John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 21

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 33 of 67

مكة هذه أشهر من أن نعرف بها أو نصفها، إلا أنه لما انقرض سكانها من قريش بعد المائة الثانية بالفتن الواقعة بالحجاز من العلوية مرة بعد أخرى، فأقفرت من قريش ولم يبق بها إلا أتباع بني حسن أخلاط من الناس، ومعظمهم موال سود من الحبشة والديلم. ولم يزل العمال عليها من قبل بني العباس وشيعتهم والخطبة لهم إلى أن اشتغلوا بالفتن أيام المستعين والمعتز وما بعدهما، فحدثت الرئاسة فيها لبني سليمان ابن داود بن حسن المثنى بن الحسن السبط. وكان كبيرهم آخر المائة الثانية محمد بن سليمان وليس هو سليمان بن داود لأن ذلك ذكره ابن حزم أنه قام بالمدينة أيام المأمون، وبين العصرين نحو من مائة سنة، سنة إحدى وثلاثمائة أيام المقتدر، وخلع طاعة العباسية، وخطب في الموسم فقال: الحمد لله الذي أعاد الحق إلى نظامه، وأبرز زهر الإيمان من أكمامه، وكمل دعوة خير الرسل بأسباطه لا بني أعمامه صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وكف عنا ببركته أسباب المعتدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين، ثم أنشد:

لأطلبن بسيفي ... ما كان للحق دينا

وأسطون بقوم ... بغوا وجاروا علينا

يعدون كل بلاد ... من العراق علينا

وكان يلقب بالزبيدي نسبة إلى نحلته من مذاهب الإمامية، وبقي ركب العراق يتعاهد مكة إلى أن اعترضه أبو طاهر القرمطي سنة اثنتي عشرة، وأسر أبا الهيجاء بن حمدان والد سيف الدولة وجماعة معه، وقتل الحجاج وترك النساء والصبيان بالقفر فهلكوا، وانقطع الحاج من العراق بسبب القرامطة. ثم أنفذ المقتدر سنة سبع عشرة منصور الديلي من مواليه فوافاه يوم التروية بمكة أبو طاهر القرمطي فنهب الحاج، وقتلهم حتى في الكعبة والحرم، وامتلأ زمزم بالقتل، والحجاج يصيحون: كيف يقتل جيران الله؟ فيقول: ليس بجار من خالف أوامر الله ونواهيه. ويتلو: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية. وكان يخطب لعبيد الله المهدي صاحب إفريقية. ثم قلع الحجر الأسود وحمله إلى الأحساء وقلع باب البيت وحمله، وطلع رجل يقلع

الميزاب فسقط ومات، فقال: اتركوه فإنه محروس حتى يأتي صاحبه يعني المهدي، فكتب إليه ما نصه: والعجب من كتبك إلينا ممتنا علينا بما ارتكبته واجترمته باسمنا من حرم الله وجيرانه بالأماكن التي لم تزل الجاهلية تحرم إراقة الدماء فيها، وإهانة أهلها. ثم تعديت ذلك وقلعت الحجر الذي هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، وحملته إلى أرضك، ورجوت أن نشكرك فلعنك الله ثم لعنك والسلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده، وفعل في يومه ما عمل فيه حساب غده انتهى.

فانحرفت القرامطة عن طاعة العبيديين لذلك. ثم قتل المقتدر على يد مؤنس سنة عشرين وثلاثمائة وولي أخوه القاهر، وحج بالناس أميره تلك السنة. وانقطع الحج من العراق بعدها إلى أن كاتب أبو علي يحيى الفاطمي سنة سبع وعشرين من العراق أبا طاهر القرمطي أن يطلق السبيل للحجاج على مكس [1] يأخذه منهم. وكان أبو طاهر يعظمه لدينه ويؤمله فأجابه إلى ذلك، وأخذ المكس من الحجاج ولم يعهد مثله في الإسلام. وخطب في هذه السنة بمكة للراضي بن المقتدر. وفي سنة تسع وعشرين لأخيه المقتفي من بعده. ولم يصل ركب العراق في هذه السنين من القرامطة. ثم ولي المستكفي بن المكتفي سنة ثلاث وثلاثين على يد توروز أمير الأمراء ببغداد فخرج الحاج في هذه السنة لمهادنة القرامطة بعد أبي طاهر. ثم خطب للمطيع بن المقتدر بمكة مع معز الدولة سنة أربع وثلاثين عند ما استولى معز الدولة ببغداد وقلع عين المستكفي واعتقله. ثم تعطل الحاج بسبب القرامطة وردوا الحجر الأسود سنة تسع وثلاثين بأمر المنصور العلوي صاحب إفريقية وخطابه في ذلك لأميرهم أحمد بن أبي سعيد. ثم جاء الحاج إلى مكة سنة اثنتين وأربعين مع أمير من العراق، وأمير من مصر، فوقعت الحرب بينهما على الخطبة لابن بويه ملك العراق، أو ابن الإخشيد صاحب مصر، فانهزم المصريون وخطب لابن بويه، واتصل ورود الحاج من يومئذ. فلما كانت سنة ثمان وأربعين وجاء الحاج من بغداد ومصر كان أمير الحاج من العراق ومحمد بن عبيد الله [2] فأجابه إلى ذلك. ثم جاء إلى المنبر مستعدا وأمر بالخطبة لابن

بويه فوجم الآخر، وتمت عليه الحيلة وعاقبه أميره كافور. ويقال قتله ووقع ابن بويه لمحمد بن عبيد الله باتصال إمارته على الحاج. ولما كانت سنة ست وخمسين وصل بركب العراق أبو أحمد الموسوي نقيب الطالبيين، وهو والد الشريف الرضي ليحج بالناس، ونهب بنو سليم حاج مصر وقتل أميرهم. وفي سنة ست وخمسين حج بالناس أبو أحمد المذكور وخطب بمكة لبختيار بعد موت أبيه معز الدولة والخليفة يومئذ المطيع. واتصل حج [1] أبي أحمد بركب العراق. وفي سنة ثلاث وخمسين خطب للقرمطي بمكة، فلما قتل أحمد وقعت الفتنة بين أبي الحسن القرمطي [2] وخلغ طاعة العبيديين وخطب للمطيع. وبعث إليه بالرايات السود، ونهض إلى دمشق فقتل جعفر بن فلاح قائد العلويين، وخطب للمطيع. ثم وقعت الفتنة بين أبي الحسن وبين جعفر، وحصلت بينهم دماء، وبعث المعز العلوي من أصلح بينهم، وجعل دية القتلى الفاضلة في مال المعز، وهلك بمصر أبو الحسن فولي أخوه عيسى. ثم ولي بعده أبو الفتوح الحسن بن جعفر سنة أربع وثمانين. ثم جاءت عساكر عضد الدولة ففر الحسن بن جعفر إلى المدينة. ولما مات العزيز بالرملة وعاد بنو أبي طاهر وبنو أحمد بن أبي سعيد إلى الفتنة فجاء من قبل الطائع أمير علوي إلى مكة، وأقام له بها خطبة. وفي سنة سبع وستين بعث العزيز من مصر باديس بن زيري الصنهاجي وهو أخو بلكين صاحب إفريقية أميرا على الحاج، فاستولى على الحرمين وأقام له الخطبة، وشغل عضد الدولة في العراق بفتنة بختيار ابن عمه فبطل ركب العراق. ثم عاد في السنة بعدها وخطب لعضد الدولة أبو أحمد الموسوي، وانقطعت بعدها خطبة العباسيين عن مكة، وعادت لخلفاء مصر العبيديين إلى حين من الدهر. وعظم شأن أبي الفتوح واتصلت إمارته في مكة، وكتب إليه القادر سنة ست وتسعين في الإذن لحاج العراق فأجابه على أن الخطبة للحاكم صاحب مصر.

وبعث الحاكم إلى ابن الجراح أمير طيئ باعتراضهم، وكان على الحاج الشريف الرضي وأخوه المرتضى، فلاطفهم ابن الجراح وخلى سبيلهم على أن لا يعودوا. ثم

اعترض حاج العراق سنة أربع وتسعين الأصيغر الثعلبي عند ما ملك الجزيرة فوعظه قارئان كانا في الركب. ثم اعترضهم في السنة بعدها أعراب خفاجة ونهبوهم. وسار في طلبهم علي بن يزيد أمير بني أسد فأوقع بهم سنة اثنتين وأربعمائة. ثم عادوا إلى مثل ذلك من السنة بعدها فعاد علي بن يزيد وأوقع بهم، وسما له بذلك ذكر، وكان سببا لملكه وملك قومه. ثم كتب الحاكم سنة اثنتين وأربعين إلى عماله بالبراءة من أبي بكر وعمر، ونكر ذلك أبو الفتوح أمير مكة، وانتقض له وحمل الوزير أبو القاسم المغربي على طلب الأمر لنفسه. وكان الحاكم قتل أباه وأعمامه فخطب أبو الفتوح لنفسه، وتلقب الراشد بالله، وسار الى مدينة الرملة لاستدعاء ابن الجراح أمير طيئ لمغاضبة بينه وبين الحاكم. ثم سرب الحاكم أمواله في بني الجراح فانتقضوا على أبي الفتوح وأسلموه، وفر الوزير المغربي إلى ديار بكر من أرض الموصل ومعه ابن سبابة.

