John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 18

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 30 of 67

فلما جاء دولة ألب أرسلان أحضرهم نظام الملك وزيره فأحسن إليهم وأعاد السلطان ألب أرسلان السيدة بنت الخليفة التي كانت زوجة طغرلبك إلى بغداد، وبعث في خدمتها الأمير أيتكين السليماني، وولاه شحنة ببغداد، وبعث معها أيضا أبا سهل محمد بن هبة الله المعروف بابن الموفق لطلب الخطبة ببغداد فمات في طريقه، وكان من رؤساء الشافعية بنيسابور. وبعث السلطان مكانه العميد أبا الفتح المظفر بن الحسين فمات أيضا في طريقه، فبعث وزيره نظام الملك، وخرج عميد الملك ابن الوزير فخر الدولة بن جهير لتلقيهم، وجلس لهم القائم جلوسا فخما في جمادى الأولى من سنة ست وخمسين، وساق الرسل بتقليد ألب أرسلان السلطنة، وسلمت إليهم الخلع بمشهد من الناس، ولقب ضياء الدولة، وأمر بالخطبة له على منابر بغداد، وأن يخاطب بالولد المؤيد حسب اقتراحه، فأرسل إلى الديوان لأخذ البيعة النقيب طراد الزينبي، فأرسل إليه بنقجوان من أذربيجان، وبايع وانتقض على السلطان ألب أرسلان من السلجوقية صاحب هراة وصغانيان، فسار إليهم وظفر بهم كما نذكر في أخبارهم ودولتهم عند إفرادها بالذكر انتهى.

** فتنة قطلمش والجهاد بعدها **

كان قطلمش هذا من كبار السلجوقية وأقربهم نسبا إلى السلطان طغرلبك، ومن أهل بيته، وكان قد استولى على قومة واقصراي [1] وملطية، وهو الذي بعثه السلطان طغرلبك أول ما ملك بغداد سنة تسع وأربعين لقتال البساسيري وقريش بن بدران صاحب الموصل، ولقيهم على سنجار الري. فجهز ألب أرسلان العساكر من نيسابور في المحرم من سنة سبع وخمسين، وساروا على المفارقة فسبقوا قطلمش إلى

الري وجاء كتاب السلطان إليه ولقيه فلم يثبت ومضى منهزما واستباح السلطان عسكره قتلا وأسرا وأجلت الواقعة عنه قتيلا، فحزن له السلطان ودفنه. ثم سار إلى بلاد الروم معتزما على الجهاد، ومر بأذربيجان ولقيه طغرتكين [1] من أمراء التركمان في عشيرة، وكان ممارسا للجهاد فحثه على قصده، وسلك دليلا بين يديه فوصل إلى نجران على نهر أرس وأمر بعمل السفن لعبوره، وبعث عساكر لقتال خوي وسلماس من حصون أذربيجان، وسار هو في العساكر فدخل بلاد الكرخ وفتح قلاعها واحدة بعد واحدة كما نذكر في أخبارهم. ودوخ بلادهم وأحرق مدنهم وحصونهم، وسار إلى مدينة آي من بلاد الديلم فافتتحها وأثخن فيها وبعث بالبشائر إلى بغداد وصالحه ملك الكرخ على الجزية ورجع إلى أصبهان. ثم سار منها إلى كرمان فأطاعه أخوه قاروت بن داود جعفر بك. ثم سار إلى مرو وأصهر إليه خاقان ملك ما وراء النهر بابنته لابنه ملك شاه، وصاحب غزنة بابنته لابنه الآخر انتهى.

** العهد بالسلطنة لملكشاه بن ألب ارسلان **

وفي سنة ثمان وخمسين عهد ألب أرسلان بالسلطنة لابنه ملك شاه، واستخلف له الأمراء وخلع عليهم وأمر بالخطبة له في سائر أعماله، وأقطع بلخ لأخيه سليمان وخوارزم لأخيه ازعزا. [2] ومرو لابنه أرسلان شاه، وصغانيان وطخارستان لأخيه إلياس ومازنداران للأمير ابتايخ وبيغوا [3] وجعل ولاية نقشوان [4] ونواحيها لمسعود بن ازناس [5] وكان وزيره نظام الملك قد ابتدأ سنة سبع وخمسين بناء المدرسة النظامية ببغداد، وتمت عمارتها في ذي القعدة سنة تسع وخمسين، وعين للتدريس بها الشيخ إسحاق الشيرازي، واجتمع الناس لحضور درسه، وتخلف لأنه سمع أن في مكانها غصبا. وبقي الناس في انتظاره حتى يئسوا منه، فقال الشيخ أبو منصور: لا ينفصل هذا الجمع إلا عن تدريس، وكان أبو منصور الصباغ حاضرا فدرس وأقام مدرسا عشرين يوما حتى سمع أبو إسحاق الشيرازي بالتدريس فاستقر بها.

** وزراء الخليفة **

كان فخر الدولة بن جهير وزير القائم كما ذكرناه، ثم عزله سنة ستين وأربعمائة فلحق بنور الدولة دبيس بن مزيد بالقلوجة، وبعث القائم عن أبي يعلى والد الوزير أبي شجاع، وكان يكتب لهزارسب بن عوض صاحب الأهواز فاستقدمه ليوليه الوزارة، فقدم ومات في طريقه، ونفع دبيس بن مزيد في فخر الدولة بن جهير فأعيد إلى وزارته سنة إحدى وستين في صفر.

** الخطبة بمكة **

وفي سنة اثنتين وستين خطب محمد بن أبي هاشم بمكة للقائم وللسلطان ألب أرسلان، وأسقط خطبة العلوي صاحب مصر وترك حي على خير العمل من الأذان، وبعث ابنه وافدا على السلطان بذلك فأعطاه ثلاثين ألف دينار، وخلعا نفيسة ورتب كل سنة عشرة آلاف دينار.

** طاعة دبيس ومسلم بن قريش **

كان مسلم بن قريش منتقضا على السلطان، وكان هزارشب بن شكر بن عوض قد أغرى السلطان بدبيس بن مزيد ليأخذ بلاده فانتقض. ثم هلك هزارشب سنة اثنتين وستين بأصبهان منصرفا من وفادته على السلطان بخراسان، فوفد دبيس على السلطان ومعه مشرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل، وخرج نظام الملك لتلقيهما وأكرمهما السلطان ورجعا إلى الطاعة.

** الخطبة العباسية بحلب واستيلاء السلطان عليها **

كان محمود بن صالح بن مراد قد استولى هو وقومه على مدينة حلب، وكانت للعلوي صاحب مصر. فلما رأى إقبال دولة ألب أرسلان وقوتها خافه على بلده فحملهم على الدخول في دعوة القائم، وخطب له على منابر حلب سنة ثلاث وستين، وكتب بذلك إلى القائم، فبعث إليه نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي بالخلع، ثم سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب ومر بديار بكر فخرج إليه صاحبها ابن مروان، وخدمه بمائة ألف دينار. ومر بآمد فامتنعت عليه وبالرها كذلك. ثم نزل على حلب

وبعث إليه صاحبها محمود مع نقيب النقباء طراد بالاستعفاء من الحضور فألح في ذلك، وحاصره فلما اشتد عليه الحصار خرج ليلا إلى السلطان، ومعه أمه منيعة بنت وثاب النميري ملقيا بنفسه فأكرمه السلطان وخلع عليه وأعاده إلى بلده فقام بطاعته.

** واقعة السلطان مع ملك الروم وأسره **

كان ملك الروم في القسطنطينية وهو أرمانوس قد خرج سنة اثنتين وستين إلى بلاد الشام في عساكر كثيفة، ونزل على منبج ونهبها وقتل أهلها، وزحف إليه محمود بن صالح بن مرداس وابن حسان الطائي في بني كلاب وطيئ ومن إليهم من جموع العرب فهزمهم، وطال عليه المقام على منبج وعزت الأقوات فرجع إلى بلاده، واحتشد وسار في مائتي ألف من الزنج والروم والروس والكرخ، وخرج في احتفال إلى أعمال خلاط ووصل الى ملاذجرد. وكان السلطان ألب أرسلان بمدينة خوي من أذربيجان عند عوده من حلب فتشوق إلى الجهاد، ولم يتمكن من الاحتشاد، فبعث أثقاله وزوجته مع نظام الملك إلى همذان وسار فيمن حضره من العساكر.

وكانوا خمسة عشر ألفا ووطن نفسه على الاستماتة، فلقيت مقدمته عند خلاط جموع الروسية في عشرة آلاف فانهزموا وجيء بملكهم إلى السلطان فحبسه، وبعث بالأسلاب إلى نظام الملك ليرسلها الى بغداد. ثم تقارب العسكران وجنح السلطان للمهادنة فأبى ملك الروم فاعتزم السلطان وزحف وأكثر من الدعاء والبكاء. وعفر وجهه بالتراب. ثم حمل عليهم فهزمهم وامتلأت الأرض باشلائهم وأسر الملك أرمانوس، جاء به بعض الغلمان أسيرا فضربه السلطان على رأسه ثلاثا ووبخه. ثم فاداه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وعلى أن يطلق كل أسير عنده، وأن تكون عساكر الروم مددا للسلطان متى يطلبها. وتم الصلح على ذلك لمدة خمسين سنة. وأعطاه السلطان عشرة آلاف دينار وخلع عليه وأطلقه، ووثب ميخاييل على الروم فملك عليهم مكان أرمانوس فجمع ما عنده من الأموال فكان مائتي ألف دينار، وجيء بطبق مملوء بجواهر قيمته تسعون ألفا. ثم استولى أرمانوس بعد ذلك على أعمال الأرمن وبلادهم.

** شحنة بغداد **

قد ذكرنا أن السلطان ألب أرسلان ولى لأول ملكه أيتكين السليماني شحنة ببغداد سنة ست وخمسين فأقام فيها مدة، ثم سار إلى السلطان في بعض مهماته، واستخلف ابنه مكانه فأساء السيرة، وقتل بعض المماليك الدارية فأنفذ قميصه من الديوان إلى السلطان، وخوطب بعزله. وكان نظام الملك يعنى به فكتب فيه بالشفاعة، وورد سنة أربع وستين فقصد دار الخلافة وسأل العفو فلم يجب، وبعث إلى تكريت ليسوغها [1] بإقطاع السلطان فبرز المرسوم من ديوان الخلافة بمنع ذلك. ولما رأى السلطان ونظام الملك إصرار القائم على عزله، بعث السلطان مكانه سعد الدولة كوهرابين [2] أتباعا لمرضاة الخليفة. ولما ورد بغداد خرج الناس للقائه وجلس له القائم واستقر شحنة.

** مقتل السلطان ألب أرسلان وملك ابنه ملك شاه **

سار السلطان ألب أرسلان محمد إلى ما وراء النهر، وصاحبه شمس الملك تكين، وذلك سنة خمس وستين، وعبر على جسر عقده على جيحون في نيف وعشرين يوما، وعسكره تزيد على مائتي ألف. وجيء له بمستحفظ القلاع، ويعرف بيوسف الخوارزمي فأمر بعقابه على ارتكابه فأفحش في سب السلطان فغضب وأمر بإطلاقه، ورماه بسهم فأخطأه، فسير إليه يوسف، وقام السلطان عن سريره فعثر ووقع فضربه بسكينة، وضرب سعد الدولة، ودخل السلطان خيمته جريحا. وقتل الأتراك يوسف هذا، ومات السلطان من جراحته عاشر ربيع سنة خمس وستين لتسع سنين ونصف من ملكه، ودفن بمرو عند أبيه، وكان كريما عادلا كثير الشكر لنعمة الله والصدقة، واتسع ملكه حتى قيل فيه سلطان العالم. ولما مات وقد أوصى بالملك لابنه ملك شاه فجلس للملك، وأخذ له البيعة وزيره نظام الملك، وأرسل إلى بغداد فخطب له على منابرها، وكان ألب أرسلان اوصى أن يعطي أخوه قاروت بك أعمال فارس وكرمان وشيئا عينه من المال، وكان بكرمان. وأن يعطي ابنه إياس بن ألب أرسلان

ما كان لأبيه داود، وهو خمسمائة ألف دينار، وعهد بقتال من لم يقض بوصيته.

وعاد ملك شاه من بلاد ما وراء النهر فعبر الجسر في ثلاثة أيام، وزاد الجند في أرزاقهم سبعمائة ألف دينار، ونزل نيسابور وأرسل إلى ملوك الأطراف بالطاعة والخطبة فأجابوا. وأنزل أخاه إياس بن ألب أرسلان ببلخ وسار إلى الري. ثم فوض إلى نظام الملك وأقطعه مدينة طوس التي هي منشؤه وغيرها، ولقبه ألقابا منها أتابك ومعناها الأمير الوالد، فحمل الدولة بصرامة وكفاية وحسن سيرة، وبعث كوهرابين الشحنة إلى بغداد سنة ست وستين لاقتضاء العهد، فجلس له القائم وعلى رأسه حافده وولي عهده المقتدي بأمر الله، وسلم الى سعد الدولة كوهرابين عهد السلطان ملك شاه بعد ان قرأ الوزير أوله في المحفل وعقد له اللواء بيده ودفعه إليه.

** وفاة القائم ونصب المقتدي للخلافة **

ثم توفي القائم بأمر الله أبو جعفر بن القادر افتصد منتصف شعبان من سنة سبع وستين ونام فانفجر فصاده، وسقطت قوته، ولما أيقن بالموت أحضر حافده أبا القاسم عبد الله ابن ابنه ذخيرة الدين محمد، وأحضر الوزير ابن جهير والنقباء والقضاة وغيرهم، وعهد له بالخلافة. ثم مات لخمس وأربعين سنة من خلافته. وصلى عليه المقتدي، وبويع بعهد جده، وحضر بيعته مؤيد الملك بن نظام الملك، والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة، وأبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر بن الصباغ، ونقيب النقباء طراد، والنقيب الطاهر المعمر بن محمد، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، وغيرهم من الأعيان والأماثل. ولما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر ولم يكن للقائم عقب ذكر غيره لأن ابنه ذخيرة الدين أبا العباس محمدا توفي في حياته ولم يكن له غيره فاعتمد القائم لذلك. ثم جاءت جاريته أرجوان بعد موته لستة أشهر بولد ذكر فعظم سرور القائم به، ولما كانت حادثة البساسيري حمله أبو الغنائم بن المجلبان إلى حران وهو ابن أربع سنين، وأعاده عند عود القائم إلى داره.

فلما بلغ الحلم عهد له القائم بالخلافة ولما تمت بيعته لقب المقتدي وأقر فخر الدولة بن جهير على وزارته بوصية جده القائم بذلك. وبعث ابن عميد الدولة إلى السلطان ملك شاه لأخذ البيعة في رمضان من سنة سبع وستين، وبعث معه من الهدايا ما يجل عن الوصف. وقدم سعد الدولة كوهرابين سنة ثمان وستين إلى بغداد شحنة، ومعه

العميد أبو نصر ناظرا في أعمال بغداد، وقدم مؤيد الملك بن نظام الملك سنة سبعين للإقامة ببغداد، ونزل بالدار التي بجوار مدرستهم.

** عزل الوزير ابن جهير ووزارة أبي شجاع **

كان أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري قد حج سنة تسع وستين، فورد بغداد منصرفا من الحج، ووعظ الناس بالنظامية، وفي رباط شيخ الشيوخ، ونصر مذهب الأشعري فأنكر عليه الحنابلة، وكثر التعصب من الجانبين، وحدثت الفتنة والنهب عند المدرسة النظامية، فأرسل مؤيد الملك إلى العميد والشحنة فحضروا في الجند، وعظمت الفتنة ونسب ذلك إلى الوزير فخر الدولة بن جهير، وعظم ذلك على عضد الدولة فأعاد كوهرابين إلى الشحنة ببغداد وأوصاه المقتدي بعزل فخر الدولة من الوزارة، وأمر كوهرابين بالقبض على أصحابه ونمي الخبر إلى بني جهير فبادر عميد الدولة ابن الوزير إلى نظام الملك يستعطفه. ولما بلغ كوهرابين رسالة الملك إلى المقتدى أمر فخر الدولة بلزوم منزله. ثم جاء ابنه عميد الدولة، وقد استصلح نظام الملك في الشفاعة لهم، فأعيد عميد الملك إلى الوزارة دون أبيه فخر الدولة وذلك في صفر سنة اثنتين وسبعين.

** استيلاء تتش بن ألب أرسلان على دمشق وابتداء دولته ودولة نفيه فيها **

كان أتسز بهمزة وسين وزاي بن أبق [1] الخوارزمي من أمراء السلطان ملك شاه وقد سار سنة ثلاث وستين إلى فلسطين من الشام ففتح مدينة الرملة، ثم حاصر بيت المقدس وفتحها من يد العلويين أصحاب مصر، وملك ما يجاورها ما عدا عسقلان. ثم حاصر دمشق حتى جهدها الحصار فرجع وبقي يردد الغزوات إليها كل سنة. ثم حاصرها سنة سبع وستين وبها المعلى بن حمدرة [2] من قبل المنتصر العبيدي

فأقام عليها شهرا. ثم أقلع ديار أهل دمشق [1] بالمعلى لسوء سيرته فهرب إلى بانياس ثم إلى صور، ثم أخذ إلى مصر وجلس بها ومات محبوسا واجتمع المصامدة بعد هربه من دمشق وولوا عليهم انتصار بن يحيى المصمودي ولقبوه زين الدولة. ثم اختلفوا عليه ووقعت الفتنة، وغلت الأسعار ورجع أتسز إلى حصارها فنزل له عنها انتصار على الأمان، وعوضه عنها بقلعة بانياس ومدينة يافا من الساحل، وخطب فيها أتسز للمقتدي العباسي في ذي القعدة سنة ثمان وستين. وتغلب على أكثر الشام ومنع من الأذان بحي على خير العمل. ثم سار سنة تسع وستين إلى مصر وحاصرها حتى أشرف على أخذها. ثم انهزم من غير قتال ورجع إلى دمشق وقد انتقض عليه أكثر بلاد الشام، فشكر لأهل دمشق صونهم لمخلفه وأمواله، ورفع عنهم خراج سنة وبلغه أن أهل القدس وثبوا بأصحابه ومخلفه وحصروهم في محراب داود عليه السلام، فسار إليهم وقاتلهم فملكهم عنوة وقتلهم في كل مكان إلا من كان عند الصخرة. ثم إن السلطان ملك شاه أقطع أخاه تاج الدولة تتش سنة سبعين وأربعمائة بلاد الشام وما يفتحه من نواحيها، فسار إلى حلب سنة إحدى وسبعين وحاصرها وضيق عليها، وكانت معه جموع كثيرة من التركمان. وكان صاحب مصر قد بعث عساكره مع قائده نصير الدولة لحصار دمشق فأحاطوا بها، وبعث أتسز إلى تتش وهو على حلب يستمده فسار إليه، وأجفلت العساكر المصرية عن دمشق، وجاء إليها تتش فخرج أتسز للقائه بظاهر البلد فتجنى عليه حيث لم يستعد للقائه، وقبض عليه وقتله لوقته، وملك البلد وأحسن السيرة فيها وذلك سنة إحدى وسبعين فيما قال الهمذاني. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر إن ذلك كان سنة اثنتين وسبعين. وقال ابن الأثير والشاميون في هذا الاسم افسلس والصحيح أنه أتسز وهو اسم تركي [2] .

** سفارة الشيخ أبى إسحاق الشيرازي عن الخليفة **

كان عميد العراق أبو الفتح بن أبى الليث قد أساء السيرة وأساء إلى الرعية وعسفهم، واطرح جانب الخليفة المقتدي وحواشيه فاستدعى المقتدي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وبعثه إلى السلطان ملك شاه والوزير نظام الملك بالشكوى من ابن العميد، فسار لذلك ومعه جماعة من أعيان الشافعية منهم أبو بكر الشاشي وغيره، وذلك سنة خمس وخمسين. وتنافس أهل البلاد في لقائه والتمسح بأطرافه والتماس البركة في ملبوسه ومركوبة، وكان أهل البلاد إذا مر بهم يتسايلون إليه ويزدحمون على ركابه، وينشدون على موكبه كل أحد ما يناسب ذلك، وصدر الأمر بإهانة ابن العميد ورفع يده عما يتعلق بحواشي المقتدي، وجرى بينه وبين إمام الحرمين مناظرة بحضرة نظام الملك ذكرها الناس في كتبهم انتهى.

** عزل ابن جهير عن الوزارة وإمارته على ديار بكر **

ثم إن عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير عزله الخليفة المقتدي عن الوزارة ووصل يوم عزل رسول من قبل السلطان ونظام الملك يطلب بني جهير فأذن لهم وساروا بأهلهم إلى السلطان فلقاهم كرامة وبرا، وعقد لفخر الدولة على ديار بكر وكان بني مروان وبعث معه العساكر سنة وأعطاه الآلة وأذن له أن يخطب فيها لنفسه، ويكتب اسمه في السكة فسار لذلك سنة ست وسبعين ثم بعث إليه السلطان سنة سبع وسبعين بمدد العساكر مع الأمير أرتق بن اكسب جل أصحاب ماردين لهذا العهد، وكان ابن مروان قد استمد فخر الدولة بن جهير بنواحيها، وكان معه جماعة من التركمان فتقدموا إلى قتل مشرف الدولة، وانهزم أمامهم وغنم التركمان من كان معه من أحياء العرب، ودخل آمد فحصره بها فخر الدولة وأرتق، فراسل أرتق وبذل له مالا على الخروج من ناحيته، فأذن له وخرج. ورجع ابن جهير الى ميافارقين ومعه بهاء الدولة منصور بن مزيد صاحب الحلة والنيل والجامعين وابنه سيف الدولة صدقة ففارقوه إلى العراق، وسار هو إلى خلاط. وكان السلطان لما بلغه انهزام مشرف الدولة وحصاره بآمد بعث عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير في عسكره إلى الموصل ومعه قسيم الدولة آق سنقر جد نور الدين العادل، وكاتب أمراء التركمان بطاعته وساروا

إلى الموصل فملكوها. وسار السلطان بنفسه إليها وقارن ذلك خلوص مشرف الدولة من حصار آمد فراسل مؤيد الدولة بن نظام الملك وهو على الرحبة، وأهدى له فسعى له عند السلطان وأحضره وأهدى للسلطان سوابق خيله وصالحه وأقره على بلاده، وعاد إلى خراسان. ولم يزل فخر الدولة بن جهير في طلب ديار بكر حتى ملكها. فأنفذ إليه زعيم الرؤساء القاسم سنة ثمان وسبعين، وحاصرها وضيق عليها حتى غدر بها بعض أهل العسكر من خارج وملكها. وعمد أهل البلد إلى بيوت النصارى بينهم فنهبوها بما [1] كانوا عمال بني مروان، وكان لهم جور على الناس. وكان فخر الدولة مقيما على ميافارقين محاصرا لها، وجاءه سعد الدولة كوهرابين في العسكر مددا من عند السلطان فخرج في حصارها وسقط بعض الأيام جانب من سورها فدهش أهل البلد وتنادوا بشعار السلطان ملك شاه، واقتحم فخر الدولة البلد واستولى على ما كان لبني مروان، وبعث بأموالهم إلى السلطان مع ابنه زعيم الرؤساء فلحقه بأصبهان سنة ثمان وسبعين. ثم بعث فخر الدولة أيضا عسكرا إلى جزيرة ابن عمر وحاصروها حتى جهدهم الحصار، فوثب طائفة من أهل البلد بعاملها، وفتحوا الباب، ودخل مقدم العسكر فملك البلد ودخل سنة ثمان وسبعين. وانقرضت دولة بني مروان من ديار بكر واستولى عليها فخر الدولة بن جهير، ثم أخذها السلطان من يده وسار إلى الموصل فتوفي بها، وكان مولده بها واستخدم لبرلة بن مقلة [2] وسفر عنه إلى ملك الروم. ثم سار إلى حلب ووزر لمعز الدولة أبي هال بن صالح. ثم مضى إلى ملطية ثم إلى مروان بديار بكر، فوزر له ولولده. ثم سار إلى بغداد ووزر للخليفة كما مر في آخر ما ذكرنا، وتوفي سنة ثلاث وثمانين انتهى.

