلمة فقال له: تلطف في لقائهم. فجاء إلى موعد سابق ومضى معه ودخل عليهم فسأل عن الخليفة فقال داود ابن علي: هذا إمامكم وخليفتكم يشير إلى أبي العباس.
فسلم عليه بالخلافة وعزاه بإبراهيم الإمام، ورجع ومعه خادم من خدمهم إلى أبي الجهم فأخبره عن منزلهم وأن أبا العباس أرسل إلى أبي سلمة أن يبعث إليه كراء الرواحل التي جاءوا إليها، فلم يبعث إليهم شيئا فمشى أبو الجهم وأبو الحميد والخادم إلى موسى بن كعب وأخبروه بالأمر وبعثوا إلى الإمام مائتي دينار مع خادمه. واتفق رأي القواد على لقاء الإمام فنهض موسى بن كعب وأبو الجهم عبد الحميد بن ربعي وسلمة بن محمد وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وأبو حميد وعبد الله ابن بسام ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن حصين وسليمان بن الأسود فدخلوا على أبي العباس فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في إبراهيم. ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم وخلفوا الباقين عند الإمام وأوصوهم إن جاء أبو سلمة لا يدخلن إلا وحده وبلغه الخبر فجاء ودخل وحده كما حدوا له وسلم على أبي العباس بالخلافة وأمره بالعود إلى معسكره وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول فلبسوا الصفاح واصطفوا للخروج إلى أبي العباس وأتوه بالدواب له ولمن معه من أهل بيته، وأركبوهم إلى دار الإمارة، ثم رجع إلى المسجد فخطب وصلى بالناس وبايعوه ثم صعد المنبر ثانية فقام في أعلاه وصعد عمه داود فقام دونه وخطب خطبته البليغة المشهورة وذكر حقهم في الأمر وميراثهم له، وزاد الناس في أعطياتهم، وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك فحبس على المنبر وقام عمه داود على أعلى المراقي فخطب
مثله وذم سيرة بني أمية وعاهد الناس على إقامته الكتاب والسنة وسيرة النبي. ثم اعتذر عن عود السفاح بعد الصلاة إلى المنبر وأنه أراد أن لا يخلط كلام الجمعة بغيرها، وإنما قطعه عن إتمام الكلام شدة الوعك فأدعوا الله له بالعافية. ثم بالغ في ذم مروان وشكر شيعتهم من أهل خراسان وأن الكوفة منزلهم لا يتخلون عنها وأنه ما صعد هذا المنبر خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار إلى السفاح وأن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا حتى نسلمه لعيسى بن مريم. ثم نزل أبو العباس وداود أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر في المسجد يأخذ البيعة على الناس حتى جن الليل.
وخرج أبو العباس إلى عسكر أبي سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر. وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام واستخلف على الكوفة عمه داود وبعث عمه عبد الله إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور وبعث ابن أخيه موسى إلى الحسن ابن قحطبة وهو يحاصر ابن هبيرة بواسط وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى أحمد ابن قحطبة بالمدائن وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمر بن عثمان بن مالك ابن الطواف وأقام السفاح بالعسكر شهرا ثم ارتحل فنزل قصر الإمارة من المدينة الهاشمية. وقد قيل إن داود بن علي وابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير بني العباس إلى الكوفة وإنهما لقياهم بدومة الجندل فعرفا خبرهم وقال لهم داود: كيف تأتون الكوفة ومروان بن محمد في حران في أهل الشام والجزيرة فطل على العراق ويزيد بن هبيرة بالعراق؟ فقال: يا عم من أحب الحياء ذل فرجع داود وابنه معه.
** مقتل إبراهيم بن الامام **