وفر التهامي إلى الري وكان معه. وقطع الحاكم الميرة عن الحرمين، ثم راجع أبو الفتوح الطاعة فعفا عنه الحاكم وأعاده إلى إمارته بمكة. ولم يحج من العراق في هذه السنين أحد. وفي سنة اثنتي عشرة حج بأهل العراق أبو الحسن محمد بن الحسن الأفساسي فقيه الطالبيين، واعترضهم بنو نبهان من طيئ، وأميرهم حسان بن عدي، وقاتلوهم فهزموهم وقتل أميرهم حسان. وخطب في هذه السنة للظاهر بن الحاكم بمكة ولما كان الموسم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ضرب رجل من قوم مصر الحجر الأسود بدبوس فصدعه وثلمه، وهو يقول: كم تعبد كم تقبل [1] فتبادر إليه الناس فقتلوه، وثار أهل العراق بأهل مصر فنهبوهم وفتكوا فيهم. ثم حج بركب العراق سنة أربع عشرة النقيب بن الأفساسي وخشي من العرب، فعاد إلى دمشق الشام، وحج في السنة التي بعدها وبطل حج العراق. ولما بويع القائم العباسي سنة اثنتين وعشرين رام أن يجهز الحاج فلم يقدر لاستيلاء العرب وانحلال أمر بني بويه. ثم خطب بمكة للمستنصر بن الظاهر. ثم توفي الأمير أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد ابن سليمان رئيس مكة وبني سليمان، سنة ثلاثين وأربعمائة لأربعين سنة من إمارته وولي، بعده إمارة مكة ابنه شكر، وجرت له مع أهل المدينة خطوب ملك في أثنائها المدينة وجمع بين الحرمين وعليه انقرض دولة بني سليمان سنة ثلاثين بمكة،

وجاءت دولة الهواشم كما يذكر. وشكر هذا هو الذي يزعم بنو هلال بن عامر أنه تزوج الجازية بنت سرحان من أمراء الأثبج منهم، وهو خبر مشهور بينهم في أقاصيصهم، وحكايات يتناقلونها ويطرزونها بأشعار من جنس لغتهم ويسمونه الشريف بن هاشم. وقال ابن حزم غلب جعفر بن أبي هاشم على مكة أيام الإخشيديين وولي بنوه من بعده عيسى بن جعفر، وأبو الفتوح وابنه شكر بن أبي الفتوح. وقد انقرض لأن شكرا لم يولد له، وصار أمر مكة إلى عبد كان له. انتهى كلام ابن حزم وليس أبو هاشم الذي نسب جعفر إليه أبا الهواشم الذي يأتي ذكرهم لأن هذا كان أيام الإخشيديين وذلك أيام المستضيء العبيدي وبينهما نحو من مائة سنة.

** (الخبر عن دولة الهواشم بمكة من بني الحسن وتصاريف أحوالهم إلى انقراضها) **

هؤلاء الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون ونسبه معروف وقد مر. وكانت بين هؤلاء الهواشم وبين السليمانيين فتن متصلة، ولما مات شكر ذهبت الرئاسة من بني سليمان لأنه لم يعقب.

وتقدم فيهم طراد بن أحمد، ولم يكن من بيت الإمارة وإنما كانوا يؤملونه لإقدامه وشجاعته. وكان رئيس الهواشم يومئذ محمد بن جعفر بن محمد وهو أبو هاشم المذكور، وقد ساد في الهواشم، وعظم ذكره فاقتتلوا سنة أربع وخمسين بعد موت شكر فهزم الهواشم بني سليمان وطردوهم عن الحجاز، فساروا إلى اليمن، وكان لهم بها ملك كما يذكر. واستقل بإمارة مكة الأمير محمد بن جعفر وخطب للمستنصر العبيدي. ثم ابتدأ الحاج من العراق سنة ست وخمسين بنظر السلطان ألب أرسلان ابن داود ملك السلجوقية حين استولى على بغداد والخلافة، طلب منه القائم ذلك فبذل المال وأخذ رهائن العرب، وحج بالناس أبو الغنائم نور الدين المهدي الزيني نقيب الطالبيين. ثم جاور في السنة بعدها واستمال الأمير محمد بن جعفر عن طاعة العبيديين فخطب لبني العباس سنة ثمان وخمسين، وانقطعت ميرة مصر عن مكة فعذله أهله على ما فعل فرد الخطبة للعبيديين. ثم خاطبه القائم وعاتبه وبذل له أموالا

فخطب له سنة اثنتين وستين بالموسم فقط، وكتب إلى المستنصر بمصر معتذرا، ثم بعث القائم أبا الغنائم الزيني سنة ثلاث وستين أميرا على الركب العراقي، ومعه عسكر ضخم، ولأمير مكة من عند ألب أرسلان ثلاثون دينارا وتوقيعا بعشرة آلاف دينار.

واجتمعوا بالموسم وخطب الأمير محمد بن جعفر وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى أهل بيته بالرأي المصيب، وعوض بيته بلبسة الشباب بعد لبسة المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة إمام الجماعة. فانحرف المستنصر عن الهواشم ومال إلى السليمانيين.

وكتب إلى علي بن محمد الصبيحي صاحب دعوتهم باليمن أن يعينهم على استرجاع ملكهم، وينهض معهم إلى مكة، فنهض وانتهى إلى المهجم. وكان سعيد بن نجاح الأحوال موثور بني الصبيحي قد جاء من الهند ودخل صنعاء، فثار بها واتبع الصبيحي في سبعين رجلا، وهو في خمسة آلاف فبيته بالمهجم وقتله. ثم جمع محمد ابن جعفر أجنادا من الترك وزحف بها إلى المدينة فأخرج منها بني حسن، وملكها وجمع بين الحرمين. ثم مات القائم العباسي وانقطع ما كان يصل إلى مكة فقطع محمد بن جعفر الخطبة للعباسيين. ثم جاء الزيني من قابل بالأموال فأعادها. ثم بعث المقتدي سنة سبعين منبرا إلى مكة صنيعا استجيد خشبة، ونقش عليه بالذهب اسمه.

وبعث على الحاج ختلع التركي وهو أول تركي تأمر على الحاج، وكان واليا بالكوفة.

وقهر العرب مع جماعته فبعثه المقتدي أميرا على الحاج فوقعت الفتنة بين الشيعة، وأهل السنة وكسر المنبر وأحرق وتم الحج. ثم عاودوا الفتنة سنة ثلاث وسبعين وقطعت الخطبة للمستنصر وأعيدت للمقتدي، واتصلت إمارة ختلع على الحاج وبعده خمار تكين إلى أن مات ملك شاه، ووزيره نظام الملك فانقطعت الخطبة للعباسيين وبطل الحاج من العراق باختلاف السلجوقية، وتغلب العرب. ومات المقتدي خليفة بغداد وبويع ابنه المستظهر ومات المستنصر خليفة مصر وبويع ابنه المستعلي [1]-- من إمارته، وهو الذي أظهر الخطبة العباسية بمكة، وبها ابتدئ أمره وكان يسقطها بعض الأحيان. وولي بعده ابنه قاسم فكثر اضطرابه، ومهد بنو مزيد أصحاب الحلة طريق الحاج من العراق فاتصل حجهم. وحج سنة اثنتي عشرة وخمسمائة نظر

الخادم من قبل المسترشد بركب العراق، وأوصل الخلع والأموال إلى مكة، ثم توفي قاسم بن محمد سنة ثمان عشرة وخمسمائة لثلاثين سنة من إمارته، وكانت في اضطراب وتغلب، وولي بعده ابنه أبو قليبة بمكة، فافتتح بالخطبة العباسية وأحسن الثناء عليه بالعدل، ووصل نظر الخادم أميرا على الركب ومعه الأموال والخلع. ثم مات أبو قليبة سنة سبع وعشرين لعشر سنين من إمارته، والخطبة للعباسيين وإمارة الحاج لنظر الخادم. ثم كانت واقعة المسترشد مع السلطان مسعود ومقتله وتعطل ركب الحاج. ثم حج نظر الخادم في السنة بعدها. ثم بعثت أسماء الصبيحية صاحبة اليمن لأمير مكة قاسم بن أبي قليبة فتوعدته على قطع خطبة الحافظ، وماتت فكفاه الله شرها، وانقطع الركب العراقي في هذه السنين للفتن والغلاء. ثم حج سنة أربع وأربعين نظر الخادم، ومات في طريقه، فولي مولاه قيماز، واعترضه رهط من الأعراب فنهب الركب، واتصل حج قيماز والخطبة لبني العباس إلى سنة خمس وخمسين قبله، وبويع المستنجد فخطب له كما كان لأبيه المقتفي. ثم قتل قاسم بن أبي قليبة سنة ست وستين وبعث المستضيء بالركب طاتغكين التركي، وانقضت دولة العبيديين بمصر، ووليها صلاح الدين بن أيوب، واستولى على مكة واليمن، وخطب له بالحرمين ثم مات المستضيء سنة خمس وسبعين وبويع ابنه الناصر، وخطب له بالحرمين، وحجت أمه بنفسها سنة خمس وثلاثين، وكانت له آثار عظيمة ورجعت فانهت إلى الناصر بن عيسى بن قاسم ما اطلعت عليه من أحواله فعزله عن إمارة مكة، وولى أخاه مكثر بن قاسم، وكان جليل القدر، ومات سنة تسع وثمانين السنة التي مات فيها صلاح الدين. وضعف أمر الهواشم، وكان أبو عزيز بن قتادة يناسبهم من جهة النساء فورث أمرهم وملك مكة من أيديهم، وانقرضت دولتهم والبقاء لله.

