John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ١٢

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 24 of 67

قد تقدم لنا أن مروان حبسه بحران وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان والعباس بن الوليد بن عبد الملك وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز وأبا محمد السفياني فهلك منهم في السجن من وباء وقع بحران: العباس بن الوليد وإبراهيم بن الإمام وعبد الله بن عمر. وخرج سعيد بن هشام ومن معه من المحبوسين بعد أن قتلوا صاحب السجن فقتلهم الغوغاء من أهل حران وكان فيمن قتلوه شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر الثعلبي وبطريق أرمينية واسمه كوشان

وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس لم يستحل الخروج منه. ولما قدم مروان منهزما من الزاب حل عنه فيمن بقي وقيل إن شراحيل بن مسلمة كان محبوسا مع إبراهيم وكانا يتزاوران ويتهاديان، فدس في بعض الأيام إلى إبراهيم بن الإمام بلبن مسموم على لسان شراحيل فاستطلق بطنه. وقيل إن شراحيل قال: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 احتيل والله عليه، وأصبح ميتا من ليلته.

** هزيمة مروان بالزاب ومقتله بمصر **

قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى شهرزور فقتل عثمان بن سفيان وأقام بناحية الموصل وأن مروان بن محمد سار إليه من حران في مائة وعشرين ألفا وسار أبو عون إلى الزاب ووجه أبو سلمة عيينة بن موسى والمنهال بن قبان [1] وإسحاق بن طلحة كل واحد في ثلاثة آلاف مددا له. فلما بويع أبو العباس وبعث مسلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائي في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعي الطائي في ألفين ودراس بن فضلة [2] في خمسمائة كلهم مددا لأبي عون، ثم ندب أهل بيته إلى المسير إلى أبي عون، فانتدب عبد الله بن علي فسار وقدم على أبي عون فتحول له عن سرادقه بما فيه ثم أمر عيينة بن موسى بخمسة آلاف تعبر النهر من الزاب أول جمادى الأخير سنة اثنتين وثلاثين وقاتل عساكر مروان إلى المساء ورجع ففقد مروان الجسر من الغد وقدم ابنه عبد الله وعبر فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غفار في أربعة نحو عبد الله بن مروان فسرح ابن مروان الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فانهزم أصحاب المخارق وأسر هو وجيء به إلى مروان مع رءوس القتلى، فقال: أنت المخارق؟ قال: لا. قال: فتعرفه في هذه الرءوس؟ قال: نعم. قال: هو ذا فخلى سبيله وقيل بل أنكر أن يكون في الرءوس فخلى سبيله وعاجلهم عبد الله بن علي بالحرب قبل أن يفشوا الخبر وعلى ميمنته أبو عون وعلى ميسرته الوليد بن معاوية وكان عسكره نحوا من عشرين ألفا، وقيل اثني عشر وأرسل مروان إليه في الموادعة فأبى وحمل الوليد بن معاوية بن مروان

وهو صهر مروان على ابنته، فقاتل أبا عون حتى انهزم إلى عبد الله بن علي فأمر الناس فارتحلوا ومشى قدما ينادي يا لثارات إبراهيم وبالأشعار يا محمد يا منصور. وأمر مروان القبائل بأن يحملوا فتخاذلوا واعتذروا حتى صاحب شرطته. ثم ظهر له الخلل فأباح الأموال للناس على أن يقاتلوا فأخذوها من غير قتال. فبعث ابنه عبد الله يصدهم عن ذلك فتبادروا بالفرار وانهزموا وقطع مروان الجسر وكان من غرق أكثر ممن قتل. وغرق إبراهيم بن الوليد المخلوع وقيل بل قتله عبد الله بن علي بالشام وممن قتل يحيى بن علي ابن هشام وكان ذلك في جمادى الأخيرة سنة اثنتين وثلاثين، وأقام عبد الله في عسكره سبعة أيام واجتاز عسكر مروان بما فيه وكتب بالفتح إلى أبي العباس السفاح، وسار مروان منهزما إلى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمر الثعلبي وابن خزيمة الأسدي، فقطعا الجسر ومنعاه العبور إليهم وقيل هذا أمير المؤمنين فتجاهلوا وقالوا أمير المؤمنين لا يفر. ثم أسمعوه الشتم والقبائح فسار إلى حران وبها أبان ابن أخيه، وسار إلى حمص وجاء عبد الله إلى حران فلقيه أبو مسعود فأمنه ولقي الجزيرة. ولما بلغ مروان حمص أقام بها ثلاثا وارتحل فاتبعه أهلها لينهبوه فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم، وسار إلى دمشق وعليها الوليد ابن عمه فأوصاه بقتال عدوه. وسار إلى فلسطين فنزل نهر أبي فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي، فأرسل إلى عبد الله ابن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره، ثم سار عبد الله بن علي في أثره من حران بعد أن هدم الدار التي حبس فيها أخوه الإمام إبراهيم. وانتهى إلى قنج [1] فأطاعه أهلها وقدم عليه أخوه عبد الصمد بعثه السفاح مددا في ثمانية آلاف وافترق قواد الشيعة على أبواب دمشق فحاصروها أياما ثم دخلوها عنوة لخمس من رمضان واقتتلوا بها كثيرا وقتل عاملها الوليد بن معاوية وأقام عبد الله بدمشق خمس عشرة ليلة وارتحل يريد فلسطين فأجفل مروان إلى العريش، وجاء عبد الله فنزل نهر أبي فطرس ووصله هناك كتاب السفاح بأن يبعث صالح بن علي في طلب مروان. فسار صالح في ذي القعدة وعلى مقدمته أبو عون وعامر بن إسماعيل الحارثي فأجفل مروان إلى النيل ثم إلى الصعيد ونزل صالح الفسطاط وتقدمت عساكره فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا منهم ودلوهم على مكانه ببوصير فسار إليه أبو عون وبيته هنالك خوفا من أن

يفضحه الصبح فانهزم مروان وطعن فسقط في آخر ذي الحجة الحرام وقطع رأسه، وبعث به طليعة أبي عون إليه. فبعثه إلى السفاح وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان إلى أرض الحبشة وقاتلوهم فقتل عبيد الله ونجا عبد الله وبقي إلى أيام المهدي فأخذه عامل فلسطين وسجنه المهدي. وكان طليعة أبي عون عامر بن إسماعيل الحارثي فوجد نساء مروان وبناته في كنيسة بوصير قد وكل بهن خادما يقتلهن بعده بهن صالح ولما دخلن عليه سألنه في الإبقاء فلامهن على قتالهم عند بني أمية. ثم عفا عنهن وحملهن إلى حران يبكين. وكان مروان يلقب بالحمار لحرنه في مواطن الحرب. وكان أعداؤه ويلقبونه الجعدي نسبة إلى الجعد بن درهم كان يقول بخلق القرآن ويتزندق. وأمر هشام خالد القسري بقتله فقتله. ثم تتبعوا بني أمية بالقتل ودخل أسديف [1] يوما على السفاح وعنده سليمان بن هشام وقد أمنه والده فقال:

لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن بين الضلوع داء دويا

فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا

فأمر السفاح بسليمان فقتل. ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده ثمانون أو تسعون من بني أمية يأكلون على مائدته فقال:

أصبح الملك في ثبات الأساس ... بالبهاليل من بني العباس

طلبوا أمر هاشم فنعونا ... بعد ميل من الزمان وباس

لا تقيلن عبد شمس عثارا ... فاقطعن كل رقلة وغراس

فلنا أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي

فلقد غاضني وغاض سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس

واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس

والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاويا رهن غربة ونعاس

فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسط من فوقهم الأنطاع فأكل الطعام عليهم وأنينهم يسمع حتى ماتوا، وذلك بنهر أبي فطرس وكان فيمن قتل: محمد بن عبد الملك بن مروان والمعز بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان وسعيد بن عبد الملك وأبو

عبيدة بن الوليد بن عبد الملك. وقيل: إن إبراهيم المخلوع قتل معهم، وقيل إن أسديفا هو الذي أنشد هذا الشعر للسفاح وأنه الذي قتلهم. ثم قتل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة جماعة من بني أمية فأمر بأشلائهم في الطرق فأكلتهم الكلاب، وقيل إن عبد الله بن علي أمر بنبش قبور الخلفاء من بني أمية فلم يجدوا في القبور إلا شبه الرماد وخيطا في قبر معاوية وجمجمة في قبر عبد الملك. وربما وجد فيها بعض الأعضاء الا هشام بن عبد الملك فإنه وجد كما هو لم يبل، فضربه بالسوط ثم صلبه وحرقة وذراه في الريح، والله أعلم بصحة ذلك. ثم تتبعوا بني أمية بالقتل فلم يفلت منهم إلا الرضعاء أو من هرب إلى الأندلس مثل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام وغيره ممن تبعه من قرابته كما يذكر في أخبارهم.

** بقية الصوائف في الدولة الاموية **

قد انتهينا بالصوائف إلى آخر أيام عمر بن عبد العزيز وفي سنة اثنتين ومائة أيام اليزيد غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة قبل أن يلي العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقا وقتل منهم سبعمائة أسير. وغزا العباس بن الوليد الروم أيضا ففتحها لسنة. ثم غزا سنة ثلاث بعدها فافتتح مدينة رسلة. ثم غزا الجراح الحكمي أيام هشام سنة خمس فبلغ وراء بلنجر وغنم، وغزا في هذه السنة سعيد بن عبد الملك أرض الروم وبعث ألف مقاتل في سرية فهلكوا جميعا. وغزا فيها مروان بن محمد بالصائفة اليمنى، ففتح مدينة قريبة من أرض الزوكخ. ثم غزا سعيد بن عبد الملك بالصائفة أيام هشام سنة ست. ثم غزا مسلمة بن عبد الملك الروم من الجزيرة وهو وال عليها ففتح قيسارية. وغزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا [1] . وغزا معاوية بن هشام في البحر قبرس، وغزا سنة تسع ففتح حصنا آخر يقال له طبسة [2] . وغزا سنة عشر بالصائفة عبد الله بن عقبة الفهري، وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن خديج. وغزا بالصائفة اليسرى سنة إحدى عشرة معاوية بن هشام وبالصائفة اليمنى سعيد بن هشام وفي البحر عبد الله بن أبي مريم. وافتتح معاوية في

صائفة ثلاث عشرة مدينة خرشفة [1] . وغزا سنة ثلاث عشرة عبد الله البطال، فانهزم فثبت عبد الوهاب من أصحابه فقتل. ودخل معاوية بن هشام أرض الروم من ناحية مرعش. ثم غزا سنة أربع عشرة بالصائفة اليسرى وأصحاب ربض أفرق [2] .

والتقى عبد الله البطال مع قسطنطين، فهزمه البطال وأسره. وغزا سليمان بن هشام بالصائفة اليسرى [3] فبلغ قيسارية، وهزم مسلمة بن عبد الملك خاقان وباب الباب [4] . وغزا معاوية بن هشام بالصائفة سنة خمس عشرة وغزا سفيان بن هشام بالصائفة اليسرى سنة سبع عشرة. وسليمان بن هشام بالصائفة اليمنى من ناحية الجزيرة، وفرق السرايا في أرض الروم وبعث فيها مروان بن محمد من أرمينية [5] فافتتحوا من أرض اللان آهلها أخذها قومانساه صلحا، وغزا معاوية وسليمان أيضا أرض الروم سنة ثماني عشرة. وغزا فيها مروان بن محمد من أرمينية ودخل أرض وارقيس [6] ، فهرب وارقيس إلى الحرور [7] ونازل حصنه فحاصره. وقتل وارقيس بعض من اجتاز به وبعث برأسه إلى مروان ونزل أهل الحصن على حكمه فقتل وسبى. وغزا سنة تسع عشرة مروان بن محمد من أرمينية ومر ببلاد اللان إلى بلاد الخزر على بلنجر وسمندر وانتهى إلى خاقان فهرب خاقان منه. وغزا سليمان بن هشام سنة عشرين بالصائفة فافتتح سندرة وغزا إسحاق بن مسلم العقيلي قومانساه [8] وافتتح قلاعه وخرب أرضه.

وغزا مروان من أرمينية سنة إحدى وعشرين وأفنى [9] قلعة بيت السرير فقتل وسبى، ثم قلعة أخرى كذلك ودخل عزسك [10] وهو حصن الملك فهرب منه الملك ودخل

حصنا له يسمى جرج [1] فيه سرير الذهب فنازله مروان حتى صالحه على ألف فارس كل سنة ومائة ألف مدني [2] ثم دخل أرض أرزق ونصران [3] فصالحه ملكها. ثم أرض تومان كذلك. ثم أرض حمدين [4] فأخرب بلاده وحصر حصنا له شهرا حتى صالحه ثم أرض مسداد [5] ففتحها على صلح ثم نزل كيلان [6] فصالحه أهل طبرستان وكيلان [7] وكل هذه الولايات على شاطئ البحر من أرمينية إلى طبرستان. وغزا مسلمة بن هشام الروم في هذه السنة فافتتح بها مطامير وفي سنة اثنتين وعشرين بعدها قتل البطال واسمه عبد الله بن الحسين الأنطاكي وكان كثير الغزو في بلاد الروم والإغارة عليهم. وقدمه مسلمة على عشرة آلاف فارس فكان يغزو بلاد الروم إلى أن قتل هذه السنة. وفي سنة أربعة وعشرين غزا سليمان بن هشام بالصائفة على عهد أبيه فلقي أليون ملك الروم فهزمه وغنم. وفي سنة خمسة وعشرين خرجت الروم إلى حصن زنطره [8] وكان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهري وخزينة [9] الروم وبني بناء غير محكم فأخربوه ثانية أيام مروان. ثم بناه الرشيد وطرقه الروم أيام المأمون فشعبوه فأمر ببنائه وتحصينه ثم طرقوه أيام المعتصم وخبره معروف. وفي هذه السنة غزا الوليد بن يزيد بالصائفة أخاه العمر وبعث الأسود بن بلال المحاربي [10] بالجيش في البحر إلى قبرس ليجير أهلها بين الشام والروم فافترقوا فريقين، وغزا أيام مروان سنة ثلاثين بالصائفة الوليد بن هشام ونزل العمق وبنى حصن مرعش

** عمال بني أمية على النواحي **

استعمل معاوية أول خلافته سنة أربعين عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة ثم عزله واستعمل المغيرة بن شعبة على الصلاة واستعمل [1] على الخراج وكان على النقباء بها شريح وكان حمران بن أبان قد وثب على البصرة عند ما صالح الحسن معاوية فبعث معاوية بشر بن أرطاة على البصرة وأمده فقتل أولاد زياد بن أبيه، وكان عاملا على فارس لعلي بن أبي طالب، فقدم البصرة وقد ذكرنا خبره مع بني زياد فيما قبل. ثم ولى على البصرة عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وضم إليه خراسان وسجستان فجعل على شرطته حبيب بن شهاب وعلى القضاء عميرة بن تبرى، وقد تقدم لنا أخبار قيس في خراسان وكان عمرو بن العاص على مصر كما تقدم، فولى سنة إحدى وأربعين من قبله على إفريقية عقبة بن نافع بن عبد قيس، وهو ابن خالته فانتهى إلى لواتة ومزاتة فأطاعوه ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى.

ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين بعدها غذامس وقتل وسبى وافتتح سنة ثلاثة وأربعين بعدها بلد ودان وولى معاوية بالمدينة سنة اثنتين وأربعين مروان بن الحكم فاستقضى عبد الله بن الحرث بن نوفل، وولى معاوية على مكة في هذه السنة خالد بن العاص ابن هشام، وكان على أرمينية حبيب بن مسلمة الفهري وولاه عليها معاوية ومات سنة اثنتين وأربعين فولى مكانه [2] واستعمل ابن عامر في هذه السنة على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي ويقال ولاه معاوية وعزل ابن عامر في هذه السنة قيس بن الهيثم عن خراسان وولى مكانه الحرث ابن عبد الله بن حازم. ثم عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة سنة أربع وأربعين وولى مكانه الحرث بن عبد الله الأزدي، ثم عزله لأربعة أشهر وولى أخاه زيادا سنة

خمس وأربعين، فولى على خراسان الحكم بن عمر الغفاري، وجعل معه على الخراج أسلم بن زرعة الكلابي. ثم مات الحكم فولى خليد بن عبد الله الحنفي سنة سبعة وأربعين ثم ولى على خراسان سنة ثمان بعدها غالب بن فضالة الليثي، وتولى عمرو بن العاص سنة تسعة وأربعين فولى مكانه سعيد بن العاص، فعزل عبد الله بن الحرث عن القضاء واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن وفي سنة خمسين توفي المغيرة بن شعبة فضم الكوفة إلى أخيه زياد، فجاء إليها واستخلف على البصرة سمرة ابن جندب، وكان يقسم السنة بين المصريين في الإقامة نصفا بنصف وفي سنة خمسين هذه اقتطع معاوية إفريقية عن معاوية بن خديج بمصر وولى عقبة بن نافع الفهري وكان مقيما ببرقة وزويلة من وقت فتحها أيام عمرو بن العاص، فأمده بعشرة آلاف فسار إليها وانضاف إليه من أسلم من البربر، ودوخ البلاد وبنى بالقيروان، وأنزل عساكر المسلمين ثم استعمل معاوية على مصر وإفريقية مولاه أبا المهاجر، فأساء عزل عقبة، وجاء عقبة إلى الشام فاعتذر إليه معاوية ووعده بعمله ومات معاوية فولاه يزيد سنة اثنتين وستين. وذكر الواقدي أن عقبة ولي سنة اثنتين وستين واستعمل أبا المهاجر فولي الأمصار، فحبس عقبة وضيق عليه وأمره يزيد بإطلاقه فوفد عقبة فأعاده إلى عمله. فحبس أبا المهاجر وخرج غازيا وأثخن حتى قتله كسيلة كما يأتي في أخباره وفي سنة إحدى وخمسين ولى زياد على خراسان الربيع بن زياد الحرث مكان خليد بن عبد الله الحنفي وفي سنة ثلاث وخمسين توفي زياد واستخلف على البصرة سمرة بن جندب وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد. ثم ولى الضحاك بن قيس سنة خمس بعدها وفي هذه السنة مات الربيع بن زياد عامل خراسان قبل موت زياد واستخلفه ابنه عبد الله ومات لشهرين واستخلف خليد بن يربوع الحنفي وكان على صفا بيروز الديلمي من قبل معاوية فمات سنة ثلاث وخمسين وفي سنة أربع وخمسين عزل معاوية عن المدينة سعيد بن العاص ورد إليها مروان بن الحكم ثم عزله سنة سبعة وولى مكانه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وعزل سنة تسعة وخمسين عن البصرة ابن جندب وولى مكانه عبد الله بن عمر بن غيلان، وولى على خراسان عبيد الله بن زياد ثم ولاه سنة خمس بعدها على البصرة مكان بن غيلان ثم ولى على خراسان سنة ستة وخمسين سعيد بن عثمان بن عفان وفي سنة ثمانية وخمسين عزل معاوية عن الكوفة الضحاك بن قيس واستعمل مكانه ابن أم الحكم وهي

أخته، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وطرده أهل الكوفة فولاه مصر فرده معاوية بن خديج وولى مكانه على الكوفة سنة تسعة وخمسين النعمان بن بشير وولى فيها على خراسان عبد الرحمن بن زياد فقدم إليها قيس بن الهيثم السلمي فحبس أسلم بن زرعة فأغرمه ثلاثمائة ألف درهم. ثم مات معاوية سنة ستين وولاته على النواحي من ذكرناه وعلى سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك بن الأعور وعزل يزيد لأول ولايته الوليد بن عقبة عن المدينة والحجاز وولاها عمر بن سعيد الأشدق ثم عزله سنة إحدى وستين، ورد الوليد بن عقبة وولى على خراسان سالم بن زياد، فبعث سالم إليها الحرث بن معاوية الحرثي وبعث أخاه يزيد إلى سجستان وكان بها أخوهما عباد فخرج عنهما. وقاتل يزيد أهل كابل فهزموه، فبعث مسلم على سجستان طلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي فبقي سنة، وبعث سنة اثنتين وستين عقبة بن نافع إلى إفريقية فحبس أبا المهاجر، واستخلف على القيروان زهير بن قيس البلوي كما نذكر في اخباره. وتوفي في هذه السنة مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر. ثم هلك يزيد سنة أربع وستين واستخلف على أهل العراق عبيد الله بن زياد. وولى أهل البصرة عليهم عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب ويلقب ببة، وهرب ابن زياد إلى الشام. وجاء إلى الكوفة عامر بن مسعود من قبل ابن الزبير وبلغه خلاف أهل الري وعليهم الفرخان فبعث عليهم محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب فهزموه، فبعث عتاب بن ورقاء فهزمهم. ثم بويع مروان وسار إلى مصر فملكها من يد عبد الرحمن بن حجام القرشي داعية ابن الزبير وولى عليها عمر بن سعيد ثم بعثه للقاء مصعب بن الزبير لما بعثه أخوه عبد الله إلى الشام، وولى على مصر ابنه عبد العزيز فلم يزل عليها واليا إلى أن هلك لسنة خمسة وثمانين، فولى عبد الملك عليها ابنه عبد الله بن عبد الملك.

وخلع أهل خراسان بعد يزيد سالم بن زياد واستخلف المهلب بن أبي صفرة، ثم ولى مسلم عبد الله بن حازم فاستبد بخراسان إلى حين. ثم خرج أهل الكوفة عمر بن حريث خليفة بن زياد وبايعوا لابن الزبير وقدم المختار بن أبي عبيد أميرا على الكوفة

من قبله بعد ستة أشهر من مهلك يزيد، وامتنع شريح من القضاء أيام الفتنة [1] واستعمل ابن الزبير على المدينة أخاه مصعبا سنة خمس وستين مكان أخيه عبد الله وثار بنو تميم بخراسان على عبد الله بن حازم فغلبه عليها بكير بن وشاح وغلب المختار على ابن مطيع عامل ابن الزبير بالكوفة سنة ست وستين (ثم مات) مروان سنة خمس وستين وولي عبد الملك. وولى ابن الزبير أخاه مصعبا على البصرة وولى مكانه بالمدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري. ثم ملك عبد العزيز العراق سنة إحدى وسبعين واستعمل على البصرة خالد بن عبد الله بن أسد وعلى الكوفة أخاه بشر بن مروان وكان على خراسان عبد الله بن حازم بدعوة ابن الزبير، فقام بكير بن وشاح التميمي بدعوة عبد الملك وقتله. وولاه عبد الملك خراسان. وكان على المدينة طلحة بن عبد الله بن عوف بدعوة ابن الزبير بعد جابر بن الأسود، فبعث عبد الملك طارق بن عمر مولى عثمان فغلبه عليها. ثم قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين وانفرد عبد الملك بالخلافة وولى على الجزيرة وأرمينية أخاه محمدا. وعزل خالد بن عبد الله عن البصرة وضمها إلى أخيه بشر فسار إليها واستخلف على الكوفة عمر بن حريث وولى على الحجاز واليمن واليمامة الحجاج بن يوسف وبعثه من الكوفة لحرب ابن الزبير وعزل طارقا عن المدينة وسار من جنده. وفي سنة أربع وسبعين استقضى أبا إدريس الخولاني وأمر بشر أخاه أن يبعث المهلب بن أبي صفرة لحرب الأزارقة. وعزل عن خراسان بكير بن وشاح وولى مكانه أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فبعث أمية ابنه عبد الله على سجستان. وكان على إفريقية زهير بن قيس البلوي فقتله البربر سنة تسع وستين.

