John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 17

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 29 of 67

كان أبو عبد الله البريدي بعد هربه إلى البصرة من واسط أنفذ جيشا إلى المدار، فبعث إلى لقائهم جيشا من واسط عليهم توزون انتخب له الكرة، فظفر بجيش ابن البريدي ولقي يحكم خبره في الطريق فسر بذلك، وذهب يتصيد فبلغ نهر جور، وعثر في طريقه ببعض الأكراد فشره [1] لغزوهم، وقصدهم في خف من أصحابه وهربوا بين يديه وهو يرشقهم بسهامه، وجاءه غلام منهم من خلفه فطعنه فقتله. واختلف عسكره فمضى الديلم فكانوا ألفا وخمسمائة إلى ابن البريدي، وقد كان عزم على الهرب من البصرة، فبعث لقدومهم وضاعف أرزاقهم وأدرها عليهم، وذهب الأتراك إلى واسط وأطلقوا بكتيك [2] من حبسه وولوه عليهم، فسار بهم إلى بغداد في خدمة المتقي وحصر ما كان في دار يحكم من الأموال والدواوين فكانت ألف ألف ومائة ألف دينار ومدة إمارته سنتان وثمانية أشهر.

** امارة البريدي ببغداد وعوده إلى واسط **

لما قتل يحكم قدم الديلم عليهم بكشوار بن ملك بن مسافر [3] ومسافر هو ابن سلا وصاحب الطرم الذي ملك ولده بعده أذربيجان، وقاتلهم الأتراك فقتلوه، فقدم الديلم عليهم مكانه كورتين منهم. وقدم الأتراك عليهم بكتيك مولى يحكم، وانحدر الديلم إلى أبي عبد الله بن البريدي فقوي بهم، وأصعدوا إلى واسط. وأرسل المتقي إليهم مائة وخمسين ألف دينار على أن يرجعوا عنها. ثم قسم في الأتراك في أجناد بغداد أربعمائة ألف دينار من مال يحكم. وقدم عليهم سلامة الطولوني وبرز بهم المتقي إلى نهر دبالي [4] آخر شعبان سنة ست وعشرين. وسار ابن البريدي من واسط فأشفق أتراك يحكم، ولحق بعضهم بابن البريدي، وسار آخرون إلى الموصل منهم توزون وجحجح. واختفى سلامة الطولوني. وأبو عبد الله الكوفي، ودخل أبو عبد الله البريدي بغداد أول رمضان ونزل بالشفيعي ولقيه الوزير أبو الحسين بن ميمون

والكتاب والقضاة وأعيان الناس، وبعث إليه المتقى بالتهنئة والطعام، وكان يخاطب بالوزير. ثم قبض على الوزير أبي الحسين لشهرين من وزارته وحبسه بالبصرة وطلب من المتقي خمسمائة ألف دينار للجند، وهدده بما وقع للمعتز والمستعين والمهتدي، فبعث بها إليه ولم يلقه مدة مقامه ببغداد. ولما وصله المال من المتقي شغب الجند عليه في طلبه وجاء الديلم إلى دار لأخيه أبي الحسين، ثم انضم إليهم الترك، وقصدوا دار أبي عبد الله، فقطع الجسر ووثب العامة على أصحابه، وهرب هو وأخوه وابنه أبو القاسم وأصحابهم، وانحدروا إلى واسط وذلك سلخ رمضان لأربعة وعشرين يوما من قدومه.

** امارة كورتكين الديلمي **

ولما هرب ابن البريدي استولى كورتكين على الأمور ببغداد ودخل إلى المتقي، فقلده إمارة الأمراء، وأحضر علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن فدبر الأمور ولم يسمهما بوزارة واستوزر أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي القراريطي، وولى على الحجبة بدرا الجواشيني. ثم قبض كورتكين على بكتيك مقدم الأتراك خامس شوال، وغرقه واقتتل الأتراك والديلم وقتل بينهما خلق، وانفرد كورتكين بالأمر وقبض على الوزير أبي إسحاق القراريطي لشهر ونصف من وزارته، وولى مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي.

** عود ابن رائق إلى بغداد **

قد تقدم لنا أن جماعة من أتراك يحكم لما انفضوا عن المتقي ساروا إلى الموصل، ثم ساروا منها إلى ابن رائق بالشام، وكان من قوادهم توزون وجحجح وكورتكين وصيقوان [1] فأطمعوه في بغداد. ثم جاءته كتب المتقي يستدعيه، فسار آخر رمضان واستخلف بالشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل وتنحى ناصر الدولة بن حمدان على طريقه. ثم حمل إليه مائة ألف دينار وصالحه، وبلغ الخبر إلى أبي عبد الله بن البريدي، فبعث إخوته إلى واسط وأخرج الديلم عنها وخطبوا له بها. وخرج

كورتكين عن بغداد إلى عكبرا فقاتله ابن رائق أياما ثم أسرى له ليلة عرفة فأصبح ببغداد من الجانب الغربي ولقي الخليفة وركب معه في دجلة، ووصل كورتكين آخر النهار فركب ابن رائق لقتاله وهو مرجل، واعتزم على العود إلى الشام [1] ، ثم طائفة من عسكره ليعبروا دجلة ويأتوا من ورائهم، وصاحت العامة مع ابن رائق بكورتكين وأصحابه ورجموهم، فانهزموا واستأمن منهم نحو أربعمائة فقتلوا وقتل قواده، وخلع المتقي على ابن رائق وولاه أمير الأمراء، وعزل الوزير أبا جعفر الكرخي لشهر من ولايته، وولى مكانه أحمد الكوفي وظفر بكورتكين فحبسه بدار الخلافة.

** وزارة ابن البريدي واستيلاؤه على بغداد وفرار المتقي الى الموصل **

لما استقر ابن رائق في إمارة الأمراء بدمشق ببغداد أخر ابن البريدي حمل المال من واسط، فانحدر إليه في العساكر في عاشوراء من سنة ثلاثين، وهرب بنو البريدي إلى البصرة. ثم سعى أبو عبد الله الكوفي بينهم وبين ابن رائق، وضمن واسط بستمائة ألف دينار وبقاياها بمائتي ألف. ورجع ابن رائق إلى بغداد فشغبت عليه الجند، وفيهم تورون وأصحابه. ثم انفضوا آخر ربيع إلى أبي عبد الله بواسط، فقوي بهم وذهب ابن رائق إلى مداراته، فكاتبه بالوزارة واستخلف عليها أبا عبد الله بن شيرزاد. ثم انتقض واعتزم على المسير إلى بغداد في جميع الأتراك والديلم. وعزم ابن رائق على التحصن بدار الخلافة، ونصب عليها المجانيق والعرادات، وجند العامة، فوقع الهرج، وخرج بالمتقي إلى نهر دبالي منتصف جمادى الآخرة. وأتاهم أبو الحسين في الماء والبر فهزمهم ودخل دار الخلافة، وهرب المتقي وابنه أبو منصور وابن رائق إلى الموصل لستة أشهر من إمارته. واختفى الوزير القراريطي ونهبت دار الخليفة، ودور الحرم، وعظم الهرج، وأخذ كورتكين من محبسه فأنفذ إلى واسط، ولم يتعرضوا للقاهر. وكان نزل أبو الحسن بدار الخلافة وجعل توزون على الشرطة بالجانب الغربي، وأخذ رهائن القواد توزون وغيره وبعث بنسائهم وأولادهم إلى

أخيه عبد الله بواسط. وعظم النهب ببغداد وترك دورهم وفرضت المكوس في الأسواق خمسة دنانير على الكر فغلت الأسعار، وانتهى إلى ثلاثمائة دينار الكر، وجاءت ميرة من الكوفة وأخذت فقيل إنها لعامل الكوفة، وأخذها عامل بغداد وكان معه جماعة من القرامطة فقاتلهم الأتراك وهزموهم، ووقعت الحرب بين العامة والديلم فقتل خلق من العامة، واختفى العمال لمطاولة الجند إلى الضواحي ينتهبون الزرع بسنبله عند حصاده، وساءت أحوال بغداد وكثرت نقمات الله فيهم.

** مقتل ابن رائق وولاية ابن حمدان مكانه **

كان المتقي قد بعث إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على ابن البريدي عند ما قصد بغداد، فأمده بعسكر مع أخيه سيف الدولة، فلقيه بتكريت منهزما ورجع معه إلى الموصل. وخرج ناصر الدولة عن الموصل حتى حلف له ابن رائق واتفقا، فجاء وتركه شرقي دجلة وعبر إليه أبو منصور المتقي وابن رائق فبالغ في تكرمتهما. فلما ركب ابن المتقي قال لابن رائق: أقم نتحدث في رأينا فذهبا إلى الاعتذار، وألح عليه ناصر الدولة فاستراب وجذب يده وقصد الركوب، فسقط فأمر ناصر الدولة بقتله وإلقائه في دجلة، وبعث إلى المتقي بالعذر وأحسن القول، وركب إليه فولاه أمير الأمراء ولقبه ناصر الدولة وذلك مستهل شعبان من سنة ثلاثين، وخلع على أخيه أبي الحسن ولقبه بسيف الدولة، فلما قتل ابن رائق سار الإخشيد من مصر إلى دمشق وبها محمد بن يزداد من قبل ابن رائق فاستأمن إليه وملك الإخشيد دمشق وأقر ابن يزداد عليها ثم نقله إلى شرطة مصر.

** عود المتقي إلى بغداد وفرار البريدي **

لما استولى أبو الحسين البريدي على بغداد وأساء السيرة كما مر، امتلأت القلوب منه نفرة، فلما قتل ابن رائق أخذ الجند في الفرار عنه والانتقاض عليه، ففر جحجح إلى المتقي واعتزم تورون وأنوش تكين والأتراك على كبس أبي الحسين البريدي. وزحف تورون لذلك في الديلم فخالفه أنوش تكين في الأتراك فذهب تورون إلى الموصل فقوي بهم ابن حمدان والمتقي وانحدروا إلى بغداد، وولى ابن حمدان على أعمال الخراج والضياع بديار مضر، وهي الرها وحران. ولقيا أبا الحسن أحمد بن علي بن

مقاتل، فاقتتلوا وقتل ابن مقاتل واستولى ابن طباب عليها. ولما وصل المتقي وابن حمدان إلى بغداد هرب أبو الحسين ابن البريدي منها إلى واسط لثلاثة أشهر وعشرين يوما من دخوله، واضطربت العامة وكثر النهب ودخل المتقي وابن حمدان في العساكر في شوال من السنة. وأعاد أبا إسحاق القراريطي إلى الوزارة، وولى توزون على الشرطة. ثم سار إليهم أبو الحسين البريدي، فخرج بنو حمدان للقائهم وانتهوا إلى المدائن، فأقام بها ناصر الدولة، وبعث أخاه سيف الدولة وابن عمه أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، فاقتتلوا عنده أياما، وانهزم سيف الدولة أولا، ثم أمدهم ناصر الدولة بالقواد الذين كانوا معه وجحجح بالأتراك، وعاودوا القتال فانهزم أبو الحسين إلى واسط، وأقصر سيف الدولة عن اتباعه لما أصاب أصحابه من الوهن والجراح. وعاد ناصر الدولة إلى بغداد منتصف ذي الحجة. ثم سار سيف الدولة إلى واسط وهرب بنو البريدي عنها إلى البصرة فملكها وأقام بها.

** استيلاء الديلم على أذربيجان **

كانت أذربيجان بيد ديسم بن إبراهيم الكردي من أصحاب يوسف بن أبي الساج، وكان أبوه من أصحاب هارون الشاري من الخوارج. ولما قتل هارون لحق بأذربيجان وشرد في الأكراد فولد له ديسم هذا فكبر وخدم ابن أبي الساج، وتقدم عنده إلى أن ملك بعدهم أذربيجان. وجاء السيكري خليفة وشمكير في الجبل سنة ست وعشرين وغلبه على أذربيجان. ثم سار هو إلى وشمكير وضمن له طاعة ومالا، واستمده فأمده بعسكر من الديلم وساروا معه، فغلب السيكري وطرده وملك البلاد، وكان معظم جيشه الأكراد فتغلبوا على بعض قلاعه فاستكثر من الديلم وفيهم صعلوك بن محمد بن مسافر بن الفضل وغيرهما [1] . فاستظهر بهم وانتزع من الأكراد ما تغلبوا عليه، وقبض على جماعة من رؤسائهم. وكان وزيره أبو القاسم علي ابن جعفر قد ارتاب منه، فهرب إلى الطرم وبها محمد بن مسافر من أمراء الديلم وقد انتقض عليه ابناه وهشودان والمرزبان واستوليا على بعض قلاعه، ثم قبض على أبيهما محمد وانتزعا أمواله وذخائره وتركاه في حصنه سليبا فريدا، فقصد علي بن جعفر

المرزبان وأطمعه في أذربيجان، فقلده وزارته وكانت نحلتهما في التشيع واحدة، لأن علي بن جعفر كان من الباطنية والمرزبان من الديلم وهم شيعة. وكاتب علي بن جعفر أصحاب ديسم واستمالهم واستفسدهم عليه وخصوصا الديلم، ثم التفتوا للحرب وجاء الديلم إلى المرزبان واستأمن معهم كثير من الأكراد، وهرب ديسم في فل من أصحابه إلى أرمينية واستجار بجاحق بن الديواني فأجاره وأكرمه، وندم على ما فرط في إبعاد الأكراد وهم على مذهبه في الخارجية. وملك المرزبان أذربيجان واستولى عليها. ثم استوحش منه علي بن جعفر وزير ديسم وتنكر له أصحاب المرزبان، فأطمعه المرزبان فأخذ أموالهم وحملهم على طاعة ديسم، وقتل الديلم عندهم من جند المرزبان ففعلوا. وجاء ديسم فملكها وفر إليه من كان عند المرزبان حتى اشتد عليه الحصار، واستصلح أثناء ذلك الوزير علي بن جعفر، ثم خرجوا من توزير [1] ، ولحق ديسم بأردبيل، وجاء علي بن جعفر إلى المرزبان. ثم حاصر المرزبان أردبيل حتى نزل له ديسم على الأمان وملكها صلحا. وملك توزير كذلك، ووفى له، ثم طلب ديسم أن يبعثه إلى قلعته بالطرم فبعثه بأهله وولده وأقام هنالك.

** خبر سيف الدولة بواسط **

لما فر بنو البريدي عن واسط إلى البصرة ونزل بها سيف الدولة أراد الانحدار خلفهم لانتزاع البصرة منهم، واستمد أخاه ناصر الدولة فأمده بمال مع أبي عبد الله الكوفي، وكان تورون وجحجح يستطيلان عليه، فأراد الاستئثار بالمال فرده سيف الدولة مع الكوفي إلى أخيه، وأذن لتورون في مال الجامدة ولجحجح في مال المدار.

وكان من قبل يراسل الأتراك وملك الشام ومصر معه فلا يجيبونه. ثم ثاروا عليه في شعبان من سنة إحدى وثلاثين، فهرب من معسكره ونهب سواده وقتل جماعة من أصحابه. وكان ناصر الدولة لما أخبره أبو عبد الله الكوفي بخبر أخيه في واسط، برز يسير إلى الموصل، وركب إليه المتقي يستمهله، فوقف حتى عاد وأغذ السير لثلاثة عشر شهرا من إمارته، فثار الديلم والأتراك ونهبوا داره، ودبر الأمور أبو إسحاق القراريطي من غير لقب الوزارة. وعزل أبو العباس الأصبهاني لأحد وخمسين يوما من وزارته، ثم تنازع الإمارة بواسط بعد سيف الدولة تورون وجحجح، واستقر الحال

أن يكون تورون أميرا وجحجح صاحب الجيش. ثم طمع ابن البريدي في واسط وأصعد إليها وطلب من تورون أن يضمنه إياها، فرده ردا جميلا. وكان قد سار جحجح لمدافعته فمر به الرسول في طريقه وحادثة طويلا، وسعى إلى تورون بأنه لحق بابن البريدي فأسرى إليه وكبسه منتصف رمضان، فقبض عليه وجاء به إلى واسط فسمله، وبلغ الخبر إلى سيف الدولة وكان لحق بأخيه، فعاد إلى بغداد منتصف رمضان، وطلب المال من المتقي لمدافعة تورون، فبعث أربعمائة ألف درهم وفرقها في أصحابه وظهر له من كان مستخفيا ببغداد وجاء تورون من واسط بعد أن خلف بها كيغلغ. فلما أحس به سيف الدولة رحل فيمن انضم إليه من أجناد واسط وفيهم الحسن بن هارون، وسار إلى الموصل ولم يعاود بنو حمدان بعدها بغداد.

** امارة تورون ثم وحشته مع المتقي **

لما سار سيف الدولة عن بغداد دخلها تورون آخر رمضان سنة إحدى وثلاثين، فولاه المتقي أمير الأمراء، وجعل النظر في الوزارة لأبي جعفر الكرخي كما كان الكوفي.

ولما سار تورون عن واسط خالفه إليها البريدي فملكها. ثم انحدر تورون أول ذي القعدة لقتل البريدي، وقد كان يوسف بن وجيه صاحب عمان سار في المراكب إلى البصرة، وحارب ابن البريدي حتى أشرفوا على الهلاك. ثم احترقت مراكب عمان بحيلة دبرها بعض الملاحين ونهب منها مال عظيم. ورجع يوسف بن وجيه مهزوما في المحرم سنة اثنتين وثلاثين، وهرب في هذه الفتنة أبو جعفر بن شيرزاد من تورون فاشتمل عليه، وكان تورون عند إصعاده من بغداد استخلف مكانه محمد بن ينال الترجمان. ثم تنكر فارتاب محمد، وارتاب الوزير أبو الحسن بن مقلة بمكان ابن شيرزاد من تورون وخافا غائلته وخوفا المتقي كذلك، وأوهماه أن البريدي ضمنه من تورون بخمسمائة ألف دينار التي أخذها من تركة يحكم، وأن ابن شيرزاد جاء عن البريدي ليخلفه ويسلمه، فانزعج لذلك وعزم على المسير إلى ابن حمدان، وكتبوا إليه أن ينفذ عسكرا يسير صحبته.

** مسير المتقي إلى الموصل **

ولما تمت سعاية ابن مقلة وابن ينال بتورون مع المتقي اتفق وصول ابن شيرزاد إلى بغداد أول اثنتين وثلاثين في ثلاثمائة فارس، وأقام بدست الأمر والنهي لا يعرج على

المتقي في شيء. وكان المتقي قد طلب من ناصر الدولة بن حمدان عسكرا يصحبه إلى الموصل، فبعثهم ابن عمه ابو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، فلما وصلوا بغداد اختفى ابن شيرزاد وخرج المتقي إليهم في حرمه وولده، ومعه وزيره وأعيان دولته مثل سلامة الطولوني وأبي زكريا يحيى بن سعيد السوسي وأبي محمد المارداني وأبي إسحاق القراريطي وأبي عبد الله الموسوي وثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب، وأبي نصر بن محمد بن ينال الترجمان. وساروا إلى تكريت وظهر ابن شيرزاد في بغداد، وظلم الناس وصادرهم، وبعث إلى تورون في واسط بخبر المتقي، فعقد ضمان واسط على ابن البريدي، وزوجه ابنته، وسار إلى بغداد. وجاء سيف الدولة إلى المتقي بتكريت. ثم بعث المتقي إلى ناصر الدولة يستحثه، فوصل اليه في ربيع الآخر، وركب المتقي من تكريت إلى الموصل، وأقام هو بتكريت. وسار تورون لحربه فتقدم إليه أخوه سيف الدولة فاقتتلوا أياما. ثم انهزم سيف الدولة وغنم تورون سواده وسواد أخيه، ولحقوا بالموصل وتورون في اتباعهم. ثم ساروا عنها مع المتقي إلى نصيبين، ودخل تورون الموصل ولحق المتقي بالرقة، وراسل تورون بأن وحشته لأجل ابن البريدي، وأن رضاه في إصلاح بني حمدان، فصالحهما تورون وعقد الضمان لناصر الدولة على ما بيده من البلاد لثلاث سنين بثلاثة آلاف وستمائة ألف درهم لكل سنة، وعاد تورون إلى بغداد وأقام المتقي وبنو حمدان بالرقة.

** مسير ابن بويه الى واسط وعوده عنها ثم استيلاؤه عليها **

كان معز الدولة بن بويه بالأهواز، وكان ابن البريدي يطمعه في كل وقت في ملك العراق، وكان قد وعده أن يمده واسط. فلما أصعد تورون إلى الموصل خالفه معز الدولة إلى واسط وأخلف ابن البريدي وعده في المدد. وعاد تورون من الموصل إلى بغداد، وانحدر منها للقاء معز الدولة منتصف ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثين، واقتتلوا بقباب حميد بضعة عشر يوما. ثم تأخر تورون إلى نهر ديالى فعبره ومنع الديلم من عبوره بمن كان معه من المقاتلة في الماء، وذهب ابن بويه ليصعد ويتمكن من الماء، فبعث تورون بعض أصحابه فعبروا ديالى وكمنوا له حتى إذا صار مصعدا خرجوا عليه على غير أهبه، فانهزم هو ووزيره الصهيري [1] وأسر منهم أربعة عشر

قائدا واستأمن كثير من الديلم إلى تورون، ولحق ابن بويه والصهيري بالسوس. ثم عاد إلى واسط ثانية فملكها ولحق أصحاب بني البريدي بالبصرة.

** قتل ابن البريدي أخاه ثم وفاته **

كان أبو عبد الله بن البريدي قد استهلك أمواله في هذه النوائب التي تنوبه، واستقرض من أخيه أبي يوسف مرة بعد مرة، وكان أثرى منه ومال الجند إليه لثروته. وكان يعيب على أخيه تبذيره وسوء تدبيره. ثم نمي الخبر إليه أنه يريد المكر به، والاستبداد بالأمر. وتنكر كل واحد منهما للآخر، ثم أكمن أبو عبد الله غلمانه في طريق أبي يوسف فقتلوه، وشغب الجند لذلك فأراهم شلوه فافترقوا، ودخل دار أخيه وأخذ ما فيها من الأموال، وجواهر نفيسة كان باعها له بخمسين ألف درهم، وكان أصلها ليحكم وهبها لبنته حين زوجها له، وأخذ يحكم من دار الخلافة، فاحتاج إليها أبو عبد الله بعد فباعها له وبخسه أبو يوسف في قيمتها. وكان ذلك من دواعي العداوة بينهما. ثم هلك أبو عبد الله بعد مهلك أخيه بثمانية أشهر، وقام بالأمر بعده بالبصرة أخوهما أبو الحسن، فأساء السيرة في الجند فثاروا به ليقتلوه، فهرب منهم إلى هجر مستجيرا بالقرامطة، وولوا عليهم بالبصرة أبا القاسم ابن أخيه أبي عبد الله، وأمد أبو طاهر القرمطي أبا الحسن، وبعث معه أخويه لحصار البصرة فامتنعت عليهم، وأصلحوا بين أبي القاسم وعمه، ودخل البصرة وسار منها إلى تورون ببغداد. ثم طمع يأنس مولى أبي عبد الله في الرئاسة وداخل بعض قواد الديلم في الثورة بأبي القاسم، واجتمع الديلم إلى القائد وبعث أبو القاسم وليه يأنس فهم به ليفرد بالأمر، فهرب يأنس واختفى وتفرق الديلم واختفى القائد. ثم قبض عليه ونفاه وقبض على يأنس بعد أيام وصادره على مائة ألف دينار، وقتله. ولما قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداد مستأمنا إلى تورون فأمنه وطلب الإمداد على ابن أخيه، وبذل في ذلك أموالا. ثم بعث ابن أخيه من البصرة بالأموال فأقره على عمله وشعر أبو الحسن بذلك فسعى عند ابن تورون في ابن شيرزاد إلى أن قبض عليه، وضرب واستظهر أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي بفتاوى الفقهاء والقضاة بإباحة دم أبي الحسين، كانت عنده من أيام ناصر الدولة، وأحضروا بدار المتقي وسئلوا عن فتاويهم، فاعترفوا بأنهم أفتوا بها، فقتل وصلب ثم أحرق ونهب داره. وكان ذلك منتصف ذي الحجة من السنة، وكان ذلك آخر أمر البريديين.

