John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 20

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 32 of 67

ثم توفي القائم أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب إفريقية، بعد أن عهد إلى ولده إسماعيل بعده وتلقب بالمنصور، وكتم موت أبيه حذرا أن يطلع عليه أبو يزيد وهو بمكانه من حصار سوسة، فلم يسم بالخليفة ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد كما يذكر.

** (بقية أخبار أبي يزيد ومقتله) **

ولما مات القائم كان أبو يزيد محاصرا لسوسة كما تقدم، وقد جهد أهلها الحصار، فلما ولي إسماعيل المنصور وكان أول عمله أن بعث الأساطيل من المهدية إلى سوسة مشحونة بالمدد من المقاتلة والأمتعة والميرة مع رشيق الكاتب ويعقوب بن إسحاق، وخرج بنفسه في أثرهم، وأشار أصحابه بالرجوع فرجع ووصل الأسطول إلى سوسة، وخرجوا لقتال أبي يزيد وعساكر سوسة معهم فانهزم أبو يزيد، واستبيح معسكره نهبا وإحراقا، ولحق بالقيروان فمنعه أهلها من الدخول وثاروا بعامله فخرج إليه، ورحل إلى سبيبة وذلك أواخر شوال سنة أربع. وجاء المنصور إلى القيروان وأمن أهلها وأبقى على حرم أبي يزيد وأولاده، وأجرى عليهم الرزق، وخرجت سرية من عسكر المنصور لاستكشاف خبر أبي يزيد وجاءت أخرى من عسكر أبي يزيد لمثل ذلك فالتقوا وانهزمت سرية المنصور، فقوي أبو يزيد بذلك وكثر جمعه، وعاد فقاتل القيروان وخندق المنصور على عسكره، وقاتلهم أبو يزيد فكان الظفر أول يوم للمنصور، ثم قاتلهم ثانيا فانهزموا وثبت المنصور وراجع أصحابه من طريق المهدية وسوسة. ولما رأى أبو يزيد امتناعهم عليه رحل أواخر ذي القعدة، ثم رجع فقاتلهم وكانت الحرب سجالا، وبعث السرايا إلى طريق المهدية وسوسة نكاية فيهم، وبعث إلى المنصور في حرمه وأولاده فبعثهم إليه بعد أن وصلهم. وقد كان

أقسم على الرحيل، فلما وصلوا إليه نكث وقاتلهم خامس المحرم سنة خمس وثلاثين فهزمهم. ثم عبى المنصور عساكره منتصف المحرم وجعل البرابر في الميمنة وكتامة في الميسرة، وهو وأصحابه في القلب. وحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها ثم على القلب فلقيه المنصور واشتد القتال. ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم وأسلم أثقاله وعسكره وقتل خلق من أصحابه وبلغت رءوس القتلى الذي في أيدي صبيان القيروان عشرة آلاف، ومضى أبو يزيد لوجهه، ومر بباغاية فمنعه أهلها من الدخول فأقام يحاصرها، ورحل المنصور في ربيع الأول لاتباعه، واستخلف على المهدية مراما الصقلي وأدركه على باغاية فأجفل المنصور في إتباعه. وكلما قصد حصنا سبقه المنصور إليه إلى أن نزل المنصور طبنة فجاءته رسل محمد بن خزر أمير مغراوة من أصحاب أبي يزيد ومواطئه بالغرب الأوسط فاستأمن للمنصور فأمنه، وأمره بطلب أبي يزيد. ووصل أبو يزيد إلى بني برزال وكانوا نكارية، وبلغه خبر المنصور في اتباعه فسلك الرملة. ثم عاد إلى نواحي غمرت فصادف المنصور وقاتله فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات، والمنصور في أثره في جبال وأوعار ومضايق تفضي إلى القفر، وأصابهم الجهد وعلم أنه ليس أمامه إلا المفازة إلى بلاد السودان فرجع إلى غمرت من بلاد صنهاجة. ووفد عليه هنالك زيري بن مناد أمير صنهاجة فأكرمه ووصله كما يجب له.

وجاء كتاب محمد بن خزر بالمكان الذي فيه أبو يزيد من المفازة، وأقام المنصور هنالك لمرض أصابه فرجع أبو يزيد الى المسيلة وحاصرها. فلما عوفي المنصور رحل أول رجب سنة خمس وثلاثين وقصده فأفرج عن المسيلة، وقصد المفازة يريد بلاد السودان فأبى عليه بنو كملان أصحابه فرجعوا إلى جبال كتامة وعجيسة فتحصنوا بها. وجاء المنصور فنزل بساحتهم عاشر شعبان ونزل أبو يزيد فقاتلهم فانهزم وأسلم عسكره وأولاده، وطعنه بعض الفرسان فأكبه وحامي عنه أصحابه فقتل في الحومة ما يزيد على عشرة آلاف، وتخلص. ثم سار المنصور في أثره أول رمضان ولم يقدر أحد من الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وصعوبته. ثم انهزم أبو يزيد لما ضرسه الحرب، وترك أثقاله وساروا إلى رءوس الجبال يرمون بالصخر، وتزاحفوا حتى تعانقوا بالأيدي وكثر القتل. ثم تحاجزوا وتحصن أبو يزيد بقلعة كتامة واستأمن الذين معه من هوارة فأمنهم المنصور، وحصر أبا يزيد في القلعة وقاتلها غير مرة حتى افتتحها عنوة وأضرمها نارا، وقتل أصحاب أبي يزيد في كل ناحية وجمع أهله وأولاده في

القصر، وأظلم الليل فأمر المنصور بإشعال النيران في الشعراء [1] المحيطة بالقصر حتى أضاء الليل لتكون أحواله بمرأى منهم حذرا من فراره، حتى خرج الليل وحمل في أصحاب المنصور حملة منكرة فأفرجوا له، وأمر المنصور بطلبه فألفوه وقد حمله ثلاثة من أصحابه لأنه كان جريحا فسقط من الوعر وارتث [2] فحملوه إلى المنصور فسجد سجدة الشكر، وأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين. ثم هلك من الجراحة التي به فأمر بسلخ جلده وحشوه تبنا واتخذ له قفصا فأدخل فيه مع قردين يلاعبانه بعثاله [3] . ورحل إلى القيروان والمهدية ولحق ابنه فضل بمعبد بن خزر، وزحف به الى طبنة وبسكرة. وقصد المنصور فانهزم معبد وصعد إلى كتامة، فبعث إليه العساكر مع مولييه شفيع وقيصر، ومعهما زيري بن مناد في صنهاجة، فانهزم فضل ومعبد وافترق جمعهم ورجع المنصور إلى القيروان فدخلها.

** (بقية أخبار المنصور) **

ثم انتقض حميد بن يضلبتن عامل المغرب وانحرف عن طاعة الشيعة، ودعا للأموية من وراء البحر، وزحف إلى تاهرت فحاصرها فنهض إليه المنصور في صفر سنة ست وثلاثين، وجاء إلى سوق حمزة فأقام به. وحشد زيري بن مناد جموع صنهاجة من كل ناحية، ورحل مع المنصور فأفرج حميد عن تاهرت، وعقد عليها ليعلى بن محمد اليفرني، وعقد لزيري بن مناد على قومه وعلى سائر بلادهم. ثم رحل لقتال لواتة فهربوا إلى الرمال، وأقام هو على واد ميناس، وكان هنالك ثلاثة جبال كل منهم عليه قصر مبني بالحجر المنحوت، فوجد في وجه أحد هذه القصور كتابة على حجر فسيح، فأمر المنصور التراجمة بقراءته، وإذا فيه أنا سليمان السردغوس خالف أهل هذا البلد على الملك، فبعثني إليهم ففتح الله عليهم وبنيت هذا البناء لأذكر به.

ذكر هذه الغريبة ابن الرقيق في تاريخه. ثم رحل المنصور إلى القيروان بعد أن خلع

على زيري بن مناد وحمله ودخل المنصورية في جمادى سنة ست وثلاثين، فبلغه أن فضل بن أبي يزيد جاء إلى جبل أوراس، وداخل البربر في الثورة فخرج إليه المنصور فدخل الرمل، ورجع المنصور إلى القيروان ثم إلى المهدية، ورجع فضل بن أبي يزيد إلى باغاية وأقام يحاصرها فغدر به باطيط، وبعث برأسه الى المنصور. ثم عقد سنة تسع وثلاثين للحسين بن علي بن أبي الحسين الكلبي على صقلية وأعمالها، وكانت لخليل بن إسحاق فصرفه الحسين واستقل بولايتها، فكان له فيها ولبنيه ملك سنذكره. وبلغ المنصور أن ملك إفرنجة يريد غزو المسلمين فأخرج أسطوله، وشحنه بالعساكر لنظر مولاه فرج الصقلي، وأمر الحسين بن علي عامل صقلية بالخروج معه فأجازوا البحر إلى عدوة الإفرنجة، ونزلوا قلورية ولقيهم رجاء ملك الفرنجة فهزموه.

وكان فتحا لا كفاء له، وذلك سنة أربعين وثلاثمائة، ورجع فرج بالغنائم إلى المهدية سنة اثنتين وأربعين، وكان معبد بن خزر بعد مظاهرته لفضل بن أبي يزيد لم يزل منتقضا وأولياء المنصور في طلبه حتى أخذ في بعض الوقائع، وسيق مع ابنه إلى المنصور فطيف بهما في أسواق المنصورية، ثم قتلا سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.

** (وفاة المنصور وولاية ابنه المعز) **

ثم توفي المنصور إسماعيل بن القاسم سلخ رمضان سنة إحدى وأربعين لسبع سنين من خلافته، أصابه الجهد من مطر وثلج تجلد على ملاقاته، ودخل على أثره الحمام فعيت [1] حرارته ولازمه السهر فمات. وكان طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي قد نهاه عن الحمام فلم يقبل وولي الأمر بعده ابنه معد، ولقب المعز لدين الله فاستقام أمره، وخرج لجبل أوراس سنة اثنتين وأربعين، وجالت فيه عساكره واستأمن إليه بنو كملان ومليلة من هوارة، ودخلوا في طاعته فأمنهم وأحسن إليهم. واستأمن إليه محمد بن خزر بعد قتل أخيه معبد فأمنه ورجع إلى القيروان وترك مولاه قيصر في العساكر، وعقد له على باغاية فدوخ البلاد وأحسن إلى الناس، وألف من كان شاردا من البربر. ورجع بهم إلى القيروان فأكرمهم المعز ووصلهم. ثم وفد بعدهم محمد

بن خزر أمير مغراوة فلقاه مبرة وتكريما. وأقام عنده بالقيروان إلى أن هلك سنة ثمان وأربعين. واستقدم المعز زيري بن مناد سنة ثلاث وأربعين أمير صنهاجة، فقدم من أشير فأجزل صلته ورده إلى عمله. وبعث إلى الحسين بن علي عامل صقلية سنة أربع وأربعين أن يخرجه بأسطوله إلى ساحل المرية من بلاد الأندلس، فعاث فيه وغنم وسبى، ورجع فأخرج الناصر صاحب الأندلس أسطوله إلى سواحل إفريقية مع غالب مولاه فمنعتهم العساكر، وأقلعوا. ثم عاودوا سنة خمس وأربعين في سبعين مركبا فأحرقوا مرسى الخزر وعاثوا في جهات سوسة، ثم في نواحي طبرنة ورجعوا.

واستقام أمر المعز في بلاد إفريقية والمغرب واتسعت إيالته، وكانت أعماله من ايفكان خلف تاهرت بثلاثة مراحل إلى زناتة التي دون مصر وعلى تاهرت وايفكان يعلى بن محمد اليفرني، وعلى أشير وأعمالها زيري بن مناد الصنهاجي وعلى المسيلة وأعمالها جعفر ابن علي الأندلسي وعلى باغاية وأعمالها قيصر الصقلي. وكان على فاس أحمد بن بكر ابن أبي سهل الجذامي، وعلى سجلماسة محمد بن واسول المكناسي. ثم بلغه سنة سبع وأربعين أن يعلى بن محمد اليفرني داخل الأموية من وراء البحر، وأن أهل المغرب الأقصى نقضوا طاعة الشيعة، فأغزى جوهر الصقلي الكاتب إلى المغرب بالعساكر، وكان على وزارته، وخرج معه جعفر بن علي صاحب المسيلة، وزيري بن مناد صاحب أشير وتلقاهم يعلى بن محمد صاحب المغرب الأوسط. ولما ارتحل عن ايفكان وقعت هيعة في أصحاب صيلة وقيل له إن بني يعرب أوقعوها فتقبض على يعلى وناشته سيوف كتامة لحينه، وخرب ايفكان وأسر ابنه يدو بن يعلى، وتمادوا إلى فاس ثم تجاوزوها إلى سجلماسة فأخذها، وتقبض على الشاكر لله محمد بن الفتح الذي تلقب بأمير المؤمنين من بني واسول، وولى ابن المعتز من بني عمه مكانه ودوخ المغرب إلى البحر. ثم رجع الى فاس وحاصرها وواليها يومئذ أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وقاتلها مدة فامتنعت عليه وجاءته هدايا الأمراء الأدكرنية من السوس.

ثم رحل الى سجلماسة، وبها محمد بن واسول من مكناسة وقد تلقب بأمير المؤمنين الشاكر لله، وضرب السكة باسمه تقدست عزة الله، فلما سمع بجوهر هرب، ثم أخذ أسيرا وجيء به إلى جوهر، وسار عن سجلماسة وافتتح البلاد في طريقه. ثم عاد إلى فاس وأقام في حصارها إلى أن افتتحها عنوة على يد زيري بن مناد تسنم أسوارها ليلا ودخلها وتقبض على أحمد بن بكر، وذلك سنة ثمان وأربعين، وولى عليها من

قبله، وطرد عمال بني أمية من سائر المغرب. وانقلب الى القيروان ظافرا عزيزا، وضم تاهرت إلى زيري بن مناد. وقدم بالفاطميين وبأحمد بن بكر وبمحمد بن واسول أسيرين في قفصين، ودخل بهما إلى المنصورية في يوم مشهود. وكانت ولاية المغرب والمشرق منقسمة بين مولييه قيصر ومظفر، وكانا متغلبين على دولته فقبض عليهما سنة تسع وأربعين وقتلهما. وفي سنة خمسين كان تغلب النصارى على جزيرة اقريطش، وكان بها أهل الأندلس من جالية الحكم بن هشام بسبب ثورة الرفض، ففر بهم إلى الإسكندرية فثاروا بها، وعبد الله بن طاهر يومئذ عامل مصر فحاصرهم بالإسكندرية حتى نزلوا على الأمان، وأن يجيزوا البحر إلى جزيرة أقريطش فعمروها ونزلوها منذ تلك الأيام، وأميرها أبو حفص البلوطي منهم، واستبد بها وورث بنوه رياسة فيها إلى أن نازلهم النصارى في هذه السنة في سبعمائة مركب، واقتحموها عليهم عنوة، وقتلوا منهم وأسروا، وبقيت في ايدي النصارى لهذا العهد والله غالب على أمره. وافتتح صاحب صقلية سنة إحدى وخمسين قلعة طرمين، من حصون صقلية بعد حصار طويل أجهدهم فنزلوا على حكم صاحب صقلية بعد تسعة أشهر ونصف للحصار، وأسكن المسلمين بالقلعة وسماها المعزية نسبة إلى المعز صاحب إفريقية. ثم سار صاحب صقلية بعدها وهو أحمد بن الحسن ابن علي بن أبي الحسن إلى حصار رمطة من قلاع صقلية فاستمدوا ملكهم صاحب القسطنطينية، فجهز لهم العساكر برا وبحرا، واستمد صاحب صقلية المعز فامده بالعساكر مع ابنه الحسن، ووصل مدده إلى مدينة ميسنى، وساروا بجموعهم إلى رمطة، وكان على حصارها الحسن بن عمار فحمل عسكرا على رمطة وزحف إلى عسكر الروم مستميتا فقاتلهم فقتل أمير الروم وجماعة من البطارقة وهزموا أقبح هزيمة، واعترضهم خندق فسقطوا فيه، وأثخن المسلمون. فيهم وغنموا عسكرهم. واشتد الحصار على أهل رمطة وعدموا الأقوات فاقتحمها المسلمون عنوة، وركب فل الروم البحر يطلبون النجاة، فأتبعهم الأمير أحمد بن الحسن في أسطوله فأدركهم وسبح بعض المسلمين في الماء فخرق مراكبهم وانهزموا، وبث أحمد سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها وعاثوا فيها حتى صالحوهم على الجزية، وكانت هذه الواقعة سنة أربع وخمسين وتسمى وقعة المجاز.

** (فتح مصر) **

ثم إن المعز لدين الله بلغه اضطراب أحوال مصر بعد موت كافور الإخشيدي وعظم فيها الغلاء وكثرت الفتن وشغل بغداد عنهم بما كان من الفتن بين بختيار بن معز الدولة، وعضد الدولة ابن عمه، فاعتزم المعز على المسير إلى مصر، وأخرج جوهرا الكاتب إلى المغرب لحشد كتامة، وأوعز إلى عمال برقة لحفر الآبار في طريقها، وذلك سنة خمس وخمسين، فسيره إلى مصر وخرج لتوديعه، وأقام أياما في معسكره، وسار جوهر وبلغ خبره إلى عساكر الإخشيدية بمصر فافترقوا، وكان ما يذكر في أخبارهم، وقدم جوهر منتصف شعبان من سنة ثمان وخمسين فدخلها وخطب في الجامع العتيق منه باسم المعز، وأقيمت الدعوة العلوية وفي جمادى من سنة تسع وخمسين دخل جوهر جامع ابن طولون فصلى فيه، وأمر بزيادة حي على خير العمل في الأذان، فكان أول أذان أذن به في مصر. ثم بعث إلى المعز بالهدايا وبأعيان دولة الإخشيدية فحبسهم المعز بالمهدية، وأحسن إلى القضاة والعلماء من وفدهم، وردهم إلى مصر، وشرع جوهر في بناء القاهرة واستحث المعز للقدوم على مصر.

** (فتح دمشق) **

ولما فتحت مصر، وأخذ بنو طفج، هرب منهم الحسن بن عبد الله بن طفج إلى مكة ومعه جماعة من قوادهم، فلما استشعر جوهر به بعث جعفر بن فلاح الكتامي في العساكر إليه فقاتله مرارا ثم أسره ومن كان معه من القواد، وبعث بهم إلى جوهر فبعث بهم جوهر إلى المعز بإفريقية، ودخل جعفر الرملة عنوة فاستباحها، ثم أمن من بقي وجبى الخراج وسار إلى طبرية وبها ابن ملهم وقد أقام الدعوة للمعز فتجافى عنه، وسار إلى دمشق فافتتحها عنوة وأقام بها الخطبة للمعز لأيام من المحرم سنة تسع وخمسين، وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي وكان مطاعا فيهم، فجمع الأوباش والذعار وثار بهم في الجمعة الثانية، ولبس السواد وأعاد الخطبة

للمطيع فقاتلهم جعفر بن فلاح أياما ووالى عليهم الهزائم. وعاثت جيوش المغاربة في أهل دمشق فهرب ابن أبي يعلى ليلا من البلد وأصبحوا حيارى، وكانوا قد بعثوا الشريف الجعفري إلى جعفر في الصلح فأعاده إليهم بتسكين الناس والوعد الجميل، وأن يدخل البلد فيطوف فيه ويرجع إلى معسكره فدخل، وعاث المغاربة في البلد بالنهب فثار الناس بهم وحملوا عليهم، وقتلوا منهم وشرعوا في حفر الخنادق وتحصين البلد. ومشى الشريف أبو القاسم في الصلح بينهم وبين جعفر بن فلاح، فتم ذلك منتصف ذي الحجة من سنة تسع وخمسين، ودخل صاحب شرطة جعفر فسكن الناس وقبض على جماعة من الأحداث وقتل منهم وحبس. ثم قبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى في المحرم من سنة ستين، وبعث به إلى مصر، واستقام ملك دمشق لجعفر بن فلاح، وكان خرج بإفريقية في سنة ثمان وخمسين أبو جعفر الزناتي واجتمعت إليه جموع من البربر والنكارية، وخرج إليه المعز بنفسه، وانتهى إلى باغاية وافترقت جموع أبي خزر [1] ، وسلك الأوعار فعاد المعز وأمر بلكين بن زيري بالمسير في طلبه فسار لذلك حتى انقطع عنه خبره، ثم جاء أبو جعفر مستأمنا سنة تسع وخمسين فقبله، وأجرى عليه الرزق، وعلى أثر ذلك وصلت كتب جوهر بإقامة دعوته بمصر والشام، وباستدعائه إليها فاشتد سرور المعز بذلك، وأظهره في الناس ونطق الشعراء بامتداحه. ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليهم ملكهم الأعصم.

ولقيهم جعفر بن فلاح فظفر بهم وقتلهم. ثم رجعوا إليه سنة إحدى وستين وبرز إليهم جعفر فهزموه وقتلوه، وملك الأعصم دمشق وسار إلى مصر وكاتب جوهر بذلك للمعز فاعتزم على الرحلة إليها.

** (مسير المعز الى مصر ونزوله بالقاهرة) **

ولما انتهت هذه الأخبار إلى المعز اعتزم على المسير إلى مصر، وبدأ بالنظر في تمهيد المغرب وقطع شواغله، وكان محمد بن الحسن بن خزر المغراوي مخالفا عليه بالمغرب الأوسط، وقد كثرت جموعه من زنانة والبربر، وكان جبارا طاغيا فأهم المعز أمره وخشي على إفريقية عائلته، فأمر بلكين بن زيري بن مناد بغزوه فغزاه في بلاده،

وكانت بينهما حروب عظيمة. ثم انهزم محمد بن خزر وجموعه، ولما أحس بالهزيمة تحامل على سيفه فقتل نفسه، وقتل في المعركة سبعة عشر من أمراء زناتة وأسر منهم كثير وذلك سنة ستين. وسر المعز ذلك وقعد للهناء به. واستقدم بلكين بن زيري فاستخلفه على إفريقية والمغرب، وأنزله القيروان وسماه يوسف، وكناه أبا الفتوح، وولى على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي، ولم يجعل لبلكين ولاية عليه، ولا على صاحب صقلية. وجعل على جباية الأموال زيادة الله بن الغريم، وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني، وحسين بن خلف المرصدي بنظر بلكين، وعسكر ظاهر المنصورية آخر شوال من سنة إحدى وستين، وأقام على سردانية قريبا من القيروان حتى فرغ من أعماله، ولحقته عساكره وأهل بيته وعماله، وحمل له ما كان في قصره من الأموال والأمتعة. وارتحل بعد أربعة أشهر من مقامه وسار معه بلكين قليلا، ثم ودعه ورده إلى عمله، وسار هو إلى طرابلس في عساكره، وهرب بعضهم إلى جبل نفوسة فامتنعوا بها، وسار إلى برقة فقتل بها شاعره محمد بن هانئ الأندلسي، وجد قتيلا بجانب البحر في آخر رجب من سنة اثنتين وستين. ثم سار إلى الاسكندرية وبلغها في شعبان من هذه السنة، ولقيه بها أعيان مصر فأكرمهم ووصلهم، وسار فدخل القاهرة لخمس من رمضان من هذه السنة فكانت منزله ومنزل الخلفاء بعده الى آخر دولتهم.