وشغل عبد الملك بفتنة ابن الزبير، فلما فرغ منها بعث إلى إفريقية سنة أربع وسبعين حسان بن النعمان القيساني في عساكر لم ير مثلها، فأثخن فيها وافترقت جموع الروم

والبربر. وقتل الكاهنة كما يذكر في أخبار إفريقية ثم ولى عبد الملك سنة خمس وسبعين الحجاج بن يوسف على العراق فقط، وولى على السند سعيد بن أسلم بن زرعة وقتل في حروبها، وكان أمر الخوارج وفي سنة ست وسبعين ولي على المدينة أبان ابن عثمان وكان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زرارة بن أبي أوفى بعد هشام بن هبيرة وعلى قضاء المدينة عبد الله بن قشير بن مخرمة. ثم كانت حروب الخوارج كما نذكر في أخبارهم. وفي سنة ثمان وسبعين عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان وضمهما إلى الحجاج بن يوسف، فبعث الحجاج على خراسان المهلب بن أبي صفرة وعلى سجستان عبد الله بن أبي بكرة وولى على قضاء البصرة موسى بن أنس واستعفى شريح بن الحرث من القضاء بالكوفة فولى مكانه أبا بردة بن أبي موسى ثم ولى على قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وخرج عبد الرحمن بن الأشعث فملك سجستان وكرمان وفارس والبصرة ثم قتل ورجعت إلى حالها، وذلك سنة إحدى وثمانين. وفي سنة اثنتين وثمانين مات المهلب بن أبي صفرة واستخلف ابنه يزيد على خراسان فأقره الحجاج. وفي هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة وولى مكانه هشام بن إسماعيل المخزومي فعزل هشام نوفل ابن مساحق عن القضاء وولى مكانه عمر بن خالد الزرقي. وبنى الحجاج مدينة واسط. وفي سنة خمس وثمانين عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وولى مكانه هشام أخاه المفضل قليلا ثم ولى قتيبة بن مسلم وتوفي عبد الملك. وعزل الوليد لأول ولايته هشام بن إسماعيل عن المدينة وولى مكانه عمر بن عبد العزيز فولى على القضاء أبا بكر بن عمر بن حزم وولى الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي وولى على قضائها عبد الله بن أذينة وعلى قضاء الكوفة أبا بكر بن أبي موسى الأشعري. وفي سنة تسع وثمانين ولى الوليد على مكة خالد بن عبد الله القسري وكان على ثغر السند محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي وهو ابن عم الحجاج. ففتح السند وقتل ملكه، وكان على مصر عبد الله بن عبد الملك ولاه عليها أبوه ففل ملكها. فعزله الوليد في هذه السنة وولى مكانه قرة بن شريك، وعزل خالدا عن الحجاز وولى عمر بن عبد العزيز. وفي سنة إحدى وتسعين عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية وولى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك وكان على طندة في قاصية المغرب طارق بن زياد عاملا لمولاه موسى بن نصير

عامل الوليد بالقيروان فأجاز البلاد والبحر إلى بلاد الأندلس وافتتحها سنة اثنتين وتسعين كما يذكر في أخبارها، وفي سنة ثلاث وتسعين عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز وولى مكانه خالد بن عبد الله على مكة وعثمان بن حيان على المدينة. ومات الحجاج سنة خمس وتسعين ثم مات الوليد سنة ست وتسعين وفيها قتل قتيبة بن مسلم لانتقاضه على سليمان وولاها سليمان يزيد بن المهلب وفيها مات قرة بن شريك [1] وكان على المدينة أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن موسى وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وفي سنة سبع وتسعين عزل سليمان بن موسى بن نصير [2] عن إفريقية وولى مكانه محمد بن يزيد القرشي حتى مات سليمان فعزل واستعمل عمر مكانه إسماعيل بن عبد الله [3] وفي سنة ثمان وتسعين كان فتح طبرستان وجرجان أيام سليمان بن عبد الملك على يد يزيد ابن المهلب وفي سنة تسع وتسعين استعمل عمر ابن عبد العزيز على البصرة عدي بن أرطاة الفزاري، وأمره بإبقاء يزيد بن المهلب موثوقا فولى على القضاء الحسن بن أبي الحسن البصري ثم إياس بن معاوية وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب. وولى على المدينة عبد العزيز بن أرطاة وولى على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي. ثم عزل سنة مائة وولى عبد الرحمن بن نعيم القرشي وولى على الجزيرة عمر بن هبيرة الفزاري، وعلى إفريقية إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم وعلى الأندلس السمح بن مالك الخولاني.

ثم في سنة إحدى ومائة عزل إسماعيل عن إفريقية وولاها يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فلم يزل عليها إلى أن قتل. وفي سنة اثنتين ومائة ولي يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على العراق وخراسان فولى على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحرث ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية ويقال له سعيد خدينة. ثم استحيا من مسلمة في أمر الجراح فعزله وولى مكانه ابن يزيد بن هبيرة، فجعل على قضاء الكوفة القاسم

ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.

وكان على مصر أسامة بن زيد، وليها بعد قرة بن شريك وولى ابن هبيرة على خراسان سعيدا الحريشي مكان حذيفة. وفي سنة ثلاث ومائة جمع يزيد مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك، وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عن مكة وعن الطائف وولى مكانه على الطائف عبد الواحد بن عبد الله البصري. وفي سنة أربع ومائة ولى يزيد على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمي وعزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة لثلاث سنين من ولايته، وولى عليهما مكانه عبد الواحد النصري [1] وعزل ابن هبيرة سعيد الحريشي عن خراسان وولى عليها مسلم بن سعيد ابن أسلم بن زرعة الكلابي، وولى على قضاء الكوفة الحسين بن حسين الكندي. ومات يزيد بن عبد الملك سنة خمس وولي هشام فعزل ابن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري، واستعمل خالد على خراسان أخاه أسدا سنة سبع ومائة.

وعزل مسلم بن سعيد وولى على البصرة عقبة بن عبد الأعلى، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس. وولى على السند الجنيد بن عبد الرحمن. واستعمل هشام على الموصل الحر بن يوسف، وعزل عبد الواحد النصري عن الحجاز، وولى مكانه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، واستقضى بالمدينة محمد بن صفوان الجمحي، ثم عزله واستقضى الصلت الكندي. وعزل الجراح بن عبد الله عن أرمينية وأذربيجان وولى مكانه أخاه مسلمة، فولى عليها الحرث ابن عمر الطائي. وكان على اليمن سنة ثمان يوسف بن عمر، وفي سنة تسع عزل خالد أخاه أسدا عن خراسان وولى هشام عليها أشرس بن عبد الله السلمي، وأمره أن يكاتب خالدا بعد أن كان خالد ولى الحكم بن عوانة الكلبي مكان أخيه، فلم يقر فعزله هشام. ومات في سنة تسع عامل القيروان بشر بن صفوان، فولى هشام مكانه عبيدة بن عبد الرحمن بن الأغر السلمي فعزل عبيدة يحيى بن سلمة الكلبي عن الأندلس، واستعمل حذيفة بن الأخوص الأشجعي. ثم عزل لستة أشهر ووليها عثمان بن أبي نسعة الخثعمي وفي سنة عشر ومائة جمع خالد الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبي بردة وعزل تمامة عن القضاء. وفي سنة إحدى عشرة عزل هشام عن خراسان أشرس بن عبد الله وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن بن الحرث بن خارجة بن

سنان بن أبي حارثة المري وولى على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمي وعزل مسلمة.

وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن عامل إفريقية وعثمان بن أبي تسعة عن الأندلس، وولى مكانه الهيثم بن عبيد الكناني. وفي سنة اثنتي عشرة قتل الجراح بن عبد الله صاحب أرمينية قتله التركمان، فولى هشام مكانه سعيدا الحريشي. ومات الهيثم عامل الأندلس وولوا على أنفسهم مكانه محمد بن عبد الله الأشجعي شهرين وبعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من قبيل ابن عبد الرحمن السلمي عامل إفريقية.

وغزا إفرنجة فاستشهد، فولى عبيدة مكانه عبد الملك بن قطن الفهري وعزل عبيدة عن إفريقية وولى مكانه عبيد الله بن الحجاب، وكان على مصر فسار إليها. وفي سنة أربع عشرة عزل هشام مسلمة عن أرمينية وولى مكانه مروان بن محمد بن مروان.

وعزل إبراهيم بن هشام عن الحجاز وولى مكانه على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم، وعلى مكة والطائف محمد بن هشام المخزومي. وفي سنة ست عشرة ومائة عزل هشام الجنيد بن عبد الرحمن المري عن خراسان وولى مكانه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. وفيها استعمل عبد الله بن الحجاب على الأندلس عقبة بن الحجاج القيسي مكان عبد الملك بن قطن ففتح خليتيه [1] وفي سنة سبع عشرة ومائة عزل هشام عاصم بن عبد الله عن خراسان وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري فاستخلف خالد أخاه أسدا. وولى هشام على إفريقية والأندلس عبيد الله بن الحجاب وكان على مصر فسار اليها واستخلف على مصر ولده وولى على الأندلس عقبة بن الحجاج وعلى طنجة ابنه إسماعيل وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان وفتح وغنم. وأغزاه إلى صقلية سنة اثنتين وعشرين ومائة ففتح أكثرها ثم واستدعاه لفتنة ميسرة كما نذكره في أخبارهم وفي سنة ثمان عشرة عزل هشام عن المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث وولى مكانه محمد بن هشام بن إسماعيل. وفي سنة عشرين مات أسد بن عبد الله الخراساني وولي مكانه نصر بن سيار. وعزل هشام خالد القسري عن جميع أعماله بالعراقين وخراسان وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي

استقدمه إليها من ولاية اليمن، فأقر نصر بن سيار على خراسان، وكان على قضاء الكوفة ابن شرمة [1] وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة وولى يوسف بن عمر بن شرمة على سجستان واستقضى مكانه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وكان على قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة فمات في هذه السنة وفي سنة ثلاث وعشرين قتل كلثوم بن عياض الذي حثه هشام لقتال البربر بالمغرب وتوفي عقبة بن الحجاج أمير الأندلس وقيل بل خلعوه، وولى مكانه عبد الملك بن قطن ولايته الثانية كما يذكر.

وفي سنة أربع وعشرين ظهر أمر أبي مسلم بخراسان. وتلقب بلخ [2] على الأندلس ثم مات وكان سار إليها من فل كلثوم بن عياض لما قتله البربر بالمغرب وولى هشام على الأندلس أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي فأمر حنظلة بن صفوان أن يوليه فولاه وكان ثعلبة بن خزامة سلامة الجرابي قد ولوه بعد بلج فعزله أبو الخطار. وفي هذه السنة ولى الوليد بن يزيد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي على الحجاز فأسره ثم قتل الوليد سنة ست وعشرين فعزل يزيد عن العراق يوسف بن عمر وولى مكانه منصور ابن جمهور، فبعث عامله على خراسان فامتنع نصر بن سيار من تسليم العمل له. ثم عزل يزيد منصور بن جمهور وولى مكانه على العراق عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز، وغلب حنظلة على إفريقية عبد الرحمن بن حبيب كما يذكر في خبرها. وعزل يزيد عن المدينة يوسف بن محمد بن يوسف، وولى مكانه عبد العزيز ابن عمر بن عثمان، وغلب سنة سبع وعشرين عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على الكوفة، وولى مروان على الحجاز عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعلى العراق النضر بن سعيد الحريشي. وامتنع ابن عمر من استلام العمل إليه ووقعت الفتنة بينهم. ولحق ابن عمر بالخوارج كما يذكر في أخبارهم واستولى بنو العباس على خراسان. وفي سنة تسع وعشرين ولي يوسف بن عبد الرحمن الفهري على الأندلس بعد نوابة بن سلامة كما يأتي في أخبارهم. وولى مروان على الحجاز عبد الواحد [3] وعلى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة وفي سنة ثلاثين ملك أبو مسلم

خراسان وهرب عنها نصر بن سيار فمات بنواحي همذان سنة إحدى وثلاثين وجاء المسودة عليهم قحطبة فطلبوا ابن هبيرة على العراق وملكوه وبايعوا خليفتهم أبا العباس السفاح. ثم غلبوا مروان على الشام ومصر وقتلوه. وانقرض أمر بني أمية وعاد الأمر والخلافة لبني العباس والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده وهذه أخبار بني أمية مخلصة [1] من كتاب أبي جعفر الطبري ولنرجع إلى أخبار الخوارج كما شرطنا في أخبارها بالذكر، والله المعين لا رب غيره.

** الخبر عن الخوارج وذكر أوليتهم وتكرر خروجهم في الملة الإسلامية **

قد تقدم لنا خبر الحكمين في حرب صفين واعتزل الخوارج عليا منكرين للتحكيم مكفرين به ولاطفهم في الرجوع عن ذلك وناظرهم فيه بوجه الحق فلجوا وأبوا إلا الحرب وجعلوا أشعارهم النداء بلا حكم إلا لله وبايعوا عبد الله ابن وهب الراسبي وقاتلهم علي بالنهروان فاستلحمهم أجمعين ثم خرج من فلهم طائفة بالأنبار فبعث إليهم من استلحمهم ثم طويفة أخرى مع هلال بن علية فبعث معقل بن قيس فقتلهم. ثم أخرى ثالثة كذلك، ثم أخرى على المدائن كذلك، ثم أخرى بشهرزور كذلك، وبعث شريح بن هانئ فهزموه فجرح واستلحمهم أجمعين، واستأمن من بقي فأمنهم وكانوا نحو خمسين. وافترق شمل الخوارج ثم اجتمع من وجدانهم الثلاثة الذين توعدوا [2] لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فقتل بالسهم عبد الرحمن بن ملجم عليا رضى الله عنه وباء بإثمه وسلم الباقون، ثم اتفقت الجماعة على بيعة معاوية سنة إحدى وأربعين واستقل معاوية بخلافة الإسلام.

وقد كان فروة بن نوفل الأشجعي اعتزل عليا والحسن ونزل شهرزور وهو في خمسمائة من الخوارج فلما بويع معاوية قال فروة لأصحابه: قد جاء الحق فجاهدوا وأقبلوا فنزلوا النخيلة عند الكوفة فاستنفر معاوية أهل الكوفة فخرجوا لقتالهم، وسألوا أهل الكوفة أن يخلوا بينهم وبين معاوية فأبوا فاجتمعت أشجع على فروة وأتوا له من القتال

ودخلوا الكوفة قهرا [1] واستعمل الخوارج بعده عبد الله بن أبي الحريشي من طيئ وقاتلوا أهل الكوفة فقاتلوا وابن أبي الحريشي معهم ثم اجتمعوا بعده على حوثرة بن وداع الأسدي وقدموا إلى النخيلة في مائة وخمسين ومعهم فل ابن أبي الحريشي.

وبعث معاوية إلى حوثرة أباه ليرده عن شأنه فأبى، فبعث إليهم عبد الله بن عوف في معسكر فقتله وقتل أصحابه إلا خمسين دخلوا الكوفة وتفرقوا فيها، وذلك في جمادى الأخيرة سنة إحدى وأربعين. وسار معاوية إلى الشام وخلف المغيرة بن شعبة فعاد فروة ابن نوفل الأشجعي إلى الخروج فبعث إليه المغيرة خيلا عليها ابن ربعي ويقال معقل ابن قيس فلقيه بشهرزور فقتله ثم بعث المغيرة إلى شبيب بن أبجر من قتله، وكان من أصحاب ابن ملجم وهو الذي أتى معاوية يبشره بقتل علي فخافه على نفسه وأمر بقتله فتنكر بنواحي الكوفة إلى أن بعث المغيرة من قتله ثم بلغ المغيرة أن بعضهم يريد الخروج وذكر له معن بن عبد الله المحاربي فحبسه ثم طالبه بالبيعة لمعاوية فأبى فقتله.

ثم خرج على المغيرة أبو مريم مولى بني الحرث بن كعب فأخرج معه النساء، فبعث المغيرة من قتله وأصحابه ثم حكم أبو ليلى في المسجد بمشهد الناس وخرج في اثنين من الموالي فأتبعه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسور الكوفة سنة اثنتين وأربعين ثم خرج على ابن عامر في البصرة سهم بن غانم الجهني في سبعين رجلا منهم الحطيم وهو يزيد بن حالك الباهلي، ونزلوا بين الجسرين والبصرة ومر بهم بعض الصحابة منقلبا من الغزو فقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه، وقالوا: هؤلاء كفرة وخرج إليهم ابن عامر فقتل منهم عدة وأمن باقيهم ولما أتى زياد البصرة سنة خمس وأربعين هرب منهم الحطيم إلى الأهواز وجمع ورجع إلى البصرة فافترق عنه أصحابه فاختفى وطلب الأمان من زياد فلم يؤمنه ثم دل عليه فقتله وصلبه بداره. وقيل بل قتله عبد الله بعد زياد سنة أربع وخمسين. ثم اجتمع الخوارج بالكوفة على المستورد بن عقلة التيمي من تيم الرباب وعلى حيان بن ضبيان السلمي وعلى معاذ بن جوين الطائي. وكلهم من فل النهروان الذين ارتموا في القتلى ودخلوا الكوفة بعد مقتل علي واجتمعوا في أربعمائة في منزل حيان بن ضبيان وتشاوروا في الخروج، وتدافعوا الإمارة. ثم اتفقوا على المستورد وبايعوه في جمادى الأخيرة وكبسهم المغيرة في منزلهم فسجن حيان وأفلت

المستورد فنزل الحيرة واختلف إليه الخوارج. وبلغ المغيرة خبرهم فخطب الناس وتهدد الخوارج فقام إليه معقل بن قيس فقال: ليكفك كل رئيس قومه. وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس وكان عالما بمنزلهم عند سليم بن مخدوج العبدي إلا أنه لا يسلم عشيرته، فخرجوا ولحقوا بالصراة في ثلاثمائة فجهز إليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف وجعل معظمهم من شيعة علي، وخرج معقل في الشيعة وجاء الخوارج ليعبروا النهر إلى المدائن فمنعهم عاملها سمال بن عبد العبسي ودعاهم إلى الطاعة على الأمان فأبوا فساروا إلى المذار. وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم فبعث شريك بن الأعور الحارثي في ثلاثة آلاف من الشيعة وجاء معقل بن قيس إلى المدائن وقد ساروا إلى المذار، فقدم بين يديه أبا الرواع الشاكري في ثلاثمائة، وسار ولحقهم أبو الرواع بالمذار فقاتلهم. ثم لحقه معقل بن قيس متقدما أصحابه عند المساء فحملت الخوارج عليه فثبت وباتوا على تعبية، وجاء الخبر إلى الخوارج بنهوض شريك بن الأعور من البصرة فأسروا من ليلتهم راجعين وأصبح معقل واجتمع بشريك وبعث أبا الرواع في أتباعهم في ستمائة فلحقهم بجرجان فقاتلهم فهزمهم إلى ساباط وهو في اتباعهم. ورأى المستورد أن هؤلاء مع أبي الرواع حماة أصحاب معقل فتسرب عنهم إلى معقل وأبو الرواع في اتباعه ولما لحق بمعقل قاتلهم قتالا وأدركهم أبو الرواع بعد أن لقي كثيرا من أصحاب معقل منهزمين فردهم واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل المستورد معقلا طعنه بالرمح فأنفذه وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد فقسم دماغه بالسيف وماتا جميعا. وأخذ الراية عمر بن محرز بن شهاب التميمي بعهد معقل بذلك. ثم حمل الناس على الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم إلا خمسة أو ستة. وعند ابن الكلبي أن المستورد من تيم من بني رباح. خرج بالبصرة أيام زياد قريب الأزدي ورجاف الطائي ابنا الخالة، وعلى البصرة سمرة بن جندب وقتلوا بعض بني ضبة فخرج عليهم شبان من بني علي وبني راسب فرموهم بالنبل، وقتل قريب وجاء عبد الله بن أوس الطائي برأسه واشتد زياد في أمر الخوارج وسمرة وقتلوا منهم خلقا. ثم خرج سنة اثنتين وخمسين على زياد بن حراش العجلي في ثلاثمائة بالسواد فبعث اليهم زياد سعد بن حذيفة في خيل فقتلوهم، وخرج أيضا أصحاب المستورد حيان بن ضبيان ومعاذ من طيئ فبعث إليهما من قتلهما وأصحابهما. وقيل بل استأمنوا وافترقوا. ثم اجتمع بالبصرة سنة ثمان وخمسين سبعون رجلا من الخوارج من عبد

القيس وبايعوا طواف بن [1] على أن يفتكوا بابن زياد، وكان سبب ذلك أن ابن زياد حبس جماعة من الخوارج بالبصرة وحملهم على قتل بعضهم بعضا وخلى سبيل القاتلين ففعلوا وأطلقهم، وكان منهم طواف ثم ندموا وعرضوا على أولياء المقتولين القود والدية فأبوا، وأفتاهم بعض علماء الخوارج بالجهاد لقوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا 16: 110 الآية، فاجتمعوا للخروج كما قلنا. وسعى بهم إلى ابن زياد فاستعجلوا الخروج وقتلوا رجلا ومضوا إلى الجلحاء كما قلنا. فندب ابن زياد الشرط والمحاربة فقاتلوهم. فانهزم الشرط أولا ثم كثرهم الناس فقتلوا عن آخرهم.