** الصوائف أيام المتقي **

خرج الروم سنة ثلاثين أيام المتقي وانتهوا إلى قرب حلب فعاثوا في البلاد وبلغ سبيهم خمسة آلاف. وفيها دخل ثمل من ناحية طرسوس فعاث في بلاد الروم، وامتلأت أيدي عسكره من الغنائم، وأسر عدة من بطارقتهم. وفي سنة إحدى وثلاثين بعث ملك الروم إلى المتقي يطلب منه منديلا في بيعة الرها زعموا أن المسيح مسح به وجهه، فارتسمت فيه صورته، وأنه يطلق فيه عددا كثيرا من أسرى المسلمين، واختلف الفقهاء والقضاة في إسعافه بذلك، وفيه غضاضة أو منعه ويبقى المسلمون بحال الأسر. فأشار عليه علي ابن عيسى بإسعافه لخلاص المسلمين، فأمر المتقي بتسليمه إليهم. وبعث إلى ملك الروم من يقوم بتسليم الأسرى. وفي سنة اثنتين وثلاثين خرجت طوارق من الروس [1] في البحر إلى نواحي أذربيجان، ودخلوا في نهر اللكز إلى بردعة. وبها نائب المرزبان ابن محمد بن مسافر ملك الديلم بأذربيجان، فخرج في جموع الديلم والمطوعة فقتلوهم، وقاتلوهم فهزموهم الروس وملكوا البلد، وجاءت العساكر الإسلامية من كل ناحية لقتالهم فامتنعوا بها، ورماهم بعض العامة بالحجارة فأخرجوهم من البلد وقاتلوا من بقي، وغنموا أموالهم واستبدوا بأولادهم ونساءهم. واستنفر المرزبان الناس وزحف إليهم في ثلاثين ألفا، فقاتلوهم فامتنعوا عليه فأكمن لهم بعض الأيام فهزمهم وقتل أميرهم، ونجا الباقون إلى حصن البلد، وحاصرهم المرزبان وصابرهم. ثم جاءه الخبر بأن أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان بلغ سلماس موجها إلى أذربيجان بعثه إليها ابن عمه ناصر الدولة ليتملكها، فجهز عسكرا لحصار الروس في بردعة، وسار إلى قتال ابن حمدان. فارتحل ابن حمدان راجعا إلى ابن عمه باستدعائه بالانحدار إلى بغداد. لما مات تورون وأقام العسكر على حصار الروس ببردعة، حتى هربوا من البلد وحملوا ما قدروا عليه، وطهر الله البلد منهم. وفيها ملك الروم رأس عين واستباحوها ثلاثا وقاتلهم الأعراب ففارقوها.

** الولايات أيام المتقى **

قد تقدم لنا أنه لم يكن بقي في تصريف الخليفة إلا أعمال الأهواز والبصرة وواسط والجزيرة والموصل لبني حمدان. واستولى معز الدولة على الأهواز ثم على واسط، وبقيت البصرة بيد أبي عبد الله بن البريدي واستولى على بغداد مع المتقى يحكم، ثم ابن البريدي، ثم تورتكين الديلمي، ثم ابن رائق ثانية، ثم ابن البريدي ثانية، ثم حمدان، ثم تورون. يختلفون على المتقى واحدا بعد واحد، وهو مغلب لهم والحل والعقد والإبرام والنقض بأيديهم، ووزير الخليفة عامل من عمالهم متصرف تحت أحكامهم، وآخر من دبر الأمور أبو عبد الله الكوفي كاتب تورون، وكان قبله كاتب ابن رائق، وكان على الحجبة بدر بن الجرسي، فعزل عنها سنة ثلاثين وجعل مكانه سلامة الطولوني وولي بدر طريق الفرات ففزع إلى الإخشيد واستأمن إليه فولاه دمشق. وكان من المستبدين في النواحي يوسف بن وجيه، وكان صاحب الشرطة ببغداد أبا العباس الديلمي.

** خلع المتقي وولاية المستكفي **

لم يزل المتقي عند بني حمدان من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين إلى آخر السنة، ثم آنس منهم الضجر واضطر لمراجعة تورون، فأرسل إليه الحسن بن هارون وأبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي في الصلح، وكتب إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر يستقدمه، فجاءه وانتهى إلى حلب وبها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان من قبل ابن عمه ناصر الدولة، فارتحل عنها وتخلف عنه ابن مقاتل، وقد كان صادره ناصر الدولة على خمسين ألف دينار، فاستقدم الإخشيد وولاه خراج مصر. وسار الإخشيد من حلب ولقي المتقي بالرقة، وأهدى إليه والي الوزير بن الحسين بن مقلة وسائر الحاشية، واجتهد به أن يسير معه إلى مصر ليقيم خلافته هنالك فأبى، فخوفه من تورون فلم يقبل. وأشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى مصر فيحكمه في البلاد فأبى، وكانوا ينتظرون عود رسلهم من تورون، فبعثوا إليهم بيمين تورون والوزير ابن شيرزاد بمحضر القضاة والعدول والعباسيين والعلويين وغيرهم من طبقات الناس. وجاء الكتاب بخطوطهم بذلك وتأكيد اليمين، ففارق المتقي

الإخشيد وانحدر من الوقت في الفرات آخر المحرم سنة ثلاث وثلاثين، ولقيه تورون بالسندية فقبل الأرض وقال: قد وفيت بيميني! ووكل به وبأصحابه وأنزله في خيمته. ثم سمله لثلاث سنين ونصف من خلافته، وأحضر أبا القاسم عبد الله بن المكتفي فبايعه الناس على طبقاتهم، ولقب المستكفي، وجيء بالمتقي فبايعه وأخذت منه البردة والقضيب واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السامري، فكان له اسم الوزارة على سنن من قبله، والأمور راجعة لابن شيرزاد كاتب تورون. ثم خلع المستكفي على تورون وتوجه وحبس المتقي. وطلب أبا القاسم الفضل بن المقتدر الذي لقب فيما بعد بالمطيع، فاختفى سائر أيامه وهدمت داره.

** وفاة توزون وامارة ابن شيرزاد **

وفي المحرم من سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة مات توزون ببغداد لست سنين وخمسة أشهر من إمارته، وكان ابن شيرزاد كاتبه أيامه كلها، وبعثه قبل موته لاستخلاص الأموال من هيت. فلما بلغه خبر الوفاة عزم على عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان، فأبى الجند من ذلك واضطربوا وعقدوا له الرئاسة عليهم، واجتمعوا عليه وحلفوا، وبعث إلى المستكفي ليحلف له، فأجابه وجلف له بحضرة القضاة والعدول، ودخل إليه ابن شيرزاد فولاه أمير الأمراء، وزاد في الأرزاق زيادة متسعة فضاقت عليه الأموال، فبعث أبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي إلى ابن حمدان يطالبه بالمال ويعده بإمارة الأمراء، فأنفذ إليه خمسمائة ألف درهم وطعاما. وفرقها في الجند فلم تكف ففرض الأموال على العمال والكتاب والتجار لأرزاق الجند، ومدت الأيدي إلى أموال الناس، وفشا الظلم وظهرت اللصوص وكبسوا المنازل، وأخذ الناس في الخلاص من بغداد. ثم استعمل على واسط ينال كوشه، وعلى تكريت الفتح السيكري، فسار إلى ابن حمدان ودعا له شكرا فولاه عليها من قبله.

** استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد واندراج أحكام الخلافة في سلطانهم **

قد تقدم لنا استبداد أهل النواحي على الخلافة منذ أيام المتوكل، ولم يزل نطاق الدولة العباسية يتضايق شيئا فشيئا، وأهل الدولة يستبدون واحدا بعد واحد إلى أن

أحاطوا ببغداد وصاروا ولاة متعددة يفرد كل واحد منهم بالذكر وسياقة الخبر إلى آخرها. وكان من أقرب المستبدين إلى مقر الخلافة بنو بويه بأصبهان وفارس، ومعز الدولة منهم بالأهواز. وقد تغلب على واسط، ثم انتزعت منه. وبنو حمدان بالموصل والجزيرة، وقد تغلب على هيت وصارت تحت ملكهم، ولم يبق للخلفاء إلا بغداد ونواحيها ما بين دجلة والفرات وأمراؤهم مع ذلك مستبدون عليهم، ويسمون القائم بدولتهم أمير الأمراء كما مر في أخبارهم إلى أن انتهى ذلك إلى دولة المتقي والقائم بها ابن شيرزاد. وولي على واسط ينال كوشه كما قلنا فانحرف عن ابن شيرزاد وكاتب معز الدولة، وقام بدعوته في واسط واستدعاه لملك بغداد. فزحف في عساكر الديلم إليها ولقيه ابن شيرزاد والأتراك وهربوا إلى ابن حمدان بالموصل، واختفى المستكفي وقدم معز الدولة كاتبه الحسن بن محمد المهلبي إلى بغداد، فدخلها وظهر الخليفة، فظهر عنده المهلبي وجدد له البيعة عن معز الدولة أحمد بن بويه، وعن أخويه عماد الدولة علي وركن الدولة الحسن. وولاهم المستكفي على أعمالهم ولقبهم بهذه الألقاب ورسمها على سكته. ثم جاءه معز الدولة إلى بغداد وملكها، وصرف الخليفة في حكمه، واختص باسم السلطان. فبقيت أخبار الدولة إنما تؤثر عنهم، وإن كان منها ما يختص بالخليفة فقليل. فلذلك صارت أخبار هؤلاء الخلفاء منذ المستكفي إلى المتقي مندرجة في أخبار بني بويه والسلجوقية من بعدهم لعطلهم من التصرف إلا قليلا يختص بالخلفاء نحن ذاكروه ونرجئ بقية أخبارهم إلى أخبار الديلم والسلجوقية الغالبين على الدولة عند ما نفرد دولتهم كما شرطناه.

** الخبر عن الخلفاء من بني العباس المغلبين لدولة بني بويه من السلجوقية من بعدهم من لدن المستكفي إلى المتقي وما لهم من الأحوال الخاصة بهم ببغداد ونواحيها **

لما دخل معز الدولة بن بويه إلى بغداد غلب على المستكفي وبقي في كفالته، وكان المستكفي في سنة ثلاث وثلاثين قبلها قبض على كاتبه أبي عبد الله بن أبي سليمان، وعلى أخيه، واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي في خاص أمره،

وكان قبله كاتبا لابن حمدان، وكان يكتب للمستكفي قبل الخلافة. فلما نصب للخلافة قدم من الموصل فاستكتبه المستكفي في هذه السنة على وزيره أبي الفرج لاثنتين وأربعين يوما من وزارته، وصادره على ثلاثمائة ألف درهم. ولما استولى معز الدولة ببغداد على الأمر وبعث أبو القاسم البريدي صاحب البصرة ضمن واسط وأعمالها وعقد له عليها.

** خلع المستكفي وبيعة المطيع **

وأقام المستكفي بعد استيلاء معز الدولة على الأمر أشهرا قلائل، ثم بلغ معز الدولة أن المستكفي يسعى في إقامة غيره، فتنكر له، ثم أجلسه في يوم مشهود لحضور رسول من صاحب خراسان، وحضر هو في قومه وعشيرته، وأمر رجلين من نقباء الديلم جاءا ليقبلا يد المستكفي، ثم جذباه عن سريره وساقاه ماشيا. وركب معز الدولة وجاء به إلى داره فاعتقله بها، واضطرب الناس وعظم النهب ونهب دار الخلافة، وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي، وكان ذلك في جمادى الآخرة لسنة وأربعة أشهر من خلافته. ثم بويع أبو القاسم الفضل بن المقتدر، وقد كان المستكفي طلبه حين ولي لاطلاعه على شأنه في طلب الخلافة، فلم يظفر به واختفى. فلما جاء معز الدولة تحول إلى داره واختفى عنده، فلما قبض على المستكفي بويع له ولقب المطيع لله، ثم أحضر المستكفي عنده فأشهد على نفسه بالخلع، وسلم عليه بالخلافة، ولم يبق للخليفة من الأمر شيء البتة منذ أيام معز الدولة. ونظر وزير الخليفة مقصور على أقطاعه ونفقات داره والوزارة منسوبة إلى معز الدولة وقومه من الديلم شيعة للعلوية منذ إسلامهم على يد الأطروش، فلم يكونوا من شيعة العباسية في شيء ولقد يقال بأن معز الدولة اعتزم على نقل الخلافة منهم إلى العلوية، فقال له بعض أصحابه.

لا تول أحدا يشركك قومك كلهم في محبته والاشتمال عليه، وربما يصير لهم دونك، فأعرض عن ذلك وسلبهم الأمر والنهي، وتسلم عماله وجنده من الديلم وغيرهم أعمال العراق وسائر أراضيه، وصار الخليفة إنما يتناول منه ما يقطعه معز الدولة ومن بعده فما يسد بعض حاجاته. نعم إنهم كانوا يفردونهم بالسرير والمنبر والسكة والختم على الرسائل والصكوك والجلوس للوفد وإجلالهم في التحية والخطاب، وكل ذلك طوع القائم على الدولة، وكان يفرد في كل دولة بني بويه والسلجوقية بلقب السلطان

مما لا يشاركه فيه أحد، ومعنى الملك من تصريف القدرة وإظهار الأبهة والعز حاصل له دون الخليفة وغيره، وكانت الخلافة حاصلة للعباسي المنصوب لفظا مسلوبة معنى، والله المدبر للأمور لا إله غيره.

** انقلاب حال الدولة بما تجدد في الجباية والأقطاع **

لما استولى معز الدولة طلب الجند أرزاقهم على عادتهم وأكثر لسبب ما تجدد من الاستيلاء الذي لم يكن له، فاضطر إلى ضرب المكوس وأخذ أموال الناس من غير وجهها، وأقطع قواده وأصحابه من أهل عصبيته وغير المساهمين له في الأمر جميع القرى التي بجانب السلطان، فارتفعت عنها أيدي العمال وبطلت الدواوين واختلف حال القرى في العمارة عما كان في أيدي القواد والرؤساء، حصل بهم لأهلها الرفق فزادت عمارتها وتوفر دخلها. ولم تكن مناظرتهم في ذلك ولا تقديره عليهم، وما كان بأيدي العامة والأتباع عظم خرابه لما كان يعدم من الغلاء والنهب واختلاف الأيدي وما يزيد الآن من الظلم ومصادرات الرعايا والحيف في الجباية وإهمال النظر في تعديل القناطر والمشارب، وقسم المياه على الأرضين فإذا خربت قراهم ردوها وطلبوا العوض عنها فيصير الآخر منها لما صار إليه الأول. ثم أمر معز الدولة قواده وأصحابه بحماية الأقطاع والضياع وولاتها، وصارت الجبايات لنظرهم والتعويل في المرتفع على أخبارهم. فلا يقدر أهل الدواوين والحسابات على تحقيق ذلك عليهم، ولم يقف عند ذلك على غاية. فبطلت الأموال وصار جمعها من المكوس والظلامات، وعجز معز الدولة عن ذخيرة يعدها لنوائب سلطانه. ثم استكثر من الموالي الأتراك ليجدع بهم من أنوف قومه، وفرض لهم الأرزاق وزاد لهم الأقطاع، فعظمت غيرة قومه من ذلك وآل الأمر إلى المنافرة كما هو الشأن في طبيعة الدول.

** دولة بني حمدان مسير ابن حمدان الى بغداد **

ولما استولى معز الدولة على بغداد وخلع المستكفي، بلغ الخبر إلى ناصر الدولة بن حمدان، فشق ذلك عليه، وسار من الموصل إلى بغداد وانتهى الى سامرا في شعبان سنة أربع. وكان معز الدولة حين سمع قدوم عساكره مع ينال كوشه وقائد آخر،

فقتل القائد ولحق بناصر الدولة [1] . وجاء ناصر الدولة إلى بغداد فأقام بها وخالفه معز الدولة إلى تكريت فنهبها لأنها من أعماله. ثم عاد معز الدولة والمطيع فنزلوا بالجانب الغربي من بغداد، وقاتلوا ناصر الدولة بالجانب الشرقي وتقدم ناصر الدولة إلى الأعراب بالجانب الغربي بقطع الميرة عن معز الدولة فغلت الأسعار وعزت الأقوات، ومنع ناصر الدولة من الخطبة للمطيع والمعاملة بسكته، ودعا للمتقي وبيت معز الدولة مرارا. وضاق الأمر به، واعتزم على ترك بغداد والعود إلى الأهواز. ثم أظهر الرحيل ذات ليلة وأمر وزيره أبا جعفر الصهيري [2] بالعبور في أكثر العساكر، وأقام بالكينة مكانه، وجاء ينال كوشه لقتاله فانهزم واضطرب عسكر ناصر الدولة وأجفلوا، وغنم الديلم أموالهم وأظهرهم. ثم أمن معز الدولة الناس وعاد المطيع إلى داره في محرم سنة خمس وثلاثين وقام التورونية عليه، فلما شعروا به نكروه وهموا بقتله، فأسرى هاربا ومعه ابن شيرزاد، وفر إلى الجانب الغربي. ثم لحق بالقرامطة فأجاروه وبعثوه إلى الموصل.

ثم استقر الصلح بينه وبين الدولة كما طلب، ولما فر عن الأتراك اتفقوا على تكين الشيرازي فولوه عليهم وقبضوا على من تخلف من كتابه وأصحابه، وساروا في اتباعه إلى نصيبين، ثم إلى سنجار، ثم إلى الحديثة، ثم إلى السن، ولحق هنالك عسكر معز الدولة مع وزيره أبي جعفر الصهيري، وقد كان استمده ناصر الدولة. وسار ناصر الدولة وابن الصهيري إلى الموصل، فنزلوا عليها وأخذ الصهيري من ناصر الدولة ابن شيرزاد وحمله إلى معز الدولة وذلك سنة خمس وثلاثين.

** استيلاء معز الدولة على البصرة **

وفي هذه السنة انتقض أبو القاسم البريدي بالبصرة، فجهز معز الدولة الجيش جماعة أعيانهم إلى واسط، ولقيهم جيش ابن البريدي في الماء على الظهر، فانهزموا إلى البصرة وأسروا من أعيانهم جماعة. ثم سار معز الدولة سنة ست وثلاثين إلى البصرة

ومعه المطيع لاستنقاذها من يد أبي القاسم بن البريدي وسلكوا إليها البرية، فبعث القرامطة يعذلون في ذلك معز الدولة فكتب يهددهم. ولما قارب البصرة استأمنت إليه عساكر أبي القاسم، وهرب هو إلى القرامطة فأجاروه، وملك معز الدولة البصرة. ثم سار منها إلى الأهواز لتلقي أخيه عماد الدولة، وترك المطيع وأبا جعفر الصهيري بالبصرة. ولقي أخاه بأرجان. ثم عاد إلى بغداد والمطيع معه وأراد السير إلى الموصل فأرسل إليه ناصر الدولة في الصلح وحمل المال فتركه. ثم انتقض سنة سبع وثلاثين فسار إليه معز الدولة، وملك الموصل، ولحق ناصر الدولة بنصيبين، وأخذ معز الدولة في ظلم الرعايا وعسفهم. ثم بعث إليه أخوه ركن الدولة بأصبهان بأن عسكر خراسان قصدت جرجان والري، واستمده فاضطر معز الدولة إلى صلح ناصر الدولة عن الموصل والجزيرة وما ملكه سيف الدولة من الشام ودمشق وحلب على ثمانية آلاف ألف ألف درهم، ويخطب لعماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة بني بويه، فاستقر الصلح على ذلك وعاد إلى بغداد.

** ابتداء أمر بني شاهين بالبطيحة **

كان عمران بن شاهين من أهل الجامدة، وحصلت عنده جبايات، فهرب إلى البطيحة خوفا من الحكام، وأقام بين القصب والآجام يقتات بصيد السمك والطير وكشف سابلة البطيحة. واجتمع عليه جماعة من الصيادين واللصوص. ثم اشتد خوفه فاستأمن إلى أبي القاسم بن البريدي صاحب البصرة نقله جماعة الجامدة ونواحي البطائح. وجمع السلاح واتخذ مقاتل على تلال البطيحة وغلب على نواحيها، وسرح معز الدولة وزيره أبا جعفر الصهيري سنة ثمان وثلاثين فقاتله وهرب واستأمن أهله وعياله. ثم جاء الخبر إلى معز الدولة بموت أخيه عماد الدولة بفارس، واضطراب أحواله بها. فكتب إلى الصهيري بالفرار إلى شيرزاد لإصلاح الأمور، فسار إليها وعاد عمران بن شاهين إلى البطيحة، واجتمع إليه أصحابه وقوي أمره. وبعث معز الدولة إلى قتاله روزبهان من أعيان عسكره، فأطال حصاره في مضايق البطيحة. ثم ناجزه الحرب فهزمه عمران وهرب عسكره، وصار أصحابه يطلبون البذرقة والخفارة من جند السلطان في السابلة، وانقطع طريق البصرة إلا على الظهر. وكان الصهيري قد هلك وولى مكانه المهلبي، فكتب معز الدولة إلى المهلبي وهو بالبصرة، فصعد إلى

واسط وأمده بالقواد والسلاح، وأطلق يده في الإنفاق. فزحف إلى البطيحة وضيق على عمران فانتهى إلى مضايق خفية، وأشار عليه روزبهان بمعاجلة القوم، وكتب إلى معز الدولة يشكو المطاولة من المهلبي، فكتب إليه معز الدولة بالاستبطاء فبادر إلى المناجزة وتوغل في تلك المضايق، فانهزم وقتل من أصحابه وأسر ونجا هو سباحة في الماء، وأسر عمران أكابر القواد حتى صالحه معز الدولة وقلده البطائح وأطلق له أهله على أن يطلق القواد الذين في أسره فأطلقهم.

** موت الصهيري ووزارة المهلبي **

كان أبو جعفر محمد بن أحمد الصهيري وزيرا لمعز الدولة، وكان قد سار لقتال عمران واستخلف مكانه أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي، فعرفت كفايته وإصلاحه وأمانته، وتوفي أبو جعفر الصهيري محاصرا لعمران، فولى معز الدولة مكانه أبا محمد المهلبي، فأحسن السيرة وأزال المظالم وخصوصا عن البصرة فكان فيها شعب كثيرة من المظالم من أيام أبي البريدي، وتنقل في البلاد لكشف المظالم وتخليص الحقوق، فحسن أثره ونقم عليه معز الدولة بعض الأمور فنكبه سنة إحدى وأربعين وحبسه في داره ولم يعزله.

** حصار البصرة **

قد تقدم لنا أن القرامطة أنكروا على معز الدولة مسيره إلى البصرة على بلادهم.

وذكرنا ما دار بينهم في ذلك. ولما علم يوسف بن وجيه استيحاشهم بعث إليهم يطمعهم في النصرة، واستمدهم فأمدوه. وسار في البحر سنة إحدى وأربعين، وبلغ الخبر إلى الوزير المهلبي، وقد قدم من شأن الأهواز. فسار إلى البصرة وسبق إليها ابن وجيه وقاتله فهزمه وظفر بمراكبه.