** (حروب المعز مع القرامطة واستيلاؤه على دمشق) **

كان للقرامطة على بني طفج بدمشق ضريبة يؤدونها إليهم، فلما ملك ابن فلاح بدعوة المعز قطع تلك الضريبة، وآسفهم بذلك فرجعوا إلى دمشق وعليهم الأعصم ملكهم، فبرز إليهم جعفر بن فلاح فهزموه وقتلوه، وملكوا دمشق وما بعدها، إلى الرملة، وهرب من كان بالرملة وتحصنوا بيافا. وملك القرامطة الرملة وجهزوا العساكر على يافا، وساروا إلى مصر ونزلوا عين شمس وهي المعروفة لهذا العهد بالمطرية. واجتمع إليهم خلق كثير من العرب وأولياء بني طفج، وحاصروا المغاربة بالقاهرة وقاتلوهم أياما فكان الظفر بهم. ثم خرج المغاربة واستماتوا وهزمهم فرحلوا

إلى الرملة وضيقوا حصار يافا، وبعث إليهم جعفر بالمدد في البحر فأخذه القرامطة وانتهى الخبر إلى المعز بالقيروان. وجاء إلى مصر ودخلها كما ذكرناه. وسمع أنهم يريدون المسير إلى مصر فكتب إلى الأعصم يذكره فضل بنيه وأنهم إنما دعوا له ولآبائه وبالغ في وعظه وتهدده فأساء في جوابه، وكتب إليه: وصل كتابك الذي قل تحصيله وكثر تفصيله، ونحن سائرون إليك والسلام. وسار من الأحساء إلى مصر ونزل عين شمس في عساكره، واجتمع إليه الناس من العرب وغيرهم. وجاء حسان بن الجراح في جموع عظيمة من طيئ، وبث سراياه في البلاد فعاثوا فيها وأهم المعز شأنه، فراسل ابن الجراح واستماله بمائة ألف دينار على أن ينهزم على القرامطة واستحلفوه على ذلك. وخرج المعز ليوم عينوه لذلك فانهزم ابن الجراح بالعرب، وثبت القرامطة قليلا ثم انهزموا وأخذ منهم نحو ألف وخمسمائة أسير. وقتلوا صبرا ونهب معسكرهم. وجرد المعز القائد أبا محمود في عشرة آلاف فارس، وساروا في اتباعهم ولحق القرامطة بأذرعات وساروا منها إلى الأحساء، وبعث المعز القائد ظالم بن موهوب العقيلي واليا على دمشق فدخلها، وكان العامل بها من قبل القرامطة أبو اللجاء وابنه في جماعة منهم فحبسهم ظالم وأخذ أموالهم، ورجع القائد أبو محمود من اتباع القرامطة إلى دمشق فتلقاه ظالم وسر بقدومه وسأله المقام بظاهر دمشق حذرا من القرامطة ففعل ودفع أبا اللجاء وابنه فبعث بهم إلى مصر فحبسوا بها. وعاث أصحاب أبي محمود في دمشق، فاضطرب الناس وقتل صاحب الشرطة بعضهم فثاروا به وقتلوا أصحابه. وركب ظالم بذراريهم وأجفل أهل الضواحي إلى البلد من عيث المغاربة، ثم وقعت في منتصف شوال من سنة ثلاث وستين فتنة بين العامة وبين عسكر أبي محمود وقاتلوه أياما، ثم هزمهم وتبعهم إلى البلد. وكان ظالم بن موهوب يداري العامة فأشفق في هذا اليوم على نفسه، وخرج من دار الإمارة وأحرق المغاربة ناحية باب الفراديس، ومات فيها خلق، واتصلت الفتنة إلى ربيع الآخر من سنة أربع وستين. ثم وقع الصلح بينهم على إخراج ظالم من البلد وولاية جيش بن الصمصامة ابن أخت أبي محمود فسكن الناس إليه. ثم رجع المغاربة إلى العيث وعاد العامة إلى الثورة، وقصدوا القصر الذي فيه جيش فهرب ولحق بالعسكر، وزحف إلى البلد فقاتلهم وأحرق ما كان بقي وقطع الماء عن البلد فضاقت الأحوال وبطلت

الأسواق، وبلغ الخبر إلى المعز فنكر ذلك على أبي محمود واستعظمه، وبعث إلى زياد الخادم في طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لاستكشاف حالها، وأن يصرف القائد أبا محمود عنها، فصرفه إلى الرملة، وبعث إلى المعز بالخبر، وأقام بدمشق إلى أن وصل أفتكين واليا على دمشق. وكان أفتكين هذا من موالي عز الدولة بن بويه، ولما ثار الأتراك على ابنه بختيار مع سبكتكين، ومات سبكتكين، قدمه الأتراك عليهم، وحاصروا بختيار بواسط، وجاء عضد الدولة لإنجاده فاجفلوا عن واسط فتركوه ببغداد. وسار أفتكين في طائفة من الجند إلى حمص فنزل قريبا منها، وقصده ظالم بن موهوب العقيلي ليقبضه فعجز عنه، وسار أفتكين فنزل بظاهر دمشق وبها زياد خادم المعز، وقد غلب عليه، وعلى أعيان البلد الأحداث والذعار، فلم يملكوا معهم أمر أنفسهم فخرج الأعيان إلى أفتكين، وسألوا منه الدخول إليهم ليولوه، وشكوا إليه حال المغاربة وما يحملونهم عليه من عقائد بعض الرفض، وما أنزل بهم عمالهم من الظلم والعسف، فأجابهم واستحلفهم وحلف لهم، وملك البلد وخرج منها زياد الخادم، وقطع خطبة المعز العلوي وخطب للطائع العباسي، وقمع أهل الفساد ودفع العرب عما كانوا استولوا عليه من الضواحي. واستقل ملك دمشق وكاتب المعز بطلب طاعته وولايتها من قبله. فلم يثق إليه ورده، وتجهز لقصده، وجهز العساكر فتوفي بعسكره ببلبيس كما يذكر.

** (وفاة المعز وولاية ابنه العزيز) **

ثم توفي المعز بمصر في منتصف ربيع الآخر سنة خمس وستين لثلاث وعشرين سنة من خلافته، وولي ابنه نزار بعهده إليه ووصيته، ولقب العزيز بالله، وكتم موت أبيه إلى عيد النحر من السنة فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه وعزى بأبيه، وأقر يعقوب ابن كلس على الوزارة كما كان أيام أبيه، وأقر بلكين بن زيري على ولاية إفريقية وأضاف إليه ولاية عبد الله بن يخلف الكتامي، وهي طرابلس وسرت وجرابيه.

وكان أهل مكة والمدينة قد خطبوا للمعز أبيه في الموسم فتركوا الخطبة للعزيز، فبعث جيوشه إلى الحجاز فحاصروا مكة والمدينة وضيقوا عليهم حتى رجعوا إلى دعوتهم، ابن خلدون م 5 ج 4

وخطب للعزيز بمكة وكان أمير مكة عيسى بن جعفر والمدينة طاهر بن مسلم، ومات في هذه السنة فولي ابنه الحسن وابن أخيه مكانه.

** (بقية أخبار أفتكين) **

ولما توفي المعز وولي العزيز، قام أفتكين وقصد البلاد التي لهم بساحل الشام فبدأ بصيداء فحاصرها، وبها ابن الشيخ في رءوس المغاربة وظالم بن موهوب العقيلي فبرزوا إليه وقاتلوه فاستنجد لهم، ثم كر عليهم وأوقع بهم وقتل منهم أربعة آلاف، وسار إلى عكة فحاصرها وقصد طبرية وفعل فيها مثل صيدا. ورجع واستشار العزيز وزيره يعقوب بن كلس فأشار بإرسال جوهر الكاتب إليه، فجهزه العزيز وبعثه، وأقبل أفتكين على أهل دمشق يريهم التحول عنهم ويذكرهم بذلك ليختبرهم فتطارحوا إليه، واستماتوا واستحلفهم على ذلك. ووصل جوهر في ذي القعدة سنة خمس وستين فحاصر دمشق شهرين، وضيق حصارها وكتب افتكين إلى الأعصم ملك القرامطة يستنجده، فسار إليه من الأحساء واجتمع إليهم من رجال الشام والعرب نحو من خمسين ألفا، وأدركوا جوهرا بالرملة وقطعوا عنه الماء فارتحل إلى عسقلان فحاصروه بها حتى بلغ الجهد، وأرسل جوهر إلى أفتكين بالمغاربة والوعد. والقرمطي يمنعه، ثم سأله في الاجتماع فجاءه أفتكين، ولم يزل جوهر يعتل له في الذروة والغارب، وأفتكين يعتذر بالقرمطي ويقول أنت حملتني على مداراته. فلما أيس منه كشف لهم عماهم فيه من الضيق، وسأله الصنيعة وأنها يتخذها عند العزيز فحلف له على ذلك، وعزله القرمطي. وأراه جوهر أن يحمل العزيز على المسير بنفسه فصم من عزله وأبى إلا الوفاء، وانطلق جوهر إلى مصر وأغرى العزيز بالمسير إليهم، فتجهز في العساكر، وسار وجوهر في مقدمته، ورجع أفتكين والقرمطي إلى الرملة، واحتشدوا ووصل العزيز فاصطفوا للحرب بظاهر الرملة في محرم سنة سبع وستين. وبعث العزيز إلى أفتكين يدعوه إلى الطاعة ويرغبه ويعده بالتقدم في دولته ويدعوه إلى الحضور عنده، فتقدم بين الصفين وترجل وقبل الأرض وقال: قل لأمير المؤمنين لو كان قبل هذه لسارعت، وأما الآن فلا يمكنني. وحمل على الميسرة فهزمهم وقتل الكثير منهم، فامتعض العزيز وحمل هو والميمنة جميعا فهزمهم، ووضع المغاربة السيف فقتلوا نحوا من

عشرين ألفا، ثم نزل في خيامه وجيء بالأسرى فخلع على من جاء بهم وبذل لمن جاء بأفتكين مائة ألف دينار، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي، وقد جهده العطش فاستسقاه فسقاه وتركه بعرشه مكرما. وجاء إلى العزيز فأخبره بمكانه، وأخذ المائة ألف التي بذلها فيه، وأمكنه من قياده. ولما حضر عند العزيز وهو لا يشك أنه مقتول أكرمه العزيز ووصله، ونصب له الخيام وأعاد إليه ما نهب له، ورجع به إلى مصر فجعله أخص خدمه وحجابه، وبعث إلى الأعصم القرمطي من يرده إليه ليصله، كما فعل بأفتكين فأدرك بطبرية، وامتنع من الرجوع فبعث إليه بعشرين ألف دينار وفرضها له ضريبة، وسار القرمطي إلى الأحساء، وعاد العزيز إلى مصر ورقى رتبة أفتكين وخص به الوزير يعقوب بن كلس فسمه، وسمع العزيز بأنه سمه فحبسه أربعين يوما وصادره على خمسمائة ألف دينار، ثم خلع عليه وأعاده إلى وزارته.

وتوفي جوهر الكاتب في ذي القعدة من سنة إحدى وثمانين، وقام ابنه الحسن مقامه، ولقب قائد القواد. وكان أفتكين قد استخلص أيام وزارته بدمشق رجلا اسمه قسام، فعلا صيته وكثر تابعه، واستولى على البلد. ولما انهزم أفتكين والقرامطة، بعث العزيز القائد أبا محمود بن إبراهيم واليا على دمشق كما كان لأبيه المعز فوجد فيها قساما قد ضبط البلد، وهو يدعو للعزيز فلم يتم له معه ولاية. وبقي قسام مستبدا عليه إلى أن مات أبو محمود سنة سبعين. ثم جاء أبو ثعلب بن حمدان صاحب الموصل إلى دمشق، عند انهزامه أمام عضد الدولة، فمنعه قسام من الدخول وخاف أن يغلبه على البلد بنفسه أو بأمر العزيز، واستوحش أبو ثعلب لذلك فقاتله قليلا، ثم رحل إلى طبرية، وجاءت عساكر العزيز مع قائده الفضل فحاصروا قساما بدمشق، ولم يظفروا به ورجعوا. ثم بعث العزيز سنة تسع وستين سليمان بن جعفر بن فلاح فنزل بظاهرها، ولم يمكنه قسام من دخولها، ودس إلى الناس فقاتلوه وأزعجوه [1] عن مكانه. وكان مفرج بن الجراح أمير بني طيئ وسائر العرب بأرض فلسطين قد كثرت جموعه وقويت شوكته، وعاث في البلاد وخربها، فجهز العزيز العساكر لحربه مع قائدة بلتكين التركي، فسار إلى الرملة، واجتمع إليه العرب من قيس وغيرهم، ولقي ابن الجراح وقد أكمن لهم بلتكين من ورائهم، فانهزم ومضى الى أنطاكية، فأجاره

صاحبها، وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى بلاد الشام فخاف ابن الجراح وكاتب بكجور مولى سيف الدولة وعامله على حمص، ولجأ إليه فأجاره. ثم زحف بلتكين إلى دمشق وأظهر لقسام أنه جاء لإصلاح البلد. وكان مع قسام جيش ابن الصمصامة ابن أخت أبي محمود قد قام بعده في ولايته، فخرج إلى بلتكين فأمره بالنزول معه بظاهر البلد هو وأصحابه. واستوحش قسام وتجهز للحرب. ثم قاتل وانهزم أصحابه، ودخل بلتكين أطراف البلد فنهبوا وأحرقوا. واعتزم أهل البلد على الاستئمان إلى بلتكين، وشافهوه بذلك فأذن لهم، وسمع قسام فاضطرب وألقى ما بيده واستأمن الناس إلى بلتكين لأنفسهم ولقسام، فأمن الجميع وولى على البلد أميرا اسمه خطلج، فدخل البلد وذلك في المحرم سنة اثنتين وسبعين، ثم اختفى قسام بعد يومين فنهبت دوره ودور أصحابه، وجاء ملقيا بنفسه على بلتكين فقبله وحمله إلى مصر فأمنه العزيز. وكان بكجور في غوية من غلمان سيف الدولة وعامله على حمص. وكان يمد دمشق أيام هذه الفتنة والغلاء، ويحمل الأقوات من حمص إليها ويكاتب العزيز بهذه الخدم، ثم استوحش سنة ثلاث وسبعين من مولاه أبي المعالي فاستنجز من العزيز وعده إياه بولاية دمشق، وصادف ذلك أن المغاربة بمصر أجمعوا على التوثب بالوزير ابن كلس، ودعت الضرورة إلى استقدام بلتكين من دمشق فأمره العزيز بالقدوم، وولاية بكجور على دمشق ففعل. ودخلها بكجور في رجب من سنة ثلاث وسبعين، وعاث في أصحاب ابن كلس وحاشيته بدمشق لما كان يبلغه عنه من صد العزيز عن ولايته. ثم أساء السيرة في أهل دمشق فسعى ابن كلس في عزله عند العزيز، وجهز العساكر سنة ثمان وسبعين مع منير الخادم، وكتب إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته، وجمع بكجور العرب وخرج للقائه فانهزم. ثم خاف من وصول نزال فاستأمن لهم وتوجه إلى الرقة فاستولى عليها، ودخل منير دمشق واستقر في ولايتها، وارتفعت منزلته عند العزيز وجهزه لحصار سعد الدولة بحلب. وكان بكجور بعد انصرافه من دمشق إلى الرقة سأل من سعد الدولة العود إلى ولاية حمص فمنعه فأجلب عليه، واستنجد العزيز لحربه، وبعث إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته فسار إليه بالعساكر، وخرج سعد الدولة من حلب للقائهم وقد أضمر نزال الغدر ببكجور، وتقدم إليه بذلك عيسى بن نسطورس وزير العزيز بعد ابن كلس. وجاء سعد الدولة للقائهم وقد استمد عامل أنطاكية للروم فامده بجيش

كثير وداخل العرب الذين مع بكجور في الانهزام عنه، ووعدوه بذلك من أنفسهم، فلما تراءى الجمعان وشعر بكجور بخديعة العرب فاستمات وحمل على الصف بقصد سعد الدولة، فقتل لؤلؤ الكبير مولاه بطعنه إياه. ثم حمل عليه سعد الدولة فهزمه، فسار إلى بعض العرب وحمل إلى سعد الدولة فقتله، وسار إلى الرقة فملكها وقبض جميع أمواله، وكانت شيئا لا يعبر عنه، وكتب أولاده إلى العزيز يستشفعون به، فشفع إلى سعد الدولة فيهم أن يبعثهم إلى مصر، ويتهدده على ذلك، فأساء سعد الدولة الرد وجهز لحصار حلب الجيوش مع منجوتكين، فنزل عليها وحاصرها وبها أبو الفضائل بن سعد الدولة ومولاه لؤلؤ الصغير. وأرسلا إلى بسيل ملك الروم يستنجدانه وهو في قتال بلغار، فبعث إلى عامل أنطاكية أن يمدهما، فسار في خمسين ألفا حتى نزل حبس العاصي، وبلغ خبره إلى منجوتكين فارتحل عن حلب، ولقي الروم فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا. وسار إلى أنطاكية وعاث في نواحيها، وخرج أبو الفضائل في مغيب منجوتكين إلى ضواحي حلب، فنقل ما فيها من الغلال وأحرق بقيتها لتفقد عساكر منجوتكين الأقوات. فلما عاد منجوتكين إلى الحصار، جهز عسكره وأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي في الصلح، فعقد له ذلك، ورحل منجوتكين، إلى دمشق، وبلغ الخبر إلى العزيز فغضب، وكتب إلى منجوتكين بالعود إلى حصار حلب وإبعاد الوزير المغربي، وأنفذ الأقوات للعسكر في البحر الى طرابلس. وأقام منجوتكين في حصار حلب وأعادوا مراسلة ملك الروم فاستنجدوه وأغروه، وكان قد توسط بلاد البلغار فعاد مجدا في السير. وبعث لؤلؤ إلى منجوتكين بالخبر حذرا على المسلمين، وجاءته جواسيسه بذلك، فأجفل بعد أن خرب ما كان اتخذه في الحصار من الأسواق والقصور والحمامات. ووصل ملك الروم إلى حلب ولقي أبا الفضائل ولؤلؤا، ثم سار في الشام وافتتح حمص وشيزر ونهبهما، وحاصر طرابلس أربعين يوما فامتنعت عليه، وعاد إلى بلاده. وبلغ الخبر إلى العزيز فعظم عليه، واستنفر الناس للجهاد، وبرز من القاهرة ذلك سنة إحدى وثمانين، ثم انتقض منير في دمشق، فزحف إليه منجوتكين إلى دمشق.

** (أخبار الوزراء) **

كان وزير المعز لدين الله يعقوب بن يوسف بن كلس أصله من اليهود وأسلم، وكان يدبر الأحوال الإخشيدية بمصر، وعزله أبو الفضائل بن الفرات سنة سبع وخمسين، وصادره فاستتر بمصر، ثم فر إلى المغرب ولقي المعز لدين الله، وجاء في ركابه إلى مصر فاستوزره وعظم مقامه عنده، واستوزره بعده ابنه العزيز إلى أن توفي سنة ثمانين وصلى عليه العزيز وحضر دفنه، وقضى عنه دينه، وقسم عمله فرد النظر في الظلامات الى الحسن بن عمار كبير كتامة، ورد النظر في الأموال إلى عيسى بن نسطورس، ولم تزل الوزارة سائر دولتهم في أرباب الأقلام، وكانوا بمكان، وكان منهم البارزي. وكان مع الوزارة قاضي القضاة وداعي الدعاة، وسأل أن يرسم اسمه على السكة فغرب ومنع، ومات قتيلا بتنيس. وأبو سعيد النسري، وكان يهوديا وأسلم قبل وزارته، والجرجاني وقطع الجرجاني في أمر منع من الكتب فيه فكتب وحلف الحاكم بيمين لا تكفر ليقطعنه. ثم رده بعد ثلاث وخلع عليه وابن أبي كدينة ثلاثة عشر شهرا. ثم صرف وقتل وأبو الطاهر بن ياشاد، وكان من أهل الدين واستعفى فأعفي، وأقام معتكفا في جامع مصر وسقط ليلة من السطح فمات. وكان آخرهم الوزير أبو القاسم بن المغربي وكان بعده بدر الجيالي أيام المستنصر وزير سيف الدولة، واستبد له على الدولة ومن بعده منهم كما يأتي في أخبارهم.

** (أخبار القضاة) **

كان النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون في خطة القضاء للمعز بالقيروان.

ولما جاء إلى مصر أقام بها في خطة القضاء إلى أن توفي وولي ابنه علي، ثم توفي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، فولى العزيز أخاه أبا عبد الله محمدا، خلع عليه وقلده سيفا.

وكان المعز قد وعد أباه بقضاء ابنه محمد هذا بمصر، وتم في سنة تسع وثمانين أيام الحاكم، وكان كبير الصيت، كثير الإحسان شديد الاحتياط في العدالة، فكانت أيامه شريفة. وولي بعده ابن عمه أبو عبد الله الحسين بن علي بن النعمان أيام الحاكم،

ثم عزل سنة أربع وتسعين، وقتل وأحرق بالنار، وولي مكانه ملكة بن سعيد الفارقي إلى أن قتله الحاكم سنة خمس وأربعمائة بنواحي القصور، وكان عالي المنزلة عند الحاكم ومداخلا له في أمور الدولة، وخالصة له في خلواته. وولى بعده أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوام. واتصل في آخرين إلى آخر دولتهم، كان كثيرا ما يجمعون للقاضي المظالم والدعوة، فيكون داعي الدعاة، وربما يفردون كلا منهما.

وكان القاضي عندهم يصعد مع الخليفة المنبر مع من يصعده من أهل دولته عند ما يخطب الخلفاء في الجمع والأعياد.

** (وفاة المعز وولاية ابنه الحاكم) **

قد تقدم لنا أن العزيز استنفر الناس للجهاد سنة إحدى وثمانين، وبرز في العساكر لغزو الروم، ونزل بلبيس فاعتورته الأمراض، واتصلت به إلى أن هلك آخر رمضان سنة ست وثمانين لإحدى عشرة سنة ونصف من خلافته، ولقب الحاكم بأمر الله، واستولى برجوان الخادم على دولته كما كان لأبيه العزيز بوصيته بذلك، وكان مدبر دولته، وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمار ويلقب بأمين الدولة، وتغلب على ابن عمار وانبسطت أيدي كتامة في أموال الناس وحرمهم، ونكر منجوتكين تقديم ابن عمار في الدولة، وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك فأظهر الانتقاض، وجهز العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح فلقيهم بعسقلان، وانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفين وسيق أسيرا إلى مصر، فأبقى عليه ابن عمار واستماله للمشارقة، وعقد على الشام لسليمان بن فلاح، ويكنى أبا تميم، فبعث من طبرية أخاه عليا إلى دمشق، فامتنع أهلها، فكاتبهم أبو تميم وتهددهم وأذعنوا، ودخل على البلد ففتك فيهم. ثم قدم أبو تميم فأمن وأحسن وبعث أخاه عليا إلى طرابلس وعزل عنها جيش بن الصمصامة فسار إلى مصر، وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمار وأعيان كتامة، وكان معهما في ذلك شكر خادم عضد الدولة نزع إلى مصر بعد مهلك عضد الدولة، ونكبة أخيه شرف الدولة إياه، فخلص إلى العزيز فقربه وحظي عنده، فكان مع برجوان وجيش بن الصمصامة. وثارت الفتنة واقتتل المشارقة والمغاربة فانهزمت المغاربة، واختفى ابن عمار وأظهر برجوان الحاكم وجدد

له البيعة، وكتب إلى دمشق بالقبض على أبي تميم بن فلاح فنهب، ونهبت خزائنه، واستمر القتل في كتامة واضطربت الفتنة بدمشق، واستولى الأحداث. ثم أذن برجوان لابن عمار في الخروج من أستاره وأجرى له أرزاقه على أن يقيم بداره.