** الخبر عن بني قتادة أمراء مكة بعد الهواشم ثم عن بني أبي نمير منهم أمرائها لهذا العهد **

كان من ولد موسى الجون الذي مر ذكره في بني حسن عبد الله أبي الكرام، وكان له على ما نقل نسابتهم ثلاثة من الولد سليمان وزيد وأحمد. ومنه تشعبت ولده. فأما زيد فولده اليوم بالصحراء بنهر الحسنية، وأما أحمد فولده بالدهناء، وأما سليمان

فكان من ولده مطاعن بن عبد الكريم بن يوسف بن عيسى بن سليمان. وكان لمطاعن إدريس وثعلب بالثعالبة بالحجاز. فكان لإدريس ولدان قتادة النابغة وصرخة. فأما صرخة فولده شيع يعرفون بالشكرة، وأما قتادة النابغة فكان يكنى أبا عزيز، وكان من ولده علي الأكبر وشقيقه حسن. فمن ولد حسن إدريس وأحمد ومحمد وجمان، وامارة ينبع في أعقابهم ومنهم لهذا العهد أميران يتداولان إمارتها من ولد إدريس بن حسن بن إدريس. وأما أبو عزيز قتادة النابغة فمن ولده موالي عز أمراء مكة لهذا العهد. وكان بنو حسن بن الحسن كلهم موطنين بنهر العلقمية من وادي ينبع لعهد إمارة الهواشم بمكة، وكانوا ظواعن بادية. ولما نشأ فيهم قتادة هذا جمع قومه ذوي مطاعن، وأركبهم واستبد بإمارتهم، وكان بوادي ينبع بنو خراب من ولد عبد الله بن حسن بن الحسن، وبنو عيسى بن سليمان بن موسى الجون فحاربهم بنو مطاعن هؤلاء، وأميرهم أبو عزيز قتادة وأخرجهم، وملك ينبع والصفراء واستكثر من الجند والمماليك. وكان على عهد المستنصر العباسي في أواسط المائة السادسة. وكان الأمراء يومئذ بمكة الهواشم من ولد جعفر بن هاشم بن الحسن بن محمد بن موسى بن أبي الكرام عبد الله، وقد مر ذكرهم، وكان أخرجهم مكثر بن عيسى بن قاسم الذي بنى القلعة على جبل أبي قبيس، ومات سنة تسع وثمانين وخمسمائة. فسار قتادة إلى مكة وانتزعها من أيديهم وملكها، وخطب للناصر العباسي، وأقام في إمارتها نحوا من أربعين سنة. واستفحل ملكه واتسع إلى نواحي اليمن وكان لقبه أبا عزيز. وفي سنة ثلاث وستمائة حج بالركب وجه السبع التركي من مماليك الناصر وفر من طريقه إلى مصر فنهب الركب. وفي سنة ثمان وستمائة وثب شخص من حاج العراق على شريف من قرابة قتادة فقتله، فاتهم الشرفاء به أمراء الركب، فثاروا بهم وقتلوا منهم خلقا. ثم بعث إليهم بالأموال من بغداد وبعث قتادة بعض أولاده يستعتب فأعتب. (وفي سنة خمس عشرة) خطب بمكة للعادل بن أيوب بعد الناصر الخليفة وللكامل بن العادل بعدهما. (وفي سنة ست عشرة) كان خروج التتر وكان قتادة عادلا وأمن الناس في أيامه، ولم يعد قط على أحد من الخلفاء ولا من الملوك، وكان يقول أنا أحق بالخلافة، وكانت الأموال والخلع تحمل إليه، واستدعاه الناصر في بعض السنين فكتب إليه

ولي كف ضرغام أذل ببسطها ... وأشري بها عز الورى وأبيع

تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفي بطنها للمجد بين ربيع

أأجعلها تحت الرجا ثم ابتغي ... خلاصا لها إني إذا لوضيع

وما أنا إلا المسك في كل بقعة ... يضوع وأما عندكم فيضيع

واتسعت دولته فملك ملك مكة والينبع وأطراف اليمن، وبعض أعمال المدينة وبلاد نجد، وكان يستكثر من المماليك، وتوفي سنة سبع عشرة وستمائة، ويقال سمه ابنه حسن ويقال داخل ابنه حسن جاريته فأدخلته ليلا فخنق أباه، ثم قتلها وملك مكة وامتعض لذلك ابنه راجح بن أبي عزيز قتادة وشكاه إلى أمير حاج أقباش التركي عند وصوله فأشكاه، ووعده بالإنصاف منه، فأغلق حسن أبواب مكة وخرج بعض أصحابه إلى الأمير أقباش فلقوه عند باب المعلى فقتلوه وعلقوه بالمسعى. ثم جاء المسعود بن الكامل سنة عشرين من اليمن إلى مكة، فحج وقاتله حسن ببطن المسعى فغلبه المسعود وملك مكة، ونصب رايته وأزال راية أمير الركب، وكتب الخليفة من بغداد يعاتب أباه على ذلك، وعلى ما فعله في مكة والتخلف فكتب إليه أبوه: برئت يا أقسى من ظهر العادل ان لم أقطع يمينك فقد نبذت وراء ظهرك دنياك ودينك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فغرم ديات الشرفاء وأصابه شلل في يده ومضى حسن بن قتادة إلى بغداد صريخا بعد أن بقي طريدا بالشام والجزيرة والعراق.

ثم جاء إلى بغداد دخيلا وهم الترك بقتله بأقباش أمير الركب فمنعوا منه. ومات ببغداد سنة اثنتين وعشرين ودفن بمشهد الكاظم. ثم مات المسعود بن الكامل بمكة سنة ست وعشرين ودفن بالمعلى وبقي على مكة قائده فخر الدين بن الشيخ، وعلى اليمن أمير الجيوش عمر بن علي بن رسول. (وقصد راجح بن قتادة) مكة سنة تسع وعشرين مع عساكر عمر بن رسول فملكها سنة ثلاثين من يد فخر الدين بن الشيخ، ولحق فخر الدين بمصر، ثم جاءت عساكر مصر سنة اثنتين وثلاثين مع الأمير جبريل وملكوا مكة، وهرب راجح إلى اليمن. ثم جاء عمر بن رسول معه بنفسه فهربت عساكر مصر، وملك راجح مكة وخطب لعمر بن رسول بعد المستنصر، ولما ملك التتر العراق سنة أربع وثلاثين وعظم أمرهم وانتهوا إلى إربل أبطل المستنصر الحج من أمر الجهاد وأفتاه العلماء بذلك. ثم جهز المعتصم الحاج مع أمه سنة ثلاث وأربعين وشيعها إلى الكوفة، ولما حجت ضرب تركي في الموسم شريفا وكتب راجح فيه إلى الخليفة فقطعت يده وبطل الحج بعد ذلك. ثم قوي أمر الموطئ امام الزيدية باليمن،

واعتزم على قطع الخطبة لبني العباس فضاق به المظفر بن عمر بن رسول، وكاتب المعتصم يحرضه على تجهيز الحاج بسبب ذلك. ثم قوي أمر الموطئ إمام الزيدية باليمن وسار جماز بن حسن بن قتادة سنة إحدى وخمسين إلى الناصر بن العزيز بن الظاهر بن أيوب بدمشق مستجيشا على أبي سعيد، على أن يقطع ذكر صاحب اليمن من مكة، فجهز له عسكرا وسار إلى مكة فقتل أبا سعيد في الحرم، ونقض عهد الناصر، وخطب لصاحب اليمن. (قال ابن سعيد) وفي سنة ثلاث وخمسين بلغني وأنا بالمغرب أن راجح بن قتادة جاء إلى مكة وهو شيخ كبير السن وكان يسكن السدين على نحو اليمن فوصل إلى مكة، وأخرج منها جماز بن أبي عزيز فلحق بالينبع. قال: وفي سنة اثنتين وستين وصل الخبر إلى المغرب بأن أمر مكة دائر بين أبي نمي بن أبي سعيد الذي قتل جماز به على إمارة مكة، وبين غالب بن راجح الذي أخرجه أبوه جماز إلى الينبع. ثم استبد أبو نمي على أمر مكة ونفى قتلة أبيه أبي سعيد إلى الينبع. وهم إدريس وجماز ومحمد، وقد كان إدريس منهم والي أمر مكة قليلا، فانطلقوا إلى الينبع وملكوه، وأعقابهم أمراؤه لهذا العهد، وأقام أبو نمي أميرا بمكة نحوا من خمسين سنة وهلك على رأس المائة السابعة أو بعدها بسنتين وخلف ثلاثين ولدا.

** (إمارة بني أبي نمي بمكة) **

ولما هلك أبو نمي قام من بعده بأمر مكة ابناه رميثة وحميضة ونازعهما عطيفة وأبو الغيث فاعتقلاهما، ووافق ذلك وصول بيبرس الجاشنكير كافل الملك الناصر بمصر، لأول ولايته فأطلقهما وولاهما، وبعث برميثة وحميضة إلى مصر، ثم ردهما السلطان إلى إمارتهما بمكة مع عسكره، وبعث إليه بعطيفة وأبي الغيث. ثم طال تنازعهم وتعاقبهم في إمارة مكة مرة بعد أخرى. وهلك أبو الغيث في بعض حروبهم ببطن مر.