** خبر الوزارة **

لما عزل الخليفة المقتدي عميد الدولة عن الوزارة سنة ست وسبعين رتب في الديوان أبا الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء. ثم استوزر أبا شجاع محمد بن الحسين فلم يزل في الوزارة إلى سنة أربع وثمانين فتعرض لأبي سعد بن سمحاء اليهودي كان وكيلا للسلطان، ونظام الملك، وسار كوهرابين الشحنة إلى السلطان بأصبهان، فمضى

اليهودي في ركابه، وسمع المقتدي بذلك فخرج توقيعه بإلزام أهل الذمة بالغيار فأسلم بعضهم وهرب بعضهم. وكان ممن أسلم أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب وقرابته، ولما وصل كوهرابين وأبو سعد إلى السلطان وعظمت سعايتهما في الوزير أبي شجاع فكتب السلطان ونظام الملك إلى المقتدي في عزله فعزله، وأمره بلزوم بيته، وولى مكانه أبا سعد بن موصلايا الكاتب، وبعث المقتدي اليهما في عميد الدولة بن جهير فبعثا به إليه واستوزره سنة أربع وثمانين، وركب إليه نظام الدولة فهنأه بالوزارة في بيته، وتوفي الوزير أبو شجاع سنة ثمان وثمانين.

** استيلاء السلطان على حلب **

قد ذكرنا من قبل استيلاء السلطان ألب أرسلان على حلب، وخطبة صاحبها محمود ابن صالح بن مرداس على منابره باسمه سنة ثلاث وستين. ثم عاد بعد ذلك إلى طاعة العلوية بمصر. ثم انتقضت دولة بني مرداس بها، وعادت رياستها شورى في مشيختها، وطاعتهم لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكبيرهم ابن الحثيثي. واستقر ملك سليمان بن قطلمش ببلاد الروم، وملك أنطاكية سنة سبع وسبعين. وتنازع مع مشرف الدولة ابن قريش ملك حلب وتزاحفا فقتل سليمان بن قطلمش مسلم بن قريش سنة تسع وسبعين. وكتب إلى أهل حلب يستدعيهم إلى طاعته فاستمهلوه إلى أن يكاتبوا السلطان ملك شاه. فإن الكل كانوا في طاعته وكتبوا إلى تتش أخي السلطان وهو بدمشق أن يملكوه فسار إليهم ومعه أرتق بن أكسب، كان قد لحق به عند ما جاء السلطان إلى الموصل وفتحها خشية مما فعله في خلاص مسلم بن قريش من حصار آمد فأقطعه تتش بيت المقدس. فلما جاء تتش إلى حلب وحاصر القلعة، وبها سالم بن مالك بن بدران ابن عم مشرف الدولة مسلم بن قريش، وكان ابن الحثيثي وأهل حلب قد كاتبوا السلطان ملك شاه أن يسلموا إليه البلد، فسار من أصبهان في جمادى سنة تسع وستين، ومر بالموصل ثم بحران فتسلمها وأقطعها محمد بن مسلم بن قريش، ثم بالرها فملكها من يد الروم، ثم بقلعة جعفر فحاصرها وملكها من يد بعض بني قشير، ثم بمنبج فملكها ثم عبر الفرات إلى حلب فأجفل أخوه تتش إلى البرية ومعه أرتق. ثم عاد إلى دمشق وكان سالم بن مالك ممتنعا بالقلعة فاستنزله منها وأقطعه قلعة جعبر فلم تزل بيده ويد بنيه حتى ملكها منهم نور الدين العادل، وبعث إلى

السلطان بالطاعة على شيراز، وولى السلطان على حلب قسيم الدولة صاحب شيراز نصر بن علي بن منقذ الكناني وسلم إليه اللاذقية وكفر طاب وفامية، فأقر على شيراز، وولى السلطان على حلب قسيم الدولة آق سنقر جد نور الدين العادل، ورحل إلى العراق وطلب أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثي فحمله معه وأنزله بديار بكر فتوفي فيها بحلل إملاق. ودخل السلطان بغداد في ذي الحجة من سنة تسع وسبعين وأهدى إلى المقتدي وخلع عليه الخليفة، وقد جلس له في مجلس حفل ونظام الملك قائم يقدم أمراء السلطان واحدا بعد واحد آخر للسلام للخليفة، ويعرف بأسمائهم وأنسابهم ومراتبهم. ثم فوض الخليفة المقتدي إلى السلطان أمور الدولة، وقبل يده وانصرف. ودخل نظام الملك إلى مدرسته فجلس في خزانة الكتب وأسمع جزء حديث وأملى آخر. وأقام السلطان ببغداد شهرا ورحل في صفر من سنة ثمانين إلى أصبهان وجاء إلى بغداد مرة أخرى في رمضان من سنة أربع وثمانين ونزل بدار الملك وقدم عليه أخوه تاج الدولة تتش وقسيم الدولة آق سنقر من حلب، وغيرهما من أمراء النواحي. وعمل ليلة الميعاد من سنة خمس وثمانين، لم ير أهل بغداد مثله وأخذ الأمراء في بناء الدور ببغداد لسكناهم عند قدومهم فلم تمهلهم الأيام لذلك.

** فتنة بغداد **

كانت مدينة بغداد قد احتفلت في كثرة العمران بما لم تنته إليه مدينة في العالم منذ مبدإ الخليفة فيما علمناه، واضطربت آخر الدولة العباسية بالفتن، وكثر فيها المفسدون والدعار والعيارون من الرها، وأعيا على الحكام أمرهم، وربما أركبوا العساكر لقتالهم ويثخنون فيهم فلم يحسم ذلك من عللهم شيئا وربما حدثت الفتن من أهل المذاهب ومن أهل السنة والشيعة من الخلاف في الإمامة ومذاهبها، وبين الحنابلة والشافعية وغيرهم من تصريح الحنابلة بالتشبيه في الذات والصفات، ونسبتهم ذلك إلى الإمام أحمد، وحاشاه منه، فيقع الجدال والنكير ثم يفضي إلى الفتنة بين العوام. وتكرر ذلك منذ حجر الخلفاء. ولم يقدر بنو بويه ولا السلجوقية على حسم ذلك منها لسكنى أولئك بفارس، وهؤلاء بأصبهان، وبعدهم عن بغداد والشوكة التي تكون بها حسم العلل لاتفاقهم. وإنما تكون ببغداد شحنة تحسم ما خف من العلل ما لم ينته إلى عموم الفتنة، ولم يحصل من ملوكهم اهتمام لحسم ذلك

لاشتغالهم بما هو أعظم منه في الدولة والنواحي. وعامة بغداد أهون عليهم من أن يصرفوا همتهم عن العظائم إليهم فاستمرت هذه العلة ببغداد، ولم يقلع عنها إلى أن اختلفت جدتها وتلاشى عمرانها، وبقي طراز في ردائها لم تذهبه الأيام.

** مقتل نظام الملك وأخباره **

كان من أبناء الدهاقين بطوس أبو علي الحسين بن علي بن إسحاق، فشب وقرأ بها وسمع الحديث الكبير وتعلق بالأحكام السلطانية وظهرت فيها كفايته، وكان يعرف بحسن الطوسي. وكان أميره الذي يستخدمه يصادره كل سنة فهرب منه إلى داود وحفري بك، وطلبه مخدومه الأمير فمنعه، وخدم أبا علي بن شادان متولي الأعمال ببلخ لحفري بك أخي السلطان طغرلبك، وهو والد السلطان ألب أرسلان. ولما مات أبو علي وقد عرف نظام الملك هذا بالكفاية والأمانة أوصى به ألب أرسلان فأقام بأمور دولته ودولة ابنه ملك شاه من بعده، وبلغ المبالغ كما مر واستولى على الدولة.

وولى أولاده الأعمال وكان فيمن ولاه منهم ابن ابنه عثمان جمال. وولى على مرو، وبعث السلطان إليها شحنة من أعظم أمرائه، وقع بينه وبين عثمان نزاع فحملته الحداثة والإدلال بجاهه على أن قبض على الأمير وعاقبه، فانطلق إلى السلطان مستغيثا، وامتعض لها السلطان وبعث إلى نظام الملك بالنكير مع خواصه وثقاته فحملته الدالة على تحقيق تعديد حقوقه على السلطان، وإطلاق القول في العتاب والتهديد بطوارق الزمن. وأرادوا طي ذلك عن السلطان فوشى به بعضهم. فلما كان رمضان من سنة خمس وثمانين، والسلطان على نهاوند عائدا من أصبهان إلى بغداد، وقد انصرف الملك يومه ذلك من خيمة السلطان إلى خيمته، فاعترضه صبي قيل إنه من الباطنة في صورة مستغيث فطعنه بسكينة فمات، وهرب الصبي فأدرك وقتل، وجاء السلطان إلى خيمة نظام الملك يومه، وسكن أصحابه وعسكره، وذلك لثلاثين سنة من وزارته سوى ما وزر لأبيه ألب أرسلان أيام إمارته بخراسان.

** وفاة السلطان ملك شاه وملك ابنه محمود **

لما قتل نظام الملك على نهاوند كما ذكرناه سار السلطان لوجهه، ودخل بغداد آخر رمضان من سنته، ولقيه الوزير عميد الدولة بن جهير واعتزم السلطان أن يولي،

وزارته تاج الملك وهو الذي سعى بنظام الملك، وكانت قد ظهرت كفايته. فلما صلى السلطان العيد عاد إلى بيته وقد طرقه المرض، وتوفي منتصف شوال، فكتمت زوجته تركمان خاتون موته وأنزلت أموالها وأموال أهل الدولة بحريم دار الخلافة، وارتحلت إلى أصبهان، وسلوا السلطان معها في تابوته وقد بذلت الأموال للأمراء على طاعة ابنها محمود والبيعة له فبايعوه، وقدمت من طريق قوام الدولة كربوقا الذي ملك الموصل من بعد ذلك، فسار بخاتم السلطان لنائب القلعة وتسلمها. ولما بايعت لولدها محمود وعمره يومئذ أربع سنين بعثت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة له فأجابها على شرط أن يكون أنز من أمراء أبيه هو القائم بتدبير الملك، وأن يصدر عن رأي الوزير تاج الملك، ويكون له ترتيب العمال وجباية الأموال فأبت أولا من قبول هذا الشرط، حتى جاءها الإمام أبو حامد الغزالي وأخبرها أن الشرع لا يجير تصرفاته فأذعنت لذلك، فخطب لابنها آخر شوال من السنة، ولقب ناصر الدولة والدين، وكتب إلى الحرمين الشريفين فخطب له بهما.

** ثورة بركيارق بملك شاه **

كانت تركمان خاتون عند موت السلطان ملك شاه قد كتمت موته وبايعت لابنها محمود كما قلناه، وبعثت إلى أصبهان سرا في القبض على بركيارق ابن السلطان ملك شاه خوفا من أن ينازع ابنها محمود فحبس. فلما ظهر موت ملك شاه وثب مماليك بركيارق ونظام الملك على سلاح كان له بأصبهان وثاروا في البلد وأخرجوا بركيارق في محبسه وبايعوه وخطبوا له بأصبهان. وكانت أمه زبيدة بنت عم ملك شاه وهو ياقولي خائفة على ولدها من خاتون أم محمود، وكان تاج الملك قد تقدم إلى أصبهان وطالبه العسكر بالأموال فطلع إلى بعض القلاع لينزل منها المال وامتنع منها خوفا من مماليك نظام الملك. ولما وصلت تركمان خاتون إلى أصبهان جاءها فقبلت عذره. وكان بركيارق لما أقامت خاتون ابنها محمودا بأصبهان خرج فيمن معه من النظامية إلى الري واجتمع معه بعض أمراء أبيه وبعثت خاتون العساكر إلى قتاله، وفيهم أمراء ملك شاه. فلما تراءى الجمعان هرب كثير من الأمراء إلى بركيارق واشتد القتال فانهزم عسكر محمود وخاتون، وعادوا إلى أصبهان وسار بركيارق في أثرهم فحاصرهم بها.

** مقتل تاج الملك **

كان الوزير تاج الملك قد حضر مع عسكر خاتون وشهد وقعة بركيارق. فلما انهزموا سار إلى قلعة يزدجرد فحبس في طريقه، وحمل إلى بركيارق وهو محاصر أصبهان، وكان يعرف كفايته فأجمع أن يستوزره، وأصلح هو النظامية وبذل لهم مائتي ألف دينار واسترضاهم بها. ونمي ذلك إلى عثمان نائب نظام الملك فوضع الغلمان الأصاغر عليه الطالبين ثأر سيدهم وأغراهم فقتلوه وقطعوه قطعا [1] وذلك في المحرم سنة ست وثمانين. ثم خرج إلى بركيارق من أصبهان وهو محاصر لها عز الملك أبو عبد الله بن الحسين بن نظام الملك وكان على خوارزم، ووفد على السلطان ملك شاه قبل مقتل أبيه. ثم كان ملكهما فأقام هو بأصبهان وخرج إلى بركيارق وهو يحاصرها فاستوزره وفوض إليه أمر دولته انتهى.

** الخطبة لبركيارق ببغداد **

ثم قدم بركيارق بغداد سنة ست وثمانين، وطلب من المقتدي الخطبة فخطب له على منابرها ولقب ركن الدين وحمل الوزير عميد الدولة بن جهير إليه الخلع فلبسها وتوفي المقتدي وهو مقيم ببغداد.

** وفاة المقتدي ونصب المستظهر للخلافة **

ثم توفي المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله في منتصف محرم سنة سبع وثمانين، وكان موته فجأة، أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم عليه فقرأه ووضعه. ثم قدم إليه طعام فأكل منه ثم غشي عليه فمات، وحضر الوزير فجهزوا جنازته وصلى عليه ابنه أبو العباس أحمد ودفن وذلك لتسع عشرة سنة وثمانية أشهر من خلافته. وكانت له قوة وهمة لولا أنه كان مغلبا، وعظمت عمارة بغداد في أيامه، وأظن ذلك لاستفحال دولة بني طغرلبك. ولما توفي المقتدي وحضر الوزير أحضر ابنه أبا العباس أحمد الحاشية فبايعوه ولقبوه المستظهر، وركب الوزير إلى بركيارق وأخذ بيعته للمستظهر. ثم حضر بركيارق لثالثة من وفاته ومعه وزيره عز الملك بن نظام الملك وأخوه بهاء الملك، وأمر السلطان بأرباب

المناصب فجمعوا وحضر النقيبان طراد العباسى والمعمر العلوي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني والغزالي والشاشي وغيرهم فحبسوا في العراء وبايعوا.

** أخبار تتش وانتقاضه وحروبه ومقتله **

قد ذكرنا فيما تقدم أن تتش بن السلطان ألب أرسلان استقل بملك دمشق وأعمالها، وأنه وفد على السلطان ملك شاه ببغداد قبل موته وانصرف، وبلغه خبر وفاته بهيت فملكها وسار إلى دمشق فجمع العساكر، وزحف إلى حلب فأطاعه صاحبها قسيم الدولة آق سنقر. وسار معه، وكتب إلى ناعيسان صاحب أنطاكية وإلى برار صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تتش حتى يصلح حال أولاد ملك شاه فقبلوا منه، وخطبوا له في بلادهم وساروا معه فحضر الرحبة وملكها في المحرم سنة ست وثمانين، وخطب فيها لنفسه. ثم فتح نصيبين عنوة وعاث فيها وسلمها لمحمد بن مشرف الدولة وسار يريد الموصل ولقيه الكافي فخر الدولة بن جهير وكان في جزيرة ابن عمر فاستوزره وبعث إلى إبراهيم بن مشرف الدولة مسلم بن قريش وهو يومئذ ملك الموصل يأمره بالخطبة له، وتسهيل طريقه إلى بغداد فأبى من ذلك وزحف إليه تتش وهو في عشرة آلاف وآق سنقر على ميمنته وتوزران [1] على ميسرته، وإبراهيم في ستين ألفا والتقوا فانهزم إبراهيم وأخذ أسيرا وقتل جماعة من أمراء العرب صبرا، وملك تاج الدولة تتش الموصل، وولى عليها علي بن مشرف الدولة. وفوض إليه أمر صفية عمة تتش وبعث إلى بغداد يطلب مساعدة كوهرابين الشحنة فجاء العذر بانتظار الرسل من العسكر، فسار إلى ديار بكر وملكها، ثم إلى أذربيجان، وبلغ خبره إلى بركيارق، وقد استولى على همذان والري فسار لمدافعته، فلما التقى العسكران جنح آق سنقر إلى بركيارق وفاوض توران في ذلك، وأنهما إنما اتبعا تتش حتى يظهر أمر أولاد ملك شاه، فوافقه على ذلك، وسارا معا إلى بركيارق فانهزم تتش وعاد إلى دمشق، واستفحل بركيارق وجاءه كوهرابين يعتذر من مساعدته لتتش في الخطبة فلم يقبله، وعزله وولى الأمير نكبرد شحنة بغداد مكانه. ثم خطب لبركيارق ببغداد كما قدمناه.

ومات المقتدي ونصب المستظهر، ولما عاد تتش من أذربيجان إلى الشام جمع العساكر وسار إلى حلب لقتال آق سنقر، وبعث بركيارق كربوقا الذي صار أمير الموصل مددا لآقسنقر، ولقيهم تتش قريبا من حلب فهزمهم وأسر آق سنقر فقتله صبرا. ولحق

توران وكربوقا بحلب، وحاصرهما تتش فملكها وأخذهما أسيرين، وبعث إلى حران والرها في الطاعة، وكانتا لتوران فامتنعوا، فبعث برأسه إليهم وأطاعوه، وحبس كربوقا في حمص إلى أن أطاعه رضوان بعد قتل أبيه تتش. ثم سار تتش إلى الجزيرة فملكها، ثم ديار بكر ثم خلاط وأرمينية، ثم أذربيجان. ثم سار إلى همذان فملكها، وكان بها فخر الدولة نظام الملك، سار من حران لخدمة بركيارق فلقيه الأمير تاج من عسكر محمود بن ملك شاه بأصبهان، فنهب ماله ونجا بنفسه إلى همذان، وصادف بها تتش وشفع فيه باغسيان وأشار بوزارته فاستوزره، وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة من المستظهر وبعث يوسف بن أبق التركماني شحنته إلى بغداد في جمع من التركمان فمنع من دخولها. وكان بركيارق قد سار إلى نصيبين وعبر دجلة فوق الموصل إلى أربل، ثم إلى بلد سرخاب بن بدر حتى إذا كان بينه وبين عمه تسعة فراسخ، وهو في ألف رجل وعمه في خمسين ألفا، فبيته بعض الأمراء من عسكر عمه فانهزم إلى أصبهان، وبها محمود ابن أخيه، وقد ماتت أمه تركمان خاتون فأدخله أمراء محمود، واحتاطوا عليه. ثم مات محمود سلخ شوال من سنة سبع وثمانين، واستولى بركيارق على الأمر، وقصده مؤيد الملك بن نظام الملك فاستوزره في ذي الحجة، واستمال الأمراء فرجعوا إليه وكثر جمعه. وكان تتش بعد هزيمة بركيارق قد اختلف عليه الأمراء وراسل أمراء أصبهان يدعوهم إلى طاعته فواعدوه انتظار بركيارق، وكان قد أصابه الجدري، فلما أبل نبذوا إليه عهده، وساروا مع بركيارق من أصبهان، وأقبلت إليهم العساكر من كل مكان وانتهوا إلى ثلاثين ألفا والتقوا قريبا من الري فانهزم تتش وقتله بعض أصحاب آق سنقر، وكان قد حبس وزيره فخر الملك بن نظام الملك فأطلق ذلك اليوم، واستفحل أمر بركيارق وخطب له ببغداد.

** ظهور السلطان ملك شاه والخطبة له ببغداد **

كان السلطان بركيارق قد ولى على خراسان وأعمالها أخاه لأبيه سنجر فاستقل بأعمال خراسان كما يذكر في أخبار دولتهم عند انفرادها بالذكر. وإنما نذكر هنا من أخبارهم ما يتعلق بالخلافة والخطبة لهم ببغداد، لأن مساق الكلام هنا إنما هو عن أخبار دولة بني العباس، ومن وزر لهم أو تغلب خاصة. وكان لسنجر بن ملك شاه أخ شقيق اسمه محمد، ولما هلك السلطان ملك شاه سار مع أخيه محمود وتركمان خاتون إلى

أصبهان. فلما حاصرهم بركيارق لحق به أخوه محمد هذا وسار معه إلى بغداد سنة ست وثمانين، وأقطعه دجلة وأعمالها وبعث معه قطلغ تكين أتابك. فلما استوى على أمره قتله أنفة من حجره. ثم لحق به مؤيد الملك بن عبيد الله بن نظام الملك، كان مع الأمير أنز وداخله في الخلاف على السلطان بركيارق. فلما قتل أنز كما نذكر في أخبارهم لحق مؤيد الملك بمحمد بن السلطان ملك شاه، وأشار عليه ففعل وخطب لنفسه. واستوزر مؤيد الملك، وقارن ذلك أن السلطان بركيارق قتل خاله مجد الملك البارسلاني فاستوحش منه أمراؤه، ولحقوا بأخيه محمد وسار بركيارق إلى الري واجتمع له بها عساكر وجاء عز الملك منصور بن نظام الملك في عساكر، وبينما هو في الري إذ بلغه مسير أخيه محمد إليه فأجفل راجعا إلى أصبهان فمنعه أهلها الدخول، فسار إلى خوزستان. وجاء السلطان محمد إلى الري أول ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعين، ووجد أم بركيارق بها وهي زبيدة خاتون فحبسها مؤيد الملك وقتلها، واستفحل ملك محمد، وجاءه سعد الدولة كوهرابين شحنة بغداد وكان مستوحشا من بركيارق، وجاء معه كربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر، وسرخاب ابن بدر صاحب كركور فلقوه جميعا بقم وسار كربوقا وجكرمش معه إلى أصبهان، ورد كوهرابين إلى بغداد في طلب الخطبة من الخليفة، وأن يكون شحنة [1] بها فأجابه المستظهر إلى ذلك وخطب له منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين ولقب غياث الدنيا والدين.

** اعادة الخطبة لبركيارق **

لما سار بركيارق مجفلا من الري إلى خوزستان أمام أخيه محمد، وأمير عسكره يومئذ ينال بن أنوش تكين الحسامي، ومعه جماعة من الأمراء، أجمع المسير إلى العراق، فسار إلى واسط، وجاءه صدقة بن مزيد صاحب الحلة. ثم سار إلى بغداد فخطب له بها منتصف صفر من سنة ثلاث وتسعين. ولحق سعد الدولة كوهرابين ببعض الحصون هنالك ومعه أبو الغازي بن أرتق وغيره من الأمراء، وأرسل إلى السلطان محمد ووزيره مؤيد الملك يستحثهما في الوصول، فبعث إليه كربوقا صاحب

الموصل وجكرمش صاحب الجزيرة فلم يرضه. وطلب جكرمش العود إلى بلده فأطلقه. ثم نزع كوهرابين ومن معه من الأمراء إلى بركيارق باغزاء كربوقا صاحب الموصل، وكاتبوه فخرج إليهم ودخلوا معه بغداد واستوزره الأغر ابو المحاسن عبد الجليل بن علي بن محمد الدهستاني، وقبض على عميد الدولة ابن جهير وزير الخليفة وطالبه بأموال ديار بكر والموصل في ولايته وولاية أبيه، وصادره على مائة وستين ألف دينار فحملها إليه وخلع المستظهر على السلطان بركيارق واستقر أمره.