واشتد ابن زياد على الخوارج وقتل منهم جماعة كثيرة منهم: عروة بن أدبة أخو مرداس وأدبة أمهما وأبوهما جرير بن تميم. وكان وقف على ابن زياد يوما يعظه فقال أتبنون بكل ريع آية تعبثون 26: 128 الآيات؟ فظن ابن زياد أن معه غيره فأخذه وقطعه وقتل ابنيه. وكان أخوه مرداس من عظمائهم وعبادهم وممن شهد النهروان بالاستعراض ويحرم خروج النساء ولا يرى بقتال من لا يقاتله. وكانت امرأته من العابدات من بني يربوع وأخذها ابن زياد فقطعها. والح ابن زياد في طلب الخوارج وقتلهم وخلى سبيل مرداس من بينهم لما وصف له من عبادته، ثم خاف فخرج إلى الأهواز وكان يأخذ مال المسلمين إذا مر به فيعطي منه أصحابه ويرد الباقي. وبعث ابن زياد إليهم أسلم بن زرعة الكلابي في الغي رجل ودعاهم إلى معاودة الجماعة فأبوا وقاتلوهم فهزموا أسلم وأصحابه فسرح إليهم ابن زياد عباد بن علقمة المازني. ولحقهم بتوج وهم يصلون فقتلهم أجمعين ما بين راكع وساجد لم يتغيروا عن حالهم ورجع إلى البصرة برأس أبي بلال مرداس فرصده عبيدة بن هلال في ثلاثة نفر عند قصر الإمارة ليستفتيه فقتلوه واجتمع عليهم الناس فقتلوا منهم وكان على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة فأمره زياد بتتبع الخوارج إلى أن تقدم فحبسهم، وأخذ الكفلاء على بعضهم وأتى بعروة بن أدبة فقال أنا كفيلك وأطلقه. ولما جاء ابن زياد قتل المحبوسين منهم والمكفولين، وطالب ابن أبي بكرة بعروة بن أدبة فبحث عنه حتى ظفر به وجاء به إلى ابن زياد فقطعه وصلبه سنة ثمان وخمسين. ثم مات يزيد واستفحل أمر ابن الزبير بمكة وكان الخوارج لما اشتد عليهم ابن زياد بعد قتل أبي بلال مرداس أشار عليهم

نافع بن الأزرق منهم باللحاق بابن الزبير لجهاد عساكر يزيد لما ساروا إليه قالوا: وإن لم يكن على رأينا داحضا عن البيت وقاموا يقاتلون معه فلما مات يزيد وانصرفت العساكر كشفوا عن رأي ابن الزبير فيهم وجاءوه يرمون من عثمان ويتبرءون منه فصرح بمخالفتهم. وقال بعد خطبة طويلة أثنى فيها على الشيخين وعلي وعثمان واعتذر عنه فيما يزعمون، وقال: أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان وعدو لأعدائه قالوا: فبرئ الله منك قال بل بريء الله منكم فافترقوا عنه. وأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي وعبد الله بن صفار السعدي وعبد الله بن أباض، وحنظلة بن بيهس وبنو الماخور: عبد الله وعبيد الله والزبير من بني سليط بن يربوع وكلهم من تميم، حتى أتوا البصرة وانطلق أبو طالوت عن بني بكر بن وائل وأبو فديك عبد الله بن نور بن قيس ابن ثعلبة وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة فوثبوا بها مع أبي طالوت. ثم تركوه ومالوا عنه إلى نجدة ابن عامر الحنفي. ومن هنا افترقت الخوارج على أربع فرق:

الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنظلي وكان رايه البراءة من سائرة المسلمين وتكفيرهم والاستعراض وقتل الأطفال واستحلال الأمانة لأنه يراهم كفارا. والفرقة الثانية النجدية وهم بخلاف الأزارقة في ذلك كله. والفرقة الثالثة الإباضية أصحاب عبد الله بن إباض المري وهم يرون أن المسلمين كلهم يحكم لهم بحكم المنافقين فلا ينتهون إلى الرأي الأول ولا يقفون عند الثاني ولا يحرمون مناكحة المسلمين ولا موارثتهم ولا المنافقين فيهم وهم عندهم كالمنافقين، وقول هؤلاء أقرب إلى السنة ومن هؤلاء البيهسية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبعي. والفرقة الرابعة الصفرية وهم موافقون للأباضية إلا في العقدة فإن الإباضية أشد على العقدة منهم. وربما اختلفت هذه الآراء من بعد ذلك واختلف في تسمية الصفرية فقيل نسبوا إلى ابن صفار وقيل اصفروا بما نهكتهم العبادة وكانت الخوارج من قبل هذا الافتراق على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشاذ من الفروع. وفي أصل اختلافهم هذا مكاتبات بين نافع بن الأزرق وأبي بيهس وعبد الله بن إباض ذكرها المبرد في كتاب الكامل فلينظر هناك، (ولما جاء نافع) إلى نواحي البصرة سنة أربع وستين فأقام بالأهواز يعترض الناس وكان على البصرة عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، فسرح إليه مسلم عبس بن كويز بن ربيعة من أهل البصرة بإشارة الأحنف ابن قيس، فدافعه عن نواحي البصرة وقاتله بالأهواز، على ميمنة مسلم الحجاج بن

باب الحميري، وعلى ميسرته حارثة بن بدر العدابي، وعلى ميمنة ابن الأزرق عبيدة بن هلال وعلى ميسرته الزبير بن الماخور التميمي. فقتل مسلم ثم قتل نافع فأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب والخوارج عبد الله بن الماخور ثم قتل الحجاج، وعبد الله فأمر أهل البصرة ربيعة بن الاخدم [1] والخوارج عبيد الله بن الماخور. ثم اقتتلوا حتى أمسوا، وجاء إلى الخوارج مدد فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتل ربيعة وولوا مكانه حارثة بن بدر فقاتل وردهم على الأعقاب ونزل الأهواز. ثم عزل عن البصرة عبد الله بن الحرث وبعث ابن الزبير عليها الحرث القباع بن أبي ربيعة فزحف الخوارج إلى البصرة، وأشار الأحنف بن قيس بتولية المهلب حروبهم، وقد كان ابن الزبير ولاه خراسان، فكتبوا لابن الزبير بذلك فأجاب، واشترطوا للمسلم ما سأل من ولاية ما غلب عليه، والإعانة بالأموال، فاختار من الجند اثني عشر ألفا وسار إليهم فدفعهم عن الجسر. وجاء حارثة بن بدر بمن كان معه في قتال الخوارج، فردهم الحرث إلى المهلب وركب حارثة البحر يريد البصرة فغرق في النهر. وسار المهلب وعلى مقدمته ابنه المغيرة فقاتلهم المقدمة ودفعوهم عن سوق الأهواز إلى مادر.

ونزل المهلب بسولاف وقاتله الخوارج وصدقوا الحملة فكشفوا أصحاب المهلب ثم ترك من الغد قتالهم وقطع دجيل ونزل العقيل ثم ارتحل فنزل قريبا منهم وخندق عليه وأذكى العيون والحرس. وجاء منهم عبيدة بن هلال والزبير بن الماخور في بعض الليالي ليبيتوا عسكر المهلب فوجدوهم حذرين وخرج إليهم المهلب من الغد في تعبية والأزد وتميم في ميمنته، وبكر وعبد القيس في ميسرته، وأهل العالية في القلب.

وعلى ميمنة الخوارج عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزبير بن الماخور واقتتلوا ونزل الصبر. ثم شدوا على الناس فأجفل عسكر المهلب وانهزم وسبق المنهزمين إلى ربوة ونادى فيهم فاجتمع له ثلاثة آلاف أكثرهم من الأزد، فرجع بهم وقصد عسكر الخوارج واشتد قتالهم ورموهم بالحجارة، وقتل عبد الله بن الماخور [2] وكثير منهم وانكفؤا راجعين إلى كرمان وناحية أصبهان منهزمين، واستخلفوا عليهم الزبير ابن الماخور [3] وأقام المهلب بمكانه حتى جاء مصعب بن الزبير أميرا على البصرة وعزل

المهلب. (وأما نجدة) وهو نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار [1] بن مفرج الحنفي.

وكان مع نافع بن الأزرق، فلما افترقوا سار إلى اليمامة ودعا أبو طالوت إلى نفسه، وهو من بكر بن وائل وتابعه نجدة ونهب الحضارم بلد بني حنيفة وكان فيها رقيق كثير يناهز أربعة آلاف فقسمها في أصحابه، وذلك سنة خمس وستين. واعترض عيرا من البحرين جاءت لابن الزبير فأخذها وجاء بها إلى أبي طالوت فقسمها بين أصحابه. ثم رأى الخوارج أن نجدة خير لهم من أبي طالوت فخالفوه وبايعوا نجدة وسار إلى بني كعب بن ربيعة فهزمهم وأثخن فيهم، ورجع نجدة إلى اليمامة في ثلاثة آلاف، ثم سار إلى البحرين سنة سبع وستين فاجتمع أهل البحرين من عبد القيس وغيرهم على محاربته. وسالمته الأزد والتقوا بالعطيف فانهزمت عبد القيس وأثخن فيهم نجدة وأصحابه وأرسل سرية إلى الخط فظفروا بأهله. ولما قدم مصعب بن الزبير البصرة سنة تسع وستين بعث عبد الله بن عمر الليثي الأعور في عشرين ألفا [2] ونجدة بالعطيف فقاتلوهم وهزمهم نجدة وغنم ما في عسكرهم وبعث عطية بن الأسود الحنفي من الخوارج إلى عمان وبها عباد ابن عبد الله شيخ كبير فقاتله عطية فقتله وأقام أشهرا وسار عنها، واستخلف عليها بعض الخوارج فقتله أهل عمان وولوا عليهم سعيدا وسليمان ابني عباد. ثم خالف عطية نجدة وجاء إلى عمان فامتنعت منه، فركب البحر إلى كرمان وأرسل إليه المهلب جيشا فهرب إلى سجستان ثم إلى السند فقتله خيل المهلب بقندابيل. ثم بعث نجدة المعرفين إلى البوادي بعد هزيمة ابن عمير فقاتلوا بني تميم بكاظمة وأعانهم أهل طويلع فبعث نجدة من استباحهم وأخذ منهم الصدقة كرها.

ثم سار إلى صنعاء فبايعوه وأخذ الصدقة من مخالفيها. ثم بعث أبا فديك إلى حضرموت فأخذ الصداقة منهم. وحج سنة ثمان وستين في تسعمائة رجل وقيل في ألفين، ووقف ناحية عن ابن الزبير على صلح عقد بينهما. ثم سار نجدة إلى المدينة وتأهبوا لقتاله، فرجع إلى الطائف وأصاب بنتا لعبد الله بن عمر بن عثمان فضمها إليه وامتحنه الخوارج بسؤاله بيعها فقال: قد أعتقت نصيبي منها. قالوا: فزوجها، قال: هي أملك بنفسها، وقد كرهت الزواج ولما قرب من الطائف جاءه عاصم بن عروة بن مسعود فبايعه عن قومه وولى عليهم الخازرق وعلى يبانة والسراة. وولى على

ما يلي نجران سعد الطلائع، ورجع إلى البحرين وقطع الميرة عن الحرمين. وكتب إليه ابن عباس أن ثمامة بن أشاك [1] لما أسلم قطع الميرة عن مكة وهم مشركون، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة فخلاها لهم، وانك قطعت الميرة ونحن مسلمون فخلاها لهم نجدة. ثم اختلف إليه أصحابه لأن أبا سنان حيي بن وائل أشار عليه بقتل من أطاعه تقية، فانتهره نجدة وقال: إنما علينا أن نحكم بالظاهر. وأغضبه عطية في منازعة جرت بينهما على تفضيله لسرية البر على سرية البحر في الغنيمة فشتمه نجدة فغضب وسأله في درء الحد في الخمر عن رجل من شجعانهم فأبى، وكاتبه عبد الملك في الطاعة على أن يوليه اليمامة ويهدر له ما أصاب من الدماء فاتهموه في هذه المكاتبة ونقموا عليه أمثال هذه، وفارقه عطية إلى عمان. ثم انحازوا عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة واستخفى نجدة وألح أبو فديك في طلبه وكان مستخفيا في قرية من قرى حجر. ثم نذر به فذهب إلى أخواله من تميم وأجمع المسير إلى عبد الملك، فعلم به أبو فديك، وجاءت سرية منهم وقاتلهم فقتلوه. وسخط قتله جماعة من أصحاب أبي فديك وأعتمده مسلم بن جبير فطعنه اثنتي عشر طعنة وقتل مسلم لوقته، وحمل أبو فديك إلى منزله، ثم جاء مصعب إلى البصرة سنة ثمان وستين واليا على العراقين عن أخيه، وكان المهلب في حرب الأزارقة فأراد مصعب أن يوليه بلاد الموصل والجزيرة وأرمينية، ليكون بينه وبين عبد الملك فاستقدمه من فارس وولاه، وولى على فارس وحرب الأزارقة عمر بن عبد الله بن معمر. وكان الخوارج قد ولوا عليهم بعد قتل عبد الله بن الماخور سنة خمس وستين أخاه الزبير فجاءوا به إلى إصطخر، وقدم عمر ابنه عبيد الله إليهم فقتلوه ثم قاتل الزبير عمر فهزمهم وقتل منهم سبعون. وفلق قطري بن الفجاءة وشتر صالح بن مخراق وساروا إلى نيسابور، فقاتلهم عمر بها وهزمهم، فقصدوا أصبهان فاستحموا بها. ثم أقبلوا إلى فارس وتجنبوا عسكر عمر ومروا على ساجور ثم أرجان، فأتوا الأهواز قاصدين العراق.

وأغذ عمر السير في أثرهم، وعسكر مصعب عند الجسر. فسار الزبير بالخوارج فقطع أرض صرصر وشن الغارة على أهل المدائن يقتلون الولدان والرجال، ويبقرون بطون الحبالى، وهرب صاحب المدائن عنها وانتهت جماعة منهم إلى الكرخ، فقاتلهم أبو

بكر بن مخنف فقتلوه وخرج أمير الكوفة وهو الحرث بن أبي ربيعة القباع حتى انتهى إلى الصراة ومعه إبراهيم بن الأشتر وشبيب بن ربعي، وأسماء بن خارجة ويزيد بن الحرث ومحمد بن عمير، وأشاروا عليه بعقد الجسر والعبور إليهم، فانهزموا إلى المدائن. وأمر الحرث عبد الرحمن ابن مختف باتباعهم في ستة آلاف إلى حدود أرض الكوفة، فانتهوا إلى الري وعليها يزيد بن الحرث بن دويم الشيباني وما والاهم عليه أهل الري فهزموه وقتلوه. ثم انحطوا إلى أصبهان وبها عتاب بن ورقاء فحاصروه أشهرا وكان يقاتلهم على باب المدينة ثم دعا إلى الاستماتة في قتالهم فخرجوا وقاتلوهم، وانهزمت الخوارج وقتل الزبير واحتووا على معسكرهم. ثم بايع الخوارج قطري بن الفجاءة المازني ويكنى أبا نعامة وارتحل بهم إلى كرمان حتى استجمعوا فرجعوا إلى أصبهان فامتنعت، فأتوا الأهواز وقاموا. وبعث مصعب إلى المهلب فرده إلى قتال الخوارج وولى على الموصل والجزيرة إبراهيم بن الأشتر، وجاء المهلب فانتجعت الناس من البصرة وسار إلى الخوارج فلقيهم بسولاف واقتتلوا ثمانية أشهر وبعث مصعب إلى عتاب بن ورقاء الرباحي [1] عامل أصبهان بقتال أهل الري بما فعله في ابن دويم، فسار إليهم وعليهم الفرخان فقاتلهم وافتتحها عنوة وقلاعها وعاث في نواحيها.

** خبر ابن الحر ومقتله **

كان عبيد الله بن الحر الجعفي من خيار قومه صلاحا وفضلا. ولما قتل عثمان حزن عليه، وكان مع معاوية على علي، وكانت له زوجة بالكوفة فتزوجت لطول مغيبه.

فأقبل من الشام وخاصم زوجها إلى علي فعدد [2] عليه شهوده صفين. فقال:

أيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: لا ورد إليه امرأته. فرجع إلى الشام وجاء إلى الكوفة بعد مقتل علي ولقي إخوانه وتفاوضوا في النكير على علي ومعاوية. ولما قتل الحسين تغيب على ملحمته وسأل عنه ابن زياد فلم يره. ثم لقيه فأساء عذله، وعرض له بالكون مع عدوه فأنكر وخرج مغضبا. وراجع ابن زياد رأيه فيه فطلبه فلم يجده فبعث عنه فامتنع، وقال: أبلغوه أني لا آتيه طائعا أبدا وأتى منزل أحمد بن

زياد الطائي فاجتمع إليه أصحابه، وخرج إلى المدائن. ومضى لمصارع الحسين وأصحابه فاستغفر لهم، ولما مات يزيد وقعت الفتنة اجتمع إليه أصحابه وخرج بنواحي المدائن، ولم يعترض للقتل ولا للمال، إنما كان يأخذ مال السلطان متى لقيه فيأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ويرد الباقي ويأخذ لصاحب المال بما أخذ. وحبس المختار امرأته بالكوفة وجاء فأخرجها من الحبس وأخرج كل من فيه وأراد المختار أن يسطو به فمنعه إبراهيم بن الأشتر إلى الموصل لقتال ابن زياد. ثم فارقه ولم يشهد معه وشهد مع مصعب قتال المختار وقتله. ثم أغرى به مصعب فحبسه وشفع فيه رجال من وجوه مذحج فشفعهم وأطلقه، وأتى إليه الناس يهنئونه فصرح بأن أحدا لا يستحق بعد الأربعة ولا يحل أن يعقد لهم بيعة في أعناقنا، فليس لهم علينا من الفضل ما يستحقون به ذلك، وكلهم عاص مخالف، قوي الدنيا ضعيف الآخرة، ونحن أصحاب الأيام مع فارس، ثم لا يعرف حقنا وفضلنا وإني قد أظهرت لهم العداوة. وخرج للحرب فأغار فبعث إليه مصعب سيف بن هانئ المرادي يعرض عليه الطاعة على أن يعطيه قطعة من بلاد فارس فأبى، فسرح إليه الأبرد بن فروة الرباحي في عسكر فهزمه عبيد الله فبعث إليه حريث بن زيد فهزمه فقتله، فبعث إليه الحجاج بن حارثة الخثعمي ومسلم بن عمر فقاتلهما بنهر صرصر وهزمهما، فأرسل إليه مصعب بالأمان والولاية فلم يقبل، وأتى إلى فارس فهرب دهقانها بالمال وتبعه ابن الحر إلى عين التمر وعليه بسطام بن معقلة بن هبيرة الشيباني، فقاتل عبيد الله وأوفاهم الحجاج بن حارثة فهزمهما عبيد الله وأسرهما وأخذ المال الذي مع الدهقان. وأقام بتكريت ليحيي الخراج فسرح مصعب لقتاله الأبرد ابن فروة الرباحي والجون بن كعب الهمداني في ألف وأمدهم المهلب بيزيد بن المعقل في خمسمائة وقاتلهم عبيد الله يومين في ثلاثمائة ثم تحاجزوا وقال لأصحابه: إني سائر بكم إلى عبد الملك فتجهزوا! ثم قال: إني خائف أن أموت ولم أذعر مصعبا وقصد الكوفة وجاءته العساكر من كل جهة، ولم يزل يهزمهم ويقتل منهم بنواحي الكوفة والمدائن. وأقام يغير بالسواد ويجبي الخراج ثم لحق بعبد الملك فأكرمه وأجلسه معه على سريره، وأعطاه مائة ألف درهم وقسم في أصحابه الأعطيات وسأل من عبد الملك أن يوجه معه عسكرا لقتال مصعب فقال: سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا ممدك بالرجال. فسار نحو الكوفة ونزل بناحية الأنبار وأذن لأصحابه في

إتيان الكوفة ليخبروا أصحابه بقدومه. وبعث الحرث بن أبي ربيعة إليه جيشا كثيفا فقاتلهم وتفرق عنه أصحابه وأثخنه الجراح فخاض البحر إلى سفينة فركبها حتى توسط الفرات فأشرف خيل على السفينة وتبادروا به فقام يمشي في البحر فتعلقوا به فألقى نفسه في الماء مع بعضهم فغرقوه.

** حروب الخوارج مع عبد الملك والحجاج **

ولما استقر عبد الملك بالكوفة بعد قتل مصعب بعث على البصرة خالد بن عبد الله وكان المهلب يحارب الأزارقة فولاه على خراج الأهواز وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد إلى قتال الخوارج، ومعه مقاتل بن مسمع، وأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى داربجرد وبعث قطري بن الفجاءة صالح بن مخراق [1] في تسعمائة فاستقبل عبد العزيز ليلا على غير تعبية فانهزم وقتل مقاتل بن مسمع وأسرت بنت المنذر بن الجارود امرأة عبد العزيز فقتلها الخوارج. وتغير عبد العزيز إلى رامهرمز. وكتب خالد بالخبر إلى عبد الملك فكتب إليه [2] على ولاية أخيه الحرب وولاية المهلب جباية الخراج وأمره بأن يسرح المهلب بحربهم. وكتب إلى بشر بالكوفة بإمداده بخمسة آلاف مع من يرضاه، فإذا فرغوا من قتال الخوارج ساروا إلى الري، فكانوا هنالك مسلحة فأنفذ بشر العسكر وعليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكتب له عهده على الري. وخرج خالد بأهل البصرة ومعه المهلب واجتمعوا بالأهواز.

وجاءت الازارقة فأحرقوا السفن. ومر المهلب بعبد الرحمن بن الأشعث وأمره أن يخندق عليه وأقاموا كذلك عشرين ليلة. ثم زحف الخوارج بالناس فهال الخوارج كثرتهم وانصرفوا. وبعث خالد داود بن قحدم في آثارهم وانصرف إلى البصرة وكتب بالخبر إلى عبد الملك فكتب إلى أخيه بشر أن يبعث أربعة آلاف من أهل الكوفة إلى فارس، ويلحقوا بداود بن قحدم في طلب الأزارقة. فبعث بهم بشر بن عتاب ولحقوا بداود واتبعوا الخوارج حتى أصابهم الجهد ورجع عامتهم مشاة إلى الأهواز.