ثم تنازع حميضة ورميثة، وسار رميثة إلى الملك الناصر سنة خمس عشرة، واستمد بأمرائه وعساكره، وهب حميضة بعد أن استصفى أموال أهل مكة. ثم رجع بعد رجوع العساكر إلى مكة ثم اصطلحوا وتوافقوا. ثم خالف عطيفة سنة ثمان عشرة ووصل إلى السلطان، وجاء بالعسكر فملك مكة، وتقبض على رميثة فسجن أياما ثم أطلق سنة عشرين عند مقدم السلطان من حجه، وأقام بمصر. وبقي حميضة مشردا إلى

أن استأمن السلطان فأمنه، وكان معه جماعة من المماليك فروا إليه من مصر أيام انتقاضه، فشعروا بطاعته فخافوا على أنفسهم أن يحضروا معه فقتلوه وجاءوا إلى السلطان يعتقدون ذلك وسيلة عنده فأقاد رميثة منهم بأخيه فقتل المباشر للقتل، وعفا عن الباقين. وأطلق رميثة إلى مكة مشاركا لأخيه عطيفة في إمارتها. ثم هلك عطيفة سنة [1] وأقام أخوه رميثة بعده مستقلا بإمارة مكة إلى أن كبر وهرم، ثم هلك. وكان ابناه ثقبة وعجلان قد اقتسما معه إمارة مكة برضاه. ثم أراد الرجوع عن ذلك فلم يجيباه إلى شيء مما أراد، واستمرا على ولايتهما معه. ثم تنازعا وخرج ثقبة وبقي عجلان بمكة. ثم غلبه عليها ثقبة، ثم اجتمعا بمصر سنة ست وخمسين فولي صاحب الأمر بمصر عجلان منهما، وفر ثقبة إلى بلاد الحجاز فأقام هنالك، وعاقبه إلى مكة مرارا. وجاء عجلان سنة اثنتين وستين بالمدد من عسكر القاهرة فكبسه ثقبه وقتل أخاه وبعضا من العسكر ولم يزل عجلان على إمارته سالكا سبيل العدل والإنصاف في الرعية متجافيا عن الظلم عما كان عليه قومه من التعرض للتجار والمجاورين، وسعى في أيام إمارته في قطع ما كان لعبيدهم على الحاج من المكس.

وثبت لهم في ديوان السلطان عليها عطاء يتعاهدهم أيام الموسم وكانت من حسنات سلطان مصر. وسعى هذا الأمير عجلان جزاه الله خيرا، وأقام على ذلك إلى أن هلك سنة سبع وسبعين، وولي ابنه أحمد بعده. وقد كان فوض إليه في حياته وقاسمه في أمره، فقام أحمد بأمر مكة وجرى على سنن أبيه في إثبات مراسم العهد وإحياء معالمه، حتى شاع عنه ذلك في الآفاق على ألسنة الحاج والمجاورين. وولاه صاحب مصر لعهده الملك الظاهر أبو سعيد برقوق على ما كان أبوه، وسير إليه بالخلع والتفويض على عادتهم في ذلك. وكان في محبس أحمد جماعة من قرابته منهم أخوه محمد ومحمد ابن أخيه ثقبة وعنان ابن عمه مغامس في آخرين. فلما مات أحمد هربوا من محبسهم ولحقوا بهم فردوهم وأجلوا محمد بن عجلان منهم إلا عنانا فإنه لحق بمصر مستجيشا على محمد وكبيش، فأنجده السلطان وبعثه مع أمير الركب ليطالع أحوالهم، واستصحب معه جماعة من الباطنية فتكوا بمحمد عند لقائه المحمل الذي عليه كسوة الكعبة بشارة الخليفة، وتقبيله الخف الذي يحمله على العادة في ذلك،

وتركوه صريعا في مكانه، ودخلوا إلى مكة فولي أمير الحاج عنان بن مغامس ولحق كبيش وشيعته بجدة، فلما انقضى الموسم ورجع الحاج جاء كبيش وأصحابه وحاصروا مكة وكان بينهم وبين عنان حروب قتل كبيش في بعضها. ثم لحق علي بن عجلان وأخوه حسن بالملك الظاهر صاحب مصر فرأى أن يحسم المادة بولايته، فولاه سنة تسع وثمانين مشاركا لعنان بن مغامس في الإمارة، وسار مع أمير الركب فلما وصلوا لكومرد بكروا إلى مكة على العادة، وخرج عنان للقائهم. ثم نكص من بعض الطريق هاربا ودخل على مكة واستقل بإمارتها، ولما انفض الموسم ورجع الحاج جاء عنان ومعه بنو عمه مبارك وجماعة الشرفاء فحاصروا مكة على علي ونازعوه الإمارة ثم أفرجوا. ثم رجعوا وحالهم على ذلك متصل لهذا العهد. ووفدوا على السلطان بمصر سنة أربع وتسعين فأفرد عليا بالإمارة، وأفاض عليه العطاء وأكثف له الجند والمستخدمين وأبقى عنان بن مغامس عنده وأجرى عليه الرزق ونظمه في أهل دولته.

ثم نمي إلى السلطان أنه يروم الفرار إلى الحجاز لينازع أمير مكة علي بن عجلان فقبض عليه وحبسه، وقبض علي بن عجلان على الأشراف الذين كانوا هنالك شيعة له. ثم من عليهم وأطلقهم فعادوا إلى منازعته والفتنة معه لهذا العهد والله متولي الأمور لا رب غيره.

** الخبر عن بني مهنى أمراء المدينة النبوية من بني الحسين وذكر أوليتهم ومفتتح امارتهم **

كانت المدينة بلد الأنصار من الأوس والخزرج كما هو معروف. ثم افترقوا على أقطار الأرض في الفتوحات وانقرضوا، ولم يبق بها أحد إلا بقايا من الطالبيين. قال ابن الحصين في ذيله على الطبري: دخلت المائة الرابعة والخطبة بالمدينة للمقتدر. قال:

وترددت ولاية بني العباس عليها والرئاسة فيها بين بني حسين وبني جعفر إلى أن أخرجهم بنو حسين فسكنوا بين مكة والمدينة. ثم أجلاهم بنو حرب من زبيد إلى القرى والحصون، وأجازوهم إلى الصعيد فهم هنالك إلى اليوم. وبقي بنو حسين بالمدينة إلى أن جاءهم ظاهر بن مسلم من مصر فملكوه عليهم. وفي الخبر عن وصول ظاهر هذا أن مسلما أباه اسمه محمد بن عبيد الله بن ظاهر بن يحيى المحدث بن الحسن

بن جعفر، ويسمى عند الشيعة حجة الله بن عبيد الله بن الحسين الأصغر بن زين العابدين، وكان مسلم هذا صديقا لكافور المتغلب على الإخشيدية بمصر، وكان يدبر أمره ولم يكن بمصر لعصره أوجه منه. ولما ملك العبيديون مصر وجاء المعز لدين الله ونزل بالقاهرة التي اختطها وذلك سنة خمس وستين وثلاثمائة، خطب يومئذ من مسلم هذا كريمته لبعض بنيه فرده مسلم، فسخطه المعز ونكبه، واستصفى أمواله وأقام في اعتقاله إلى أن هلك. ويقال فر من محبسه فهلك في مفره، ولحق ابنه ظاهر بن محمد بعد ذلك بالمدينة فقدمه بنو حسين على أنفسهم، واستقل بإمارتها سنين. ثم مات سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وولي مكانه ابنه الحسن. وفي كتاب العتبي مؤرخ دولة ابن سبكتكين أن الذي ولي بعده هو صهره وابن عمه داود بن القاسم بن عبيد الله بن ظاهر، وكنيته أبو علي، واستقل بها دون ابنه الحسن إلى أن هلك، وولي بعده ابنه هاني ثم ابنه مهنى. ولحق الحسن بمحمود بن سبكتكين فأقام عنده بخراسان، وهذا غلط لأن المسبحي مؤرخ العبيديين ذكر وفاة ظاهر بن مسلم في سنتها كما قلناه، وولاية الحسن ابنه. وقال في سنة ثلاث وثمانين وعامل المدينة الحسن بن ظاهر ويلقب مهنى والمسبحي أقعد بأخبار المدينة ومصر من العتبي، إلا أن أمراء المدينة لهذا العهد ينتسبون إلى داود ويقولون: جاء من العراق فلعلهم لقنوا ذلك عمن لا يعرفه.

ومؤرخ حماة متى ينسب أحدا من أوليهم إنما ينسبه إلى أبي داود والله أعلم. وقال أبو سعيد: وفي سنة تسعين وثلاثمائة ملكها أبو الفتوح حسن بن جعفر أمير مكة من بني سليمان بأمر الحاكم العبيدي وأزال عنها إمارة بني مهنى من بني الحسين، وحاول نقل الجسد النبوي إلى مصر ليلا فأصابتهم ريح عاصفة أظلم لها الجو، وكادت تقتلع البناء من أصله فردهم أبو الفتوح عن ذلك ورجع إلى مكة. وعاد بنو مهنى إلى المدينة.