** المصاف الأول بين بركيارق ومحمد وقتل كوهرابين والخطبة لمحمد **

ثم سار بركيارق من بغداد إلى شهرزور لقتال أخيه محمد، واجتمع إليه عسكر عظيم من التركمان، وكاتبه رئيس همذان بالمسير إليه فعدا عنه، ولقي أخاه محمدا على فراسخ من همذان ومحمد في عشرين ألف مقاتل، ومعه الأمير سرخو شحنة أصبهان وعلى ميمنته أمير آخر وابنه أياز، وعلى ميسرته مؤيد الملك والنظامية. ومع بركيارق في لقلب وزيره أبو المحاسن، وفي ميمنته كوهرابين وصدقة بن مزيد وسرخاب بن بدر.

وفي ميسرته كربوقا وغيره من الأمراء. فحمل كوهرابين من ميمنة بركيارق على ميسرة محمد فانهزموا حتى نهبت خيامهم. ثم حملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزمت، وحمل محمد معهم فانهزم بركيارق، ورجع كوهرابين للمنهزمين فكبا به فرسه وقتل، وافترقت عساكر بركيارق وأسر وزيره أبو المحاسن فأكرمه مؤيد الملك وأنزله وأعاده إلى بغداد ليخاطب المستظهر في إعادة الخطبة للسلطان محمد ففعل، وخطب له ببغداد منتصف رجب سنة ثلاث وتسعين. وابتداء أمر كوهرابين أنه كان لامرأة بخوزستان وصار خادما للملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة. وحظي عنده وكان يستعرض حوائج تلك المرأة وأصاب أهلها منه خيرا. وأرسله أبو كاليجار مع ولده أبي نصر إلى بغداد، فلما قبض عليه السلطان طغرلبك مضى معه إلى محبسه بقلعة طبرك. ولما مات أبو نصر سار إلى خدمة السلطان ألب أرسلان فحظي عنده وأقطعه واسط وجعله شحنة بغداد، وكان حاضرا معه يوم قتله يوسف الخوارزمي ووقاه بنفسه. ثم بعثه ابنه ملك شاه إلى بغداد لإحضار الخلع والتقليد، واستقر

شحنة ببغداد إلى أن قتل، ورأى ما لم يره خادم قبله من نفوذ الكلمة وكمال القدرة وخدمة الأمراء والأعيان وطاعتهم انتهى.

** مصاف بركيارق مع أخيه سنجر **

ولما انهزم السلطان بركيارق من أخيه محمد لحق بالري واستدعى شيعته وأنصاره من الأمراء فلحقوا به. ثم ساروا إلى أسفراين وكاتب الأمير داود حبشر بن التونطاق يستدعيه وهو صاحب خراسان وطبرستان ومنزله بالدامغان، فأشار عليه باللحاق بنيسابور حتى يأتيه. فدخل نيسابور وقبض على رؤسائها، ثم أطلقهم وأساء التصرف. ثم أعاد الكتاب إلى داود حبشي بالاستدعاء فاعتذر بأن السلطان سنجر زحف إليه في عساكر بلخ. ثم سأل منه المدد فسار بركيارق إليه في ألف فارس وهو في عشرين ألفا والتقوا بسنجر عند النوشجان وفي ميمنة سنجر الأمير برغش وفي ميسرته كوكر، ومعه في القلب رستم. فحمل بركيارق على رستم فقتله وانهزم أصحابه ونهب عسكرهم، وكادت الهزيمة تتم عليهم. ثم حمل برغش وكوكر على عسكر بركيارق وهم مشتغلون بالنهب فانهزموا، وانهزم بركيارق. وجاء بعض التركمان بالأمير داود حبشي أسيرا إلى برغش فقتله ولحق بركيارق بجرجان ثم بالدامغان، وقطع البرية إلى أصبهان بمراسلة أهلها فسبقه أخوه محمد إليها فعاد أسيرهم انتهى.

** عزل الوزير عميد الدولة بن جهير ووفاته **

قد ذكرنا أن وزير السلطان بركيارق وهو الأغر أبو المحاسن أسر في المصاف الأول بين بركيارق ومحمد، وأن مؤيد الملك بن نظام الملك وزير محمد أطلقه واصطنعه وضمنه عمارة بغداد، وحمله طلب الخطبة لمحمد ببغداد من المستظهر فخطب له، وكان فيما حمله للمستظهر عزل وزيره عميد الدولة بن جهير. وبلغ ذلك عميد الدولة فأرسل من يعترض الأغر ويقتله فامتنع بعقر باب. ثم صالحه ذلك الذي اعترضه وطلب لقاءه فلقيه، ودس الأغر إلى أبي الغازي بن أرتق، وكان وصل معه وسبقه إلى بغداد، فرجع إليه ليلا ويئس منه ذلك الذي اعترضه، ووصل الأغر بغداد، وبلغ إلى المستظهر رسالة مؤيد الدولة في عزل عميد الدولة فقبض عليه في رمضان من سنة

ثلاث وتسعين، وعلى إخوته، وصودر على خمسة وعشرين ألف دينار، وبقي محبوسا بدار الخلافة إلى أن هلك في محبسه.

** المصاف الثاني بين بركيارق وأخيه محمد ومقتل مؤيد الملك والخطبة لبركيارق **

قد ذكرنا أن بركيارق لما انهزم أمام أخيه محمد في المصاف الأول سار إلى أصبهان، ولم يدخلها فمضى إلى عسكر مكرم إلى خوزستان وجاءه الأميران زنكي وألبكي ابنا برسق. ثم سار إلى همذان فكاتبه أياز من كبار أمراء محمد بما كان استوحش منه فجاءه في خمسة آلاف فارس وأغراه باللقاء فارتحل لذلك. ثم استأمن إليه سرخاب ابن كنخسرو صاحب آوة فاجتمع له خمسون ألفا من المقاتلة، وبقي أخوه في خمسة عشر ألفا. ثم اقتتلوا أول جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين، وأصحاب محمد يغدون على محمد شيئا فشيئا مستأمنين. ثم انهزم آخر النهار وأسر وزيره مؤيد الملك، وأحضره عند بركيارق غلام لمجد الملك البارسلاني ثار منه مولاه، فلما حضر وبخه بركيارق وقتله وبعث الوزير أبو المحاسن من يسلم إليه أمواله، وصادر عليها قرابته، في بغداد وفي غير بغداد من بلاد العجم. ويقال كان فيما أخذ له قطعة من البلخش زنة إحدى وأربعين مثقالا. ثم سار بركيارق إلى الري ولقيه هناك كربوقا صاحب الموصل، ونور الدولة دبيس بن صدقة بن مزيد، واجتمعت إليه نحو من مائة ألف فارس حتى ضاقت بهم البلاد ففرق العساكر. وعاد دبيس إلى أبيه وسار كربوقا إلى أذربيجان لقتال مودود بن إسماعيل بن ياقوتا، كان خرج على السلطان هنالك وسار أياز إلى همذان ليقضي الصوم عند أهله ويعود، فبقي بركيارق في خف من الجنود. وكان محمد أخوه لما انهزم لجهات همذان سار إلى شقيقه بخراسان فانتهى إلى جرجان، وبعث يطلب منه المدد فأمده بالمال أولا. ثم سار إليه بنفسه إلى جرجان وسار معه إلى الدامغان وخرب عسكر خراسان ما مروا به من البلاد، وانتهوا إلى الري، واجتمعت إليهم النظامية وبلغهم افتراق العساكر عن بركيارق فأغذوا إليه السير فرحل إلى همذان فبلغه أن أياز راسل محمدا، فقصد خوزستان وانتهى إلى تستر، واستدعى بني برسق فقعدوا عنه لما بلغهم مراسلة أياز للسلطان، فسار بركيارق نحو العراق، وكان أياز راسل محمدا في الكون معه فلم يقبله فسار من همذان، ولحق بركيارق إلى حلوان

وساروا جميعا إلى بغداد. واستولى محمد على مخلف أياز بهمذان وحلوان وكان شيئا مما لا يعبر عنه. وصادر جماعة من أصحاب أياز من أهل همذان، ووصل بركيارق إلى بغداد منتصف ذي القعدة سنة أربع وتسعين، وبعث المستظهر لتلقيه أمين الدولة بن موصلايا في المراكب، وكان بركيارق مريضا فلزم بيته، وبعث المستظهر في عيد الأضحى إلى داره منبرا خطب عليه باسمه، وتخلف بركيارق عن شهود العيد لمرضه، وضاقت عليه الأموال فطلب الإعانة من المستظهر، وحمل إليه خمسين ألف دينار بعد المراجعات، ومد يده إلى أموال الناس وصادرهم فضجوا، وارتكب خطيئة شنعاء في قاضي جبلة وهو أبو محمد عبد الله بن منصور. وكان من خبره أن أباه منصورا كان قاضيا بجبلة في ملكة الروم، فلما ملكها المسلمون وصارت في يد أبي الحسن علي بن عمار صاحب طرابلس أقره على القضاء بها. وتوفي فقام ابنه أبو محمد هذا مقامه ولبس شعار الجندية وكان شهما، فهم ابن عمار بالقبض عليه، وشعر فانتقض وخطب للخلفاء العباسية. وكان ابن عمار يخطب للعلوية بمصر، وطالت منازلة الفرنج بحصن جبلة إلى أن ضجر أبو محمد هذا، وبعث إلى صاحب دمشق وهو يومئذ طغتكين الأتابك أن يسلم إليه البلد، فبعث ابنه تاج الملوك موري وتسلم منه البلد، وجاء به إلى دمشق وبذل لهم فيه ابن عمار ثلاثين ألف دينار دون أمواله، فلم يرضوا بإخفار ذمتهم وسار عنهم إلى بغداد، ولقي بها بركيارق فأحضره الوزير أبو المحاسن وطلبه في ثلاثين ألف دينار، فأجاب وأحالهم على منزله بالأنبار، فبعث الوزير من أتاه بجميع ما فيه، وكان لا يعبر فكانت من المنكرات التي أتاها بركيارق.

ثم بعث الوزير إلى صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد صاحب حلب يطلب منه ألف ألف دينار متخلفة من مال الجباية، وتهدده عليها فغضب وانتقض وخطب لمحمد، وبعث إليه بركيارق الأمير أياز يستقدمه فلم يجب، وبعث إلى الكوفة وطرد عنها نائب بركيارق واستضافها إليه.

** استيلاء محمد على بغداد **

قد ذكرنا استيلاء محمد على همذان في آخر ذي الحجة من سنة أربع وتسعين، ومعه أخوه سنجر. وذهب بركيارق إلى بغداد فاستولى عليها وأساء السيرة بها، وبلغ الخبر إلى محمد فسار من همذان في عشرة آلاف فارس، ولقيه بحلوان أبو الغازي بن أرتق شحنته ببغداد في عساكره وأتباعه. وكان بركيارق في شدة من المرض، قد أشرف

على الهلاك فاضطرب أصحابه وعبروا به إلى الجانب الغربي حتى إذا وصل محمد بغداد وتراءى الجمعان من عدوتي دجلة ذهب بركيارق وأصحابه إلى واسط ودخل محمد بغداد، وجاءه توقيع المستظهر بالانتقاض مما وقع به بركيارق، وخطب له على منابر بغداد، وجاءه صدقة بن منصور صاحب الحلة فأخرج الناس للقائه ونزل سنجر بدار كوهرابين، واستوزر محمد بعد مؤيد الملك خطيب الملك أبا منصور محمد بن الحسين، فقدم إليه في المحرم سنة خمس وتسعين انتهى.

** المصاف الثالث والرابع وما تخلل بينهما من الصلح ولم يتم **

ثم ارتحل السلطان وأخوه سنجر عن بغداد منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين، وقصد سنجر خراسان ومحمد همذان، فاعترض بركيارق خاص الخليفة المستظهر، وأبلغه القبيح فاستدعى المستظهر محمدا لقتال بركيارق فجاء إليه وقال: انا أكفيكه.

ورتب أبا المعالي شحنة ببغداد، وكان بركيارق بواسط كما قلنا، فلما أبل من مرضه عبر إلى الجانب الشرقي بعد جهد وصعوبة لفرار الناس من واسط لسوء سيرتهم. ثم سار إلى بلاد بني برسق حتى أطاعوا واستقاموا وساروا معه فاتبع أخاه محمدا إلى نهاوند وتصافوا يومين ومنعهما شدة البرد من القتال. ثم اجتمع أياز والوزير الأغر من عسكر بركيارق وبلد أجى وغيرهم من الأمراء من عسكر محمد. تفاوضوا في شكوى ما نزل بهم من هذه الفتنة، ثم اتفقوا على أن تكون السلطنة بالعراق لبركيارق ويكون لمحمد من البلاد الحيرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل على أن يمده بركيارق بالعسكر متى احتاج إليه على من يمتنع عليه منها. وتحالفا على ذلك وافترقا في ربيع الأول سنة خمس وتسعين، ثم سار بركيارق إلى ساوة ومحمد إلى قزوين، وبدا له في الصلح واتهم الأمراء الذين سعوا فيه، وأسر إلى رئيس قزوين أن يدعوهم إلى صنيع عنده، وغدر بهم محمد فقتل بعضا وسمل بعضا وأظهر الفتنة. وكان الأمير ينال بن أنوش تكين قد فارق بركيارق، وأقام مجاهدا للباطنية في الجبال والقلاع فلقي محمدا وسار معه إلى الري، وبلغ الخبر إلى بركيارق فأغذ إليه السير في ثمان ليال واصطفوا في التاسع وكلا الفريقين في عشرة آلاف مقاتل. وحمل سرخاب بن

كنجسرو الديلمي صاحب آوة [1] ومن أصحاب بركيارق على ينال بن أنوش تكين فهزمه، وانهزم معه عسكر محمد، وافترقوا فلحق فريق بطبرستان وآخر بقزوين، ولحق محمد بأصبهان في سبعين فارسا، واتبعه أياز وألبكي بن برسق فنجا إلى البلد وبها نوابه، فلم ما تشعث من السور، وكان من بناء علاء الدين بن كاكويه سنة تسع وعشرين لقتال طغرلبك وحفر الخنادق وأبعد مهواها وأجرى فيها المياه، ونصب المجانيق، واستعد للحصار. وجاء بركيارق في جمادى ومعه خمسة عشر ألف فارس ومائة ألف من الرجل والأتباع، فحاصرها حتى جهدهم الحصار وعدمت الأقوات والعلوفة، فخرج محمد عن البلد في عيد الأضحى من سنته في مائة وخمسين فارسا، ومعه ينال، ونزل في الأمراء، وبعث بركيارق في اتباعه الأمير أياز. وكانت خيل محمد ضامرة من الجوع، فالتفت إلى أياز يذكره العهود فرجع عنه بعد أن نهب منه خيلا ومالا، وأخذ علمه وجنده وعاد إلى بركيارق. ثم شد بركيارق في حصار أصبهان، وزحف بالسلاليم والذبابات، وجمع الأيدي على الخندق فطمه، وتعلق الناس بالسور فاستمات أهل البلد ودفعوهم. وعلم بركيارق امتناعها فرحل عنها ثامن عشر ذي الحجة. وجمر عسكرا مع ابنه ملك شاه وترشك الصوالي على البلد القديم الذي يسمى شهرستان، وسار إلى همذان بعد أن كان قتل على أصبهان وزيره الأغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني، اعترضه في ركوبه من خيمته إلى خدمة السلطان متظلم فطعنه وأشواه، ورجع إلى خيمته فمات، وذهب للتجار الذين كانوا يعاملونه أموال عظيمة لأن الجباية كانت ضاقت بالفتن، فاحتاج إلى الاستدانة، ونفر منه التجار لذلك. ثم عامله بعضهم فذهب ما لهم بموته، وكان أخوه العميد المهذب أبو محمد قد سار إلى بغداد لينوب عنه حين عقد الأمراء الصلح بين بركيارق ومحمد، فقبض عليه الشحنة ببغداد أبو الغازي بن أرتق وكان على طاعة محمد.

** الشحنة ببغداد والخطبة لبركيارق **

كان أبو الغازي [2] بن أرتق شحنة ببغداد وولاه عليها السلطان محمد عند استيلائه في المصاف الأول، وكان طريق خراسان إليه فعاد بعض الأيام منها إلى بغداد، وضرب

فارس من أصحابه بعض الملاحين بسهم في ملاحاة وقعت بينهم عند العبور فقتله فثارت بهم العامة وأمسكوا القاتل، وجاءوا به إلى باب النوبة في دار الخلافة ولقيهم ولد أبي الغازي فاستنقذه من أيديهم فرجموه، وجاء إلى أبيه مستغيثا وركب إلى محلة الملاحين فنهبها وعطف عليه العيارون فقتلوا من أصحابه، وركبوا السفين للنجاة فهرب الملاحون وتركوهم فغرقوا، وجمع أبو الغازي التركماني لنهب الجانب الغربي، فبعث إليه المستظهر قاضي القضاة والكيا الهراسي مدرس النظامية بالامتناع من ذلك فاقتصر ابو الغازي أثناء ذلك متمسكا بطاعة السلطان محمد. فلما انهزم محمد وانطلق من حصار أصبهان واستولى بركيارق على الري بعث في منتصف ربيع الأول من سنة ست وتسعين من همذان كمستكين القيصراني شحنة إلى بغداد. فلما سمع أبو الغازي بعث إلى أخيه سقمان بحصن كيفا يستدعيه للدفاع. وجاءه سقمان ومر بتكريت فنهبها، ووصل كمستكين ولقيه شيعة بركيارق وأشاروا عليه بالمعاجلة، ووصل إلى بغداد منتصف ربيع. وخرج ابو الغازي وأخوه سقمان إلى دجيل ونهبا بعض قراها، واتبعهما طائفة من عسكر كمستكين. ثم رجعوا عنهما وخطب للسلطان بركيارق ببغداد وبعث كمستكين إلى سيف الدولة صدقة بالحلة عنه وعن المستظهر بطاعة بركيارق فلم يجب، وكشف القناع وسار إلى جسر صرصر فقطعت الخطبة على منابر بغداد فلم يذكر أحد عليها من السلاطين. واقتصر على الخليفة فقط. وبعث سيف الدولة صدقة إلى أبي الغازي وسقمان بأنه جاء لنصرتهما فعادوا إلى دجيل وعاثوا في البلاد، واجتمع لذلك حشد العرب والأكراد مع سيف الدولة، وبعث إليه المستظهر في الإصلاح، وخيموا جميعا بالرملة وقاتلهم العامة وبعث الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني وتاج رؤساء الرئاسة ابن الموصلايا إلى سيف الدولة بكف الأيدي عن الفساد، فاشترطوا خروج كمستكين القيصراني شحنة بركيارق وإعادة الخطبة للسلطان محمد، فتم الأمر على ذلك، وعاد سيف الدولة إلى الحلة وعاد القيصراني إلى واسط، وخطب بها لبركيارق فسار إليه صدقة وأبو الغازي، وفارقها القيصراني فاتبعه سيف الدولة. ثم استأمن ورجع إليه فأكرمه وخطب للسلطان محمد بواسط، وبعده لسيف الدولة وأبي الغازي واستناب كل واحد ولده، ورجع ابو الغازي إلى بغداد وسيف الدولة إلى الحلة، وبعث ولده منصورا إلى المستظهر يخطب رضاه بما كان منه في هذه الحادثة فأجيب إلى ذلك.

** استيلاء ينال على الري بدعوة السلطان محمد ومسيره إلى العراق **

كانت الخطبة بالري للسلطان بركيارق، فلما خرج السلطان محمد من الحصار بأصبهان، بعث ينال بن أنوش تكين الحسامي إلى الري ليقيم الخطبة له بها فسار ومعه أخوه علي، وعسف الرعايا. ثم بعث السلطان بركيارق إليه برسق بن برسق في العساكر فقاتله على الري، وانهزم ينال وأخوه منتصف ربيع من سنة ست وتسعين، وذهب علي إلى قزوين وسلك ينال على الجبال إلى بغداد وتقطع أصحابه في الأوعار وقتلوا، ووصل إلى بغداد في سبعمائة رجل، وأكرمه المستظهر واجتمع هو وأبو الغازي وسقمان ابنا أرتق بمشهد أبي حنيفة، فاستحلفوه على طاعة السلطان محمد، وساروا إلى سيف الدولة صدقة واستحلفوه على ذلك. واستقر ينال ببغداد في طاعة السلطان محمد، وتزوج أخت أبي الغازي كانت تحت تاج الدولة تتش. وعسف بالناس وصادر العمال واستطال أصحابه على العامة بالضرب والقتل. وبعث إليه المستظهر مع القاضي الدامغاني بالنهي عن ذلك وتقبيح فعله، ثم مع إيلغازي فأجاب وحلف على كف أصحابه ومنعهم. واستمر على قبح السيرة فبعث المستظهر إلى سيف الدولة صداقة يستدعيه لكف عدوانه، فجاء إلى بغداد في شوال من سنة ست وتسعين، وخيم بالمنجمي ودعا ينالا للرحمة عن العراق على أن يدفع إليه. وعاد إلى الحلة وسار ينال مستهل ذي القعدة إلى أوانا ففعل من النهب والعسف أقبح مما فعل ببغداد، فبعث المستظهر إلى صدقة في ذلك، فأرسل ألف فارس، وساروا إليه مع جماعة من أصحاب المستظهر وأبي الغازي الشحنة، وذهب ينال أمامهم إلى أذربيجان قاصدا إلى السلطان محمد ورجع أبو الغازي والعساكر عنه.