** استيلاء معز الدولة على الموصل وعوده **

قد تقدم لنا صلح معز الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة. فلما كانت سنة سبع وأربعين أخرج حمل المال، فسار معز الدولة إلى الموصل في جمادى ومعه وزيره المهلبي، فاستولى على الموصل ولحق ناصر الدولة بنصيبين ومعه كتابه وجميع أصحابه، وحاشيته، ومن يعرف وجوه المنافع، وأنزلهم في قلعة كواشي وغيرها.

وأمر الأعراب بقطع الميرة عن الموصل فضاقت الأبواب على عسكر معز الدولة، فسار عن الموصل إلى نصيبين واستخلف عليها سبكتكين الحاجب الكبير، وبلغه في طريقه أن أولاد ناصر الدولة بسنجار في عسكر، فبعث عسكرا فكبسوهم واشتغلوا بالنهب، فعاد إليهم أولاد ناصر الدولة وهم غازون فاستلحموهم، وسار ناصر الدولة عن نصيبين إلى ميافارقين. ورجع أصحابه إلى معز الدولة مستأمنين، فسار هو إلى أخيه سيف الدولة بحلب فتلقاه وأكرمه وتراسلوا في الصلح على ألفي ألف درهم وتسعمائة ألف درهم، وإطلاق من أسر بسنجار وأن يكون ذلك في ضمان سيف الدولة فتم بينهما، وعاد معز الدولة إلى العراق في محرم سنة ثمان وأربعين.

** بناء معز الدولة ببغداد **

أصاب معز الدولة سنة خمسين مرض أشفي منه حتى وصى، واستوخم بغداد فارتحل إلى كلواذا ليسر إلى الأهواز، وأسف أصحابه لمفارقة بغداد، فأشاروا عليه أن يبني لسكناه في أعاليها. فبنى دارا أنفق عليها ألف ألف دينار، وصادر فيها جماعة من الناس.

** ظهور الكتابة على المساجد **

كان الديلم كما تقدم لنا شيعة لإسلامهم على يد الأطروش، وقد ذكرنا ما منع بني بويه من تحويل الخلافة عن العباسية إليهم. فلما كان سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة أصبح مكتوبا على باب الجامع ببغداد: لعن صريح في معاوية ومن غصب فاطمة فدك، ومن منع من دفن الحسن عند جده ومن نفى أبا ذر، ومن أخرج العباس من الشورى، ونسب ذلك إلى معز الدولة. ثم محى من الليلة القابلة، فأراد معز الدولة إعادته، فأشار المهلبي بأن يكتب مكان المحو: لعن معاوية فقط والظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة أمر الناس بإظهار الزينة والفرح لعبد العزيز من أعيان الشيعة. وفي السنة بعدها أمر الناس في يوم عاشوراء أن يغلقوا دكاكينهم ويقعدوا عن البيع والشراء ويلبسوا المسوح، ويعلنوا بالنياحة، وتخرج النساء مسبلات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن ولطمن خدودهن حزنا على الحسين، ففعل الناس ذلك. ولم يقدر أهل السنة على منعه لأن السلطان للشيعة وأعيد ذلك سنة ثلاث وخمسين فوقعت فتنة بين أهل السنة والشيعة ونهب الأموال.

** استيلاء معز الدولة على عمان وحصاره البطائح **

انحدر معز الدولة سنة خمس وخمسين إلى واسط لقتال عمران بن شاهين بالبطائح فأنفذ الجيش من هنالك مع أبي الفضل العباس بن الحسن، وسار إلى الأبلة فأنفذ الجيش إلى عمان، وكان القرامطة قد استولوا عليها وهرب عنها صاحبها نافع، وبقي أمرها فوضى، فاتفق قاضيها وأهل البلد أن ينصبوا عليهم رجلا منهم فنصبوه، ثم قتله بعضهم فولوا آخر من قرابة القاضي يعرف بعبد الرحمن بن أحمد بن مروان، واستكتب علي بن أحمد الذي كان وصل مع القرامطة كاتبا، وحضر وقت العطاء، فاختلف الزنج والبيض في الرضا بالمساواة وبعدمها واقتتلوا، فغلب الزنج وأخرجوا عبد الوهاب واستقر علي بن أحمد أميرا. فلما جاء معز الدولة إلى واسط هذه السنة، قدم عليه نافع الأسود صاحب عمان مستنجدا به، فانحدر به من الأبلة، وجهز له المراكب لحمل العساكر، وعليهم أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس وهي مائة قطعة، فساروا إلى عمان وملكوها تاسع ذي الحجة من سنة خمس وخمسين، وقتلوا من أهلها وأحرقوا مراكبها، وكانت تسعة وثمانين، وعاد معز الدولة إلى واسط، وحاصر عمران، وأقام هنالك فاعتل وصالح عمران وانصرف عنه.

** وفاة الوزير المهلبي **

سار الوزير المهلبي في جمادى سنة اثنتين وخمسين إلى عمان ليفتحها فاعتل في طريقه ورجع إلى بغداد فمات في شعبان قبل وصوله، وحمل فدفن بها لثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر من وزارته. وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وصارت إليه وحواشيه، ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس ولم يلقب أحد منهما بوزارة.

** وفاة معز الدولة وولاية ابنه بختيار **

ولما رجع معز الدولة إلى بغداد اشتد مرضه فعهد بالسلطنة إلى ابنه عز الدولة، وتصدق وأعتق. وتوفي في ربيع من سنة ست وخمسين لاثنتين وعشرين سنة من سلطنته، وولى ابنه عز الدولة بختيار وقد كان أوصاه بطاعة عمه ركن الدولة، وبطاعة ابنه عضد الدولة، لأنه كان أكبر سنا، وأخبر بالسياسة ووصاه بحاجبه

سبكتكين وبكاتبيه أبي الفضل العباس وأبي الفرج، فخالف وصاياه وعكف على اللهو وأوحش هؤلاء، ونفى كبار الديلم شرها في أقطاعاتهم. وشغب عليه الأصاعد فذادهم واقتدى بهم الأتراك، وجاء أبو الفرج محمد بن العباس من عمان بعد أن سلمها إلى نواب عضد الدولة الذين كانوا في أمداده، وخشي أن يؤمر بالمقام بها وينفرد أبو الفضل صاحبه بالوزارة ببغداد، فكان كما ظن. ثم انتقض بالبصرة حبشي بن معز الدولة على أخيه بختيار سنة ست وخمسين، فبعث الوزير أبو الفضل العباس فسار موريا بالأهواز ونزل واسط وكتب إلى حبشي بأنه جاء ليسلمه البصرة وطلب منه المعونة على أمره فأنفذ اليه مائتي ألف درهم وأرسل الوزير خلال ذلك إلى عسكر الأهواز أن يوافوه بالأبلة لموعد ضربه لهم، فوافوه وكبسوا حبشيا بالبصرة وحبسوه برامهرمز ونهبوا أمواله، وكان من جملة ما أخذ له عشرة آلاف مجلد من الكتب وبعث ركن الدولة بتخليص حبشي ابن أخيه وجعله عند عضد الدولة فأقطعه إلى أن مات سنة سبع وستين.

** عزل أبي الفضل ووزارة ابن بقية **

لما ولى أبو الفضل وزارة بختيار كثر ظلمه وعسفه، وكان محمد بن بقية من حاشية بختيار، وكان يتولى له المطبخ. فلما كثر شغب الناس من أبي الفضل عزله بختيار سنة اثنتين وستين وولى مكانه محمد بن بقية، فانتشر الظلم أكثر، وخربت النواحي وظهرت العيارون ووقعت الفتن بين الأتراك وبختيار، فأصلح ابن بقية بينهم وركب سبكتكين بالأتراك إلى بختيار، ثم أفسد بينهم وتحرك الديلم على سبكتكين وأصحابه فأرضاهم بختيار بالمال ورجعوا عن ذلك. [1] كان ناصر الدولة بن حمدان قد قبض عليه ابنه أبو ثعلب وحبسه سنة ست وخمسين وطمع في المسير إلى بغداد، وجاء أخوه حمدان وإبراهيم فازعين إلى بختيار ومستنجدين به فشغل عنهما بما كان فيه من شأن البطيحة وعمان، حتى إذا قضى وطره من ذلك وعزل أبا الفضل

الوزير واستوزر ابن بقية حمله على ذلك وأغراه به. فسار إلى الموصل ونزلها في ربيع الآخر سنة ثلاث وستين. ولحق ابو ثعلب بسنجار بأصحابه وكتابه ودواوينه. ثم سار إلى بغداد وبعث بختيار في أثره الوزير ابن بقية وسبكتكين فدخل ابن بقية بغداد وأقام سبكتكين يحاربه في ظاهرها. ووقعت الفتنة داخل بغداد في الجانب الغربي بين أهل السنة والشيعة. واتفق سبكتكين وأبو ثعلب على أن يقبضا على الخليفة والوزير وأهل بختيار، ويعود سبكتكين إلى بغداد مستوليا وأبو ثعلب إلى الموصل. ثم أقصر سبكتكين عن ذلك وتوقف، وجاءه الوزير ابن بقية وأرسلوا إلى أبي ثعلب في الصلح.

وأن يضمن البلاد ويرد على أخيه حمدان أقطاعه وأملاكه إلا ماردين، وعاد أبو ثعلب إلى الموصل ورحل بختيار، وسار سبكتكين للقائه واجتمع بختيار وأبو ثعلب على الموصل، وطلب أبو ثعلب زوجته ابنة بختيار وأن يحط عنه من الضمان ويلقب لقبا سلطانيا فأجيب إلى ذلك خشية منه، ورحل بختيار إلى بغداد. وسر أهل الموصل برحيله لما نالهم منه، وبلغه في طريقه أن أبا ثعلب قتل قوما من أصحابه.

وكانوا استأمنوا البختيار وزحفوا لنقل أهلهم وأموالهم فاشتد ذلك عليه، وكتب إلى الوزير أبي طاهر بن بقية والحاجب ابن سبكتكين يستقدمهما في العساكر، فجاءوا وعادوا إلى الموصل، وعزم على طلبه حيث سار. فأرسل أبو ثعلب في الصلح. وجاء الشريف أبو أحمد الموسوي والد الشريف الرضي وحلف على العلم في قتل أولئك المستأمنة، وعاد الصلح والاتفاق كما كان، ورجع بختيار إلى بغداد وبعث ابنته إلى زوجها أبي ثعلب.

** الفتنة بين بختيار وسبكتكين والأتراك **

كان بختيار قد قلت عنده الأموال وكثرت مطالب الجند وشغبهم، فكان يحاول على جمع الأموال فتوجه إلى الموصل لذلك، ثم رجع فتوجه إلى الأهواز ليجدد ريعه إلى مصادرة عاملها، وتخلف عنه سبكتكين والأتراك الذين معه، ووقعت فتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز واقتتلوا ولج الأتراك في طلب ثأرهم، وأشار عليه أصحاب الديلم بقبض رؤساء الأتراك وقوادهم ففعل، وكان من جملتهم عامل الأهواز وكاتبه، ونهبت أموالهم وبيوتهم، ونودي في البلد باستباحتهم، وبلغ الخبر إلى سبكتكين وهو ببغداد فنقض طاعة بختيار وركب في الأتراك وحاصر داره يومين

وأحرقها وأخذ أخويه وأمهما فبعثهم إلى واسط في ذي القعدة سنة ثلاث وستين، وانحدر المطيع معهم فرده وترك الأتراك في دور الديلم ونهبوها وثارت العامة مع سبكتكين لأن الديلم كانوا شيعة وسفكت الدماء وأحرق الكرخ وظهر أهل السنة.

** خلع المطيع وولاية الطائع **

كان المطيع قد أصابه الفالج وعجز عن الحركة وكان يتستر به وانكشف حاله بسبكتكين في هذه الواقعة، فدعاه إلى أن يخلع نفسه ويسلم الخلافة عبد الكريم ففعل ذلك منتصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين لست وعشرين سنة ونصف من خلافته، وبويع ابنه عبد الكريم ولقب الطائع.

** الصوائف **

وعادت الصوائف منذ استبد ناصر الدولة بن حمدان بالموصل وأعمالها، وملك سيف الدولة أخوه مدينتي حلب وحمص سنة ثلاث وثلاثين، فصار أمر الصوائف إليه فنذكرها في أخبار دولتهم. فقد كان لسيف الدولة فيها آثار وكان للروم في أيامه جولات حسنت فيها مدافعته. وأما الولايات فانقطعت منذ استيلاء معز الدولة على العراق، وانقسمت الدولة الإسلامية دولا نذكر ولايات كل منها في أخبارها عند انفرادها على ما شرطناه.

** فتنة سبكتكين وموته وامارة افتكين [1] **

لما وقع بختيار في الأتراك بالأهواز ما وقع وانتقض سبكتكين ببغداد عمد بختيار إلى من حبسه من الأتراك فأطلقهم، وولى منهم على الأتراك زادويه الذي كان عامل الأهواز، وسار إلى واسط للقائه وأخويه، وكتب إلى عمه ركن الدولة وابن عمه عضد الدولة يستنجدهما، وإلى أبي ثعلب بن حمدان في المدد بنفسه، ويسقط عنه مال الأقطاع، وإلى عمران بن شاهين بالبطيحة كذلك، فجهز إليه عمه ركن الدولة العسكر مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وكتب إلى ابن عمه عضد الدولة بالمسير معه فتثاقل وتربص بختيار طمعا في ملك العراق. وأما عمران بن شاهين فدافع واعتذر

بأن عسكره لا يفتكون في الديلم لما كان بينهم، وأما أبو ثعلب فبعث أخاه أبا عبد الله الحسين في عسكر إلى تكريت. فلما سار الأتراك عن بغداد إلى واسط لقتال بختيار وجاء هو إليها ليقيم الحجة في سقوط الأقطاع عنه، ووجد الفتنة حامية بين العيارين فكف القسامة وانتظر ما يقع ببختيار فيدخل بغداد ويملكها. ولما سار الأتراك إلى واسط حملوا معهم خليفتهم الطائع لله وأباه المطيع المخلوع، وانتهوا إلى دير العاقول فهلك المطيع وسبكتكين معا، وولى الأتراك عليهم أفتكين من أكابر قوادهم ومولى معز الدولة، فانتظم أمرهم وساروا إلى واسط وحاصروا بها بختيار خمسين يوما حتى اشتد عليه الحصار وهو يستحث عضد الدولة.

** نكبة بختيار على يد عضد الدولة ثم عوده الى ملكه **

لما تتابعت كتب بختيار إلى عضد الدولة باستحثاثه سار في عساكر فارس، وجاءه أبو القاسم بن العميد وزير أبيه إلى الأهواز في عساكر الري وساروا إلى واسط، وأجفل عنها أفتكين والأتراك إلى بغداد ورجع أبو ثعلب إلى الموصل. ولما جاء عضد الدولة إلى واسط سار إلى بغداد في الجانب الشرقي، وسار بختيار في الجانب الغربي وحاصروا الأتراك ببغداد من جميع الجهات. وأرسل بختيار إلى ضبة بن محمد الأسدي من أهل عين النمر وإلى أبي سنان وأبي ثعلب بن حمدان بقطع الميرة والإغارة على النواحي فغلا السعر ببغداد وثار العيارون ووقع النهب، وكبس أفتكين المنازل في طلب الطعام فعظم الهرج، وخرج أفتكين والأتراك للحرب فلقيهم عضد الدولة فهزمهم وقتل أكثرهم واستباحهم، ولحقوا بتكريت وحملوا الخليفة معهم، ودخل عضد الدولة إلى بغداد في جمادى سنة أربع وستين. وحاول في رد الخليفة الطائع فرده وأنزله بداره وركب للقائه الماء في يوم مشهود. ثم وضع الجند على بختيار فشغبوا عليه في طلب أرزاقهم وأشار عليه بالغلظة عليهم، والاستعفاء من الإمارة، وأنه عند ذلك يتوسط في الإصلاح فأظهر بختيار التخلي، وصرف الكتاب والحجاب ثقة بعضد الدولة، وتردد السفراء بينهم ثلاثا ثم قبض عضد الدولة على بختيار وإخوته ووكل بهم، وجمع الناس وأعلمهم بعجز بختيار ووعدهم بحسن النظر وقام بواجبات الخلافة. وكان المرزبان بن بختيار أميرا بالبصرة فامتنع فيها على عضد الدولة، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على أبيه بختيار من ابنه عضد الدولة ووزيره ابن

العميد، فأصابه من ذلك المقيم المقعد حتى لقد طرقه المرض الذي لم يستقل منه.

وكان ابن بقية وزير بختيار قد سار إلى عضد الدولة وضمنه واسط وأعمالها فانتقض عليه بها، وداخل عمران بن شاهين في الخلافة فأجابه، وكتب إلى مهل بن بشر وزير أفتكين بالأهواز وقد كان عضد الدولة ضمنه إياها وبعثه إليها مع جيش بختيار فاستماله ابن بقية، وخرجت إليه جيوش عضد الدولة فهزمهم، وكاتب أباه ركن الدولة بالأحوال، وأوعز ركن الدولة إليه وإلى المرزبان بالبصرة على المسير بالعراق لإعادة بختيار. واضطربت النواحي على عضد الدولة لإنكار أبيه، وانقطع عن مدد فارس وطمع فيه الأعداء، فبعث أبا الفتح بن العميد إلى أبيه يعتذر عما وقع، وأن بختيار عجز ولا يقدر على المملكة وأنه يضمن أعمال العراق بثلاثين ألف ألف درهم، ويبعث بختيار وإخوته إليه لينزله بأي الأعمال أحب، ويخبر أباه في نزوله العراق لتدبير الخلافة ويعود هو إلى فارس، وتهدد أباه بقتل بختيار وإخوته وجميع شيعهم إن لم يوافق على واحدة من هذه. فخاف ابن العميد غائلة هذه الرسالة وأشار بإرسال غيره وأن يمضي هو بعدها كالمصلح فبعث عضد الدولة غيره. فلما ألقى الرسالة غضب ركن الدولة ووثب إلى الرسول ليقتله، ثم رده بعد أن سكن غضبه، وحمله إلى عضد الدولة من الشتم والتقريع على ما فعله وعلى ما يطلب منه من كل صعب من القول. وجاء ابن العميد على أثر ذلك فحجبه وتهدده، ثم لم يزل يسترضيه بجهده واعتذر بأن قبوله لهذه الرسالة حيلة على الوصول إليه والخلاص من عضد الدولة، وضمن له إعادة عضد الدولة إلى فارس وتقرير بختيار بالعراق، فأجاب عضد الدولة إلى ذلك وأفرج عن بختيار ورده إلى السلطنة على أن يكون نائبا عنه ويخطب عنه، ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لعجز بختيار، ورد عليهم ما أخذ لهم وسار إلى فارس وأمر ابن العميد أن يلحق به بعد ثلاث فتشاغل مع بختيار باللذات ووعده أن يصير إلى وزارته بعد ركن الدولة. وأرسل بختيار عن ابن بقية فقام بأمر الدولة واحتجن الأموال فإذا طولب بها دس للجند فشغبوا حتى تنكر له بختيار واستوحش هو.

** خبر افتكين **

ولما انهزم أفتكين من عضد الدولة بالمدائن لحق بالشام ونزل قريبا من حمص، وقصد ظالم بن موهوب أمير بني عقيل العلوية بالشام فلم يتمكن منه، وسار أفتكين إلى

دمشق وأميرها ريان خادم المعز لدين الله العلوي وقد غلب عليه الأحداث فخرج إليه مشيخة البلد وسألوه أن يملكهم ويكف عنهم سر الأحداث وظلم العمال، واعتقاد الرافضة فاستحلفهم على ذلك ودخل دمشق وخطب فيها للطائع في شعبان سنة أربع وستين. ورجع أيدي العرب من ضواحيها وفتك فيهم وكثرت جموعه وأمواله وكاتب المعز بمصر يداريه بالانقياد، فكتب يشكره ويستدعيه ليوليه من جهته، فلم يثق إليه فتجهز لقصده، ومات في طريقه سنة خمس وستين كما نذكر بقية خبره في دولتهم.

** ملك عضد الدولة بغداد وقتل بختيار **

ولما انصرف عضد الدولة إلى فارس كما ذكرناه أقام بها قليلا ثم مات أبوه ركن الدولة سنة ست وستين بعد أن رضي عنه وعهد له بالملك كما نذكره في خبره. فلما مات شرع بختيار ووزيره ابن بقية في استمالة أهل أعماله مثل أخيه فخر الدولة وحسنويه الكردي وطلب ابن حمدان وعمران بن شاهين في عدوانه فسار عضد الدولة لطلب العراق واستمد حسنويه وابن حمدان فواعداه ولم يبعداه فسار إلى الأهواز، ثم سار إلى بغداد، ولقيه بختيار فهزمه عضد الدولة واستولى على أمواله وأثقاله ولحق بواسط، وحمل إليه ابن شاهين أموالا وهدايا ودخل إليه مؤكدا للاستجارة به. ثم صعد إلى واسط، وبعث عضد الدولة عسكرا إلى البصرة فملكوها، وكانت مصر شيعة له دون ربيعة. وجمع بختيار ما كان له ببغداد والبصرة في واسط وقبض على ابن بقية وأرسل عضد الدولة في الصلح واختلفت الرسائل، وجاءه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه في ألف فارس مددا فانتقض وسار إلى بغداد وسار عضد الدولة إلى واسط ثم إلى البصرة فأصلح بين ربيعة ومضر بعد اختلافهم مائة وعشرين سنة. ثم دخلت سنة سبع وستين فقبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميدي وزير أبيه وجدع أنفه وسمل إحدى عينيه لما بلغه عنه في مقامه بالفرات عند بختيار. ولما اطلع عليه من مكاتبته إياه فبعث إلى أخيه فخر الدولة بالري بالقبض عليه وعلى أهله فقبض عليه وأخذ داره بما فيها. ثم سار عضد الدولة إلى بغداد سنة وسبع وستين.

وبعث إلى بختيار يخيره في الأعمال فأجاب إلى طاعته، وأمره بإنفاذ ابن بقية إليه ففقأ عينيه وأنفذه، وخرج عن بغداد بقصد الشام، ودخل عضد الدولة بغداد وخطب له بها وضرب على بابه ثلاث توتات ولم يكن شيء من ذلك لمن قبله، وأمر

بابن بقية فرمي بين الفيلة فقتلته. ولما سار بختيار إلى الشام ومعه حمدان أخو أبي ثعلب وانتهوا إلى عكبرا أحسن له حمدان وقصد الموصل. وكان عضد الدولة قد استحلفه أن لا يدخل ولاية أبي ثعلب فنكث وقصدها، وجاءته رسل أبي ثعلب بتكريت في إسلام أخيه حمدان إليه فيمده بنفسه، ويعيده إلى ملكه فقبض على حمدان وبعثه مع نوابه فحبسه وسار أبو ثعلب إليه في عشرين ألف مقاتل [1] .

وزحفوا إلى بغداد ولقيهما عضد الدولة فهزمهما وأمر ببختيار فقتل صبرا في عدة من أصحابه لإحدى عشرة سنة من ملكه.