وذكر مؤرخ حماة من أمرائهم منصور بن عمارة، ولم ينسبه، وقال مات سنة سبع وتسعين وأربعمائة وولي بعده ابنه. قال: وهم من ولد مهنى، وذكر منهم أيضا القاسم بن مهنى بن حسين بن مهنى بن داود وكنيته أبو قليتة، وأنه حضر مع صلاح الدين بن أيوب غزاة أنطاكية وفتحها سنة أربع وثماني وخمسمائة. وقال الزنجاري مؤرخ الحجار فيما ذكر عنه ابن سعيد حين ذكر ملوك المدينة من ولد الحسين فقال:

وأحقهم بالذكر لجلالة قدره قاسم بن جماز بن قاسم بن مهنى، ولاه المستضيء فأقام خمسا وعشرين سنة ومات سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وولي ابنه سالم بن قاسم

وكان شاعرا، وهو الذي كانت بينه وبين أبي عزيز قتادة صاحب مكة وقعة المصارع ببدر سنة إحدى وستمائة. زحف أبو عزيز من مكة وحاصره بالمدينة، واشتد في حصاره. ثم ارتحل وجاء المدد إلى سالم من بني لام إحدى بطون همذان فأدرك أبا عزيز ببدر واقتتلوا وهلك من الفريقين خلق، وانهزم أبو عزيز إلى مكة. وفي سنة إحدى وستمائة جاء المعظم عيسى بن العادل فجدد المصانع والبرك، وكان معه سالم ابن قاسم أمير المدينة جاء يشكو من قتادة فرجع معه، ومات في الطريق قبل وصوله إلى المدينة، وولي بعده ابنه شيخة، وكان سالم قد استخدم عسكرا من التركمان فمضى بهم جماز بن شيخة إلى قتادة وغلبه، وفر إلى الينبع وتحصن بها، وفي سنة سبع وأربعين قتل صاحب المدينة شيخة وولي ابنه عيسى. ثم قبض عليه أخوه، جماز سنة تسع وأربعين وملك مكانه. قال ابن سعيد: وفي سنة تسع وخمسين كان بالمدينة أبو الحسن بن شيخة بن سالم. وقال غيره: كان بالمدينة سنة ثلاث وخمسين أبو مالك منيف بن شيخة ومات سنة سبع وخمسين وولي أخوه جماز. وطال عمره ومات سنة أربع وسبعمائة، وولي ابنه منصور، ولحق أخوه مقبل بالشام، ووفد على بيبرس بمصر فأقطعه نصف أقطاع منصور. ثم أقبل إلى المدينة على حين غفلة من أخيه منصور وبها ابنه أبو كبيشة فملكها عليه، ولحق أبو كبيشة بأحياء العرب. ثم استجاشهم ورجع إلى المدينة سنة تسع فقتل عمه مقبلا، وجاء منصور إلى محل إمارته وكان لمقبل ابن اسمه ماجد فأقطع بعض أقطاع أبيه، فأقام مع العرب يجلب على المدينة ويخالف منصورا عمه إليها متى خرج عنها. ووقع بين منصور وبين قتادة صاحب الينبع حرب سنة إحدى عشرة من أجله. ثم جاء ماجد بن مقبل بالمدينة سنة سبع عشرة لقتال عمه منصور واستنجد منصور بالسلطان، فبعث إليه العساكر وحاصر ماجد بن مقبل بالمدينة. ثم قاتلهم وانهزم وبقي منصور على إمارته، وتوفي سنة خمس وعشرين وولي ابنه كبيش بن منصور على إمارته، وطالت أيامه ونازعه ودي بن جماز وحاصره وولي بعده طفيل، وقبض عليه جماز سنة إحدى وخمسين وولي عطية. ثم توفي عطية سنة ثلاث وثمانين وولي بعده طفيل وقبض عليه فامتنع، وولي جماز بن هبة بن جماز بن منصور وملوك الترك بمصر يختارون لولايتها من هذين البيتين لا يعدلون عنهما إلى سواهما، ووليتها اليوم لجماز بن هبة بن جماز وابن عمه عطية بن محمد بن عطية ينازعه لما بينهما من المنازعة والمنافسة قديما وحديثا شأن العجليين في التثور، وهما جميعا على

مذهب الإمامية من الرافضة، ويقولون بالأئمة الاثني عشر وبما يناسب ذلك من اعتقادات الإمامية. والله يخلق ما يشاء ويختار. هذا آخر الخبر عن أمراء المدينة، ولم أقف على أكثر منه، والله المقدر لجميع الأمور سبحانه لا إله إلا هو.

** (الخبر عن دولة بني الرسي أئمة الزيدية بصعدة وذكر أوليتهم ومصاير أحوالهم) **

قد ذكرنا فيما تقدم خبر محمد بن إبراهيم الملقب أبوه طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن الدعي، وظهوره أيام المأمون وقيام أبي السرايا ببيعته وشأنه كله. ولما هلك وهلك أبو السرايا وانقرض أمرهم طلب المأمون أخاه القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا ففر إلى السند، ولم يزل به إلى أن هلك سنة خمس وأربعين ومائتين، ورجع ابنه الحسن إلى اليمن وكان من عقبه الأئمة بصعدة من بلاد اليمن وكان من عقبه أقاموا للزيدية بها دولة اتصلت آخر الأيام، وصعدة جبل في الشرق عن صنعاء، وفيه حصون كثيرة أشهرها صعدة وحمص تلا وجبل مطابة، وتعرف كلها ببني الرسي.

وأول من خرج بها منهم يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، دعا لنفسه بصعدة وتسمى بالهادي، وبويع بها سنة ثمان وثمانين في حياة أبيه الحسين، وجمع الجموع من شيعتهم وغيرها، وحارب إبراهيم بن يعفر. وكان أسعد بن يعفر السادس من أعقابه التبابعة لصنعاء وكملا فغلبه على صنعاء ونجران، فملكها وضرب السكة، ثم انتزعها بنو يعفر منه، ورجع إلى صعدة، وتوفي سنة ثمان وتسعين لعشر سنين من ولايته، هكذا قال ابن الحارث قال: وله مصنفات في الحلال والحرام. وقال غيره كان مجتهدا في الأحكام الشرعية، وله في الفقه آراء غريبة وتواليف بين الشيعة معروفة. قال الصولي: وولي بعده ابنه محمد المرتضى، واضطرب الناس عليه وهلك سنة عشرين وثلاثمائة لست وعشرين سنة من ولايته. وولي بعده أخوه الناصر أحمد واستقام ملكه، واطرد في بنيه بعده، فولي بعده ابنه حسين المنتخب، ومات سنة أربع وعشرين وولي بعده أخوه القاسم المختار إلى أن قتله أبو القاسم الضحاك الهمداني سنة أربع وأربعين. وقال الصولي: من بني الناصر الرشيد والمنتخب ومات سنة أربع وعشرين. وقال ابن حزم: لما ذكر ولد أبي القاسم الرسي فقال: ومنهم القائمون

بصعدة من أرض اليمن، أولهم يحيى الهادي، له رأي في الفقه وقد رأيته، ولم يبعد فيه عن الجماعة كل البعد. كان لأبيه أحمد الناصر بنون ولي منهم صعدة بعده جعفر الرشيد، وبعده أخوه القاسم المختار ثم الحسن المنتخب ومحمد المهدي. قال: وكان اليماني القائم بماردة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة يذكر أنه عبد الله بن أحمد الناصر أخو الرشيد والمختار والمنتخب والمهدي. وقال ابن الحاجب: ولم تزل إمامتهم بصعدة مطردة إلى أن وقع الخلاف بينهم، وجاء السليمانيون من مكة عند ما أخرجهم الهواشم فغلبوا عليهم بصعدة، وانقرضت دولتهم بها في المائة السادسة. قال ابن سعيد وكان من بني سليمان حين خرجوا من مكة إلى اليمن أحمد بن حمزة بن سليمان، فاستدعاهم أهل زبيد لينصرهم على علي بن مهدي الخارجي حين حاصرهم، وبها فاتك بن محمد من بني نجاح، فأجابهم على أن يقتلوا فاتكا، فقتلوه سنة ثلاث وخمسمائة وملكوا عليهم أحمد بن حمزة، فلم يطق مقاومة علي بن مهدي ففر عن زبيد وملكها ابن مهدي. قال: وكان عيسى بن حمزة أخو أحمد في عشرة باليمن، ومنهم غانم بن يحيى. ثم ذهب ملك بني سليمان من جميع التهائم والجبال واليمن على يد بني مهدي. ثم ملكهم بنو أيوب وقهروهم، واستقر ملكهم آخرا في المنصور عبد الله بن أحمد بن حمزة. قال ابن العديم [1] أخذ الملك بصعدة عن أبيه واشتدت يده مع الناصر العباسي، وكان يناظره ويبعث دعاته إلى الديلم وجيلان حتى خطب له هنالك وصار له فيها ولاة، وأنفق الناصر عليه أموالا في العرب باليمن ولم يظفر به. قال ابن الأثير: جمع المنصور عبد الله بن حمزة أيام الزيدية بصعدة سنة اثنتين وخمسمائة، وزحف إلى اليمن فخاف منه المعز بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب. ثم زحف إليه المعز فهزمه، ثم جمع ثانية سنة اثنتي عشرة وستمائة جموعا من همذان وخولان، وارتجت له اليمن وخاف المسعود بن الكامل وهو يومئذ صاحب اليمن، ومعه الكرد والترك، وأشار أمير الجيوش عمر بن رسول بمعاجلته قبل أن يملك الحصون. ثم اختلف أصحاب المنصور ولقيه المسعود فهزمه، وتوفي المنصور سنة ثلاثين وستمائة عن عمر مديد، وترك ابنا اسمه أحمد ولاه الزيدية، ولم يخطبوا له بالإمامة ينتظرون علو سنه، واستكمال شروطه، ولما كانت