** المصاف الخامس بين السلطانين **

كانت كنجة وبلاد أرزن [1] للسلطان محمد وعسكره مقيم بها مع الأمير عز علي [2] فلما طال حصاره بأصبهان جاءوا لنصرته، ومعهم منصور بن نظام الملك ومحمد بن

أخيه مؤيد الملك، ووصلوا إلى الري آخر ذي الحجة سنة خمس وتسعين، وفارقه عسكر بركيارق. ثم خرج محمد من أصبهان فساروا إليه ولقوة بهمذان، ومعه ينال وعلي ابنا أنوش تكين فاجتمعوا في ستة آلاف فارس. وسار ينال وأخوه على الري وأزعجتهم عنها عساكر بركيارق كما مر. ثم جاءهم الخبر في همذان بزحف بركيارق إليهم، فسار محمد إلى بلاد شروان. ولما انتهى إلى أردبيل بعث إليه مودود بن إسماعيل ابن ياقوتي، وكان أميرا على بيلقان من أذربيجان، وكان أبوه إسماعيل خال بركيارق، وانتقض عليه أول أمره فقتله فكان مودود يطالبه بثأر أبيه، وكانت أخته تحت محمد فبعث إليه وجاءه الى بيلقان. وتوفي مودود اثر قدومه منتصف ربيع من سنة ست وتسعين، فاجتمع عسكره على الطاعة لمحمد وفيهم سقمان القطبي [1] صاحب خلاط وأرمينية ومحمد بن غاغيسا، كان أبوه صاحب أنطاكية. وكان ألب أرسلان ابن السبع الأحمر. ولما بلغ بركيارق اجتماعهم لحربه أغذ السير إليهم فوصل وقاتلهم على باب خوي من أذربيجان من المغرب إلى العشاء. ثم حمل أياز من أصحاب بركيارق على عسكر محمد فانهزموا، وسار إلى خلاط ومعه سقمان القطبي ولقيه الأمير علي صاحب أرزن الروم، ثم سار إلى [2] وبها منوجهر أخو فضلون الروادي. ثم سار إلى تبريز ولحق محمد بن مؤيد الملك بديار بكر، وسار منها إلى بغداد وكان من خبره أنه كان مقيما ببغداد مجاورا للمدرسة النظامية فشكا الجيران منه إلى أبيه، فكتب إلى كوهرابين بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة. ثم سار سنة اثنتين وتسعين إلى محمد الملك الباسلاني [3] وأبوه حينئذ بكنجة عند السلطان محمد قبل أن يدعو لنفسه. ثم سار بعد أن قتل محمد الملك إلى والده مؤيد الملك، وهو وزير السلطان محمد. ثم قتل أبوه واتصل هو بالسلطان، وحضر هذه الحروب كما ذكرنا. وأما السلطان بركيارق بعد هزيمة محمد فإنه نزل جبل بين مراغة وتبريز وأقام به حولا، وكان خليفة المستظهر سديد الملك أبو المعالي كما ذكرناه. ثم قبض عليه منتصف رجب سنة ست وتسعين وحبس بدار الخليفة مع أهله كانوا قد وردوا عليه من أصبهان. وسبب عزله جهله بقواعد ديوان الخلافة لأنه كان يتصرف

في أعمال السلاطين، وليست فيها هذه القوانين. ولما قبض عاد أمين الدولة أبو سعد ابن الموصلايا إلى النظر في الديوان وبعث المستظهر عن زعيم الرؤساء أبي القاسم بن جهير من الحلة، وكان ذهب إليها في السنة قبلها مستجيرا بسيف الدولة صدقة لأن خاله أمين الدولة أبا سعد بن الموصلايا كان الوزير الأعز وزير بركيارق يشيع عنه أنه الذي يحمل المستظهر على موالاة السلطان محمد، والخطبة له دون بركيارق، فاعتزل أمين الدولة الديوان وسار ابن أخته هذا أبو القاسم بن جهير مستجيرا بصاحب الحلة فاستقدمه الخليفة الآن. وخرج أرباب الدولة لاستقباله، وخلع عليه للوزارة ولقيه قوام الدولة، ثم عزله على رأس المائة الخامسة. واستجار سيف الدولة صدقة بن منصور ببغداد فأجاره وبعث عنه إلى الحلة وذلك لثلاث سنين ونصف من وزارته، وناب في مكانه القاضي أبو الحسن بن الدامغاني أياما. ثم استوزر مكانه أبا المعالي بن محمد بن المطلب في المحرم سنة إحدى وخمسمائة، ثم عزله سنة اثنتين بإشارة السلطان محمد، وأعاده بإذنه على شرطية العدل وحسن السيرة، وأن لا يستعمل أحدا من أهل الذمة. ثم عزل في رجب من سنة اثنتين وخمسين، واستوزر أبا القاسم بن جهير سنة تسع وخمسين، واستوزر بعده الربيع أبا منصور بن الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين وزير السلطان.

** الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد **

ولما تطاولت الفتنة بين السلطانين، وكثر النهب والهرج وخربت القرى، واستطال الأمر عليهم وكان السلطان بركيارق بالري والخطبة له بها وبالجبل وطبرستان وخوزستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين، وكان السلطان محمد بأذربيجان والخطبة له بها وببلاد أران وأرمينية وأصبهان والعراق جميعه إلا تكريت. وأما البطائح فبعضها لهذا وبعضها لهذا، والخطبة بالبصرة لهما جميعا وأما خراسان من جرجان إلى ما وراء النهر، فكان يخطب فيها لسنجر بعد أخيه السلطان محمد. فلما استبصر بركيارق في ذلك، ورأى تحكم الأمراء عليه، وقلة المال، جنح إلى الصلح وبعث القاضي أبا المظفر الجرجاني الحنفي وأبا الفرج أحمد بن عبد الغفار الهمذاني، المعروف بصاحب قراتكين إلى أخيه محمد في الصلح، فوصلا إليه بمراغة وذكراه ووعظاه فأجاب إلى الصلح على أن السلطان لبركيارق، ولا يمنع محمدا من اتخاذ

الآلة، ولا يذكر أحد منهما مع صاحبه في الخطبة في البلاد التي صارت إليه وتكون المكاتبة من وزيريهما في الشؤون لا يكاتب أحدهما الآخر، ولا يعارض أحد من العسكر في الذهاب إلى أيهما شاء، ويكون للسلطان محمد من نهر اسبيدروذ إلى الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام، وأن يدخل سيف الدولة صدقة بأعماله في خلفه وبلاده والسلطنة كلها، وبقية الأعمال والبلاد كلها للسلطان بركيارق.

وبعث محمد إلى أصحابه بأصبهان بالإفراج عنها لأصحاب أخيه، وجاءوا بحريم محمد إليه بعد أن دعاهم السلطان بركيارق إلى خدمته فامتنعوا فأكرمهم، وحمل حريم أخيه وزودهم بالأموال، وبعث العساكر في خدمتهم. ثم بعث السلطان بركيارق إلى المستظهر بما استقر عليه الحال في الصلح بينهم، وحضر أبو الغازي بالديوان وهو شحنة محمد وشيعته، إلا أنه وقف مع الصلح، فسأل الخطبة لبركيارق فأمر بها المستظهر، وخطب له على منابر بغداد وواسط في جمادى سنة سبع وتسعين، ونكر الأمير صدقة صاحب الحلة الخطبة لبركيارق وكان شيعة لمحمد.

وكتب إلى الخليفة بالنكير على أبي الغازي وأنه سائر لإخراجه عن بغداد، فجمع أبو الغازي التركمان، وفارق بغداد الى عقرقوبا [1] وجاء سيف الدولة صدقة ونزل مقابل التاج وقبل الأرض وخيم بالجانب الغربي. وأرسل إليه أبو الغازي يعتذر عن طاعة بركيارق بالصلح الواقع، وأن إقطاعه بحلوان في جملة بلاده التي وقع الصلح عليها وبغداد التي هو شحنه فيها قد صارت له فقبل ورضي، وعاد إلى الحلة وبعث المستظهر في ذي القعدة من سنة سبع وتسعين الخلع للسلطان بركيارق والأمير أياز والخطير وزير بركيارق، وبعث معهما العهد له بالسلطنة واستحلفه الرسل على طاعة المستظهر ورجعوا.

** وفاة السلطان بركيارق وملك ابنه ملك شاه **

كان السلطان بركيارق بعد الصلح وانعقاده أقام بأصبهان أشهرا وطرقه المرض فسار إلى بغداد، فلما بلغ بلد يزدجرد اشتد مرضه وأقام بها أربعين يوما حتى أشفى على الموت، فأحضر ولده ملك شاه وجماعة الأمراء، وولاه عهده في السلطنة، وهو ابن خمس سنين وجعل الأمير أياز أتابكه، وأوصاهم بالطاعة لهما واستحلفهم على ذلك، وأمرهم بالمسير إلى بغداد وتخلف عنهم ليعود إلى أصبهان فتوفي في شهر ربيع

الآخر سنة ثمان وتسعين. وبلغ الخبر إلى ابنه ملك شاه والأمير أياز على اثني عشر فرسخا من بلد يزدجرد [1] فرجعوا، وحضروا لتجهيزه وبعثوا به إلى أصبهان للدفن بها في تربة أعدها، وأحضر أياز السرادقات والخيام والخفر والشمسة، وجميع آلات السلطنة فجعلها الملك شاه. وكان أبو الغازي شحنة ببغداد وقد حضر عند السلطان بركيارق بأصبهان في المحرم وحثه على المسير إلى بغداد، فلما مات بركيارق سار مع ابنه ملك شاه والأمير أياز ووصلوا بغداد منتصف ربيع الآخر في خمسة آلاف فارس، وركب الوزير أبو القاسم علي بن جهير لتلقيهم فلقيهم بديالى، وأحضر أبو الغازي والأمير طما يدل [2] بالديوان وطلبوا الخطبة لملك شاه بن بركيارق فأجاب المستظهر إلى ذلك وخطب له ولقب بألقاب جده ملك شاه ونثرت الدنانير عند الخطبة.

** وصول السلطان محمد الى بغداد واستبداده بالسلطنة والخطبة ومقتل أياز **

كان محمد بعد صلحه مع أخيه بركيارق قد اعتزم على المسير الى الموصل ليتناولها من يد جكرمش لما كانت من البلاد التي عقد عليها وكان بتبريز ينتظر وصول أصحابه من أذربيجان، فلما وصلوا استوزر سعد الملك أبا المحاسن لحسن أثره في حفظ أصبهان.

ثم رحل في صفر سنة ثمان وتسعين يريد الموصل وسمع جكرمش فاستعد للحصار وأمر أهل السواد بدخول البلد. وجاء محمد فحاصره وبعث إليه كتب أخيه بأن الموصل والجزيرة من قسمته، وأراه إيمانه بذلك، ووعده بأن يقره على ولايتها فقال جكرمش: قد جاءتني كتب بركيارق بعد الصلح بخلاف هذا فاشتد محمد في حصاره، وقتل بين الفريقين خلق، ونقب السور ليلة فأصبحوا وأعادوه، ووصل الخبر إلى جكرمش بوفاة بركيارق عاشر جمادى فاستشار أصحابه ورأى المصلحة في طاعة السلطان محمد فأرسل إليه بالطاعة، وأن يدخل إليه وزيره بعد الملك فدخل، وأشار عليه بالحضور عند السلطان فحضر، وأقبل السلطان عليه ورده لجيشه لما توقع من ارتياب أهل البلد بخروجه، وأكثر من الهدايا والتحف للسلطان ولوزيره. ولما بلغ وفاة أخيه بركيارق سار إلى بغداد ومعه سقمان القطبي نسبة إلى قطب الدولة

إسماعيل بن ياقوتا بن داود، وداود هو حقربيك وأبو ألب أرسلان، وسار معه جكرمش وصاحب الموصل وغيرهما من الأمراء. وكان سيف الدولة صاحب الحلة قد جمع عسكرا خمسة عشر ألفا من الفرسان وعشرة آلاف رجل، وبعث ولديه بدران ودبيس إلى السلطان محمد يستحثه على بغداد. ولما سمع الأمير أياز بقدومه، خرج هو وعسكره وخيموا خارج بغداد واستشار أصحابه فصمموا على الحرب، وأشار وزيره أبو المحاسن بطاعة السلطان محمد وخوفه عاقبة خلافه وسفه آراءهم في حربه، وأطمعه في زيادة الأقطاع، وتردد أياز في أمره وجمع السفن عنده، وضبط المثار ووصل السلطان محمد آخر جمادى من سنة ثمان وتسعين، ونزل بالجانب الغربي وخطب له هنالك، ولملك شاه بالجانب الشرقي. واقتصر خطيب جامع المنصور على الدعاء للمستظهر ولسلطان العالم فقط. وجمع أياز أصحابه لليمين فأبوا من المعاودة وقالوا لا فائدة فيها والوفاء إنما يكون بواحدة فارتاب أياز بهم، وبعث وزيره المصفى أبا المحاسن إلى السلطان محمد في الصلح، وتسليم الأمر فلقي أولا وزيره سعد الملك أبا المحاسن سعد بن محمد وأخبر فأحضره عند السلطان محمد وأدى رسالة أياز والعذر عما كان منه أيام بركيارق فقبله السلطان وأعتبه، وأجابه إلى اليمين وحضر من الغد القاضي والنقيبان واستحلف الكيا الهراسي مدرس النظامية بمحضر القاضي وزير أياز بمحضرهم لملك شاه ولأياز وللأمراء الذين معه، فقال: أما ملك شاه فهو ابني وأما أياز والأمراء فأحلف لهم إلا ينال بن أنوش، وسار واستحلفه الكيا الهراسي مدرس النظامية بمحضر القاضي والنقيبين. ثم حضر أياز من الغد ووصل سيف الدولة صدقة وركب السلطان للقائهما وأحسن إليهما، وعمل أياز دعوة في داره وهي دار كوهرابين وحضر عنده السلطان وأتحفه بأشياء كثيرة منها حبل البلخش الذي كان أخذه من تركة مؤيد الملك بن نظام الملك. وحضر مع السلطان سيف الدولة صدقة بن مزيد.

وكان أياز قد تقدم إلى غلمانه يلبس السلاح ليعرضهم على السلطان، وحضر عندهم بعض الصفاعين فأخذوا معه في السخرية وألبسوه درعا تحت قميصه، وجعلوا يتناولونه بأيديهم فهرب منهم إلى خواص السلطان، ورآه السلطان متسلحا فأمر بعض غلمانه فالتمسوه وقد وجدوا السلاح فارتاب ونهض من دار أياز. ثم استدعاه بعد أيام ومعه جكرمش وسائر الأمراء فلما حضر وقف عليهم بعض قواده وقال لهم أن قليج أرسلان ابن سليمان بن قطلمش قصد ديار بكر ليملكها فأشيروا بمن نسير لقتاله، فأشاروا جميعا

بالأمير أياز، وطلب هو مسير سيف الدولة صدقة معه فاستدعى أياز وصدقة ليفاوضهم في ذلك فنهضوا إليه، وقد أعد جماعة من خواصه لقتل أياز فلما دخلوا ضرب أياز فقطع رأسه ولف شلوه في مشلح وألقي على الطريق. وركب عسكره فنهبوا داره وأرسل السلطان لحمايتها فافترقوا واختفى وزيره. ثم حمل إلى دار الوزير سعد الملك وقتل في رمضان من سنته. وكان من بيت رياسة بهمذان وكان أياز من مماليك السلطان ملك شاه، وصار بعد موته في جملة أمير آخر فاتخذه ولدا، وكان شجاعا حسن الرأي في الحرب واستبد السلطان محمد بالسلطنة وأحسن السيرة، ورفع الضرائب، وكتب بها الألواح ونصبت في الأسواق وعظم فساد التركمان بطريق خراسان، وهي من أعمال العراق فبعث أبو الغازي بن أرتق شحنة بغداد بدل ابن أخيه بهرام بن أرتق على ذلك البلد فحماه وكف الفساد منه. وسار إلى حصن من أعمال سرخاب بن بدر فحصره وملكه. ثم ولى السلطان محمد سنقر البرسقي شحنة بالعراق وكان معه في حروبه وأقطع الأمير قاياز الكوفة وأمر صدقة صاحب الحلة أن يحمي أصحابه من خفاجة. ولما كان شهر رمضان من سنة ثمانية وتسعين عاد السلطان محمد إلى أصبهان وأحسن فيهم السيرة وكف عنهم الأيدي العادية.

** الشحنة ببغداد **

كان السلطان قد قبض سنة اثنتين وخمسين على أبي القاسم الحسين بن عبد الواحد صاحب المخزن، وعلي بن الفرج ابن رئيس الرؤساء واعتقلهما وصادرهما على مال يحملانه، وأرسل مجاهد الدين لقبض المال، وأمره بعمارة دار الملك فاضطلع بعمارتها، وأحسن السيرة في الناس وقدم السلطان أثر ذلك إلى بغداد فشكر سيرته، وولاه شحنة بالعراق وعاد إلى أصبهان.

** وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود **

ثم توفي السلطان محمد بن ملك شاه آخر ذي الحجة من سنة إحدى وخمسمائة، وقد كان عهد لولده محمود وهو يومئذ غلام محتلم، وأمره بالجلوس على التخت بالتاج والسوارين وذلك لاثنتي عشرة سنة ونصف من استبداده بالملك واجتماع الناس عليه بعد أخيه. وولي بعده ابنه محمود وبايعه أمراء السلجوقية، ودبر دولته الوزير الرسب

أبو منصور ابن الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين وزير أبيه، وبعث إلى المستظهر في الخطبة فخطب له على منابر بغداد منتصف المحرم سنة اثنتي عشرة، وكان آق سنقر البرسقي مقيما بالرحبة استخلف بها ابنه مسعودا، وسار إلى السلطان محمد يطلب الزيادة في الأقطاع والولاية ولقيه خبر وفاته قريبا من بغداد فمنعه بهروز الشحنة من دخولها، وسار إلى أصبهان فلقيه بحلوان توقيع السلطان محمود بأن يكون شحنة بغداد لسعي الأمراء له في ذلك تعصبا على مجاهد الدين بهروز وغيره منه لمكانه عند السلطان محمد. ولما رجع آق سنقر إلى بغداد هرب مجاهد الدين بهروز إلى تكريت وكانت من أعماله. ثم عزل السلطان محمود آق سنقر وولى شحنة بغداد الأمير منكبرس حاكما في دولته بأصبهان، فبعث نائبا عنه ببغداد والعراق الأمير حسين بن أروبك أحد أمراء الأتراك. ورغب البرسقي من المستظهر بالعدة فلم يتوقف فسار آق سنقر إليه وقاتله، وانهزم الأمير حسين وقتل أخوه وعاد إلى عسكر السلطان وذلك في ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة.

** وفاة المستظهر وخلافة المسترشد **

ثم توفي المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله أبو القاسم عبد الله بن القائم بالله في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة لأربع وعشرين سنة وثلاثة أشهر من خلافته، وبويع بعده ابنه المسترشد بالله الفضل، وكان ولي عهده منذ ثلاث وعشرين سنة وبايعه أخوه عبد الله محمد وهو المقتدي، وأبو طالب العباس وعمومته بنو المقتدي وغيرهم من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان. وتولى أخذ البيعة القاضي أبو الحسن الدامغاني، وكان نائبا عن الوزارة فأقره المسترشد عليها، ولم يأخذ البيعة قاض غير هذا للمسترشد، وأحمد بن أبي داود [1] للواثق والقاضي أبو علي إسماعيل بن إسحاق للمعتضد. ثم عزل المسترشد قاضي القضاة عن نيابة الوزارة واستوزر أبا شجاع محمد بن الرسب أبي منصور، خاطبه أبوه وزير السلطان محمود وابنه محمد في شأنه فاستوزره، ثم عزله سنة عشر واستوزر مكانه جلال الدين عميد الدولة أبا علي بن صدقة، وهو عم جلال الدين أبي الرضى بن صدقة وزير الراشد.

ولما شغل الناس ببيعة المسترشد ركب أخوه الأمير أبو الحسن في السفن مع ثلاثة نفر وانحدر إلى المدائن، ومنها إلى الحلة فأكرمه دبيس، وأهم ذلك المسترشد وبعث إلى دبيس في إعادته مع النقيب علي بن طراد الرثيني فاعتذر بالذمام، وأنه لا يكرهه فخطب النقيب أبا الحسن أخا الخليفة في الرجوع فاعتذر بالخوف، وطلب الأمان.

ثم حدث من البرسقي ودبيس ما نذكره فتأخر ذلك إلى صفر من سنته وهي سنة ثلاث عشرة، فسار أبو الحسن بن المستظهر إلى واسط وملكها، فبادر المسترشد إلى ولاية العهد لابنه جعفر المنصور ابن اثنتي عشر سنة، فخطب له وكتب إلى البلاد بذلك، وكتب إلى دبيس بمعاجلة أخيه أبي الحسن فإنه فارق ذمامه فبعث دبيس العساكر إلى واسط فهرب منها، وصادفوه عند الصبح فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد والأتراك عنه، وقبض عليه بعض الفرق وجاءوا به إلى دبيس فأكرمه المسترشد وأمنه وأنزله أحسن نزل.

** انتقاض الملك مسعود على أخيه السلطان محمود ثم مصالحته واستقرار جكرمش شحنة ببغداد **

كان السلطان محمد قد أنزل ابنه مسعودا بالحلة وجعل معه حيوس بك أتابك، فلما ملك السلطان محمود بعده وفاة أبيه، ثم ولي المسترشد الخلافة بعد أبيه، وكان دبيس صاحب الحلة ممرضا في طاعته، وكان آق سنقر البرسقي شحنة بالعراق كما ذكرناه، أراد قصد الحلة وأخلى دبيس عنها، وجمع لذلك جموعا من العرب والأكراد، وبرز من بغداد في جمادى سنة اثنتي عشرة، وبلغ الخبر إلى الملك مسعود بالموصل وأن العراق خال من الحامية، فأشار عليه أصحابه بقصد العراق للسلطنة فلا مانع دونها. فسار في جيوش كثيرة ومعه وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس، وسيأتي خبره، وقسيم الدولة زنكي بن آق سنقر ابن الملك العادل، وصاحب سنجار، وأبو الهيجاء صاحب اربل، وكربادي بن خراسان التركماني صاحب البواريج. ولما قربوا من العراق خافهم آق سنقر البرسقي بمكان حيوس بك من الملك المسعود، وأما هو فقد كان أبوه محمد جعله أتابك لابنه مسعود فسار البرسقي لقتالهم، وبعثوا إليه الأمير كربادي في الصلح، وأنهم إنما جاءوا بحدة له على دبيس فقبل، وتعاهدوا ورجعوا إلى بغداد كما مر خبره، وسار البرسقي لقتاله فاجتمع مع

دبيس بن صدقة واتفقا على المعاضدة، وسار الملك مسعود ومن معه إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس. ثم بلغهم كثرة جموعهما فعاد الملك مسعود والبرسقي وحيوس بك، وعبروا نهر صرصر وحفظ المخاضات وأفحش الطائفتان في نهب السواد واستباحته بنهر الملك ونهر صرصر ونهر عيسى ودجيل. وبعث المسترشد إلى الملك مسعود والبرسقي بالنكير عليهم فأنكر البرسقي وقوع شيء من ذلك، واعتزم على العود إلى بغداد، وبلغه أن دبيس ومنكبرس قد جهز العساكر إليها مع منصور أخي دبيس وحسن بن أو ربك ربيب منكبرس فأغذ السير وخلف ابنه عز الدين مسعودا على العسكر بصرصر، واستصحب عماد الدين زنكي بن آق سنقر. وجاءوا بغداد ليلا فمنعوا عساكر منكبرس ودبيس من العبور. ثم انعقد الصلح بين منكبرس والملك مسعود وكان سببه أن حيوس بك كاتب السلطان محمود وهو بالموصل في طلب الزيادة له وللملك مسعود، فجاء كتاب الرسول بأنه أقطعهم أذربيجان. ثم بلغه قصدهم بغداد فاتهمهم بالانتقاض وجهز العساكر إلى الموصل وسقط الكتاب بيد منكبرس، وكان على أم الملك مسعود فبعث به إلى حيوس بك وداخله في الصلح والرجوع عما هم فيه فاصطلحوا واتفقوا. وبلغ الخبر إلى البرسقي فجاء إلى الملك مسعود وأخذ ماله وتركه، وعاد إلى بغداد فخيم بجانب منها، وجاء الملك مسعود وحيوس بك فخيما في جانب آخر، وأصعد دبيس ومنكبرس فخيما كذلك، وتفرق على البرسقي أصحابه وجموعه وسار عن العراق إلى الملك مسعود فأقام معه، واستقر منكبرس شحنة ببغداد وعاد دبيس إلى الحلة، وأساء منكبرس السيرة في بغداد بالظلم والعسف، وانطلاق أيدي أصحابه بالفساد حتى ضجر الناس، وبعث عنه السلطان محمود فسار إليه وكفى الناس شره.