واضطرب الشام فانتقض أهل صور، وقام بها رجل ملاح اسمه العلاقة وانتقض مفرج بن دغفل بن الجراح، ونزل على الرملة، وعاث في البلاد وزحف الدوقس ملك الروم إلى حصن أفامية محاصرا لها. وجهز برجوان العساكر مع جيش بن الصمصامة، فسار إلى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدون، وأسطولا في البحر، واستنجد العلاقة ملك الروم فأنجده بالمقاتلة في المراكب، فظفر بهم أسطول المسلمين. واضطرب أهل صور وملكها ابن حمدان، وأسر العلاقة، وبعث به إلى مصر فسلخ وصلب وسار جيش بن الصمصامة إلى المفرج بن دغفل فهرب أمامه، ووصل إلى دمشق، وتلقاه أهلها مذعنين، وأحسن إليهم وسكنهم ورفع أيدي العدوان عنهم. ثم سار إلى أفامية وصاف الروم عندها فانهزم أولا هو وأصحابه، وثبت بشارة إخشيدي بن قرارة في خمس عشرة [1] فارسا، ووقف الدوقس ملك الروم على رابية في ولده وعدة من غلمانه ينظر فعل الروم في المسلمين، فقصد كردي من مصاف الإخشيدي وبيده عصا من حديد يسمى الخشت، وظنه الملك مستأمنا، فلما دنا منه ضربه بالخشت فقتله، وانهزم الروم وأتبعهم جيش بن الصمصامة إلى أنطاكية يغنم ويسبي ويحرق. ثم عاد مظفرا إلى دمشق فنزل بظاهرها ولم يدخل. واستخلص رؤساء الأحداث واستحجبهم وأقيم له الطعام في كل يوم، وأقام على ذلك برهة. ثم أمر أصحابه إذا دخلوا للطعام أن يغلق باب الحجرة عليهم، ويوضع السيف في سائرهم، فقتل منهم ثلاثة آلاف، ودخل دمشق وطاف بها وأحضر الأشراف فقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وبعث بهم إلى مصر وأمن الناس. ثم إنه توفي وولي محمود بن جيش وبعث برجوان إلى بسيل ملك الروم فصالحه لعشر سنين، وبعث جيشا إلى برقة وطرابلس المغرب ففتحها، وولى عليها يانسا الصقلي. ثم ثقل مكان برجوان على الحاكم فقتله سنة تسع وثمانين، وكان خصيا أبيض، وكان له وزير نصراني استوزره الحاكم من بعده. ثم قتل الحسين بن عمار، ثم الحسين بن جوهر القائد. ثم جهز العساكر مع يارخنكين إلى حلب،

وقصد حسان بن فرج الطائي، لما بلغ من عيثه وفساده، فلما رحل من غزوة إلى عسقلان لقيه حسان وأبوه مفرج فانهزم وقتل، ونهبت النواحي وكثرت جموع بني الجراح وملكوا الرملة، واستقدموا الشريف أبا الفتوح الحسن بن جعفر أمير مكة فبايعوه بالخلافة. ثم استمالهما الحاكم ورغبهما فرداه إلى مكة وراجعا طاعة الحاكم، وراجع هو كذلك، وخطب له بمكة. ثم جهز الحاكم العساكر إلى الشام مع علي ابن جعفر بن فلاح، وقصد الرملة، فانهزم حسان بن مفرج وقومه، وغلبهم على تلك البلاد واستولى على أموالهم وذخائرهم، وأخذ ما كان لهم من الحصون بجبل السراة، ووصل إلى دمشق في شوال سنة تسعين، فملكها واستولى عليها، وأقام مفرج وابنه حسان شريدين بالقفر نحوا من سنتين. ثم هلك مفرج وبعث حسان ابنه إلى الحاكم فأمنه وأقطعه ثم وفد عليه بمصر فأكرمه ووصله.

** (خروج أبي ركوة ببرقة والظفر به) **

كان أبو ركوة هذا يزعم أنه الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الداخل، وأنه هرب من المنصور بن أبي عامر حين تتبعهم بالقتل وهو ابن عشرين سنة، وقصد القيروان فأقام بها يعلم الصبيان. ثم قصد مصر وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن والشام وكان يدعو للقائم من ولد أبيه هشام، واسمه الوليد وإنما لقبه أبا ركوة لأنه كان يحملها لوضوئه على عادة الصوفية. ثم عاد إلى نواحي مصر ونزل على بني قرة من بادية هلال بن عامر، وأقام يعلم الصبيان ويؤمهم في صلاتهم. ثم أظهر ما في نفسه ودعا للقائم. وكان الحاكم قد أسرف في القتل في أصناف الناس وطبقاتهم، والناس معه على خطر، وكان قتل جماعة من بني قرة وأحرقهم بالنار لفسادهم، فبادر بنو قرة وكانوا في أعمال برقة فأجابوه وانقادوا له وبايعوا. وكان بينهم وبين لواتة ومزاتة وزناتة جيرانهم في الأصل حروب ودماء فوضعوها. واتفقوا على بيعته. وكتب عامل برقة أنيال الطويل بخبرهم إلى الحاكم فأمره بالكف عنهم. ثم اجتمعوا وساروا إلى برقة فهزموا العامل برمادة، وملكوا برقة وغنموا الأموال والسلاح وقتلوه. وأظهر أبو ركوة العدل، وبلغ الخبر إلى الحاكم فاطمأنت نفسه، وكف عن

الأذى والقتل، وجهز خمسة آلاف فارس مع القائد أبي الفتوح الفضل بن صالح فبلغ ذات الحمام، وبينها وبين برقة مفازة صعبة معطشة، وأمر أبو ركوة من غور المياه التي فيها على قلبها. ثم سار للقائهم بعد خروجهم من المفازة على جهد العطش فقاتلهم، ونال منهم وثبت أبو ركوة واستأمن إليه جماعة من كتامة لما نالهم من أذى الحاكم وقتله فأمنهم، ولحقوا به، وانهزمت عساكر الحاكم وقتل خلق كثير منهم.

ورجع أبو ركوة إلى برقة ظافرا وردد البعوث والسرايا إلى الصعيد وأرض مصر. وأهم الحاكم أمره وندم على ما فرط. وجهز علي بن فلاح العساكر لحربهم، وكاتب الناس أبا ركوة يستدعونه، وممن كتب إليه الحسن بن جوهر قائد القواد، وبعثهم في ستة عشر ألف مقاتل سوى العرب، وبعث أخاه في سرية فواقع بني قرة وهزمهم، وقتل من شيوخهم عبد العزيز بن مصعب ورافع بن طراد ومحمد بن أبي بكر، واستمال الفضل بني قرة فأجابه ماضي بن مقرب من أمرائهم، وكان يطالعه بأخبارهم. وبعث علي بن فلاح عسكرا إلى الفيوم فكبسه بنو قرة وهزموه، ونزل أبو ركوة بالهرمين، ورجع من يومه ثم رحل الفضل إلى الفيوم لقتالهم فواقعهم برأس البركة وهزمهم، واستأمن بنو كلاب وغيرهم، ورجع علي بن فلاح، وتقدم الفضل لطلب أبي ركوة وخذل ماضي بن مقرب بني قرة عن أبي ركوة فقالوا له أنج بنفسك إلى بلد النوبة، ووصل إلى تخومهم وقال: أنا رسول الحاكم فقالوا لا بد من استئذان الملك، فوكلوا به وطالعوا الملك بحقيقة الحال. وكان صغيرا قد ولي بعد سرقة أبيه، وبعث إليه الفضل بشأنه وطلبه فكتب إلى شجرة بن منيا قائد الخيل بالثغر بأن يسلمه إلى نائب الحاكم، فجاء به رسول الفضل وأنزله الفضل في خيمة وحمله إلى مصر فطيف به على جمل لابسا طرطورا [1] وخلفه قرد يصفعه. ثم حمل إلى ظاهر القاهرة ليقتل، فمات قبل وصوله، وقطع رأسه وصلب. وبالغ الحاكم في إكرام الفضل ورفع مرتبته، ثم قتله بعد ذلك، وكان ظفر الحاكم بأبي ركوة سنة سبع وتسعين.

** (بقية أخبار الحاكم) **

كان الحسن بن عمار زعيم كتامة مدبر دولته كما ذكرناه، وكان برجوان خادمه وكافله، وكان بين الموالي والكتاميين في الدولة منافسة. وكان كثيرا ما يفضي إلى القتال، واقتتلوا سنة سبع وثمانين، وأركب المغاربة ابن عمار والموالي برجوان، وكانت بينهم حروب شديدة. ثم تحاجزوا واعتزل ابن عمار الأمور وتخلى بداره عن رسومه وجراياته، وتقدم برجوان بتدبير الدولة. وكان كاتب بن فهر بن إبراهيم يربع [1] وينظر في الظلامات ويطالعه. وولى على برقة يأنس صاحب الشرطة مكان صندل. ثم قتل برجوان سنة تسع وثمانين ورجع التدبير إلى القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر، وبقي ابن فهر على حاله. وفي سنة تسعين انقطعت طرابلس عن منصور بن بلكين بن زيري صاحب إفريقية، وولى عليها يأنس العزيزي من موالي العزيز، فوصل إليها وأمكنه عامل المنصور منها، وهو عصولة بن بكار. وجاء إلى الحاكم بأهله وولده وماله وأطلق يد يأنس على مخلفه بطرابلس، يقال كان له من الولد نيف وستون بين ذكر وأنثى، ومن السراري خمس وثلاثون فتلقى بالمبرة وهيئ له القصور ورتب له الجراية وقلده دمشق وأعمالها، فهلك بها لسنة من ولايته. وفي سنة اثنتين وتسعين وصل الصريخ من جهة فلفول بن خزرون المغراوي في ارتجاع طرابلس إلى منصور بن بلكين، فجهزت العساكر مع يحيى بن علي الأندلسي الذي كان جعفر أخوه عامل الزاب للعبيديين، ونزع إلى بني أمية وراء البحر. ولم يزل هو وأخوه في تصريفهم إلى أن قتل المنصور بن أبي عامر جعفرا منهما، ونزع أخوه يحيى إلى العزيز بمصر فنزل عليه وتصرف في خدمته وبعثه الآن الحاكم في العساكر لما قدمناه، فاعترضه بنو قرة ببرقة ففضوا جموعه، ورجع إلى مصر وسار يأنس من برقة إلى طرابلس، فكان من شأنه مع عصولة ما ذكرناه. وبعد وفاة عصولة ولي على دمشق مفلح الخادم، وبعده علي بن فلاح سنة ثمان وتسعين. وبعد مسير يأنس ولي على برقة صندل الأسود. وفي سنة ثمان وتسعين عزل الحسين بن جوهر القائد وقام

بتدبير الدولة صالح بن علي بن صالح الروباذي. ثم نكب حسين القائد بعد ذلك وقتل، ثم قتل صالح بعد ذلك وقام بتدبير الدولة الكافي بن نصر بن عبدون، وبعده زرعة بن عيسى بن نسطورس، ثم أبو عبد الله الحسن بن طاهر الوزان. وكثر عيث الحاكم في أهل دولته وقتله إياهم مثل الجرجرائي [1] وقطعه أيديهم، حتى أن كثيرا منهم كانوا يهربون من سطوته، وآخرون يطلبون الأمان فيكتب لهم به السجلات.

وكان حاله مضطربا في الجور والعدل والإخافة والأمن والنسك والبدعة. وأما ما يرمي به من الكفر وصدور السجلات بإسقاط الصلوات فغير صحيح، ولا يقوله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم بعض ذلك لقتل لوقته. وأما مذهبه في الرافضة فمعروف. ولقد كان مضطربا فيه مع ذلك، فكان يأذن في صلاة التراويح ثم ينهي عنها، وكان يرى بعلم النجوم ويؤثره، وينقل عنه أنه منع النساء من التصرف في الأسواق، ومنع من أكل الملوخيا. ورفع إليه أن جماعة من الروافض تعرضوا لأهل السنة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز، فكتب في ذلك سجلا قرئ على المنبر بمصر كان فيه: أما بعد فإن أمير المؤمنين يتلوا عليكم آية من كتاب الله المبين، لا إكراه في الدين 2: 256 (الآية) . مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه. معاشر المسلمين نحن الأئمة، وأنتم الأمة. لا يحل قتل من شهد الشهادتين [2] ولا يحل عروة بين اثنين تجمعها هذه الأخوة، عصم الله بها من عصم، وحرم لها ما حرم، من كل محرم من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد من العباد يستقبح. يطوى ما كان فيما مضى فلا ينشر، ويعرض عما انقضى فلا يذكر. ولا يقبل على ما مر وأدبر من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية أيام آبائنا الأئمة المهتدين سلام الله عليهم أجمعين، مهديهم بالله وقائمهم بأمر الله، ومنصور هم بالله ومعزهم لدين الله، وهو إذ ذاك بالمهدية والمنصورية، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفية ليست بمستورة عنهم ولا مطوية. يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون. يخمس في التكبير على الجنائز

المخمسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربعون. يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون. لا يسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف. لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده وإلى الله ربه ميعاده، عنده كتابه وعليه حسابه. ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يستعلى مسلم على مسلم بما أعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما أعتمده من جميع ما نصه أمير المؤمنين في سجله هذا، وبعده قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.

** (وفاة الحاكم وولاية الظاهر) **

ثم توفي الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز نزار قتيلا ببركة الحبش بمصر، وكان يركب الحمار ويطوف بالليل ويخلو بدار في جبل المقطم للعبادة، ويقال لاستنزال روحانية الكواكب. فصعد ليلة من ليالي [1] لثلاث بقين من شوال سنة إحدى عشرة ركب على عادته ومشى معه راكبان فردهما واحدا بعد آخر في تصاريف أموره. ثم افتقد ولم يرجع، وأقاموا أياما في انتظاره. ثم خرج مظفر الصقلي [2] والقاضي وبعض الخواص إلى الجبل فوجدوا حماره مقطوع اليدين، واتبعوا أثره إلى بركة الحبش فوجدوا ثيابه مزررة وفيها عدة ضربات بالسكاكين فأيقنوا بقتله. ويقال إن أخته بلغه أن الرجال يتناوبون بها فتوعدها فأرسلت الى ابن دواس من قواد كتامة، وكان يخاف الحاكم فأغرته بقتله، وهونته عليه لما يرميه به الناس من سوء العقيدة، فقد يهلك الناس ونهلك معه. ووعدته بالمنزلة والاقطاع، فبعث إليه

رجلين فقتلاه في خلوته. ولما أيقنوا بقتله اجتمعوا إلى أخته ست الملك فأحضرت علي بن دواس، وأجلس علي بن الحاكم صبيا لم يناهز الحلم وبايع له الناس، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله، ونفذت الكتب إلى البلاد بأخذ البيعة له. ثم حضر ابن دواس من الغد وحضر معه القواد فأمرت ست الملك خادمها فعلاه بالسيف أمامهم حتى قتله وهو ينادي بثأر الحاكم فلم يختلف فيه اثنان، وقامت بتدبير الدولة أربع سنين ثم ماتت. وقام بتدبير الدولة الخادم معضاد وتافر بن الوزان، وولي وزارته أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي [1] وكان متغلبا على دولته، وانتقض الشام خلال ذلك، وتغلب صالح بن مرداس من بني كلاب على حلب، وعاث بنو الجراح في نواحيه، فبعث الظاهر سنة عشرين قائده الزريري [2] والي فلسطين في العساكر، وأوقع بصالح بن الجراح، وقتل صالح وابنه وملك دمشق. وملك حلب من يد شبل الدولة نصر بن صالح وقتله، وكان بينه وبين بني الجراح قبل ذلك وهو بفلسطين حروب، حتى هرب من الرملة إلى قيسارية فاعتصم بها وأخرب ابن الجراح الرملة وأحرقها. وبعث السرايا فانتهت إلى العريش وخشي أهل بلبيس وأهل القرافة على أنفسهم، فانتقلوا إلى مصر، وزحف صالح بن مرداس في جموع العرب لحصار دمشق وعليها يومئذ ذو القرنين ناصر الدولة بن الحسين. وبعث حسان بن الجراح إليهم بالمدد، ثم صالحوا صالح بن مرداس وانتقل إلى حصار حلب وملكها من يد شعبان الكتامي، وجردت العساكر من الشام مع الوزيري [2] وكان ما تقدم وملك دمشق وأقام بها.

** (وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر) **

ثم توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن الحاكم منتصف شعبان سنة سبع وعشرين لست عشرة سنة من خلافته، فولي ابنه أبو تميم معد ولقب المستنصر بأمر الله، وقام بأمره وزير أبيه أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، وكان بدمشق

الوزيري واسمه أقوش تكين [1] وكانت البلاد صلحت على يديه لعدله ورفقه وضبطه، وكان الوزير الجرجرائي يحسده ويبغضه، وكتب إليه بإبعاد كاتبه أبي سعيد، فأنفذ إليه أنه يحمل الوزيري على الانتقاض، فلم يجب الوزيري إلى ذلك واستوحش، وجاء جماعة من الجند إلى مصر في بعض حاجاتهم فداخلهم الجرجرائي في التوثب به، ودس معهم بذلك إلى بقية الجند بدمشق فتعللوا عليه [2] فخرج إلى بعلبك سنة ثلاث وثلاثين فمنعه عاملها من الدخول، فسار إلى حماة فمنع أيضا فقوتل، وهو خلال ذلك ينهب فاستدعى بعض أوليائه من كفرطاب فوصل إليه في ألفي رجل، وسار إلى حلب فدخلها وتوفي بها في جمادى الآخرة من السنة، وفسد بعده أمر الشام وطمع العرب في نواحيه، وولى الجرجرائي على دمشق الحسين بن حمدان فكان قصارى أمره منع الشام، وملك حسان بن مفرج فلسطين وزحف معز الدولة بن صالح الكلابي إلى حلب فملك المدينة، وامتنع عليه أصحاب القلعة وبعثوا إلى مصر للنجدة فلم ينجدهم، فسلموا القلعة لمعز الدولة بن صالح فملكها.

** (مسير العرب إلى إفريقية) **

كان المعز بن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بإفريقية وخطب للقائم العباسي، وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة، فكتب إليه المستنصر يتهدده.

ثم إنه استوزر الحسين بن علي التازوري [3] بعد الجرجرائي ولم يكن في رتبته فخاطبه المعز دون ما كان يخاطب من قبله، كان يقول في كتابه إليهم عبده، ويقول في كتاب التازوري صنيعته فحقد ذلك، وأغرى به المستنصر، وأصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال وبعثهم إلى إفريقية وملكهم كل ما يفتحونه، وبعث إلى المعز: أما بعد فقد أرسلنا إليك خيولا وحملنا عليها رجالا فحولا ليقضي الله أمرا كان مفعولا.

فساروا إلى برقة فوجدوها خالية لأن المعز كان أباد أهلها من زناتة، فاستوطن العرب برقة، واحتقر المعز شأنهم واشترى العبيد واستكثر منهم حتى اجتمع له منهم ثلاثون ألفا. وزحف بنو زغبة إلى طرابلس فملكوها سنة ست وأربعين، وجازت رياح الأثبج وبنو عدي إلى إفريقية، فاضرموها نارا. ثم سار أمراؤهم إلى المعز وكبيرهم مؤنس بن يحيى من بني مرداس من زياد فأكرمهم المعز وأجزل لهم عطاياه فلم يغن شيئا، وخرجوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله، فخرج إليهم المعز في جموعه من صنهاجة والسودان نحوا من ثلاثين ألفا، والعرب في ثلاثة آلاف فهزموه وأثخنوا في صنهاجة بالقتل واستباحوهم، ودخل المعز القيروان مهزوما.

ثم بيتهم يوم النحر وهم في الصلاة فهزموه أعظم من الأولى. ثم سار إليهم بعد أن احتشد زناتة معه فانهزم ثالثة وقتل من عسكره نحو من ثلاثة آلاف، ونزل العرب بمصلى القيروان ووالوا عليهم الهزائم، وقتلت منهم أمم. ثم أباح لهم المعز دخول القيروان للميرة فاستطالت عليهم العامة فقتلوا منهم خلقا وأدار المعز السور على القيروان سنة ست وأربعين. ثم ملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة سنة ست وأربعين وأمر المعز أهل القيروان بالانتقال إلى المهدية للتحصن بها، وولى عليها ابنه تيما [1] سنة خمس وأربعين. ثم انتقل إليها سنة تسع وأربعين، وانطلقت أيدي العرب على القيروان بالنهب والتخريب، وعلى سائر الحصون والقرى كما يذكر في أخبارهم. ثم كانت الخطبة للمستنصر ببغداد على يد البساسيري من مماليك بني بويه عند انقراض دولتهم واستيلاء السلجوقية كما نذكره في أخبارهم.

** (مقتل ناصر الدولة بن حمدان بمصر) **

كانت أم المستنصر متغلبة على دولته وكانت تصطنع الوزراء وتوليهم، وكانوا يتخذون الموالي من الأتراك للتغلب على الدولة. فمن استوحشت منه أغرت به المستنصر فقتله.

فاستوزرت أولا أبا الفتح الفلاحي، ثم استوحشت منه فقبض عليه المستنصر وقتله، ووزر بعده أبا البركات حسن بن محمد وعزله. ثم ولى الوزارة أبا محمد التازوري من

قرية بالرملة تسمى تازور، فقام بالدولة إلى أن قتل، ووزر بعده أبو عبد الله الحسين ابن البابلي، وكان في الدولة من موالي السودان ناصر الدولة بن حمدان، واستمالوا معهم كتامة والمصامدة، وخرج العبيد إلى الضياع واجتمعوا في خمسين ألف مقاتل، وكان الأتراك ستة آلاف، وشكوا إلى المستنصر فلم يشكهم، فخرجوا إلى غرمائهم والتقوا بكوم الريش، وأكمن الأتراك للعبيد ولقوهم فانهزموا، وخرج كمينهم على العبيد وضربوا البوقات والكاسات فارتاب العبيد وظنوه المستنصر فانهزموا، وقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفا. وفدى الأتراك وتغلبوا، وعظم الافتراء فيهم فخلت الخزائن، واضطربت الأمور وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، واجتمعوا مع العبيد وكانوا خمسة عشر ألفا وساروا إلى الجيزة فلقيهم الأتراك وعليهم ناصر الدولة بن حمدان فهزموهم إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك ظافرين. واجتمع العبيد في الصعيد وحضر الأتراك بدار المستنصر فأمرت أمه العبيد بالدار أن يفتكوا بمقدمي الأتراك ففعلوا وهربوا إلى ظاهر البلد ومعهم ناصر الدولة، وقاتل أولياء المستنصر فهزمهم، وملك الاسكندرية ودمياط وقطع الخطبة منهما ومن سائر الريف للمستنصر. وراسل الخليفة العباسي ببغداد وافترق الناس من القاهرة.

ثم صالح المستنصر ودخل القاهرة واستبد عليه وصادر أمه على خمسين ألف دينار، وافترق عنه أولاده وكثير من أهله في البلاد. ودس المستنصر لقواد الأتراك بأنه يحول الدعوة فامتعضوا لذلك وقصدوه في بيته، وهو آمن منهم، فلما خرج إليهم تناولوه بسيوفهم حتى قتلوه وجاءوا برأسه، ومروا على أخيه في بيته فقطعوا رأسه، وأتوا بهما جميعا إلى المستنصر وذلك سنة خمس وستين، وولى عليهم الذكر منهم وقام بأمر الدولة.