سنة خمس وأربعين بايع قوم من الزيدية لأحمد الموطئ من بقية الرسي، وهو أحمد بن الحسين من بني الهادي لأنهم لما أخرجهم بنو سليمان من كرسي إمامتهم بصعدة آووا إلى جبل قطابة بشرقي صعدة، فلم يزالوا هنالك، وفي كل عصر منهم إمام شائع بأن الأمر إليهم إلى أن بايع الزيدية الموطئ، وكان فقيها أديبا عالما بمذهبهم، قواما صواما، بويع سنة خمس وأربعين وستمائة. وأهم نور الدين عمر بن رسول شأنه فحاصره بحصن تلا سنة، وامتنع عليه فأفرج عنه، وحمل العساكر من الحصون المجاورة لحصاره. ثم قتل عمر بن رسول وشغل ابنه المظفر بحصن الدملوة، فتمكن الموطئ، وملك عشرين حصنا وزحف إلى صعدة فغلب السليمانيين عليها، وقد كانوا بايعوا لأحمد ابن إمامهم عبد الله المنصور، ولقبوه المتوكل عند ما بويع للموطئ بالإمامة في تلا لأنهم كانوا ينتظرون استكمال سنه، فلما بويع الموطئ بايعوه، ولما غلبهم على صعدة نزل أحمد المتوكل إمامهم وبايع له وأمنه وذلك سنة تسع وأربعين. ثم حج سنة خمسين وبقي أمر الزيدية بصعدة في عقب الموطئ هذا وسمعت بصعدة أن الإمام بصعدة كان قبل الثمانين والسبعمائة علي بن محمد في أعقابهم، وتوفي قبل الثمانين والسبعمائة علي بن محمد من أعقابهم. وولي ابنه صلاح، وبايعه الزيدية وكان بعضهم يقول ليس هو بإمام لعدم شروط الإمامة، فيقول: هو أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان. ثم مات صلاح آخر سنة ثلاث وتسعين وقام بعده ابنه نجاح، وامتنع الزيدية من بيعته فقال: أنا محتسب لله هذا ما بلغنا عنهم بمصر أيام المقام فيها والله وارث الأرض ومن عليها.

** (الخبر عن نسب الطالبيين وذكر المشاهير من أعقابهم) **

وأما نسب هؤلاء الطالبيين فأكثرها راجع إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، ومن فاطمة رضي الله عنها، وهما سبطا الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أخيهما محمد بن الحنفية، وإن كان لعلي رضي الله عنه غيرهم من الولد إلا أن الذين طلبوا الحق في الخلافة وتعصبت لهم الشيعة، ودعوا لهم في الجهات إنما هم الثلاثة لا غيرهم، فأما الحسن فمن ولده الحسن المثنى وزيد، ومنهما العقب المشهود له في

الدعوة والإمامة. ومن ولد حسن المثنى عبد الله الكامل وحسن المثلث وإبراهيم العمر وعباس وداود. فأما عبد الله الكامل وبنوه فقد مر ذكرهم وأنسابهم عند ذكر ابنه محمد المهدي، وأخبارهم مع أبي جعفر المنصور. وكان منهم الملوك الأدارسة بالمغرب الأقصى بنو إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل. ومن عقبهم بنو حمود ملوك الأندلس الدائلون بها من بني أمية آخر دولتهم. ومنهم بنو حمود بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس، وسيأتي ذكر أخبارهم. ومنهم بنو سليمان بن عبد الله الكامل. كان من عقبه ملوك اليمامة بنو محمد الأخيضر بن يوسف بن إبراهيم ابن موسى الجون، ومنهم بنو صالح بن موسى بن عبد الله الساقي، ويلقب بأبي الكرام بن موسى الجون، وهم الذين كانوا ملوكا بغانة من بلاد السودان بالمغرب الأقصى، وعقبهم لك معروفون. ومن عقبه أيضا الهواشم بنو أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن عبد الله أبي الكرام. كانوا أمراء مكة لعهد العبيديين وقد مر ذكرهم. ومن أعقابهم بنو قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن موسى الجون، وملكوا مكة بعد الهواشم على يد قتادة أبيهم هذا. فمنهم بنو نمى بن سعد بن علي بن قتادة أمراء مكة لعهدنا. ومن عقب داود بن حسن المثنى السليمانيون الذين كانوا بمكة وهم بنو سليمان ابن داود وغلبهم عليها الهواشم آخرا وصاروا إلى اليمن فقامت الزيدية بدعوتهم كما مر في أخبارهم. ومن عقب حسن المثلث بن حسن المثنى حسين بن علي بن حسن المثلث الخارج على الهادي وقد مر ذكره. ومن عقب إبراهيم العمر بن حسن المثنى ابن طباطبا واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم كان منهم محمد بن طباطبا أبو الأئمة بصعدة الذين غلبهم عليها بنو سليمان بن داود بن حسن المثنى حين جاءوا من مكة. ثم غلبهم بنو الرسي عليها، ورجعوا إلى إمامهم بصعدة وهم بها لهذا العهد ومنهم بنو سليمان بن داود بن حسن المثنى وابنه محمد بن سليمان القائم بالمدينة أيام المأمون. قال ابن حزم: وعقبه بالمدينة لأبي جعفر المنصور، ولا عقب لزيد إلا منه. وكان من عقبه محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد. قام بالمدينة أيام المعتمد وجاهر بالمنكرات والقتل إلى أن تعطلت الجماعات. ومن عقبه أيضا القائم بطبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد وأخوه محمد القائم من بعده وقد مر خبرهما. ومنهم الداعي الصغير بالري وطبرستان وهو الحسن بن ابن خلدون م 10 ج 4

القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد الطحاني بن القاسم بن الحسن ابن زيد، وكانت بين هذا الداعي الصغير وبين الأطروش حروب، وقتل هذا الداعي سنة تسع عشرة وثلاثمائة. ومن عقبه أيضا القاسم بن علي بن إسماعيل أحد قواد الحسن بن زيد. وهم غيروا نعم أهل تلك الآفاق، وأذهبوا بمهجتهم وكانوا سببا لتورد الديلم ببلاد الإسلام لما يستجيشونهم. وخرج معهم ومع الأطروش الحسني ما كان بن كالي ملك الديلم. وكان مرداويح وبنو بويه من بعض رجاله، وكان لهم من عشيرهم قواد ورجال تسموا باسم الديلم من أجل مرباهم بينهم والله يخلق ما يشاء. (وأما الحسين) وهو القتيل بالطعن [1] أيام يزيد بن معاوية، فمن ولده علي بن زين العابدين بن زيد الشهيد، ومحمد الباقر، وعبد الله الأرقط، وعمر والحسن الأعرج، فمن ولد الأرقط الحسين الكويكي ابن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الأرقط، كان من قواد الحسن الأطروش ابن الحسن بن علي القائم ابن علي بن عمر، قام بأرض الطالقان أيام المعتصم. ثم هرب من سفك الدماء واستتر إلى أن مات وكان معتزليا. ومنهم الأطروش أسلم على يديه الديلم وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، وكان فاضلا حسن المذهب عدلا، ولي طبرستان وقتل سنة أربع وثلاثمائة، وقام بعده أخوه محمد ومات. وقام الحسين ابن أخيه محمد بن علي وقتل بها سنة ست عشرة وثلاثمائة، قتله جيوش نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن نوح بن أسد الساماني صاحب خراسان. ومن ولد الحسين الهمرج بن زين العابدين بن عبد الله العقيقي بن الحسين، كان من ولده الحسين بن محمد بن جعفر ابن عبد الله العقيقي قتله الحسن بن زيد صاحب طبرستان. ومنهم جعفر بن عبيد الله ابن الحسين الأعرج كان شيعته يسمونه حجة الله وكان من عقبه الملقب بمسلم الذي دبر أمر مصر أيام كافور، وهو محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المحدث بن الحسين بن يعفر حجة الله، وابنه طاهر بن مسلم. ومن عقب طاهر هذا أمراء المدينة لهذا العهد بنو جماز بن هبة بن جماز بن منصور بن جماز بن شيخة بن هاشم بن القاسم بن مهنى، ومهنى بن مهنى بن داود بن القاسم أخي مسلم وعمر وطاهر.