** انتقاض الملك طغرل على أخيه السلطان محمود **

كان الملك طغرل قد أقطعه أبوه السلطان محمد سنة أربع وخمسين وخمسمائة ساوة وآوة وزنجان، وجعل أتابكه الأمير شركير، وكان قد افتتح كثيرا من قلاع الإسماعيلية فاتسع ملك طغرل بها، ولما مات السلطان محمد بعث السلطان محمود الأمير كتبغري أتابك طغرل، وأمره أن يحمله إليه، وحسن له المخالفة فانتقض سنة ثلاث عشرة، فبعث إليه السلطان بثلاثين ألف دينار وتحف وودعه بإقطاع كثيرة،

وطلبه في الوصول فمنعه كتبغري وأجاب بأننا في الطاعة، ومعنا العساكر وإلى أي جهة أراد السلطان قصدنا. فاعتزم السلطان على السير إليهم وسار من همذان في جمادى سنة ثلاث عشرة في عشرة آلاف غازيا وجاء النذير إلى كتبغري بمسيره، فأجفل هو وطغرل إلى قلعة سرجهان، وجاء السلطان إلى العسكر بزنجان فنهبه وأخذ من خزانة طغرل ثلاثمائة ألف دينار، وأقام بزنجان وتوجه منها إلى الري وكتبغري من سرجهان بكنجة، وقصده أصحابه وقويت شوكته وتأكدت الوحشة بينه وبين أخيه السلطان محمود.

** الفتنة بين السلطان محمود وعمه سنجر صاحب خراسان والخطبة ببغداد لسنجر **

كان الملك سنجر أميرا على خراسان وما وراء النهر منذ أيام شقيقة السلطان محمد الأولى مع بركيارق. ولما توفي السلطان محمد جزع له جزعا شديدا حتى أغلق البلد للعزاء، وتقدم للخطبة بذكر آثاره ومحاسن سيره من قتال الباطنية وإطلاق المكوس وغير ذلك. وبلغه ملك ابنه محمود مكانه وتغلب الأمراء عليه، فنكر ذلك واعتزم على قصد بلد الجبل والعراق، وأتى له محمود ابن أخيه، وكان يلقب بناصر الدين فتلقب بمعز الدين لقب أبيه ملك شاه. وبعث إليه السلطان محمود بالهدايا والتحف مع شرف الدولة أنوشروان بن خالد، وفخر الدولة طغايرك بن أكفر بن وبذل عن مازندران مائتي ألف دينار كل سنة فتجهز لذلك، ونكر على محمود تغلب وزيره أبي منصور وأمير حاجب علي بن عمر عليه، وسار وعلى مقدمته الأمير أنز، وجهز السلطان محمود علي بن عمر حاجبه وحاجب أبيه في عشرة آلاف فارس، وأقام هو بالري.

فلما قارب الحاجب مقدمة سنجر مع الأمير أنز بجرجان راسله باللين والخشونة، وأن السلطان محمد أوصانا بتعظيم أخيه سنجر واستحلفنا على ذلك إلا أنا لا نقضي على زوال ملكنا. ثم تهدده بكثرة العساكر وقوتها فرجع أنز عن جرجان، واتبعه بعض العساكر فنالوا منه. وعاد علي بن عمر إلى السلطان محمود فشكره، وأشار عليه أصحابه بالمقام بالري فلم يقبل. ثم ضجر وسار إلى حرقان [1] وتوافت إليه الأمداد من العراق، منكبرس شحنة بغداد في عشرة آلاف فارس، ومنصور أخو دبيس وأمراء

البلخية [1] وغيرهم. وسار إلى همذان فأقام بها وتوفي بها وزيره الربيب، واستوزر مكانه أبا طالب السميري [2] . ثم جاء السلطان سنجر إلى الري في عشرين ألفا وثمانية عشر فيلا ومعه ابن الأمير أبي الفضل صاحب سجستان وخوارزم شاه محمد، والأمير أنز والأمير قماج، واتصل به علاء الدولة كرساسفا بن قرامرد بن كاكويه [3] صاحب يزد وكان صهر محمد وسنجر على أختهما. واختص بمحمد ودعاه محمود فتأخر عنه فأقطع بلده لقراجا الساقي الذي ولي بعد ذلك فارس. وسار علاء الدولة إلى سنجر وعرفه حال السلطان محمود واختلاف أصحابه، وفساد بلاده فزحف إليه السلطان محمود من همذان في ثلاثين ألفا، ومعه علي بن عمر أمير حاجب ومنكبرس وأتابكه غزغلي وبنو برسق وسنجق البخاري [4] وقراجا الساقي ومعه تسعمائة حمل من السلاح والتقيا على ساوة في جمادى سنة ثلاث عشرة فانهزمت عساكر السلطان سنجر أولا وثبت هو بين الفيلة والسلطان محمود، واجتمع أصحابه إليه وبلغ الخبر إلى بغداد فأرسل دبيس بن صدقة إلى المسترشد في الخطبة للسلطان سنجر فخطب له آخر جمادى، وقطعت خطبة محمود بعد الهزيمة إلى أصبهان ومعه وزيره أبو طالب السميري والأمير علي بن عمر وقراجا، واجتمعت عليه العساكر وقوي أمره. وسار السلطان سنجر من همذان ورأى قلة عساكره فراسل ابن أخيه في الصلح، وكانت والدته وهي جدة محمود تحرضه على ذلك فأجاب إليه. ثم وصل إليه آق سنقر البرسقي الذي كان شحنة ببغداد، وكان عند الملك مسعود من يوم انصرافه عنها، وجاء رسوله من عند السلطان محمود بأن الصلح إنما يوافق عليه الأمراء بعد عود السلطان سنجر إلى خراسان، فأنف من ذلك وسار من همذان الى الكرج، وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح وأن يكون ولي عهده فأجاب إلى ذلك، وتحالفا عليه وجاء السلطان محمود إلى عمه سنجر ونزل في بيت والدته وهي جدة محمود، وحمل إليه هدية حفلة. وكتب السلطان سنجر إلى أعماله بخراسان وغزنة وما وراء النهر وغيرها من الولايات بأن يخطب للسلطان محمود، وكتب إلى بغداد بمثل ذلك،

وأعاد عليه جميع البلاد سوى الري لئلا تحدث محمودا نفسه بالانتقاض. ثم قتل السلطان محمود الأمير منكبرس شحنة بغداد لأنه لما انهزم محمود وسار إلى بغداد ليدخلها منعه دبيس فعاد في البلاد، ورجع وقد استقر في الصلح فقصد السلطان مستجيرا به فأبى من إجارته ومؤاخذته، وبعثه إلى السلطان محمود فقتله صبرا لما كان يستبد عليه بالأمور. وسار شحنة إلى بغداد على زعمه فحقد له ذلك، وأمر السلطان سنجر بإعادة مجاهد الدين بهروز شحنة بالعراق، وكان بها نائب دبيس بن صدقة فعزل به. ثم قتل السلطان محمود حاجبه علي بن عمر وكان قد استخلفه ورفع منزلته فكثرت السعاية فيه فهرب إلى قلعة عند الكرج، كان بها أهله وماله. ثم لحق بخوزستان وكان بيد بني برسق فاقتضى عهودهم وسار إليهم. فلما كان على تستر بعثوا من يقبض عليه فقاتلهم فلم يقر عنه وأسروه واستأذنوا السلطان محمودا في أمره فأمر بقتله وحمل رأسه إليه.

** انتقاض الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والفتنة بينهما **

كان الملك مسعود قد استقر بالموصل وأذربيجان منذ صالحه السلطان محمود عليها بأول ملكه، وكان آق سنقر البرسقي مع الملك مسعود منذ فارق شحنة بغداد، وأقطعه مراغة مضافة إلى الرحبة وكان دبيس يكاتب حيوس بك [1] الأتابك في القبض عليه وبعثه الى مولاه السلطان محمود، ويبذل لهم المال على ذلك. وشعر البرسقي ففارقه إلى السلطان محمود، وعاد إلى جميل رأيه فيه. وكان دبيس مع ذلك يغري الأتابك حيوس بك بالخلاف على السلطان محمود، ويعدهم من نفسه المناصرة لينال باختلافهم في تمهيد سلطانه ما ناله أبوه باختلاف بركيارق ومحمد. وكان أبو المؤيد محمد بن أبي إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني يكتب للملك محمود، ويرسم الطغري وهي العلامة على مراسيمه، ومنها هباته. وجاء والده أبو إسماعيل من أصبهان فعزل الملك مسعود وزيره أبا علي بن عمار صاحب طرابلس، واستوزره مكانه سنة ثلاث عشرة فحسن له الخلاف الذي كان دبيس يكاتبهم فيه ويحسنه لهم. وبلغ السلطان محمودا

خبرهم فكتب يحذرهم فلم يقبلوا وخلعوا، وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له النوب الخمس، وذلك سنة أربع عشرة. وكانت عساكر السلطان محمود مفترقة فبادروا إليه والتقوا في عقبة أستراباذ منتصف ربيع الأول. والبرسقي في مقدمة محمود، وأبلى يومئذ، واقتتلوا يوما كاملا وانهزمت عساكر مسعود في عشيته وأسر جماعة منهم، وفيهم الوزير الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي، فأمر السلطان بقتله لسنة من وزارته، وقال هو فاسد العقيدة، وكان حسن الكتابة والشعر وله تصانيف في الكيمياء. وقصد الملك مسعود بعد الهزيمة جبلا على اثني عشر فرسخا من مكان الوقعة فاختفى فيه، وبعث يطلب الأمان من أخيه فبعث إليه البرسقي يؤمنه ويحضره.

وكان بعض الأمراء قد لحق به في الجبل وأشار عليه باللحاق بالموصل، واستمد دبيسا فسار لذلك وأدركه البرسقي على ثلاثين فرسخا من مكانه وأمنه عن أخيه، وأعاده إليه فأريب العساكر للقائه وبالغ في إكرامه وخلطه بنفسه. وأما أتابكه حيوس بك فلما افتقد السلطان مسعود سار إلى الموصل وجمع العساكر، وبلغه فعل السلطان مع أخيه فسار إلى الزاب. ثم جاء السلطان بهمذان فأمنه وأحسن إليه. وأما دبيس فلما بلغه خبر الهزيمة عاث في البلاد وأخربها وبعث إليه المسترشد بالنكير فلم يقبل، فكتب بشأنه إلى السلطان محمود وخاطبه السلطان في ذلك فلم يقبل، وسار إلى بغداد وخيم إزاء المسترشد وأظهر أنه يثأر منهم بأبيه. ثم عاد عن بغداد ووصل السلطان في رجب، فبعث دبيس إليه زوجته بنت عميد الدولة بن جهير بمال وهدايا نفيسة وأجيب إلى الصلح على شروط امتنع منها فسار إليه السلطان في شوال ومعه ألف سفينة. ثم استأمن إلى السلطان فأمنه وأرسل نساءه إلى البطيحة. وسار إلى أبي الغازي مستجيرا به، ودخل السلطان الحلة وعاد عنها ولم يزل دبيس عند أبي الغازي. وبعث أخاه منصورا إلى أصحابه من أمراء النواحي ليصلح حاله مع السلطان فلم يتم ذلك.

وبعث إليه أخوه منصور يستدعيه إلى العراق، فسار من قلعة جعبر إلى الحلة سنة خمس عشرة وملكها، وأرسل إلى الخليفة والسلطان بالاعتذار والوعد بالطاعة، فلم يقبل منه، وسارت إليه العساكر مع سعد الدولة بن تتش ففارق الحلة ودخلها سعد وأنزل بالحلة عسكرا وبالكوفة آخر. ثم راجع دبيس الطاعة على أن يرسل أخاه منصورا رهينة فقبل، ورجع العسكر إلى بغداد سنة ست عشرة.

** اقطاع الموصل للبرسقي وميافارقين لابي الغازي **

ثم أقطع السلطان محمود الموصل وأعمالها، والجزيرة وسنجار وما يضاف إلى ذلك للأمير آق سنقر البرسقي شحنة بغداد، وذلك أنه كان ملازما للسلطان في حروبه ناصحا له وهو الذي حمل السلطان مسعودا على طاعة أخيه محمود وأحضره عنده، فلما حضر حيوس بك وزيره عند السلطان محمود من الموصل بقيت بدون أمير، فولى عليها البرسقي سنة خمس عشرة وخمسمائة، وأمره بمجاهدة الفرنج فأقام في إمارتها دهرا هو وبنوه كما يأتي في أخبارهم. ثم بعث الأمير أبو الغازي بن أرتق ابنه حسام الدين تمرتاش شافعا في دبيس بن صدقة، وأن يضمن الحلة بألف دينار وفرس في كل يوم، ولم يتم ذلك. فلما انصرف عن السلطان أقطع أباه أبا الغازي مدينة ميافارقين وتسلمها من يد سقمان صاحب خلاط سنة خمس عشرة، وبقيت في يده ويد بنيه إلى أن ملكها منهم صلاح الدين بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة كما يذكر في أخبارهم.

** طاعة طغرل لأخيه السلطان محمود **

قد تقدم ذكر انتقاض الملك طغرل بساوة وزنجان على أخيه السلطان محمود بمداخلة أتابكه كتبغري [1] ، وأن السلطان محمود المشار إليه أزعجه إلى كنجة، وسار إلى أذربيجان يحاول ملكها. ثم توفي أتابكه كتبغري في شوال سنة خمس عشرة، وكان آق سنقر الأحمديلي صاحب مراغة فطمع في رتبة كتبغري، وسار إلى طغرل واستدعاه إلى مراغة وقصدوا أردبيل فامتنعت عليهم، فجاءوا إلى تبريز، وبلغهم أن السلطان أقطع أذربيجان لحيوس بك، وبعثه في العساكر وأنه سبقهم إلى مراغة فعدلوا عنها وكافئوا صاحب زنجان فأجابهم وسار معهم إلى أبهر، فلم يتم لهم مرادهم، وراسلوا السلطان في الطاعة واستقر حالهم، وأما حيوس بك فوقعت بينه وبين الأمراء من عسكره منافرة، فسعوا به عند السلطان فقتله بتبريز في رمضان من سنته، وكان تركيا من مماليك السلطان محمد، وكان حسن السيرة مضطلعا بالولاية.

ولما ولي الموصل والجزيرة كان الأكراد قد عاثوا في نواحيها، وأخافوا سبلها فأوقع بهم وحصر قلاعهم، وفتح الكثير منها ببلد الهكارية وبلد الزوزان وبلد النسوية [2] وبلد النحسة، حتى خاف الأكراد واطمأن الناس وأمنت السبل.

** أخبار دبيس مع المسترشد **

قد ذكرنا مسير العساكر إلى دبيس مع برسق الكركوي [1] سنة أربع عشرة وكيف وقع الاتفاق وبعث دبيس أخاه منصورا رهينة فجاء برتقش به بغداد سنة ست عشرة، ولم يرض المسترشد ذلك، وكتب إلى السلطان محمود بأن دبيس لا يصلحه شيء لأنه مطالب بثأر أبيه، وأشار بأن يبعث عن البرسقي من الموصل لتشديد دبيس ويكون شحنة ببغداد فبعث اليه السلطان وأنزله شحنة ببغداد، وأمره بقتال دبيس، فأقام عشرين شهرا ودبيس معمل في الخلافة. ثم أمره المسترشد بالمسير إليه وإخراجه من الحلة، فاستقدم البرسقي عساكره من الموصل، وسار إلى الحلة، ولقيه دبيس فهزم عساكره ورجع إلى بغداد في ربيع من سنة ست عشرة، وكان معه في العسكر مضر [2] بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن أبي الخير عامل البطيحة، فغدا عليه عمه المظفر بن عماد بن أبي الخير فقتله في انهزامهم. وسار إلى البطيحة فتغلب عليها، وكاتب دبيس في الطاعة، وأرسل دبيس إلى المسترشد بطاعته، وأن يبعث عماله لقرى الخاص يقبضون دخلها على أن يقبض المسترشد على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة فتم بينهما ذلك، وقبض المسترشد على وزيره، وهرب ابن أخيه جلال الدين أبو الرضى إلى الموصل، وبلغ الخبر بالهزيمة إلى السلطان محمود فقبض على منصور أخي دبيس وحبسه، وأذن دبيس لأصحاب الإقطاع بواسط في المسير إلى إقطاعهم، فمنعهم الأتراك بها، فجهز إليهم عسكرا مع مهلهل بن أبي العسكر وامر مظفر بن أبي الخير عامل البطيحة بمساعدته وبعث البرسقي المدد إلى أهل واسط فلقيهم مهلهل بن أبي المظفر فهزموه وأسروه وجماعة من عسكره واستلحموا كثيرا منهم. وجاء المظفر أبو الخير على أثره، وأكثر النهب والعيث، وبلغه خبر الهزيمة فرجع وبعث أهل واسط بتذكرة وجدوها مع مهلهل بخط دبيس فأمره بالقبض على المظفر فمال إليهم وانحرف عن دبيس، ثم بلغ دبيس أن السلطان محمودا سمل أخاه منصورا، فانتقض ونهب ما كان للخليفة بأعماله، وسار أهل واسط الى

النعمانية فأجلوا عنها أصحاب دبيس. وتقدم المسترشد إلى البرسقي بالمسير لحرب دبيس فسار لذلك كما نذكر. ثم أقطع السلطان محمود مدينة واسط للبرسقي مضافة إلى ولاية الموصل فبعث عماد الدين زنكي بن آق سنقر ولد نور الدين العادل.

** نكبة الوزير ابن صدقة وولاية نظام الملك **

قد ذكرنا آنفا أن دبيس اشترط على المسترشد في صلحه معه القبض على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة، فقبض عليه في جمادى سنة ست عشرة، وأقام في نيابة الوزارة شرف الدين علي بن طراد الزينبي. وهرب جلال الدين أبو الرضي ابن أخي الوزير إلى الموصل. وبعث السلطان محمود إلى المسترشد في أن يستوزر نظام الدولة أبا نصر أحمد بن نظام الملك، وكان السلطان محمود قد استوزر أخاه شمس الملك عثمان عند ما قل الباطنية بهمذان [1] وزيره الكمال أبا طالب السميري فقبل المسترشد إشارته، واستوزر نظام الملك، وقد كان وزر للسلطان محمد سنة خمسمائة، ثم عزل ولزم داره ببغداد. فلما وزر وعلم ابن صدقة أنه يخرجه طلب من المسترشد أن يسير إلى سليمان بن مهارش بحديثة غانة، فأذن له، فسار ونهب في طريقه وأسر، ثم خلص إلى مأمنه في واقعة عجيبة. ثم قتل السلطان محمود وزيره شمس الملك فعزل المسترشد أخاه نظام الدين أحمد عن وزارته، وأعاد جلال الدين أبا علي بن صدقة إلى مكانه.

** واقعة المسترشد مع دبيس **

كان دبيس في واقعته مع البرسقي قد أسر عفيفا الخادم، ثم أطلقه سنة سبع عشرة، وحمله إلى المسترشد رسالة بخروج البرسقي للقتال يتهدده بذلك على ما بلغه من سمل أخيه، وحلف لينهبن بغداد، فاستطار المسترشد غضبا وأمر البرسقي بالمسير لحربه، فسار في رمضان من سنته. ثم تجهز للخليفة وبرز من بغداد واستدعى العساكر فجاءه سليمان بن مهارش صاحب الحديثة في بني عقيل، وقرواش بن مسلم وغيرهما. ونهب

دبيس نهر الملك من خاص الخليفة ونودي في بغداد بالنفير فلم يتخلف أحد، وفرقت فيهم الأموال والسلاح وعسكر المسترشد خارج بغداد في عشر ذي الحجة، وبرز لأربع بعدها وعبر دجلة وعليه قباء أسود وعمامة سوداء، وعلى كتفه البردة وفي يده القضيب وفي وسطه منقطة حديد صيني، ووزيره معه نظام الدين ونقيب الطالبيين ونقيب النقباء علي بن طراد، وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل وغيرهم. فنزل بخيمة، وبلغ البرسقي خروجه فعاد بعسكره إليه. ونزل المسترشد بالحديثة بنهر الملك واستحلف البرسقي والأمراء على المناصحة، وسار فنزل المباركة، وعبى البرسقي أصحابه للحرب ووقف المسترشد وراء العسكر في خاصته، وعبى دبيس أصحابه صفا واحدا وبين يديهم الإماء تعزف وأصحاب الملاهي، وعسكر الخليفة تتجاذب القراءة والتسبيح مع جنباته، ومع أعلامه كرباوي بن خراسان وفي الساقة سليمان بن مهارش وفي ميمنة البرسقي أبو بكر بن إلياس مع الأمراء البلخية، فحمل عنتر بن أبي العسكر من عسكر دبيس على ميمنة البرسقي فدحرجها وقتل ابن أخي أبي بكر.

ثم حمل ثانية كذلك فحمل عماد الدين زنكي بن آق سنقر في عسكر واسط على عنتر بن أبي العسكر فأسره ومن معه. وكان من عسكر المسترشد كمين متوار، فلما التحم الناس خرج الكمين واشتد الحرب وجرد المسترشد سيفه وكبر وتقدم فانهزمت عساكر دبيس، وجيء بالأسرى فقتلوا بين يدي الخليفة وسبي نساؤهم، ورجع الخليفة إلى بغداد في عاشوراء من سنة سبع عشرة. وذهب دبيس وخفي أثره قصد غزية من العرب فأبوا من ذلك إيثارا لرضا المسترشد والسلطان، فسار إلى المشقر من البحرين فأجابوه وسار بهم إلى البصرة فنهبوها وقتلوا أميرها، وتقدم المسترشد للبرسقي بالانحدار إليه بعد أن عنفه على غفلته عنه، وسمع دبيس ففارق البصرة، وبعث البرسقي عليها زنكي بن آق سنقر فأحسن حمايتها وطرد العرب عن نواحيها، ولحق دبيس بالفرنج في جعبر وحاصر معهم حلب فلم يظفروا وأقلعوا عنها سنة ثمان عشرة، فلحق دبيس بطغرل ابن السلطان محمد وأغراه بالمسترشد وبملك العراق كما نذكر.

** ولاية برتقش شحنة بغداد **

ثم إن المسترشد وقعت بينه وبين البرسقي منافرة فكتب إلى السلطان محمود في عزله عن العراق، وإبعاده إلى الموصل فأجابه إلى ذلك، وأرسل إلى البرسقي بالمسير إلى الموصل لجهاد الإفرنج، وبعث إليه بابن صغير من أولاده يكون معه وولى على شحنة بغداد برتقش

الزكوي، وجاء نائبة إلى بغداد فسلم إليه البرسقي العمل وسار إلى الموصل بابن السلطان، وبعث إلى عماد الدين زنكي أن يلحق به فسار إلى السلطان، وقدم عليه بالموصل فأكرمه وأقطعه البصرة وأعاده إليها.