** (استيلاء بدر الجمالي على الدولة) **

أصل بدر هذا من الأرمن من صنائع الدولة بمصر ومواليها، وكان حاجبا لصاحب دمشق، واستكفاه فيما وراء بابه. ثم مات صاحب دمشق فقام بالأمور إلى أن وصل الأمير على دمشق، وهو ابن منير فسار هو إلى مصر وترقى في الولايات إلى أن ولي عكا وظهر منه كفاية واضطلاع. ولما وقع بالمستنصر ما وقع من استيلاء الترك عليه ابن خلدون م 6 ج 4

والفساد والتضييق، استقدم بدر الجمالي لولاية الأمور بالحضرة، فاستأذن في الاستكثار من الجند لقهر من تغلب من جند مصر فأذن له في ذلك، وركب البحر من عكا في عشرة مراكب، ومعه جند كثيف من الأرمن وغيرهم، فوصل الى مصر، وحضر عند الخليفة فولاه ما وراء بابه، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، ولقبه بالسيد الأجل أمير الجيوش، مثل والي دمشق. وأضيف إلى ذلك كافل قضاة المسلمين، وداعي دعاة المؤمنين، ورتب الوزارة وزاده سيفه [1] ورد الأمور كلها إليه، ومنه إلى الخليفة. وعاهده الخليفة على ذلك، وجعل إليه ولاية الدعاة والقضاء، وكان مبالغا في مذهب الإمامية، فقام بالأمور واسترد ما كان تغلب عليه أهل النواحي مثل ابن عمار بطرابلس وابن معرف بعسقلان وبني عقيل بصور. ثم استرد من القواد والأمراء بمصر جميع ما أخذوه أيام الفتنة من المستنصر من الأموال والأمتعة. وسار إلى دمياط وقد تغلب عليها جماعة من المفسدين من العرب وغيرهم، فأثخن في لواتة بالقتل والنهب في الرجال والنساء وسبى نساءهم وغنم خيولهم. ثم سار إلى جهينة وقد ثاروا ومعهم قوم من بني جعفر فلقيهم على طرخ العليا سنة تسع وستين فهزمهم وأثخن فيهم وغنم أموالهم. ثم سار إلى أسوان وقد تغلب عليها كنز الدولة محمد فقتله وملكها، وأحسن إلى الرعايا ونظم حالهم وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، وعادت الدولة إلى أحسن ما كانت عليه.

** (وصول الغز الى الشام واستيلاؤهم عليه وحصارهم مصر) **

كان السلجوقية وعساكرهم من الغز قد استولوا في هذا العصر على خراسان والعراقين وبغداد، وملكهم طغرلبك، وانتشرت عساكرهم في سائر الأقطار، وزحف اتسز

بن أفق [1] من أمراء السلطان ملك شاه وسموه [2] الشاميون أفسفس والصحيح هذا، وهو اسم تركي هكذا قال ابن الأثير، فزحف سنة ثلاث وثلاثين بل وستين ففتح الرملة، ثم بيت المقدس وحصر دمشق وعاث في نواحيها وبها المعلى بن حيدرة، ولم يزل يوالي عليها البعوث إلى سنة ثمان وستين، وكثر عسف المعلى بأهلها مع ما هم فيه من شدة الحصار فثاروا به، وهرب إلى بلسيس، ثم لحق بمصر فحبس إلى أن مات. ولما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة وولوا عليهم انتصار بن يحيى منهم ولقبوه وزير الدولة، ثم اضطربوا مما هم فيه من الغلاء، وجاء أمير من القدس فحاصرهم حتى نزلوا على أمانه. وأنزل وزير الدولة بقلعة بانياس ودخل دمشق في ذي القعدة، وخطب فيها للمقتدي العباسي. ثم سار إلى مصر سنة تسع وستين فحاصرها، وجمع بدر الجمالي العساكر من العرب وغيرهم، وقاتله فهزمه وقتل أكثر أصحابه، ورجع أتسز منهزما إلى الشام فأتى دمشق، وقد صانوا مخلفه فشكرهم ورفع عنهم خراج سنة تسع وستين، وجاء إلى بيت المقدس فوجدهم قد عاثوا في مخلفه وحصروا أهله وأصحابه في مسجد داود عليه السلام، فحاصرهم ودخل البلد عنوة، وقتل أكثر أهله حتى قتل كثيرا في المسجد الأقصى. ثم جهز أمير الجيوش بدر الجمالي العساكر من مصر مع قائده نصير الدولة، فحاصر دمشق وضيق عليها، وكان ملك السلجوقية السلطان ملك شاه قد أقطع أخاه تتش سنة سبعين وأربعمائة بلاد الشام، وما يفتحه منها فزحف إلى حلب وحاصرها وضيق عليها، ومعه جموع كثيرة من التركمان فبعث إليه أتسز من دمشق يستصرخه، فسار إليه، وأجفلت عساكر مصر عن دمشق، وخرج أتسز من دمشق للقائه فقتله وملك البلد، وذلك سنة إحدى وسبعين. وملك ملك شاه بعد ذلك حلب واستولى السلجوقية على الشام أجمع، وزحف أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر في العساكر، إلى دمشق وبها تاج الدولة تتش فحاصره وضيق عليه، وامتنع عليه ورجع، وزحفت عساكر مصر سنة اثنتين وثمانين إلى الشام فاسترجعوا مدينة صور من يد أولاد القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، كان أبوهم قد انتزى عليها، ثم فتحوا مدينة صيدا ثم مدينة جميل [3]

وضبط أمير الجيوش البلاد وولى عليها العمال. وفي سنة أربع وثمانين استولى الفرنج على جزيرة صقلية، وكان أمير الجيوش قد ولى على مدينة صور منير الدولة الجيوشي من طائفته، فانتقض سنة ست وثمانين، وبعث إليه أمير الجيوش العساكر فثار به أهل المدينة، واقتحمت عليهم العساكر وبعث منير الدولة إلى مصر في جماعة من أصحابه فقتلوا كلهم. ثم توفي أمير الجيوش بدر الجمالي سنة سبع وثمانين في ربيع الأول لثمانين سنة من عمره. وكان له موليان أمين الدولة لاويز ونصير الدولة أفتكين فحذرهم [1] بأنه يروم الاستبداد ورغبه في ولد مولاه بدر، فلما قضى بدر نحبه استدعى المستنصر لاويز ليقلده فأنكر ذلك أفتكين وركب في الجند وشغبوا على المستنصر، واقتحموا القصر وأسمعوه خشن الكلام فرجع إلى ولاية ولد بدر، وقدم للوزارة ابنه محمد الملك أبا القاسم شاه، ولقبه بالأفضل مثل لقب أبيه. وكان أبو القاسم بن المقري رديفا لبدر في وزارته بما كان اختصه لذلك، فولى بعد موته الوزارة المقري وكانت عندهم عبارة عن التوقيع بالقلم الغليظ. وقام الأفضل أبو القاسم بالدولة وجرى على سنن أبيه في الاستبداد، وكانت وفاة المستنصر قريبا من ولايته.

** (وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي) **

ثم توفي المستنصر معد بن الظاهر [2] يوم التروية سنة سبع وثمانين لستين سنة من خلافته ويقال لخمس وستين بعد أن لقي أهوالا وشدائد، وانفتقت عليه فتوق استهلك فيها أمواله وذخائره حتى لم يكن له إلا بساطه الذي يجلس عليه، وصار إلى حد العزل والخلع، حتى تدارك أمره باستقدام بدر الجمالي من عكا فتقوم أمره، ومكنه في خلافته. ولما مات خلف من الولد أحمد ونزارا وأبا القاسم، وكان المستنصر فيما يقال قد عهد لنزار، وكانت بينه وبين أبي القاسم الأفضل عداوة، فخشي بادرته وداخل عمته في ولاية أبي القاسم، على أن تكون لها كفالة الدولة، فشهدت بأن المستنصر عهد له بمحضر القاضي والداعي فبويع ابن ست، ولقب المستعلي بالله،

وأكره أخوه الأكبر على بيعته، ففر إلى الإسكندرية بعد ثلاث، وبها نصير الدولة أفتكين مولى بدر الجمالي الذي سعى للأفضل، فانتقض وبايع لنزار بعهده ولقب المصطفى لدين الله. وسار الأفضل بالعساكر وحاصرهم بالإسكندرية واستنزلهم على الأمان، وأعطاهم اليمين على ذلك، وأركب نزارا السفن إلى القاهرة وقتل بالقصر.

وجاء الأفضل ومعه أفتكين أسيرا فأحضره يوما ووبخه، فهم بالرد عليه فقتل بالضرب بالعصي، وقال: لا يتناول اليمين هذه للقتلة، ويقال إن الحسين بن الصباح رئيس الإسماعيلية بالعراق قصد المستنصر في زي تاجر، وسأله إقامة الدعوة له ببلاد العجم فأذن له في ذلك، وقال له الحسين من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار! فسار ابن الصباح ودعا الناس ببلاد العجم إليه سرا. ثم أظهر أمره وملك القلاع لك مثل قلعة الموت وغيرها كما نذكره في أخبار الإسماعيلية، وهم من أجل هذا الخبر يقولون بإمامة نزار. ولما ولي المستعلي خرج ثغر عن طاعته وولي عليه واليه كشيلة وبعث المستعلي العساكر فحاصره، ثم اقتحموا عليه وحملوه إلى مصر فقتل بها سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وكان تتش صاحب الشام قد مات واختلف بعده ابناه رضوان ودقاق، وكان دقاق بدمشق ورضوان بحلب فخطب رضوان في أعماله للمستعلي بالله أياما قلائل ثم عاود الخطبة للعباسيين.

** (استيلاء الفرنج على بيت المقدس) **

كان بيت المقدس قد أقطعه تاج الدولة تتش للأمير سليمان بن أرتق التركماني، وقارن ذلك استفحال الفرنج واستطالتهم على الشام، وخروجهم سنة تسعين وأربعمائة، ومروا بالقسطنطينية وعبروا خليجها، وخلى صاحب القسطنطينية سبيلهم ليحولوا بينه وبين صاحب الشام من السلجوقية والغز فنازلوا أولا أنطاكية فأخذوها من يد باغيسيان، من قواد السلجوقية، وخرج منها هاربا فقتله بعض الأرمن في طريقه، وجاء برأسه إلى الفرنج بأنطاكية. وعظم الخطب على عساكر الشام وسار كربوقا صاحب الموصل فنزل مرج دابق واجتمع إليه دقاق بن تتش، وسليمان بن أرتق، وطفتكين أتابك صاحب حمص وصاحب سنجار، وجمعوا من كان لك

من الترك والعرب، وبادروا إلى أنطاكية لثلاثة عشر يوما من حلول الفرنج بها. وقد اجتمع ملوك الفرنج ومقدمهم بنميد، وخرج الفرنج وتصادموا مع المسلمين فانهزم المسلمون، وقتل الفرنج منهم ألوفا، واستولوا على معسكرهم، وساروا إلى معرة النعمان وحاصروها أياما، وهربت حاميتها، وقتلوا منها نحوا من مائة ألف، وصالحهم ابن منقذ على بلده شيزر، وحاصروا حمص فصالحهم عليها جناح الدولة، ثم حاصروا عكة فامتنعت عليهم، وأدرك عساكر الغز من الوهن ما لا يعبر عنه فطمع أهل مصر فيهم، وسار الأفضل بن بدر بالعساكر لاسترجاع بيت المقدس فحاصرها، وبها سقمان وأبو الغازي ابنا أرتق وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج، ونصبوا عليها نيفا وأربعين منجنيقا، وأقاموا عليها نيفا وأربعين يوما، ثم ملكوها بالأمان في سنة تسعين. وأحسن الأفضل إلى سقمان وأبي الغازي ومن معهما، وخلى سبيلهم، فسار سقمان إلى بلد الرها وأبو الغازي إلى بلد العراق، وولى الأفضل على بيت المقدس ورجع إلى مصر. ثم سارت الفرنج إلى بيت المقدس وحاصروه نيفا وأربعين يوما، ونصبوا عليه برجين ثم اقتحموها من الجانب الشمالي لسبع بقين من شعبان، واستباحوها أسبوعا، ولجأ المسلمون إلى محراب داود عليه السلام واعتصموا به إلى أن استنزلهم الفرنج بالأمان، وخرجوا إلى عسقلان وقتل بالمسجد عند الشجرة سبعون ألفا، وأخذوا من المسجد نيفا وأربعين قنديلا من الفضة يزن كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة، وتنورا من الفضة يزن أربعين رطلا بالشامي، ومائة وخمسين قنديلا من الصفر وغير ذلك مما لا يحصى. وأجفل أهل بيت المقدس وغيرهم من أهل الشام إلى بغداد باكين على ما أصاب الإسلام ببيت المقدس من القتل والسبي والنهب. وبعث الخليفة أعيان العلماء إلى السلطان بركيارق وإخوته محمد وسنجر بالمسير إلى الجهاد فلم يتمكنوا من ذلك، للخلاف الذي كان بينهم. ورجع الوفد مؤيسين [1] من نصرهم. وجمع الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر وسار إلى الفرنج، فساروا إليهم وكبسوهم على غير أهبة فهزموهم، وافترق عسكر مصر وقد لاذوا بخم الشعراء هناك فاضرموها عليهم نارا فاحترقوا وقتل من ظهر، ورجع الفرنج إلى عسقلان فحاصروها حتى أنزلوا لهم عشرين ألف دينار فارتحلوا.

** (وفاة المستعلي وولاية ابنه الآمر) **

ثم توفي المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر منتصف صفر سنة خمس وتسعين لسبع سنين من خلافته، فبويع ابنه أبو علي ابن خمس سنين ولقب الآمر بأحكام الله، ولم يل الخلافة فيهم أصغر منه ومن المستنصر، فكان هذا لا يقدر على ركوب الفرس وحده.

** (هزيمة الفرنج لعساكر مصر) **

ثم بعث الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر لقتال الفرنج مع سعد الدولة الفراسي أميرا مملوك أبيه، فلقي الفرنج بين الرملة ويافا ومقدمهم بغدوين [1] فقاتلهم، وانهزم وقتل واستولى الفرنج على معسكره فبعث الأفضل ابنه شرف المعالي في العساكر فبارزوهم قرب الرملة وهزمهم، واختفى بغدوين في الشجر ونجا إلى الرملة مع جماعة من زعماء الفرنج، فحاصرهم شرف المعالي خمسة عشر يوما حتى أخذهم فقتل منهم أربعمائة صبرا، وبعث ثلاثمائة إلى مصر ونجى بغدوين إلى يافا ووصل في البحر جموع من الفرنج للزيارة فندبهم بغدوين للغزو، وساربهم إلى عسقلان فهرب شرف المعالي وعاد إلى أبيه. وملك الفرنج عسقلان وبعث العساكر في البر مع تاج العجم مولى أبيه إلى عسقلان، وبعث الأسطول في البحر إلى يافا مع القاضي ابن قادوس فبلغ إلى يافا واستدعى تاج العجم وحبسه. وبعث جمال الملك من مواليه إلى عسقلان مقدم العساكر الشامية. ثم بعث الأفضل سنة ثمان وتسعين ابنه سنا الملك حسين وأمر جمال الملك بالسير معه لقتال الفرنج، فساروا في خمسة آلاف واستمدوا طفتكين أتابك دمشق، فأمدهم بألف وثلاثمائة، ولقوا الفرنج بين عسقلان ويافا فتفانوا بالقتل وتحاجزوا، وافترق المسلمون إلى عسقلان ودمشق، وكان مع الفرنج بكتاش بن

تتش عدل عنه طفتكين بالملك إلى ابن أخيه دقاق بن تتش، فلحق بالإفرنج مغاضبا.

** (استيلاء الفرنج على طرابلس وبيروت) **

كانت طرابلس رجعت إلى صاحب مصر وكان يحاصرها من الفرنج ابن المرداني صاحب صيحيل، والمدد يأتيهم من مصر. فلما كانت سنة ثلاث وخمسين وصل أسطول من الفرنج مع ويمتدين إلى صيحيل من قمامصتهم فنزل على طرابلس، وتشاجر مع المرداني فبادر بغذوين صاحب القدس وأصلح بينهم، ونزلوا جميعا على طرابلس وألصقوا أبراجهم بسورها، وتأخرت الميرة عنهم من مصر في البحر لركود البحر فاقتحمها الفرنج عنوة ثاني الأضحى من سنة ثلاث وخمسين، وقتلوا ونهبوا وأسروا وغنموا. وكان واليها قد استأمن قبل فتحها في جماعة من الجند فلحقوا بدمشق، ووصل الأسطول بالمدد وكفاية سنة من الأقوات بعد فتحها ففرقوه في صور وصيدا وبيروت، واستولى الفرنج على معظم سواحل الشام. وإنما خصصنا هذه بالذكر في الدولة العلوية لأنها كانت من أعمالهم. وسنذكر البقية في أخبار الفرنج إن شاء الله تعالى.

** (استرجاع أهل مصر بعسقلان) **

كان الآمر قد استولى على عسقلان من قواد شمس الخلافة، فداخل بغدوين صاحب بيت المقدس من الفرنج وهاداه ليمتنع به على أهل مصر، وجهز أمير الجيوش عسكرا من مصر للقبض عليه إذا حضر وشعر بذلك، وانتقض وأخرج من عنده من أهل مصر، وخاف الأفضل أن يسلم عسقلان إلى الفرنج فأقره على عمله، وارتاب شمس الخلافة بأهل عسقلان واتخذ بطانة من الأرمن فاستوحش أهل البلد فثاروا به وقتلوه، وبعثوا إلى الآمر والأفضل بذلك، فأرسل إليهم الوالي من مصر وأحسن إليهم واستقامت أحوالهم. وحاصر بغدوين بعد ذلك مدينة صور وفيها عساكر الأرمن واشتد في حصارها بكل نوع، وكان بها عز الملك الأعز من أولياء

الأمر فاستمد طفتكين أتابك دمشق فأمده بنفسه وطال الحصار، وحضر أوان الغلال فخشي الفرنج أن يفسد طفتكين غلال بلدهم فأفرجوا عنها إلى عكا وكفى الله شرهم. ثم زحف بغدوين ملك الفرنج من القدس إلى مصر وبلغ سنتين وسبح في النيل فانتقض عليه جرح كان به، وعاد إلى القدس ومات، وعهد بملك القدس للقمص صاحب الرها، ولولا ما نزل بملوك السلجوقية من الفتنة لكانوا قد استرجعوا من الفرنج جميع ما ملكوه من الشام، ولكن الله خبأ ذلك لصلاح الدين بن أيوب حتى فاز بذكره.

** (مقتل الأفضل) **

قد قدمنا أن الآمر ولاه الأفضل صغيرا ابن خمس، فلما استجمع واشتد تنكر للأفضل وثقلت وطأته عليه فانتقل الأفضل إلى مصر وبنى بها دارا ونزلها، وخطب منه الأفضل ابنته فزوجها على كره منه وشاور الآمر أصحابه في قتله، فقال له ابن عمه عبد المجيد وكان ولي عهده: لا تفعل وحذره سوء الأحدوثة لما اشتهر بين الناس من نصحه ونصح أبيه وحسن ولايتهما للدولة، ولا بد من إقامة غيره والاعتماد عليه فيتعرض للحذر من مثلها إلى الامتناع منه. ثم أشار عليه من مداخلة ثقته أبي عبد الله ابن البطائحي في مثل ذلك فإنه يحسن تدبيره ويضع عليه من يغتاله، ويقتل به فيسلم عرضك. وكان ابن البطائحي فراشا بالقصر، واستخلصه الأفضل ورقاه واستحجبه، فاستدعاه الآمر وداخله في ذلك، ووعده بمكانه فوضع عليه رجلان فقتلاه بمصر وهو سائر في موكبه من القاهرة منقلبا من خزانة السلاح في سنة خمس عشرة وخمسمائة، كان يفرق السلاح على العادة في الأعياد وثار الغبار في طريقه فانفرد عن الموكب فبدره الرجلان وطعناه فسقط، وقتلا، وحمل إلى داره وبه رمق فجاءه الآمر متوجعا وسأله عن ماله فقال أما الظاهر فأبو الحسن بن أبي أسامة يعرفه، وكان أبوه قاضيا بالقاهرة وأصله من حلب. وأما الباطن فإن البطائحي يعرفه. ثم قضى الأفضل نحبه لثمان وعشرين سنة من وزارته، واحتاط الآمر على داره فوجد له ستة آلاف كيس من الذهب العين، وخمسين أردبا من الورق، ومن الديباج الملون والمتاع البغدادي والإسكندري وظرف الهند وأنواع الطيوب والعنبر

والمسك ما لا يحصى. حتى لقد كان من ذخائره دكة عاج وأبنوس محلاة بالفضة عليها عرم [1] مثمن من العنبر زنته ألف رطل، وعلى العرم مثل طائر من الذهب برجلين مرجانا ومنقار زمرذا [2] وعينان ياقوتتان كان ينصبها في بيته ويضوع عرفها فيعم القصر وصارت إلى صلاح الدين.

** (ولاية ابن البطائحي) **

قال ابن الأثير كان أبوه من جواسيس الأفضل بالعراق، ومات لم يخلف شيئا. ثم ماتت أمه وتركته معلقا، فتعلم البناء أولا ثم صار يحمل الأمتعة بالأسواق، ويدخل بها على الأفضل فخف عليه واستخدمه مع الفراشين، وتقدم عنده واستحجبه، ولما قتل الأفضل ولاه الآمر مكانه وكان يعرف بابن فاتت وابن القائد فدعاه الآمر جلال الإسلام، ثم خلع عليه بعد سنتين من ولايته للوزارة ولقبه المأمون، فجرى على سنن الأفضل في الاستبداد ونكر ذلك الآمر وتنكر له، واستوحش المأمون وكان له أخ يلقب المؤتمن فاستأذن الآمر في بعثه إلى الإسكندرية لحمايتها ليكون له ردءا لك فأذن له، وسار معه القواد وفيهم علي بن السلار وتاج الملوك قائمين، وسنا الملك الجمل ودري الحروب وأمثالهم، وأقام المأمون على استيحاش من الآمر وكثرت السعاية فيه وأنه يدعي أنه ولد نزار من جارية خرجت من القصر حاملا به، وأنه بعث ابن نجيب الدولة إلى اليمن يدعو له، فبعث الآمر إلى اليمن في استكشاف ذلك.

** (مقتل البطائحي) **

ولما كثرت السعاية فيه عند الآمر وتوغر صدره عليه، كتب إلى القواد الذين كانوا مع أخيه بثغر الإسكندرية بالوصول إلى دار الخلافة [3] فهم لذلك علي بن

سلار فحضروا، واستأذن المؤتمن بعدهم في الوصول فأذن له. وحضر رمضان من سنة تسع عشرة فجاءوا إلى القصر للإفطار على العادة، ودخل المأمون والمؤتمن فقبض عليهما وحبسهما داخل القصر، وجلس الآمر من الغد في إيوانه وقرأ عليه وعلى الناس كتابا بتعديد ذنوبهم، وترك الآمر رتبة الوزارة خلوا، وأقام رجلين من أصحاب الدواوين يستخرجان الأموال من الخراج والزكاة والمكس، ثم عزلهما لظلمهما. ثم حضر الرسول الذي بعثه إلى اليمن ليكشف خبر المأمون، وحضر ابن نجيب وداعيته فقتل وقتل المأمون وأخوه المؤتمن.