(ثم خرج أبو فديك) من بني قيس بن ثعلبة فغلب على البحرين وقتل نجدة بن عامر الحنفي كما مر. وهزم خالدا فكتب إلى عبد الملك بذلك، وأمر عبد الملك عمر بن عبيد الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير لقتال أبي فديك. فانتدب معه عشرة آلاف وسار بهم وأهل الكوفة على ميمنته عليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأهل البصرة في ميسرته عليهم عمر بن موسى أخيه، وهو في القلب وانتهوا إلى البحرين واصطفوا للقتال وحملوا على أبي فديك وأصحابه فكشفوا ميسرته حتى أبعدوا إلا المغيرة بن المهلب ومجاعة وعبد الرحمن وفرسان الناس فإنهم مالوا إلى أهل الكوفة بالميمنة ورجع أهل الميسرة. وحمل أهل الميمنة على الخوارج فهزموهم واستباحوا عسكرهم وقتلوا أبا فديك وحصروا أصحابه بالمشقر حتى نزلوا على الحكم فقتل منهم ستة آلاف وأسر ثمانمائة وذلك سنة ثلاث وسبعين. ثم ولى عبد الملك أخاه بشرا على البصرة فسار إليها وأمره أن يبعث المهلب إلى حرب الأزارقة وأن ينتخب من أهل البصرة من أراد ويتركه ورأيه في الحرب ويمده بعسكر كثيف من أهل الكوفة مع رجل معروف بالنجدة. فبعث المهلب لانتخاب الناس جديع بن سعيد بن قبيصة وشق على بشر أن ولاية المهلب من عبد الملك وأوغرت صدره فبعث على عسكر الكوفة عبد الرحمن ابن مخنف وأغراه بالمهلب في ترك مشورته وتنغصه. وسار المهلب إلى رامهرمز وبها الخوارج وأقبل ابن مخنف في أهل الكوفة فنزل على ميل منه بحيث يتراءى العسكران. ثم أتاهم نبأ بشر ابن مروان وأنه استخلف خالد بن عبد الله بن خالد على البصرة وخليفته على الكوفة عمر بن حريث فافترق ناس كثيرة من أهل البصرة وأهل الكوفة فنزلوا الأهواز وكتب إليهم خالد بن عبد الله يتهددهم فلم يلتفتوا إليه. وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة وكتب إليهم عمر بن حريث بالنكير والعود إلى المهلب ومنعهم الدخول فدخلوا ليلا إلى بيوتهم (ثم قدم الحجاج) أميرا على العراقين سنة خمس وسبعين فخطب بالكوفة خطبته المعروفة كان منها: «ولقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم إلى مصركم عاصين مخالفين، وأيم الله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهب داره» . ثم دعا العرفاء وقال ألحقوا الناس بالمهلب وأتوني بالبراءة بموافاتهم، ولا تغلقن أبواب الجسر. ووجد عمر بن ضابىء من المتخلفين وأخبر أنه من قتلة عثمان فقتله فأخر جند المهلب وازدحموا على الجسر وجاء العرفاء إلى المهلب برامهرمز

فأخذوا كتابه بموافاة الناس، وأمرهم الحجاج بمناهضة الخوارج فقاتلوهم شيئا ثم انزاحوا إلى كازرون وسار المهلب وابن مخنف فنزلوا بهم وخندق المهلب ولم يخندق ابن مخنف وبيتهم الخوارج فوجدوا المهلب حذرا فمالوا إلى ابن مخنف فانهزم عنه أصحابه وقاتل حتى قتل وفي حديث أهل الكوفة أنهم لما ناهضوا الخوارج مالوا إلى المهلب واضطروه إلى معسكره وأمده عبد الرحمن بعامة عسكره وبقي في خف من الجند. فمال إليه الخوارج فنزل ونزل معه القراء واحد وسبعون من أصحابه فقتلوا. وجاء المهلب من الغد فدفنه وصلى عليه وكتب بالخبر إلى الحجاج فبعث على معسكره عتاب بن ورقاء وأمره بطاعة المهلب، فأجاب لذلك وفي نفسه منه شيء. وعاتبه المهلب يوما ورفع إليه القضيب فرده ابنه المغيرة عن ذلك وكتب عتاب يشكو المهلب إلى الحجاج ويسأله العود وصادف ذلك أمر شبيب فاستقدمه وبقي المهلب.

** حروب الصفرية وشبيب مع الحجاج **

ثم خرج صالح بن مسرح التميمي من بني امرئ القيس بن زيد مناة وكان يرى رأي الصغرية وكان عابدا ومسكنه أرض الموصل والجزيرة وله أصحاب يقرئهم القرآن والفقه وكان يأتي الكوفة ويلقى أصحابه ويعد ما يحتاج إليه فطلبه الحجاج فترك الكوفة وجاء إلى أصحابه بالموصل ودار فدعاهم إلى الخروج وحثه عليه. وجاءه كتاب شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني من رءوسهم يحثه على مثل ذلك. فكتب إليه إني في انتظارك فاقدم. فقدم شبيب في نفر من أصحابه منهم أخوه المضاد والمحلل ابن وائل اليشكري ولقيه بدارا، وأجمع صالح الخروج. وبث إلى أصحابه وخرجوا في صفر سنة ست وسبعين. وأمر بالدعاء قبل القتال وخير في الدماء والأموال وعرضت لهم دواب لمحمد بن مروان بالجزيرة فأخذوها وحملوا عليها أصحابهم. وبلغ محمد بن مروان وهو أمير الجزيرة خروجهم فسرح إليهم عدي بن عدي الكندي في ألف فسار من حران وكان ناسكا فكره حروبهم وبعث إليهم بالخروج فحبسوا الرسول. فساروا إليه فطلعوا عليه وهو يصلي الضحى وشبيب في الميمنة وسويد بن سليم في الميسرة وركب عدي على غير تعبية فانهزم واحتوى الخوارج على معسكره ومضوا إلى آمد وسرح محمد بن مروان خالد بن حر السلمي في ألف وخمسمائة، والحرث بن جعونة العامري في مثلها، وقال: أيكما سبق فهو أمير على صاحبه.

وبعث صالح شبيبا إلى الحرث وتوجه نحو خالد وقاتلوهم أشد القتال واعتصم أصحاب محمد بخندقهم فسارت الخوارج عنهم وقطعوا أرض الجزيرة والموصل إلى الدسكرة. فسرح إليهم الحجاج الحرث بن عميرة ابن ذي الشعار في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة فلقيهم على تخم ما بين الموصل وصرصر والخوارج في تسعين رجلا.

فانهزم سويد بن سليم وقتل صالح وصرع شبيب. ثم وقف على صالح قتيلا فنادى بالمسلمين فلاذوا به ودخلوا حصنا هنالك وهم سبعون. وعاث الحرث بهم وأحرق عليهم الباب ورجع حتى يصحبهم من الغداة. فقال لهم شبيب بايعوا من شئتم من أصحابكم واخرجوا بنا إليهم فبايعوه وأطفئوا النار بالماء في اللبود وخرجوا إليه فبيتوا وصرح الحرث فحملوا أصحابه وانهزموا نحو المدائن وحوى شبيب عسكرهم. وسار شبيب إلى أرض الموصل فلقي سلامة بن سنان التميمي من تميم شيبان [1] إلا أخاه فضالة من أكابر الخوارج. وكان خرج قبل صالح في ثمانية عشر رجلا ونزل على ماء لبني عنزة فقتلوهم، وأتوا برءوسهم إلى عبد الملك يتقربون له بهم. فلما دعا شبيب سلامة إلى الخروج شرط عليه أن ينتخب ثلاثين فارسا ويسير بهم إلى عنزة فيثأر منهم بأخيه فقبل شرطه وسار إلى عنزة فأثخن فيهم وجعل يقتل الحلة بعد الحلة [2] . ثم أقبل شبيب إلى داران [3] في نحو سبعين رجلا ففرت منهم طائفة من بني شيبان نحو ثلاثة آلاف فنزلوا ديرا خرابا وامتنعوا منه، وسار في بعض حاجاته واستخلف أخاه مضاد بن يزيد بجماعة من بني شيبان في أموالهم مقيمين، فقتل منهم ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد وأشرف بنو شيبان على مضاد وأصحابه، وسألوا الأمان ليخرجوا إليهم ويسمعوا دعوتهم فأخرجوا وقبلوا ونزلوا إليهم واجتمعوا بهم وجاء شبيب فاستصوب فعلهم وسار بطائفة نحو أذربيجان. وكان الحجاج قد بعث سفيان بن أبي العالية الخثعمي إلى طبرستان يحاصرها في ألف فارس، فكتب إليه الحجاج أن يرجع فصالح أهل طبرستان ورجع فأقام بالدسكرة يطلب المدد وبعث الحجاج أيضا إلى الحرث بن عميرة الهمداني قاتل صالح أن يأتيه بجيش الكوفة والمدائن وإلى سورة

ابن أبجر التميمي [1] في خيل المناظر. ويعجل سفيان في طلب شبيب فلحقه بخانقين فاستطردهم وأكمن كمينا لهم مع أخيه، واتبعوه في سفح الجبل فخرج عليهم الكمين فانهزموا بغير قتال، وثبت سفيان وقاتل ثم حمل شبيب فانكشف ونجا إلى بابل مهرود، وكتب إلى الحجاج بالخبر وبوصول العساكر إلا سورة بن أبجر فكتب الحجاج إلى سورة يتهدده ويأمره أن يتخذ من المدائن خمسمائة فارس ويسير إلى شبيب فسار. وانتهى شبيب إلى المدائن ثم إلى الهندوان فترحم على أصحابه هنالك وبيتهم سورة هنالك وهم حذرون فلم يصب منهم الغرة ورجع نحو المدائن وشبيب في اتباعه. وخرج ابن أبي العصغي [2] عامل المدائن فقاتلهم وهرب الكثير من جنده إلى الكوفة ومضى شبيب إلى تكريت ووصل سورة إلى الكوفة بالغل فحبسه الحجاج ثم أطلقه. وسرح عثمان بن سعيد بن شرحبيل الكندي [3] ويلقب الجزل في أربعة آلاف ليس فيهم من المنهزمين أحد وساروا لحرب شبيب وأصحابه. وقدم بين يديه عياض بن أبي لبنة الكندي وجعلوا يتبعون شبيبا من رستاق إلى رستاق وهو على غير تعبية والجزل على التعبية ويخندق على نفسه متى نزل وطال ذلك على شبيب وكان في مائة وستين فقسمه على أربع فرق وثبت الجزل ومشايخه فلم يصب منهم فرجع عنهم.

ثم صحبهم ثانية فلم يظفر منهم بشيء. وسار الجزل في التعبية كما كان وشبيب يسير في أرض الخوارج وغيرها يكسب الخراج. وكتب الحجاج إلى الجزل ينكر عليه البطء ويأمره بالمناهضة وبعث سعيد بن المجالدي على جيش الجزل فجاءهم بالهندوان [4] ووبخهم وعجزهم وجاءهم الخبر بأن شبيبا قد دخل قطيطيا والدهقان يصلح لهم الغداء، فنهض سعيد في الناس وترك الجزل مع العسكر وقد صف بهم خارج الخندق وجاء سعيد إلى قطيطيا وعلم به شبيب فأكل وتوضأ وصلى. وخرج فحمل على سعيد وأصحابه مستعرضا فانهزموا وثبت سعيد فقتله وسار في اتباعهم إلى الجزل فقاتلهم الجزل حتى وقع بين القتلى جريحا. وكتب إلى الحجاج بالخبر وأقام بالمدائن وانتهى شبيب إلى الكرخ وعبر دجلة إليه وأرسل إلى سوق بغداد فأتاهم في يوم سوقهم

واشترى منه حاجاته وسار إلى الكوفة فلما قرب منها بعث الحجاج سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل فساروا إلى شبيب وأمر عثمان بن قطن فعسكر في السبخة وخالفه شبيب إلى أهل السبخة فقاتلوه وجاء سويد في آثاره فمضى نحو الحيرة وسويد في إتباعه ثم رحل من الحيرة. وجاء كتاب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه فمضى في إتيانه وشبيب يغير في طريقه وأخذ على القطقطانة ثم على قصر بني مقاتل ثم على الأنبار ثم ارتفع على أدنى أذربيجان. ولما أبعد سار الحجاج إلى البصرة واستعمل على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فجاءه كتاب دهقان بابل مهرود يخبره بقصد شبيب الكوفة فبعث بالكتاب إلى الحجاج. وأقبل شبيب حتى نزل عقرقوبا [1] ، ونزل وسار منها يسابق الحجاج إلى الكوفة. وطوى الحجاج المنازل فوصل الكوفة عند العصر ووصل شبيب عند المغرب فأراح وطعموا ثم ركبوا ودخلوا إلى السوق وضرب شبيب القصر بعموده. ثم اقتحموا المسجد الأعظم فقتلوا فيه من الصالحين ومروا بدار صاحب الشرطة فدعوه إلى الأمير ونكرهم فقتلوا غلامه ومروا بمسجد بني ذهل فقتلوا ذهل بن الحرث وكان يطيل الصلاة فيه. ثم خرجوا من الكوفة واستقبلهم النضر بن القعقاع بن شور الذهلي، وكان ممن أقبل مع الحجاج من البصرة فتخلف عنه فلما رآه قال: السلام عليك أيها الأمير، فقال له شبيب:

قل أمير المؤمنين ويلك! فقالها. وأراد شبيب أن يلقنه للقرابة بينهما. وكان النضر ناحية بيت هانئ بن قبيصة الشيباني فقال له: يا نضر لا حكم إلا لله ففطن بهم وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 وشد عليه أصحاب شبيب فقتلوه. ونادى منادي الحجاج بالكوفة يا خيل الله اركبي وهو بباب القصر وكان أول من أتاه عثمان بن قطن ابن عبد الله بن الحسين ذي القصة [2] ، ثم جاء الناس من كل جانب، فبعث الحجاج خالد بن الأسدي [3] وزائدة بن قدامة الثقفي وأبا الضريس مولى بني تميم، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر وزياد بن عبد الله العتكي [4] في ألفين ألفين وقال: إن كان حرب فأميركم زائدة بن قدامة وبعث معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله من سجستان، وكان عبد الملك قد ولاه عليها، وأمر الحجاج أن

يجهزه ويبعثه في آلاف من الجنود إلى عمله، فجهزه. وحدث أمر شبيب فقال له الحجاج: تجاهد ويظهر اسمك ثم تمضي إلى عملك، فساروا جميعا ونزلوا أسفل الفرات. وأخذ شبيب نحو القادسية وجرد الحجاج ألفا وثمانمائة من نقاوة الجند مع ذخر بن قيس [1] ، وأمره بمواقعة شبيب أينما أدركه، وإن ذهب فأتركه. فأدركه بالسلخين [2] وعطف عليه شبيب فقاتل ذخر حتى صرع وفيه بضعة عشر جرحا وانهزم أصحابه يظنون أنه قتل ثم أفاق من برد السحر فدخل قرية وسار إلى الكوفة ثم قصد شبيب وأعوانه وهم على أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة فقال: إن هزمناهم فليس دون الحجاج والكوفة مانع وانتهى إليهم وقد تعبوا للحرب وعلى الميمنة زياد بن عمر العتكي وعلى الميسرة بشر بن غالب الأسدي وكل أمير بمكانه. وعبى شبيب أصحابه ثلاثة كتائب فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمر فانكشفوا وثبت زياد قليلا. ثم حمل الثانية فانهزموا وانهزم جريحا عند المساء. ثم حملوا على عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر فانهزم ولم يقاتل ولحق بزياد بن عمر وحملت الخوارج حتى انتهت إلى محمد بن موسى بن طلحة عند الغروب فقاتلوه وصبر لهم ثم حمل مضاد أخو شبيب على بشر بن غالب في الميسرة فصبر ونزل في خمسين رجلا فقاتلوه حتى قتلوا. وحملت الخوارج على أبي الضريس مولى بني تميم فهزموه حتى انتهى إلى أعين ثم حملوا عليه وعلى أعين فهزموهما إلى زائدة بن قدامة. فلما انتهوا إليه نادى نزال [3] وقاتلهم إلى السحر ثم حمل شبيب عليه فقتله وقتل أصحابه ودخل أبو الضريس مع الفل إلى الجوسق بإزائهم. ورفع الخوارج عنهم السيف ودعوهم إلى البيعة لشبيب عند الفجر فبايعوه وكان فيمن بايعه أبو بردة وبقي محمد بن موسى لم ينهزم، فلما طلع الفجر سمع شبيب أذانهم وعلم مكانهم فأذن وصلى ثم حمل عليهم فانهزمت طائفة منهم وثبتت أخرى وقاتل محمد حتى قتل. وأخذ الخوارج ما في العسكر وانهزم الذين بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد. وجاء شبيب إلى الجوسق الذي فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه فأقام يوما عليهم وسار عنهم وأراده أصحابه على

الكوفة وازاءهم خوخى [1] فتركها وخرج على نفر وسمع الحجاج بذلك فظن أنه يريد المدائن وهي باب الكوفة وأكثر السواد لها فهاله ذلك وبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن وخوخى والأنبار وعزل عنها عبد الله بن أبي عصيفير. وقيل في مقتل محمد بن موسى غير هذا وهو أنه كان شهد مع عمر بن عبد الله بن معمر قتال أبي فديك فزوجه عمر ابنته، وكانت أخته تحت عبد الملك فولاه سجستان فمر بالكوفة وقيل للحجاج إن جاء إلى هذا أحد ممن تطلبه منعك منه فمره بقتال شبيب في طريقه لعل الله يريحك منه ففعل الحجاج. وعدل محمد إلى قتال شبيب وبعث إليه شبيب بدهاء الحجاج وخديعته إياه وأن يعدل عنه فأبى إلا شبيبا فبارزه وقتله شبيب. ولما انهزم الأمراء وقتل موسى بن محمد بن طلحة دعا الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث وأمره أن ينتخب ستة آلاف فارس ويسير في طلب شبيب أين كان، فسار لذلك. ثم كتب إليه وإلى أصحابه يتهددهم إن انهزموا ومر ابن الأشعث بالمدائن وعاد الجزل من جراحته فوصاه وحذره وحمله على فرسه وكانت لا تجاري. وسار شبيب على دقوقا وشهرزور وابن الأشعث في إتباعه إلى أن وقف على أرض الموصل وأقام يقاتله أهلها، فكتب إليه الحجاج: أما بعد فاطلب شبيبا وأسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فأقتله أو تنفيه فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده. فجعل ابن الأشعث يتبعه وشبيب يقصد به الأرض الخشنة الغليظة وإذا دنا منه رجع يبيته فيجده على حذرة حتى أتعب الجيش وأحفى دوابهم ونزل بطن أرض الموصل ليس بينه وبين سواد إلا نهر حولايا [2] في دادان الأعلى من أرض خوخى ونزل عبد الرحمن في عواقيل النهر وكانت أيام النحر، وطلب شبيب الموادعة فيها فأجابه قصدا للمطاولة وكتب عثمان بن قطن بذلك إلى الحجاج فنكر وبعث إلى عثمان بن قطن بإمارة العسكر وأمره بالمسير وعزل عبد الرحمن بن الأشعث وبعث على المدائن مطرف بن المغيرة مكان ابن قطن وقدم ابن قطن على عسكر الكوفة عشية يوم التروية وناداهم إلى الحرب فاستمهلوه وأنزله عبد الرحمن بن الأشعث وأصبحوا إلى القتال ثالث يومهم على تعبية وفي الميمنة خالد بن نهيك بن قيس وفي الميسرة عقيل بن شداد السلولي وابن قطن في الرجالة

وعبر إليهم شبيب في مائة وثلاثين رجلا فوقف في الميمنة وأخوه مضاد في القلب وسويد بن سليم في الميسرة وحمل شبيب على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل وقتل معه مالك بن عبد الله الهمداني وحمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها وقاتل خالد بن نهيك فجاء شبيب من ورائه فقتله وتقدم عثمان إلى مضاد في القلب فاشتد القتال وحمل شبيب من وراء عثمان وعطف عليهم سويد بن سليم ومضاد من القلب حتى أحاطوا به فقتلوه وانهزمت العساكر ووقع عبد الرحمن بن الأشعث فأتاه ابن أبي شثبة الجعفي [1] وهو على بغلة فأردفه ونادى في الناس باللحاق بدير أبي مريم ورفع شبيب السيف عن الناس ودعاهم إلى البيعة فبايعوه ولحق ابن الأشعث بالكوفة فاختفى حتى أمنه الحجاج ومضى شبيب إلى ماه نهرادان [2] فأقام فيه فصل الصيف فلحق به من كان للحجاج عليه تبعة ثم أقبل إلى المدائن في ثمانمائة رجل وعليها مطرف بن المغيرة وبلغ الخبر إلى الحجاج فقام في الناس وتسخط وتوعد. فقال زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستطيع القيام إلا معتمدا: أنت تبعث الناس متقطعين فيصيبون منهم فاستنفر الناس جميعا وابعث عليهم رجلا شجاعا مجربا يرى الفرار عارا والصبر مجدا وكرما. فقال الحجاج: أنت ذلك الرجل! فقال: إنما يصلح من يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ويثبت على الفرس ولا أطيق من هذا شيئا وقد ضعف بصري ولكن أكون مع أمير وأشير عليه.