** وصول الملك طغرل ودبيس إلى العراق **

قد ذكرنا مسير دبيس بن صدقة من الشام إلى الملك طغرل فأحسن إليه ورتبه في خاص أمرائه، وجعل دبيس يغريه بالعراق ويضمن له ملكه، فسار لذلك سنة تسع عشرة، ووصلوا دقوقا، فكتب مجاهد الدين مهروز من تكريت إلى المسترشد بخبرهما، فتجهز إلى دفاعهما وسار إليهما. وأمر برتقش الزكوي الشحنة أن يستنفر ويستبعد فبلغت عدة العسكر اثني عشر ألفا سوى أهل بغداد، وبرز خامس صفر سنة تسع عشرة، وسار فنزل الخالص، وعدل طغرل إلى طريق خراسان، وأكثرت عساكره النهب، ونزل رباط جلولاء وسار إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في العساكر، فنزل الدسكرة وجاء المسترشد فنزل معه، وتوجه طغرل ودبيس فنزلا الهارونية، واتفقا أن يقطعا جسر النهروان فيقيم دبيس على المعابر، ويخالفهم طغرل إلى بغداد، ثم عاقتهم جميعا عوائق المطر وأصابت طغرل الحمى، وجاء دبيس إلى النهروان ليعبر وقد لحقهم الجوع، فصادف أحمالا من البر، والأطعمة جاءت من بغداد للمسترشد فنهبها، وأرجف في معسكر المسترشد أن دبيس ملك بغداد فأجفلوا من الدسكرة إلى النهروان وتركوا أثقالهم. ولما حلوا بالنهروان وجدوا دبيس وأصحابه نياما فاستيقظ وقبل الأرض بين يدي المسترشد وتذلل [1] فهم بصلحه ووصل الوزير ابن صدقة فثناه عن ذلك ثم مد المسترشد الجسر وعبر ودخل بغداد لفتنة خمسة وعشرين يوما [2] . وسار دبيس إلى طغرل ثم اعتزموا على المسير إلى السلطان سنجر، ومروا بهمذان فعاثوا في أعمالها وصادروا، واتبعهم السلطان فانهزموا بين يديه ولحقوا بالسلطان سنجر شاكين من المسترشد والشحنة برتقش.

** الفتنة بين المسترشد والسلطان محمود **

ثم وقعت بين برتقش الزكوي وبين نواب المسترشد نبوة فبعث إليه المسترشد يتهدده فخافه على نفسه، وسار إلى السلطان محمود في رجب سنة عشرين فحذر منه، وأنه ثاور العساكر ولقي الحروب وقوت نفسه، وأشار بمعاجلته قبل أن يستفحل أمره، ويمتنع عليه فسار السلطان نحو العراق، فبعث إليه المسترشد بالرجوع عن البلاد لما فيها من الغلاء من فتنة دبيس، وبذل له المال، وأن يسير إلى العراق مرة أخرى، فارتاب السلطان وصدق ما ظنه برتقش وأغذ السير فعبر المسترشد إلى الجانب الغربي مغضبا يظهر الرحيل عن بغداد إذ قصدها السلطان. وصانعه السلطان بالاستعطاف وسؤاله في العود فأبى فغضب السلطان ودخل نحو بغداد. وأقام المسترشد بالجانب الغربي وبعث عفيفا الخادم من خواصه في عسكر إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان، فأرسل السلطان إليه عماد الدين زنكي بن آق سنقر وكان على البصرة كما ذكرناه، فسار إليه وهزمه وقتل من عسكره، ونجا عفيف إلى المسترشد برأسه فجمع المسترشد السفن وسد أبواب دار الخلافة إلا باب النوبي، ووصل السلطان في عشر ذي الحجة من سنة عشرين، ونزل باب الشماسية، ومنع العسكر عن دور الناس.

وراسل المسترشد في العود والصلح فأبى، ونجا جماعة من عسكر السلطان فنهبوا التاج في أول المحرم سنة إحدى وعشرين فضج العامة لذلك، واجتمعوا، وخرج المسترشد والشماسية على رأسه والوزير بين يديه، وأمر بضرب الطبول ونفخ الأبواق، ونادى بأعلى صوته يا لهاشم! ونصب الجسر وعبر الناس دفعة واحدة. وكان في الدار رجال مختفون في السراديب فخرجوا على العسكر وهم مشتغلون في نهب الدار فأسروا جماعة منهم ونهب العامة دور أصحاب السلطان وعبر المسترشد إلى الجانب الشرقي في ثلاثين ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد، وأمر بحفر الخنادق فحفرت ليلا، ومنعوا بغداد عنهم، واعتزموا على كبس السلطان محمود. وجاء عماد الدين زنكي من البصرة في حشود عظيمة ملأت البر والبحر فاعتزم السلطان على قتال بغداد، وأذعن المسترشد إلى الصلح فاصطلحوا وأقام السلطان ببغداد إلى ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، ومرض فأشير عليه بمفارقة بغداد فارتحل إلى همذان ونظر فيمن يوليه شحنة العراق مضافا إلى ما بيده، ويثق به في سد تلك الخلة. وحمل إليه الخليفة عند رحيله

الهدايا والتحف والألطاف فقبل جميعها. ولما أبعد السلطان عن بغداد قبض على وزيره أبي القاسم علي بن الناصر النشاباذي لاتهامه بممالأة المسترشد، واستوزر مكانه شرف الدين أنوشروان بن خالد، وكان مقيما ببغداد فاستدعاه وأهدى إليه الناس حتى الخليفة. وسار من بغداد في شعبان فوصل إلى السلطان بأصبهان وخلع عليه، ثم استعفى لعشرة أشهر وعاد إلى بغداد ولم يزل الوزير أبو القاسم محبوسا إلى أن جاء السلطان سنجر إلى الري في السنة بعدها فأطلقه وأعاده إلى وزارة السلطان.

** أخبار دبيس مع السلطان سنجر **

لما وصل دبيس إلى السلطان سنجر ومعه طغرل أغرياه بالمسترشد والسلطان محمود، وأنهما عاصيان عليه، وسهلا عليه أمر العراق فسار إلى الري واستدعى السلطان محمودا يختبر طاعته بذلك فبادر للقائه. ولما وصل أمر سنجر العساكر فتلقوه وأجلسه معه على سريره، وأقام عنده مدة وأوصاه بدبيس أن يعيده إلى بلده، ورجع سنجر إلى خراسان منتصف ذي الحجة ورجع محمود إلى همذان ودبيس معه. ثم سار إلى بغداد فقدمها في تاسوعاء سنة ثلاث وعشرين واسترضى المسترشد لدبيس فرضى عنه، على شريطة أن يوليه غير الحلة فبذل في الموصل مائة ألف دينار. وشعر بذلك زنكي فجاء بنفسه إلى السلطان وهجم على الستر متذمما، وحمل الهدايا وبذل مائة ألف فأعاده السلطان إلى الموصل، وأعاد بهروز شحنة على بغداد، وجعلت الحلة لنظره. وسار السلطان إلى همذان في جمادى سنة ثلاث وعشرين، ثم مرض السلطان فلحق دبيس بالعراق، وحشد المسترشد لمدافعته، وهرب بهروز من الحلة فدخلها دبيس في رمضان من سنة ثلاث وعشرين. وبعث السلطان في أثره الأميرين اللذين ضمناه له، وهما كزل والأحمديلي، فلما سمع دبيس بهما أرسل إلى المسترشد يستعطفه، وتردد الرسل وهو يجمع الأموال والرجال حتى بلغ عسكره عشرة آلاف، ووصل الأحمديلي بغداد في شوال وسار في أثر دبيس. ثم جاء السلطان إلى العراق فبعث إليه دبيس بالهدايا وبذل الأموال على الرضا فأبى، ووصل إلى بغداد، ودخل دبيس البرية، وقصد البصرة فأخذ ما كان فيها للخليفة والسلطان، وجاءت العساكر في اتباعه فدخل البرية انتهى.

** وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود ثم منازعته عمومه واستقلال مسعود **

ثم توفي السلطان محمود في شوال من سنة خمس وعشرين لثلاث عشرة سنة من ملكه، واتفق وزيره أبو القاسم النشاباذي وأتابكه آق سنقر الأحمديلي على ولاية ابنه داود مكانه وخطب له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان، ووقعت الفتنة بهمذان ونواحيها ثم سكنت، فسار الوزير بأمواله إلى الري ليأمن في إيالة السلطان سنجر. ثم إن الملك داود سار في ذي القعدة من سنة خمس وعشرين من همذان إلى ربكان، وبعث إلى المسترشد ببغداد في الخطبة، وأتاه الخبر بأن عمه مسعودا سار من جرجان إلى تبريز، وملكها فسار إليه وحصره في تبريز إلى سلخ المحرم من سنة ست وعشرين، ثم اصطلحا وأفرج داود عن تبريز، وخرج السلطان مسعود منها، واجتمعت عليه العساكر فانتقض وسار إلى همذان. وأرسل الى المسترشد في الخطبة فأجابهم جميعا بأن الخطبة للسلطان سنجر صاحب خراسان، ويعين بعده من يراه. وبعث إلى سنجر بأن الخطبة للسلطان سنجر صاحب خراسان، ويعين بعده من يراه. وبعث إلى سنجر بأن الخطبة إنما ينبغي أن تكون لك وحدك فوقع ذلك منه أحسن موقع، وكاتب السلطان مسعود عماد الدين زنكي صاحب الموصل فأجابه وسار إليه وانتهى إلى المعشوق. وبينما هم في ذلك إذ سار قراجا الساقي صاحب فارس وخوزستان بالملك سلجوق شاه ابن السلطان محمد، وكان أتابكه فدخل بغداد في عسكر كبير، ونزل دار السلطان واستخلفه المسترشد لنفسه، ووصل مسعود إلى عباسة فبرزوا للقائه، وجاءهم خبر عماد الدين زنكي فعبر قراجا إلى الجانب الغربي للقائه، وواقعه فهزمه، وسار منهزما إلى تكريت وبها يومئذ نجم الدين أيوب أبو السلطان صلاح الدين، فهيأ له الجسر للعبور، وعبر فأمن وسار لوجهه. وجاء السلطان مسعود من العباسة للقاء أخيه سلجوق ومن معه مدلا بمكان زنكي وعسكره من ورائهم، وبلغه خبر انهزامهم فنكص على عقبه، وراسل المسترشد بأن السلطان سنجر وصل إلي وطلب الاتفاق من المسترشد وأخيه سلجوق شاه وقراجا على قتال سنجر، على أن يكون العراق للمسترشد يتصرف فيه نوابه، والسلطنة لمسعود وسلجوق شاه ولي عهده فأجابوه إلى ذلك وجاء بغداد في جمادى الأولى سنة ست وعشرين، وتعاهدوا على ذلك.

** واقعة مسعود مع سنجر وهزيمته وسلطنة طغرل **

لما توفي السلطان محمود وولي ابنه داود مكانه، نكر ذلك عمه السلطان سنجر عليهم، وسار إلى بلاد الجبل ومعه طغرل ابن أخيه السلطان محمد، كان عنده منذ وصوله مع دبيس فوصل إلى الري، ثم إلى همذان، وسار السلطان مسعود وأخوه سلجوق وقراجا الساقي أتابك سلجوق للقائه. وكان المسترشد قد عاهدهم على الخروج وألزموه ذلك. ثم إن السلطان سنجر بعث إلى دبيس وأقطعه الحلة وأمره بالمسير إلى بغداد، وبعث إلى عماد الدين زنكي بولاية شحنكية بغداد، والسير إليها فبلغ المسترشد خبر مسيرهما فرجع لمدافعتهما. وسار السلطان مسعود وأصحابه للقاء السلطان سنجر، ونزل أستراباذ في مائة ألف من العسكر فخاموا عن لقائه، ورجعوا أربع مراحل فاتبعهم سنجر، وتراءى الجمعان عند الدينور ثامن رجب، فاقتتلوا وعلى ميمنة مسعود قراجا الساقي وكزل، وعلى ميسرته برتقش بازدار، ويوسف حاروس [1] فحمل قراجا الساقي في عشرة آلاف على السلطان سنجر، حتى تورط في مضافه فانعطفوا عليه من الجانبين، وأخذ أسيرا بعد جراحات. وانهزم مسعود وأصحابه وقتل بعضهم، وفيهم يومئذ يوسف حاروس، وأسر آخرون فيهم قراجا فأحضر عند السلطان سنجر فوبخه، ثم أمر بقتله. وجاء السلطان مسعود إليه فأكرمه وعاتبه على مخالفته وأعاده أميرا إلى كنجة. وولى الملك طغرل ابن أخيه محمدا في السلطنة وجعل وزيره أبا القاسم النشاباذي وزير السلطان محمود، وعاد إلى خراسان ووصل نيسابور في عاشر رمضان من سنته. وأما الخليفة فرجع إلى بغداد كما قلناه لمدافعة دبيس وزنكي، وبلغه الخبر بهزيمة السلطان مسعود، فعبر إلى الجانب الغربي وسار إلى العباسة [2] ، ولقيهما بحصن البرامكة آخر رجب. وكان في ميمنته جمال الدولة إقبال، وفي ميسرته مطر الخادم فانهزم إقبال لحملة زنكي، وحمل الخليفة ومطر على دبيس فانهزم، وتبعه زنكي فاستمرت الهزيمة عليهم وافترقوا، ومضى دبيس إلى الحلة وكانت بيد إقبال، وجاءه المدد من بغداد فلقي دبيس وهزمه، ثم تخلص بعد

الجهد، وقصد واسط وأطاعه عسكرها إلى أن خلت سنة سبع وعشرين، فجاءهم إقبال وبرتقش بازدار، وزحفوا في العساكر برا وبحرا فانهزمت أهل واسط. ولما استقر طغرل بالسلطنة وعاد عمه سنجر إلى خراسان لخلاف أحمد خان صاحب ما وراء النهر عليه، وكان داود ببلاد أذربيجان وكنجة فانتقض وجمع العساكر وسار إلى همذان وبرز إليه طغرل وفي ميمنته ابن برسق وفي ميسرته كزل وفي مقدمته آق سنقر. وسار إليه داود في ميمنته برتقش الزكوي والتقيا في رمضان سنة ست وعشرين فأمسك برتقش عن القتال، واستراب التركمان منه فنهبوا خيمته، واضطرب عسكر داود لذلك فهرب أتابكه آق سنقر الأحمديلي، واستمرت الهزيمة عليهم وأسر برتقش الزكوي، ومضى داود ثم قدم بغداد ومعه أتابكه آق سنقر الأحمديلي فأنزله الخليفة بدار السلطان وأكرمه. ولما بلغ السلطان مسعودا هزيمة داود ووصوله الى بغداد قدم إليها وخرج داود لتلقيه، وترجل له عن فرسه، ونزل مسعود بدار السلطنة في صفر سنة سبع وعشرين، وخطب له على منابر بغداد ولداود بعده، واتفقا مع المسترشد بالسير إلى أذربيجان وأن يمدهما، وسارا لذلك، وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، وحاصر جماعة من الأمراء بأردبيل ثم هزمهم وقتل منهم، وسار إلى همذان وبرز أخو طغرل للقائه فانهزم، واستولى مسعود على همذان وقتل آق سنقر، قتله الباطنية ويقال بدسيسة السلطان محمود. ولما انهزم طغرل قصد الري وبلغ قم، ثم عاد إلى أصبهان ليمتنع بها وسار أخوه مسعود للحصار فارتاب طغرل بأهل أصبهان، وسار إلى بلاد فارس فاتبعه مسعود، واستأمن إليه بعض أمراء طغرل فارتاب بالباقين، وانهزم إلى الري في رمضان من سنته، واتبعه مسعود فلحقه بالري، وقاتله فانهزم طغرل وأسر جماعة من أمرائه. وعاد مسعود إلى همذان ظافرا، وعند ما قصد طغرل الري من فارس قتل في طريقه وزيره أبا القاسم النشاباذي في شوال من سنته لموجدة وجدها عليه.

** مسير المسترشد لحصار الموصل **

لما انهزم عماد الدين زنكي أمام المسترشد كما قلنا لحق بالموصل، وشغل سلاطين السلجوقية في همذان بالخلف الواقع بينهم، وجماعة من أمراء السلجوقية إلى بغداد فرارا من الفتنة فقوي بهم المسترشد، وبعث إلى عماد الدين زنكي بعض شيوخ

الصوفية من حضرته فأغلظ له في الموعظة فأهانه زنكي وحبسه، فاعتزم المسترشد على حصار الموصل وبعث بذلك إلى السلطان مسعود، وسار من بغداد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين في ثلاثين ألف مقاتل. ولما قارب الموصل فارقها زنكي ونزل بها نائبة نصير الدين حقر، ولحق بسنجر وأقام يقطع المدد والميرة عن عسكر المسترشد حتى ضاقت بهم الأمور، وحاصرها المسترشد ثلاثة أشهر فامتنعت عليه ورحل عائدا إلى بغداد، فوصل يوم عرفة من سنته. يقال إن مطرا الخادم جاء من عسكر السلطان مسعود لأنه قاصد العراق فارتحل لذلك.

** مصاف طغرل ومسعود وانهزام مسعود **

ولما عاد مسعود الى همذان بعد انهزام أخيه طغرل، بلغه انتقاض داود ابن أخيه محمود بأذربيجان فسار إليه وحصره ببعض قلاعها، فخالفه طغرل إلى بلاد الجبل، واجتمعت عليه العساكر ففتح كثيرا من البلاد، وقصد مسعودا وانتهى إلى قزوين فسار مسعود للقائه، وهرب من عسكره جماعة كان طغرل قد داخلهم واستمالهم، فولى مسعود منهزما آخر رمضان سنة ثمان وعشرين، واستأذن المسترشد في دخول بغداد وكان نائبة بأصبهان البقش السلامي، ومعه أخوه سلجوق شاه، فلما بلغهم خبر الهزيمة لحقوا ببغداد، ونزل سلجوق بدار السلطان، وبعث إليه الخليفة بعشرة آلاف دينار. ثم قدم مسعود بعدهم ولقي في طريقه شدة وأصحابه بين راجلين وركاب فبعث إليهم المسترشد بالمقام والخيام والأموال والثياب والآلات، وقرب إليهم المنازل، ونزل مسعود بدار السلطنة ببغداد منتصف شوال سنة ثمان، وأقام طغرل بهمذان.

** وفاة طغرل واستيلاء السلطان مسعود **

ولما وصل مسعود إلى بغداد أكرمه المسترشد، ووعده بالمسير معه لقتال أخيه طغرل، وأزاح علل عسكره واستحثه لذلك، وكان جماعة من أمراء السلجوقية قد ضجروا من الفتنة، ولحقوا بالمسترشد فساروا معه ودس إليهم طغرل بالمواعيد فارتاب المسترشد ببعضهم، واطلع على كتاب طغرل إليه، وقبض عليه ونهب ماله، فلحق الباقون بالسلطان، وبعث فيهم المسترشد فمنعهم السلطان فحدثت بينهم الوحشة لذلك،

وبعث السلطان إلى الخليفة يلزمه المسير معه [1] ، وبينا هما على ذلك إذ جاءه الخبر بوفاة طغرل، في المحرم من سنة تسع وعشرين، فسار السلطان مسعود إلى همذان وأقبلت إليه العساكر فاستولى عليها، وأطاعه أهل البلاد، واستوزر شرف الدين أنوشروان خالدا، وكان قد سار معه بأهله.

** فتنة السلطان مسعود مع المسترشد **

لما استولى السلطان مسعود على همذان استوحش منه جماعة من أعيان الأمراء، منهم برتقش وكزل وسنقر والي همذان، وعبد الرحمن بن طغرلبك، ففارقوه ودبيس بن صدقة معهم، واستأمنوا إلى الخليفة ولحقوا بخوزستان وتعاهدوا مع برسق على طاعة المسترشد، وحذر المسترشد من دبيس وبعث شديد الدولة ابن الأنباري بالأمان للأمراء دون دبيس، ورجع دبيس إلى السلطان مسعود. وسار الأمراء إلى بغداد فأكرمهم المسترشد، واشتدت وحشة السلطان مسعود لذلك، ومنافرته للمسترشد فاعتزم المسترشد على قتاله، وبرز من بغداد في عاشر [2] رجب وأقام بالشفيع وعصي عليه صاحب البصرة فلم يجبه، وأمراء السلجوقية الذين بقوا معه يحرضونه على المسير فبعث مقدمته إلى حلوان. ثم سار من شعبان واستخلف على العراق إقبالا خادمه في ثلاثة آلاف فارس ولحقه برسق بن برسق فبلغ عسكره سبعة آلاف فارس، وكان أصحاب الأعراب يكاتبون المسترشد بالطاعة فاستصلحهم مسعود، ولحقوا به، وبلغ عسكره خمسة عشر ألفا، وتسلل إليه كثير من عسكر المسترشد حتى بقي في خمسة آلاف، وبعث إليه داود ابن السلطان محمود من أذربيجان بأن يقصد الدينور ليلقاه بها بعسكره فجفل للقاء السلطان مسعود، وسار وفي ميمنته برتقش بازدار وكور

الدولة سنقر [1] وكزل وبرسق بن برسق، وفي ميسرته جاولي برسقي وسراب سلار [2] وأغلبك الذي كان قبض عليه من أمراء السلجوقية بموافقتهم السلطان وكان ذلك عاشر رمضان سنة تسع وعشرين. وانحازت ميسرة المسترشد إليه وانطبقت عساكره عليه، وانهزم أصحاب المسترشد وأخذ هو أسيرا بموكبه، وفيهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، وقاضي القضاة والخطباء والفقهاء والشهود وغيرهم. وأنزل المسترشد في خيمة، وحبس الباقون بقلعة سرحاب، وعاد السلطان إلى همذان وبعث الأمير بك آي المحمدي [3] إلى بغداد شحنة، فوصل سلخ رمضان، ومعه عميد [4] فقبضوا أملاك الخليفة وأخذوا غلاته، وضج الناس ببغداد وبكوا على خليفتهم، وأعول النساء ثم عمد العامة إلى المنبر فكسروه ومنعوا من الخطبة وتعاقبوا في الأسواق يحثون التراب على رءوسهم، وقاتلوا أصحاب الشحنة فأثخن فيهم بالقتل وهرب الوالي والحاجب وعظمت الفتنة، ثم بلغ السلطان في شوال أن داود ابن أخيه محمود عصي عليه بالمراغة، فسار لقتاله والمسترشد معه وتردد الرسل بينهما في الصلح.

** مقتل المسترشد وخلافة الراشد **

قد ذكرنا مسير المسترشد مع السلطان مسعود إلى مراغة وهو في خيمة موكل به.

وترددت الرسل بينهما وتقرر الصلح على أن يحمل مالا للسلطان ولا يجمع العساكر لحرب ولا فتنة، ولا يخرج من داره فانعقد على ذلك بينهما، وركب المسترشد وحملت الغاشية بين يديه وهو على العود إلى بغداد فوصل الخبر بموافاة رسول من السلطان سنجر فتأخر مسيره لذلك، وركب السلطان مسعود للقاء الرسول، وكانت خيمة المسترشد منفردة العسكر فدخل عليه عشرون رجلا أو يزيدون من الباطنية فقتلوه وجدعوه وصلبوه، وذلك سابع عشر ذي القعدة من سنة تسع وعشرين، لسبع عشرة ونصف من خلافته. وقتل الرجال الذين قتلوه وبويع ابنه أبو جعفر بعهد أبيه اليه بذلك فجددت له البيعة ببغداد في ملأ من الناس، وكان إقبال خادم المسترشد في بغداد، فلما وقعت هذه الحادثة عبر إلى الجانب الغربي وأصعد إلى تكريت،

ونزل على مجاهد الدين بهروز. ثم بعد مقتل المسترشد بأيام قتل دبيس بن صدقة على باب سرادقه بظاهر مدينة خوي، أمر السلطان مسعود غلاما أرمنيا بقتله فوقف على رأسه فضربه، وأسقط رأسه، واجتمع إلى أبيه صدقة بالحلة عساكره ومماليكه واستأمن إليه قطلغ تكين، وأمر السلطان مسعود بك آي شحنة بغداد فأخذ الحلة من يد صدقة فبعث بعض عسكره إلى المدائن، وخام عن لقائه حتى قدم السلطان إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين فقصده وصالحه ولزم بابه.