** (مقتل الآمر وخلافة الحافظ) **

كان الآمر مؤثرا للذاته طموحا إلى المعالي وقاعدا عنها، وكان يحدث نفسه بالنهوض إلى العراق في كل وقت، ثم يقصر عنه وكان يقرض الشعر قليلا ومن قوله:

أصبحت لا أرجو ولا ألقى ... إلا إلهي وله الفضل

جدي نبي وإمامي أبي ... ومذهبي التوحيد والعدل

وكانت الفداوية تحاول قتله فيتحرز منهم، واتفق أن عشرة منهم اجتمعوا في بيت، وركب بعض الأيام إلى الروضة، ومر على الجسر بين الجزيرة ومصر فسبقوه فوقفوا في طريقه، فلما توسط الجسر انفرد عن الموكب لضيقه، فوثبوا عليه وطعنوه وقتلوا لحينهم، ومات هو قبل الوصول إلى منزله سنة أربع وعشرين وخمسمائة، لتسع وعشرين سنة ونصف من خلافته. وكان قد استخلص مملوكين وهما برغش العادل وبرعوارد هزير الملوك، وكان يؤثر العادل منهما، فلما مات الآمر تحيلوا في قيام المأمون عبد الحميد [1] بالأمر وكان أقرب القرابة سنا وأبوه أبو القاسم بن المستضيء معه،

وقالوا إن الآمر أوصى بأن فلانة حامل فدلته الرؤيا بأنها تلد ذكرا فهو الخليفة بعدي، وكفالته لعبد الحميد فأقاموه كافلا ولقبوه الحافظ لدين الله، وذكروا من الوصية أن يكون هزير الملوك وزيرا والسعيد باس من موالي الأفضل صاحب الباب، وقرءوا السجل بذلك في دار الخلافة.

** (ولاية أبي علي بن الأفضل الوزارة ومقتله) **

ولما تقرر الأمر على وزارة هزير الملوك، وخلع عليه أنكر ذلك الجند وتولى كبر ذلك رضوان بن ونحش كبيرهم. وكان أبو علي بن الأفضل حاضرا بالقصر فحثه برغش العادل على الخروج حسدا لصاحبه، وأوجد له السبيل إلى ذلك فخرج، وتعلق به الجند وقالوا: هذا الوزير ابن الوزير، وتنصل فلم يقبلوا، وضربوا له خيمة بين القصرين وأحدقوا به، وأغلقت أبواب القصر فتسوروه وولجوا من طيقانه. واضطر الحافظ إلى عزل هزير الملوك، ثم قتله وولى أبو علي أحمد بن الأفضل الوزارة، وجلس بدست أبيه ورد الناس أموال الوزارة المقضية. واستبد على الحافظ ومنعه من التصرف، ونقل الأموال من الذخائر والقصر إلى داره، وكان إماميا متشددا فأشار عليه الإمامية بإقامة الدعوة للقائم المنتظر. وضرب الدراهم باسمه دون الدنانير ونقش عليها: الله الصمد 112: 2 الإمام محمد، وهو الإمام المنتظر. وأسقط ذكر إسماعيل من الدعاء على المنابر، وذكر الحافظ وأسقط من الآذان حي على خير العمل. ونعت نفسه بنعوت أمر الخطباء بذكرها على المنابر. وأراد قتل الحافظ بمن قتله الآمر من إخوته. فإن الآمر أجحفهم عند نكبة الأفضل وقتلهم، فلم يقدر أبو علي على قتله فخلعه واعتقله. وركب بنفسه في المواسم وخطب للقائم مموها فتنكر له أولياء الشيعة

ومماليك الخلفاء. وداخل يأنس الجند من كتامة وغيرهم في شأنه، واتفقوا على قتله. وترصد له قوم من الجند فاعترضوه خارج البلد، وهو في موكبه وهم يتلاعبون على الخيل. ثم اعتمدوه فطعنوه وقتلوه، وأخرجوا الحافظ من معتقله وجددوا له البيعة بالخلافة، ونهب دار أبي علي. وركب الحافظ وحمل ما بقي فيها إلى القصر واستوزر أبا الفتح يانسا الحافظي، ولقبه أمير الجيوش، وكان عظيم الهيبة بعيد الغور، واستبد عليه فاستوحش كل منهما بصاحبه. ويقال إن الحاكم وضع له سما في المستراح هلك به وذلك آخر ذي الحجة سنة ست وعشرين.

** (قيام حسن بن الحافظ بأمر الدولة ومكره بأبيه ومهلكه) **

ولما هلك يأنس أراد الحافظ أن يخلى دست الوزارة ليستريح من التعب الذي عرض منهم للدولة، وأجمع أن يفوض الأمور إلى ولده، وفوض إلى ابنه سليمان. ومات لشهرين، فأقام ابنه الآخر حسنا فحدثته نفسه بالخلافة، وعزم على اعتقال أبيه، وداخل الأجناد في ذلك فأطاعوه، وأطلع أبوه على أمره ففتك بهم يقال: إنه قتل منهم في ليلة أربعين، وبعث أبوه خادما من القصر لقتله فهزمه حسن وبقي الحافظ محجورا، وفسد أمره وبعث حسن بهرام الأرمني لحشد الأرمن ليستظهر بهم على الجند، وثاروا بحسن وطلبوه من أبيه، ووقفوا بين القصرين وجمعوا الحطب لإحراق القصر. واستبشع الحافظ قتله بالحديد فأمر طبيبه ابن فرقة عنه [1] في ذلك سنة تسع وعشرين.

** (وزارة بهرام ورضوان بعده) **

ولما مات حسن بن الحافظ ورحل بهرام لحشد الأرمن اجتمع الجند وكان بهرام

كبيرهم وراودوا الحافظ على وزارته فوافقهم وخلع عليه وفوض إليه الأمور السلطانية، واستثنى عليه الشرعية، وتبعه تاج الدولة أفتكين في الدولة، واستعمل الأرمن وأهانوا المسلمين. وكان رضوان بن ولحيس صاحب الباب، وهو الشجاع الكاتب من أولياء الدولة، وكان ينكر على بهرام ويهزأ به، فولاه بهرام الغربية، ثم جمع رضوان وأتى إلى القاهرة ففر بهرام وقصد قوص في ألفين من الأرمن، ووجد أخاه قتيلا فلم يعرض لأهل قوص، وباء بحق الخلافة، وصعد إلى أسوان فامتنعت عليه بكنز الدولة. ثم بعث رضوان العساكر في طلبه مع أخيه الأكبر وهو إبراهيم الأوحد فاستنزله على الأمان له وللأرمن الذين معه. وجاء به فأنزله الحافظ في القصر إلى أن مات على دينه. واستقر رضوان في الوزارة ولقب بالأفضل وكان سنيا، وكان أخوه إبراهيم إماميا، فأراد الاستبداد وأخذ في تقديم معارفه سيفا وقلما. وأسقط المكوس وعاقب من تصدى لها، فتغير له الخليفة فأراد خلعه، وشاور في ذلك داعي الدعاة وفقهاء الإمامية فلم يعينوه في ذلك بشيء. وفطن له الحافظ فدس خمسين فارسا ينادون في الطرقات بالثورة عليه، وينهضون باسم الحافظ فركب لوقته هاربا منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين، ونهبت داره، وركب الحافظ وسكن الناس، ونقل ما فيها إلى قصره. وسار رضوان يريد الشام ليستنجد الترك، وكان في جملته شاور وهو من مصطفيه، وأرسل الحافظ الأمير بن مضيال [1] ليرده على الأمان فرجع، وحبس في القصر، وقيل وصل إلى سرخد فأكرمه صاحبها أمين الدولة كمستكين، وأقام عنده ثم رجع إلى مصر سنة أربع وثلاثين فقاتلهم عند باب القصر وهزمهم. ثم افترق عنه أصحابه وأرادوا العود إلى الشام فبعث عنه الحافظ بن مضيال وحبسه بالقصر إلى سنة ثلاث وأربعين فنقب الحبس وهرب إلى الجيزة، وجمع المغاربة وغيرهم ورجع إلى القاهرة فقاتلهم عند جامع ابن طيلون [2] وهزمهم. ثم دخل القاهرة ونزل عند جامع الأقمر، وأرسل إلى الحافظ في المال ليفرقه فبعث عشرين ألفا على عادتهم مع الوزير، ثم استزاد عشرين وعشرين.

وفي خلال ذلك وضع الحافظ عليه جمعا كثيرا من السودان فحملوا عليه وقتلوه وجاءوا

برأسه إلى الحافظ. واستمر الحافظ في دولته مباشرا لأموره وأخلى رتبة الوزارة فلم يول أحدا بعده.

** (وفاة الحافظ وولاية ابنه الظافر) **

ثم توفي الحافظ لدين الله عبد الحميد بن الأمير أبي القاسم أحمد بن المستنصر سنة أربع وأربعين لتسع عشرة سنة ونصف من خلافته، وعن أبي العالية يقال بلغ عمره سبعا وسبعين سنة، ولم يزل في خلافته محجور الوزارة، ولما مات ولي بعده ابنه أبو منصور إسماعيل بعهده إليه بذلك ولقب الظافر بأمر الله.

** (وزارة ابن مضيال ثم ابن السلار) **

كان الحافظ لما عهد لابنه الظافر أوصاه بوزارة ابن مضيال فاستوزره أربعين يوما وكان علي بن السلار واليا على الإسكندرية ومعه بلارة بنت عمه القاسم وابنه منها عباس وتزوجت بعده بابن السلار [1] ، وشب عباس وتقدم عند الحافظ حتى ولي الغربية فلم يرض ابن السلار وزارة ابن مضيال واتفق مع عباس على عزله، وبلغ الخبر إلى

ابن مضيال فشكا إلى الظافر فلم يشكه فقال ذوو الحروب: ليس هنا من يقاتل ابن السلار فغضب الظافر ودس عليه من بني علي مصلحيه فخرج إلى الصعيد، وقدم ابن السلار إلى القاهرة فاستوزره الظافر، وهو منكر له ولقبه العادل. وبعث العساكر مع العباس ربيبه في اتباع ابن مضيال فخرج في طلبه. وكان جماعة من لواتة السودان فتحصنوا من عباس في جامع دولام فأحرقه عليهم، وقتل ابن مضيال وجاء برأسه.

وقام ابن سلار بالدولة وحفظ النواميس وشد من مذاهبه أهله. وكان الخليفة مستوحشا منه منكرا له وهو مبالغ في النصيحة والخدمة. واستخدم الرجالة لحراسته، فارتاب له صبيان الخاص من حاشية الخليفة فاعتزموا على قتله، ونمي ذلك إليه فقبض على رءوسهم فحبسهم، وقتل جماعة منهم وافترقوا، ولم يقدر الظافر على إنكار ذلك. واحتفل ابن السلار بأمر عسقلان، ومنعها من الفرنج وبعث إليها بالمدد كل حين من الأقوات والأسلحة فلم يغن ذلك عنها، وملكها الفرنج وكان لذلك من الوهن على الدولة ما تحدث به الناس.

ولما قتل العادل بن السلار صبيان الخاص تأكد نكر الخليفة له، واشتد قلقه. وكان عباس بن أبي الفتوح صديقا ملاطفا له فكان يسكنه ويهديه، وكان لعباس ولد اسمه نصير، استخصه الظافر واستدناه، ويقال كان يهواه، ففاوض العادل عباسا في شأن ابنه عن مخالطة ابنه للظافر فلم ينته ابنه، فنهى العادل جدته أن يدخل إلى بيته فشق ذلك على نصير وعلى أبيه، وتنكر للعادل. وزحف الفرنج إلى عسقلان فجهز العادل الجيوش والعساكر إليها مددا مع ما كان يمدها به، وبعثهم مع عباس بن أبي الفتوح فارتاب لذلك، وفاوض الظافر في قتل العادل وحضر معهم مؤيدا لدولة الأمير أسامة بن منقذ أحد أمراء شيزر، وكان مقربا عند الظافر وصديقا لعباس، فاستصوب ذلك وحث عليه، وخرج عباس بالعساكر إلى بلبيس، وأوصى ابنه نصير بقتله، فجاء في جماعة إلى بيت جدته، والعادل نائم فدخل إليه وضربه فلم يجهز عليه، وخرج إلى أصحابه. ثم دخلوا جميعا فقتلوه وجاءوا برأسه إلى الظافر، ورجع عباس من بلبيس بالعساكر فاستوزره الظافر، وقام بالدولة وأحسن الى الناس، وأيس أهل عسقلان من المدد فأسلموا أنفسهم وبلدهم بعد حصار طويل وكان ذلك كله سنة ثمان وأربعين

** (مقتل الظافر وأخويه وولاية ابنه الفائز) **

ولما وزر عباس للظافر، وقام بالدولة، كان ولده نصير من ندمان الظافر، وكان يهواه كما تقدم. وكان أسامة بن منقذ من خلصاء عباس وأصدقائه فقبح عليه سوء المقالة في ابنه، وأشار عليه بقتل الظافر فاستدعى ابنه نصيرا وقبح عليه في شناعة الأحدوثة فيه بين الناس، وأغراه باغتيال الظافر ليمحو عنه ما يتحدث به الناس، فسأل نصير من الظافر أن يأتي إلى بيته في دعوة فركب من القصر إليه فقتله نصير ومن جاء معه، ودفنهم في داره، وذلك في محرم سنة تسع وأربعين وباكر إلى القصر ولم ير الظافر، وسأل خدام القصر فأحسن العذر ورجع إلى أخوي الظافر يوسف وجبريل فخبرهما بركوب الظافر إلى دار نصير فقالا له: خبر الوزير. فلما جاء عباس من الغد أخبره بأنه ركب إلى بيت نصير ابنه ولم يعد فاستشاط غيظا عليه، ورماه بأنه داخل أخويه في قتله. ثم استدعاهما فقتلهما وقتل معهما ابنا لك لحسن بن الحافظ. ثم أخرج ابنه أبا القاسم عيسى ابن خمس سنين وحمله على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايع له بالخلافة، ولقبه الفائز بالله ونقل عباس بسبب ذلك ما في القصر من الأموال والذخائر ما لا حد له. وعند خروجه بأخويه رأى القتلى فاضطرب وفزع وبقي سائر أيامه يعتاده الصرع.

** (وزارة الصالح بن رزيك) **

ولما قتل الظافر وأخواه كما ذكرناه كتب النساء من القصر إلى طلائع بن رزيك [1] وكان واليا على الأشمونين والبهنسة. وجاء الخبر بأن الناس اختلفوا على عباس بسبب ذلك، فجمع وقصد القاهرة ولبس السواد حزنا ورفع على الرماح الشعور التي بعث بها النساء حزنا. ولما عبر البحر خرج عباس وولده ودفعوا ما قدروا عليه من مال وسلاح من حاصل الدولة، ومعهما صديقهما أسامة بن منقذ فاعترضهم الفرنج،

وقاتلوا فقتل عباس وأسر ولده ونجا أسامة إلى الشام. ودخل طلائع القاهرة في ربيع سنة تسع وخمسين، وجاء إلى القصر راجلا. ثم مضى إلى دار عباس ومعه الخادم الذي حضر لقتله فاستخرجه من التراب ودفنه عند آبائه، وخلع الفائز عليه الوزارة ولقبه الصالح. وكان إماميا كاتبا أديبا فقام بأمر الدولة، وشرع في جمع الأموال والنظر في الولايات. وكان الأوحد بن تميم من قرابة عباس واليا على تنيس، وكان لما سمع بفعلة قريبه عباس جمع وقصد القاهرة فسبقه طلائع، فلما استقل بالوزارة أعاده إلى عمله بدمياط وتنيس. ثم بعث في فداء نصير بن عباس من الفرنج فجيء به وقتله وصلبه بباب زويلة. ثم نظر في المزاحمين من أهل الدولة، ولم يكن أرفع رتبة من تاج الملوك قايماز وابن غالب، فوضع عليهما الجند فطلبوهما فهربا ونهب دورهما، وتتبع كبراء الأمراء بمثل ذلك حتى خلا الجو، ووضع الرقباء والحجاب على القصر، وثقلت وطأته على الحرم، ودبرت عمة الفائز في قتل الصالح، وفرقت الأموال في ذلك، ونمي الخبر إليه فجاء إلى القصر، وأمر الاستاذين والصقالبة بقتلها فقتلوها سرا، وصار الفائز في كفالة عمته الصغرى، وعظم اشتداد الفائز واستفحل أمره، وأعطى الولايات للأمراء واتخذ مجلسا لأهل الأدب يسامرون فيه، وكان يقرض الشعر ولا يجيده. وولى شاور السعدي على قرضه، وأشار عليه حجابه بصرفه، واستقدمه فامتنع وقال: إن عزلني دخلت بلاد النوبة. وعلى عهده كان استيلاء نور الدين محمود الملك العادل على دمشق من يد بني طغتكين أتابك تتش سنة تسع وأربعين وخمسمائة.

** (وفاة الفائز وولاية العاضد) **

ثم توفي الفائر بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل سنة خمس وخمسين، لست سنين من خلافته، فجاء الصالح بن رزيك إلى القصر وطلب الخدام بإحضار أبناء الخلفاء ليختار منهم، وعدل عن كبرائهم إلى صغرائهم لمكان استبداده، فوقع اختياره على أبي محمد عبد الله بن يوسف قتيل عباس فبايع له بالخلافة وهو غلام، ولقبه العاضد لدين الله وزوجه ابنته وجهزها بما لم يسمع بمثله.

** (مقتل الصالح بن رزيك وولاية ابنه رزيك) **

ولما استفحل أمر الصالح وعظم استبداده بجباية الأموال والتصرف، وحجر العاضد تنكر له الحرم ودس إلى الأمراء بقتله. وتولت كبر ذلك عمة العاضد الصغرى التي كانت كافلة الفائز بعد أختها. واجتمع قوم من القواد والسودان منهم الريفي الخادم وابن الداعي والأمير بن قوام الدولة، وكان صاحب الباب وتواطئوا على قتله، ووقفوا في دهليز القصر، وأخرج ابن قوام الدولة الناس أمامه وهو خارج من القصر، واستوقفه عنبر الريفي يحادثه، وتقدم ابنه رزيك فوثب عليه جماعة منهم وجرحوه، وضرب ابن الداعي الصالح فأثبته، وحمل إلى داره فبقي يجود بنفسه يومه ذلك.

وإذا أفاق يقول رحمك الله يا عباس ومات من الغد. وبعث إلى العاضد يعاتبه على ذلك فحلف على البراءة من ذلك، ونسبه إلى العمة، وأحضر ابنه رزيك وولاه الوزارة مكان أبيه، ولقبه العادل فأذن له في الأخذ بثأره، فقتل العمة وابن قوام الدولة والأستاذ عنبر الريفي وقام بحمل الدولة، وأشير عليه بصرف شاور من قوص، وقد كان أبوه أوصاه ببقائه وقال له: قد ندمت على ولايته، ولم يمكني عزله، فصرفه وولى مكانه الأمير بن الرفعة فاضطرب شاور وخرج إلى طريق الواحات وجمع وقصد القاهرة، وجاء الخبر إلى رزيك فعجز عن لقائه، وخرج في جماعة من غلمانه بعدة أحمال من المال والثياب والجوهر، وانتهى إلى طفيحة، واعترضه ابن النضر وقبض عليه، وجاء به إلى شاور فاعتقله واعتقل معه أخاه، فأراد الهرب من محبسه فوشى به أخوه فقتل لسنة من ولايته ولتسع سنين من ولاية أبيه.

** (وزارة شاور ثم الضرغام من بعده) **

ودخل شاور القاهرة سنة ثمان وخمسين، ونزل بدار سعيد السعداء ومعه ولده طين وشجاع والطازي، وولاه العاضد الوزارة ولقبه أمير الجيوش، وأمكنه من أموال بني رزيك فاستصفى معظمها، وزاد أهل الرواتب والجرايات عشرة أمثالها، واحتجب

عن الناس، وكان الصالح بن رزيك قد أنشأ في لواته أمراء يسمون البرقية، وكان مقدمهم الضرغام، وكان صاحب الباب فنازع شاور في الوزارة لتسعة أشهر من ولايته، وثار عليه وأخرجه من القاهرة، فلحق بالشام وقتل ولده عليا وكثيرا من أمراء المصريين حتى ضعفت الدولة وخلت من الأعيان وأدى ذلك الى خرابها.

** (مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى مصر مع شاور) **

ولما لحق شاور إلى الشام نزل على الملك العادل نور الدين بدمشق صريخا، وشرط له ثلث الجباية على أن يقيم له العساكر. وجهز نور الدين شيركوه وكان مقدما في دولته ويذكر سبب اتصاله به في موضعه، فساروا في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وقد تقدم نور الدين إلى أسد الدين شير كوه بأن يعيد شاور إلى وزارته وينتقم له ممن نازعه وسار نور الدين بعساكره إلى طرف بلاد الفرنج ليمنعهم من اعتراض أسد الدين إن هموا به، ولما وصل أسد الدين وشاور إلى بلبيس لقيهم ناصر الدين همام وفخر الدين همام أخو الضرغام في عساكر مصر فهزموه، ورجع إلى القاهرة وقتل رفقاؤه الأمراء البرقية الذين أغروه بشاور. ودخل أسد الدين القاهرة ومعه أخو الضرغام أسيرا وفر الضرغام فقتل بالجسر عند مشهد السيدة نفيسة، وقتل أخواه وعاد شاور إلى وزارته وتمكن منها، ثم نكث عهده مع أسد الدين وسلطانه وصرفه إلى الشام.

** (فتنة أسد الدين مع شاور وحصاره) **

ولما رجع أسد الدين من مصر إلى الشام أقام بها في خدمة نور الدين. ثم استأذن نور الدين العادل سنة اثنتين وستين في العود إلى مصر فأذن له، وجهزه في العساكر وسار إلى مصر ونازل بلاد الفرنج في طريقه. ثم وصل إلى أطفيح من ديار مصر، وعبر النيل الى الجانب الغربي ونزل الجيزة، وتصرف في البلاد الغربية نيفا وخمسين، واستمد شاور الفرنج، وجاء بهم إلى مصر وخرج معهم للقاء أسد الدين شير كوه فأدركوه بالصعيد، فرجع للقائهم على رهب لكثرة عددهم وصدقهم القتال فهزمهم

على قلة من معه، فإنهم لم يبلغوا ألفي فارس. ثم سار إلى الإسكندرية وهو يجبي الأموال في طريقه إلى أن وصلها، فاستأمن أهلها وملكها، وولى عليها صلاح الدين يوسف بن أخيه نجم الدين أيوب، ورجع إلى جباية الصعيد. واجتمعت عساكر مصر والفرنج على القاهرة وأزاحوا عللهم وساروا إلى الإسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين فسار أسد الدين إليهم من الصعيد، ثم خذله بعض من معه من التركمان بمداخلة شاور، وبعثوا له إثر ذلك في الصلح فصالحهم ورد إليهم الإسكندرية، ورجع إلى دمشق فدخلها آخر ذي القعدة من سنة اثنتين وستين. واستطال الفرنج على أهل مصر وشرطوا عليهم أن ينزلوا بالقاهرة وشحنة، وأن تكون أبوابها بأيديهم لئلا تدخل عساكر نور الدين، وقرر ضريبة يحملها كل سنة فأجابه إلى ذلك [1]

** (رجوع أسد الدين إلى مصر ومقتل شاور ووزارته) **

ثم طمع الإفرنج في مصر، واستطالوا على أهلها وملكوا بلبيس، واعتزموا على قصد القاهرة. وأمر شاور بتخريب مصر خشية عليها منهم فحرقت ونهب أهلها، ونزل الفرنج على القاهرة، وأرسل العاضد إلى نور الدين يستنجده، وخشي شاور من اتفاق العاضد ونور الدين، فداخل الفرنج في الصلح على ألفي ألف دينار مصرية معجلة وعشرة آلاف أردب [2] من الزرع، وحذرهم أمر القهر إلى ذلك وكان فيه السفير الجليس بن عبد القوي وكان الشيخ الموفق كاتب السر وكان العاضد قد أمرهم بالرجوع إلى رأيه [3] وقال: هو رب الحرمة علينا وعلى آبائنا، وأهل

النصيحة لنا. فأمر الكامل شجاع بن شاور القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني أن يأتيه ويشاوره، فقال له: قل لمولانا يعني العاضد إن تقرير الجزية للفرنج خير من دخول الغز للبلاد واطلاعهم على الأحوال. ثم بعث نور الدين العساكر مع أسد الدين شيركوه مددا للعاضد، كما سأل وبعث معه صلاح الدين ابن أخيه وجماعة الأمراء. فلما سمع الفرنج بوصولهم أفرجوا عن القاهرة ورجعوا إلى بلادهم. وقال ابن الطويل مؤرخ دولة العبيديين: إنه هزمهم على القاهرة ونهب معسكرهم ودخل أسد الدين إلى القاهرة في جمادى سنة أربع وستين وخلع عليه العاضد ورجع إلى معسكره، وفرضت له الجرايات. وبقي شاور على ريبة وخوف وهو يماطله فيما يعين له من الأموال، ودس العاضد إلى أسد الدين بقتل شاور وقال: هذا غلامنا، ولا خير لك في بقائه ولا لنا، فبعث عليه صلاح الدين ابن أخيه، وعز الدين خرديك.