فقال له: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله أول أمرك وآخره. ثم قال للناس:

سيروا فتجهزوا بأجمعكم فتجهزوا وكتب الحجاج إلى عبد الملك بأن شبيبا شارف المدائن يريد الكوفة وهم عاجزون عن قتاله بما هزم جندهم وقتل أمراءهم ويستمده من جند الشام، فبعث إليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين وذلك سنة ست وسبعين وكتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرياحي يستقدمه من عند المهلب وقد وقع بينهما كما مر فقدم عتاب وولاه على الجيش فشكر زهرة بن حوية له وقال: رميتهم بحجرهم والله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل. وبعث الحجاج إلى جند الشام يحذرهم البيات ويوصيهم

الاحتياط وأن يأتوا على عين التمر. وعسكر عتاب بجماع أعين [1] ثم قطع شبيب دجلة الى المدائن وبعث إليه مطرف أن يأتيه رجال من وجوههم ينظر في دعوتهم فرجا منه وبعث اليه بغيث بن سويد [2] في جماعة مكثوا عنده أربعا ولم يرجعوا من مطرف بشيء. ونزل عتاب الصراة وخرج مطرف إلى الجبال خوفا أن يصل خبره مع شبيب إلى الحجاج فخلا لهم الجو. وجاء مضاد إلى المدائن فعقد الجسر ونزل عتاب سوق حكم [3] في خمسين ألفا وسار شبيب بأصحابه في ألف رجل، فصلى الظهر بساباط وأشرف على عسكر عتاب عند المغرب وقد تخلف عنه أربعمائة من أصحابه فصلى المغرب، وعبى أصحابه ستمائة سويد بن سليم في مائتين في الميسرة، والمحلل بن وائل في مائتين في الميمنة وهو في مائتين في القلب. وكان على ميمنة عتاب محمد بن عبد الرحمن بن سعيد وعلى ميسرته نعيم بن عليم وعلى الرجالة حنظلة بن الحرث اليربوعي وهو ابن عمه وهم ثلاثة صفوف بين السيوف والرماح والرماة. ثم حرض الناس طويلا وجلس في القلب ومعه زهرة بن مرتد [4] وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وابو بكر بن محمد بن أبي جهم العدوي وأقبل شبيب حين أضاء القمر بين العشاءين فحمل على الميسرة وفيها ربيعة فانقضوا وثبت قبيصة بن والق وعبيد بن الحليس ونعيم بن عليم على رايتهم حتى قتلوا. ثم حمل شبيب على عتاب بن ورقاء وحمل سويد بن سليم على محمد بن سليم في الميمنة في تميم وهمدان واشتد القتال وخالط شبيب القلب وانفضوا وتركوا عتابا وفر ابن الأشعث في ناس كثيرين وقتل عتاب بن ورقاء وركب زهرة بن حوية فقاتل ساعة ثم طعنه عامر بن عمر الثعلبي من الخوارج ووطأته الخيل فقتله الفضل بن عامر الشيباني منهم، ووقف عليه شبيب وتوجع له ونكر الخوارج ذلك وقالوا: أتتوجع لرجل كافر؟ فقال: أعرف قديمه.

ثم رفع السيف عن الناس ودعا للبيعة فبايعوه وهربوا تحت ليلهم وحوى ما في العسكر وأتاه أخوه من المدائن وأقام يومين ثم سار نحو الكوفة ولحق سفيان بن الأبرد وعسكر الشام بالحجاج، فاستغنى بهم عن أهل الكوفة واشتد بهم وخطب فوبخ أهل الكوفة

وعجزهم وجاء شبيب فنزل حمام أعين فسرح الحجاج إليه الحرث بن معاوية الثقفي في نحو ألف من الشرط لم يشهدوا يوم عتاب فبادر إليه شبيب فقتله وانهزم أصحابه إلى الكوفة وأخرج الحجاج مواليه فأخذوا بأفواه السكك وجاء شبيب فنزل السبخة ظاهر الكوفة وبنى بها مسجدا وسرح الحجاج مولاه أبا الورد في غلمان لقتاله فحمل عليه شبيب وقتله يظنه الحجاج ثم أخرج إليه مولاه طهمان كذلك فقتله. فركب الحجاج في أهل الشام وجعل سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف على أفواه السكك وقعد على كرسيه ونادى في أهل الشام وحرضهم فغضوا الأبصار وجثوا على الركب وشرعوا الرماح وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس معه ومع سويد بن سليم ومع المحلل بن وائل وحمل سويد وبيتوا وطاعنوه حتى انصرف وقدم الحجاج كرسيه وحمل المحلل ثانية فكذلك وقدم الحجاج كرسيه فثبتوا له وألحقوه بأصحابه. وسرب شبيب سويد بن سليم إلى أهل السكك وكان عليها عروة بن المغيرة بن شعبة فلم يطق دفاعه ثم حمل شبيب فطاعنوه وردوه وانتهى الحجاج إلى مسجده وصعده وملك العرصة. وقال له خالد ابن عتاب ائذن لي في قتالهم فإني موتور فأذن له، فجاءهم من ورائهم وقتل أخا شبيب وغزالة امرأته وخرق عسكرهم وحمل الحجاج عليهم فانهزموا، وتخلف شبيب ردءا لهم. فأمر الحجاج أصحابه بموادعتهم ودخل الكوفة فخطب وبشر الناس. ثم سرح حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف فارس لاتباعه وحذره بيانه فانتهى في أثره إلى الأنبار وقد افترق عن شبيب كثير من أصحابه للأمان الذي نادى الحجاج به، فجاءه شبيب عند الغروب وقد قسم حبيب جنده أرباعا وتواصوا بالاستماتة فقاتلهم شبيب طائفة بعد طائفة فما زالت قدم إنسان عن موضعها إلى آخر الليل. ثم نزل شبيب وأصحابه واشتد القتال وكثر القتلى وسقطت الأيدي وفقئت الأعين، وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين ومن أهل الشام نحو مائة وأدركهم الإعياء والفشل جميعا فانصرف شبيب بأصحابه وقطع دجلة ومر في أرض خوخى.

ثم قطع دجلة أخرى عند واسط ومضى على الأهواز وفارس إلى كرمان ليريح بها.

(وقد قيل) في هذه الحرب غير هذا، وهو أن الحجاج بعث إليه أمراء واحدا بعد واحد فقتلهم وكان منهم أعين صاحب حمام أعين وكان غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين [1] بالبقرة وآل عمران فجاء شبيب ودخل الكوفة ليلا

وأوفت بنذرها. ثم قاتلهم الناس وخرجوا وقام الحجاج في الناس يستشيرهم وبرز إليه قتيبة وعذله في بعث الرعاع ينهزمون ويموت قائدهم والرأي أن تخرج بنفسك فتحالمه [1] فخرج من الغد إلى السبخة وبها شبيب واختفى مكانه عن القوم ونصب أبا الورد مولاه تحت اللواء فحمل عليه شبيب فقتله. ثم حمل على خالد بن عتاب في الميسرة ثم على مطرف بن ناجية [2] في الميمنة فكشفهما ونزل عند ذلك الحجاج وأصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد وبينما هم على ذلك إذ اختلف الخوارج وقال مصقلة بن مهلهل الضبي لشبيب: ما تقول في صالح بن مسرح؟

قال: برئت منه. فبرئ مصقلة منه، وفارقه. وشعر الحجاج باختلافهم فسرح خالد بن عتاب لقتالهم فقاتلهم في عسكرهم وقتل غزالة وبعث برأسها إلى الحجاج فأمر شبيب من اعترضه فقتل حامله، وجاء به فغسله ودفنه. وانصرف الخوارج وتبعهم خالد وقتل مضاد أخو شبيب ورجع خالد عنهم بعد أن أبلى. وسار شبيب إلى كرمان. وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستمده فبعث إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في العساكر فأنفق فيهم المال، وسرحه بعد انصراف الخوارج بشهرين وكتب إلى عامل البصرة وهو الحكم بن أيوب زوج ابنته أن يبعث بأربعة آلاف فارس من جند البصرة إلى سفيان فبعثهم مع زياد بن عمر العتكي فلحقه [3] انقضاء الحرب. وكان شبيب بعد أن استجم بكرمان أقبل راجعا فلقي سفيان بالأهواز فعبر إليه جسر دجيل وزحف في ثلاثة كراديس فقاتلهم أشد قتال وحملوا عليهم أكثر من ثلاثين حملة وسفيان وأهل الشام مستميتين يزحفون زحفا حتى اضطر الخوارج إلى الجسر فنزل شبيب في مائة من أصحابه، وقاتل إلى المساء حتى إذا جاء الليل انصرف وجاء إلى الجسر فقدم أصحابه وهو على أثرهم فلما مر بالجسر اضطرب حجر تحت حافر فرسه وهو على حرف السفينة فسقط في الماء وغرق وهو يقول: وكان أمر الله مفعولا، ذلك تقدير العزيز العليم. وجاء صاحب الجسر إلى سفيان وهو يريد الانصراف بأصحابه فقال: إن رجلا من الخوارج سقط فتنادوا بينهم غرق أمير

المؤمنين ومروا وتركوا عسكرهم فكبر سفيان وأصحابه وركب إلى الجسر وبعث إلى عسكرهم فحوى ما فيه وكان كثير الخيرات ثم استخرجوا شبيبا من النهر ودفنوه.

** خروج المطرف والمغيرة بن شعبة **

لما ولى الحجاج الكوفة وقدمها وجد بني المغيرة صلحاء أشرافا فاستعمل عروة على الكوفة ومطرفا على المدائن وحمزة على همذان فكانوا أحسن العمال سيرة وأشدهم على المريب. ولما جاء شبيب إلى المدائن نزل نهر شير [1] ومطرف بمدينة الأبواب فقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن يرسل إليه من يعرض عليه الدعوة، فبعث إليه رجلا من أصحابه فقالوا نحن ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأنا نقمنا على قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتبسط بالجزية فقال مطرف دعوتم إلى حق [2] جورا ظاهرا وأنا لكم متابع فبايعوني على قتال هؤلاء الظلمة بإحداثهم وعلى الدعاء إلى الكتاب والسنة على الشورى كما تركها عمر بن الخطاب حتى يولي المسلمون من يرضونه، فإن العرب إذا علمت أن المراد بالشورى الرضا من قريش رضوا فكثر مبايعكم فقالوا: لا نجيبك إلى هذا! وأقاموا أربعة أيام يتناظرون في ذلك ولم يتفقوا وخرجوا من عنده. ثم دعا مطرف أصحابه وأخبرهم بما دار بينه وبين أصحاب شبيب وأن رأيه خلع عبد الملك والحجاج فوجموا من قوله وأشاروا عليه بالكتمان فقال له يزيد بن أبي زياد مولى أبيه لن والله يخفى على الحجاج شيء مما وقع ولو كنت في السحاب لاستنزلك فالنجاء بنفسك، ووافقه أصحابه فسار عن المدائن إلى الجبال ولما كان في بعض الطريق دعا أصحابه إلى الخلع والدعاء إلى الكتاب والسنة، وأن يكون الأمر شورى فرجع عنه بعض إلى الحجاج منهم سبرة بن عبد الرحمن مخنف وسار مطرف ومر بحلوان وبها سويد بن عبد الرحمن السعدي مع الأكراد فاعترضوه فأوقع مطرف بهم وأثخن في الأكراد ومال عن همذان ذات اليمين وبها أخوه حمزة واستمده بمال وسلاح فأمده سرا. وسار إلى قم وقاشان فبعث عماله في نواحيه وفزع إليه كل جانب فجاء سويد بن سرحان الثقفي وبكير بن هارون

النخعي من الري في نحو مائة رجل. وكان على الري عدي بن زياد الأيادي وعلى أصبهان البراء بن قبيصة فكتب إلى الحجاج بالخبر واستمده فأمده بالرجال، وكتب إلى عدي بالري أن يجتمع مع البراء على حرب مطرف فاجتمعوا في ستة آلاف وعدي أميرهم. وكتب الحجاج إلى قيس بن سعد البجلي [1] وهو على شرطة حمزة بهمذان بأن يقبض على حمزة ويتولى مكانه فجاءه في جمع من عجل وربيعة وأقرأه كتاب الحجاج فقال سمعا وطاعة. وقبض قيس عليه وأودعه السجن وسار عدي والبراء نحو مطرف فقاتلوه وانهزم أصحابه وقتل يزيد مولى أبيه وكان صاحب الراية.

وقتل من أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي وكان ناسكا صالحا وكان الذي تولى قتل مطرف عمر بن هبيرة الفزاري. وبعث عدي أهل البلاء إلى الحجاج وأمر بكير بن هارون وسويد بن سرحان، وكان الحجاج يقول مطرف ليس بولد للمغيرة وإنما هو ابن مصقلة الحر، لأن أكثر الخوارج كانوا من ربيعة لم يكن فيهم من قيس.

** اختلاف الازارقة **

قد تقدم لنا مقام المهلب في قتال الأزارقة على سابور بعد مسير عتاب عنه إلى الحجاج وأنه أقام في قتالهم سنة، وكانت كرمان لهم وفارس للمهلب فانقطع عنهم المدد وضاقت حالهم فتأخروا إلى كرمان وتبعهم المهلب ونزل خيررفت [2] مدينة كرمان وقاتلهم حتى أزالهم عنها وبعث الحجاج العمال على نواحيها وكتب إليه عبد الملك بتسويغ [3] للمهلب معونة له على الحرب. وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة يستحثه لقتال الخوارج فسار وقاتلهم والبراء مشرف عليه من ربوة واشتد قتاله، وجاء البراء من الليل فتعجب لقتاله وانصرف إلى الحجاج وأنهى غدر المهلب وقاتلهم ثمانية عشر شهرا لا يقدر منهم على شيء. ثم وقع الاختلاف بينهم فقيل في سببه ان المقعطر الضبي وكان عاملا لقطري على بعض نواحي كرمان قتل

بعض الخوارج فطلبوا القود منه فمنعه قطري وقال: تأول فأخطأ، وهو من ذوي السابقة فاختلفوا وقيل بل كان رجل في عسكرهم يصنع النصول مسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب فكتب المهلب كتابا مع رجل وامرأة أن يلتقيه في عسكرهم وفيه وصلت نصالك وقد أنفذت إليك ألف درهم. فلما وقف على الكتاب سأل الصانع فأنكر فقتله فأنكر عليه عبد ربه الكبير واختلفوا. (وقيل) بعث المهلب نصرانيا وأمره بالسجود لقطري فقتله بعض الخوارج وولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا فبقي في نحو الخمسين منهم وأقاموا يقتتلون شهرا، ثم لحق قطري بطبرستان وأقام عبد ربه بكرمان وقاتلهم المهلب وحاصرهم بخيرفت [1] ولما طال عليهم الحصار خرجوا بأموالهم وحريمهم وهو يقاتلهم حتى أثخن فيهم. ثم دخل خيرفت وسار في اتباعهم فلحقهم على أربعة فراسخ فقاتلهم هو وأصحابه حتى أعيوا وكف عنهم. ثم استمات الخوارج ورجعوا فقاتلوه حتى يئس من نفسه. ثم نصره الله عليهم وهزمهم وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف كان منهم عبد ربه الكبير ولم ينج إلا القليل. وبعث المهلب المبشر إلى الحجاج فأخبره وسأله عن بني المهلب فأثنى عليهم واحدا واحدا قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها. فاستحسن قوله وكتب إلى المهلب يشكره ويأمره أن يولي على كرمان من يراه وينزل حامية ويقدم عليه، فولى عليها ابنه يزيد وقدم على الحجاج فاحتفل لقدومه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب! وسرح سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش عظيم نحو طبرستان لطلب قطري وعبيدة بن هلال ومن معهم من الخوارج. والتقوا هنالك بإسحاق بن محمد بن الأشعث في أهل الكوفة واجتمعا على طلبهم، فلقوهم في شعب من شعب طبرستان وقاتلوهم فافترقوا عن قطري ووقع عن دابته فتدهده إلى أسفل الشعب ومر به علج فاستقاه على أن يعطيه سلاحه، فعمد إلى أعلى الشعب وحدر عليه حجرا من فوق الشعب فأصابه في رأسه فأوهنه ونادى بالناس فجاء في أولهم نفر من أهل الكوفة فقتلوه [2] منهم سورة بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف والسياح بن محمد بن الأشعث [3] وحمل رأسه أبو الجهم إلى

إسحاق بن محمد فبعث به إلى الحجاج، وبعثه الحجاج إلى عبد الملك وركب سفيان فأحاط بالخوارج وحاصرهم حتى أكلوا دوابهم، ثم خرجوا إليه واستماتوا فقتلهم أجمعين وبعث برءوسهم إلى الحجاج ودخل دنباوند وطبرستان فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل دير الجماجم. قال بعض العلماء وانقرضت الأزارقة بعد قطري وعبيدة آخر رؤسائهم وأول رؤسائهم نافع بن الأزرق. واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة إلى أن افترقوا كما ذكرناه سنة سبع وسبعين فلم تظهر لهم جماعة، إلى رأس المائة.

** خروج سودب **

خرج سودب [1] هذا أيام عمر بن عبد العزيز على رأس المائة واسمه بسطام وهو من بني يشكر فخرج في مائتي رجل وسار في خوخى [2] وعامل الكوفة يومئذ عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. فكتب إليه عمر أن لا يعرض لهم حتى يقتلوا أو يفسدوا فيوجه إليهم الجند مع صليب حازم فبعث عبد الحميد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين فأقام بإزائه لا يحركه. وكتب عمر إلى سودب: بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله، وكنت أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك فإن كان الحق معنا دخلت مع الناس، وإن كان الحق معك نظرنا في أمرك. فبعث إليه عاصما الحبشي مولى بني شيبان ورجلا من بني يشكر فقدما عليه بخاصر [3] فسألهما ما أخرجكم وما الذي نقمتم؟ فقال عاصم ما نقمنا سيرتك إنك لتتحرى العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر مشورة من الناس أم غلبت عليه؟ قال عمر: ما سألته ولا غلبت عليه وعهد إلي رجل قبلي فقمت ولم ينكر أحد، ومذهبكم الرضا لكل من عدل، وإن أنا خالفت الحق فلا طاعة لي عليكم. قالا: فقد خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم فتبرأ منهم والعنهم فقال عمر: أنتم تريدون الآخرة وقد أخطأتم طريقها، وإن الله لم يشرع اللعن. وقد قال إبراهيم: ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقال: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وبقي تسمية أعمالهم مظالم ذما، ولو كان لعن أهل الذنوب فريضة لوجب عليكم لعن فرعون، أنتم لا تلعنونه وهو أخبث

الخلق، فكيف ألعن أنا أهل بيتي وهم مصلون صائمون ولم يكفروا بظلمهم! لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإيمان والشريعة، فمن عمل بها قبل منه، ومن أحدث حدثا فرض عليه الحد. فقالا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى التوحيد والإقرار بما نزل عليه. فقال عمر: وليس أحد ينكر ما نزل عليه ولا يقول لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن القوم أسرفوا على أنفسهم. قال عاصم: فابرأ منهم ورد أحكامهم. قال عمر: أتعلمان أن أبا بكر سبى أهل الردة وأن عمر ردها بالفدية ولم يبرأ من أبي بكر وأنتم لا تبرءون من واحد منهما. قال:

فأهل النهروان خرج أهل الكوفة منهم فلم يقتتلوا ولا استعرضوا وخرج أهل البصرة فقتلوا عبد الله بن حباب وجارية حاملا، ولم يتبرأ من لم يقتل ممن قتل واستعرض، ولا أنتم تتبرءون من واحد منهما. وكيف ينفعكم ذلك مع علمكم باختلاف أعمالكم؟

ولا يسعني أنا البراءة من أهل بيتي والدين واحد فاتقوا الله ولا تقبلوا المردود وتردوا المقبول، وقد أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد شهادة الإسلام وعصم ماله ودمه، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر الأديان وتحرمون دماءهم وأموالهم فقال اليشكري من استأمن على قوم وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون أتراه أدى الحق الذي لزمه؟ فكيف تسلم هذا الأمر بعدك إلى يزيد مع علمك أنه لا يعدل فيه؟ فقال: إنما ولاه غيري والمسلمون أولى بذلك بعدي. قال: فهو حق ممن فعله وولاه، قال أنظراني ثلاثا ثم جاءه عاصم فرجع عن رأي الخوارج وقال له اليشكري: أعرض عليهم ما قلت واسمع حجتهم. وأقام عاصم عند عمرو وأمر له بالعطاء وتوفي عمر لأيام قلائل ومحمد بن جرير ينتظر عود الرسل. ولما مات عمر كتب عبد الحميد إلى محمد بن جرير بمناجزة سودب قبل أن يصل إليهم خبر عمر، فقالت الخوارج ما خالف هؤلاء ميعادهم إلا وقد مات الرجل الصالح. واقتتلوا فانهزم محمد بن جرير واتبعه الخوارج إلى الكوفة، ورجعوا وقدم على سودب صاحباه وأخبراه بموت عمر، وسرح يزيد تميم بن الحباب في ألفين فهزمه أصحابه، ثم بعث إليهم الشجاع بن وداع [1] في ألفين فقتلوه وهزموه بعد أن قتل منهم هدبة ابن عم سودب وبقي الخوارج بمكانهم. وجاء مسلمة إلى الكوفة فأرسل سعيد بن عمرو

الحريشي [1] في عسكر [2] آلاف فاستماتت الخوارج وكشفوا العساكر مرارا ثم حملوا عليهم فطحنوهم طحنا. وقتل سودب وأصحابه ولم يبق منهم أحد، وضعف أمر الخوارج إلى ظهور [3] أيام هشام سنة عشرين ومائة بهلول بن بشر بن شيبان وبلغت كنارة، وكان لما عزم على الخوارج حج ولقي بمكة من كان على رأيه، فأبعدوا إلى قرية من قرى الموصل واجتمعوا بها وهم أربعون وأمروا عليهم البهلول وأخفوا أنفسهم بأنهم قدموا من عند هشام ومروا بقرية كان بهلول ابتاع منها خلا فوجده خمرا وأبى البائع من رده واستعدى عليه عامل القرية، فقال: الخمر خير منك ومن قومك فقتلوه وأظهروا أمرهم وقصدوا خالد القسري بواسط وتعللوا عليه بأنه يهدم المساجد ويبني الكنائس ويولي المجرد على المسلمين. وجاء الخبر إلى خالد فتوجه من واسط إلى الحيرة وكان بها جند من بني العين نحو ستمائة بعثوا مددا لعامل الهند، فبعثهم خالد مع مقدمهم لقتال بهلول وأصحابه وضم إليهم مائتين من الشرط والتقوا على الفرات، فقتل مقدمهم وانهزموا إلى الكوفة، وبعث خالد عابدا الشيباني من بني حوشب بن يزيد بن رويم فلقيه بين الموصل والكوفة فهزمهم إلى الكوفة وارتحل يريد الموصل. ثم بدا له وسار يريد هشاما بالشام وبعث خالد جندا من العراق وعامل الجزيرة جندا، وبعث هشام جندا فاجتمعوا بين الجزيرة والموصل بكحيل وهم في عشرين ألفا وبهلول في سبعين فقاتلوا واستماتوا وصرع بهلول وسأله أصحابه العهد فعهد إلى دعامة الشيباني ثم إلى عمر اليشكري من بعده. ومات بهلول من ليلته وهرب دعامة وتركهم ثم خرج عمر اليشكري فلم يلبث أن قتل. (ثم خرج) على خالد بعد ذلك بسنتين الغفري صاحب الأشهب وبهذا كان يعرف فبعث اليه السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف فالتقوا بناحية الفرات فانهزمت الخوارج ولقيهم عبيد أهل الكوفة وغوغاؤهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم. ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة فقتل وأحرق القرى فوجه إليه خالد جندا فقتلوا أصحابه، وأثخن بالجراح وأتى به خالد فوعظه فأعجبه وعظه فأعفاه من القتل. وكان يسامره بالليل وسعى بخالد إلى هشام وأنه أخذ حروريا يستحق القتل فجعله سميرا، فكتب إليه