وزعم ابن سعيد أن بني جماز بن شيخة أمراء المدينة هؤلاء من ولد عيسى بن زيد

الشهيد، وفيه نظر. ومن ولد الحسين الحسن الأعرج وزيد هو القائم بالكوفة على هشام بن عبد الملك سنة إحدى وعشرين ومائة، وقتل وخرج ابنه يحيى سنة خمس وعشرين بخراسان وقتل، وقد انتمى صاحب الزنج في بعض أوقاته إليه وأخوه عيسى بن زيد الذي حارب المنصور أول خلافته من ولد الحسين الذي كان من عقبه يحيى بن عمر بن يحيى القائم بالكوفة أيام المستعين، وكان حسن المذهب في الصحابة وإليه ينسب العمريون الذين استولوا على الكوفة أيام الديلم من قبل السلطان ببغداد. وعلي بن زيد بن الحسين بن زيد قام بالكوفة، ثم هرب إلى صاحب الزنج بالبصرة فقتله وأخذ جارية له كان سباها من البصرة. ومن ولد محمد الباقر بن زين العابدين عبد الله الأفطح وجعفر الصادق، فكانت لعبد الله الأفطح شيعة يدعون إمامته: منهم زرارة بن أعين الكوفي. ثم قام بالمدينة وسأله عن مسائل من الفقه فألفاه جاهلا فرجع عن القول بإمامته فانقطعت الأفطحية. وزعم ابن حزم أن بني عبيد ملوك مصر ينسبون إليه وليس ذلك بصحيح. ومن ولد جعفر الصادق إسماعيل الإمام، وموسى الكاظم، ومحمد الديباجة، فأما محمد الديباجة فخرج بمكة أيام المأمون وبايع له أهل الحجاز بالخلافة وحمله المعتصم لما حج، وجاء به إلى المأمون فعفا عنه، ومات سنة ثلاث ومائتين. وأما إسماعيل الإمام وموسى الكاظم فعليهما وعلى بنيهما مدار اختلاف الشيعة، وكان الكاظم على زي الأعراب مائلا إلى السواد وكان الرشيد يؤثره ويتجافى عن السعاية فيه كما مر ثم حبسه. ومن عقبه بقية الأئمة الاثني عشر عند الإمامية من لدن علي بن أبي طالب الوصي، ووفاته سنة خمس وثلاثين، ثم ابنه الحسن ووفاته سنة خمس وأربعين، ثم أخوه الحسين ومقتله سنة إحدى وستين، ثم ابنه زين العابدين ووفاته [1] ثم ابنه محمد الباقر ووفاته سنة إحدى وثمانين ومائة، ثم ابنه جعفر الصادق ووفاته سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم ابنه موسى الكاظم ووفاته سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو سابع الأئمة عندهم. ثم ابنه علي الرضا ووفاته سنة ثلاث ومائتين. ثم ابنه محمد المقتفي [2] ووفاته سنة عشرين

ومائتين. ثم ابنه علي الهادي ووفاته سنة أربع وخمسين ومائتين. ثم ابنه حسن العسكري ووفاته سنة ستين ومائتين. ثم ابنه محمد المهدي وهو الثاني عشر وهو عندهم حي منتظر وأخبارهم معروفة. ومن عقب موسى الكاظم من غير الأئمة ابنه إبراهيم المرتضى، ولاه محمد بن طباطبا وأبو السرايا على اليمن، فذهب إليها ولم يزل بها أيام المأمون يسفك الدماء حتى لقبه الناس بالجزار، وأظهر الإمامة عند ما عهد المأمون لأخيه الرضا. ثم أتهم المأمون بقتله فجاهر وطلب لنفسه. ثم عقد المأمون على حرب الفاطميين باليمن لمحمد بن زياد بن أبي سفيان لما بينهم من البغضاء فأوقع بهم مرارا، وقتل شيعتهم وفرق جماعتهم، ومن عقبه موسى بن إبراهيم جد الشريف الرضي والمرتضى، واسم كل منهما علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن إبراهيم.

ومن عقب موسى الكاظم ابنه زيد ولاه أبو السرايا على الأهواز، فسار إلى البصرة وملكها وأحرق دور العباسيين بها فسمي زيد النار، ومن عقبه زيد الجنة بن محمد بن زيد بن الحسن بن زيد النار من أفاضل هذا البيت وصلحائهم، حمل إلى بغداد في محنة الفاطميين أيام المتوكل، ودفع إلى ابن أبي داود يمتحنه فشهد له وأطلقه. ومن عقب موسى الكاظم ابنه إسماعيل ولاه أبو السرايا على فارس. ومن عقب جعفر الصادق من غير الأئمة محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر، قاما بالمدينة سنة إحدى وسبعين ومائتين وسفكا الدماء وانتهبا الأموال، واستلحما آل جعفر بن أبي طالب وأقامت المدينة شهرا لا تقام فيها جمعة ولا جماعة. ومن عقب إسماعيل الإمام العبيديون خلائف القيروان ومصر بنو عبيد الله المهدي بن محمد بن جعفر بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل وقد مر ذكرهم. وما للناس من الخلاف في نسبهم وهو مطروح كله وهذا أصح ما فيه. وقال ابن حزم: إنهم من بني حسن البغيض وهو عم المهدي وعنده أنها دعوى منهم. (وأما محمد بن الحنفية) فكان من ولده عبد الله بن عباس، وأخوه علي بن محمد وابنه الحسن بن علي بن محمد، وكل ادعت الشيعة إمامته وخرج باليمن على المأمون ولد علي من غير هؤلاء عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، ومن ولد جعفر بن أبي طالب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القائم بفارس، وبويع بالكوفة وأراد بعض شيعة العباسية تحويل الدعوة إليه فمنع أبو مسلم من ذلك وكانت له شيعة ينتظرونه، وساقوا الخلافة إليه من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية بالوصية، وكان

فاسقا وكان معاوية ابنه نظير أبيه في الشر. انتهى الكلام في أنساب الطالبيين وأخبارهم، فلنرجع الآن إلى أخبار بني أمية بالأندلس المنازعين للدعوة العباسية. ثم نرجع إلى دول القائمين بالدعوة العباسية المستبدين عليهم من العرب والترك واليمن والجزيرة والشام والعراق والمغرب، والله المستعان.

** (الخبر عن دولة بني أمية بالأندلس من هذه الطبقة المنازعين للدعوة العباسية وبداية أمرهم وأخبار ملوك الطوائف من بعدهم) **

كان هذا القطر الأندلسي من العدوة الشمالية عن عدوة البحر الرومي، وبالجانب الغربي منها يسمى عند العرب أندلوش، وتسكنه أمم من إفرنجة المغرب أشدهم وأكثرهم الجلالقة. وكان القوط قد تملكوه وغلبوا على أمره لمئين من السنين قبل الإسلام بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة. ثم عقدوا معهم السلم على أن تنصرف القوط إلى الأندلس، فساروا إليها وملكوها. ولما أخذ الروم واللطينيون لبسلة [1] النصرانية حملوا من وراءهم بالمغرب من أهل إفرنجة والقوط عليها فدانوا بها وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة وكانت دار ملكهم. وربما انتقلوا ما بينها، وبين قرطبة وماردة وإشبيلية وأقاموا كذلك نحو أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح وكان ملكهم لذلك العهد يسمى لزريق وهو سمة لملوكهم كجرجير سمة ملوك صقلية ونسب القوط وخبر دولتهم قد تقدم. وكانت له حظوة وراء البحر في هذه العدوة الجنوبية حظوها من فرضة المجاز بطنجة، ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر واستعبدوهم. وكان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم جبال غمارة يسمى بليان [2] وكان يدين بطاعتهم وبملتهم، وموسى بن نصير أمير العرب إذ ذاك عامل

على إفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك، ومنزله بالقيروان. وكان قد أغزى لذلك العهد عساكر المسلمين بلاد المغرب الأقصى ودوخ أقطاره وأوغل في جبال طنجة هذه حتى وصل خليج الزقاق، واستنزل بليان لطاعة الإسلام وخلف مولاه طارق بن زياد الليثي واليابطنجة، وكان بليان ينقم على لزريق ملك القوط لعهده بالأندلس لفعله بابنته في داره كما زعموا، على عادتهم في بنات بطارقتهم، فغضب لذلك وأجاز إلى لزريق فأخذ ابنته منه. ثم لحق بطارق فكشف للعرب عورة القوط ودلهم على غرة فيهم أمكنت طارقا الفرصة، فانتهزها لوقته وأجاز البحر سنة اثنتين وتسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو ثلاثمائة من العرب، وانتهب معهم من البربر زهاء عشرة آلاف فصيرهم عسكرا [1] ونزل بهم جبل الفتح فسمى جبل طارق به، والآخر على طريف بن مالك النخعي ونزل بمكان مدينة طريف فسمي به، وأداروا الأسوار على أنفسهم للتحصين. وبلغ الخبر لزريق فنهض إليهم يجر أمم الأعاجم وأهل ملة النصرانية في زهاء أربعين ألفا فالتقوا بفحص شريش فهزمه إليه ونفلهم أموال أهل الكفر ورقابهم. وكتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح وبالغنائم، فحركته الغيرة وكتب إلى طارق يتوعده بأنه يتوغل بغير إذنه ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، واستخلف على القيروان ولده عبد الله وخرج معه حسين بن أبي عبد الله المهدي الفهري. ونهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعرفاء البربر، ووافى خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء فأجاز إلى الأندلس. وتلقاه طارق وانقاد واتبع، وتمم موسى الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق، وأربونة في الجوف وصنم قادس في الغرب، ودوخ أقطارها وجمع غنائمها. وجمع أن يأتي

المشرق على القسطنطينية ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس [1] ويخوض ما بينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانية مجاهدا فيهم مستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة.