وجاء شاور إلى أسد الدين على عادته فوجده عند قبر الإمام الشافعي فسار إليه هنالك فاعترضه صلاح الدين وخرديك فقتلاه، وبعثا برأسه إلى العاضد، ونهبت العامة دوره، واعتقل ابناه شجاع والطازي وجماعة من أصحابه بالقصر، وخلع عليه للوزارة، ولقب المنصور أمير الجيوش، وجلس في دست الوزارة واستقر في الأمر، وغلب على الدولة، وأقطع البلاد لعساكره. واستعد أصحابه في ولايتها ورد أهل مصر إلى بلدهم، وأنكر ما فعلوه في تخريبها. ثم اجتمع بالعاضد مرة أخرى وقال له جوهر الأستاذ: يقول لك مولانا لقد تيقنا أن الله ادخرك نصرة لنا على أعدائنا، فحلف له أسد الدين على النصيحة فقال له: الأمل فيك أعظم، وخلع عليه وحسن عنده موقع الجليس بن عبد القوي، وكان داعي الدعاة وقاضي القضاة فأبقاه على مراتبه.

** (وفاة أسد الدين وولاية صلاح الدين الوزارة) **

ثم توفي أسد الدين رحمه الله تعالى لشهرين في أيام قلائل من وزارته وقيل لأحد عشر شهرا وأوصى أصحابه أن لا يفارقوا القاهرة. ولما توفي كان معه جماعة من الأمراء النورية، منهم عين الدولة الفاروقي وقطب الدين يسأل [1] وعين الدين المشطوب الهكاوي [2] ، وشهاب الدين محمود الحازمي، فتنازعوا في طلب الرئاسة وفي الوزارة، وجمع كل أصحابه للمغالبة. ومال العاضد إلى صلاح الدين لصغره وضعفه عنهم، ووافقه أهل دولته على ذلك بعد أن ذهب كثير منهم إلى دفع الغز وعساكرهم إلى الشرقية، ويولي عليهم قراقوش. ومال آخرون إلى وزارة صلاح الدين، ومال العاضد إلى ذلك لمكافأته عن خدمته السالفة، فاستدعاه وولاه الوزارة، واضطرب أصحابه وكان الفقيه عيسى الهكاري من خلصاء صلاح الدين فاستمالهم إليه إلا عين الدولة الفاروقي، فإنه سار إلى الشام وقام صلاح الدين بوزارة مصر نائبا عن نور الدين يكاتبه بالأمير الأصفهان ويشركه في الكتاب مع كافة الأمراء بالديار المصرية. ثم استبد صلاح الدين بالأمور وضعف أمر العاضد وهدم دار المعرفة بمصر، وكانت حبسا. وبناها مدرسة للشافعية وبني دار الغزل كذلك للمالكية وعزل قضاة الشيعة وأقام قاضيا شافعيا في مصر، واستناب في جميع البلاد.

** (حصار الفرنج دمياط) **

ولما جاء أسد الدين وأصحابه إلى مصر وملكوها ودفعوهم عنها، ندموا على ما فرطوا فيها، وانقطع عنهم ما كان يصل إليهم وخشوا غائلة الغز على بيت المقدس، وكاتبوا الفرنج بصقلية والأندلس واستنجدوهم، وجاءهم المدد من كل ناحية فنازلوا دمياط سنة خمس وستين وبها شمس الخواص منكوريين فأمدها صلاح الدين بالعساكر

والأموال مع بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز، واستمد نور الدين واعتذر عن المسير إليها بشأن مصر والشيعة فبعث نور الدين العساكر إليها شيئا فشيئا، وسار بنفسه إلى بلاد الفرنج بسواحل الشام فضيق عليها، فأقلع الفرنج عن دمياط لخمسين يوما من نزولها فوجدوا بلادهم خرابا، وأثنى العاضد على صلاح الدين في ذلك. ثم بعث صلاح الدين غرابيه [1] نجم الدين وأصحابه إلى مصر وركب العاضد للقائه تكرمة له.

** (واقعة الخصيان وعمارة) **

ولما استقام الأمر لصلاح الدين بمصر غص به الشيعة وأولياؤهم، واجتمع منهم العوريش، وقاضي القضاة ابن كامل والأمير المعروف والكاتب عبد الصمد، وكان فصيحا، وعمارة اليمني الشاعر الزبيدي، وكان متولي كبرها فاتفقوا على استدعاء الفرنج لإخراج الغز من مصر، وجعلوا لهم نصيبا وافرا من ارتفاعها، وعمدوا إلى شيعي من خصيان القصر اسمه نجاح ولقبه مؤتمن الدولة، وكان قد ربى العاضد وصهره فأغروه بذلك، ورغبوا على أن يجمع رسول الفرنج بالعاضد فجمعه معه في بيته ملبسا بذلك، ولم يكن العاضد الذي حضر وأوهموه أنه عقد معه. ثم اتصل الخبر بنجم الدين بن مضيال من أولياء الشيعة، وكان نجم الدين قد اختصه صلاح الدين وولاه الإسكندرية، واستغضبه بهاء الدين قراقوش ببعض النزغات فظنوا أنه غضب فأطلعوه على شأنهم، وأن يكون وزيرا وعمارة كاتب الدست وصاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات مكان الفاضل بن كامل قاضي القضاة داعي الدعاة، وعبد الصمد جابي الأموال والعوريش ناظرا عليه، فوافقهم ابن مضيال ووشى بهم إلى صلاح الدين، فقبض عليهم وعلى رسول الفرنج، وقررهم في عدة مجالس. وأحضر زمام القصر وهو مختص بالغز ونكر عليه خروج العاضد إلى بيت نجاح فحلف على نفسه وعلى العاضد أن هذا لم يقع، وأخبر العاضد بطلب حضور نجاح مع مختص، فحضر واعترف بالحق أن العاضد لم يحضر، فتحقق صلاح الدين براءته. وكان عمارة

يجالس شمس الدولة توران شاه فنقل لأخيه صلاح الدين أنه امتدحه بقصيدة يغريه فيها بالمضي إلى اليمن، ويحمله على الاستبداد وأنه تعرض فيها للجانب النبوي، يوجب استباحة دمه وهو قوله:

فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به ... إلى سواك وأور النار في العلم

هذا ابن تومرت قد كانت ولايته ... كما يقول الورى لحما على وضم

وكان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأمم

فجمعهم صلاح الدين وشنقهم في يوم واحد بين القصرين، وأخر ابن كامل عنهم عشرين يوما ثم شنقه. ومر عمارة بباب القاضي الفاضل، فطلب لقاءه فمنع فقال وهو سائر إلى المشنقة:

عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص هو العجب

وفي كتاب ابن الأثير أن صلاح الدين إنما اطلع على أمرهم من كتابهم الذي كتبوه إلى الفرنجة، عثر على حامله وقرئ الكتاب، وجيء به إلى صلاح الدين فقتل مؤتمن الخلافة لقرينة، وعزل جميع الخدام واستعمل على القصر بهاء الدين قراقوش، وكان خصيا أبيض، وغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة واجتمعوا في خمسين ألفا وقاتلوا أجناد صلاح الدين بين القصرين، وخالفهم إلى بيوتهم فأضرمها نارا، وأحرق أموالهم وأولادهم فانهزموا، وركبهم السيف. ثم استأمنوا ونزلوا الجيزة وعبر إليهم شمس الدولة توران شاه فاستلحمهم.

** (قطع الخطبة للعاضد وانقراض الدولة العلوية بمصر) **

كان نور الدين العادل يوم استقل صلاح الدين بملك مصر وضعف أمر العاضد بها، وتحكم في قصره يخاطبه في قطع دعوتهم من مصر والخطبة بها للمستضيء العباسي، وهو يماطل بذلك حذرا من استيلاء نور الدين عليه، ويعتذر بتوقع المخالفة من أهل مصر في ذلك فلا يقبل. ثم ألزمه ذلك فاستأذن فيه أصحابه فأشاروا به، وأنه لا يمكن مخالفة نور الدين. ووفد عليه من علماء العجم الفقيه الخبشاني، وكان يدعى بالأمير العالم، فلما رأى إحجامهم عن هذه الخطبة قال: أنا أخطبها! فلما كان أول جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة صعد المنبر قبل

الخطيب ودعا للمستنصر فلم ينكر أحد عليه، فأمر صلاح الدين في الجمعة الثانية الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء ففعلوا، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر. وكان العاضد في شدة من المرض فلم يعلمه أحد بذلك، وتوفي في عاشوراء من السنة، وجلس صلاح الدين للعزاء فيه واحتوى على قصر الخلافة بما فيه فحمله بهاء الدين قراقوش إليه، وكان في خزائنهم من الذخيرة ما لم يسمع بمثله من أصناف الجواهر واليواقيت والزمرد وحلي الذهب وآنية الفضة والذهب، ووجد ماعون القصر [1] من الموائد والطسوت والأباريق والقدور والصحاف والخوان والبواقيل والمناير والطيافر والقباقب والأسورة، كل ذلك من الذهب. ووجد من أنواع الطيوب واللباس والمذهبات والقرقبيات المعلقات والوشي ما لا تقله الأوقار، ومن الكتب ما يناهز مائة وعشرين ألف سفر أعطاها للفاضل عبد الرحيم البيساني كاتبه وقاضيه، ومن الظهر والكراع والسلاح، ومن الخدم والوصائف خمسين ألفا، ومن المال ما يملأ مائة بيت. ثم حبس رجالهم ونساءهم حتى ماتوا، وكانت بالدولة عند عهد العزيز والحاكم قد خلا جوها من رجالات كتامة وتفرقوا في المشرق في سبيل ذلك الملك، وانقرضوا بانقراض أمر الشيعة وموت العاضد آخر خلفائهم، وأكلتهم الأقطار والوقائع شأن الدول كما ذكرناه من قبل. ولما هلك العاضد وحول صلاح الدين الدعوة إلى العباسية، اجتمع قوم من الشيعة بمصر

وبايعوا لداود بن العاضد، ونمي خبرهم إلى صلاح الدين فقبض عليهم وقتلهم، وأخرج داود من القصر وذلك سنة تسع وستين وخمسمائة. ثم خرج بعد حين ابنه سليمان بن داود رضي الله تعالى عنه بالصعيد وحبس إلى أن هلك. وظهر بعد حين بجهة فاس بالمغرب محمد بن عبد الله بن العاضد، ودعا لك وتسمى بالمهدي فقتل وصلب. ولم يبق للعبيديين ذكر إلا في بلاد الحثيثية من العراق وهم دعاة الفداوية.

وفي بلاد الإسماعيلية التي كانت فيها دعوتهم بالعراق. وقام بها ابن الصباح في قلعة الموت وغيرها كما يذكر في أخبارهم، إلى أن انقرضت تلك الدعوة أجمع بانقطاع دعوة العباسيين ببغداد على يد هولاكو من ولد جنكزخان ملوك التتر سنة خمس وخمسين وستمائة، والأمر لله وحده. هذه أخبار الفاطميين ملخصة من كتاب ابن الأثير ومن تاريخ دولتهم لابن الطوير وقليل من ابن المسبحي جمعت ما أمكنني منها ملخصا والله ولي العون.

** (الخبر عن بني حمدون ملوك المسيلة والزاب بدعوة العبيديين ومآل أمرهم) **

كان علي بن حمدون أبوهم من أهل الأندلس وهو علي بن حمدون بن سماك بن مسعود بن منصور والجذامي يعرف بابن الأندلسي واتصل بعبيد الله وأبي القاسم بالمشرق قبل شأن الدعوة، وبعثوه من طرابلس إلى عبد الله الشيعي فأحسن اللقاء والانصراف، ولزمهم أيام اعتقالهم بسجلماسة، فلما استفحل ملكهم جذبوا أبا ضبيعة ورقوه إلى الرتب. ولما رجع أبو القاسم من حركته إلى المغرب سنة خمس عشرة وثلاثمائة، واختط مدينة المسيلة، استعمل علي بن حمدون على بنائها وسماها المحمدية ولما تم بناؤها عقد له على الزاب وأنزله بها وشحنها بالأقوات التي كانت ميرة للعساكر عند محاصرة المنصور لأبي يزيد صاحب الحمار بجبل كتامة. ولم يزل واليا على الزاب وربى ابنيه جعفرا ويحيى بدار أبي القاسم وكان جعفر سار إلى المعز. ولما كانت فتنة أبي يزيد وأضرمت إفريقية نارا وفتنة، وأهاب القائم بالأولياء من كل ناحية، كتب إلى ابن حمدون أن يجند قبائل البربر ويوافيه، فنهض إلى المهدية في عسكر ضخم بقسنطينة وهو يحتشد كل من مر به في طريقه حتى وصل إلى شق

بنارية. ثم قارب باجة وكان بها أيوب بن أبي يزيد في عسكر كبير من النكارية والبربر، فزحف إليهم وتناور الفريقان، ثم بيته أيوب فاستباح معسكره وتردى علي ابن حمدون من بعض الشواهق فهلك سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ولما انقضت فتنة أبي يزيد عقد المنصور على المسيلة والزاب لجعفر بن علي بن حمدون، وأنزله بها وأخاه يحيى، واستجدوا بها سلطانا ودولة، وبنوا القصور والمنتزهات، واستفحل بها ملكهم وقصدهم بها العلماء والشعراء، وكان فيمن قصدهم ابن هانئ شاعر الأندلس وأمداحه فيهم معروفة مذكورة. وكان بين جعفر هذا وبين زيري بن مناد عداوة جرتها المنافسة والمساماة في الدولة، فساء أثر زيري فيه عند صدمته للمغرب وفتكه بزناتة، وسعوا به إلى الخليفة وألقح له في جوانحه العداوة فكانت داعيته إلى زناتة. وتولى محمد بن خزر أمير مغراوة. ثم إن المعز لما اعتزم على الرحيل إلى القاهرة سنة اثنتين وثلاثمائة استقدم جعفرا فاستراب جعفر ومال بعسكره إلى زناتة قبل قدومه، وانقطعت الرسائل بينه وبين صنهاجة والخليفة المعز، وشملت عليه زناتة قبل قدومه واجتمعوا عليه، ودعا إلى نقض طاعة المعز والدعاء للحاكم المستنصر، فوجدهم أقدم إجابة لها، وناهضهم زيري الحرب قبل استكمال التعبية، فكانت عليه من أمراء زناتة فكبا بزيري فرسه فطاح، فقصوا رأسه وبعثوا به مع جماعة من زناتة إلى الحاكم المستنصر، فكرم الحاكم وفادتهم ونصب رأس زيري بسوق قرطبة، وأسنى جوائز الوفد ورفع منزلة يحيى بن علي وأذن لجعفر في اللحاق بسدته. ولما علمت زناتة أن يوسف بن زيري يطالبهم بدم أبيه أظهروا العذر به، ورأى أن يتجنب مجابهتهم لضيق ذات يده. وعجز رؤساؤهم عن الذب والدفاع عنها [1] ، وقبض الأيدي عن تناوله لدنو الفتنة ومراس العصبية، فأوجس الخيفة في نفسه وألطف الحيلة في الفرار رغبة بحيلته، وشحن السفن بما معه من المال والمتاع والرقيق، والحشم وذخيرة السلطان، وأجاز البحر ولحق بسدة الخلافة من قرطبة وأجاز معه عظماء الزناتيين معطين الصفقة على القيام بدعوته، والاحتطاب في جبل طاعته فكرم مثواه وأجمل وفادتهم وأحسن منصرفهم وانقلبوا لمحبته والتشيع له، ومناغاة الادارسة للقيام في خدمته بالمغرب الأقصى، وبث دعوته. وتخلف عنهم أولاد علي بن حمدون بالحضرة وأقاموا بسدة الخلافة، ونظموا في طبقات الوزارة وأجريت عليهم

سنيات الأرزاق والتحقوا على حديث عهدهم بالقوم من أولياء الدولة. ثم كان بعد ذلك شأن اعتقالهم على طريق التأديب لمرتكب من نازعهم خرقوا به حدود الآداب مع الخلافة، فاستدعوا إلى القصر واعتقلوا، ثم أطلقوا لأيام قلائل لما انغمس الحكم في علة الفالج، وركدت ريح المروانية بالمغرب، واحتاجت الدولة إلى رجالهم لسد الثغور ودفع العدو، واستدعي يحيى بن هاشم من العدوة، وكان واليا على فاس والمغرب، وأدا له الحاجب المصحفي لجعفر بن على بن حمدون، وجمعوا بين الانتفاع في مقارعة زناتة بالعدوة والراحة مما يتوقع منه على الدولة عند من ولي الخلافة، لما كانوا صاروا إليه من النكبة وطروق المحنة فعقدوا له ولأخيه يحيى على المغرب، وخلعوا عليهما وأمكنوهما من مال وكسا فاخرة للخلع على ملوك العدوة، فنهض جعفر إلى المغرب سنة خمس وستين وضبطه، واجتمع إليه ملوك زناتة من بني يفرن ومغراوة وسجلماسة. ولما هلك الحكم وولي هشام، وقام بأمره المنصور بن أبي عامر، اقتصر لأول قيامه على سبتة من بلاد العدوة فضبطها جند السلطان ورجال الدولة، وقلدها أرباب السيوف والأقلام من الأولياء والحاشية وعدل في ضبطه على ما وراء ذلك على ملوك زناتة ونقدهم بالجوائز والخلع وصار إلى إكرام وفودهم وإثبات من رغب الإثبات في ديوان السلطان منهم، فجدوا في ولاية الدولة وبث الدعوة، وفسد ما بين هذين الأميرين جعفر وأخيه، واقتطع يحيى مدينة البصرة لنفسه وذهب بأكثر الرجال. ثم كانت على جعفر النكبة التي نكبته بنو غواطة في غزاته إياهم. ثم استدعاه محمد بن أبي عامر لأول أمره لما رأى من الاستكانة إليه وشد أزره به ونقم عليه كراهته لما لقيه بالأندلس من الحكم، ثم أصحبه وتخلى لأخيه عن عمل المغرب، وأجاز البحر إلى ابن أبي عامر فحل منه بالمكان الأثير. ولما زحف بلكين إلى المغرب سنة تسع وستين زحفته المشهورة خرج محمد بن أبي عامر من قرطبة إلى الجزيرة لمدافعته بنفسه، وأجاز جعفر بن علي إلى سبتة وعقد له على حرب بلكين وأمده بمائة حمل من المال، وانضمت إليه ملوك زناتة ورجع عنهم بلكين كما نذكره. ولما رجع إلى ابن أبي عامر فاغتاله في بعض ليالي معاقرتهم وأعد له رجالا في طريقه من سمره إلى داره فقتلوه سنة [1] ولحق يحيى بن علي

بمصر ونزل بدار العزيز وتلقاه بالمبرة والتكريم، وطال به ثواؤه واستكفى به العظائم، ولما استصرخ فلفول بن خزرون بالحاكم في استرجاع طرابلس من يد صنهاجة المتغلبين عليه، دفع إليه العساكر وعقد عليها ليحيى بن علي، واعترضه بنو قرة من الهلاليين ببرقة ففلوه وفضوا جموعه ورجع إلى مصر ولم يزل بمصر إلى أن هلك هنالك، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

** الخبر عن القرامطة واستبداد أمرهم وما استقر لهم من الدولة بالبحرين وأخبارها إلى حين انقراضها **

هذه الدعوة لم يظهرها أحد من أهل نسب العلوية ولا الطالبيين، وإنما قام بها دعاة المهدي من أهل البيت على اختلاف منهم في تعيين هذا المهدي كما نذكره. وكان مدار دعوتهم على رجلين أحدهما يسمى الفرج بن عثمان القاشاني من دعاة المهدي ويسمى أيضا كرويه بن مهدويه وهو الذي انتهى إليه دعاتهم بسواد الكوفة، ثم بالعراق والشام، ولم يتم لهؤلاء دولة، والآخر يسمى أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، كانت دعوته بالبحرين واستقرت له هنالك دولة ولبنيه. وانتسب بعض مزاعمهم إلى دعاة الإسماعيلية الذين كانوا بالقيروان كما نذكره. ودعوى هؤلاء القرامطة في غاية الاضطراب مختلة العقائد والقواعد، منافية للشرائع والإسلام في الكثير من مزاعمهم، وأول من قام بها بسواد الكوفة سنة ثمان وسبعين ومائتين رجل أظهر الزهد والتقشف، وزعم أنه يدعو إلى المهدي وأن الصلوات المفروضة خمسون كل يوم، واستجاب له جمع كثير ولقب قرمط وأصلها بالكاف. وكان يأخذ من كل من يجيب دعوته دينارا للإمام. وجعل عليهم نقباء وسماهم الحواريين، وشغل الناس بذلك عن شئونهم وحبسه عامل الناحية ففر من محبسه ولم يوقف له على خبر، فازداد أتباعه فتنة فيه ثم زعم أنه الذي بشر به أحمد بن محمد بن الحنفية. وأن أحمد نبي وفشا هذا المذهب في السواد وقرئ بينهم كتاب زعموا أنه جاءهم من داعيه المهدي نصه بعد البسملة، يقول الفرج بن عثمان: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المنجد لأوليائه بأوليائه قل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها لتعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي

الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأستخبر خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت على ألسنة رسلي، فأنا الذي لا يتكبر علي جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا ذللته، فليس الذي أصر على أمره ودام على جهالته. وقال لن نبرح عليه عاكفين وبه مؤمنين، أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه مرتين سبحان ربي ورب العزة تعالى عما يصف الظالمون، وفي سجوده الله أعلى مرتين الله أعظم مرة، والصوم مشروع يوم المهرجان والنيروز والنبيذ حرام والخمر حلال، والغسل من الجنابة كالوضوء، ولا يؤكل ذو ناب ولا ذو مخلب. ومن خالف وحارب وجب قتله ومن لم يحارب أخذت منه الجزية انتهى إلى غير ذلك من دعاوي شنيعة متعارضة يهدم بعضها بعضا. وشاهد عليهم بالكذب. والذي حملهم على ذلك إنما هو ما اشتهر بين الشيعة من أمر المهدي مستندين فيه إلى الأحاديث التي خرجها بعضهم وقد أريناك عللها في مقدمة الكتاب في باب الفاطمي فلهجوا به، وبالدعوة إليه فمن الصادق فيمن يعينه وان كان كاذبا في استحقاقه، ومنهم من بنى أمره على الكذب والانتحال، عساه يستولي بذلك على حظ من الدنيا ينال بها صفقة. وقد يقال إن ظهور هذا الرجل كان قبل مقتل صاحب الزنج وإنه سار على الأمان. وقال له: إن ورائي مائة ألف سيف فناظرني لعلنا نتفق ونتعاون. ثم اختلفا وانصرف قرمط عنه، وكان يسمي نفسه القائم بالحق. وزعم بعض الناس أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج. ثم زحف إليه أحمد بن محمد الطائي صاحب الكوفة في العساكر فأوقع بهم وفتك بهم، وتتابعت العساكر في السواد في طلبهم وأبادوهم، وفر هو إلى أحياء العرب فلم يجبه أحد منهم، فاختفى في القفر في جب بناه واتخذه لذلك، وجعل عليه باب حديد واتخذ بجانبه تنورا سحرا إن أرهقه الطلب فلا يفطن له. ولما اختفى في الجب بعث أولاده في كاب بن دبرة بأنهم من ولد إسماعيل الإمام مستجيرون بهم.