هشام بقتله فقتله. ثم خرج بعد ذلك الصخاري بن شبيب بالفريضة فمضى وندم خالد فطلبه فلم يرجع، وأتى جبل وبها نفر من اللات بن ثعلبة فأخبرهم وقال: إنما أردت التوصل إليه لأقتله بفلان من قعدة الصغرية كان خالد قتله صبرا. ثم خرج معه ثلاثون منهم فوجه إليهم خالد جندا فلقوهم بناحية المناذر فاقتتلوا فقتل الصحاري وأصحابه أجمعون. ورد أمر الخوارج بعد ذلك مرة فلما وقعت الفتن أيام هشام بالعراق والشام وشغل مروان بمن انتقض عليه فخرج بأرض كفريموتا سعيد بن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة وكان على رأي الحرورية، وخرج بسطام البهسي في مثل عدتهم من ربيعة، وكان مخالفا لرأيه، فبعث إليه من الصغرية أربعة آلاف أو يزيدون. وولى مروان على العراق النضر بن سعيد الحريشي وعزل به عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فامتنع عبد الله بالحيرة، وسار إليه النضر وتحاربا أشهرا. وكانت الصغرية مع النضر عصبة لمروان لطلبه بدم الوليد وأمه قيسية. فلما علم الضحاك والخوارج باختلافهم، أقبل إلى العراق سنة سبع وعشرين وزحف إليهم فتراسل ابن عمر والنضر وتعاقدا واجتمعا لقتاله بالكوفة، وكل واحد منهما يصلى بأصحابه وابن عمر أمير على الناس وجاء الخوارج فقاتلوهم فهزموهم إلى خندقهم ثم قاتلوهم في اليوم الثاني كذلك فسلك الناس إلى واسط منهم النضر بن سعيد الحريشي ومنصور ابن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وغيرهم من الوجوه. فلحق ابن عمر بواسط واستولى الضحاك على الكوفة وعادت الحرب بين ابن عمر والنضر. ثم زحف إليهما الضحاك فاتفقا وقاتلا حتى ضرستهما الحرب، ولحق منصور بن جمهور بالضحاك والخوارج وبايعهم ثم صالحهم ابن عمر ليشغلوا مروان عنه، وخرج إليهم وصلى خلف الضحاك وبايعه وكان معه سليمان بن هشام وصل إليه هاربا من حمص لما انتقض بها وعليه عليها مروان فلحق بابن عمر وبايع معه الضحاك وصار معه وحرضه على مروان انما لحق بالضحاك وهو يحاصر نضيرا وتزوج أخت شيبان الحروري. فرجع الضحاك إلى الكوفة وسار منها إلى الموصل بعد عشرين شهرا من حصار واسط، بعد أن دخل أهل الموصل وعليهم القطرن أم أكمه من بني شيبان عامل لمروان فأدخلهم أهل البلد وقاتلهم القطرن فقتل ومن معه وبلغ الخبر إلى مروان وهو يحاصر حمص فكتب إلى ابنه عبد الله أن يسير إلى يمانع الضحاك عن توسط الجزيرة فسار في ثمانية آلاف فارس

والضحاك في مائة ألف وحاصره بنصيبين. ثم سار مروان بن محمد إليه فالتقيا عند كفريموتا من نواحي ماردين فقاتله عامة يومه إلى الليل وترجل الضحاك في نحو ستة آلاف وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وعثر على الضحاك في القتلى فبعث مروان برأسه إلى [1] الجزيرة وأصبح الخوارج فبايعوا الخبيري قائد الضحاك وعاودوا الحرب مع مروان فهزموه وانتهوا إلى خيامه فقطعوا أطنابهم وجلس الخبيري على فرشه والجناحان ثابتان وعلى الميمنة عبد الله بن مروان وعلى الميسرة إسحاق بن مسلم العقيلي فلما انكشف قلة الخوارج أحاطوا بهم في مخيم مروان فقتلوهم جميعا والخبيري معهم. ورجع مروان من نحو ستة أميال وانصرف الخوارج وبايعوا شيبان الحروري وهو شيبان بن عبد العزيز اليشكري ويكنى أبا الدلقاء وقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف من يومئذ وأقام في قتالهم أياما وانصرف عن شيبان كثير منهم وارتحلوا إلى الموصل بإشارة سليمان بن هشام وعسكروا شرقي دجلة، وعقدوا الجسور واتبعهم مروان فقاتلهم لتسعة أشهر، وقتل من الطائفتين خلق كثير وأسر ابن أخ لسليمان بن هشام اسمه أمية بن معاوية فقطعه ثم ضرب عنقه وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة وهو بقرقيسياء يأمره بالسير إلى العراق وولاه عليها وعلى الكوفة يومئذ المثنى بن عمران العائدي من قريش خليفة للخوارج فلقي ابن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا وانهزمت الخوارج. ثم تجمعوا له بالنخيلة ظاهر الكوفة فهزمهم، ثم تجمعوا بالبصرة فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة فهزمهم ابن هبيرة وقتل عبيدة واستباح عسكرهم، واستولى على العراق وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فمضى إلى الماهين وغلب عليها وعلى الخيل جميعا، وسار ابن هبيرة إلى واسط فحبس ابن عمر وكان سليمان بن حبيب عامل ابن عمر على الأهواز فبعث ابن هبيرة إليه نباتة بن حنظلة، وبعث هو داود بن حاتم والتقيا على دجلة

فانهزم داود وقتل وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن يبعث إليه عامر بن ضبابة المزني فبعثه في ثمانية آلاف وبعث شيبان لاعتراضه الجون بن كلاب الخارجي في جمع فانهزم عامر وتحصن بالسند وجعل مروان يمده بالجنود وكان منصور بن جمهور بالجبل يمد شيبان بالأموال. ثم كثرت جموع عامر فخرج إلى الجون والخوارج اللذين يحاصرونه فهزمهم وقتل الجون وسار قاصدا الخوارج بالموصل، فارتحل شيبان عنها وقدم عامر على مروان فبعثه في اتباع شيبان، فمر على الجبل وخرج على بيضاء

فارس وبها يومئذ عامر بن عبد الله بن حطويه بن جعفر [1] في جموع كثيرة، فسار ابن معاوية إلى كرمان وقاتله عامر فهزمه ولحق بهراة وسار عامر بمن معه فلقي شيبان والخوارج بخيرفت [2] فهزمهم واستباح عسكرهم ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها سنة ثلاثين ومائة، وقيل بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل شهرا، ثم انهزم شيبان ولحق بفارس وعامر بن صراة [3] في اتباعه، ثم سار شيبان إلى جزيرة ابن كاوان، وأقام بها. ولما ولي السفاح بعث حارثة بن خزيمة لحرب الخوارج هنالك لموجدة وجدها عليه، فأشير عليه ببعثه لذلك. فسار في عسكر إلى البصرة وركب السفن إلى جزيرة ابن كاوان، وبعث فضالة بن نعيم النهيلي في خمسمائة، فانهزم شيبان إلى عمان وقاتل هناك وقتله جلندي بن مسعود بن جعفر بن جلندي ومن معه سنة أربع وثلاثين. وركب سليمان بن هشام السفن بأهله ومواليه إلى الهند بعد مسير شيبان إلى جزيرة ابن كاوان حتى إذ بويع السفاح قدم عليه وأنشده سديف البيتين المعروفين وهما:

لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن بين الضلوع داء دويا

فضع السيف وارفع الصوت حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا

فقتله السفاح وانصرف مروان بعد مسير شيبان إلى الموصل الى منزله بحران. فلم يزل بها حتى سار إلى الزاب، ومضى شيبان بعد سلمة إلى خراسان والفتنة بها يومئذ بين نصر ابن سيار والكرماني والحرث بن شريح وقد ظهر أبو مسلم بالدعوة العباسية فكان له من الحوادث معهم ما ذكرناه واجتمع مع علي بن الكرماني على قتال نصر بن سيار فلما صالح الكرماني أبا مسلم كما مر وفارق شيبان تنحى شيبان عن عمر لعلمه أنه لا يقاومه. ثم هرب نصر بن سيار إلى سرخس واستقام أمر أبي مسلم بخراسان، فأرسل إلى شيبان يدعوه إلى البيعة ويأذنه بالحرب، واستجاش بالكرماني فأبى، فسار إلى سرخس واجتمع إليه الكثير من بكر بن وائل، وأرسل إليه أبو مسلم في الموادعة، فحبس الرسل، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث بالمسير إلى شيبان

فسار إليه فهزمه وقتل في عدة من بكر بن وائل. ويقال إن خزيمة بن حازم حضر مع بسام في ذلك.

** خبر أبى حمزة وطالب وإسحق **

كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي البصري [1] وكان من الخوارج الإباضية وكان يوافي مكة كل موسم يدعو إلى خلاف مروان، وجاء عبد الله ابن يحيي المعروف بطالب الحق سنة ثمان وعشرين وهو من حضرموت فقال له:

انطلق معي فإني مطاع في قومي. فانطلق معه إلى حضرموت وبايعه على الخلافة وبعثه عبد الله سنة تسع وعشرين مع بلخ بن عقبة الأزدي [2] في سبعمائة فقدموا مكة وحكموا بالموقف وعامل المدينة يومئذ عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فطلبهم في الموادعة حتى ينقضي الموسم. وأقام للناس حجهم ونزل بمعنى وبعث إلى أبي حمزة عبيد الله بن حسن بن الحسن ومحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد وعبيد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر [3] بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن في أمثالهم، فكشر في وجه العلوي والعثماني وانبسط إلى البكري والعمري، وقال لهما: ما خرجنا إلا بسيرة أبويكما! فقال له عبيد الله بن حسن: ما جئنا للتفضيل بين آبائنا وإنما جئنا برسالة من الأمير وربيعة يخبرك بها. ثم أحكموا معه الموادعة إلى مدتها. ونفر عبد الواحد في النفر الأول فمضى إلى المدينة وضرب على أهلها البعث وزادهم في العطاء عشرة، وبعث عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمر ابن عثمان، فانتهوا إلى فديك. وجاءتهم رسل أبي حمزة يسألونهم التجافي عن حربهم وأن يخلوا بينهم وبين عدوهم فلما نزلوا قديد وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب، فطلع عليهم أصحاب أبي حمزة من الغياض فأثخنوا فيهم وكان قتلاهم نحو سبعمائة من قريش. وبلغ الخبر إلى عبد الواحد فلحق بالشام ودخل أبو حمزة المدينة منتصف صفر سنة ثلاثين وخطب على المنبر وأعلن بدعوته ووعظ، وذكر ورد مقالات من عليهم وسفه رأيهم وأحسن السيرة في أهل المدينة واستمالهم حتى سمعوه

يقول: من زنا فهو كافر ومن سرق فهو كافر وأقام ثلاثة أشهر، ثم ودعهم وسار نحو الشام. وكان مروان قد سرح إليهم عبد الملك بن محمد بن عطية بن هوازن في أربعة آلاف ليقاتل الخوارج حتى يبلغ اليمن فلقي أبا حمزة في وادي القرى، فانهزمت الخوارج وقتل أبو حمزة ولحق فلهم بالمدينة. وسار عطية في أثرهم إلى المدينة فأقام بها شهرا، ثم سار إلى اليمن واستخلف على المدينة الوليد ابن أخيه عروة، وعلى مكة رجلا من أهل الشام. وبلغ عبد الله طالب الحق مسيره إليه وهو بصنعاء فخرج للقائه، واقتتلوا، وقتل طالب الحق وسار ابن عطية إلى صنعاء وملكها. وجاء كتاب مروان بإقامة الحج بالناس، فسار في اثني عشر رجلا ومعه أربعون ألف دينار وخلف ثقله بصنعاء ونزل الحرف فاعترضه ابن حماية المرادي في جمع، وقال له ولأصحابه: أنتم لصوص فاستظهروا بعهد مروان فكذبوه وقاتلهم فقتلوه. وركد ريح الخوارج من يومئذ إلى أن ظهرت الدولة العباسية وبويع المنصور بعد السفاح (فخرج سنة سبع وثلاثين) بالجزيرة ملبد بن حرملة الشيباني فسارت اليه روابط الجزيرة في ألف فارس فهزمهم وقاد منهم. ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي ومهلل بن صفوان مولى المنصور، ثم نزار من قواد خراسان، ثم زياد بن مسكان ثم صالح بن صبيح فهزمهم كلهم واحدا بعد واحد، وقتل منهم. ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو عامل الجزيرة فهزمه وتحصن حميد منه، فبعث المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار في الجيوش، ومعه زياد بن مسكان فأكمن له الملبد، وقاتلهم. ثم خرج الكعبين [1] فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه فبعث المنصور حازم بن خزيمة في ثمانية آلاف من أهل خراسان فسار إلى الموصل وعبر إليه الملبد دجلة فقاتله فانهزم أهل الميمنة وأهل الميسرة من أصحاب حازم، وترجل حازم وأصحابه، وترجل ملبد كذلك. وأمر حازم أصحابه فنضحوهم بالنبل، واشتد القتال وتزاحفت الميمنة والميسرة ورشقوهم، فقتل ملبد في ثمانمائة ممن ترجل معه، وثلاثمائة قبل أن يترجل. وتبعهم فضالة صاحب الميمنة فقتل منهم زهاء مائة وخمسين. ثم خرج سنة ثمان وأربعين أيام المنصور بنواحي الموصل حسان بن مخالد [2] بن مالك بن الأجدع

الهمداني أخو مسروق. وكان على الموصل الصغر بن يجدة [1] وليها بعد حرب بن عبد الله، فسار إليهم فهزموه إلى الدجلة. وسار حسان إلى العمال ثم إلى البحر وركب إلى السند وقاتل، وكاتب الخوارج بعمان يدعوهم ويستأذنهم في اللحاق بهم فأبوا، وعاد إلى الموصل فخرج إليه الصفر بن الحسن ابن صالح بن جنادة الهمذاني وهلال، فقتل هلالا واستبقى ابن الحسن فاتهمه بعض أصحابه بالعصبية وفارقوه.

وقد كان حسان أمه من الخوارج وخاله حفص بن أشتم من فقهائهم ولما بلغ المنصور خروجه قال: خارجي من همذان فقيل له إنه ابن أخت حفص بن أشتم. قال:

من هناك وإنما أنكر المنصور ذلك لأن عامة همذان شيعة. وعزم المنصور على الفتك بأهل الموصل، فإنهم عاهدوه على أنهم إن خرجوا فقد فلت ديارهم وأموالهم وأحضر أبا حنيفة وابن أبي ليلى بن شبرمة واستفتاهم فتلطفوا له في العفو فأشار إلى أبي حنيفة فقال: أباحوا ما لا يملكون كما لو أباحت امرأة، فزوجها بغير عقد شرعي فكف عن أهل الموصل. ثم خرج أيام المهدي بخراسان يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرة واجتمع شركس فبعث إليه المهدي يزيد بن مزيد الشيباني ابن أخي معن فاقتتلوا قتالا شديدا وأسره يزيد وبعث به إلى المهدي موثقا، وحمل من النهروان على بعير وحول وجهه إلى ذنبه كذلك فدخلوا إلى الرصافة وقطعوا ثم صلبوا [2] . وكان حروبا متعودا فغلب على بوشنج ومروالروذ والطالقان والجوزجان، وكان على بوشنج مصعب بن زريق جد طاهر بن الحسين فهرب منه وكان من أصحابه معاذ الفارياني وقبض معه ثم خرج معه أيام المهدي بالجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي سنة تسع وستين وهزم منصور بن زياد وصاحب الخراج وقوي أمره، ثم اغتاله بعض أصحابه فقتله. ثم خرج آخر أيام المهدي بأرض الموصل خارجي من بني تميم اسمه ياسين يميل إلى مقاتلة صالح بن مسرح فهزم عسكر الموصل وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، فبعث إليه المهدي القائد أبا هريرة محمد بن مروخ وهزيمة بن أعين مولى بني ضبة فحارباه حتى قتل في عدة من أصحابه وانهزم الباقون. ثم خرج بالجزيرة أيام الرشيد سنة ثمان وسبعين الوليد بن طريف من بني مغلب، وقتل إبراهيم بن خالد ابن خزيمة بنصيبين، ثم دخل أرمينية وحاصر خلاط عشرين يوما وافتدوا بثلاثين

ألفا. ثم سار إلى أذربيجان ثم إلى حلوان وأرض السواد، وعبر إلى غرب دجلة وعاث في أرض الجزيرة، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهو ابن أخي معن في العساكر فمكث يقاتله، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فاغروا به الرشيد وأنه أبقى على الوليد برجم وائل. فكتب إليه الرشيد يتهدده فناجزه يزيد الحرب في رمضان سنة تسع وسبعين وقاتلهم قتالا شديدا فقتل الوليد وجيء برأسه.

ثم أصبحت أخته مستلئمة للحرب فخرج إليها يزيد وضربها على رأسها بالرمح وقال لها اعدي فقد فضحت العشيرة فاستحيت وانصرفت وهي تقول في رثائه الأبيات المشهورة التي منها:

أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف

فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف

وانقرضت كلمة هؤلاء بالعراق والشام، فلم يخرج بعد ذلك إلا شذاذ متفرقون يستلحمهم الولاة بالنواحي إلا ما كان من خوارج البربر بإفريقية، فإن دعوة الخارجية فشت فيهم من لدن مسيرة الظفري سنة ثلاث وعشرين ومائة. ثم فشت دعوة الإباضية والصفرية منهم في هوارة ولماية ونفزة ومغيلة وفي مغراوة وبني يفرن من زناتة حسبما يذكر في أخبار البربر لسي رستم من الخوارج بالغرب دولة في تاهرت من الغرب الأوسط نذكرها في أخبار البربر أيضا. ثم سار بإفريقية منهم على دولة العبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد المغربي، وكانت له معهم حروب وأخبار تذكرها في موضعها. ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت ديانتهم وافترقت جماعتهم وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها أول الأمر. ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه، في مغراوة من شعوب زناتة ويسمون الراهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب الراهبي. أول من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب. وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة، وكذلك في جبال طرابلس وزناتة أثر باق تلك النحلة تدين بها أولئك البربر في المجاورة لهم مثل ذلك وتطير إلينا هذا العهد من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين، وتمهيد عقائده، وفروعه مباينة لمناحي السنة وطرقها بالكلية، إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب

وبناء الفروع على أصولهم الفاسدة. وكان بنواحي البحرين وعمان إلى بلاد حضرموت وشرقي اليمن ونواحي الموصل آثار تفشي وعروق في كل دولة، إلى أن خرج علي بن مهدي من خولان باليمن ودعا إلى هذه النحلة. وغلب يومئذ من كان من الملوك باليمن واستلحم بني الصليحي القائمين بدعوة العبيديين من الشيعة وغلبوهم على ما كان بأيديهم من ممالك اليمن، واستولوا أيضا على زبيد ونواحيها من يد موالي بني نجاح ومولى ابن زياد كما نذكر ذلك كله في أخبارهم إن شاء الله سبحانه وتعالى. فلتصفح في أماكنها. ويقال إن باليمن لهذا العهد شيعة من هذه الدعوة ببلاد حضرموت، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

** الدولة الإسلامية بعد افتراق الخلافة **

لم يزل أمر الإسلام جميعا دولة واحدة أيام الخلفاء الأربعة وبني أمية من بعدهم لاجتماع عصبية العرب. ثم ظهر من بعد ذلك أمر الشيعة، وهم الدعاة لأهل البيت، فغلب دعاة بني العباس على الأمر واستقلوا بخلافة الملك، ولحق الفل من بني أمية بالأندلس، فقام بأمرهم فيها من كان هنالك من مواليهم، ومن هرب، فلم يدخلوا في دعوة بني العباس، وانقسمت لذلك دولة الإسلام بدولتين لافتراق عصبية العرب. ثم ظهر دعاة أهل البيت بالمغرب والعراق من العلوية ونازعوا خلفاء بني العباس واستولوا على القاصية من النواحي كالأدارسة بالمغرب الأقصى، والعبيديين بالقيروان ومصر، والقرامطة بالبحرين، والدواعي بطبرستان والديلم والأطروش فيها من بعده. وانقسمت دولة الإسلام بذلك دولا متفرقة نذكرها واحدة بعد واحدة. ونبدأ منها أولا بذكر الشيعة ومبادئ دولهم، وكيف انساقت إلى العباسية ومن بعدهم إلى آخر دولهم. ثم نرجع إلى دولة بني أمية بالأندلس. ثم نرجع إلى دولة الدعاة للدولة العباسية في النواحي من العرب والعجم كما ذكرناه في برنامج الكتاب، والله الموفق للصواب.