** استيلاء عضد الدولة على ملك بني حمدان **

ثم سار عضد الدولة بعد الهزيمة ومقتل بختيار إلى الموصل فملكها منتصف ذي القعدة من سنة سبع وستين، وكان حمل معه الميرة والعلوفات فأقام في رغد، وبث السراة في طلب أبي ثعلب، وراسله في ضمان البلاد على عادته فلم يجبه، فسار إلى نصيبين ومعه المرزبان بن بختيار وأبو إسحاق وطاهر أخو بختيار وأمهم، فبعث عضد الدولة عسكرا إلى جزيرة ابن عمر مع حاجبه أبي عمر لحرب طغان [2] ، وعسكرا إلى نصيبين مع أبي الوفاء طاهر بن محمد ففارقها أبو ثعلب إلى ميافارقين واتبعه أبو الوفاء إليها فامتنعت عليه. ولحق أبو ثعلب بأردن الروم ثم بالحسنية من أعمال الجزيرة، وتتبع أبو ثعلب قلاعه وأخذ أمواله في كواشي وغيرها، وعاد إلى ميافارقين. ثم سار عضد الدولة إليه بنفسه واستأمن إليه كثير من أصحابه، ورجع إلى الموصل وبعث العسكر في اتباعه فدخل بلاده فصاهره ورد الرومي المملك عليهم في غير بيت الملك ليستعين به على أمره، واتبعه عسكر عضد الدولة فهزمهم ونجا إلى بلاد الروم لمساعدة

ورد على شأنه لما يؤمل من نصرته إياه. واتفق أن وردا انهزم فيئس منه أبو ثعلب وعاد إلى بلاد الإسلام ونزل بآمد شهرين، حتى فتح عضد الدولة جميع بلاده كما يذكر في أخبار دولتهم، واستخلف أبا الوفاء على الموصل وعاد إلى بغداد وانقطع ملك بني حمدان عن الموصل حينا من الدهر.

** وفاة عضد الدولة وولاية ابنه صمصام الدولة **

ثم توفي عضد الدولة في شوال سنة اثنتين وسبعين لخمس سنين ونصف من ملكه، واجتمع القواد والأمراء على ولاية ابنه كاليجار المرزبان وبايعوه ولقبوه صمصام الدولة. وجاءه الطائع معزيا في أبيه، وبعث أخويه أبا الحسين أحمد وأبا طاهر فيروز شاه فانتقض أخوهم شرف الدولة بكرمان في فارس، وسبق إليها أخويه وملكها وأقاما بالأهواز، وقطع خطبة صمصام الدولة أخيه وخطب لنفسه، وتلقب تاج الدولة. وبعث إليه صمصام الدولة عسكرا صحبة علي بن دنقش حاجب أبيه، وبعث شرف الدولة عسكره مع الأمير أبي الأغر دفليس بن عفيف الأسدي، والتقيا عند قرقوب، فانهزم ابن دنقش في ربيع سنة ثلاث وسبعين وأسر واستولى أبو الحسن على الأهواز ورامهرمز، وطمع في الملك. ثم إن أسفار بن كردويه من أكابر الديلم قام بدعوة شرف الدولة ببغداد سنة خمس وسبعين، واستمال كثيرا من العسكر، واتفقوا على ولاية أبي نصر بن عضد الدولة نائبا عن أخيه شرف الدولة، وراسلهم صمصام الدولة في الرجوع عن ذلك فلم يزدهم إلا تماديا. وأجابه فولاد بن مابدرار أنفة من متابعة أسفار وقاتله فهزمه. وأخذ أبا مضل أسيرا وأحضره عند أخيه صمصام الدولة، واتهم وزيره ابن سعدان بمداخلتهم فقتله، ومضى أسفار إلى أبي الحسين بن عضد الدولة وباقي الديلم إلى شرف الدولة. وسار شرف الدولة إلى الأهواز فملكها من يد أخيه الحسين. ثم ملك البصرة من يده أخيه أبي طاهر وراسله صمصام الدولة في الصلح فاتفقوا على الخطبة لشرف الدولة بالعراق، وبعث إليه بالخلع والألقاب من الطائع.

** نكبة صمصام الدولة وولاية أخيه شرف الدولة **

لما ملك شرف الدولة من يد أخيه أبي طاهر سار إلى واسط فملكها، وعمد صمصام الدولة إلى أخيه أبي نصر وكان محبوسا عنده فأطلقه وبعثه إلى أخيه شرف الدولة

بواسط يستعطفه به، فلم يلتفت إليه. وجزع صمصام الدولة واستشار أصحابه في طاعة أخيه شرف الدولة فخوفوه عاقبته، وأشار بعضهم بالصعود إلى عكبرا ثم منها إلى الموصل وبلاد الجبل حتى يحدث من أمر الله في فتنة بين الأتراك والديلم أو غير ذلك ما يسهل العود، وأشار بعضهم بمكاتبة عمه فخر الدولة والمسير على طريق أصبهان فيخالف شرف الدولة إلى فارس فربما يقع الصلح على ذلك. فأعرض صمصام الدولة عن ذلك كله وركب البحر إلى أخيه شرف الدولة فتلقاه وأكرمه. ثم قبض عليه لأربع سنين من إمارته، وسار إلى بغداد في شهر رمضان من سنة ست وسبعين فوصلها وأخوه صمصام الدولة في اعتقاله. واستفحل ملكه واستطال الديلم على الأتراك بكثرتهم فإنهم بلغوا خمسة عشر ألفا، والأتراك ثلاثة آلاف. ثم كثرت المنازعات بينهم وعض الديلم وقتلوا منهم وغنموا أموالهم وسار بعضهم فذهب في الأرض، ودخل الآخرون مع شرف الدولة إلى بغداد، وخرج الطائع لتلقيه وهنأه وأصلح شرف الدولة بين الفريقين، وبعث صمصام الدولة إلى فارس فاعتقل بها واستوزر شرف الدولة أبا منصور بن صالحان.

** ابتداء دولة باد وبني مروان بالموصل **

قد تقدم لنا أن عضد الدولة استولى على ملك بني حمدان بالموصل سنة سبع وستين، ثم استولى على ميافارقين وآمد وسائر ديار بكر من أعمالهم، وعلى ديار مضر أيضا من أعمالهم سنة ثمان وستين وولى عليها أبا الوفاء من قواده، وذهب ملك بني حمدان من هذه النواحي وكان في ثغور ديار بكر جماعة من الأكراد الحميدية مقدمهم أبو عبد الله الحسين بن دوشتك، ولقبه باد وكان كثير الغزو بتلك البلاد وإخافة سبلها. وقال ابن الأثير حدثني بعض أصدقائنا من الأكراد الحميدية أن اسمه باد وكنيته أبو شجاع وأن الحسين هو أخوه وأن أول أمره أنه ملك أرجيش من بلاد أرمينية فقوي أه-. ولما ملك عضد الدولة الموصل حضر عنده وهم بقبضه، ثم سأل عنه فافتقده وكف عن طلبه.

فلما مات عضد الدولة استفحل أمره واستولى على ميافارقين، وكثير من ديار بكر، ثم على نصيبين. وقال ابن الأثير: سار من أرمينية إلى ديار بكر فملك ثم ميافارقين، وبعث صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعيد بهرام بن أردشير فهزمهم وأسر جماعة منهم، فبعث عساكر أخرى مع أبي القاسم سعيد بن الحاجب فلقيهم في بلد كواشى وهزمهم، وقتل منهم وأسر، ثم قتل الأسرى صبرا. ونجا سعيد إلى الموصل وباد

في اتباعه فثار به [1] أهل الموصل نفورا من سوء سيرة الديلم فهرب منها ودخل باد وملك الموصل. وحدث نفسه بالمسير إلى صمصام الدولة ببغداد وانتزاع بغداد من يد الديلم واحتفل فيه ولقيهم باد في صفر من سنة أربع وسبعين فهزموه وملكوا الموصل.

ولحق باد بديار بكر وجمع عليه عساكر. وكان بنو سيف الدولة بن حمدان بحلب قد ملكها معهم سعد الدولة ابنه بعد مهلكه، فبعث إليه صمصام الدولة أن يكفيه أمر باد على أن يسلم إليه ديار بكر، فبعث سعد الدولة إليه جيشا فلم يكن لهم طاقة، وزحفوا إلى حلب فبعث سعد الدولة من اغتاله في مرقده بخيمته من البادية وضربه فاعتل وأشفى على الموت، وبعث إلى سعد وزياد الأميرين بالموصل فصالحهما على أن تكون ديار بكر والنصف من طور عبدين لباد، ورجع زياد إلى بغداد وهو الذي جاء بعساكر الديلم وانهزم باد أمامه. ثم توفي سعد الحاجب بالموصل سنة سبع وسبعين فتجدد لباد الطمع في ملكها، وبعث شرف الدولة على الموصل أبا نصر خواشاذه فدخل الموصل واستمد العساكر والأموال فأبطأت عنه فدعا العرب من بني عقيل وبني نمير وأقطعهم البلاد ليدافعوا عنها. واستولى باد على طور عبدين وأقام بالجبل، وبعث أخاه في عسكر لقتال العرب فانهزم وقتل. وبينما خواشاذه يتجهز لقتال باد جاءه الجند بموت شرف الدولة. ثم جاء أبو إبراهيم وأبو الحسين [2] ابنا ناصر الدولة بن حمدان أميرين على الموصل من قبل بهاء الدولة، وبقيت في ملكهما إلى سنة إحدى وثمانين، فبعث بهاء الدولة عسكرا مع أبي جعفر الحجاج بن هرمز فملكها، وزحف إليه أبو الرواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل فقاتله وبالغ في مدافعته واستمد بهاء الدولة فبعث إليه الوزير أبا القاسم علي بن أحمد وسار أول سنة اثنتين وثمانين وكتب إلى أبي جعفر بالقبض عليه بسعاية ابن المعلم، وشعر الوزير بذلك فصالح أبا الرواد ورجع ووجد بهاء الدولة قد قبض على ابن المعلم وقتله.

** وفاة شرف الدولة وملك بهاء الدولة **

ثم توفي شرف الدولة أبو الفوارس شرزيك [3] بن عضد الدولة في جمادى سنة تسع.

وسبعين لسنتين وثمانية أشهر من إمارته ودفن بمشهد على بعد أن طالت علته

بالاستسقاء، وبعث وهو عليل إلى أخيه صمصام الدولة بفارس فشمله، وبعث ابنه أبا علي إلى بلاد فارس ومعه الخزائن والعدد وجملة من الأتراك. وسئل شرف الدولة في العهد فملكه وأبي أن يعهد [1] واستخلف أخاه بهاء الدولة لحفظ الأمور في حياته.

فلما مات قعد في المملكة وجاء الطائع للعزاء وخلع عليه للسلطنة فأقر أبا منصور بن صالحان على وزارته، وبعث أبا طاهر إبراهيم وأبا عبد الله الحسين ابني ناصر الدولة بن حمدان إلى الموصل، وكان في خدمته شرف الدولة فاستأذنا بهاء الدولة بعد موته في الإصعاد إلى الموصل فأذن لهما. ثم ندم على ما فرط في أمرهما وكتب إلى خواشاذه بمدافعتهما فامتنعا وجاءا ونزلا بظاهر الموصل. وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك وخرجوا إلى بني حمدان، وقاتلوا الديلم فهزموهم، وقتل الديلم كثيرا منهم واعتصم الباقون بدار الإمارة فأخرجوهم على الأمان ولحقوا ببغداد، وملك بنو حمدان الموصل. وكان أبو علي بن شرف الدولة لما انصرف إلى فارس بلغه موت ابنه بالبصرة، فبعث العيال والأموال في البحر إلى أرجان وسار هو إليها. ثم سار إلى شيراز فوافاه بها عمه صمصام الدولة وأخوه أبو طاهر قد أطلقهما الموكلون بهما ومعهما قولاد، وجاءوا إلى شيراز، واجتمع عليهم الديلم وخرج أبو علي إلى الأتراك فاجتمعوا عليه، وقاتل صمصام الدولة والديلم أياما. ثم سار إلى نسا [2] فملكها وقتل الديلم بها. ثم سار إلى أرجان وبعث الأتراك إلى شيراز لقتال صمصام الدولة فنهبوا البلد وعادوا إليه بأرجان. ثم بعث بهاء الدولة إلى علي ابن أخيه يستقدمه، واستمال الأتراك سرا فحملوا أبا علي على المسير إليه فسار في جمادى سنة ثمانين فأكرمه ثم قبض عليه وقتله.

ثم وقعت الفتنة ببغداد بين الأتراك والديلم واقتتلوا خمسة أيام. ثم راسلهم بهاء الدولة في الصلح فلم يجيبوا وقتلوا رسله فظاهر الأتراك عليهم فغلبوهم، واشتدت شوكة الأتراك من يومئذ وضعف أمر الديلم وصالح بينهم على ذلك وقبض على بعض الديلم وافترقوا.

** خروج القادر الى البطيحة **

كان إسحاق بن المقتدر لما توفي ترك ابنه أبا العباس أحمد الذي لقب بالقادر، فجرت بينه وبين أخت له منازعة في ضيعة، ومرض الطائع مرضا مخوفا ثم أبل فسعت تلك الأخت بأخيها، وأنه طلب الخلافة في مرض الطائع فأنفذ أبا الحسين بن حاجب النعمان في جماعة للقبض عليه، وكان بالحريم الظاهري فغلبهم النساء عليه، وخرج من داره متسترا ثم لحق بالبطيحة ونزل على مهذب الدولة فبالغ في خدمته إلى أن أتاه بشير الخلافة.

** فتنة صمصام الدولة **

لما تغلب صمصام الدولة على بلاد فارس وجاء أبو علي شرف الدولة إلى عمه بهاء الدولة فقتله كما ذكرنا، سار بهاء الدولة من بغداد إلى خوزستان سنة ثمانين وثلاثمائة قاصدا بلاد فارس. واستخلف أبا نصر خواشاذه على بغداد، ولما بلغ خوزستان أتاه نعي أخيه أبي طاهر فجلس للعزاء به. ثم سار إلى أرجان فملكها وأخذ ما فيها من الأموال وكان ألف ألف دينار وثمانية آلاف درهم، وكثيرا من الثياب والجواهر، وشغب الجند لذلك فأطلق تلك الأموال كلها لهم، ثم سارت مقدمته وعليها أبو العلاء بن الفضل إلى النوبندجان، وبها عسكر صمصام الدولة فانهزموا وثبت أبو العلاء ابن الفضل في نواحي فارس. ثم بعث صمصام الدولة عسكره وعليهم قولاد بن مابدان فهزموا أبا العلاء وعاد إلى أرجان، وجاءه صمصام الدولة من شيراز إلى قولاد، ثم وقع الصلح على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان وما وراءها من ملك العراق، وأن يكون لكل واحد منهما أقطاع في بلد صاحبه، وتعاقدا على ذلك، ورجع بهاء الدولة إلى بغداد فوجد الفتنة بين أهل السنة والشيعة بجانب بغداد، وقد كثر القتل والنهب والتخريب فأصلح ذلك. وكان قبل سيره إلى خوزستان قبض على وزيره أبي منصور بن صالحان، واستوزر أبا نصر سابور بن أردشير، وكان الحكم والتدبير في دولته لأبي الحسين بن المعلم.

** خلع الطائع وبيعة القادر **

ثم إن بهاء الدولة قلت عنده الأموال وكثر شغب الجند ومطالباتهم، وقبض على

وزيره سابور فلم يغن عنه، وامتدت عيناه إلى أموال الطائع وهم بالقبض عليه، وحسن له ذلك أبو الحسين بن المعلم الغالب على هواه فتقدم إلى الطائع بالجيوش لحضوره في خدمته فجلس وجلس بهاء الدولة على كرسي، ثم جاء بعض الديلم يقبل يد الطائع فجذبه عن سريره وأخرجه، ونهب قصور الخلافة وفشا النهب في الناس، وحمل الطائع إلى دار بهاء الدولة فأشهد عليه بالخلع سنة إحدى وثمانين لسبع عشرة سنة وثمانية أشهر من خلافته. وأرسل بهاء الدولة خواص أصحابه إلى البطيحة ليحضروا القادر بالله أبا العباس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر ليبايعوه، فجاءوا به بعد أن بايع مهذب الدولة صاحب البطيحة في خدمته وسار بهاء الدولة وأعيان الناس لتلقيه فتلقوه برحيل، ودخل دار الخلافة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وخطب له صبيحتها وكانت مدة إقامته بالبطيحة ثلاث سنين غير شهر، ولم يخطب له بخراسان وأقاموا على بيعة الطائع فأنزله بحجرة من قصره، ووكل عليه من يقوم بخدمته على أتم الوجوه، وأجرى أحواله على ما كان عليه في الخلافة إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين فصلى عليه ودفنه.

** ملك صمصام الدولة الأهواز وعودها لبهاء الدولة ثم استيلاؤه ثانيا عليها **

قد تقدم لنا ما وقع بين بهاء الدولة وصمصام الدولة من الصلح على أن يكون له فارس ولبهاء الدولة خوزستان وما وراءها، وذلك سنة ثمان. ولما كانت سنة ثلاث وثمانين تحيل بهاء الدولة فبعث أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى الأهواز على أن يبعث إليه الجيوش مفترقة، فإذا اجتمعت كبس بلاد فارس على حين غفلة. وشعر صمصام الدولة بذلك قبل اجتماع العساكر، فبعث عساكره إلى خوزستان، ثم جاءت عساكر العراق والتقوا فانهزم ابو العلاء، وحمل إلى صمصام الدولة أسيرا فاعتقله، وبعث بهاء الدولة وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط يحاول له جمع المال فهرب إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة. ثم كثر شغب الديلم على بهاء الدولة ونهبوا دار الوزير نصر بن سابور واستعفى واستوزر أبا القاسم علي بن أحمد. ثم هرب وعاد سابور إلى الوزارة وأصلح الديلم، ثم أنفذ بهاء الدولة عسكره إلى الأهواز سنة أربع وثمانين وعليهم طغان التركي، وانتهوا إلى السوس فارتحل عنها أصحاب

صمصام الدولة وملكها طغان، وكان أكثر أصحابه الترك وأكثر أصحاب صمصام الدولة الديلم ومعه تميم وأسد، فزحف إلى طغان بالأهواز، وأسرى من تستر ليكبس الأتراك الذين مع طغان فقتل في طريقه [1] وأصبح دونهم بمرأى منهم فركبوا لقتاله وأكمنوا له ثم قاتلوه فهزموه وفتكوا في الديلم بالقتل حربا وصبرا. وجاء الخبر إلى بهاء الدولة بواسط فسار إلى الأهواز فترك بها طغان، ورجع ولحق صمصام الدولة بفارس فاستلحم من وجد بها من الأتراك وهرب فلهم إلى كرمان، واستأذنوا ملك السند في اللحاق بأرضه فأذن لهم، ثم ركب لتلقيهم فقتلهم عن آخرهم. ثم جهز صمصام الدولة عساكره إلى الأهواز مع العلاء بن الحسن وكان أفتكين برامهرمز من قبل بهاء الدولة مكان أبي كاليجار المرزبان بن سفهيعون [2] وجاء بهاء الدولة إلى خوزستان للعلاء قائد صمصام الدولة، وكاتبه وكاتب أفتكين وابن مكرم إلى أن قرب منهم، وملك البلد من أيديهم وأقاموا بظاهرها، واستمدوا بهاء الدولة فأمدهم بثمانين من الأتراك فقتلوهم عن آخرهم، وسار بهاء الدولة نحو الأهواز، ثم عاد إلى البصرة وعاد ابن مكرم إلى عسكر مكرم والعلاء والديلم في اتباعه إلى أن جاوزوا تستر إليه فاقتتلوا طويلا وأصحاب بهاء الدولة من تستر إلى رامهرمز وهم الأتراك وأصحاب صمصام لدولة من تستر إلى أرجان فاقتتلوا ستة أشهر ورجعوا إلى الأهواز ثم رحل الأتراك إلى واسط واتبعهم العلاء قليلا ثم رجع وأقام بعسكر مكرم.

** ملك صمصام الدولة البصرة **

لما رحل بهاء الدولة إلى البصرة استأمن كثير من الديلم الذين معه إلى العلاء نحو من أربعمائة، فبعثهم مع قائده السكرستان [3] الى البصرة وقاتلوا أصحاب بهاء الدولة.

ومال إليهم أهل البلد ومقدمهم أبو الحسن بن أبي جعفر العلوي وارتاب بهم بهاء الدولة فهرب الكثير منهم إلى السكرستان وحملوه في السفن فأدخلوه البصرة. وخرج بهاء الدولة وأصحابه فكتب إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة يغريه بالبصرة، فبعث إليها جيشا مع قائده عبد الله بن مرزوق فغلب عليها السكرستان، وملكها المهذب الدولة، ثم عاد السكرستان وقاتلها وكاتب مهذب الدولة بالصلح والطاعة والخطبة له بالبصرة، وأعطى ابنه رهينة على ذلك، فأجابه وملك البصرة وعسف بهم، وكان يظهر طاعة صمصام الدولة وبهاء الدولة ومهذب الدولة. ثم إن العلاء ابن الحسن نائب صمصام الدولة بخوزستان توفي بعسكر مكرم فبعث مكانه أبا علي إسماعيل بن أستاذهرمز وسار الى جنديسابور فدفع عنها أصحاب بهاء الدولة وأزاح الأتراك عن ثغر خراسان جملة وعادوا إلى واسط وكاتب جماعة منهم ففزعوا إليه، ثم زحف إليهم أبو محمد مكرم، والأتراك وجرت بينهم وقائع، ثم انتقض أبو علي إسماعيل بن أستاذ هرمز ورجع إلى طاعة بهاء الدولة وهو بواسط سنة ثمان وثمانين فاستوزره ودبر أمره واستدعاه إلى مظاهرة قائده ابن مكرم بعسكر مكرم، فسار إليه وكانت من إسماعيل خديعة تورط فيها بهاء الدولة واستمد بدر بن حسنويه، فأمده بعض الشيء وكاد يهلك، ثم جاءه الفرج بقتل صمصام الدولة.

** مقتل صمصام الدولة **

كان صمصام الدولة بن عضد الدولة مستوليا على فارس كما ذكرناه، وكان أبو القاسم وأبو نصر ابنا بختيار محبوسين ببعض قلاع فارس، فجرد الموكلين بهما في القلعة وأخرجوا عنها واجتمع إليهما من الأكراد وكان جماعة من الديلم استوحشوا من صمصام الدولة لما أسقطهم من الديوان، فلحقوا بابني بختيار وقصدوا أرجان وتجهز صمصام الدولة إليهم وكان أبو علي بن استاذ هرمز مقيما بنسا فثار به الجند، وحبسه ابنا بختيار ثم نجا. وقصد صمصام الدولة القلعة التي على شيراز ليتمنع فيها إلى أن يأتيه المدد، فلم يمكنه أن يأتيها من ذلك، وأشار عليه باللحاق بأبي علي بن أستاذ هرمز أو بالأكراد، وجاءته منهم طائفة فخرج معهم بأمواله فنهبوه وسار إلى الرودمان على مرحلتين من شيراز. وجاء أبو النصر بن بختيار إلى شيراز فقبض صاحب الرودمان على صمصام الدولة، وأخذه منه أبو نصر وقتله في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين لتسع سنين من إمارته على فارس.