ثم دعوا إلى دعوتهم أثناء ذلك وكانوا ثلاثة يحيى وحسين وعلي فلم يجبهم أحد الى ذلك إلا بنو القليص بن ضمضم بن علي بن جناب، فبايعوا ليحيى على أنه يحيى ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الإمام وكنوه أبا القاسم ولقبوه الشيخ. ثم حول اسمه وادعى أنه محمد بن عبد الله وأنه كان يكتم هذا الاسم، وأن ناقته التي يركبها

مأمورة ومن تبعها منصور، فزحف إليه سبك مولى المعتضد في العساكر فهزمها، وقتل فسار إليه محمد بن أحمد الطائي في العساكر فانهزمت القرامطة وجيء ببعضهم أسيرا فاحتضره المعتضد وقال: هل تزعمون أن روح الله وأنبيائه تحل فيكم فتعصمكم من الزلل، وتوفقكم لصالح العمل، فقال له: يا هذا أرأيت لو حلت روح إبليس فما ينفعك فاترك ما لا يعنيك إلى ما يعنيك. فقال له: قل فيما يعنيني! فقال له: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوكم العباس حي فلم يطلب هذا الأمر ولا بايعه أحد، ثم قبض أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى العباس ولم يعهد إليه عمر ولا جعله من أهل الشورى، وكانوا ستة وفيهم الأقرب والأبعد، وهذا إجماع منهم على دفع جدك عنها، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ فأمر المعتضد به فعذب وخلعت عظامه ثم قطع مرتين ثم قتل. ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليها طفج مولى ابن طولون سنة تسعين، واستصرخ بابن سيده بمصر، فجاءت العساكر لإمداده فقاتلهم مرارا وقتل يحيى بن ذكرويه المسمى بالشيخ في خلق من أصحابه، واجتمع فلهم على أخيه الحسين وتسمى أحمد أبا العباس وكانت في وجهه شامة يزعم أنها مقدسة، فلقب صاحب الشامة المهدي أمير المؤمنين، وأتاه ابن عمه عيسى بن مهدي وهو عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل الإمام ولقبه المدثر، وعهد إليه، وزعم أنه المذكور في القرآن ولقب غلاما من أهله المطوق. ثم دعا الناس فأجابه كثير من أهل البوادي وسار إلى دمشق فحاصرها حتى صالحوه على مال ودفعوه له. ثم سارا إلى حمص وحماة والمعرة وبعلبك، فخطب له بها واستباحها جميعا. ثم إلى سلمية وبها جماعة من بني هاشم فاستلحمهم حتى الصبيان بالمكاتب والبهائم. ثم خرج المكتفي إليه وقدم عساكره، فكبسهم ونجا فلهم إلى حلب، وانتهى المكتفي إلى الرقة، وقد سار بدر مولى ابن طولون في اتباع القرامطة فهزمهم وأثخن فيهم وبعث المكتفي العساكر مع يحيى بن سليمان الكاتب، وفيهم الحسين بن حمدان من بني تغلب ومعهم بنو شيبان فواقعوا القرامطة سنة إحدى وتسعين فهزموهم، وقتل منهم خلق من أصحاب القرمطي ونجا ابنه أبو القاسم ببعض ذخيرته، وسار هو مستخفيا إلى ناحية الكوفة ومعه المدثر والمطوق وغلام له، وانتهوا إلى الرحبة فوشى بهم إلى العامل فقبض عليهم، وبعث بهم إلى المكتفي بالرقة ورجع إلى بغداد فقطعهم بعد أن ضرب صاحب الشامة مائتي سوط. وأما علي بن ذكرويه ففر بعد مقتل أخيه يحيى على

دمشق إلى ناحية الفرات، واجتمع إليه فل من القرامطة فاستباح طبرية. ثم لما اتبعهم الحسين بن حمدان فر إلى اليمن، واجتمع إليه دعاتهم لك وتغلب على كثير من مدنه، وقصد صنعاء فهرب عنها ابن يعفر فاستباحها وتجافى عن صعدة لذمة العلوية بينه وبين بني الرسي، ونازل بني زياد بن بيد، ومات في نواحي اليمن، وفي خلال ذلك بعث أبوه ذكرويه إلى بني القليص بعد أن كانوا استكانوا وأقاموا بالسماوة، فبعث إليهم من أصحابه عبد الله بن سعيد ويسمى أبا غانم فجاءهم بكتابه سنة ثلاث وتسعين بأنه أوحى إليه بأن صاحب الشامة وأخاه الشيخ مقبلان، وأن إمامه يظهر من بعدهما ويملأ الأرض عدلا، ويظهر وطاب أبو غانم على إحياء كلب فاجتمع إليه جماعة منهم، وقصد الشام فاستباح بصرى وأذرعات، ونازل دمشق وعاملها يومئذ أحمد بن كيغلغ وهو غائب بمصر في محاربة الجليجي الثائر من شيعة بني طولون على عساكر المكتفي، وقابله خلفاؤه فهزمهم وقتل بعضهم وسار إلى الأردن فقتل عاملها، ونهب طبرية وبعث المكتفي الحسين بن حمدان في العساكر ففر أبو غانم إلى السماوة وغور مياهها، واتبعته العساكر إلى أن جهدهم العطش. ثم رجع الحسين بهم إلى الرحبة، وقيل إنهم تقبضوا على أبي غانم وقتلوه، وافترق جمعهم وذلك سنة ثلاث وتسعين.

** (ظهور ذكرويه ومقتله) **

ثم اجتمع القرامطة إلى ذكرويه وأخرجوه من الجب الذي كان مختفيا فيه منذ عشرين سنة، وحضر عنده دعاتهم فاستخلف عليهم أحمد بن القاسم بن أحمد، وعرفهم بما له عليهم من المنة، وأن رشادهم في امتثال أمره، ورمز لهم في ذلك بآيات من القرآن حرف تأويلها، وسار وهو محتجب يدعونه السيد ولا يرونه، والقاسم يباشر الأمور ويتولاها، وبعث المكتفي عساكره فهزمهم القرامطة بالسواد، وغنموا معسكرهم، وساروا لاعتراض الحاج ومروا بالصوان، وحاصروا الواقصة فامتنعت عليهم، وطموا الآبار والمياه في تلك النواحي وبعث المكتفي محمد بن إسحاق بن كنداج الصهال ورجعوا. ونهب القرامطة الحاج وقتلوهم بعد أن قاتلوهم ثلاثا على غير ماء فاستسلموا، وغنم أموالهم وأموال التجار وأموال بني طولون كانوا نقلوها من ابن خلدون م 8 ج 4

مصر إلى مكة. ثم من مكة إلى بغداد عند ما أجمعوا النقل إليها. ثم حاصر القرامطة بقية الحاج في حمص، قيل فامتنعوا، وجهز المكتفي العساكر مع وصيف بن صوارتكين وجماعة من القواد، فساروا على طريق خفان، وأدركوا القرامطة فقاتلوهم يومين، ثم هزموهم وضرب ذكرويه على رأسه فانهشم وجيء به أسيرا وبخليفة القاسم وابنه وكاتبه وزوجته، ومات لخمس ليال فسيق شلوه إلى بغداد، وصلب وبعث برأسه إلى خراسان من أجل الحاج الذين نهبهم من أهلها. ونجا الفل من أصحابه إلى الشام، فأوقع بهم الحسين بن حمدان واستلحمهم، وتتبعوا بالقتل في نواحي الشام والعراق، وذلك سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.

** (خبر قرامطة البحرين ودولة بني الجنابي منها) **

وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين جاء إلى القطيعي [1] من البحرين رجل تسمى بيحيى بن المهدي وزعم أنه رسول من المهدي، وأنه قد قرب خروجه وقصد من أهل القطيف علي بن المعلى بن أحمد الدبادي، وكان متغاليا في التشيع فجمع الشيعة وأقرأهم كتاب المهدي، وشنع الخبر في سائر قرى البحرين فأجابوا كلهم، وفيهم أبو سعيد الجنابي واسمه الحسن بن بهرام وكان من عظمائهم. ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة ورجع بكتاب المهدي يشكرهم على إجابتهم ويأمرهم أن يدفعوا ليحيى ستة دنانير وثلاثين [2] عن كل رجل فدفعوها. ثم غاب وجاء بكتاب آخر يدفعوا إليه خمس أموالهم فدفعوا، وقام يتردد في قبائل قيس. ثم أظهر أبو سعيد الجنابي الدعوة بالبحرين سنة ثلاث وثمانين، واجتمع إليه القرامطة والأعراب، وسار إلى القطيف طالبا البصرة وكان عليها أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي فأدار السور على البصرة، وبعث المعتمد علي بن عمر الغنوي، وكان على فارس فاقطعه اليمامة والبحرين، وضم إليه ألفين من المقاتلة وسيره إلى البصرة فاحتشد وخرج للقاء الجنابي ومن معه، ورجع عنه عند اللقاء بنو ضبة فانهزم وأسره الجنابي واحتوى على

معسكره وحرق الأسرى بالنار. ثم من عليه وأطلقه فسار إلى الأبلة ومنها إلى بغداد، وسار أبو سعيد إلى هجر فملكها وأمنها، واضطربت البصرة للهزيمة وهم أهلها بالارتحال، فمنعهم الواثقي. ومن كتاب ابن سعيد في خبر قرامطة البحرين ملخصا من كلام الطبري فلعله كما ذكره قال: كان ابتداء أمر القرامطة سنة ثمان وثلاثمائة فنقل الكلام وكان أبو سعيد يمهد لابنه الأكبر سعيد فلم [1] به وثار به أخوه الأصغر الظاهر سليمان فقتله، وقام بأمرهم وبايعه العقدانية وجاءه كتاب عبيد الله المهدي بالولاية. وفي سنة ست وثمانين وصل أبو القاسم القائم إلى مصر، واستدعى أبا طاهر القرمطي وانتظره فأعجله مؤنس الخادم عن انتظاره وسار من قبل المقتدر فهزمه ورجع إلى المهدية. ثم سار أبو الطاهر سنة سبع إلى البصرة فاستباحها ورجع واضطربت بغداد، وأمر المقتدر بإصلاح ما تثلم من سورها. ثم زحف إليها أبو الطاهر سنة إحدى عشرة فاستباحها وخرب الجامع وتركها خربة. ثم خرج سنة اثنتي عشرة لاعتراض الحاج فأوقع بهم وهزم قواد السلطان الذين كانوا معهم، وأسر أميرهم أبا النجاء بن حمدون واستصفى النساء والصبيان وترك الباقي بالبرية فهلكوا.

ثم خرج سنة أربع عشرة إلى العراق فعاث في السواد، ودخل الكوفة وفعل فيها أشد من البصرة. وفي سنة أربع عشرة وقع بين العقدانية وأهل البحرين خلاف فخرج أبو الطاهر وبنى مدينة الأحساء وسماها المؤمنية فلم تعرف إلا به، وبنى قصره وأصحابه حوله. وفي سنة خمس عشرة استولى على عمان وهرب واليها في البحر الى فارس.

وزحف سنة ست عشرة إلى الفرات، وعاث في بلاده. وبعث المقتدر عن يوسف بن أبي الساج من أذربيجان وولاه واسط، وبعثه لحربه فالتقوا بظاهر الكوفة وهزمه أبو طاهر وأسره. وأرجف أهل بغداد، وسار أبو طاهر إلى الأنبار وخرجت العساكر من بغداد لدفاعه مع مؤنس المظفر وهارون بن غريب الحال فلم يطيقوا دفاعه، وتوافقوا ثم تحاجزوا، وعاد مؤنس إلى بغداد وسار هو إلى الرحبة واستباحها ودوخ بلاد الجزيرة بسراياه. وسار إلى هشت والكوفة، وقاتل الرقة فامتنعت عليه، وفرض الإتاوة على أعراب الجزيرة يحملونها إلى هجر، ودخل في دعوته جماعة من بني سليم بن منصور وبني عامر بن صعصعة. وخرج إليه هارون بن غريب الحال فانصرف أبو طاهر إلى

البرية وظفر هارون بفريق منهم فقتلهم وعاد إلى بغداد. وفي سنة سبع عشرة هجم على مكة وقتل كثيرا من الحاج ومن أهلها ونهب أموالهم جميعا وقلع باب البيت والميزاب، وقسم كسوة البيت في أصحابه، واقتلع الحجر الأسود وانصرف به وأراد أن يجعل الحج عنده، وكتب إليه عبيد الله المهدي من القيروان يوبخه على ذلك، ويتهدده، فكتب إليه بالعجز عن رده من الناس ووعد برد الحجر، فرده سنة تسع وثلاثين بعد أن خاطبه منصور إسماعيل من القيروان في رده فردوه، وقد كان الحكم المتغلب على الدولة ببغداد أيام المستكفي بذل لهم خمسين ألفا من الذهب على أن يردوه فأبوا، وزعموا أنهم إنما حملوه بأمر إمامهم عبيد الله، وإنما يردونه بأمره وأمر خليفته. وأقام ابو طاهر بالبحرين وهو يتعاهد العراق والشام بالغزو حتى ضربت له الإتاوة ببغداد وبدمشق على بني طفج. ثم هلك أبو طاهر سنة اثنتين وثلاثين لإحدى وثلاثين سنة من ملكه، ومات عن عشرة من الولد كبيرهم سابور، وولى أخوه الأكبر أحمد بن الحسن، واختلف بعض العقدانية عليه ومالوا إلى ولاية سابور بن أبي طاهر، وكاتبو القائم في ذلك فجاء جوابه بولاية الأخ أحمد، وأن يكون الولد سابور ولي عهده، فاستقر أحمد في الولاية عليهم وكنوه أبا منصور، وهو الذي رد الحجر الأسود إلى مكانه كما قلناه. ثم قبض سابور على عمه أبي منصور فاعتقله بموافقة إخوته له على ذلك وذلك سنة ثمان وخمسين. ثم ثار بهم أخوه فأخرجه من الاعتقال وقتل سابور ونفى إخوته وأشياعهم إلى جزيرة أوال. ثم هلك أبو منصور سنة تسع وخمسين يقال مسموما على يد شيعة سابور، وولي ابنه أبو علي الحسن بن أحمد ويلقب الأعصم، وقيل الأغنم فطالت مدته وعظمت وقائعه ونفى جمعا كثيرا من ولد أبي طاهر، يقال اجتمع منهم بجزيرة أوال نحو من ثلاثمائة، وحج هذا الأعصم بنفسه ولم يتعرض للحاج ولا أنكر الخطبة للمطيع.

** (فتنة القرامطة مع المعز العلوي) **

ولما استولى جوهر قائد المعز لدين الله على مصر وجعفر بن فلاح الكتامي على دمشق طالب الحسن بالضريبة التي كانت له على دمشق فمنعوه ونابذوه، وكتب له المعز وأغلظ عليه ودس لشيعة أبي طاهر وبنيه أن الأمر لولده، وأطلع الحسن على ذلك

فخلع المعز سنة اثنتين وثلاثمائة وخطب للمطيع العباسي في منابره ولبس السواد. ثم زحف إلى دمشق وخرج جعفر بن فلاح لحربه، فهزمه الأعصم وقتله، وملك دمشق وسار إلى مصر فحاصر جوهرا بها وضيق عليه. ثم غدر به العرب واجفلوا فأجفل معهم وعاد إلى الشام ونزل الرملة، وكتب إليه المعز سنة إحدى وستين بالنفي والتوبيخ، وعزله عن القرامطة وولى بني أبي طاهر فخرجوا من أوال ونهبوا الأحساء في غيبته، وكتب إليهم الطائع العباسي بالتزام الطاعة، وأن يصالحوا ابن عمهم ويقيموا بجزيرة أوال وبعث من أحكم بينهم الصلح. ثم سار الأعصم إلى الشام وتخطاها دون صور فقاتلوه وراء الخنادق، وبذل جوهر المال للعرب فافترقوا عنه، وانهزم ونهب معسكره. وجاء المعز من إفريقية ودخل القاهرة سنة ثلاث وستين وسرح العساكر إلى الشام فاستولوا عليه، فنهض الأعصم إليهم فأوقع بهم، وأثخن فيهم، وانتزع ما ملكوه من الشام، وسار إلى مصر وبعث المعز لدين الله ابنه عبد الله فلقيهم على بلبيس وانهزم الأعصم وفشا القتل والأسر في أصحابه فكانوا نحوا من ثلاثة آلاف، ورجع الأعصم إلى الأحساء واستخلص المعز بني الجراح أمراء الشام من طيئ حتى استرجع بهم ما غلب عليه القرامطة من الشام بعد حروب وحصار. ثم مات المعز سنة خمس وستين، وطمع الأعصم في بلاد الشام، وكان أفتكين التركي مولى معز الدولة بن بويه لما انتقض على أبيه بختيار وهزمه ببغداد، سار أفتكين منهزما إلى دمشق، وكانوا مضطرين فخرجوا إليه وولوه عليهم، وصالح المعز إلى أن توفي فنابذ العزيز وبعث إليه جوهر في العساكر فحاصره، فكتب أفتكين إلى الأعصم واستدعاه فجاء إلى الشام سنة ست وستين. وخرج معه أفتكين، ونازلوا الرملة فملكوها من يد جوهر، وزحف إليهم العزيز وهزمهم، وتقبض على أفتكين، ولحق الأعصم بطبرية منهزما. ثم ارتحل منها إلى الأحساء وأنكروا ما فعله الأعصم من البيعة لبني العباس، واتفقوا على إخراج الأمر عن ولد أبي سعيد الجنابي، وقدموا رجلين منهم وهما جعفر وإسحاق وسار بنو أبي سعيد إلى جزيرة أوال. وكان بنو أبي طاهر قبلهم فقتلوا كل من دخل إليهم من ولد أحمد بن أبي سعيد وأشياعه. ثم قام بأمر القرامطة جعفر وإسحاق هذان ورجعوا إلى دعوة العلوية ومحاربة بني بويه، ورجعوا سنة أربع وستين إلى الكوفة فملكوها. وبعث صمصام الدولة بن بويه العساكر إليهم فهزمهم على الفرات وقتل منهم خلق واتبعوهم إلى القادسية. ثم اختلف جعفر

وإسحاق وطمع كل منهما في الرئاسة على صاحبه، وافترق أمرهم وتلاشت دعوتهم إلى أن استولى الأصغر بن أبي الحسن الثعلبي سنة ثمان وتسعين عليهم، وملك الأحساء من أيديهم وأذهب دولتهم وخطب للطائع واستقرت الدولة له ولبنيه.

** (ذكر المتغلبين بالبحرين من العرب بعد القرامطة) **

كان بأعمال البحرين خلق من العرب، وكان القرامطة يستنجدونهم على أعدائهم ويستعينون بهم في حروبهم، وربما يحاربونهم ويقاطعونهم في بعض الأوقات، وكان أعظم قبائلهم هنالك بنو ثعلب وبنو عقيل وبنو سليم، وأظهرهم في الكثرة والعزة بنو ثعلب. ولما فشلت دولة القرامطة بالبحرين واستحكمت العداوة بينهم وبين بني بويه بعد انقراض ملك بني الجنابي، وعظم اختلافهم عند القائم بدعوة العباسية وكان خالصة [1] للقرامطة ودعاه إلى إذهاب دولتهم فأجابه، وداخل بني مكرم رؤساء عمان في مثل ذلك فأجابوه، واستولى الأصغر على البحرين وأورثها بنيه، واستولى بنو مكرم على عمان ثم غص بنو ثعلب بسليم واستعانوا عليهم ببني عقيل وطردوهم من البحرين، فساروا إلى مصر ومنها كان دخولهم إلى إفريقية كما يأتي. ثم اختلف بنو ثعلب وبنو عقيل بعد مدة وطردهم بنو ثعلب إلى العراق فملكوا الكوفة والبلاد العراقية، وامتد ملك الأصغر وطالت أيامه، وتغلب على الجزيرة والموصل وحارب بني عقيل سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة برأس عين من بلاد الجزيرة، وغص بشأنه نصير الدولة بن مروان صاحب ميافارقين وديار بكر فقام له، وجمع له الملوك من كل ناحية فهزمه واعتقله، ثم أطلقه ومات وبقي الملك متوارثا في بنيه بالبحرين إلى أن ضعفوا وتلاشوا، وانقرضت دولة بني عقيل بالجزيرة، وغلبهم عليها وعلى تلك البلاد أولياء الدولة السلجوقية، فتحولوا عنها إلى البحرين مواطنهم الأولى، ووجدوا بني ثعلب قد أدركهم الهرم، فغلبوا عليهم. قال ابن سعيد: سألت أهل البحرين حين لقيتهم بالمدينة النبوية سنة إحدى وخمسين وستمائة عن البحرين، فقالوا: الملك فيها لبني

عامر بن عوف بن عامر بن عقيل وبنو ثعلب من جملة رعاياهم وبنو عصفور منهم أصحاب الأحساء. (ولنذكر) هنا نبذة في التعريف بكاتب القرامطة وأمصار البحرين وعمان لما أن ذلك من توابع أخبارهم.

(الكاتب) : كان كاتبهم أبو الفتح الحسين بن محمود ويعرف بكشاجم، كان من أعلام الشعراء، وذكره الثعالبي في اليتيمة والحصري في زهر الآداب، وهو بغدادي المولد واشتهر بخدمة القرامطة فيما ذكره البيهقي وكتب لهم بعده ابنه أبو الفتح نصر، ولقبه كشاجم مثل أبيه وكان كاتبا للأعصم.

(البحرين) : إقليم يسمى باسم مدينته، ويقال هجر باسم مدينة أخرى منه كان حضرية، فخربها القرامطة وبنو الأحساء وصارت حاضرة، وهذا الإقليم مسافة شهر على بحر فارس بين البصرة وعمان، شرقيها نجر فارس، وغربيها متصل باليمامة، وشماليها البصرة وجنوبها بعمان، كثيرة المياه ببطونها على القامة والقامتين، كثيرة البقل والفواكه، مفرطة الحر منهالة الكثبان، يغلب الرمل عليهم في منازلهم وهي من الإقليم الثاني، وبعضها في الثالث، كانت في الجاهلية لعبد القيس وبكر بن وائل من ربيعة، وملكها للفرس، وعاملها من قبلهم المنذر بن ساوي التميمي. ثم صارت رياستها صدر الإسلام لبني الجارودي ولم يكن ولاة بني العباس ينزلون هجر إلى أن ملكها أبو سعيد القرمطي بعد حصار ثلاث سنين، واستباحها قتلا وإحراقا وتخريبا.