** مبدأ دولة الشيعة **

(أعلم) أن مبدأ هذه الدولة أن أهل البيت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم من قريش. وفي

الصحيح أن العباس قال لعلي في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه: اذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال له علي: إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده. وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فاختلفوا عنده في ذلك، وتنازعوا ولم يتم الكتاب. وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم، حتى لقد ذهب كثير من الشيعة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في مرضه ذلك لعلي، ولم يصح ذلك من وجه يعول عليه. وقد أنكرت هذه الوصية عائشة وكفى بإنكارها. وبقي ذلك معروفا من أهل البيت وأشياعهم. وفيما نقله أهل الآثار أن عمر قال يوما لابن العباس: إن قومكم يعني قريشا ما أرادوا أن يجمعوا لكم، يعني بني هاشم بين النبوة والخلافة فتحموا عليهم، وأن ابن عباس نكر ذلك، وطلب من عمر إذنه في الكلام فتكلم بما عصب له. وظهر من محاورتهما أنهم كانوا يعلمون أن في نفوس أهل البيت شيئا من أمر الخلافة والعدول عنهم بها. وفي قصة الشورى: أن جماعة من الصحابة كانوا يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره، ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك وأسفوا له مثل الزبير ومعه عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وغيرهم. إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الألفة، لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف. ثم لما فشا التكبر على عثمان والطعن في الآفاق كان عبد الله ابن سبإ ويعرف بابن السوداء، من أشد الناس خوضا في التشنيع لعلي بما لا يرضاه من الطعن على عثمان وعلى الجماعة في العدول إليه عن علي، وأنه ولي بغير حق، فأخرجه عبد الله بن عامر من البصرة ولحق بمصر فاجتمع إليه جماعة من أمثاله جنحوا إلى الغلو في ذلك وانتحال المذاهب الفاسدة فيه، مثل خالد بن ملجم وسوذان بن حمدان وكنانة بن بشر وغيرهم. ثم كانت بيعة علي وفتنة الجمل وصفين، وانحراف الخوارج عنه بما أنكروا عليه من التحكيم في الدين. وتمحضت شيعته للاستماتة معه في حرب معاوية مع علي، وبويع ابنه الحسن وخرج عن الأمر لمعاوية، فسخط ذلك شيعة علي منه وأقاموا يتناجون في السر باستحقاق أهل البيت والميل إليهم، وسخطوا من الحسن ما كان منه، وكتبوا إلى الحسين بالدعاء له فامتنع، وأوعدهم

إلى هلاك معاوية. فساروا إلى محمد بن الحنفية وبايعوه في السر على طلب الخلافة متى أمكنه، وولى على كل بلد رجلا، وأقاموا على ذلك ومعاوية يكف بسياسة من غربهم، ويقتلع الداء إذا تعين له منهم، كما فعل بحجر بن عدي وأصحابه، ويروض من شماس أهل البيت ويسامحهم في دعوى تقدمهم واستحقاقهم. ولا يهيج أحدا منهم بالتثريب عليه في ذلك، إلى أن مات وولي يزيد، وكان من خروج الحسين وقتله ما هو معروف، فكانت من أشنع الوقائع في الإسلام. عظمت بها الشحناء، وتوغل الشيعة في شأنهم، وعظم النكير والطعن على من تولى ذلك أو قعد عنه ثم تلاوموا على ما أضاعوه من أمر الحسين وأنهم دعوه ثم لم ينصروه فندموا ورأوا أن لا كفارة في ذلك إلا الاستماتة دون ثأره، وسموا أنفسهم التوابين. وخرجوا لذلك يقدمهم سليمان بن صرد الخزاعي، ومعه جماعة من خيار أصحاب علي. وكان ابن زياد قد انتقض عليه العراق ولحق بالشام وجمع وزرينج [1] قاصدا العراق فزحفوا إليه وقاتلوه حتى قتل سليمان وكثير من أصحابه كما ذكرنا في خبره وذلك سنة خمس وستين. ثم خرج المختار بن أبي عبيد ودعا لمحمد بن الحنفية كما قدمناه في خبره، وفشا التعصب لأهل البيت في الخاصة والعامة بما خرج عن حدود الحق، واختلفت مذاهب الشيعة فيمن هو أحق بالأمر من أهل البيت، وبايعت كل طائفة لصاحبها سرا ورسخ الملك لبني أمية وطوى هؤلاء الشيعة قلوبهم على عقائدهم فيها، وتستروا بها مع تعدد فرقهم وكثرة اختلافهم كما ذكرناه عند نقل مذاهبهم في فصل الإمامة من الكتاب الأول. ونشأ زيد بن علي بن الحسين وقرأ على واصل بن عطاء إمام المعتزلة في وقته، وكان واصل مترددا في إصابة علي في حرب صفين والجمل، فنقل ذلك عنه وكان أخوه محمد الباقر يعذله في الأخذ عمن يرى سخطية جده، وكان زيد أيضا مع قوله بأفضلية علي على أصحابه، يرى أن بيعة الشيخين صحيحة وأن إقامة المفضول جائزة خلاف ما عليه الشيعة. ويرى أنهما لم يظلما عليا. ثم دعته الحال إلى الخروج بالكوفة سنة إحدى وعشرين ومائة، واجتمع له عامة الشيعة ورجع عنه بعضهم لما سمعوه يثني على الشيخين وأنهما لم يظلما عليا. وقالوا: لم يظلمك هؤلاء ورفضوا دعوته فسموا الرافضة من أجل ذلك. ثم قاتل يوسف بن عمر

فقتله يوسف وبعث برأسه إلى هشام وصلب شلوه بالكناسة ولحق ابنه يحيى بخراسان فأقام بها، ثم دعته شيعة إلى الخروج فخرج هنالك سنة خمس وعشرين، وسرح إليه نصر بن سيار العساكر مع سالم بن أحور المازني فقتلوه وبعث برأسه إلى الوليد وصلب شلوه بالجوزجان وانقرض شأن الزيدية. وأقام الشيعة على شأنهم وانتظار أمرهم، والدعاء لهم في النواحي يدعون على الأحجال [1] للرضا من آل محمد، ولا يصرحون بمن يدعون له حذرا عليه من أهل الدولة. وكان شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت، وكانوا يرون أن الأمر بعد محمد بن الحنفية لابنه أبي هشام عبد الله. وكان كثيرا ما يغدو على سليمان بن عبد الملك فمر في بعض أسفاره محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بمنزله بالحميمة من أعمال البلقاء فنزل عليه وأدركه المرض عنده فمات، وأوصى له بالأمر. وقد كان أعلم شيعته بالعراق وخراسان أن الأمر صائر إلى ولد محمد بن علي هذا، فلما مات قصدت الشيعة محمد بن علي وبايعوه سرا. وبعث الدعاة منهم إلى الآفاق على رأس مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز، وأجابه عامة أهل خراسان وبعث عليهم النقباء وتداول أمرهم هنالك. وتوفي محمد سنة أربع وعشرين وعهد لابنه إبراهيم وأوصى الدعاة بذلك وكانوا يسمونه الإمام. ثم بعث أبو مسلم إلى أهل دعوته بخراسان ليقوم فيهم بأمره فهلك، وكتب إليهم بولايته ثم قبض مروان بن محمد على إبراهيم الإمام وحبسه بخراسان فهلك هنالك لسنة. وملك أبو مسلم خراسان وزحف إلى العراق فملكها كما ذكرنا ذلك كله من قبل وغلبوا بني أمية على أمرهم وانقرضت دولتهم.

** الخبر عن بني العباس من دول الإسلام في هذه الطبقة الثالثة للعرب وأولية أمرهم وإنشاء دولتهم والإلمام بنكت أخبارهم وعيون أحاديثهم **

هذه الدولة من دولة الشيعة كما ذكرناه وفرقها منهم يعرفون بالكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن علي بن الحنفية بعد علي، ثم بعده إلى ابنه أبي هشام عبد الله. ثم

بعده إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بوصيته كما ذكرنا. ثم بعده إلى ابنه إبراهيم الإمام ابن محمد، ثم بعده إلى أخيه أبي العباس السفاح وهو عبد الله بن الحارثية، هكذا مساقها عند هؤلاء الكيسانية ويسمون أيضا الحرماقية نسبة إلى أبي مسلم لأنه كان يلقب بحرماق. ولبني العباس أيضا شيعة يسمون الراوندية من أهل خراسان يزعمون أن أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو العباس، لأنه وارثه وعاصبه لقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وأن الناس منعوه من ذلك وظلموه إلى أن رده الله إلى ولده، ويذهبون إلى البراءة من الشيخين وعثمان ويجيزون بيعة علي لأن العباس قال له يا ابن أخي هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان ولقول داود بن علي (عم الخليفة العباسي) على منبر الكوفة يوم بويع السفاح: يا أهل الكوفة إنه لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب وهذا القائم فيكم يعني السفاح.

** دولة السفاح **

قد تقدم لنا كيف كان أصل هذه الدعوة وظهورها بخراسان على يد أبي مسلم، ثم استيلاء شيعتهم على خراسان والعراق، ثم بيعة السفاح بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ثم قتل مروان بن محمد وانقراض الدولة الأموية. ثم خرج بعض أشياعهم وقوادهم وانتقضوا على أبي العباس السفاح، وكان أول من انتقض حبيب بن مرة المري من قواد مروان، وكان بخولان والبلقاء خاف على نفسه وقومه، فخلع وبيض ومعناه لبس البياض ونصب الرايات البيض مخالفة لشعار العباسية في ذلك.

وتابعته قيس ومن يليهم والسفاح يومئذ بالحيرة بلغه أن أبا الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحرث الكلابي انتقض بقنسرين، وكان من قواد مروان، ولما انهزم مروان وقدم عليه عبد الله بن علي بايعه ودخل في دعوة العباسية وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فبعث بهم وبنسائهم القائد الذي جاءهم من قبل عبد الله بن علي. وشكوا ذلك إلى أبي الورد فقتل القائد، وخلع معه أهل قنسرين، وكاتبوا أهل حمص في الخلاف وقدموا عليهم أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية، وقالوا هو السفياني الذي يذكر. ولما بلغ ذلك عبد الله بن علي وادع حبيب

ابن مرة وسار إلى أبي الورد بقنسرين ومر بدمشق، فخلع بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف فارس مع حرمه وأثقاله، وسار إلى حمص فبلغه أن أهل دمشق خلعوا وبيضوا وقام فيهم بذلك عثمان بن عبد الأعلى ابن سراقة الأزدي.

وأنهم هزموا أبا غانم وعسكره وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانتهبوا ما خلف عندهم فأعرض عن ذلك وسار للقاء السفياني وأبي الورد، وقدم أخاه عبد الصمد في عشرة آلاف فكشف ورجع إلى أخيه عبد الله منهزما، فزحف عبد الله في جماعة القواد ولقيهم بمرج الأحزم وهم في أربعين ألفا فانهزموا، وثبت أبو الورد في خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا. وهرب أبو محمد إلى ترمذ وراجع أهل قنسرين طاعة العباسية ورجع عبد الله بن علي إلى قتال أهل دمشق ومن معهم. فهرب عثمان بن سراقة ودخل أهل دمشق في الدعوة وبايعوا لعبد الله بن علي، ولم يزل أبو محمد السفياني بأرض الحجاز متغيبا إلى أيام المنصور فقتله زياد بن عبد الله الحارثي عامل الحجاز يومئذ، وبعث برأسه إلى المنصور مع ابنين له أسيرين فأطلقهما المنصور. ثم خلع أهل الجزيرة وبيضوا وكان السفاح قد بعث إليهما ثلاثة آلاف من جنده مع موسى بن كعب من قواده وأنزلهم بحران. وكان إسحاق بن مسلم العقيلي عامل مروان على أرمينية، فلما بلغته هزيمة مروان سار عنها واجتمع إليه أهل الجزيرة، وحاصروا موسى بن كعب بحران شهرين فبعث السفاح أخاه أبا جعفر إليهم وكان محاصرا لابن هبيرة بواسط، فسار لقتال إسحاق بن مسلم، ومر بقرقيسياء والرقة وأهلهما قد خلعوا وبيضوا. وسار نحو حران فأجفل إسحاق بن مسلم عنها، ودخل الرها وبعث أخاه بكار بن مسلم إلى قبائل ربيعة بنواحي ماردين، ورئيسهم يومئذ برمكة من الحرورية، فصمد إليهم أبو جعفر فهزمهم وقتل برمكة في المعركة وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق، فخلعه بالرها وسار إلى شمشاط بمعظم عسكره. وجاء عبد الله بن علي فحاصره، ثم جاء أبو جعفر فحاصروه سبعة أشهر وهو يقول: لا أخلع البيعة من عنقي حتى أتيقن موت صاحبها.

ثم تيقن موت مروان فطلب الأمان واستأذنوا السفاح، فأمرهم بتأمينه وخرج إسحاق إلى أبي جعفر فكان من آثر أصحابه. واستقام أهل الجزيرة والشام وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فلم يزل عليها حتى استخلف.

** حصار ابن هبيرة بواسط ومقتله **

ثم تقدم لنا هزيمة يزيد بن هبيرة امام الحسن بن قحطبة وتحصنه بواسط وكان جويرة [1] وبعض أصحابه أشاروا عليه بعد الهزيمة باللحاق بالكوفة فأبى. وأشار عليه يحيي بن حصين [2] باللحاق بمروان وخوفه عاقبة الحصار فأبى خشية على نفسه من مروان واعتصم بواسط. وبعث أبو مسلمة [3] الحسن بن قحطبة في العسكر لحصاره وعلى ميمنته ابنه داود [4] فانهزم أهل الشام واضطروا إلى دجلة وغرق منهم كثير. ثم تحاجزوا ودخل ابن هبيرة المدينة وخرج لقتالهم ثانية بعد سبعة أيام فانهزم كذلك، ومكثوا أياما لا يقتتلون إلا رميا. وبلغ ابن هبيرة أن أبا أمية الثعلبي [5] قد سود فحبسه فغضبت لذلك ربيعة ومعن بن زائدة وحبسوا ثلاثة نفر من فزارة رهنا في أبي أمية، واعتزل معن وعبد الله بن عبد الرحمن بن بشير العجلي فيمن معهما فخلى ابن هبيرة سبيل أبي أمية وصالحهم وعادوا إلى اتفاقهم. ثم قدم على الحسن بن قحطبة من ناحية سجستان أبو نصر مالك بن الهيثم فأوقد [6] غيلان بن عبد الله الخزاعي على السفاح يخبره بقدوم أبي نصر، وكان غيلان واجدا على الحسن، فرغب من السفاح أن يبعث عليهم رجلا من أهل بيته، فبعث أخاه أبا جعفر، وكتب إلى الحسن العسكر لك والقواد قوادك ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا فأحسن طاعته ومؤازرته. وقدم أبو جعفر فأنزله الحسن في خيمته وجعل على حرسه عثمان بن نهيك. ثم تقدم مالك بن الهيثم لقتال أهل الشام وابن هبيرة فخرجوا لقتاله وأكمنوا معن بن زائدة وأبا يحيى الجرافي [7] ثم استطردوا لابن الهيثم وانهزموا للخنادق فخرج عليهم معن وأبو يحيى فقاتلوهم إلى الليل وتحاجزوا

وأقاموا بعد ذلك أياما. ثم خرج أهل واسط مع معن ومحمد بن نباتة، فهزمهم أصحاب الحسن إلى دجلة فتساقطوا فيها وجاء مالك بن الهيثم فوجد ابنه قتيلا في المعركة، فحمل على أهل واسط حتى أدخلهم المدينة. وكان مالك يملأ السفن حطبا ويضرمها نارا فتحرق ما تمر به فيأمر ابن هبيرة بأن تجر بالكلاليب، ومكثوا كذلك أحد عشر شهرا. وجاء إسماعيل بن عبد الله القسري إلى ابن هبيرة بقتل مروان وفشلت اليمانية عن القتال معهم، وتبعهم الفزارية فلم يقاتل معه إلا الصعاليك.

وبعث ابن هبيرة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بأن يبايع له فأبطأ عنه جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحرثيان، ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له جهة السفاح ولم يفعلا وتردد الشعراء بين أبي جعفر وابن هبيرة في الصلح، وأن يكتب له كتاب أمان على ما اختاره ابن هبيرة وشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه وأنفذه إلى أبي جعفر فأنفذه إلى السفاح وأمر بإمضائه، وكان لا يقطع أمرا دون أبي مسلم، فكتب إليه يحي بن هبيرة قد خرج بعد الأمان إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة فلقيه الحاجب سلام بن سليم فأنزله وأجلسه على وسادة وأطاف بحجرة أبي جعفر عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن لابن هبيرة فدخل على المنصور وحادثة وخرج عنه ومكث يأتيه يوما ويغبه يوما. ثم أغرى أبا جعفر أصحابه بأنه يأتي في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل فيهتز له العسكر فأمر أبو جعفر أن يأتي في حاشيته فقط. فكان يأتي في ثلاثين ثم آخرا في ثلاثة ثم الح السفاح على أبي جعفر في قتله، وهو يراجعه للأمان الذي كتب له حتى كتب إليه السفاح والله لتقتلنه أو لأبعثن من يخرجه من حجرتك فيقتله.

فبعث أبو جعفر إلى وجوه القيسية والمضرية وقد أعد لهم ابن نهيك في مائة من الخراسانية في بعض حجره. وجاء القوم في اثنين وعشرين رجلا يقدمهم محمد بن نباتة وجويرة [1] بن سهيل فدعاهم سلام الحاجب رجلين رجلين وعثمان بن نهيك يقيدهما إلى أن استكملهم وبعث أبو جعفر لحازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة في مائة إلى ابن هبيرة فقالوا: نريد حمل المال فدلهم حاجبه على الخزائن فأقاموا عندها الرجال وأقبلوا نحوه فقام حاجبه في وجوههم، فضربه الهيثم فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل في جماعة من مواليه ثم قتل ابن هبيرة آخرا وحملت رءوسهم

إلى أبي جعفر. ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك أبي بشر وخالد بن مسلمة المخزومي وعمر بن در [1] فهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالدا فلم يجز السفاح أمانه وقتله واستأمن زياد بن عبيد الله لابن در فأمنه.

** مقتل أبي مسلمة بن الخلال وسليمان بن كثير **

قد تقدم لنا ما كان من أبي مسلمة الخلال في أمر أبي العباس السفاح واتهام الشيعة في أمره وتغير السفاح عليه وهو بعكوة أعين [2] ظاهر الكوفة. ثم تحول إلى مدينة الهاشمية ونزل قصرها وهو يتنكر لأبي مسلمة، وكتب إلى أبي مسلم ببغيته وبرأيه فيه، فكتب إليه أبو مسلم بقتله. وقال له داود بن علي لا تفعل فيحتج بها أبو مسلم عليك والذين معك أصحابه وهم له أطوع، ولكن أكتب إليه يبعث من يقتله ففعل. وبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبي فقتله. فلما قدم نادى السفاح بالرضا عن أبي مسلمة ودعا به وخلع عليه ثم دخل عنده ليلة أخرى فسهر عامة ليله، ثم انصرف إلى منزله فاعترضه مرار بن أنس وأصحابه فقتلوه وقالوا قتله الخوارج. وصلى عليه من الغد يحيى أخو السفاح وكان يسمى وزير آل محمد وأبو مسلم أمير آل محمد. وبلغ الخبر إلى أبي مسلم، وسرح سليمان بن كثير بالنكير لذلك فقتله أبو مسلم، وبعث على فارس محمد بن الأشعث وأمره أن يقتل ابن أبي مسلمة ففعل.

** عمال السفاح **

ولما استقام الأمر للسفاح ولى على الكوفة والسواد عمه داود بن علي ثم عزله وولاه على الحجاز واليمن واليمامة وولى مكانه على الكوفة عيسى ابن أخيه موسى بن محمد. ثم توفي داود سنة ثلاث وثلاثين فولى مكانه على الحجاز واليمامة خالد بن زياد بن عبيد الله بن عبيد وعلى اليمن محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد [3]

وولى السفاح على البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، ثم عزله وولى مكانه عمه سليمان بن علي وأضاف إليه كور دجلة والبحرين وعمان. وولى عمه إسماعيل بن علي الأهواز وعمه عبد الله بن علي على الشام، وأبا عون عبد الملك ابن يزيد على مصر، وأبا مسلم على خراسان، وبرمك على ديوان الخراج. وولى عمه عيسى بن علي على فارس، فسبقه إليها محمد بن الأشعث من قبل أبي مسلم. فلما قدم عليه عيسى هم محمد بقتله، وقال أمرني أبو مسلم أن أقتل من جاءني بولاية من غيره. ثم أقصر عن قتله واستحلفه بأيمان لا مخارج لها أن لا يعلو منبرا ما عاش ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد فوفى عيسى بذلك بقية عمره. واستعمل بعده على فارس عمه إسماعيل بن علي واستعمل على الموصل محمد بن صول فطرده أهلها وقالوا: بل علينا تولى خثعم، وكانوا منحرفين عن بني العباس، فاستعمل السفاح عليهم أخاه يحيى وبعثه في اثني عشر ألفا، فنزل قصر الإمارة وقتل منهم اثني عشر رجلا، فثاروا به وحمل السلاح فنودي فيهم بالأمان لمن دخل المسجد الجامع فتسايل الناس إليه، وقد أقام الرجال على أبوابه فقتلوا كل من دخل. يقال: قتل أحد عشر ألفا ممن لبس وما لا يحصى من غيرهم. وسمع صياح النساء بالليل فأمر من الغد بقتل النساء والصبيان، واستباحهم ثلاثة أيام. وكان في عسكره أربعة آلاف من الزنوج فعانوا في النساء. وركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته وقالت له: ألست من بني هاشم؟ ألست ابن عم الرسول؟ أما تعلم أن المؤمنات المسلمات ينكحهن الزنوج؟ فأمسك عنها وجمع الزنج من الغد للعطاء، وأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وبلغ السفاح سوء أمره في أهل الموصل فعزله، وولى مكانه إسماعيل بن علي، وولى يحيى مكان إسماعيل بالأهواز وفارس. وملك الروم ملطية وقاليقلا. وفي سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم فحصر ملطية والفتن يومئذ بالجزيرة، وعاملها يومئذ موسى بن كعب بن أسان. فلم يزل حاصرهم حتى نزلوا على الأمان وانتقلوا إلى بلاد الجزيرة، وحملوا ما قدروا عليه. وخرب الروم ملطية وسار عنها إلى مرج الحصى [1] ، وأرسل قسطنطين العساكر إلى قاليقلا من نواحي ماردين مع قائده كوشان الأرمني فحصرها وداخل بعض الأرمن من أهل المدينة فنقبوا له السور فاقتحم البلد من ذلك النقب واستباحها.