** استيلاء بهاء الدولة على فارس **

ولما قتل صمصام الدولة وملك ابنا بختيار بلاد فارس، كتبا إلى أبي علي بن أستاذ هرمز في الأهواز بأخذ الطاعة لهما من الديلم، ومحاربة بهاء الدولة فخافهما أبو علي بما كان من قتله أخويهما، وأغرى الديلم بطاعة بهاء الدولة. وراسله واستحلفه لهم فحلف وضمن لهم غائلة الأتراك الذين معه، وأغراهم بثأر أخيه من ابني بختيار فدخلوا في طاعته، وجاءه وفد من أعيانهم فاستوثقوا منه وكتبوا إلى من كان بالسوس منهم بذلك. وركب بهاء الدولة إلى نائب السوس فقاتلوه أولا ثم اجتمعوا عليه وساروا إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز وأرجان، وملكوا سائر بلاد خوزستان. وسار أبو علي ابن إسماعيل إلى شيراز وقاتلهم وتسرب إليه أصحاب ابني بختيار فاستولى على شيراز سنة تسع وثمانين، ولحق أبو نصر بن بختيار ببلاد الديلم وأبو القاسم ببدر بن حسنويه، ثم بالبطيحة، وكتب أبو علي إلى بهاء الدولة بالفتح فجاءه وترك شيراز وأحرق قرية الرودمان حيث قتل أخوه صمصام الدولة، واستأصل أهلها وبعث عسكرا مع أبي الفتح إلى جعفر بن أستاذ هرمز إلى كرمان فملكها. ولما لحق أبو القاسم بن بختيار ببلاد الديلم، كاتب من هنالك الديلم الذين بكرمان وفارس تسلمهم فأجابوه وسار إلى بلاد فارس، واجتمع عليه كثير من الزط والديلم والأتراك. ثم سار إلى كرمان وبها أبو جعفر بن أستاذ هرمز فهزمه إلى السرجان، ومضى ابن بختيار إلى جيرفت فملكها وأكثر كرمان، وبعث بهاء الدولة الموفق بن علي بن إسماعيل في العساكر إلى جيرفت فاستأمن إليه من كان بها من أصحاب بختيار، وملكها، وتجرد في جماعة من شجعان أصحابه لاتباع ابن بختيار فلحقه بدارين، وقاتله فغدر به بعض أصحابه فقتله وحمل رأسه إلى الموفق، واستولى على بلاد كرمان وإسماعيل عليها، وعاد إلى بهاء الدولة فتلقاه وعظمه واستعفى الموفق من الخدمة فلم يعفه، ولج الموفق في ذلك فقبض عليه بهاء الدولة، وكتب إلى وزيره سابور بالقبض على ذويه، ثم قتله سنة اربع وتسعين واستعمل بهاء الدولة أبا محمد مكرما على عمان.

** الخبر عن وزراء بهاء الدولة **

قد ذكرنا أن بهاء الدولة كان استوزر أبا نصر بن سابور بن أردشير ببغداد وقبض على وزيره أبي منصور بن صالحان قبل مسيره إلى خوزستان، وأن أبا الحسن بن المعلم

كان يدبر دولته وذلك منذ سنة ثمانين، فاستولى ابن المعلم على الأمور وانصرفت إليه الوجوه، فأساء السيرة وسعى في أبي نصر خواشاده وأبي عبد الله بن طاهر فقبضهما بهاء الدولة مرجعه من خوزستان، وشغب الجند وطلبوا تسليمه إليهم، ولاطفهم فلم يرجعوا فقبض عليه وسلمه إليهم فقتلوه وذلك سنة اثنتين وثمانين. ثم قبض على وزيره أبي نصر بالأهواز سنة إحدى وثمانين، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف، ثم استوزر بعده أبا القاسم علي بن أحمد وقبض عليه سنة اثنتين وثمانين لاتهامه بمداخلة الجند في أمر ابن المعلم، واستوزر أبا نصر بن سابور وأبا منصور بن صالحان جميعا. وشغب الجند على أبي نصر ونهبوا داره سنة ثلاث وثمانين فاستعفى رفيقه ابن صالحان فاستوزر أبا القاسم علي بن أحمد، ثم هرب وعاد أبو نصر إلى الوزارة بعد أن أصلح أمور الديلم فاستوزر مكانه الفاضل، وقبض عليه سنة ست وثمانين واستوزر أبا نصر سابور بن أردشير فبقي شهرين، وفرق أموال بهاء الدولة في القواد ثم هرب إلى البطيحة فاستوزر بهاء الدولة مكانه عيسى بن ماسرخس.

** ولاية العراق **

كان بهاء الدولة منذ استولى على فارس سنة تسع وثمانين أقام بها وولى على خوزستان والعراق أبا جعفر الحجاج بن هرمز فنزل بغداد ولقيه عميد الدولة فساءت سيرته وفسدت أموال البلاد وعظمت الفتنة ببغداد بين الشيعة وأهل السنة وتطاول الدعار والعيارون فعزله بهاء الدولة سنة تسعين، وولى مكانه أبا علي الحسن بن أستاذ هرمز، ولقيه عميد الجيوش فأحسن السيرة وحسم الفتنة، وحمل إلى بهاء الدولة أموالا جليلة. ثم ولى مكانه سنة إحدى وتسعين أبا نصر سابور، وثار به الأتراك ببغداد فهرب منهم ووقعت الفتنة بين أهل الكرخ والأتراك، وكان أهل السنة مع الأتراك ثم مشى الأعلام بينهم في الصلح فتهادنوا.

** انقراض دول وابتداء أخرى في النواحي **

وفي سنة ثمانين ابتدأت دولة بني مروان بديار بكر بعد مقتل خالهم باد، وقد مر ذكره. وفي سنة اثنتين وثمانين انقرضت دولة بني حمدان بالموصل وابتدئت دولة بني المسيب من عقيب كما نذكرها. وفي سنة أربع وثمانين انقرضت دولة بني سامان من

خراسان وابتدئت دولة بني سبكتكين فيها. وفي سنة تسع وثمانين انقرضت دولة بني سامان مما وراء النهر وانقسمت بنو سبكتكين وملك الخاقان ملك الترك. وفي سنة ثمان وثمانين ابتدئت دولة بني حسنويه الأكراد بخراسان. وفي سنة تسع وتسعين كان ابتداء دولة بني صالح بن مرداس من بني كلاب بحلب كما نستوفي سياقة أخبارهم في دولهم منفردة كما شرطناه.

** ظهور بني مزيد **

وفي سنة سبع وثمانين خرج أبو الحسن علي بن مزيد في قومه بني أسد ونقض طاعة بهاء الدولة، فبعث إليه العساكر فهرب أمامهم وأبعد حتى امتنع عليهم. ثم بعث في الصلح والاستقامة، وراجع الطاعة، ثم رجع إلى انتقاضه سنة اثنتين وتسعين.

واجتمع مع قراوش بن المقلد صاحب الموصل وقومه بني عقيل فحاصروا المدائن. ثم بعث إليهم أبو جعفر الحجاج وهو نائب بغداد العساكر فدفعوهم عنها، وخرج الحجاج واستنجد خفاجة فجاء من الشام وقاتل بني عقيل وبني أسد فهزموه. ثم خرج إليهم ولقيهم بنواحي الكوفة فهزمهم وأثخن فيهم بالقتل والأسر، واستباح ملك بني مزيد وظهر في بغداد في مغيب أبي جعفر من الفتنة والفساد والقتل والنهب ما لا يحصى فكان ذلك السبب في أن بعث بهاء الدولة أبا علي بن جعفر أستاذ هرمز كما مر.

ولقيه عميد الجيوش فسكن الفتنة وأمن الناس. ولما عزل أبو جعفر أقام بنواحي الكوفة وارتاب به أبو علي فجمع الديلم والأتراك وخفاجة. وسار إليه واقتتلوا بالنعمانية وذلك سنة ثلاث وتسعين، فانهزم أبو جعفر وسار أبو علي إلى خوزستان، ثم إلى السوس، فعاد أبو جعفر إلى الكوفة ورجع أبو علي في اتباعه فلم تزل الفتنة بينهما، وكل واحد منهما يستنجد ببني عقيل وبني أسد وخفاجة، حتى أرسل بهاء الدولة عن أبي علي وبعثه إلى البطيحة لفتنة بني واصل كما نذكره في دولتهم. ولما كانت سنة سبع وتسعين جمع أبو جعفر وسار لحصار بغداد وأمده ابن حسنويه أمير الأكراد، وذلك أن عميد الجيوش ولى على طريق خراسان أبا الفضل بن عنان، وكان عدوا لبدر بن حسنويه فارتاب لذلك، واستدعى أبا جعفر وجمع له جموعا من أمراء الأكراد منهم هندي بن سعد وأبو عيسى شادي بن محمد، ورزام بن محمد وكان أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي انصرف عن بهاء الدولة مغاضبا له، فسار معهم وكانوا

عشرة آلاف وحاصروا بغداد وبها أبو الفتح بن عنان شهرا. ثم جاءهم الخبر بانهزام ابن واصل بالبطيحة الذي سار عميد الجيوش إليه فافترقوا، وعاد ابن مزيد إلى بلده وسار أبو جعفر إلى حلوان وأرسل بهاء الدولة في الطاعة وحضر عنده بتستر فأعرض عنه رغبا لعميد الجيوش.

** فتنة بني مزيد وبني دبيس **

كان أبو الغنائم محمد بن مزيد مقيما عند أصهاره بني دبيس في جزيرتهم بخوزستان، فقتل أبو الغنائم بعض رجالاتهم ولحق بأخيه أبي الحسن، فانحدر أبو الحسن إليهم في ألفي فارس، واستمد عميد الجيوش فأمده بعسكر من الديلم ولقيهم فانهزم أبو الحسن، وقتل أخوه أبو الغنائم.

** ظهور دعوة العلوية بالكوفة والموصل **

وفي أول المائة الخامسة خطب قرواش بن المقلد أمير بني عقيل لصاحب مصر الحاكم العلوي في جميع أعماله: وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة، فبعث القادر القاضي أبا بكر الباقلاني إلى بهاء الدولة يعرفه فأكرمه، وكتب إلى عميد الجيوش بمحاورة قرواش، وأطلق له مائة ألف دينار يستعين بها. وسار عميد الجيوش لذلك فراجع قرواش الطاعة وقطع خطبة العلويين، وكان ذلك داعيا في كتابه المحضر بالطعن في نسب العلوية بمصر، شهد فيه الرضي والمرتضى وابن البطحاوي وابن الأزرق والزكي وأبو يعلى عمر بن محمد، ومن العلماء والقضاة ابن الأكفاني وابن الجزري وأبو العباس الأبي وردي وأبو حامد الأسفرايني والكستلي والقدوري والصهيري وأبو عبد الله البيضاوي وأبو الفضل النسوي وأبو عبد الله النعمان فقيه الشيعة.

ثم كتب ببغداد محضر آخر بمثل ذلك سنة أربع وأربعين وزيد فيه انتسابهم إلى الديصانية من المجوس وبني القداح من اليهود، وكتب فيه العلوية والعباسية والفقهاء والقضاة وعملت به نسخ وبعث بها إلى البلاد.

** وفاة عميد الجيوش وولاية فخر الملك **

كان عميد الجيوش أبو علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز وكان أبو جعفر هذا من حجاب عضد الدولة، وجعل ابنه أبا علي في خدمة ابن صمصام الدولة، فلما قتل رجع إلى

خدمة بهاء الدولة، ولما استولى الخراب على بغداد وظهر العيارون بعثه بهاء الدولة عليها فأصلحها وقمع المفسدين. ومات لثمان سنين ونصف من ولايته إلى أول المائة الخامسة. وولى بهاء الدولة مكانه بالعراق فخر الملك أبا غالب. فوصل بغداد وأحسن السياسة واستقامت الأمور به. واتفق لأول قدومه وفاة أبي الفتح محمد بن عنان صاحب طريق خراسان بحلوان لعشرين سنة من إمارته. وكان كثير الأجلاب على بغداد. فلما توفي ولى ابنه أبو الشوك وقام مقامه فبعث فخر الملك العساكر لقتاله فهزموه إلى حلوان. ثم راجع الطاعة وأصلح حاله.

** مقتل فخر الملك وولاية ابن سهلان **

كان فخر الملك أبو غالب من أعظم وزراء بني بويه، وولى نيابة بغداد لسلطان الدولة خمس سنين وأربعة أشهر. ثم قبض عليه وقتله في ربيعة سنة ست وأربعمائة، وولى مكانه أبا محمد الحسن بن سهلان ولقبه عميد أصحاب الجيوش. وسار سنة تسع إلى بغداد وجرد من الطريق مع طراد بن دشير الأسدي في طلب مهارش ومضر ابني دشير. وكان مضر قد قبض عليه قديما بأمر فخر الملك. فأراد أن يأخذ جزيرة بني أسد منه ويوليها طرادا. فساروا عن المدار واتبعهم ولحق الحسن بن دبيس آخرهم فأوقع به واستباحة. ثم استأمن له مضر ومهارش فأمنهما وأشرك معهما طرادا في الجزيرة، ورجع وأنكر عليه سلطان الدولة فعله. ووصل إلى واسط والفتنة قائمة فأصلحها. ثم بلغه اشتداد الفتن ببغداد فسار وأصلحها وكان أمر الديلم قد ضعف ببغداد وخرجوا إلى واسط.

** الفتنة بين سلطان الدولة وأخيه أبي الفوارس **

قد ذكرنا ان سلطان الدولة لما ملك بعد أبيه بهاء الدولة ولى أخاه أبا الفوارس على كرمان. فلما سار إليها اجتمع إليه الديلم وحملوه على الانتقاض وانتزاع الملك من يد أخيه. فسار سنة ثمان إلى شيراز. ثم سار منها ولقيه سلطان الدولة فهزمه وعاد إلى كرمان. واتبعه سلطان الدولة فخرج هاربا من كرمان. ولحق محمود بن سبكتكين مستنجدا به فأكرمه وأمده بالعساكر. وعليهم أبو سعيد الطائي من أعيان قواده. فسار إلى كرمان وملكها. ثم إلى شيراز كذلك. وعاد سلطان الدولة لحربه فهزمه وأخرجه

من بلاد فارس إلى كرمان، وبعث الجيوش في أثره فانتزعوا كرمان منه. ولحق بشمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه صاحب همذان، وترك ابن سبكتكين لأنه أساء معاملة قائده أبي سعيد الطائي. ثم فارق شمس الدولة إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة فأكرمه، وبعث إليه أخوه جلال الدولة من البصرة مالا وثيابا وعرض عليه المسير إليه فأبى وأرسل أخاه سلطان الدولة في المراجعة وأعاده إلى ولاية كرمان، وقبض سلطان الدولة سنة تسع على وزير بن فانجس وإخوته، وولى مكانه أبا غالب الحسن بن منصور.

** خروج الترك من الصين **

وفي سنة ثمان وأربعين خرجت من المفازة التي بين الصين وما وراء النهر أمة عظيمة من الترك تزيد على ثلاثمائة ألف خيمة ويسمون الخيمة (جذكان) ، ويتخذونها من الجلود. وكان معظمهم من الخطا قد ظهروا في ملك تركستان، فمرض ملكها طغان فساروا إليها وعاثوا فيها. ثم أبل طغان واستنفر المسلمين من جميع النواحي وسار إليهم في مائة وعشرين ألفا فهزموا أمامه واتبعهم مسيرة ثلاثة أشهر، ثم كبسهم فقتل منهم نحوا من مائتي ألف وأسر مائة ألف، وغنم من الدواب والبيوت وأواني الذهب والفضة من معمول الصين ما لا يعبر عنه.

** ملك مشرف الدولة وغلبه على سلطان الدولة **

لم يزل سلطان الدولة ثابت القدم في ملكه بالعراق إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة فشغب عليه الجند ونادوا بشعار أخيه مشرف الدولة فأشير عليه بحبسه فعف عن ذلك وأراد الانحدار إلى واسط فطلبه الجند في الاستخلاف فاستخلف أخاه مشرف الدولة على العراق، وسار إلى الأهواز، فلما بلغ تستر استوزر سهلان، وقد كان اتفق مع أخيه مشرف الدولة الوزير ابن سهلان أن لا يستوزره، فاستوحش لذلك مشرف الدولة، وبعث سلطان الدولة الوزير ابن سهلان ليخرجه من العراق فجمع أتراك واسط وأبا الأغر دبيس بن علي بن مزيد، ولقي ابن سهلان عند واسط فهزمه وحاصره بها حتى اشتد حصاره، وجهده الحصار فصالحه ونزل عن واسط فملكها في ذي الحجة من سنة إحدى عشرة. وسار الديلم الذين بواسط في خدمته، وسار أخوه جلال الدولة أبو طاهر صاحب البصرة إلى وفاته وخطب له ببغداد، وقبض على ابن

سهلان وكحله. وسار سلطان الدولة إلى أرجان ثم رجع إلى الأهواز وثار عليه الأتراك الذين هنالك، ودعوا بشعار مشرف الدولة، وخرجوا إلى السابلة فأفسدوها، وعاد مشرف الدولة إلى بغداد فخطب له بها سنة اثنتي عشرة، وطلب منه الديلم أن ينحدروا إلى بيوتهم بخوزستان فبعث معهم وزيره أبا غالب، فلما وصلوا إلى الأهواز انتقضوا ونادوا بشعار سلطان الدولة، وقتلوا أبا غالب لسنة ونصف من وزارته. ولحق الأتراك الذين كانوا معه بطراد بن دبيس بالجزيرة. وبلغ سلطان الدولة قتل أبي غالب وافتراق الديلم فأنفذ ابنه أبا كاليجار إلى الأهواز وملكها. ثم وقع الصلح بينهما على يد أبي محمد بن أبي مكرم ومؤيد الملك الرخجي على أن تكون العراق لمشرف الدولة وفارس وكرمان لسلطان الدولة واستوزر مشرف الدولة أبا الحسين بن الحسن الرخجي ولقبه مؤيد الملك بعد قتل أبي غالب ومصادرة ابنه أبي العباس. ثم قبض عليه سنة أربع عشرة بعد حول من وزارته بسعاية الأثير الخادم فيه واستوزر مكانه أبا القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، كان أبوه من أصحاب سيف الدولة بن حمدان، وهرب إلى مصر وخدم الحاكم فقتله وهرب ابنه أبو القاسم هذا إلى الشام، وحمل حسان بن الفرج الجراح الطائي على نقض طاعة الحاكم والبيعة لأبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة، فاستقدمه إلى الرملة وبايعه. ثم خلفه وعاد إلى مكة وقصد أبو القاسم العراق، واتصل بالوزير فخر الملك وأمره القادر بإبعاده، فلحق بقرواش أمير الموصل، وكتب له ثم عاد إلى العراق وتنقلت به الحال إلى أن وزر بعد مؤيد الملك الرخجي، وكان خبيثا محتالا حسودا.

ثم قدم مشرف الدولة إلى بغداد سنة أربع عشرة ولقيه القادر ولم يلق أحدا قبله.

** الخبر عن وحشة الأكراد وفتنة الكوفة **

كان الأثير عنبر الخادم مستوليا في دولة مشرف الدولة الوزير أبي القاسم المغربي عديله في حملها فنقم الأتراك عليهما، وطلب من مشرف الدولة الخراج [1] من بغداد خوفا على أنفسهما، فخرج معهما غضبا على الأتراك، ونزلوا على قرواش بالسندية. واستعظم الأتراك ذلك، وبعثوا بالاعتذار والرغبة. وقال أبو

القاسم المغربي دخل بغداد إنما هو أربعمائة ألف وخرجها ستمائة فاتركوا مائة واحتمل مائة فأجابوه إلى ذلك خداعا. وشعر بوصولهم فهرب لعشرة أشهر من وزارته. ثم كانت فتنة بالكوفة بين العلوية والعباسية. وكان لأبي القاسم المغربي صهر وصداقة في العلوية فاستعدى العباسيون المغربي عليهم فلم يعدهم [1] لمكان المغربي. وأمرهم بالصلح فرجعوا إلى الكوفة. واستمد كل واحد منهم خفاجة فأمدوهم وافترقوا عليهم. واقتتل العلوية والعباسية فغلبهم العلوية ولحقوا ببغداد. ومنعوا الخطبة يوم الجمعة. وقتلوا بعض قرابة العلوية الذين بالكوفة. فعهد القادر للمرتضى أن يصرف أبا الحسن علي بن أبي طالب ابن عمر عن نقابة الكوفة. ويردها إلى المختار صاحب العباسية. وبلغ ذلك المغربي عند قرواش بسر من رأى فشرع في إرغام القادر. وبعث القادر إلى قرواش بطرده فلحق بابن مروان في ديار بكر.

** وفاة مشرف الدولة وولاية أخيه جلال الدولة **

ثم توفي مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة سنة ست عشرة في ربيع لخمس سنين من ملكه، وولى مكانه بالعراق أخوه أبو طاهر جلال الدولة صاحب البصرة وخطب له ببغداد، واستقدم فبلغ واسط ثم عاد إلى البصرة فقطعت خطبته وخطب ببغداد في شوال لابن أخيه أبي كاليجار بن سلطان الدولة، وهو بخوزستان يحارب عمه أبا الفوارس صاحب كرمان. وسمع جلال الدولة بذلك فبادر إلى بغداد ومعه وزيره أبو سعد ابن ماكولا. ولقيه عسكرها فردوه أقبح رد ونهبوا خزائنه فعاد إلى البصرة، واستحثوا أبا كاليجار فتباطأ لشغله بحرب عمه، وسار إلى كرمان لقتال عمه فملكها واعتصم عمه بالجبال. ثم تراسلا واصطلحا على أن تبقى كرمان لأبي الفوارس وتكون بلاد فارس لأبي كاليجار.

** قدوم جلال الدولة إلى بغداد **

ولما رأى الأتراك اختلال الأحوال وضعف الدولة بفتنة العامة وتسلط العرب والأكراد بحصار بغداد، وطمعهم فيها وأنهم بقوا فوضى، وندموا على ما كان منهم في رد جلال الدولة، اجتمعوا إلى الخليفة يرغبون إلى ان يحضر جلال الدولة من البصرة

ليقيم أمر الدولة فبعث إليه القاضي أبا جعفر السمناني بالعهد عليه. وعلى القواد فسار جلال الدولة إلى بغداد في جمادى من سنة ثمان عشرة. وركب الخليفة في الطيار لتلقيه فدخل ونزل التجيبي وأمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات. ومنعه الخليفة من ذلك فقطعه مغاضبا. ثم أذن له الخليفة فيه فأعاده. وأرسل مؤيد الملك أبا علي الرخجي إلى الأثير عنبر الخادم عند قرواش يستدعيه يعتذر عن الأتراك. ثم شغب الأتراك عليه سنة تسع عشرة وحاصروه بداره وطلبوا من الوزير أبي علي بن ماكولا أرزاقهم. ونهبوا دوره ودور الكتاب والحواشي. وبعث القادر من أصلح بينهم وبينه فسكن شغبهم. ثم خالفوا أبا كاليجار بن سلطان الدولة إلى البصرة فملكها، ثم ملك كرمان بعد وفاة صاحبها قوام الدولة أبي الفوارس بن بهاء الدولة كما نذكر في أخبارهم في دولتهم عند إفرادها بالذكر فنستوفي أخبارهم ودول سائر بني بويه وبني وشمكير وبني المرزبان وغيرهم من الديلم في النواحي.

** مسير جلال الدولة إلى الأهواز **

كان نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلة، ولم تكن الحلة يومئذ بمدينة، قد خطب لأبي كاليجار لمضايقة المقلد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد وجمع عليه منيعا أمير بني خفاجة وعساكر بغداد، فخطب هو لأبي كاليجار واستدعاه لملك واسط وبها الملك العزيز بن جلال الدولة فلحق بالنعمانية وتركها وضيق عليه نور الدولة من كل جهة فتفرق ناس من أصحابه وهلك الكثير من أثقاله واستولى أبو كاليجار على واسط ثم خطب له في البطيحة وأرسل إلى قرواش صاحب الموصل وعنده الأثير عنبر يستدعيهما إلى بغداد، فانحدر عنبر إلى الكحيل ومات به.