** الفتنة بين الراشد والسلطان مسعود ولحاقه بالموصل وخلعه **

وبعد بيعة الراشد واستقراره في الخلافة وصل برتقش الزكوي من عند السلطان محمود يطلب من الراشد ما استقر على أبيه من المال أيام كونه عندهم، وهو أربعمائة ألف دينار فأجابه بأنه لم يخلف شيئا وأن ماله كان معه فنهب. ثم نمي إلى الراشد أن برتقش تهجم على دار الخلافة، وفتش المال فجمع الراشد العساكر وأصلح السور، ثم ركب برتقش ومعه الأمراء البلخية وجاءوا لهجم الدار، وقاتلهم عسكر الخليفة والعامة فساروا إلى طريق خراسان وانحدر بك آي إلى خراسان، وسار برتقش إلى البندهجين، ونهبت العامة دار السلطان واشتدت الوحشة بين السلطان والراشد، وانحرف الناس عن طاعة السلطان إلى الخليفة، وسار داود ابن السلطان في عسكر أذربيجان إلى بغداد، ونزل بدار السلطان في صفر من سنة ثلاثين، ووصل عماد الدين زنكي من الموصل، ووصل برتقش بازدار صاحب قزوين، والبقش الكبير صاحب أصبهان، وصدقة بن دبيس صاحب الحلة، وابن برسق وابن الأحمديلي وجفل الملك داود برتقش بازدار شحنة ببغداد، وقبض الراشد على ناصح الدولة أبي عبد الله الحسن بن جهير استادار، وعلى جمال الدين إقبال. وكان قدم إليه من تكريت فتنكر له أصحابه وخانوه، وشفع زنكي في إقبال الخادم فأطلقه وصار عنده، وخرج الوزير جلال الدين أبو الرضا بن صدقة لتلقي زنكي فأقام عنده. ثم شفع فيه وأعاده إلى وزارته ولحق قاضي القضاة الزينبي بزنكي أيضا، وسار معه إلى الموصل، ووصل سلجوق شاه إلى واسط وقبض بها بك آي ونهب ماله فانحدر زنكي إليه وصالحه ورجع إلى بغداد. ثم سار السلطان داود نحو طريق خراسان

ومعه زنكي لقتال السلطان مسعود، وبرز الراشد أول رمضان وسار إلى طريق خراسان ورجع بعد ثلاث وأرسل إلى داود والأمراء بالعود، وقتال مسعود من وراء السور، وراسلهم مسعود بالطاعة والموافقة فأبوا، وتبعهم الخليفة في ذلك. وجاء مسعود فنزل على بغداد وحصرهم فيها، وثار العيارون وكثر الهرج وأقاموا كذلك نيفا وخمسين، وامتنعوا وأقلع السلطان عنهم. ثم وصله طرنطاني صاحب واسط بالسفن فعاد وعبر إلى الجانب الغربي فاضطرب الراشد وأصحابه، وعاد داود إلى بلاده، وكان زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الراشد وسار معه إلى الموصل، ودخل السلطان مسعود بغداد منتصف ذي القعدة سنة ثلاثين، وأمن الناس. واستدعى القضاة والفقهاء والشهود وعرض عليهم يمين الراشد بخطه: إني متى جندت جندا، وخرجت ولقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر فأفتوا بخلعه. ووافقهم على ذلك أصحاب المناصب والولايات، واتفقوا على ذمه فتقدم السلطان لخلعه، وقطعت خطبته ببغداد وسائر البلاد في ذي القعدة من سنة ثلاثين لسنة من خلافته.

** خلافة المقتفي **

ولما قطعت خطبة الراشد استشار السلطان مسعود أعيان بغداد فيمن يوليه، فأشاروا بمحمد بن المستظهر فقدم إليهم بعمل محضر في خلع الراشد، وذكروا ما ارتكبه من أخذ الأموال ومن الأفعال القادحة في الإمامة، وختموا آخر المحضر بأن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما. وحضر القاضي أبو طاهر بن الكرخي فشهدوا عنده بذلك وحكم بخلعه، ونفذه القضاة الآخرون وكان قاضي القضاة غائبا عند زنكي بالموصل، وحضر السلطان دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي وصاحب المخزن ابن العسقلاني، وأحضر أبو عبد الله بن المستظهر فدخل إليه السلطان والوزير واستخلفاه. ثم أدخلوا الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء فبايعوه ثامن عشر ذي الحجة ولقبوه المقتفي. واستوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي وبعث كتاب الحكم بخلع الراشد إلى الآفاق، وأحضر قاضي القضاة أبا القاسم علي بن الحسين فأعاده إلى منصبه، وكمال الدين حمزة بن طلحة صاحب المخزن كذلك.

** فتنة السلطان مسعود مع داود واجتماع داود للراشد للحرب ومقتل الراشد **

ولما بويع للمقتفي والسلطان مسعود ببغداد، وبعث عساكره بطلب الملك داود فلقيه عند مراغة فانهزم داود وملك قراسنقر أذربيجان. ثم قصد داود خوزستان، واجتمع عليه من عساكر التركمان وغيرهم نحو عشرة آلاف مقاتل، وحاصر تستر وكان السلطان سلجوق شاه بواسط بعث إلى أخيه مسعود يستنجده فأنجده بالعساكر وسار إلى تستر فقاتله داود وهزمه. وكان السلطان مسعود مقيما ببغداد مخافة أن يقصد الراشد العراق من الموصل، وكان قد بعث لزنكي فخطب للمقتفي في رجب سنة إحدى وثلاثين، وسار الراشد من الموصل، فلما بلغ خبر مسيره إلى السلطان مسعود أذن للعسكر في العود إلى بلادهم، وانصرف صدقة بن دبيس صاحب الحلة بعد أن زوجه ابنته.

ثم قدم على السلطان مسعود جماعة الأمراء الذين كانوا مع الملك داود مثل البقش السلامي وبرسق بن برسق صاحب تستر وسنقر خمارتكين شحنة همذان، فرضي عنهم وولي البقش شحنة ببغداد فظلم الناس وعسفهم. ولما فارق الراشد زنكي من الموصل سار إلى أذربيجان وانتهى إلى مراغة، وكان بوزابة وعبد الرحمن طغرلبك [1] صاحب خلخال، والملك داود ابن السلطان محمود خائفين من السلطان مسعود فاجتمعوا الى منكبرس صاحب فارس وتعاهدوا على بيعة داود، وأن يردوا الراشد إلى الخلافة فأجابهم الراشد إلى ذلك، وبلغ الخبر إلى السلطان فسار من بغداد في شعبان سنة اثنتين وثلاثين، وبلغهم قبل وصوله وصول الراشد إليهم فقاتلهم بخوزستان فانهزموا وأسر منكبرس صاحب فارس [2] فقتله السلطان مسعود صبرا، وافترقت عساكره للنهب وفي طلب المنهزمين، ورآه بوزابة وعبد الرحمن طغرلبك في قل من الجنود فحملوا عليه، وقتل بوزابة جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس وابن قراسنقر الأتابك صاحب أذربيجان وعنتر بن أبي العسكر وغيرهم كان قبض عليهم لأول الهزيمة وأمسكهم عنده، فلما بلغه قتل منكبرس قتلهم جميعا وانصرف

العسكران منهزمين، وقصد مسعود أذربيجان وداود همذان. وجاء إليه الراشد بعد الوقعة وأشار بوزابة وكان كبير القوم بمسيرهم، فسار بهم إلى فارس فملكها وأضافها إلى خوزستان. وسار سلجوق شاه ابن السلطان مسعود ليملكها فدافعه عنها البقش الشحنة ومطر الخادم أمير الحاج، وثار العيارون أيام تلك الحرب، وعظم الهرج ببغداد، ورحل الناس عنها إلى البلاد. فلما انصرف سلجوق شاه واستقر البقش الشحنة فتك فيهم بالقتل والصلب. ولما قتل صدقة بن دبيس ولى السلطان على الحلة محمدا أخاه وجعل معه مهلهلا أخا عنتر بن أبي العسكر يدبره. ولما وصل الراشد والملك داود إلى خوزستان مع الأمراء على ما ذكرناه، وملكوا فارس، ساروا إلى العراق ومعهم خوارزم شاه. فلما قاربوا الجزيرة خرج السلطان مسعود لمدافعتهم فافترقوا، ومضى الملك داود إلى فارس وخوارزم شاه إلى بلاده، وبقي الراشد وحده، فسار إلى أصبهان فوثب عليه في طريقه نفر من الخراسانية الذين كانوا في خدمته فقتلوه في القيلولة خامس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بشهرستان ظاهر أصبهان.

وعظم أمر هذه الفتنة واختلفت الأحوال والمواسم وانقطعت كسوة الكعبة في هذه السنة من دار الخلافة من قبل السلاطين، حتى قام بكسوتها تاجر فارسي من المترددين إلى الهند، أنفق فيها ثمانية عشر ألف دينار مصرية، وكثر الهرج من العيارين حتى ركب زعماؤهم الخيول وجمعوا الجموع، وتستر الوالي ببغداد بلباس ابن أخيه سراويل الفتوة عن زعيمهم ليدخل في جملتهم، وحتى هم زعيمهم بنقش اسمه في سكة بانبار فحاول الشحنة والوزير على قتله فقتل، ونسب أمر العيارين إلى البقش الشحنة لما أحدث من الظلم والعسف فقبض عليه السلطان مسعود وحبسه بتكريت عند مجاهد الدين بهروز، ثم أمر بقتله فقتل. ثم قدم السلطان مسعود في ربيع سنة ثلاث وثلاثين في الشتاء، وكان يشتي بالعراق ويصيف بالجبال. فلما قدم أزال المكوس وكتب بذلك في الألواح فنصبت في الأسواق وعلى أبواب الجامع ورفع عن العامة نزول الجند عليهم فكثر الدعاء له والثناء عليه.

** وزارة الخليفة **

وفي سنة أربع وثلاثين وقع بين المقتفي ووزيره علي بن طراد الزينبي وحشة بما كان يعترض على المقتفي في أمره، فخاف واستجار بالسلطان مسعود فأجاره، وشفع إلى

المقتفي في إعادته فامتنع وأسقط اسمه من الكتب، واستناب المقتفي ابن عمه قاضي القضاة والزينبي، ثم عزله واستناب شديد الدولة الأنباري. ثم وصل السلطان إلى بغداد سنة ست وثلاثين فوجد الوزير شرف الدين الزينبي في داره فبعث وزيره إلى المقتفي شفيعا في إطلاق سبيله إلى بيته فأذن له انتهى.

** الشحنة ببغداد **

وفي سنة ست وثلاثين عزل مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد، وولى كزل أمير آخر من مماليك السلطان محمود، فكان على البصرة فأضيف إليه شحنكية بغداد، ولما وصل السلطان مسعود إلى بغداد ورأى تبسط العيارين وفسادهم أعاد بهروز شحنة، ولم ينتفع الناس بذلك لأن العيارين كانوا يتمسكون بالجاه من أهل الدول فلا يقدر بهروز على منعهم، وكان ابن الوزير وابن قاروت صهر السلطان يقاسمانهم فيما يأخذون من النهب. واتفق سنة ثمان وثمانين أن السلطان أرسل نائب الشحنكية ووبخه على فساد العيارين فأخبره بشأن صهره وابن وزيره فأقسم ليصلبنه إن لم يصلبهما فأخذ خاتمه على ذلك، وقبض على صهره ابن قاروت فصلبه وهرب ابن الوزير، وقبض على أكثر العيارين وافترقوا وكفى الناس شرهم.

** انتقاض الاعياص واستبداد الأمراء على الأمير مسعود وقتله إياهم **

وفي سنة أربعين سار بوزابة صاحب فارس وخوزستان وعساكره إلى قاشان ومعه الملك محمد ابن السلطان محمود، واتصل بهم الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد، ولقي بوزاة الأمير عباس صاحب الري وتآمرا في الانتقاض على السلطان مسعود، وملكا كثيرا من بلاده فسار السلطان مسعود عن بغداد، ونزل بها الأمير مهلهل والخادم مطر وجماعة من غلمان بهروز. وسار معه الأمير عبد الرحمن طغرلبك، وكان حاجبه ومتحكما في دولته، وكان هواه مع ذينك الملكين، فسار السلطان وعبد الرحمن حتى تقارب العسكران، فلقي سليمان شاه أخاه مسعودا فحنق عليه، وجرى عبد الرحمن في الصلح بين الفريقين، وأضيفت وظيفة أذربيجان وأرمينية الى ما بيده. وسار أبو الفتح ابن هزارشب وزير السلطان مسعود ومعه وزير بوزابة فاستبدوا على السلطان وحجروه

عن التصرف فيما يريده، وكان بك أرسلان بن بلنكري المعروف بخاص بك خالصة صاحب خلخال وبعض أذربيجان، فلما عظم تحكمه أسر السلطان إلى خاص بك بقتل عبد الرحمن، فدس ذلك الى جماعة من الأمراء وقتلوه في موكبه، ضربه بعضهم بمقرعة فسقط إلى الأرض ميتا وبلغ إلى السلطان مسعود ببغداد ومعه عباس صاحب الري في عسكر أكثر من عسكره فامتعض لذلك فتلطف له السلطان، واستدعاه إلى داره، فلما انفرد عن غلمانه أمر به فقتل. وكان عباس من غلمان السلطان محمود وولي الري، وجاهد الباطنية وحسنت آثاره فيهم. وكان مقتله في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين. ثم حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت، وبلغ مقتل عباس إلى بوزابة فجمع عساكره من فارس وخوزستان: وسار إلى أصبهان فحاصرها، ثم سار إلى السلطان مسعود والتقيا بمرج قراتكين فقتل بوزابة قيل بسهم أصابه وقيل أخذ أسيرا وقتل صبرا، وانهزمت عساكره إلى همذان وخراسان.

** انتقاض الأمراء ثانية على السلطان **

ولما قتل السلطان من قتل من أمرائه استخلص الأمير خاص بك وأنفذ كلمته في الدولة، ورفع منزلته فحسده كثير من الأمراء وخافوا غائلته وساروا نحو العراق وهم:

إيلدكز المسعودي صاحب كنجة وأرانية، وقيصر والبقش كون صاحب أعمال الجبل.

وقتل الحاجب وطرنطاي المحمودي شحنة واسط وابن طغايرك. ولما بلغوا حلوان خاف الناس بأعمال العراق وعني المقتفي بإصلاح السور، وبعث إليهم بالنهي عن القدوم فلم ينتهوا ووصلوا في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين، والملك محمد ابن السلطان محمود معهم، ونزلوا بالجانب الشرقي، وفارق مسعود جلال الشحنة ببغداد إلى تكريت، ووصل إليهم علي بن دبيس صاحب الحلة، ونزل بالجانب الغربي وجند المقتفي أجنادا وقتلوهم مع العامة فكانوا يستطردون للعامة والجند حتى يبعدوا. ثم يكرون عليهم فيثخنوا فيهم. ثم كثر عيثهم ونهبهم. ثم اجتمعوا مقابل التاج وقبلوا الأرض واعتذروا، وترددت الرسل ورحلوا إلى النهروان. وعاد مسعود جلال الشحنة من تكريت إلى بغداد، وافترق هؤلاء الأمراء وفارقوا العراق، والسلطان مع ذلك مقيم ببلد الجبل. وأرسل عمه سنجر إلى الري سنة أربع وأربعين فبادر إليه مسعود وترضاه

فأعتبه وقبل عذره. ثم جاءت سنة أربع وأربعين جماعة أخرى من الأمراء وهم البقش كون والطرنطاي وابن دبيس وملك شاه ابن السلطان محمود فراسلوا المقتفي في الخطبة لملك شاه فلم يجبهم، وجمع العساكر وحصن بغداد وكاتب السلطان مسعودا بالوصول الى بغداد فشغله عمه سنجر إلى الري، ولما علم البقش مراسلة المقتفي إلى مسعود نهب النهروان، وقبض على علي بن دبيس وهرب الطرنطاي إلى النعمانية، ووصل السلطان مسعود إلى بغداد منتصف شوال، ورحل البقش كون من النهروان وأطلق ابن دبيس.

** وزارة المقتفي **

وفي سنة أربع وأربعين استوزر المقتفي يحيى بن هبيرة وكان صاحب ديوان الزمام وظهرت منه كفاية في حصار بغداد فاستوزره المقتفي.

** وفاة السلطان مسعود وملك ملك شاه ابن أخيه محمود **

ثم توفي السلطان مسعود أول رجب سنة سبع وأربعين وخمسمائة لإحدى وعشرين سنة من بيعته. وعشرين من عوده بعد منازعة إخوته. وكان خاص بك بن سلمكري [1] متغلبا على دولته. فبايع لملك شاه ابن أخيه السلطان محمود، وخطب له بالسلطنة في همذان، وكان هذا السلطان مسعود آخر ملوك السلجوقية عن بغداد. وبعث السلطان ملك شاه الأمير شكار كرد [2] في عسكر إلى الحلة فدخلها، وسار إليه مسعود جلال [3] الشحنة، وأظهر له الاتفاق. ثم قبض عليه وغرقه واستبد بالحلة وأظهر المقتفي إليه العساكر مع الوزير عون الدولة والدين بن هبيرة فعبر الشحنة إليهم الفرات، وقاتلهم فانهزموا وثار أهل الحلة بدعوة المقتفي ومنعوا الشحنة من الدخول فعاد إلى تكريت ودخل ابن هبيرة الحلة وبعث العساكر إلى الكوفة وواسط فملكوها، وجاءت عساكر السلطان إلى واسط فغلبوا عليها عسكر المقتفي فتجهز بنفسه، وانتزعها من أيديهم، وسار منها إلى الحلة. ثم عاد إلى بغداد في عشر ذي

القعدة. ثم إن خاص بك المتغلب على السلطان ملك شاه استوحش وتنكر وأراد الاستبداد فبعث عن الملك محمد ابن السلطان محمد بخوزستان سنة ثمان وأربعين فبايعه أول صفر وأهدى إليه وهو مضمر الفتك، فسبقه السلطان محمد لذلك وقتله ثاني يوم البيعة آيدغدي التركماني المعروف بشملة من أصحاب خاص بك ونهاه عن الدخول إلى السلطان محمد، فلم يقبل. فلما قتل خاص بك نهب شملة عسكره ولحق بخوزستان وكان خاص بك صبيا من التركمان اتصل بالسلطان مسعود واستخلصه وقدمه على سائر الأمراء.

** حروب المقتفى مع أهل الخلاف وحصار البلاد **

ثم بعث المقتفي عساكره لحصار تكريت مع ابن الوزير عون الدين والأمير ترشك من خواصه وغيرهما، ووقع بينه وبين ابن الوزير منافرة خشي لها ترشك على نفسه فصالح الشحنة صاحب تكريت، وقبض على ابن الوزير والأمراء، وحبسهم صاحب تكريت وغرق كثير منهم، وسار ترشك والشحنة إلى طريق خراسان فعاثوا فيها وخرج المقتفي في اتباعهم فهربا بين يديه، ووصل تكريت وحاصرها أياما. ثم رجع إلى بغداد وبعث سنة تسع وأربعين بتكريت في ابن الوزير وغيره من المأسورين، فقبض على الرسول فبعث إليهم عسكرا فامتنعوا عليه، فسار المقتفي بنفسه في صفر من سنته وملك تكريت، وامتنعت عليه القلعة فحاصرها، ورجع في ربيع. ثم بعث الوزير عون الدين في العساكر لحصارها واستكثر من الآلات وضيق عليها. ثم بلغه الخبر بأن شحنة مسعود وترشك وصلا في العساكر ومعهم الأمير البقش كون وأنهما استحثا الملك محمدا لقصد العراق، فلم يتهيأ له فبعث هذا العسكر معهم، وانضاف إليهم خلق كثير من التركمان، فسار المقتفي للقائهم، وبعث الشحنة مسعود عن أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد وكان محبوسا بتكريت فأحضره عنده ليقاتل به المقتفي، والتقوا عند عقر بابل فتنازلوا ثمانية عشر يوما، ثم تناجزوا آخر رجب فانهزمت ميمنة المقتفي إلى بغداد، ونهبت خزائنه وثبت هو واشتد القتال وانهزمت عساكر العجم وظفر المقتفي بهم، وغنم أموال التركمان وسبى نساءهم وأولادهم. ولحق البقش كون ببلد المحلو وقلعة المهاكين وأرسلان بن طغرل، ورجع المقتفي إلى بغداد أول شعبان.

وقصد مسعود الشحنة وترشك بلد واسط للعيث فيها، فبعث المقتفي الوزير ابن هبيرة

في العساكر فهزمهم. ثم عاد فلقيه المقتفي سلطان العراق وأرسلان بن طغرل، وبعث إليه السلطان محمد في إحضاره عنده. ومات البقش في رمضان من سنته وبقي أرسلان مع ابن البقش، وحسن الخازندار فحملاه إلى الجبل ثم سارا به إلى الركن زوج أمه، وهو أبو البهلوان وأرسلان وطغرل الذي قتله خوارزم شاه، وكان آخر السلجوقية ثلاثتهم إخوة لأم. ثم سار المقتفي سنة خمسين إلى دقوقا فحاصرها أياما، ثم رجع عنها لأنه بلغه أن عسكر الموصل تجهز لمدافعته عنها فرحل.

** استيلاء شمله على خوزستان **

قد ذكرنا من قبل شأن شملة وأنه من التركمان واسمه آيدغدي وأنه كان من أصحاب خاص بك التركماني، وهرب يوم قتل السلطان محمد صاحبه خاص بك بعد أن حذره منه فلم يقبل، ونجا من الواقعة فجمع جموعا وسار يريد خوزستان وصاحبها يومئذ ملك شاه ابن السلطان محمود بن محمد. وبعث المقتفي عساكره لذلك فلقيهم شملة في رجب وهزمهم وأسر وجوههم. ثم أطلقهم وبعث إلى الخليفة يعتذر فقبل عذره، وسار إلى خوزستان فملكها من يد ملك شاه ابن السلطان محمود.

** إشارة إلى بعض أخبار السلطان سنجر بخوزستان ومبدإ دولة بني خوارزم شاه **

كان السلطان سنجر من ولد السلطان ملك شاه لصلبه، ولما استولى بركيارق بن ملك شاه على خوزستان سنة تسعين وأربعمائة من يد عمه أرسلان أرغون، كما نذكر في أخبارهم عند تفردها مستوفى، ولى عليها أخاه سنجر، وولى على خوارزم محمد بن أنوش تكين من قبل الأمير داود حبشي بن أليوساق. ثم لما ظهر السلطان محمد ونازع بركيارق وتعاقبا في الملك، وكان سنجر شقيقا لمحمد فولاه على خراسان، ولم يزل عليها. ولما اختلف أولاد محمد من بعده كان عقيد أمرهم وصاحب شوراهم إذا خلف له ببغداد مقدما اسمه على اسم سلطان العراق منهم سنة [1] ثم خرجت أمم الخطا من الترك من مفازة الصين وملكوا ما وراء النهر من يد الجابية ملوك تركستان سنة ست وثلاثين كما نذكر في أخبارهم. وسار سنجر لمدافعتهم فهزموه فوهن

لذلك فاستبد عليه خوارزم شاه بعض الشيء. وكان الخلفاء لما ملكوا بلاد تركستان أزعجوا الغز عنها إلى خراسان وهم بقية السلجوقية هناك. وأجاز السلجوقية لأول دولتهم إلى خراسان فملكوها، وبقي هؤلاء الغز بنواحي تركستان فأجازوا أمام الخطا إلى خراسان، وأقاموا السلطان بها حتى عتوا ونموا. ثم كثر عيثهم وفسادهم وسار إليهم السلطان سنجر سنة ثمان وأربعين فهزموه واستولوا عليه وأسروه، وملكوا بلاد خراسان وافترق أمراؤه على النواحي. ثم ملكوه وهو أسير في أيديهم ذريعة لنهب البلاد واستولوا به على كثير منها، وهرب من أيديهم سنة إحدى وخمسين ولم يقدر على مدافعتهم. ثم توفي سنة اثنتين وخمسين وافترقت بلاد خراسان على أمرائه كما يذكر في أخبارهم. ثم تغلب بنو خوارزم شاه عليها كلها وعلى أصبهان والري من ورائها وعلى أعمال غزنة من يد بني سبكتكين وشاركهم فيها النور [1] بعض الشيعة وقام بنو خوارزم شاه مقام السلجوقية إلى أن انقرضت دولتهم على يد جنكزخان ملك التتر من أمم الترك في أوائل المائة السابعة كما يذكر ذلك كله في أخبار كل منهم عند ما نفردها بالذكر إن شاء الله تعالى.