** الثوار بالنواحى **

[1] كان المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة قد ولاه أبو علي اليمامة، فلما قتل يزيد أبوه امتنع هو باليمامة فبعث إليه زياد بن عبيد المدن [2] بالعساكر من المدينة مع إبراهيم بن حبان [3] السلمي فقتله وقتل أصحابه وذلك سنة ثلاث وثلاثين (وفيها) خرج شريك بن شيخ اسحارا على أبي مسلم ونقض أفعاله واجتمع إليه أكثر من ثلاثين ألفا فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله وقتله. (وفيها) توجه أبو داود وخالد بن إبراهيم إلى الختل فتحصن ملكهم ابن السبيل [4] منهما ومنعه الدهاقين فحاصره أبو داود حتى جهد الحصار فخرج من حصنه مع الدهاقين ولحق بفرغانة ثم سار منها إلى بلد الصين وأخذ أبو داود من ظفر به في الحصن فبعث بهم إلى أبي مسلم (وفيها) الفتنة بين إخشيد فرغانة وملك الشاش، واستمد الإخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل وحصروا ملك الشاش حتى نزلوا على حكم ملك الصين، فلم يعرض له ولا لقومه بسوء. وبعث أبو مسلم زياد بن صالح لاعتراضهم فلقيهم على نهر الطراز فظفر بهم وقتل منهم نحوا من خمسين ألفا وأسر نحوا من عشرين ألفا ولحق بهم بالصين، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين. ثم انتقض بسام بن إبراهيم ابن بسام من فرسان أهل خراسان وسار من عسكر السفاح وجماعة على رأيه سرا إلى المدائن، فبعث السفاح في أثرهم خازم بن خزيمة فقاتلهم وقتل أكثرهم واستباحهم، وبلغ ماه. وانصرف، فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان في نحو سبعين من قرابتهم ومواليهم. وقيل له إن المغيرة من أصحاب بسام عندهم فسألهم عنه فقالوا مر بنا مجتازا فهددهم إن لا يأخذه فأغلظوا له في القول فقتلهم أجمعين، ونهب أموالهم وهدم دورهم، وغضبت اليمانية لذلك ودخل بهم زياد بن عبيد الله الحرثي على السفاح وشكوا إليه ما فعل بهم فهم بقتله وبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية فدخلا على السفاح وذكراه سابقة الشيعة وطاعتهم وأنهم آثروكم على الأقارب والأولاد وقتلوا من خالفكم، فإن كان لا بد من

قتله فابعثه لوجه من الوجوه، فإن قتل فهو الذي تريد وإن ظفر فلك، بعثه إلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان من عمان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري، فبعث معه سبعمائة رجل فحملهم سليمان بن علي من البصرة في السفن وقد انضم إليه من أهله وعشيرته ومواليه وعدة من بني تميم من البصرة، فلما أرسوا بجزيرة ابن كاوان قدم خازم فضلة بن نعيم المنشلي [1] في خمسمائة إلى شيبان فانهزم هو وأصحابه وكانوا صفرية، وركبوا إلى عمان فقاتلهم الجلندي في الإباضية، فقتل شيبان ومن معه كما مر، وشيبان هذا غير شيبان بن سلمة الذي قتل بخراسان فربما يشتبهان. ثم ركب خازم البحر إلى ساحل عمان فنزل وقاتل الجلندي أياما أمر خازم أصحابه في آخرها أن يجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويدوروها [2] بالنفط ويشعلوها بالنيران ويرموها في بيوت القوم، وكانت من خشب فلما اضطرمت فيها النار شغلوا بأهليهم وأولادهم عن القتل، فحمل عليهم خازم وأصحابه فاستلحموهم وقتل الجلندي وعشرة آلاف، فبعث خازم برءوسهم إلى البصرة فبعثها سليمان إلى السفاح فندم أه، ثم غزا خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الاخريد [3] ملكها وهو مطيع واستباحهم وأخذ من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة، ومن الديباج والسروج ومتاع الصين وظرفه ما لم ير مثله، وحمله إلى أبي مسلم بسمرقند. وقتل عدة من دهاقين كش وملك طازان [4] أخا الأخريد على كش، ورجع أبو مسلم إلى مرو بعد أن فتك في الصغد وبخارى وأمر ببناء سور سمرقند. واستخلف زياد بن صالح على بخارى وسمرقند ورجع أبو داود إلى بلخ. ثم بلغ السفاح انتقاض منصور ابن جمهور بالسند فبعث صاحب شرطته موسى بن كعب واستخلف مكانه على الشرطة المسيب بن زهير. وسار موسى لقتال ابن جمهور فلقيه بتخوم الهند وهو في نحو اثني عشر ألفا فانهزم ومات عطشا في الرمال ورحل عامله على السند بعياله وثقلته فدخل بهم بلاد الخزر. ثم انتقض سنة خمس وثلاثين زياد بن صالح وراء النهر. فسار أبو مسلم إليه من مرو وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى

ترمذ ليمنعها من زياد فلما وصل إليها خرج عليه ناس من الطالقان فقتلوه فبعث مكانه عيسى بن ماهان فسمع قتلة نصر فقتلهم. وسار أبو مسلم فانتهى إلى آمد ومعه سباع ابن النعمان الأزدي وكان السفاح قد دس معه إلى زياد بن صالح الأزدي أن ينتهز فرصة في أبي مسلم فيقتله. ونمي الخبر إلى أبي مسلم فحبس سباعا بآمد، وسار عنها وأمر عامله بقتله. ولقيه قواد زياد في طريقه وقد خلعوا زيادا فدخل أبو مسلم بخارى ونجا زياد إلى دهقان هناك فقتله وحمل رأسه إلى أبي مسلم. وكتب أبو مسلم إلى أبي داود فقتله، وكان قد شغل بأهل الطالقان فرجع إلى كش وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام فلم يظفر منها بشيء، وبعث إلى بعض أصحاب أبي مسلم يعيب أبا داود عيسى، فضربه وحبسه، ثم أخرجه فوثب عليه الجند فقتلوه ورجع أبو مسلم إلى مرو.

** حج أبي جعفر وأبي مسلم **

وفي سنة ست وثلاثين استأذن أبو مسلم السفاح في القدوم عليه للحج، وكان منذ ولي خراسان لم يفارقها فأذن له في القدوم مع خمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم إني قد عاديت الناس ولست أمن على نفسي فاذن له في ألف، وقال: إن طريق مكة لا تحتمل العسكر فسار في ثمانية آلاف فرقهم ما بين نيسابور والري، وخلف أمواله وخزائنه بالري وقدم في ألف وخرج القواد بأمر السفاح لتلقيه، فدخل على السفاح وأكرمه وأعظمه واستأذن في الحج فأذن له، قال: لولا أن أبا جعفر يريد الحج لاستعملتك على الموسم، فأنزله بقرية وكان قد كتب إلى أبي جعفر أن أبا مسلم استأذنني في الحج وأذنت له وهو يريد ولاية الموسم، فاسألني أنت في الحج، فلا تطمع أن يتقدمك، وأذن له فقدم الأنبار وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدا من حيث بعث السفاح أبا جعفر إلى خراسان ليأخذ البيعة له ولابي جعفر من بعده ويولي أبا مسلم على خراسان فاستخلى [1] أبو مسلم بأبي جعفر. فلما قدم ألان أبو جعفر السفاح بقتله وأذن له فيه ثم ندم وكفه عن ذلك، وسار أبو جعفر إلى الحج ومعه أبو مسلم واستعمل على حران مقاتل بن حكيم العكي.

** موت السفاح وبيعة المنصور **

كان أبو العباس السفاح قد تحول من الحيرة إلى الأنبار في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين فأقام بها سنتين ثم توفي في ذي الحجة سنة ست وثلاثين لثلاث عشرة ليلة خلت منه ولأربع سنين وثمانين أشهر من لدن بويع وصلى عليه عمه عيسى ودفن بالأنبار. وكان وزيره أبو الجهم بن عطية وكان قبل موته قد عهد بالخلافة لأخيه أبي جعفر ومن بعده لعيسى ابن أخيهما موسى، وجعل العهد في ثوب وختمه بخواتيمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى، ولما توفي السفاح وكان أبو جعفر بمكة فأخذ البيعة على الناس عيسى بن موسى، وكتب إليه بالخبر فجزع واستدعى أبا مسلم وكان متأخرا عنه فاقرأه الكتاب فبكى واسترجع، وسكن أبا جعفر عن الجزع فقال: أخاف شر عبد الله بن علي. فقال أنا أكفيكه وعامة جنده أهل خراسان وهم أطوع لي منه فسري عنه. وبايع له أبو مسلم والناس وأقبلا حتى قدما الكوفة. ويقال إن أبا مسلم كان متقدما على أبي جعفر، فإن الخبر قد أتاه قبله فكتب أبو مسلم إليه يعزيه ويهنيه بالخلافة، وبعد يومين كتب له ببيعته وقدم أبو جعفر الكوفة سنة سبع وثلاثين وسار منها إلى الأنبار فسلم إليه عيسى بيوت الأموال والدواوين واستقام أمر أبي جعفر.

** انتقاض عبد الله بن علي وهزيمته **

كان عبد الله بن علي قدم على السفاح قبل موته فبعثه إلى الصائفة في جنود أهل الشام وخراسان فانتهى إلى دلوك ولم يدر حتى جاءه كتاب عيسى بن موسى بوفاة السفاح وأخذ البيعة لأبي جعفر وله من بعده كما عهد به السفاح، فجمع عبد الله الناس وقرأ عليهم الكتاب وأعلمهم أن السفاح حين أراد أن يبعث الجنود إلى حران تكاسل بنو أبيه عنها فقال لهم: من انتدب منكم فهو ولي عهدي فلم يندب غيري! وشهد له أبو غانم الطائي وخفاف المروزي وغيرهما من القواد وبايعوه، وفيهم حميد بن حكيم بن قحطبة وغيره من خراسان والشام والجزيرة. ثم سار عبد الله حتى نزل حران وحاصر مقاتل بن حكيم العكي أربعين يوما وخشي من أهل خراسان فقتل منهم جماعة، وولى حميد بن قحطبة على حلب وكتب معه إلى عاملها زفر بن عاصم بقتله فقرأ الكتاب في طريقه وسار إلى العراق وجاء أبو جعفر من الحج

فبعث أبا مسلم لقتال عبد الله ولحقه حميد بن قحطبة نازعا عن عبد الله فسار معه وجعل على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي. ولما بلغ عبد الله خبر إقباله وهو على حران بذل الأمان لمقاتل بن حكيم ومن معه وملك حران. ثم بعث مقاتلا بكتابة إلى عثمان بن عبد الأعلى، فلما قرأ الكتاب قتله وحبس ابنيه حتى إذا هزم عبد الله قتلهما.

وأمر المنصور محمد بن صول وهو على أذربيجان أن يأتي عبد الله بن علي ليمكر به، فجاء وقال: إني سمعت السفاح يقول الخليفة بعدي عمي عبد الله فشعر بمكيدته وقتله. وهو جد إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب. ثم أقبل عبد الله بن علي حتى نزل نصيبين وخندق عليه وقدم أبو مسلم فيمن معه. وكان المنصور قد كتب إلى الحسن بن قحطبة عامله على أرمينية بأن يوافي أبا مسلم، فقدم عليه بالموصل، وسار معه ونزل أبو مسلم ناحية نصيبين وكتب إلى عبد الله: إني قد وليت الشام ولم أومر بقتالك فقال أهل الشام لعبد الله: سر بنا إلى الشام لنمنع نساءنا وأبناءنا. فقال لهم عبد الله ما يريد إلا قتالنا وإنما قصد المكر بنا، فأبوا إلا الشام. فارتحل بهم إلى الشام ونزل أبو مسلم في موضع معسكره وغور ما حوله من المياه فوقف أصحاب عبد الله بكار بن مسلم العقيلي وعلى ميسرته حبيب بن سويد الاسدي وعلى الخيل عبد الصمد بن علي أخو عبد الله وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة وعلى ميسرته خازم بن خزيمة، فاقتتلوا شهرا. ثم حمل أصحاب عبد الله على عسكر أبي مسلم فأزالوهم عن مواضعهم وحمل عبد الصمد فقتل منهم ثمانية عشر رجلا. ثم حمل عليهم ثانية فأزالوا صفهم. ثم نادى منادي أبي مسلم في أهل خراسان فتراجعوا وكان يجلس إذا لقي الناس على عريش ينظر منه إلى الحومة فإن رأى خللا أرسل بسده فلا تزال رسله تختلف بينه وبين الناس حتى ينصرفوا. فلما كان يوم الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين اقتتلوا وأمر أبو مسلم الحسن بن قحطبة أن يضم إلى الميسرة وينزل في الميمنة حماة أصحابه، فانضم أهل الشام من الميسرة إلى الميمنة كما أمرهم. وأمر أبو مسلم أهل القلب فحطموهم [1] وركبهم أصحاب أبي مسلم

فانهزم أصحاب عبد الله فقال لابن سراقة ما ترى؟ قال: الصبر إلى أن تموت فالغرار فيكم بمثلك قبيح. قال: بل آتي العراق فأنا معك فانهزموا وحوى أبو مسلم عسكرهم. وكتب بذلك إلى المنصور ومضى عبد الله وعبد الصمد. فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى، وأمنه المنصور وقيل بل أقام بالرصافة حتى قدمها جمهور بن مروان العجلي في خيول أرسلها المنصور، فبعث به موثقا مع أبي الخطيب، فأطلقه المنصور. وأما عبد الله فقدم البصرة وأقام عند أخيه سليمان متواريا حتى طلبه وأشخص إليه. ثم إن أبا مسلم أمن الناس بعد الهزيمة وأمر بالكف عنهم.

** ذكر قتل أبي مسلم الخراساني **

كان أبو مسلم لما حج مع المنصور يؤيد نفسه عليه ويتقدم بالإحسان للوفود وإصلاح الطريق والمياه، وكان الذكر له وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه ولما صدروا عن الموسم تقدم أبو مسلم ولقيه الخبر بوفاة السفاح فبعث إلى أبى جعفر يعزيه ولم يهنئه بالخلافة ولا رجع اليه ولا أقام ينتظره فغضب أبو جعفر وكتب اليه وأغلظ في العتاب فكتب يهنئه بالخلافة ويقدم إلى [1] فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له فأبى وقدم أبو جعفر، وقد خلع عبيد الله بن علي، فسرح أبا مسلم لقتاله فهزمه كما مر، وجمع الغنائم من عسكره. فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب لجمعها، فغضب أبو مسلم وقال: أنا أعين على الدعاء فكيف أخون الأموال؟ وهم

بقتل الخصيب ثم خلى عنه. وخشي المنصور أن يمضي إلى خراسان فكتب إليه بولاية مصر والشام فازداد نفارا، وخرج من الجزيرة يريد خراسان وسار المنصور إلى المدائن، وكتب إليه يستقدمه، فأجابه بالامتناع والمسك بالطاعة عن بعد، والتهديد بالخلع إن طلب منه سوى ذلك. فكتب إليه المنصور ينكر عليه هذا الشرط وأنه لا يحسن طاعة. وبعث إليه عيسى بن موسى برسالة يؤنسه ويسليه. وقيل بل كتب إليه أبو مسلم يعرض له بالخلع وأنه قد تاب إلى الله مما جناه من القيام بدعوتهم، وأخذ أبو مسلم طريق حلوان وأمر المنصور عمه عيسى ومشيخة بني هاشم بالكتاب على أبي مسلم يحرضونه على التمسك بالطاعة ويحذرونه عاقبة البغي ويأمرونه بالمراجعة. وبعث الكتب مع مولاه أبي حميد المروروذي، وأمره بملاينته والخضوع له بالقول حتى ييأس منه، فإذا يئس يخبره بقسم أمير المؤمنين لأوكلت أمرك إلى غيري ولو خضت البحر لخضته وراءك ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت. فأوصل أبو حميد الكتب وتلطف له في القول ما شاء واحتج عليه بما كان منه في التحريض على طاعتهم، فاستشار أبو مسلم مالك بن الهيثم فأبى له من الإصغاء إلى هذا القول وقال والله لئن أتيته ليقتلنك. ثم بعث إلى نيزك صاحب الري يستشيره فأبى له من ذلك، وأشار عليه بنزول الري وخراسان من ورائه فيكون أمكن لسلطانه. فأجاب أبا حميد بالامتناع فلما يئس منه أبلغه مقالة المنصور فوجم طويلا ورعب من ذلك القول وأكبره. وكان المنصور قد كتب إلى عامل أبي مسلم بخراسان يرغبه في الانحراف عنه بولاية خراسان فأجاب سرا وكتب إلى أبي مسلم يحذره الخلاف والمعصية فزاده ذلك رعبا وقال لأبي حميد قبل انصرافه: قد كنت عزمت على المضي إلى خراسان ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين يأتيني برايته فإني أثق به. ولما قدم أبو إسحاق تلقاه بنو هاشم وأهل الدولة بكل ما يجب وداخله المنصور في صرف أبي مسلم عن وجهة خراسان ووعده بولايتها، فرجع إليه وأشار عليه بلقاء المنصور، فاعتزم على ذلك واستخلف مالك بن الهيثم على عسكره بحلوان، وسار فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخشي أبو أيوب وزير المنصور أن يحدث منه عند قدومه فتك فدعا بعض إخوانه وأشار عليه بأن يأتي أبا مسلم ويتوسل به إلى المنصور في ولاية كسكر ليعيب فيها مالا عظيما. وأن يشكر أخاه في ذلك، فإن أمير المؤمنين عازم أن يوليه ما ورى به ويريح نفسه. واستأذن له المنصور في لقاء أبي مسلم فأذن

له، فلقي أبا مسلم وتوسل إليه وأخبره الخبر فطابت نفسه وذهب عنه الحزن. ولما قرب أمر الناس بتلقيه ثم دخل على المنصور فقبل يده وانصرف ليريح ليلته، ودعا المنصور من الغد حاجبه عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس منهم شبيب بن رواح وابن حنيفة حرب بن قيس، وأجلسهم خلف الرواق، وأمرهم بقتل أبي مسلم إذا صفق بيديه. واستدعى أبا مسلم، فلما دخل سأله عن سيفين أصابهما لعمه عبد الله بن علي وكان متقلدا بأحدهما فقال: هذا أحدهما! فقال: أرني فانتضاه أبو مسلم وناوله إياه فأخذ يقلبه بيده ويهزه. ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل يعاتبه فقال: كتبت إلى السفاح تنهاه عن الموت كأنك تعلمه: قال: ظننت أنه لا يحل، ثم اقتديت بكتاب السفاح وعلمت أنكم معدن العلم. قال فتوركك عني بطريق مكة! قال كرهت مزاحمتك على الماء قال فامتناعك من الرجوع إلي حين بلغك موت السفاح أو الإقامة حتى ألحقك! قال: طلبت الرفق بالناس والمبادرة إلى الكوفة! قال: فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها لنفسك! قال: لا إنما وكانت بها من يحفظها.

قال: فمراغمتك ومسيرك إلى خراسان قال: خشيت منك فقلت آتي خراساني وأكتب بعذري فأذهب ما في نفسك مني! قال فالمال الذي جمعته بحران! قال أنفقته في الجند تقوية لكم. قال ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك وتخطب آسية بنت علي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا. ثم قال له: وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو أحد نقبائنا من قبل أن ندخلك في هذا الأمر؟ قال: أراد الخلافة فقتلته. ثم قال أبو مسلم: كيف يقال هذا بعد بلائي وما كان مني؟ قال: يا ابن الخبيثة لو كانت أمة مكانك لأغنت إنما ذلك بدولتنا وربحنا. وأكب أبو مسلم يقبل يده ويعتذر فازداد المنصور غضبا. ثم قال أبو مسلم دع هذا فقد أصبحت لا أخاف إلا الله فشتمه المنصور وصفق بيديه فخرج الحرس وضربه عثمان بن نهيك فقطع حمائل سيفه فقال: استبقني لعدوك فقال: لا أبقاني الله إذا وأي عدو أعدى منك وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه، بذلك لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين.

وخرج الوزير أبو الجهم فصرف الناس، وقال: الأمير قائل عند أمير المؤمنين فانصرفوا وأمر لهم بالجوائز وأعطى إسحاق مائة ألف ودخل عيسى بن موسى على المنصور فسأل عنه وأخذ في الثناء على طاعته وبلائه وذكر رأي الإمام إبراهيم فيه.

فقال المنصور: والله ما أعلم على وجه الأرض عدوا أعدى لكم منه هو ذا في البساط فاسترجع عيسى، فأنكر عليه المنصور وقال: وهل كان لكم ملك معه؟ ثم دعا جعفر بن حنظلة واستشاره في أمر أبي مسلم فأشار بقتله فقال له المنصور وفقك الله ثم نظر إليه قتيلا فقال له يا أمير المؤمنين عد خلافتك من هذا اليوم. ثم دعا أبا إسحاق عن متابعة أبي مسلم وقال تكلم بما أردت وأخرجه قتيلا فسجد أبو إسحاق ثم رفع رأسه يقول الحمد لله أميت هو والله ما جئته قط إلا تكفنت وتحنطت ورفع ثيابه وأراه كفنه وحنوطه فرحمه. وقال له استقبل طاعتك واحمد الله الذي أراحك. وكتب المنصور بعد قتل أبي مسلم إلى أبي نصر بن الهيثم على لسان أبي مسلم يأمره بحمل أثقاله، وقد كان أبو مسلم أوصاه إن جاءك كتاب بخاتمي تاما فاعلم أني لم أكتبه، فلما رآه كذلك فطن وانحدر إلى همذان يريد خراسان، فكتب له المنصور بولاية شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركي بهمذان يحبسه فمر أبو نصر بهمذان وخادعه زهير ودعاه إلى طعامه وحبسه وجاء كتاب العهد بشهرزور لأبي نصر فأطلقه زهير ثم جاءه بعد ذلك الكتاب بقتله فقال: جاءني كتاب عهده فخليت سبيله. وقدم أبو نصر على المنصور فعذله في إشارته على أبي مسلم بخراسان فقال: نعم استنصحني فنصحت له وان استنصحني أمير المؤمنين نصحت وشكرت، واستعمله على الموصل. وخطب أبو جعفر الناس بعد قتل أبي مسلم وانسهم وافترق أصحابه وخرج منهم بخراسان رجل اسمه سنباد ويسمى فيروز أصبهبذ وتبعه أكثر الجيال يطلبون بدم أبي مسلم وغلب على نيسابور والري وأخذ خزائن أبي مسلم التي خلفها بالري حين شخص إلى السفاح وسبى الحرم ونهب الأموال ولم يعرض إلى التجار وكان يظهر أنه قاصد إلى الكعبة يهدمها فسرح إليه المنصور جمهور بن مرار العجلي والتقوا على طرق المفازة بين همذان والري، فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم ولحق سنباد بطبرستان فقتله بعض عمال صاحبها وأخذ ما معه وكتب إلى المنصور بذلك فكتب إليه المنصور في الأموال فأنكر فسرح إليه الجنود فهرب إلى الديلم ثم إن جمهور بن مرار لما حوى ما في عسكر سنباد ولم يبعث به خاف من المنصور فخلع واعتصم بالري فسرح إليه محمد بن الأشعث في الجيوش، فخرج من الري إلى أصبهان فملكها وملك محمد الري. ثم اقتتلوا وانهزم جمهور فلحق بأذربيجان، وقتله بعض أصحابه وحملوا رأسه إلى المنصور، وذلك سنة ثمان وثلاثين

** حبس عبد الله بن علي **

كان عبد الله بن علي بعد هزيمته أمام أبي مسلم لحق بالبصرة، ونزل على أخيه سليمان.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com