ثم بنى أبو طاهر مدينة الأحساء، وتوالت دولة القرامطة وغلب على البحرين بنو أبي الحسن بن ثعلب، وبعدهم بنو عامر بن عقيل. قال ابن سعيد والملك الآن فيهم في بني عصفور.

(الأحساء) بناها أبو طاهر القرمطي في المائة الثالثة، وسميت بذلك لما فيها من أحساء المياه في الرمال، ومراعي الإبل، وكانت للقرامطة بها دولة، وجالوا في أقطار الشام والعراق ومصر والحجاز وملكوا الشام وعمان.

(دارين) هي من بلاد البحرين ينسب إليها الطيب كما تنسب الرماح إلى الخط بجانبها فيقال مسك دارين والرماح الخطية.

(عمان) وهي من ممالك جزيرة العرب المشتملة على اليمن والحجاز والشحر وحضر موت وعمان وهي خامسها، إقليم سلطاني منفرد على بحر فارس من غربيه مسافة شهر، شرقيها بحر فارس وجنوبيها بحر الهند، وغربيها بلاد حضر موت،

وشماليها البحرين، كثيرة النخل والفواكه وبها مغاص اللؤلؤ، سميت بعمان بن قحطان، أول من نزلها بولاية أخيه يعرب، وصارت بعد سيل العرم للأزد. وجاء الإسلام وملوكها بنو الجلندي، والخوارج بها كثيرة. وكانت لهم حروب مع عمال بني بويه وقاعدتهم تروى، وملك عمان من البحر ملوك فارس غير مرة، وهي في الإقليم الثاني، وبها مياه وبساتين وأسواق، وشجرها النخل. وكانت بها في الإسلام دولة لبني شامة بن لؤي بن غالب. وكثير من نسابة قريش يدفعونهم عن هذا النسب، أولهم بها محمد بن القاسم الشامي، بعثه المعتضد أعانه ففتحها وطرد الخوارج إلى تروى قاعدة الجبال، وأقام الخطبة لبني العباس وتوارث ذلك بنوه، وأظهروا شعار السنة. ثم اختلفوا سنة خمس وثلاثمائة وتحاربوا، ولحق بعضهم بالقرامطة، وأقاموا في فتنة إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطي سنة سبع عشرة عند اقتلاعه الحجر وخطب بها لعبيد الله المهدي وترددت ولاة القرامطة عليها من سنة سبع عشرة الى سنة خمس وسبعين. فترهب واليها منهم، وزهد وملكها أهل تروى الخوارج وقتلوا من كان بها من القرامطة والروافض، وبقيت في أيديهم ورياستها للأزد منهم. ثم سار بنو مكرم من وجوه عمان إلى بغداد، واستخدموا لبني بويه وأعانوهم بالمراكب من فارس، فملكوا مدينة عمان وطردوا الخوارج إلى جبالهم، وخطبوا لبني العباس. ثم ضعفت دولة بني بويه ببغداد فاستبد بنو مكرم بعمان وتوارثوا ملكها، وكان منهم مؤيد الدولة أبو القاسم علي بن ناصر الدولة الحسين بن مكرم، وكان ملكا جوادا ممدوحا. قاله البيهقي ومدحه مهيار الديلمي وغيره، ومات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة بعد مدة طويلة في الملك. وفي سنة اثنتين وأربعين ضعف ملك بني مكرم وتغلب عليهم النساء والعبيد، فزحف إليها الخوارج وملكوها، وقتلوا بقيتهم وانقطع منها رسم الملك، وصار في حجار من مدر هذا الإقليم قلهات هي عرصة عمان على بحر فارس من الإقليم الثاني ومما يلي الشحر وحجاز في شماليها إلى البحرين بينهما سبع مراحل، وهي في جبال منيعة، فلم تحتج إلى سور، وكان ملكها سنة ثمان وأربعين زكريا بن عبد الملك الأزدي من ذرية رياسة. وكان الخوارج بتروى مدينة الشراة يدينون لهم، ويرون أنهم من ولد الجلندي.

** الخبر عن الإسماعيلية أهل الحصون بالعراق وفارس والشام وسائر أمورهم ومصايرها **

هذا المذهب هو مذهب القرامطة وهم غلاة الرافضة، وهو على ما رأيته من الاضطراب والاختلاف. ولم يزل متناقلا في أهله بأنحاء العراق وخراسان وفارس والشام.

واختلف بعضهم باختلاف الأعصار والأمصار، وكانوا يدعون أولا قرامطة. ثم قيل لهم بالعراق باطنية، ثم الإسماعيلية، ثم النزارية لما حدث من عهد المستضيء العلوي لابنه نزار، وقتله شيعتهم بمصر، ولم يبايعوا له، وكان عنده ابن الصباح من هؤلاء الإسماعيلية، ونفى الإمامة بعده عن أئمتهم بمصر فسموا أصحابه لذلك نزارية. وكان هذا المذهب بعد موت ذكرويه وانحلال عقدتهم، بقي منبثا في الأقطار ويتناوله أهله، ويدعون إليه ويكتمونه، ولذلك سموا الباطنية، وفشت أذيتهم بالأمصار بما كانوا يعتقدونه من استباحة الدماء، فكانوا يقاتلون الناس ويجتمع لذلك جموع منهم يكمنون في البيوت ويتوصلون إلى مقاصدهم من ذلك. ثم عظمت أمورهم أيام السلطان ملك شاه عند ما استمر الملك للعجم من الديلم والسلجوقية وعقل الخلفاء وعجزوا عن النظر في تحصين إمامتهم، وكف الغوائل عنها، فانتشروا في هذه العصور وربما اجتمع منهم جماعة بساوة بانحاء همذان، فصلوا صلاة العيد بأنحائهم فحبسهم الشحنة، ثم أطلقهم. ثم استولوا بعد ذلك على الحصون والقلاع فأول قلعة غلبوا عليها قلعة عند فارس كان صاحبها على مذهبهم، فأووا إليه واجتمعوا عنده، وصاروا يخطفون الناس من السابلة وعظم ضررهم بتلك النواحي. ثم استولوا على قلعة أصفهان واسمها شاه در، كان السلطان شاه بناها وأنزل بها عامله، فاتصل به أحمد بن غطاش، كان أبوه من مقدمي الباطنية وعنه أخذ ابن الصباح وغيره منهم، وكان أحمد هذا عظيما فيهم لمكان أبيه ورسوخه في العلم بينهم، فعظموه لذلك وتوجوه وجمعوا له مالا وقدموه عليهم، واتصل بصاحب القلعة فآثر مكانه وقلده الأمور حتى إذا توفي استولى أحمد بن غطاش على قلعة شاه در، وأطلق أيدي أصحابه في نواحيها يخيفون السابلة من كل ناحية. ثم استولوا على قلعة الموت من نواحي قزوين وهي من بنيان الديلم، ومعنى هذا الاسم عندهم تميل العقاب،

ويقال لتلك الناحية طالقان، وكانت في ضمان الجعفري، فاستناب بها علويا وكان بالري أبو مسلم صهر نظام الملك، واتصل به الحسن بن الصباح، وكان بينهم عالما بالتعاليم والنجوم والسحر، وكان من جملة تلامذة ابن غطاش صاحب قلعة أصفهان، ثم اتهمه أبو مسلم بجماعة من دعاة المصريين عنده فهرب منه وجال في البلاد وانتهى إلى مصر فأكرمه المستنصر وأمره بدعاء الناس إلى إمامته، وقال له الحسن من الإمام بعدك فأشار إلى ابنه نزار، وعاد من مصر إلى الشام والجزيرة وديار بكر وبلاد الروم، ورجع إلى خراسان بقلعة الموت فنزل على العلوي، فأكرمه واعتقد البركة فيه، وأقام بها وهو يحاول إحكام أمره في تملكها، فلما تم له من ذلك ما أراد أخرج العلوي منها وملكها. واتصل الخبر بنظام الملك فبعث العسكر لحصارها فجهده الحصار، وبعث جماعة من الباطنية فقتلوا نظام الملك، ورجعت العساكر واستولوا أيضا على قلعة طبس وما جاورها من قلاع قوهستان وهي زرون وقائد.

وكان رئيس قوهستان المنور من أعقاب بني سيجور أمراء خراسان للسامانية، فطلبه عامل قوهستان وأراد اغتصاب أخته، فاستدعى الإسماعيلية وملكهم هذه القلاع، واستولوا على قلعة خالنجان على خمسة فراسخ من أصفهان كانت لمؤيد الملك بن نظام الملك، وانتقلت إلى جاولي سقاور من أمراء الغز، وولى عليها بعض الترك فاتصل به بعض الباطنية وخدمه، وأهدى له حتى صارت مفاتيح القلعة في يده، فدس لابن غطاش في قلعة شاه در فجاء في جمع من أصحابه ليلا، وهرب التركي فملكها وقتل من كان بها وقوي بها على أهل أصفهان، وفرض عليهم القطائع. ومن قلاعهم أسويا وندبين الرمل وآمد، ملكوها بعد ملك شاه غدرا، ومنها أزدهر ملكها ابو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح. ومنها كردكوه ومنها قلعة الناظر بخوزستان وقلعة الطنبور قرب أرجان ملكها أبو حمزة الإسكاف من أهل ارجان، وقد كان سافر إلى مصر فأخذ بمذهبهم ورجع داعية لهم. ومنها قلعة ملاوخان بين فارس وخوزستان امتنع بها المفسدون نحوا من مائتي سنة لقطع الطريق، حتى فتحها عضد الدولة بن بويه، وقتل من بها. فلما ملك ملك شاه أقطعها للأمير أنز، فولى عليها من قبله وداخله الباطنية الذين من أرجان في بيعها منهم فأبى، فقالوا نرسل إليك من يناظرك حتى نرى الحق في مذهبنا، وبعثوا إليهم رجالا منهم فاعتقلوا مملوكه حتى سلم لهم مفاتيح القلعة، وقبضوا على صاحبها وقويت شوكتهم. وامتدت أيدي

الناس إلى قتلهم واعتقدوا جهادهم وثاروا بهم في كل وجهة فقتلوهم وقتلتهم العامة بأصفهان، وكانوا قد ظهروا بها عند محاصرة السلطان بركيارق أصفهان وبها أخوه محمد وأمه خاتون الجلالية، وفشت فيها دعوتهم وكثر فيها الاغتيال من أتباعهم فثاروا بهم، وقتلوهم وحفروا الأخاديد وأوقدوها بالنيران، وجعلوا يأتون بالباطنية فيلقونهم فيها، وتجرد جاولي سقاور، وكان واليا بفارس للجهاد فيهم، وتحيل عليهم بجماعة من أصحابه أظهروا الهروب إليهم فأوثقوا [1] بهم وسار هو من بعد ذلك إلى همذان فأغزاهم. ثم صار الباطنية من بعد ذلك إلى همذان لقتل أمراء السلجوقية غدرا فكان يقصد أحدهم أميرا من هؤلاء وقد استبطن خنجرا واستمات. حملهم على ذلك السلطان بركيارق، واستعان بهم على أمر أخيه فكان أحدهم يعرض نفسه بين يدي الأمير حتى يتمكن من طعنه فيطعنه، ويهلك غالبا ويقتل الباطني لوقته، فقتلوا منهم كذلك جماعة، ولما ظهر بركيارق على أخيه محمد انتشروا في عسكره واستعانوا بطائفة منهم، وتهددوا بالقتل على ذلك حتى ارتاب أمراء العسكر بأنفسهم، وخافوا عاديتهم ولازموا حمل السلاح، وشكوا إلى بركيارق بذلك وبما يلقونه منهم ومن عسكر أخيه فيما يرمونهم به من الاتحاد بهؤلاء الباطنية فأذن في قتلهم، وركب والعسكر معه فتتبعوهم بالقتل، حتى أن الأمير محمدا من أعقاب علاء الدولة بن كاكويه، وكان صاحب مدينة يزد أتهم برأيهم فهرب وقتل. وكتب إلى بغداد في أبي إبراهيم الأستراباذي وكان بركيارق بعثه رسولا فأخذ هنالك وقتل، واستلحموا في كل جهة واستلحم المتهمون وانطلقت عليهم الأيدي في كل ناحية وذلك سنة ست وثمانين. ولما استفحل أمر السلطان محمد بعد أخيه بركيارق زحف إلى قلعة شاه در التي بها أحمد ابن غطاش لقربها من أصفهان سرير ملكه، فجمع العساكر والأمم وخرج في رجب من أول المائة السادسة، وأحاط بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ، ورتب الأمراء لقتالها نوبا. ولما اشتد الأمر بهم سألوا فتوى الفقهاء في أمرهم وكتبوا ما نصه: ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وإنما يخالفون في الإمام هل يجوز للسلطان مساعدتهم ومراعاتهم وأن يقبل طاعتهم وبحرسهم من كل أذى أم لا؟

فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك، وتوقف بعضهم وجمعوا للمناظرة، فقال السمنجاني من كبار الشافعية: يجب قتالهم ولا يجوز إقرارهم بمكانهم ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، فإنهم لا يرون مخالفة إمامهم إذا خالف أحكام الشرع، وبذلك تباح دماؤهم إجماعا، وطالت المناظرة في ذلك. ثم سألوا أن يأتيهم من العلماء من يناظرهم وعينوا أعيانا من أصفهان، وقصدوا بذلك المطاولة والتعلل، فبعثهم السلطان إليهم فعادوا من غير شيء، فاشتد السلطان إليهم في حصارهم واستأمنوا على أن يعوضوا عن قلعتهم بقلعة خالنجان على سبعة فراسخ من أصفهان، وأن يؤجلوا في الرحيل شهرا فأجابهم، وأقاموا في تلك المدة يجمعون ما يقدرون عليه من الأطعمة ووثبوا على بعض الأمراء وسلم منهم فجدد السلطان حصارهم وطلبوا أن ينتقلوا إلى قلعة الناظر وطبس، ويبعث السلطان معهم من يوصلهم ويقيم الباقون بضرس من القلعة إلى أن يصل الأولون، ثم يبعث مع الآخرين من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة الموت فأجابهم إلى ذلك، وخرج الأولون إلى الناظر وطبس، وخرب السلطان القلعة، وتمسك ابن غطاش بالضرس الذي هو فيه، وعزم على الاعتصام به، وزحف إليه الناس عامة وهرب بعضهم إلى السلطان، فدله على عورة المكان، فصعدوا إليه وقتلوا من وجدوا فيه، وكانوا ثمانين، وأخذا ابن غطاش أسيرا فسلخ وحشي جلده تبنا، وقتل ابنه وبعث برأسهما إلى بغداد، وألقت زوجه نفسها من الشاهق فهلكت.

** (خبر الإسماعيلية بالشام) **

لما قتل أبو إبراهيم الأستراباذي ببغداد كما تقدم هرب بهرام ابن أخيه إلى الشام وأقام هنالك داعية متخفيا، واستجاب له من الشام خلق. وكان الناس يتبعونهم لكثرة ما اتصفوا به من القتل غدرا. وكان أبو الغازي بن أرتق بحلب يتوصل بهم إلى غرضه في أعدائه، وأشار أبو الغازي على ابن طغتكين الأتابك بدمشق بمثل ذلك فقبل رأيه، ونقل إليه فأظهر حينئذ شخصه، وأعلن بدعوته وأعانه الوزير أبو علي ظاهر بن سعد المزدغاني، لمصلحتهم فيه فاستفحل أمره، وكثر تابعوه، وخاف من عامة دمشق فطلب من ابن طغتكين ووزيره أبي علي حصنا يأوي إليه، فأعطوه قلعة

بانياس سنة عشرين وخمسمائة، وترك بدمشق خليفة له يدعو الناس إلى مذهبة فكثروا وانتشروا، وملك هو عدة حصون في الجبال منها القدموس وغيره. وكان بوادي التيم من أعمال بعلبك طوائف من المجوس والنصرانية والدرزية وأميرهم يسمى الضحاك، فسار بهرام لقتالهم سنة اثنتين وعشرين، واستخلف على بانياس إسماعيل من أصحابه، ولقيهم الضحاك في ألف رجل وكبس عسكره فهزمهم وقتله [1] وعاد فلهم إلى بانياس، فأقام بأمرهم إسماعيل وجمع شملهم وبث دعاته في البلاد، وعاضده المزدغاني وزير دمشق وانتصر لهذه الطائفة، وأقام بدمشق خليفة لبهرام اسمه أبو الوفاء فقوي أمره، وكثر أتباعه. واستبد على صاحبها تاج الملوك بن طغتكين. ثم ان المزدغاني راسل الفرنج أن يملكهم دمشق على أن يعطوه صور، وتواعدوا ليوم عينوه، ودس للإسماعيلية أن يكونوا ذلك اليوم على أهبة، ونمي الخبر إلى إسماعيل فخاف أن يثور به الناس فأعطى بانياس للفرنج، وانتقل إليهم ومات سنة أربع وعشرين، وكان للإسماعيلية قلاع في تلك الجهات تتصل بعضها ببعض أعظمها قلعة مصيات [2] فسار صلاح الدين لما ملك الشام سنة اثنتين وسبعين إليها وحاصر مصيات وضيق حصارها، وبعث سنان مقدم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين بحماة، وهو شهاب الدين الحمادي أن يسأل صلاح الدين في الصلح معهم ويتهددونه على ذلك سرا، فسار إلى صلاح الدين وأصلح أمرهم عنده ورحل عنهم.

** (بقية الخبر عن قلاع الإسماعيلية بالعراق) **

ولم تزل قلاع هؤلاء الإسماعيلية بالعراق عشا لهذه الغواية، وسفطا لهؤلاء الخباث، منذ ثار بها أحمد بن غطاش والحسن بن الصباح، وكان لهذا الحسن مقالات في مذاهب الرافضة غريقة في الغلو داخلة من باب الكفر وتسميها الرافضة المقالات الجديدة، ولا يدين بقبولها إلا الغلاة منهم. وقد ذكرها الشهرستاني في كتاب الملل

والنحل فعليك به إن أردت معرفتها. وبقي الملوك يقصدونهم بالجهاد لما اشتهر عنهم من الضرر بالاغتيال. ولما افترق أمر السلجوقية واستبد ايتغمش بالري وهمذان، سار إليهم سنة ثلاث وستمائة إلى قلاعهم المجاورة لقزوين فحاصرها، وفتح منها خمس قلاع، واعتزم على حصار قلعة الموت فعرض له ما شغله عن ذلك، ثم زحف إليهم جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين خوارزم شاه عند ما رجع من الهند، وملك بلاد أذربيجان وأرمينية، فقتلوا بعض أمرائه بمثل قتلهم فسار إلى بلادهم ودوخ نواحي الموت وقد مر ذكره. وقلاعهم التي بخراسان خربها واستباحها قتلا ونهبا وكانوا منذ ظهر التتر قد شرهوا على الجهات فأوقع بهم جلال الدين هذه الواقعة سنة أربع وعشرين وستمائة، وكفحهم عما سموا إليه من ذلك. ولما استفحل أمر التتر سار هولاكو أعوام الخمسين والستمائة من بغداد وخرب قلاعهم، وزحف الظاهر بعد ذلك إلى قلاعهم التي بالشام فخرب كثيرا منها وطوع ما بقي منها، وصارت مصيات وغيرها في طاعته وانقرض أمرهم إلا مغتالين يستعملهم الملوك في قتل أعدائهم على البعد غدرا، ويسمون الفداوية أي الذين يأخذون فدية أنفسهم على الاستماتة في مقاصد من يستعملهم. والله وارث الأرض ومن عليها.

** (الخبر عن دولة بني الأخيضر باليمامة من بني حسن) **

كان موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى بن الحسن السبط لما اختفى أخواه محمد وإبراهيم، طالبه أبو جعفر المنصور بإحضارهما فضمن له ذلك. ثم اختفى وعثر عليه المنصور فضربه ألف سوط، فلما قتل أخوه محمد المهدي بالمدينة اختفى موسى الجون إلى أن هلك. وكان من عقبه إسماعيل وأخوه محمد الأخيضر ابنا يوسف بن إبراهيم بن موسى، فخرج إسماعيل في أعراب الحجاز وتسمى السفاك سنة إحدى وخمسين ومائتين. ثم قصد مكة فهرب عاملها جعفر بسباسات، وانتهب منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل جماعة من الجند وأهل مكة وأخذ ما كان حمل للإصلاح من المال، وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة، وأخذ كسوة الكعبة وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار. ثم نهبها وأخرق بعضها بعضا، وأقام في ذلك

خمسين يوما. ثم سار إلى المدينة فتوارى عاملها وحاصرها حتى مات أهلها جوعا، ولم يصل أحد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل عساكر المعتز إلى المدينة فأفرج عنها ورجع إلى مكة وحاصرها حتى جهدها الحصار، ورحل بعد مقامة شهرين إلى جدة فأخذ أموال التجار ونهب ما في مراكبهم ورجع إلى مكة، وقد وصل إليها محمد بن عيسى بن المنصور وعيسى بن محمد المخزومي بعثهما المعتز لقتاله فتواقعوا بعرفة، واقتتلوا وقتل من الحاج نحو ألف، وسلبوا الناس وهربوا إلى مكة، وبطل الموقف إلا إسماعيل وأصحابه وخطب لنفسه. ثم رجع إلى جدة واستباحوها [1] ثانية. ثم هلك لسنة من خروجه بالجدري آخر سنة اثنتين وخمسين أيام حرب المستعين والمعتز. وكان يتردد بالحجاز منذ اثنتين وعشرين سنة، ومات ولم يعقب، وولي مكانه أخوه محمد الأخيضر وكان أسن منه بعشرين سنة، ونهض إلى اليمامة فملكها، واتخذ قلعة الحصرمية، وكان له من الولد محمد وإبراهيم وعبد الله ويوسف. وهلك فولي بعده ابنه يوسف، وأشرك ابنه إسماعيل معه في الأمر مدة حياته. ثم هلك وانفرد إسماعيل بملك اليمامة وكان له من الإخوة الحسن وصالح ومحمد بنو يوسف. فلما هلك إسماعيل ولي من بعده أخوه الحسن، وبعده ابنه أحمد بن الحسن. ولم يزل ملكها فيهم إلى أن غلب عليهم القرامطة، وانقرض أمرهم والبقاء لله. وكان بمدينة غانة من بلاد السودان بالمغرب مما يلي البحر المحيط ملك بني صالح، ذكرهم صاحب كتاب زجار في الجغرافيا. ولم نقف على نسب صالح هذا من خبر يعول عليه. وقال بعض المؤرخين أنه صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله الملقب أبا الكرام بن موسى الجون، وأنه خرج أيام المأمون بخراسان، وحمل إليه وحبسه وابنه محمد من بعده، ولحق بنوه بالمغرب فكان لهم ملك في بلد غانة. ولم يذكر ابن حزم في أعقاب موسى الجون صالحا هذا بهذا النسب، ولعله صالح الذي ذكرناه آنفا في ولد يوسف بن محمد الأخيضر والله أعلم.

** (الخبر عن دولة السليمانيين من بني الحسن بمكة ثم بعدها باليمن ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم) **

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com