** الخطبة ببغداد لسليمان شاه ابن السلطان محمد وحروبه مع السلطان محمد بن محمود **

كان سليمان بن محمد عند عمه سنجر بخراسان منذ أعوام وقد جعله ولي عهده، وخطب له بخراسان فلما غلب الغز على سنجر وأسروه تقدم سليمان شاه على العساكر، ثم غلبتهم الغز فلحق بخوارزم شاه فصاهره أولا بابنة أخيه، ثم تنكر فسار إلى أصبهان فمنعه شحنتها من الدخول فسار إلى قاشان، فبعث إليه السلطان محمد شاه بن محمود فقصد اللحف، ونزل على السيد محسن، وبعث إلى المقتفي ليستأذنه في القدوم، وبعث زوجته وولده رهنا على الطاعة والمناصحة فأذن له، وقدم في خف من العساكر ثلاثمائة أو نحوها، وأخرج الوزير عون الدين بن هبيرة ولده لتلقيه ومعه قاضي القضاة والنقباء، ودخل وعلى رأسه الشمسية، وخلع عليه. ولما كان المحرم من سنة إحدى وخمسين حضر عند المقتفي بمحضر قاضي القضاة وأعيان العباسيين

واستحلفه على الطاعة، وأن لا يتعرض للعراق. ثم خطب له ببغداد وبلقب أبيه السلطان محمد، وبعث عسكرا نحو ثلاثة آلاف واستقدم داود صاحب الحلة فجعل له أمر الحجابة، وسار نحو الجبل في ربيع. وسار المقتفي إلى حلوان وسار إلى ملك شاه بن محمود أخي سليمان صاحب خوزستان فاستحلفه لسليمان شاه وجعله ولي عهده، وأمدهما بالمال والأسلحة، وساروا إلى همذان وأصبهان، وجاءهم المذكر صاحب بلاد أران فكثر جمعهم وبلغ خبرهم السلطان محمد بن محمود فبعث إلى قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل، ونائبة زين الدين ليستنجدهما فأجاباه، وسار للقاء سليمان شاه وأصحابه فالتقوا في جمادى، وانهزم سليمان شاه وافترقت عساكره.

وسار المذكر إلى بلاده، وسار سليمان شاه إلى بغداد وسلك على شهرزور فاعترضه زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين بالموصل، وكان مقطع شهرزور الأمير بران من جهة زين الدين فاعترضاه وأخذاه أسيرا، وحمل زين الدين إلى الموصل فحبسه بقلعتها، وبعث إلى السلطان محمد بالخبر.

** حصار السلطان محمد بغداد **

كان السلطان محمد قد بعث إلى المقتفي في الخطبة له ببغداد فامتنع من إجابته، ثم بايع لعمه سليمان وخطب له وكان ما قدمناه من أمره معه. ثم سار السلطان محمد بن همذان في العساكر نحو العراق، فقدم في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين، وجاءته عساكر الموصل مددا من قبل قطب الدين ونائبة زين الدين، واضطربت الناس ببغداد، وأرسل المقتفي عن فضلوبواش [1] صاحب واسط فجاء عسكره. وملك مهلهل الحلة فاهتم ابن هبيرة بأمر الحصار وجمع السفن تحت الناحي [2] ، وقطع الجسر، وأجفل الناس من الجانب الغربي، ونقلت الأموال إلى حريم دار الخلافة، وفرق المقتفي السلاح في الجند والعامة، ومكثوا أياما يقتتلون، ومد السلطان جسرا على دجلة فعبر على الجانب الشرقي حتى كان القتال في الجانبين. ونفدت الأقوات في العسكر واشتد القتال والحصار على أهل بغداد لانقطاع الميرة والظهر [3] من عسكر الموصل لأن نور

الدين محمود بن زنكي وهو أخو قطب الدين الأكبر بعث إلى زين الدين يلومه على قتال الخليفة. ثم بلغ السلطان محمدا أن أخاه ملك شاه والمذكر صاحب بلاد أران، وأرسلان ابن الملك طغرل بن محمد ساروا إلى همذان وملكوها فارتحل عن بغداد في آخر ربيع سنة اثنتين وخمسين. وسار إلى همذان وعاد زين الدين كوجك إلى الموصل. ولما قصد السلطان محمد همذان صار ملك شاه والمذكر [1] ومن معهما إلى الري فقاتلهم شحنتها آبنايخ [2] وهزموه، وأمده السلطان محمد بالأمير سقمان بن قيمار [3] فسار لذلك ولقيهما منصرفين عن الري قاصدين بغداد فقاتلهما، وانهزم أمامهما فسار السلطان في أثرهما إلى خوزستان، فلما انتهى إلى حلوان جاءه الخبر بأن المذكر بالدينور وبعث إليه آبنايخ بأنه استولى على همذان وأعاد خطبته فيها، فافترقت جموع ملك شاه والمذكر وفارقهم شملة صاحب خوزستان، فعادوا هاربين إلى بلادهم وعاد السلطان محمد إلى همذان.

** حروب المقتفي مع أهل النواحي **

كان سنقر الهمذاني صاحب اللحف، وكان في هذه الفتنة قد نهب سواد بغداد وطريق خراسان، فسار المقتفي لحربه في جمادى سنة ثلاث وخمسين وضمن له الأمير خلطوا برأس [4] إصلاحه، فسار إليه خاله على أن يشرك المقتفي معه في بلد اللحف الأمير أزغش المسترشدي فأقطعها لهما جميعا ورجع ثم عاد سنقر على أزغش وأخرجه، وانفرد ببلده وخطب للسلطان محمد فسار إليه خلطوا برأس من بغداد في العساكر وهزمه، وملك اللحف وسار سنقر إلى قلعة الماهكي للأمير قايماز العميدي ونزلها في أربعمائة ألف فارس. ثم سار إليه سنقر سنة أربع وخمسين فهزمه ورجع إلى بغداد فخرج المقتفي إلى النعمانية وبعث العساكر مع ترشك فهرب سنقر في الجبال ونهب ترشك مخلفه وحاصر قلعة الماهكي، ثم عاد إلى البندنجين وبعث بالخبر إلى بغداد. ولحق سنقر بملك شاه فأمده بخمسمائة فارس وبعث ترشك إلى المقتفي في المدد فأمده، وبعث إليه سنقر في الإصلاح فحبس رسوله، وسار إليه فهزمه

واستباح عسكره ونجا سنقر جريحا إلى بلاد العجم فأقام بها. ثم جاء بها سنة أربع وخمسين إلى بغداد، وألقى نفسه تحت التاج فرضي عنه المقتفي. وأذن له في دخول دار الخلافة. ثم زحف إلى قايماز السلطان في ناحية بادرايا سنة ثلاث وخمسين فهزمه وقتله وبعث المقتفي عساكره لقتال شملة فلحق بملك شاه.

** وفاة السلطان محمد بن محمود وملك عمه سليمان شاه ثم ارسلان بن طغرل **

ثم إن السلطان محمد بن محمود بن ملك شاه لما رجع عن حصار بغداد أصابه مرض السل وطال به، وتوفي بهمذان في ذي الحجة سنة أربع وخمسين لسبع سنين ونصف من ملكه، وكان له والد فيئس من طاعة الناس له، ودفعه لآقسنقر الأحمديلي وأوصاه عليه فرحل به إلى مراغة. ولما مات السلطان محمد اختلف الأمر فيمن يولونه، ومال الأكثر إلى سليمان شاه عمه، وطائفة إلى ملك شاه أخيه، وطائفة إلى أرسلان بن السلطان طغرل الذي مع الدكز ببلاد أران. وبادر ملك شاه أخوه فسار من خوزستان ومعه شملة التركماني ودكلا صاحب فارس، ورحل إلى أصبهان فأطاعه ابن الخجندي، وأنفق عليه الأموال وبعث إلى عساكر همذان في الطاعة فلم يجيبوه، وأرسل أكابر الأمراء من همذان إلى قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في سليمان شاه المحبوس عنده ليولوه عليهم، وذلك أول سنة خمس وخمسين فأطلقه على أن يكون أتابكا له وجمال الدين وزيره وزيرا وجهزه بجهاز السلطنة وبعث معه نائبة زين الدين علي كوجك في عسكر الموصل. فلما قاربوا بلاد الجبل وأقبلت العساكر من كل جهة على السلطان سليمان فارتاب كوجك لذلك، وعاد إلى الموصل فلم ينتظم أمر سليمان، ودخل همذان وبايعوا له وخطب له ببغداد. وكثرت جموع ملك شاه بأصبهان وبعث إلى بغداد في الخطبة، وأن يقطع خطبة عمه ويراجع القواعد بالعراق إلى ما كانت فوضع عليه الوزير عون الدين بن هبيرة جارية بعث بها إليه فسمته، فمات سنة خمس وخمسين، فأخرج أهل أصبهان أصحابه وخطبوا لسليمان شاه.

وعاد شملة إلى خراسان فملك كل ما كان ملك شاه تغلب عليه منها. واستقر سليمان شاه بتلك البلاد، وشغل باللهو والسكر ومنادمة الصفاعين، وفوض الأمور إلى شرف الدين دوا داره من مشايخ السلجوقية، كان ذا دين وعقل وحسن تربية، فشكا

الأمراء إليه فدخل عليه وعذله وهو سكران فأمر الصفاعين بالرد عليه، وخرج مغضبا. وصحا سليمان فاستدرك أمره بالاعتذار فأظهر القبول، واجتنب الحضور عنده وبعث سليمان إلى ابنايخ صاحب الري يستقدمه فاعتذر بالمرض إلى أن يفيق ونمي الخبر إلى كربازة الخادم فعمل دعوة عظيمة حضرها السلطان والأمراء وقبض عليه وعلى وزيره أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الحامدي وعلى أصحابه في شوال من سنة ست وخمسين فقتل وزيره وخواصه وحبسه أياما. وخرج ابنايخ صاحب الري ونهب البلاد وحاصر همذان وبعث كردباز إلى إلدكز يستدعيه ليبايع لربيبه أرسلان شاه بن طغرل فسار في عشرين ألف فارس، ودخل همذان وخطب لربيبه أرسلان شاه بن طغرل بالسلطنة وجعل إلدكز أتابكا له، وأخاه من أمه البهلول بن إلدكز حاجبا. وبعث إلى المقتفي في الخطبة، وأن تعاد الأمور إلى ما كانت عليه أيام السلطان مسعود فطرد رسوله وعاد إليه على أقبح حالة. وبعث إلى ابنايخ صاحب الري فحالفه على الاتفاق، وصاهره في ابنته على البهلول وجاءت اليه بهمذان وكان إلدكز من مماليك السلطان مسعود، وأقطعه أران وبعض أذربيجان ولم يحضر شيئا من الفتنة، وتزوج أم أرسلان شاه وزوجه طغرل فولدت له محمدا البهلوان، وعثمان كزل أرسلان [1] . ثم بعث إلدكز إلى آقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة في الطاعة لأرسلان شاه ربيبه، فامتنع وهددهم بالبيعة للطفل الذي عنده محمود بن ملك شاه. وقد كان الوزير ابن هبيرة أطمعه في الخطبة لذلك الطفل فيما بينهم، فجهز إلدكز العساكر مع ابنه البهلوان وسار إلى مراغة، واستمد آقسنقر ساهرمز صاحب خلاط فأمده بالعساكر، والتقى آقسنقر والبهلوان فانهزم البهلوان وعاد إلى همذان.

وعاد آقسنقر إلى مراغة ظافرا. وكان ملك شاه بن محمود لما مات بأصبهان مسموما كما ذكرنا لحق طائفة من أصحابه ببلاد فارس، ومعه ابنه محمود، فقبض عليه صاحب فارس زنكي بن دكلا السلغري بقلعة إصطخر، ولما بعث إلدكز إلى بغداد في الخطبة لربيبه أرسلان وشرع الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة في التصريف بينهم بعث ابن دكلا وأطمعه في الخطبة لمحمود بن ملك شاه الذي عنده إن ظفر بإلدكز فأطلقه ابن دكلا وبايع له، وضرب الطبل على بابه خمس نوب.

وبعث إلى ابنايخ [2] صاحب الري فوافقه وسار إليه في عشرة آلاف، وبعث إليه

آقسنقر الأحديلي، وجمع إلدكز العساكر، وسار إلى أصبهان يريد بلاد فارس، وبعث إلى صاحبها زنكي بن دكلا في الطاعة لربيبه أرسلان فأبى، وقال: إن المقتفي أقطعني بلاده وأنا سائر إليه. واستمد المقتفي وابن هبيرة فواعدوه وكاتبوا الأمراء الذين مع إلدكز بالتوبيخ على طاعته والانحراف عنه إلى زنكي بن دكلا صاحب فارس، وابنايخ صاحب الري، وبدأ إلدكز بقصد ابنايخ. ثم بلغه أن زنكي بن دكلا نهب سميرم ونواحيها، فبعث عسكرا نحوا من عشرة آلاف فارس لحفظها فلقيهم زنكي فهزمهم، فبعث إلدكز إلى عساكر أذربيجان فجاء بها ابنه كزل أرسلان.

وبعث زنكي بن دكلا العساكر إلى ابنايخ ولم يحضر بنفسه خوفا على بلاد شملة صاحب خوزستان. ثم التقى إلدكز وابنايخ في شعبان سنة ست وخمسين فانهزم ابنايخ واستبيح عسكره وحاصره إلدكز ثم صالحه ورجع إلى همذان.

** وفاة المقتفي وخلافة المستنجد وهو أول الخلفاء المستبدين على أمرهم من بني العباس عند تراجع الدولة وضيق نطاقها ما بين الموصل وواسط والبصرة وحلوان **

ثم توفي المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر في ربيع الأول سنة خمس وخمسين لأربع وعشرين سنة وأربعة أشهر من خلافته، وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه من أول أيام الديلم، فحكم على عسكره وأصحابه فيما بقي لمملكتهم من البلدان بعد استبداد الملوك في الأعمال والنواحي. ولما اشتد مرضه تطاول كل من أم ولده إلى ولاية ابنها. وكانت أم المستنجد تخاف عليه، وأم أخيه علي تروم ولاية ابنها، واعتزمت على قتل المستنجد واستدعته لزيارة أبيه وقد جمعت جواريها وآتت كل واحدة منهن سكينا لقتله وأمسكت هي وابنها سيفين، وبلغ الخبر إلى يوسف المستنجد فأحضر أستاذ دار أبيه، وجماعة من الفراشين وأفرغ السلاح ودخل معهم الدار، وثار به الجواري فضرب إحداهن وأمكنها فهربوا وقبض على أخيه علي وأمه فحبسهما وقسم الجواري بين القتل والتغريق حتى إذا توفي المقتفي جلس للبيعة فبايعه أقاربه وأولهم عمه أبو طالب، ثم الوزير عون الدين بن هبيرة وقاضي

القضاة وأرباب الدولة والعلماء وخطب له. وأقر ابن هبيرة على الوزارة وأصحاب الولايات على ولايتهم، وأزال المكوس والضرائب، وقرب رئيس الرؤساء، وكان أستاذ دار فرفع منزلته عبد الواحد المقتفي، وبعث عن الأمير ترشك سنة ست وخمسين من بلد اللحف وكان مقتطعا بها فاستدعاه لقتال جمع من التركمان أفسدوا في نواحي البندنيجين فامتنع من المجيء وقال: يأتيني العسكر وأنا أقاتل بهم، فبعث إليه المستنجد العساكر مع جماعة من الأمراء فقتلوه وبعثوا برأسه إلى بغداد. ثم استولى بعد ذلك على قلعة الماهكي من يد مولى سنقر الهمذاني ولاه عليها سنقر وضعف عن مقاومة التركمان والأكراد حولها فاستنزله المستنجد عنها بخمسة عشر ألف دينار، وأقام ببغداد. وكانت هذه القلعة أيام المقتدر بأيدي التركمان والأكراد.

** فتنة خفاجة **

اجتمعت خفاجة سنة ست وخمسين إلى الحلة والكوفة وطالبوا برسومهم من الطعام والتمر، وكان مقطع الكوفة أرغش وشحنة الحلة قيصر، وهما من مماليك المستنجد فمنعوهما، فعاثوا في تلك البلاد والنواحي فخرجوا إليهم في أثرهم، واتبعوهم إلى الرحبة، فطلبوا الصلح فلم يجبهم أرغش ولا قيصر، فقاتلوهم فانهزمت العساكر، وقتل قيصر وخرج أرغش ودخل الرحبة، فاستأمن له شحنتها وبعثوه إلى بغداد.

ومات أكثر الناس عطشا في البرية وتجهز عون الدين بن هبيرة في العساكر لطلب خفاجة فدخلوا البرية ورجع، وانتهت خفاجة إلى البصرة وبعثوا بالعدو وسألوا الصلح فأجيبوا.

** إجلاء بني أسد من العراق **

كان في نفس المستنجد بالله من بني أسد أهل الحلة لفسادهم ومساعدتهم السلطان محمد في الحصار، فأمر يزدن بن قماج بإجلائهم من البلاد، وكانوا منبسطين في البطائح، فجمع العساكر وأرسل إلى ابن معروف فقدم السفن، وهو بأرض البصرة فجاءه في جموع وحاصرهم وطاولهم، فبعث المستنجد يعاتبه ويتهمه بالتشيع، فجهز هو وابن معروف في قتالهم، وسد مسالكهم في الماء فاستسلموا، وقتل منهم أربعة آلاف ونودي عليهم بالملا من الحلة فتفرقوا في البلاد، ولم يبق بالعراق منهم أحد وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف.

** الفتنة بواسط وما جرت إليه **

كان مقطع البصرة منكبرس من موالي المستنجد، وقتله سنة تسع وخمسين، وولى مكانه كمستكين، وكان ابن سنكاه ابن أخي شملة صاحب خوزستان، فانتهز الفرصة في البصرة ونهب قراها، وأمر كمستكين بقتاله فعجز عن إقامة العسكر وأصعد ابن سنكاه إلى واسط ونهب سوادها وكان مقطعها خلطوا برس [1] فجمع الجموع وخرج لقتاله، واستمال ابن سنكاه الأمراء الذين معه فخذلوه، وانهزم وقتله ابن سنكاه سنة إحدى وستين ثم قصد البصرة سنة اثنتين وستين ونهب جهتها الشرقية وخرج إليه كمستكين وواقعه، وسار ابن سنكاه إلى واسط وخافه الناس ولم يصل إليها.

** مسير شملة الى العراق **

سار شملة صاحب خوزستان إلى العراق سنة اثنتين وستين وانتهى إلى قلعة الماهكي وطلب من المستنجد إقطاع البلاد، واشتط في الطلب فبعث المستنجد العساكر لمنعه، وكتب إليه يحذره عاقبة الخلاف فاعتذر بأن إلدكز وربيبه السلطان أرسلان شاه أقطعا الملك الذي عنده، وهو ابن ملك شاه بلاده البصرة وواسط والحلة، وعرض التوقيع بذلك، وقال أنا أقنع بالثلث منه فأمر المستنجد حينئذ بلعنه، وأنه من الخوارج، وتعبت العساكر إلى أرغمش المسترشدي بالنعمانية والى شرف الدين أبي جعفر البلدي ناظر واسط ليجتمعا على قتال شملة، وكان شملة أرسل مليح ابن أخيه في عسكر لقتال بعض الأكراد فركب إليه أرغمش وأسره وبعض أصحابه، وبعث إلى بغداد، وطلب شملة الصلح فلم يجب إليه. ثم مات أرغمش من سقطة سقطها عن فرسه وبقي العسكر مقيما ورجع شملة إلى بلاده لأربعة أشهر من سفره.

** وفاة الوزير يحيى **

ثم توفي الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن المظفر بن هبيرة سنة ستين وخمسمائة في جمادى الأولى، وقبض المستنجد على أولاده وأهله وأقامت الوزارة بالنيابة. ثم استوزر المستنجد سنة ثلاث وستين شرف الدين، أبا جعفر أحمد بن محمد بن سعيد

المعروف بابن البلدي ناظر واسط وكان عضد الدين أبو الفرج بن دبيس قد تحكم في الدولة فأمره المستنجد بكف يده وأيدي أصحابه، وطالب الوزير أخاه تاج الدين بحساب عمله بنهر الملك من أيام المقتفي، وكذلك فعل بغيره، فخافه العمال وأهل الدولة وحصل بذلك أموالا جمة.

** وفاة المستنجد وخلافة المستضيء **

كان الخليفة المستنجد قد غلب على دولته استاذ دار عضد الدين ابو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وكان أكبر الأمراء ببغداد، وكان يرادفه قطب الدين قايماز المظفري [1] ولما ولى المستنجد أبا جعفر البلدي على وزارته غض من استاذ دار وعارضه في أحكامه فاستحكمت بينهما العداوة، وتنكر المستنجد لأستاذ دار وصاحبه قطب الدين، فكانا يتهمان بأن ذلك بسعاية الوزير. ومرض المستنجد سنة ست وستين وخمسمائة واشتد مرضه فتحيلا في إهلاكه، يقال إنهما واضعا [2] عليه الطبيب، وعلم أن هلاكه في الحمام فأشار عليه بدخوله فدخله، وأغلقوا عليه بابه فمات. وقيل كتب المستنجد إلى الوزير ابن البلدي بالقبض على أستاذ دار وقايماز وقتلهما، وأطلعهما الوزير على كتابه فاستدعيا يزدن وأخاه يتماش [3] وفاوضاهما وعرضا عليهما كتابه، واتفقوا على قتله فحملوه إلى الحمام وأغلقوا عليه الباب وهو يصيح إلى أن مات تاسع ربيع من سنة ست وستين لإحدى عشرة سنة من خلافته. ولما أرجف بموته قبل أن يقبض ركب الأمراء والأجناد متسلحين، وغشيتهم العامة واحتفت بهم، وبعث إليه أستاذ دار بأنه إنما كان غشيا عرضا، وقد أفاق أمير المؤمنين وخف ما به، فخشي الوزير من دخول الجند إلى دار الخلافة، فعاد إلى داره وافترق الناس. فعند ذلك أغلق أستاذ دار وقايماز أبواب الدار وأحضرا ابن المستنجد أبا محمد الحسن وبايعاه بالخلافة ولقباه المستضيء بأمر الله، وشرطا عليه أن يكون عضد الدين وزيرا وابنه كمال الدين أستاذ دار وقطب الدين قايماز أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، وبايعه أهل بيته البيعة الخاصة. ثم توفي المستنجد وبايعه الناس من الغد في التاج البيعة العامة، وأظهر

العدل وبذل الأموال وسقط في يد الوزير وندم ما فرط، واستدعي للبيعة، فلما دخل قتلوه وقبض المستضيء على القاضي ابن مزاحم وكان ظلوما جائرا واستصفاه ورد الظلامات منه على أربابها، وولى أبا بكر بن نصر بن العطار صاحب المخزن ولقبه ظهير الدين.

** انقراض الدولة العلوية بمصر وعود الدعوة العباسية إليها **

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com