وقعد قرواش وجمع جلال الدولة عساكره ببغداد، واستمد أبا الشوك وغيره، وانحدر إلى واسط وأقام هنالك من غير قتال، وضاقت عليه الأحوال. واعتزم أبو كاليجار على مخالفته إلى بغداد، وجاءه كتاب أبي الشوك بزحف عساكر محمود بن سبكتكين إلى العراق، ويشير بالصلح والاجتماع لمدافعتهم، فأنفذ أبو كاليجار الكتاب لجلال الدولة فلم ينته عن قصده، ودخل الأهواز فنهبها، وأخذ من دار الإمارة مائتي ألف دينار، واستباح العرب والأكراد سائر البلد وحمل حريم كاليجار إلى بغداد سبيا فماتت أمه في الطريق. وسار أبو كاليجار لاعتراض جلال الدولة وتخلف عنه دبيس

لدفع خفاجة عن أصحابه. واقتتلوا في ربيع سنة إحدى وعشرين ثلاثة أيام فانهزم أبو كاليجار، وقتل من أصحابه ألفان. ودبيس لما فارق أبا كاليجار وصل الى بلده وجمع إليه جماعة من قومه، وكانوا منتقضين عليه بالجامعين فأوقع بهم وحبس منهم وردهم إلى وفاقه. ثم لقي المقلد بن أبي الأغر وعساكر جلال الدولة فانهزم أمامهم وأسر جماعة من أصحابه، وسار منهزما إلى أبي سنان غريب بن مكين فأصلح حاله مع جلال الدولة وأعاده إلى ولايته على ضمان عشرة آلاف دينار، وسمع بذلك المقلد فجمع خفاجة ونهبوا النيل وسورا وأحرقوا منازلها. ثم عبر المقلد إلى أبي الشوك فأصلح أمره مع جلال الدولة. ثم بعث جلال الدولة سنة إحدى وعشرين عسكره إلى المدار فملكها من يد أصحاب أبي كاليجار، واستباحوها، وبعث أبو كاليجار عسكره لمدافعتهم فهزموهم وثار أهل البلد بهم فقتلوهم، ولحق من نجا منهم بواسط وعادت المدار إلى أبي كاليجار.

** استيلاء جلال الدولة على البصرة ثانيا وانتزاعها منه **

لما استولى جلال الدولة على واسط نزل بها ولده وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح فملكها. ثم بعثه إلى البصرة وبها أبو منصور بختيار بن علي من قبل أبي كاليجار. فسار في السفن وعليهم أبو عبد الله الشرابي صاحب البطيحة فلقى بختيار وهزمه. ثم سار الوزير أبو علي في أثره في السفن فهزمه بختيار. وسيق إليه أسيرا فأكرمه وبعثه إلى أبي كاليجار فأقام عنده، وقتله غلمانه خوفا منه لقبيح منهم اطلع عليه. وكان قد أحدث في ولايته رسوما جائرة ومكوسا فاضحة. ولما أصيب الوزير أبو علي بعث جلال الدولة من كان عنده من جند البصرة فقاتلوا عسكر أبي كاليجار، وهزموهم وملكوا البصرة ونجا من كان بها إلى أبي منصور بختيار بالأبلة.

وبعث السفن لقتال من بالبصرة فظفر بهم أصحاب جلال الدولة فسار بختيار بنفسه وقاتلهم، وانهزم وقتل وأخذ كثير من السفهاء. وعزم الأتراك بالبصرة على المسير إلى الأبلة وطلبوا المال من العامل فاختلفوا وتنازعوا وافترقوا، ورجع صاحب البطيحة، واستأمن آخرون إلى أبي الفرج ابن مسافجس وزير أبي كاليجار. وجاء إلى البصرة فملكها. ثم توفي بختيار نائب الملك أبي كاليجار في البصرة، وقام بعده صهره أبو القاسم بطاعة أبي كاليجار في البصرة. ثم استوحش وانتقض وبعث بالطاعة لجلال

الدولة وخطب له، وبعث إلى ابنه العزيز بواسط يستدعيه فسار إليه وأخرج عساكر أبي كاليجار وأقام معه إلى سنة خمس وعشرين والحكم لأبي القاسم. ثم أغراه الديلم به وأنه يتغلب عليهم، فأخرجه العزيز وامتنع بالأبلة وحاربهم أياما، وأخرج العزيز عن البصرة، ولحق بواسط وعاد أبو القاسم إلى طاعة أبي كاليجار.

** وفاة القادر ونصب القائم **

ثم توفي القادر بالله سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة لإحدى وعشرين سنة وأربعة أشهر من خلافته، وكانت الخلافة قبلها قد ذهب رونقها بجسارة الديلم والأتراك عليها، فأعاد إليها أبهتها وجدد ناموسها، وكان له في قلوب الناس هيبة. ولما توفي نصب للخلافة ابنه أبو جعفر عبد الله، وقد كان أبوه بايع له بالعهد في السنة قبلها لمرض طرقه وأرجف الناس بموته، فبويع الآن واستقرت له الخلافة ولقب القائم بأمر الله.

وأول من بايعه الشريف المرتضى. وبعث القاضي أبا الحسن الماوردي إلى أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة ويخطب له في بلاده. فأجاب وبعث بالهدايا. ووقعت لأول بيعته فتنة بين أهل السنة والشيعة، وعظم الهرج والنهب والقتل وخربت فيها أسواق وقتل كثير من جباة المكوس. وأصيب أهل الكرخ وتطرق الدعار إلى كبس المنازل ليلا، وتنادى الجند بكراهية جلال الدولة وقطع خطبته. ولم يجبهم القائم إلى ذلك وفرق جلال الدولة فيهم الأموال فسكنوا، وقعد في بيته وأخرج دوابه من الإصطبل وأطلقها بغير سائس ولا حافظ لقلة العلف. وطلب الأتراك منه أن يحملهم في كل وقت فأطلقها، وكانت خمسة عشر وفقد الجاري فطرد الطواشي والحواشي والأتباع وأغلق باب داره والفتنة تتزايد إلى آخر السنة.

** وثوب الجند بجلال الدولة وخروجه من بغداد **

ثم جاء الأتراك سنة ست وعشرين إلى جلال الدولة فنهبوا داره وكتبه ودواوينه، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهيلي فهرب إلى حلة غريب بن مكين، وخرج جلال الدولة إلى عكبرا وخطبوا ببغداد لأبي كاليجار وهو بالأهواز واستقدموه فأشار عليه بعض أصحابه بالامتناع فاعتذر إليهم فأعادوا لجلال الدولة. وساروا إليه معتذرين وأعادوه بعد ثلاثة وأربعين يوما واستوزر أبا القاسم بن ماكولا، ثم عزله واستوزر

عميد الملك أبا سعيد عبد الرحيم. ثم أمره بمصادرة أبي المعمر بن الحسين البساسيري فاعتقله في داره، وجاء الأتراك لمنعه فضربوا الوزير ومزقوا ثيابه وأدموه. وركب جلال الدولة فأطفأ الفتنة وأخذ من البساسيري ألف دينار وأطلقه، واختفى الوزير.

ثم شغب الجند ثانيا في رمضان وأنكروا تقديم الوزير أبي القاسم من غير علمهم وأنه يريد التعرض لأموالهم فوثبوا به ونهبوا داره وأخرجوه إلى مسجد هنالك فوكلوا به فوثب العامة مع بعض القواد من أصحابه فأطلقوه وأعادوه إلى داره. وذهب هو في الليل إلى الكرخ بحرمة ووزيره أبو القاسم معه. واختلف الجند في أمره وأرسلوا إليه بأن يملكوا بعض أولاده الأصاغر، وينحدر هو إلى واسط، وهو في خلال ذلك يستميلهم حتى فرق جماعتهم، وجاء الكثير إليه فأعادوه إلى داره، واستخلف البساسيري في جماعة للجانب الغربي سنة خمس وعشرين لاشتداد أمر العيارين ببغداد، وكثرة الهرج وكفايته هو ونهضته [1] . ثم عاد أمر الخلافة والسلطنة إلى أن اضمحل وتلاشى، وخرج بعض الجند إلى قرية فلقيهم أكراد وأخذوا دوابهم وجاءوا إلى بستان القائم فتعللوا على عماله بأنهم لم يدفعوا عنهم، ونهبوا ثمرة البستان، وعجز جلال الدولة عن عتاب الأكراد وعقاب الجند، وسخط القائم أمره وتقدم إلى القضاة والشهود والفقهاء بتعطيل المراتب الدينية، فرغب جلال الدولة من الجند أن يحملهم إلى ديوان الخلافة فحملوا وأطلقوا، وعظم أمر العيارين وصاروا في حماية الجند وانتشر العرب في النواحي فنهبوها وأفسدوا السابلة. وبلغوا جامع المنصور من البلد، وسلبوا النساء في المقبرة.

ولحق الوزير أبو سعيد وزير جلال الدولة بابي الشوك مفارقا للوزارة، ووزر بعده أبا القاسم فكثرت مطالبات الجند عليه فهرب وأخذه الجند وجاءوا به الى دار الملك حاسرا عاريا إلا من قميص خلق، وذلك لشهرين من وزارته، وعاد سعيد بن عبد الرحيم إلى الوزارة. ثم ثار الجند سنة سبع وعشرين بجلال الدولة وأخرجوه من بغداد بعد ان استمهلهم ثلاثا فأبوا ورموه بالحجارة فأصابوه، ومضى الى دار المرتضى بالكرخ. وسار منها إلى رافع بن الحسين بن مكن بتكريت، ونهب الأتراك داره، وقلعوا أبوابها، ثم أصلح القائم شأنه مع الجند، وأعاده وقبض على وزيره أبي سعيد

ابن عبد الرحيم، وهي وزارته السادسة. وفي هذه السنة نهى القائم عن التعامل بالدنانير المعزية، وتقدم إلى الشهود أن لا يذكروها في كتب التعامل.

** الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار **

ترددت الرسل سنة ثمان وعشرين بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار حتى انعقد بينهما الصلح على يد القاضي أبي الحسن الماوردي وأبي عبد الله المردوسي، واستحلف كل واحد منهما للآخر، وأظهر جلال الدولة سنة تسع وعشرين من القائم الخطاب بملك الملوك فرد ذلك الى الفتيا، وأجازه القاضي أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو عبد الله الصهيري، والقاضي ابن البيضاوي وأبو القاسم الكرخي، ومنع منه القاضي أبو الحسن الماوردي ورد عليهم فأخذ بفتواهم، وخطب له بملك الملوك. وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة، وكان يتردد إليه. ثم انقطع عنه بهذه الفتيا، ولزم بيته من رمضان الى النحر فاستدعاه جلال الدولة وحضر خائفا، وشكره على القول بالحق، وعدم المحاباة، وقد عدت إلى ما تحب فشكره ودعا له، وأذن للحاضرين بالانصراف معه، وكان الاذن لهم تبعا له.

** استيلاء أبي كاليجار على البصرة **

وفي سنة إحدى وثلاثين بعث ابو كاليجار عساكره الى البصرة مع العادل أبي منصور ابن مافنة، وكانت في ولاية الظهير أبي القاسم بن [1] وليها بعد بختيار، انتقض عليه مرة ثم عاد، وكان يحمل إلى أبي كاليجار كل سنة سبعين ألف دينار، وكثرت أمواله ودامت دولته. ثم تعرض ملا الحسين بن أبي القاسم بن مكرم صاحب عمان فكاتب ابا كاليجار وضمن البصرة بزيادة ثلاثين ألف دينار، وبعث ابو كاليجار العساكر مع ابن مسافيه [2] كما ذكرنا. وجاء المدد من عمان إلى البصرة، وملكوها وقبض على الظهير أبي القاسم، وأخذت أمواله وصودر على مائتي ألف دينار فأعطاها، وجاء الملك أبو كاليجار البصرة فأقام بها أياما وولى فيها ابنه عز الملوك ومعه الوزير أبو الفرج بن فسانجس، ثم عاد الى الأهواز وحمل معه الظهير.

** شغب الأتراك على جلال الدولة **

ثم شغب الأتراك على جلال الدولة سنة اثنتين وثلاثين وخيموا بظاهر البلد ونهبوا منها مواضع. وخيم جلال الدولة بالجانب الغربي وأراد الرحيل عن بغداد فمنعه أصحابه فاستمد دبيس بن مزيد وقرواشا صاحب الموصل فأمدوه بالعساكر. ثم صلحت الأحوال بينهم وعاد إلى داره وطمع الأتراك وكثر نهبهم وتعديهم وفسدت الأمور بالكلية.

** ابتداء دولة السلجوقية **

قد تقدم لنا أن أمم الترك في الربع الشرقي الشمالي من المعمور، ما بين الصين إلى تركستان إلى خوارزم والشاش وفرغانة، وما وراء النهر بخارى وسمرقند وترمذ، وأن المسلمين أزاحوهم أول الملة عن بلاد ما وراء النهر وغلبوهم عليها، وبقيت تركستان وكاشغر والشاش وفرغانة بأيديهم يؤدون عليها الجزاء [1] . ثم أسلموا عليها فكان لهم بتركستان ملك ودولة، نذكرها فيما بعد، فإن استفحالها كان في دولة بني سامان جيرانهم فيما وراء النهر. وكان في المفازة بين تركستان وبلاد الصين أمم من الترك لا يحصيهم إلا خالقهم لاتساع هذه المفازة وبعد أقطارها فإنها فيما يقال مسيرة شهر من كل جهة، فكان هنالك أحياء بادون منتجعون رجالة غذاؤهم اللحوم والألبان والذرة في بعض الأحيان ومراكبهم الخيل، ومنها كسبهم وعليها قيامهم وعلى الشاء والبقر من بين الأنعام، فلم يزالوا بتلك القفار مذودين عن العمران بالحامية، المالكين له في كل جهة. وكان من أممهم الغز والخطا والتتر وقد تقدم ذكر هؤلاء الشعوب.

فلما انتهت دولة ملوك تركستان وكان شغر [2] إلى غايتها، وأخذت في الاضمحلال والتلاشي كما هو شأن الدول وطبيعتها. تقدم هؤلاء إلى بلاد تركستان فأجلبوا عليها بما كان غالب معاشهم في تخطف الناس من السبل، وتناول الرزق بالرماح شأن أهل القفر البادين، وأقاموا بمفازة بخارى. ثم انقرضت دولة بني سامان ودولة أهل تركستان. واستولى محمود بن سبكتكين من قواد بني سامان وصنائعهم على ذلك كله. وعبر بعض الأيام إلى بخارى فحضر عنده أرسلان بن سلجوق فقبض عليه.

وبعث به إلى بلاد الهند فحبسه، وسار إلى أحيائه فاستباحها، ولحق بخراسان وسارت العساكر في اتباعهم فلحقوا بأصبهان وهم صاحبها علاء الدولة بن كالويه بالغدر بهم، وشعروا بذلك فقاتلوه بأصبهان فغلبهم، فانصرفوا إلى أذربيجان فقاتلهم صاحبها وهشودان من بني المرزبان. وكانوا لما قصدوا أصبهان بقي فلهم بنواحي خوارزم فعاثوا في البلاد، وخرج إليهم صاحب طوس وقاتلهم. وجاء محمود بن سبكتكين فسار في اتباعهم من رستاق إلى جرجان، ورجع عنهم، ثم استأمنوا فاستخدمهم وتقدمهم يغمر، وأنزل ابنه بالري. ثم مات محمود وولي أخوه مسعود، وشغل بحروب الهند فانتقضوا وبعث إليهم قائدا في العساكر، وكانوا يسمون العراقية وأمراؤهم يومئذ كوكاش ومرقا وكول ويغمر وباصعكي، ووصلوا إلى الدامغان فاستباحوها، ثم سمنان، ثم عاثوا في أعمال الري واجتمع صاحب طبرستان وصاحب الري مع قائد مسعود وقاتلوهم فهزمهم الغز وفتكوا فيهم وقصدوا الري فملكوه، وهرب صاحبه إلى بعض قلاعه فتحصن بها، وذلك سنة ست وعشرين وأربعمائة.

واستألفهم علاء الدولة بن كالويه ليدافع بهم ابن سبكتكين فأجابوه أولا، ثم انتقضوا. وأما الذين قصدوا أذربيجان منهم، ومقدموهم بوقا وكوكباش [1] ومنصور ودانا فاستألفهم وهشودان ليستظهر بهم، فلم يحصل على بغيته من ذلك. وساروا إلى مراغة سنة تسع وعشرين فاستباحوها، ونالوا من الأكراد الهديانية فحاربوهم وغلبوهم وافترقوا فرقتين، فرجع بوقا إلى أصحابهم الذين بالري، وسار منصور وكوكباش إلى همذان، وبها أبو كاليجار بن علاء الدولة بن كالويه فظاهرهم على حصاره متى خسرو بن مجد الدولة فلما جهده الحصار لحق بأصبهان وترك البلد فدخلوها واستباحوها، وفعلوا في الكرخ مثل ذلك، وحاصروا قزوين حتى أطاعوهم وبذلوا لهم سبعة آلاف دينار. وسار طائفة منهم إلى بلد الأرمن فاستباحوها وأثخنوا فيها ورجعوا إلى أرمينية. ثم رجعوا من الري إلى حصار همذان فتركها أبو كاليجار وملكوها سنة ثلاثين ومعهم متى خسرو المذكور فاستباحوا تلك النواحي إلى أستراباذ، وقاتلهم أبو الفتح بن أبي الشوك صاحب الدينور فهزمهم وأسر منهم وصالحوه على إطلاق أسراهم. ثم مكروا بأبي كاليجار أن يكون معهم ويدبر أمرهم، وغدروا به ونهبوه.

وخرج علاء الدولة من أصبهان فلقي طائفة منهم فأوقع بهم وأثخن فيهم وأوقع وهشودان بمن كان منهم في أذربيجان وظفر بهم الأكراد وأثخنوا فيهم. وفرقوا

جماعتهم. ثم توفي كول أمير الفرق الذين بالري، وكانوا لما أجازوا من وراء النهر إلى خراسان بقي بمواطنهم الأولى هنالك طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق وإخوته داود وسعدان وينال وهمغري فخرجوا إلى خراسان من بعدهم. وكانوا اشد منهم شوكة وأقوى عليهم سلطانا فسار ينال أخو طغرلبك إلى الري فهربوا إلى أذربيجان ثم إلى جزيرة ابن عمر وديار بكر. ومكر سليمان بن نصير الدولة بن مروان صاحب الجزيرة بمنصور بن غز علي منهم فحبسه وافترق أصحابه، وبعث قرواش صاحب الموصل إليهم جيشه فطردهم وافترقت جموعهم، ولحق الغز بديار بكر وأثخنوا فيها، وأطلق نصير الدولة أميرهم منصورا من يد ابنه فلم ينتفع منهم بذلك. وقاتلهم صاحب الموصل فحاصروه ثم ركب في السفين ونجا إلى السند وملكوا البلد وعاثوا فيها. وبعث قراوش إلى الملك جلال الدولة يستنجده، وإلى دبيس بن مزيد وأمراء العرب.

وفرض الغز على أهل الموصل عشرين ألف دينار فثار الناس بهم، وكان كوكباش قد فارق الموصل فرجع ودخلها عنوة في رجب سنة خمس وثلاثين، وأفحش في القتل والنهب. وكانوا يخطبون للخليفة ولطغرلبك بعده، فكتب الملك جلال الدولة إلى طغرلبك يشكو له بأحوالهم، فكتب إليه أن هؤلاء الغز كانوا في خدمتنا وطاعتنا حتى حدث بيننا وبين محمود بن سبكتكين ما علمتم، ونهضنا إليه، وساروا في خدمتنا في نواحي خراسان فتجاوزوا حدود الطاعة وملكة الهيبة، ولا بد من إنزال العقوبة بهم.

وبعث إلى نصير الدولة بعده يكفهم عنه. وسار دبيس بن مزيد وبنو عقيل إلى قرواش حاجب الموصل وقعد جلال الدولة عن إنجاده لما نزل به من الأتراك. وسمع الغز بجموع قرواش فبعثوا إلى من كان بديار بكر منهم واجتمعوا إليهم، واقتتل الفريقان فانهزم العرب أول النهار، ثم أتيحت لهم الكرة على الغز فهزموهم واستباحوهم وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا، واتبعهم قرواش إلى نصيبين ورجع عنهم فساروا إلى ديار بكر وبلاد الأرمن والروم، وكثر عيثهم فيها وكان طغرلبك وإخوته لما جاءوا إلى خراسان طالت الحروب بينهم وبين عساكر بني سبكتكين حتى غلبوهم وحصل لهم الظفر، وهزموا سياوشي حاجب مسعود آخر هزائمهم، وملكوا هراة فهرب عنها سياوشي الحاجب ولحق بغزنة، وزحف إليهم مسعود ودخلوا البرية، ولم يزل في اتباعهم ثلاث سنين. ثم انتهزوا فيه الفرصة باختلاف عسكره يوما على الماء فانهزموا وغنموا عسكره وسار طغرلبك إلى نيسابور سنة إحدى وثلاثين فملكها وسكن

السادياج، وخطب له بالسلطان الأعظم العمال في النواحي. وكان الدعار قد اشتد ضررهم بنيسابور فسد أمرهم وحسم عللهم، واستولى السلجوقية على جميع البلاد.

وسار بيقو إلى هراة فملكها وسار داود إلى بلخ وبها القوتباق حاجب مسعود فحاصره، وعجز مسعود عن إمداده فسلم البلد لداود، واستقل السلجوقية بملك البلاد أجمع. ثم ملك طغرلبك طبرستان وجرجان من يد أنوشروان بن متوجهر قابوس، وضمنها أنوشروان بثلاثين ألف دينار، وولى على جرجان مرداويج من أصحابه بخمسين ألف دينار، وبعث القائم القاضي أبا الحسن الماوردي إلى طغرلبك فقرر الصلح بينه وبين جلال الدولة القائم بدولته ورجع بطاعته.

** فتنة قرواش مع جلال الدولة **

كان قرواش قد أنفذ عسكره سنة إحدى وثلاثين لحصار خميس بن ثعلب بتكريت، واستغاث بجلال الدولة، وأمر قرواشا بالكف عنه فلم يفعل وسار لحصاره بنفسه.

وبعث إلى الأتراك ببغداد يستفسدهم على جلال الدولة فاطلع على ذلك فبعث أبا الحرث أرسلان البساسيري في صفر سنة اثنتين وثلاثين للقبض على نائب قرواش بالسندسية، واعترضه العرب فمنعوه ورجع وأقاموا بين صرصر وبغداد يفسدون السابلة، وجمع جلال الدولة العساكر وخرج إلى الأنبار وبها قرواش فحاصرها. ثم اختلفت عقيل على قرواش فرجع إلى مصالحة جلال الدولة.

** وفاة جلال الدولة وملك أبي كاليجار **

لما قلت الجبايات ببغداد مد جلال الدولة يده إلى الجوالي فأخذها وكانت خاصة بالخليفة. ثم توفي جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة في شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة لسبع عشرة من ملكه. ولما مات خاف حاشيته من الأتراك والعامة فانتقل الوزير كمال الملك بن عبد الرحيم وأصحابه الأكابر إلى حرم دار الخلافة، واجتمع القواد للمدافعة عنهم وكاتبوا الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة في واسط بالطاعة واستقدموه وطلبوا حتى البيعة فراوضهم فيها، فكاتبهم أبو كاليجار عنها فعدلوا إليه، وجاء العزيز من واسط وانتهى إلى النعمانية فغدر به عسكره، ورجعوا إلى واسط وخطبوا لأبي كاليجار. وسار العزيز إلى دبيس بن مزيد، ثم إلى

قرواش بن المقلد، ثم فارقه إلى أبي الشوك فغدر به فسار إلى ينال أخي طغرلبك فأقام عنده مدة. ثم قصد بغداد مختفيا فظهر على بعض أصحابه فقتله، ولحق هو بنصير الدولة بن مروان فتوفي عنده بميافارقين سنة إحدى وأربعين. وأما أبو كاليجار فخطب له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين. وبعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار وبأموال أخرى فرقت إلى الجند ولقبه القائم بمحي الدين، وخطب له أبو الشوك ودبيس بن مزيد ونصير الدولة بن مروان بأعمالهم. وسار إلى بغداد ومعه وزيره أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن فسانجس. وهم القائم لاستقباله فاستعفى من ذلك، وخلع على أرباب الجيوش، وهم البساسيري والنساوري والهمام أبو اللقاء. وأخرج عميد الدولة أبا سعيد من بغداد فمضى إلى تكريت، وعاد أبو منصور بن علاء الدولة بن كالويه صاحب أصبهان إلى طاعته، وخطب له على منبره انحرافا عن طغرلبك. ثم راجعه بعد الحصار واصطلحا على مال يحمله، وبعث أبو كاليجار إلى السلطان طغرلبك في الصلح وزوجه ابنته فأجاب وتم بينهما سنة تسع وثلاثين.

** وفاة أبي كاليجار وملك ابنه الملك الرحيم **

كان أبو كاليجار والمرزبان بن سلطان الدولة قد سارا سنة أربعين إلى نواحي كرمان، وكان صاحبها بهرام بن لشكرستان من وجوه الديلم قد منع الحمل فتنكر له أبو كاليجار، وبعث إلى أبي كاليجار يحتمي به، وهو بقلعة برد شير فملكها من يده، وقتل بهرام بعض الجند الذين ظهر منهم على الميل لأبي كاليجار فسار إليه ومرض في طريقه، ومات بمدينة جنايا في سنة أربعين لأربع سنين وثلاثة أشهر من ملكه. ولما توفي نهب الأتراك معسكره وانتقل ولده أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير أبي منصور، وأرادوا نهبه فمنعهم الديلم، وساروا إلى شيراز فملكها أبو منصور واستوحش الوزير منه فلحق ببعض قلاعه، وامتنع بها، ووصل خبر وفاة أبي كاليجار إلى بغداد وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خسرو فيروز فبايع له الجند وبعث إلى الخليفة في الخطبة والتلقب بالملك الرحيم فأجابه إلى ما سأل إلا اللقب بالرحيم للمانع الشرعي من ذلك. واستقر ملكه بالعراق وخوزستان والبصرة، وكان بها أخوه أبو علي، واستولى أخوه أبو منصور كما ذكرنا على شيراز فبعث الملك الرحيم أخاه أبا سعد في العساكر فملكها، وقبض على أخيه أبي منصور، وسار العزيز جلال الدولة من

عند قرواش إلى البصرة فدافعه أبو علي بن كاليجار عنها. ثم سار الملك الرحيم إلى خوزستان. وأطاعه من بها من الجند وكثرت الفتنة ببغداد بين أهل السنة والشيعة.

** مسير الملك الرحيم الى فارس **

ثم سار الملك الرحيم من الأهواز إلى فارس سنة إحدى وأربعين، وخيم بظاهر شيراز.

ووقعت فتنة بين أتراك شيراز وبغداد فرحل أتراك بغداد إلى العراق. وتبعهم الملك الرحيم لانحرافه عن أتراك شيراز. وكان أيضا منحرفا عن الديلم بفارس لميلهم إلى أخيه فلاستون بإصطخر، وانتهى إلى الأهواز فأقام بها واستخلف بأرجان أخويه أبا سعد وأبا طالب فزحف إليهما أخوهما فلاستون، وخرج الملك الرحيم من الأهواز إلى رامهرمز للقائهم فلقيهم وانهزم إلى البصرة، ثم إلى واسط. وسارت عساكر فارس إلى الأهواز فملكوها وخيموا بظاهرها. ثم شغبوا على أبي منصور، وجاء بعضهم إلى الملك الرحيم فبعث إلى بغداد واستقر الجند الذين بها، وسار إلى الأهواز فملكها وأقام ينتظر عسكر بغداد. ثم سار إلى عسكر مكرم فملكها سنة اثنتين وأربعين. ثم تقدم سنة ثلاث وأربعين ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما. وسار هزارشب بن تنكير ومنصور بن الحسين الأسدي فيمن معهما من الديلم والأكراد من أرجان إلى تستر فسبقهم الملك الرحيم إليها وغلبهم عليها. ثم زحف في عسكر هزارشب فوافاه أميره أبو منصور بمدينة شيراز فاضطربوا ورجعوا. ولحق منهم جماعة بالملك الرحيم فبعث عساكر إلى رامهرمز وبها أصحاب أبي منصور فحاصرها وملكها في ربيع سنة ثلاث وأربعين. ثم بعث أخاه أبا سعد في العساكر إلى بلاد فارس لأن أخاه أبا نصر خسرو كان بإصطخر، ضجر من تغلب هزارشب بن تنكير صاحب أخيه أبي منصور فكتب إلى أخيه الملك الرحيم بالطاعة فبعث إليه أخاه أبا سعد فأدخله إصطخر وملكه. ثم اجتمع أبو منصور فلاستون وهزارشب ومنصور بن الحسين الأسدي، وساروا للقاء الملك الرحيم بالأهواز، واستمدوا السلطان طغرلبك وأبوا طاعته، فبعث إليهم عسكرا، وكان قد ملك أصبهان واستطال وافترق كثير من أصحاب الملك الرحيم عنه، مثل البساسيري ودبيس بن مزيد والعرب والأكراد وبقي في الديلم الأهوازية وبعض الأتراك من بغداد ورأى أن يعود من عسكر مكرم إلى الأهواز ليتحصن بها وينتظر عسكر بغداد. ثم بعث أخاه أبا سعد إلى فارس كما ذكرنا ليشغل أبا منصور

وهزارشب ومن معهما عن قصده فلم يعرجوا على ذلك. وساروا إليه بالأهواز وقاتلهم فانهزم الى واسط ونهب الأهواز وفقد في الواقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي عبد الرحيم فلم يوقف له على خبر. وسار أبو منصور وأصحابه إلى شيراز لأجل أبي سعد وأصحابه فلقيهم قريبا منها، وهزمهم مرات واستأمن إليه الكثير منهم، واعتصم أبو منصور ببعض القلاع وأعيدت الخطبة بالأهواز للملك الرحيم، واستدعاه الجند بها وعظمت الفتنة ببغداد بين أهل السنة والشيعة في غيبة الملك الرحيم واقتتلوا، وبعث القائم نقيب العلويين ونقيب العباسيين لكشف الأمر بينهما فلم يوقف على يقين في ذلك. وزاد الأمر وأحرقت مشاهد العظماء من أهل البيت، وبلغ الخبر إلى دبيس ابن مزيد فاتهم القائم بالمداهنة في ذلك فقطع الخطبة له ثم عوتب فاستعتب وعاد إلى حاله.

** مهادنة طغرلبك للقائم **

قد تقدم لنا شأن الغز واستيلائهم على خراسان من يد بني سبكتكين عام اثنتين وثلاثين، ثم استيلاء طغرلبك على أصبهان من يد ابن كالويه سنة اثنتين وأربعين.

ثم بعث السلطان طغرلبك أرسلان بن أخيه داود إلى بلاد فارس فافتتحها سنة اثنتين وأربعين، واستلحم من كان بها من الديلم، ونزل مدينة نسا وبعث إليه القائم بأمر الله بالخلع والألقاب، وولاه على ما غلب عليه فبعث إليه طغرلبك بعشرة آلاف دينار، وأعلاق نفيسة من الجواهر والثياب والطيب، وإلى الحاشية بخمسة آلاف دينار، وللوزير رئيس الرؤساء بألفين، وحضروا العيد في سنة ثلاث وأربعين ببغداد فأمر الخليفة بالاحتفال في الزينة والمراكب والسلاح. ثم سار الغز سنة أربع وأربعين إلى شيراز وبها الأمير أبو سعد أخو الملك الرحيم فقاتلهم وهزمهم كما نذكر في أخبارهم.

** استيلاء الملك الرحيم على البصرة من يد أخيه **

ثم بعث الملك الرحيم سنة أربع وأربعين جيوشه إلى البصرة مع بصيرة البساسيري فحاصروا بها أخاه أبا علي وقاتلوا عسكره في السفن فهزموهم وملكوا عليهم دجلة والأنهر. وجاء الملك الرحيم فالعسكر في البر واستأمن إليه قبائل ربيعة ومضر فأمنهم وملك البصرة، وجاءته رسل الديلم بخوزستان بطاعتهم. ومضى أخوه أبو علي إلى

شط عمان وتحصن به فسار إليه الملك الرحيم، وملك عليه شط عمان ولحق بعبادان، وسار منها إلى أرجان. ثم لحق بالسلطان طغرلبك بأصبهان فأكرمه وأصهر إليه، وأقطع له وأنزله بقلعة من أعمال جرباذقان. وولى الملك الرحيم وزيره البساسيري على البصرة، وسار إلى الأهواز وأرسل منصور بن الحسين وهزارشب في تسليم أرجان وتستر فتسلمها واصطلحا. وكان المقدم على أرجان فولاذ بن خسرو من الديلم فرجع إلى طاعة الملك الرحيم سنة خمس وأربعين.

** فتنة ابن أبي الشوك ثم طاعته **

كان سعدي بن أبي الشوك قد أعطى طاعته للسلطان طغرلبك بنواحي الري، وسار في خدمته، وبعثه سنة أربع وأربعين في العساكر إلى نواحي العراق فبلغ النعمانية وكثر عيثه، وراسله ملد [1] من بني عقيل قرابة قريش بن بدران في الاستظهار له على قريش ومهلهل أخي أبي الشوك فوعدهم، فسار إليهم مهلهل وأوقع بهم على عكبرا فساروا الى سعدى وشكوا اليه وهو على سامرا فسار وأوقع بعمه مهلهل وأسره وعاد إلى حلوان وهم الملك الرحيم بتجهيز العساكر إليه بحلوان واستقدم دبيس بن مزيد لذلك. ثم عظمت الفتنة سنة خمس وأربعين ببغداد من أهل الكرخ وأهل السنة، ودخلها طوائف من الأتراك، وعم الشر واطرحت مراقبة السلطان، وركب القواد لحسم العلة فقتلوا علويا من أهل الكرخ فنادت نساؤه بالويل فقاتلهم العامة، وأضرم النار في الكرخ بعض الأتراك فاحترق جميعه. ثم بعث القائم وسكن الأمر، وكان مهلهل لما أسر سار ابنه بدر إلى طغرلبك وابن سعدي كان عنده رهينة، وبعث إلى سعدي بإطلاق مهلهل عند ذلك، فامتنع سعدي من ذلك وانتقض على طغرلبك، وسار من همذان إلى حلوان وقاتلها فامتنعت عليه، فكاتب الملك الرحيم بالطاعة ولحقه عساكر طغرلبك فهزموه، ولحق ببعض القلاع هنالك وسار بدر في اتباعه إلى شهرزور، ثم جاءه الخبر بأن جمعا من الأكراد والأتراك قد أفسدوا السابلة وأكثروا العيث، فخرج إليهم البساسيري واتبعهم إلى البواريج وأوقع بالطوائف منهم واستباحهم وعبروا الزاب فلم يمكنه العود إليهم ونجوا.

** فتنة الأتراك **

وفي سنة ست وأربعين شغب الأتراك على وزير الملك الرحيم في مطالبة أرزاقهم واستعدوه عليه فلم يعدهم فشكوا من الديوان وانصرفوا مغضبين، وباكروا من الغد لحصار دار الخليفة، وحضر البساسيري واستكشف حال الوزير فلم يقف له على خبر. وكبست الدور في طلبه فكان ذلك وسيلة للأتراك في نهب دور الناس. واجتمع أهل المحال لمنعهم، ونهاهم الخليفة فلم ينتهوا فهم بالرحلة عن بغداد. ثم ظهر الوزير وأنصفهم في أرزاقهم فتمادوا على بغيهم وعسفهم، واشتد عيث الأكراد والأعراب في النواحي فخربت البلاد، وتفرق أهلها، وأغار أصحاب ابن بدران بالبرد وكبسوا حلل كامل بن محمد بن المسيب ونهبوها. ونهبوا في جملتها ظهرا وأنعاما للبساسيري وانحل أمر الملك والسلطنة بالكلية.

** استيلاء طغرلبك على أذربيجان وعلى أرمينية والموصل **

سار طغرلبك سنة أربعين إلى أذربيجان فأطاعه صاحب قبرير أبو منصور وشهودان ابن محمد [1] وخطب له ورهن ولده عنده. ثم أطاعه صاحب جنده [2] أبو الأسوار ثم تبايع سائر النواحي على الطاعة وأخذ رهنهم. وسار إلى أرمينية فحاصر ملازكرد [3] وامتنعت عليه فخرب ما جاورها من البلاد. وبعث إليه نصير الدولة بن مروان بالهدايا وقد كان دخل في طاعته من قبل وسار السلطان طغرلبك لغزو بلاد الروم واكتسحها الى أن أردن الروم، ورجع إلى أذربيجان ثم إلى الري، وخطب له قريش بن بدران صاحب الموصل في جميع أعماله وزحف إلى الأنبار ففتحها ونهب ما فيها البساسيري فانتقض لذلك وسار في العساكر إلى الأنبار فاستعاده من يده.

** وحشة البساسيري **

كان أبو الغنائم وأبو سعد ابنا المجلبان صاحبي قريش بن بدران وبعثهما إلى القائم سرا من البساسيري بما فعل بالأنبار فانتقض البساسيري لذلك، واستوحش من القائم ومن رئيس الرؤساء، وأسقط مشاهراتهم ومشاهرة حواشيهم، وهم بهدم منازل بني المجلبان. ثم أقسر وسار إلى الأنبار وبها أبو القاسم بن المجلبان، وجاءه دبيس بن مزيد ممدا له فحاصر الأنبار وفتحها عنوة ونهبها وأسر من أهلها خمسمائة، ومائة من بني خفاجة وأسر أبا الغنائم وجاء به إلى بغداد فأدخله على جمل، وشفع دبيس بن مزيد في قتله، وجاء إلى مقابل التاج من دار الخليفة فقبل الأرض وعاد إلى منزله.

** وصول الغز الى الدسكرة ونواحي بغداد **

وفي شوال من سنة ست وأربعين وصل صاحب حلوان من الغز وهو إبراهيم بن إسحاق إلى الدسكرة فافتتحها ونهبها وصادر النساء. ثم سار إلى رسغباد [1] وقلعة البردان وهي لسعدي ابن أبي الشوك، وبها أمواله فامتنعت عليه فخرب ما حولها من القرى ونهبها. وقوي طمع الغز في البلاد وضعف أمر الديلم والأتراك. ثم بعث طغرلبك أبا علي بن أبي كاليجار الذي كان بالبصرة في جيش من الغز إلى خوزستان فاستولى على الأهواز وملكها ونهب الغز الذين معه أموال الناس ولقوا منهم عناء.

** استيلاء الملك الرحيم على شيراز **

وفي سنة سبع وأربعين سار فولاذ الذي كان بقلعة إصطخر من الديلم. وقد ذكرناه إلى شيراز فملكها من يد أبي منصور فولاستون بن أبي كاليجار. وكان خطب بها للسلطان طغرلبك فخطب فولاذ بها للملك الرحيم ولأخيه أبي سعد يخادعهما بذلك.

وكان أبو سعد بأرجان فاجتمع هو وأخوه أبو منصور على حصار شيراز في طاعة أخيهما الملك واشتد الحصار على فولاذ وعدمت الأقوات فهرب عنها إلى قلعة إصطخر وملك الأخوان شيراز وخطبا لأخيهما الملك الرحيم.

** وثوب الأتراك ببغداد بالبساسيري **

قد ذكرنا تأكد الوحشة بين البساسيري ورئيس الرؤساء. ثم تأكدت سنة سبع وأربعين وعظمت الفتنة بالجانب الشرقي بين العامة وبين أهل السنة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحضروا الديوان حتى أذن لهم في ذلك وتعرضوا لبعض سفن البساسيري منحدرة إليه بواسط، وكشفوا فيها عن جرار خمر، فجاءوا إلى أصحاب الديوان الذين أمروا بمساعدتهم واستدعوهم لكسرها فكسروها، واستوحش لذلك البساسيري ونسبه إلى رئيس الرؤساء. واستفتى الفقهاء في أن ذلك تعد على سفينته فأفتاه الحنفية بذلك. ووضع رئيس الرؤساء الأعيان على البساسيري بإذن من دار الخلافة، وأظهر معايبه. وبالغوا في ذلك، ثم قصدوا في رمضان دور البساسيري بإذن من دار الخلافة فنهبوها وأحرقوها، ووكلوا بحرمة وحاشيته وأعلن رئيس الرؤساء بذم البساسيري وأنه يكاتب المستنصر صاحب مصر فبعث القائم إلى الملك الرحيم فأمره بإبعاده فأبعده.

** استيلاء السلطان طغرلبك على بغداد والخلعة والخطبة له **

قد ذكرنا من قبل رجوع السلطان طغرلبك من غزو الروم إلى الري، ثم رجع إلى همذان، ثم سار إلى حلوان عازما على الحج والاجتياز بالشام لإزالته من يد العلوية.

وأجفل الناس إلى غربي بغداد، وعظم الإرجاف ببغداد ونواحيها، وخيم الأتراك بظاهر البلد. وجاء الملك الرحيم من واسط بعد أن طرد البساسيري عنه كما أمره القائم فسار إلى بلد دبيس بن مزيد لصهر بينهما. وبعث طغرلبك إلى لقائهما بالطاعة وإلى الأتراك بالمقاربة والوعد فلم يقبلوا، وطلبوا من القائم إعادة البساسيري لأنه كبيرهم. ولما وصل الملك الرحيم سأل من الخليفة إصلاح أمره مع السلطان طغرلبك فأشار القائم بأن يقوض الأجناد خيامهم ويخيموا بالحريم الخلافي، ويبعثوا جميعا إلى طغرلبك بالطاعة، فقبلوا إشارته وبعثوا إلى طغرلبك بذلك فأجاب بالقبول والإحسان. وأمر القائم بالخطبة لطغرلبك على منابر بغداد فخطب آخر رمضان من سنة سبع وأربعين، واستأذن في لقاء الخليفة وخرج إليه رؤساء الناس في موكب من القضاة

والفقهاء والأشراف وأعيان الديلم. وبعث طغرلبك للقائم وزيره أبا نصر الكندري وأبلغه رسالة القائم واستخلفه له وللملك الرحيم وأمراء الأجناد. ودخل طغرلبك بغداد ونزل بباب الشماسية لخمس بقين من رمضان، وجاء هنالك قريش بن بدران صاحب الموصل وكان من قبل في طاعته.

** القبض على الملك الرحيم وانقراض دولة بني بويه **

ولما نزل طغرلبك بغداد وافترق أهل عسكره في البلد يقضون بعض حاجاتهم، فوقعت بينهم وبين بعض العامة منازعة فصاحوا بهم ورجموهم، وظن الناس أن الملك الرحيم قد اعتزم على قتال طغرلبك فتواثبوا بالغز من كل جهة. إلا أهل الكرخ فإنهم سألوا [1] من وقع إليهم من الغز. وأرسل عميد الملك وزير طغرلبك عن عدنان ابن الرضي نقيب العلويين، وكان مسكنه بالكرخ فشكره عن السلطان طغرلبك.

ودخل أعيان الديلم وأصحاب الملك الرحيم إلى دار الخلافة نفيا للتهمة عنهم.

وركب أصحاب طغرلبك فقاتلوا العامة وهزموهم وقتلوا منهم خلقا ونهبوا سائر الدروب ودور رئيس الرؤساء وأصحابه والرصافة، ودور الخلفاء، وكان بها أموال الناس نقلت إليها للحرمة فنهب الجميع، واشتد البلاء وعظم الخوف وأرسل طغرلبك إلى القائم بالعتاب ونسبة ما وقع إلى الملك الرحيم والديلم، وأنهم انحرفوا، وكانوا برآء من ذلك. وتقدم إليهم الخليفة بالحضور عند طغرلبك مع رسوله، فلما وصلوا إلى الخيام نهبها الغز ونهبوا رسل القائم معهم، ثم قبض طغرلبك على الملك الرحيم ومن معه، وبعث بالملك الرحيم إلى قلعة السيروان فحبس بها وكان ذلك لست سنين من ملكه. ونهب في تلك الهيعة قريش بن بدران صاحب الموصل، ومن معه من العرب، ونجا سليبا إلى خيمة بدر بن المهلهل، واتصل بطغرلبك خبره فأرسل إليه وخلع عليه وأعاده الى مخيمه، وبعث القائم إلى طغرلبك بإنكار ما وقع في إخفار ذمته في الملك الرحيم وأصحابه، وأنه يتحول عن بغداد فأطلق له بعضهم

بلكسكسالربه [1] وأنزع الاقطاعات من يد أصحابه الملك الرحيم فلحقوا بالبساسيري وكثر جمعه، وبعث طغرلبك إلى دبيس بالطاعة وإنفاذ البساسيري فخطب له في بلاده، وطرد البساسيري فسار إلى رحبة ملك، وكاتب المستنصر العلوي صاحب مصر وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك الجند وأهملهم وانتشر الغز السلجوقية في سواد بغداد فنهبوا الجانب الغربي من تكريت إلى النيل، والجانب الشرقي إلى النهر وأنات [2] وخرب السواد وانجلى أهله وضمن السلطان طغرلبك البصرة والأهواز من هزارشب بن شكر بن عياض [3] بثلاثمائة وستين ألف دينار، وأقطعه أرجان، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز دون ما سواها. وأقطع أبا علي بن كاليجار ويسين [4] وأعمالها وأمر أهل الكرخ بزيادة الصلاة خير من النوم في نداء الصبح، وأمر بعمارة دار المملكة وانتقل إليها في شوال. وتوفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن القائم بالله في ذي القعدة من هذه السنة. ثم انكح السلطان طغرلبك من القائم بالله خديجة بنت أخيه داود واسمها أرسلان خاتون، وحضر للعقد عميد الملك الكندي وزير طغرلبك وأبو علي بن أبي كاليجار وهزارشب بن شكر بن عياض الكردي وابن أبي الشوك وغيرهم من أمراء الأتراك من عسكر طغرلبك. وخطب رئيس الرؤساء وولي العقد وقبل الخليفة بنفسه. وحضر نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام، ونقيب العلويين عدنان ابن الرضي [5] والقاضي أبو الحسن الماوردي وغيرهم.

** انتقاض أبي الغنائم بواسط **

كان رئيس الرؤساء سعى لأبي الغنائم بن المجلبان في ولاية واسط وأعمالها، فوليها وصادر أعيانها، وجند جماعة وتقوى بأهل البطيحة، وخندق على واسط، وخطب

للمستنصر العلوي بمصر فسار أبو نصر عميد العراق لحربه فهزمه وأسر من أصحابه.

ووصل الى السور فحاصره حتى تسلم البلد. ومر أبو الغنائم ومعه الوزير ابن فسانجس ورجع عميد العراق إلى بغداد بعد أن ولى على واسط منصور بن الحسين فعاد ابن فسانجس إلى واسط وأعاد خطبة العلوي وقتل من وجده من الغز. ومضى منصور بن الحسين إلى المدار وبعث يطلب المدد فكتب إليه عميد العراق ورئيس الرؤساء بحصار واسط فحاصرها، وقاتله ابن فسانجس فهزمه وضيق حصاره. واستأمن إليه جماعة من أهل واسط فملكها وهرب فسانجس واتبعوه فأدركوه وحمل إلى بغداد في صفر سنة ست وأربعين فشهر وقتل.

** الوقعة بين البساسيري وقطلمش **

وفي سلخ شوال من سنة ثمان وأربعين سار قطلمش وهو ابن عم السلطان طغرلبك وجد بني قليج أرسلان ملوك البلاد الروم، فسار ومعه قريش بن بدران صاحب الموصل لقتال البساسيري ودبيس، وسار بهم إلى الموصل وخطبوا بها للمستنصر العلوي صاحب مصر وبعث إليهم بالخلع. وكان معهم جابر بن ناشب وأبو الحسن وعبد الرحيم [1] وأبو الفتح ابن ورائر [2] ونصر بن عمر ومحمد بن حماد.

** مسير طغرلبك إلى الموصل **

لما كان السلطان طغرلبك قد ثقلت وطأته على العامة ببغداد، وفشا الضرر والأذى فيهم من معسكره فكاتبه القائم يعظه ويذكره، ويصف له ما الناس فيه فأجابه السلطان بالاعتذار بكثرة العساكر. ثم رأى رؤيا في ليلته كأن النبي صلى الله عليه وسلم يوبخه على ذلك. فبعث وزيره عميد الملك إلى القائم بطاعة أمره فيما أمر، وأخرج الجند من وراء العامة ورفع المصادرات. ثم بلغه خبر وقعة قطلمش مع البساسيري وانحراف قريش صاحب الموصل إلى العلوية، فتجهز وسار عن بغداد ثلاثة عشر شهر من نزوله عليها، ونهبت عساكره أوانا وعكبرا، وحاصر تكريت حتى رجع صاحبها نصر بن عيسى إلى الدعوة العباسية، وقتله السلطان، ورجع

عنه إلى البواريج فتوفي نصر وخافت أمه غريبة بنت غريب بن حكن [1] أن يملك البلد أخوه أبو الغشام، فاستخلفت أبا الغنائم بن المجلبان ولحقت بالموصل، ونزلت على دبيس بن مزيد. وأرسل أبو الغنائم رئيس الرؤساء فأصلح حاله ورجع إلى بغداد وسلم له تكريت، وأقام السلطان بالبواريخ [2] إلى سنة تسع وأربعين، وجاءه أخوه ياقوتي في العساكر فسار إلى الموصل، وأقطع مدينة بلد هزارشب بن شكر الكردي، وأراد العسكر نهبها فمنعهم السلطان. ثم أذن لهم في اللحاق إلى الموصل، وتوجه إلى نصيبين، وبعث هزارشب إلى البرية في ألف فارس ليصيب من العرب، فسار حتى قارب رحالهم، وأكمن الكمائن، وقاتلهم ساعة. ثم استطرهم واتبعوه فخرجت عليهم الكمائن فانهزموا وأثخن فيهم الغز بالقتل والأسر. وكان فيهم جماعة من بني نمير أصحاب حران والرقة، وحمل الأسرى إلى السلطان فقتلهم أجمعين. ثم بعث دبيس وقريش إلى هزارشب يستعطف لهم السلطان فقبل السلطان ذلك منهما، وورد أمر البساسيري إلى الخليفة ومعه الأتراك البغداديون، وقتل ابن المقلد وجماعة من عقيل إلى الرحبة، وأرسل السلطان إليهما أبا الفتح بن ورام يستخبرهما فجاء بطاعتهما، وبمسير هزارشب إليهما فأذن له السلطان في المسير، وجاء إليهما واستحلفهما وحثهما على الحضور فخافا. وأرسل قريش أبا السيد هبة الله بن جعفر، ودبيس ابنه منصورا فأكرمهما السلطان، وكتب لهما بأعمالهما. وكان لقريش نهر الملك وباذروبا والأنبار وهيت ودجيل ونهر بيطر وعكبرا وأوانا وتكريت والموصل ونصيبين. ثم سار السلطان إلى ديار بكر فحاصر جزيرة ابن عمر، وبعث إليه يستعطفه ويبذل له المال، وجاء إبراهيم ينال أخو السلطان وهو محاصر، ولقيه الأمراء والناس، وبعث هزارشب إلى دبيس وقريش يحذرهما فانحدر دبيس إلى بلده بالعراق. وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم، وشكا قطلمش ما أصاب أهل سنجار منه عند هزيمته أمام قريش ودبيس، فبعث العساكر إليها، وحاصرها ففتحها عنوة واستباحها، وقتل أميرها علي بن مرجى [3] وشفع إبراهيم في الباقين فتركها وسلمها الله وسلم معها الموصل وأعمالها ورجع إلى بغداد في سنة تسع وأربعين فخرج رئيس

الرؤساء للقائه عن القائم، وبلغه سلامه وهديته، وهي جام من ذهب فيه جواهر، وألبسه لباس الخليفة وعمامته فقبل السلطان ذلك بالشكر والخضوع والدعاء، وطلب لقاء الخليفة، فأسعف وجلس له جلوسا فخما. وجاء السلطان في البحر فقرب له لما نزل من السهيرية من مراكب الخليفة، والقائم على سرير علوه سبعة أذرع متوشحا البردة وبيده القضيب، وقبالته كرسي لجلوس السلطان فقبل الأرض وجلس على الكرسي، وقال له رئيس الرؤساء عن القائم: أمير المؤمنين شاكر لسعيك حامد لفعلك مستأنس بقربك، وولاك ما ولاه الله من بلاده، ورد إليك مراعاة عباده فاتق الله فيما ولاك واعرف نعمته عليك، واجتهد في نشر العدل وكف الظلم وإصلاح الرعية، فقبل الأرض، وأفيضت عليه الخلع وخوطب بملك المشرق والمغرب، وقبل يد الخليفة ووضعها على عينيه ودفع إليه كتاب العهد، وخرج فبعث إلى القائم خمسين ألف دينار وخمسين مملوكا من الأتراك منتقين بخيولهم وسلاحهم، إلى ما في معنى ذلك من الثياب والطيب وغيرهما.

** فتنة ينال مع أخيه طغرلبك ومقتله **

كان إبراهيم ينال قد ملك بلاد الجبل وهمذان واستولى على الجهات من نواحيها إلى حلوان أعوام سنة سبع وثلاثين. ثم استوحش من السلطان طغرلبك بما طلب منه أن يسلم إليه مدينة همذان والقلاع فأبى من ذلك ينال، وجمع جموعا وتلاقيا فانهزم ينال وتحصن بقلعة سرماج فملكها عليه بعد الحصار، واستنزله منها، وذلك سنة إحدى وأربعين. وأحسن إليه طغرلبك وخيره بين المقام معه أو اقطاع الأعمال فاختار المقام.

ثم لما ملك طغرلبك بغداد وخطب له بها سنة سبع وأربعين، أخرج إليه البساسيري مع قريش بن بدران صاحب الموصل ودبيس بن مزيد صاحب الحلة، وسار طغرلبك إليهم من بغداد، ولحقه أخوه إبراهيم ينال فلما ملك الموصل سلمها إليه وجعلها لنظره مع سنجار والرحبة وسائر تلك الأعمال التي لقريش، ورجع إلى بغداد سنة تسع وأربعين. ثم بلغه سنة خمسين بعدها أنه سار إلى بلاد الجبل فاستراب به وبعث إليه يستقدمه بكتابه وكتاب القائم مع العهد الكندي فقدم معه. وفي خلال ذلك قصد البساسيري وقريش بن بدران الموصل فملكاها جفلوا عنها فاتبعهم إلى نصيبين، وخالفه أخوه إبراهيم ينال إلى همذان في رمضان سنة خمسين. يقال إن

العلوي صاحب مصر والبساسيري كاتبوه واستمالوه وأطمعوه في السلطنة، فسار السلطان في اتباعه من نصيبين، ورد وزيره عميد الملك الكندي وزوجته خاتون إلى بغداد، ووصل إلى همذان ولحق به من كان ببغداد من الأتراك فحاصر همذان في قلعة من العسكر، واجتمع لأخيه خلق كثير من الترك وحلف لهم أن لا يصالح طغرلبك ولا يدخل بهم العراق لكثرة نفقاته. وجاءه محمد وأحمد ابنا أخيه أرباش بأمداد من الغز فقوي بهم، ووهن طغرلبك فأفرج عنه إلى الري، وكاتب إلى أرسلان ابن أخيه داود، وقد كان ملك خراسان بعد أبيه سنة إحدى وخمسين كما يذكر في أخبارهم، فزحف إليه في العساكر ومعه أخواه ياقوت وقاروت بك، ولقيهم إبراهيم فيمن معه فانهزم، وجيء به وبابني أخيه محمد وأحمد أسرى إلى طغرلبك فقتلهم جميعا ورجع إلى بغداد لاسترجاع القائم.

** دخول البساسيري بغداد وخلع القائم ثم عوده **

قد ذكرنا أن طغرلبك سار إلى همذان لقتال أخيه وترك وزيره عميد الملك الكندي ببغداد مع الخليفة، وكان البساسيري وقريش بن بدران فارقا الموصل عند زحف السلطان طغرلبك إليهما، فلما سار عن بغداد لقتال أخيه بهمذان خالفه البساسيري وقريش إلى بغداد فكثر الإرجاف بذلك، وبعث عن دبيس بن مزيد حاجبه ببغداد ونزلوا بالجانب الشرقي، وطلب من القائم الخروج معه إلى إحيائه، واستدعى هزارشب من واسط للمدافعة، واستمهل في ذلك فقال العرب: لا نشير فأشيروا بنظركم، وجاء البساسيري ثامن ذي القعدة سنة خمسين في أربعمائة غلام على غاية من سوء الحال ومعه أبو الحسين بن عبد الرحيم، وجاء حسين بن بدران في مائة فارس وخيموا مفترقين عن البلد، واجتمع العسكر والقوم إلى عميد العراق، وأقاموا إزاء البساسيري وخطب البساسيري ببغداد للمستنصر العلوي صاحب مصر بجامع المنصور، ثم بالرصافة، وأمر بالأذان بحي على خير العمل، وخيم بالزاهر، وكان هوى البساسيري لمذاهب الشيعة، وترك أهل السنة للانحراف عن الأتراك فرأى الكندي المطاولة لانتظار السلطان، ورأى رئيس الرؤساء المناجزة وكان غير بصير بالحرب، فخرج لقتالهم في غفلة من الكندي، فانهزم وقتل من أصحابه خلق، ونهب باب الأزج وهو باب الخلافة.

وهرب أهل الحريم الخلافي فاستدعى القائم العميد الكندي للمدافعة عن دار الخلافة فلم يرعهم إلا اقتحام العدو عليهم من الباب النوبي، فركب الخليفة ولبس السواد، والنهب قد وصل باب الفردوس، والعميد الكندي قد استأمن الى قريش فرجع ونادى بقريش من السور فاستأمن إليه على لسان رئيس الرؤساء، واستأمن هو أيضا معه، وخرجا إليه وسارا معه ونكر البساسيري على قريش نقضه لما تعاهدا عليه، فقال: إنما تعاهدنا على الشركة فيما يستولي عليه، وهذا رئيس الرؤساء لك والخليفة لي.

ولما حضر رئيس الرؤساء عند البساسيري وبخه وسأله العفو فأبى منه، وحمل قريش القائم الى معسكره على هيئته، ووضع خاتون بنت أخي السلطان طغرلبك في يد بعض الثقات من خواصه وأمره بخدمتها، وبعث القائم ابن عمه مهارش فسار به إلى بلده حديثة خان وأنزله بها. وأقام البساسيري ببغداد وصلى عيد النحر بالألوية المصرية وأحسن إلى الناس وأجرى أرزاق الفقهاء ولم يتعصب المذهب. وأنزل أم القائم بدارها وسهل جرايتها، وولى محمود بن الأفرم على الكوفة، وسعى الفرات وأخرج رئيس الرؤساء من محبسه آخر ذي الحجة فصلبه عند التجيبي لخمسين سنة من تردده في الوزارة. وكان ابن ماكولا قد قبل شهادته سنة أربع عشرة، وبعث البساسيري الى المستنصر العلوي بالفتح والخطبة له بالعراق، وكان هنالك أبو الغرج ابن أخي أبي القائم المغربي، فاستهان بفعله وخوفه عاقبته، وأبطأت أجوبته مدة، ثم جاءت بغير ما أمل، وسار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكها، وأراد قصر الأهواز فبعث صاحبها هزارشب بن شكر فأصلح أمره على مال يحمله. ورجع البساسيري إلى واسط في شعبان سنة إحدى وخمسين، وفارقه صدقة بن منصور بن الحسين الأسدي إلى هزارشب، وقد كان ولى بغداد أباه على ما يذكر. ثم جاء الخبر إلى البساسيري بظفر طغرلبك بأخيه، وبعث إليه والي قريش في إعادة الخليفة إلى داره، ويقيم طغرلبك، وتكون الخطبة والسكة له فأبى البساسيري من ذلك، فسار طغرلبك إلى العراق، وانتهى إلى قصر شيرين، وأجفل الناس بين يديه. ورحل أهل الكرخ بأهليهم وأولادهم برا وبحرا، وكثر عيث بني شيبان في الناس، وارتحل البساسيري بأهله وولده ساوس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين لحول كامل.

من دخوله وكثر الهرج في المدينة والنهب والإحراق. ورحل طغرلبك إلى بغداد بعد أن

أرسل من طريقه الأستاذ أحمد بن محمد بن أيوب المعروف بابن فورك إلى قريش بن بدران بالشكر على فعله في القائم وفي خاتون بنت أخيه زوجة القائم، وأن أبا بكر بن فورك جاء بإحضارهما والقيام بخدمتهما، وقد كان قريش بعث إلى مهارش بأن يدخل معهم إلى البرية بالخليفة ليصد ذلك طغرلبك عن العراق، ويتحكم عليه بما يريد فأبى مهارش لنقض البساسيري عهوده، واعتذر بأنه قد عاهد الخليفة القائم بما لا يمكن نقضه ورحل بالخليفة إلى العراق، وجعل طريقه على بدران بن مهلهل. وجاء أبو فورك إلى بدر فحمله معه إلى الخليفة وأبلغه رسالة طغرلبك وهداياه، وبعث طغرلبك للقائه وزيره الكندي والأمراء والحجاب بالخيام والسرادقات والمقربات بالمراكب الذهبية فلقوه في بلد بدر. ثم خرج السلطان فلقيه بالنهروان واعتذر عن تأخره بوفاة أخيه داود بخراسان وعصيان إبراهيم بهمذان، وأنه قتله على عصيان. وأقام حتى رتب أولاد داود في مملكته وقال إنه يسير إلى الشام في اتباع البساسيري. وطلب صاحب مصر فقلده القائم سيفه إذ لم يجد سواه، وأبدى وجهه للأمراء فحيوه وانصرفوا. وتقدم طغرلبك إلى بغداد فجلس في الباب النوبي مكان الحاجب، وجاء القائم فأخذ طغرلبك بلجام بغلته إلى باب داره وذلك لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسار السلطان إلى معسكره وأخذ في تدبير أموره.

** مقتل البساسيري **

ثم أرسل السلطان طغرلبك خمارتكين في ألفين إلى الكوفة، واستقر معه سرايا بن منيع في بني خفاجة، وسار السلطان طغرلبك في أثرهم فلم يشعر دبيس وقريش والبساسيري- وقد كانوا نهبوا الكوفة- إلا والعساكر قد طلعت عليهم من طريق الكوفة، فأجفلوا نحو البطيحة. وسار دبيس ليرد العرب إلى القتال فلم يرجعوا، ومضى معهم، ووقف البساسيري وقريش فقتل من أصحابهما جماعة وأسر أبو الفتح ابن ورام ومنصور بن بدران وحماد بن دبيس، وأصاب البساسيري سهم فسقط عن فرسه، وأخذ رأسه لمتنكيرز [1] وأتى العميد الكندري وحمله إلى السلطان، وغنم العسكر جميع أموالهم وأهليهم، وحمل رأس البساسيري إلى دار الخلافة فعلق قبالة

النوبي في منتصف ذي الحجة. ولحق دبيس بالبطيحة ومعه زعيم الملك أبو الحسن عبد الرحيم، وكان هذا البساسيري من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة اسمه أرسلان وكنيته أبو الحرث ونسبه في الترك. وهذه النسبة المعروفة له نسبة إلى مدينة بفارس حرفها الأول متوسط بين الفاء والباء، والنسبة إليها فسوي، ومنها أبو علي الفارسي صاحب الإيضاح. وكان أولا ينسب إليها فلذلك قيل فيه هو بساسيري [1] .

** مسير السلطان الى واسط وطاعة دبيس **

ثم انحدر السلطان الى واسط أول سنة اثنتين وخمسين وحضر عنده هزارشب بن شكر من الأهواز، وأصلح حال دبيس بن مزيد وصدقة بن منصور بن الحسين، أحضرهما عند السلطان وضمن واسط أبو علي بن فضلان بمائتي ألف دينار، وضمن البصرة الأغر أبو سعد سابور بن المظفر، وأصعد السلطان إلى بغداد، واجتمع بالخليفة، ثم سار إلى بلد الجبل في ربيع سنة اثنتين وخمسين. وأنزل ببغداد الأمير برسو شحنة، وضمن أبو الفتح المظفر بن الحسين في ثلاث سنين بأربعمائة ألف دينار، ورد إلى محمود الأخرم إمارة بني خفاجة، وولاه الكوفة وسقى الفرات وخواص السلطان بأربعة آلاف دينار في كل سنة.

** وزارة القائم **

ولما عاد القائم إلى بغداد ولى أبا تراب الأشيري على الأنهار وحضور المراكب، ولقبه حاجب الحجاب، وكان خدمه بالحديثة ثم سعى الشيخ أبو منصور في وزارة أبي الفتح بن أحمد بن دارست على أن يحمل مالا فأجيب وأحضر من الأهواز في منتصف ربيع من سنة ثلاث وخمسين فاستوزره وكان من قبل تاجرا لأبي كاليجار، ثم ظهر عجزه في استيفاء الأموال فعزله، وعاد إلى الأهواز. وقدم أثر ذلك أبو نصر بن جهير وزير نصير الدولة بن مروان نازعا منه إلى الخليفة القائم فقبله واستوزره، ولقبه فخر الدولة.

** عقد طغرلبك على ابنه الخليفة **

كان السلطان طغرلبك قد خطب من القائم ابنته على يد أبي سعد قاضي الري سنة ثلاث وخمسين، فاستنكف من ذلك. ثم بعث أبا محمد التميمي في الاستعفاء من ذلك وإلا فيشترط ثلاثمائة ألف دينار وواسط وأعمالها. فلما ذكر التميمي ذلك للوزير عميد الملك بنى الأمر على الإجابة قال: ولا يحسن الاستعفاء، ولا يليق بالخليفة طلب المال، وأخبر السلطان بذلك فسر به وأشاعه في الناس ولقب وزيره عميد الملك وأتى أرسلان خاتون زوجة القائم ومعه مائة ألف ألف دينار وما يناسبها من الجواهر والجوار، وبعث معهم قرامرد بن كاكويه [1] وغيره من أمراء الري، فلما وصلوا إلى القائم استشاط وهم بالخروج من بغداد. وقال له العميد: ما جمع لك في الأول بين الامتناع والاقتراح وخرج مغضبا إلى النهروان فاستوقفه قاضي القضاة والشيخ أبو منصور بن يوسف. وكتب من الديوان إلى خمارتكين من أصحاب السلطان بالشكوى من عميد الملك وجاءه الجواب بالرفق. ولم يزل عميد الملك يريض الخليفة وهو يتمنع إلى أن رحل في جمادى من سنة أربع وخمسين. ورجع إلى السلطان وعرفه بالحال، ونسب القضية إلى خمارتكين فتنكر له السلطان وهرب، واتبعه أولاد ينال فقتلوه بثأر أبيهم، وجعل مكانه سارتكين [2] وبعث للوزير بشأنه. وكتب السلطان إلى قاضي القضاة والشيخ أبي منصور بن يوسف بالعتب، وطلب بنت أخي زوجة القائم فأجاب الخليفة حينئذ إلى الإصهار، وفوض إلى الوزير عميد الكندري عقد النكاح على ابنته للسلطان، وكتب بذلك إلى أبي الغنائم المجلبان فعقد عليها في شعبان من تلك السنة بظاهر تبريز. وحمل السلطان للخليفة أموالا كثيرة وجواهر لولي العهد وللمخطوبة، وأقطع ما كان بالعراق لزوجته خاتون المتوفاة للسيدة بنت الخليفة.

وتوجه السلطان في المحرم سنة خمس وخمسين من أرمينية إلى بغداد ومعه من الأمراء أبو علي بن أبي كاليجار وسرخاب بن بدر وهزار وأبو منصور بن قرامرد بن كاكويه، وخرج الوزير ابن جهير فتلقاه، وترك عسكره بالجانب الغربي، ونادى الناس بهم. وجاء الوزير ابن العميد لطلب المخطوبة فأفرد له القائم دورا لسكناه وسكنى

حاشيته، وانتقلت المخطوبة إليها وجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان فقبل الأرض، وحمل لها مالا كثيرا من الجواهر وأولم أياما، وخلع على جميع أمرائه وأصحابه، وعقد ضمان بغداد على أبي سعد الفارسي بمائة وخمسين ألف دينار، وأعاد ما كان أطلقه رئيس العراقين من المواريث والمكوس، وقبض على الأعرابي سعد ضامن البصرة، وعقد ضمان واسط على أبي جعفر بن فضلان بمائتي ألف.

** وفاة السلطان طغرلبك وملك ابن أخيه داود **

ثم سار السلطان طغرلبك من بغداد في ربيع الآخر إلى بلد الجبل، فلما وصل الري أصابه المرض وتوفي ثامن رمضان من سنة خمس وخمسين، وبلغ خبر وفاته إلى بغداد فاضطربت، واستقدم القائم مسلم بن قريش صاحب الموصل ودبيس بن مزيد وهزارشب صاحب الأهواز وبني ورام وبدر بن مهلهل فقدموا، وأقام أبو سعد الفارسي ضامن بغداد سورا على قصر عيسى، وجمع الغلال، وخرج مسلم بن قريش من بغداد فنهب النواحي، وسار دبيس بن مزيد وبنو خفاجة وبنو ورام والأكراد لقتاله. ثم استتيب ورجع إلى الطاعة وتوفي أبو الفتح بن ورام مقدم الأكراد والجاوانية، وحمل العامة السلاح لقتال الأعراب فكانت سببا لكثرة الذعار. ولما مات طغرلبك بايع عميد الدولة الكندري بالسلطنة لسليمان بن داود، وجعفر بك، وكان ربيب السلطان طغرلبك خلف أخاه جعفر بك داود على أمه، وعهد إليه بالملك، فلما خطب له اختلف عليه الأمر وسار باغي سيان وأرذم إلى قزوين فخطب لأخيه ألب أرسلان وهو محمد بن داود، وهو يومئذ صاحب خراسان ووزيره نظام الملك سار إلى المذكور، وسأل الناس إليه وشعر الكندري باختلال أمره فخطب بالري للسلطان ألب أرسلان وبعده لأخيه سليمان. وزحف ألب أرسلان في العساكر من خراسان إلى الري فلقيه الناس جميعا ودخلوا في طاعته، وجاء عميد الملك الكندري إلى وزيره نظام الملك فخدمه وهاداه فلم يغن عنه، وخشي السلطان غائلته فقبض عليه سنة ست وخمسين وحبسه بمروالروذ. ثم بعث بعد سنة من محبسه بقتله في ذي الحجة من سنة سبع وخمسين، وكان من أهل نيسابور كاتبا بليغا. فلما ملك طغرلبك نيسابور، وطلب كاتبا فدله عليه الموفق والد أبي سهل فاستكتبه

واستخلصه، وكان خصيا يقال إن طغرلبك خصاه لأنه تزوج بامرأة خطبها له، وغطى عليه فظفر به فحاصره وأقره على خدمته. وقيل أشاع عند أعدائه أنه تزوجها ولم يكن ذلك فخصى نفسه ليأمن من غائلته، وكان شديد التعصب على الشافعية والأشعرية. واستأذن السلطان في لعن الرافضة على منابر خراسان، ثم أضاف إليهم الأشعرية فاستعظم ذلك أئمة السنة. وفارق خراسان أبو القاسم القشيري ثم أبو المعالي إلى مكة فأقام أربعة سنين يتردد بين الحرمين يدرس ويفتي حتى لقب إمام الحرمين.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com