ونمي الخبر إلى الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب، ورأى أن ما هم به موسى غرر بالمسلمين، فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع هو وكتب له بذلك عهده ففت ذلك في عزم موسى، وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها. واستعمل ابنه عبد العزيز لغزوها وجهاد أعدائها، وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة، واحتل موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين وارتحل إلى الشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر. يقال: كان من جملتها ثلاثون ألف فارس من السبي. وولى على إفريقية ابنه عبد الله، وقدم على سليمان فسخطه ونكبه. وسارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز بإغراء سليمان فقتلوه لسنتين من ولايته، وكان خيرا فاضلا، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة. وولي من بعده أيوب بن حبيب اللخمي وهو ابن أخت موسى بن نصير فتولى عليها ستة أشهر. ثم تتابعت ولاة العرب على الأندلس فتارة من قبل الخليفة وتارة من قبل عامله على القيروان وأثخنوا في أمم الكفر وافتتحوا برشلونة من جهة الشرق وحصون بشتالة [2] وبسائطها من جهة الجوف، وانقرضت أمم القوط وأرز [3] الجلالقة ومن بقي من أمم العجم إلى جبال قشتالة وأربونة وأفواه الدروب، فتحصنوا بها وأجازت عساكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا بسائط وراءها، وتوغلوا في بلاد الفرنجة وعصف ريح الإسلام بأمم الكفر من كل جهة، وربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلاف وتنازع أوجب للعدو بعض الكرة فرجع الفرنج ما كانوا غلبوهم عليه. وكان محمد بن يزيد عامل إفريقية لسليمان بن عبد الملك لما بلغه مهلك عبد العزيز بن موسى بن نصير، بعث إلى الأندلس الحرب بن عبد الرحمن بن عثمان [4] فقدم

الأندلس وعزل أيوب بن حبيب وولي سنتين وثمانية أشهر. ثم بعث عمر بن عبد العزيز على الأندلس السنخم بن مالك الخولاني على رأس المائة من الهجرة وأمره أن يخمس أرض الأندلس فخمسها وبنى قنطرة قرطبة، واستشهد غازيا بأرض الفرنجة سنة اثنتين ومائة، فقدم أهل الأندلس عليهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي إلى أن قدم عنبسة بن شحيم الكلبي من قبل يزيد بن مسلم عامل افريقية وكان أولهم يحيى بن سلمة الكلبي أنفذه حنظلة بن صفوان الكلبي والي افريقية لما استدعى منه أهل الأندلس واليا بعد مقتل عنبسة فقدمها آخر سنة سبع وأقام في ولايتها سنتين ونصفا ولم يغز ثم قدم إليها عثمان بن أبي [1] واليا من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية، وعزله لخمسة أشهر بحذيفة بن الأحوص العتبي فوافاها سنة عشر، وعزل قريبا يقال لسنة من ولايته، واختلف هل تقدمه عثمان أم هو تقدم عثمان. ثم ولي بعده الهيثم بن عبيد الكلابي من قبل عبيدة بن عبد الرحمن أيضا قدم في المحرم سنة إحدى عشرة وغزا أرض مقرشة فافتتحها وأقام عشرة أشهر. وتوفي سنة ثلاث عشرة لسنتين من ولايته، وقدم بعده محمد بن عبيد الله بن الحجاب صاحب إفريقية فدخلها سنة ثلاث عشرة وغزا إفرنجة. وكانت له فيهم وقائع وأجب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة فولى سنتين. وقال الواقدي: أربع سنين، وكان ظلوما جائرا في حكومته وغزا أرض البشكنس سنة خمس عشرة ومائة، وأوقع بهم وغنم، ثم عزل في رمضان سنة ست عشرة وولي عتبة بن الحاج السلولي من قبل عبيد الله بن الحجاب فقدم سنة سبع عشرة. وأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهدا مظفرا حتى بلغ سكنى المسلمين أرمونة، وصار مساكنهم على نهر ودونة. ثم قام عليه عبد الملك بن قطن الفهري سنة إحدى وعشرين فخلعه وقتله. ويقال أخرجه من الأندلس وولى مكانه إلى أن دخل بلخ بن بشر بأهل الشام سنة أربع وعشرين كما مر فغلب عليه، وولي الأندلس سنة أو نحوها. وقال الرازي: ثار أهل الأندلس بعقبة بن الحجاج أميرهم في صفر من سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبد الملك، وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية فكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر. وتوفي بسرقوسة في صفر سنة ثلاث وعشرين، واستقام الأمر لعبد الملك. ثم

دخل بلخ بن بشر من أهل الشام ناجيا من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر فثار على عبد الملك وقتله، وانحاز الفهريون إلى جانب فامتنعوا عليه وكاشفوه واجتمع عليهم من نكر فعلته بابن قطن وقام بأمرهم قطن وأمية ابنا عبد الملك بن قطن، والتقوا فكانت الدبرة على الفهريين، وهلك بلخ من الجراح التي أصابته في حربهم وذلك سنة أربع وعشرين لسنة أو نحوها من إمارته، ثم ولي ثعلبة بن سلامة الجذامي، غلب على إمارة الأندلس بعد مهلك بلخ وانحاز عنه الفهريون فلم يطيعوه، وولي سنين أظهر فيها العدل ودانت له الأندلس عشرة أشهر إلى أن ثار به العصبة اليمانية فعسر أمره، وهاجت الفتنة. وقدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي من قبل حنظلة بن صفوان عامل إفريقية، وركب إليها البحر من تونس سنة خمس وعشرين فدانت له أهل الأندلس وأقبل إليه ثعلبة وابن أبي سعد، وابنا عبد الملك فلقيهم وأحسن إليهم واستقام أمره. وكان شجاعا كريما ذا رأي وحزم، وكثر أهل الشام عنده ولم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد، وأنزل أهل دمشق البيرة لشبهها بها وسماها دمشق، وأنزل أهل حمص إشبيلية وسماها حمص لشبهها بها، وأهل قنسرين حسان وسماها قنسرين، وأهل الأردن ريه وهي مالقة وسماها الأردن. وأهل فلسطين شدونة وهي شريش وسماها فلسطين، وأهل مصر تدمير وسماها مصر، وقفل ثعلبة إلى الشرق ولحق بمروان بن محمد وحضر حروبه وكان أبو الخطاب [1] أعرابيا عصبيا أفرط عند ولايته في التعصب لقومه من اليمانية وتحامل على المصرية، وأسخط قيسا وأمر في بعض الأيام بالضميل بن حاكم كبير القيسية، وكان من طوالع بلخ وهو الضميل بن حاكم بن شمر بن ذي الجوشن، ورأس على الحصرية [2] ، فأمر به يوما فأقيم من مجلسه وتقنع، فقال له بعض الحجاب وهو خارج من القصر: أقم عمامتك يا أبا الجوشن، فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها فسار الضميل بن حاكم زعيمهم يومئذ، وألب عليه قومه، واستعان بالمنحرفين عنه من اليمنية فخلع أبا الخطاب سنة ثمان وعشرين لأربع سنين وتسعة أشهر من ولايته، وقدم مكانه ثوابة بن سلامة الجذامي وهاجت الحرب المشهورة. وخاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية فكتب إلى ثوابة بعهده على الأندلس، منسلخ

رجب سنة تسع وعشرين فضبط الأندلس، وقام بأمره الضميل واجتمع عليه الفريقان وهلك لسنتين من ولايته، ووقع الخلاف بإفريقية وتلاشت أمور بني أمية بالمشرق وشغلوا عن قاصية المغرب بكثرة الخوارج، وعظم أمر المسودة فبقي أهل الأندلس فوضى ونصبوا للأحكام خاصة عبد الرحمن بن كثير. ثم اتفق جند الأندلس على اقتسام الإمارة بين المضرية واليمنية، وادالتها بين الجندين سنة لكل دولة. وقدم المضرية على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة تسع وعشرين، واستقر سنة ولايته بقرطبة دار الإمارة ثم وافقتهم اليمنية لميعاد ادالتهم واثقين بمكان عهدهم وتراضيهم واتفاقهم، فبيتهم يوسف بمكان نزلهم من شقندة من قرى قرطبة [1] من الضميل بن حاتم والقيسية والمضرية فاستلحموهم، واستبد يوسف بما وراء البحرين عدوة الأندلس، وغلب اليمنية على أمرهم فاستكانوا للغلبة، وتربصوا بالدوائر إلى أن جاء عبد الرحمن الداخل، فكان يوسف بن عبد الرحمن قد ولى الضميل بن حاتم سرقسطة، فلما ظهر أمر المسودة بالمشرق ثار الحباب ابن رواحة الزهري بالأندلس داعيا لهم وحاصر الضميل بسرقسطة، واستمد يوسف فلم يمده رجاء هلاكه بما كان يغص به وأمدته القيسية فأخرج عنه الحباب، وفارق الضميل سرقسطة فملكها الحباب وولى يوسف الضميل على طليطلة إلى أن كان من أمر عبد الرحمن الداخل ما نذكره.

** (مسير عبد الرحمن الداخل الى الأندلس وتجديده الدولة بها) **

لما نزل ما نزل ببني أمية بالمشرق وغلبهم بنو العباس على الخلافة وأزالوهم عن كرسيها وقتل عبد الله بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وتتبع بنو مروان بالقتل، فطلبوا من بعدها بطن الأرض. وكان ممن أفلت منهم عبد

الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وكان قومه يتحينون له ملكا بالمغرب، ويرون فيه علامات لذلك يؤثرونها عن مسلمة بن عبد الملك، وكان هو قد سمعها منه مشافهة. فكان يحدث نفسه بذلك فخلص إلى المغرب، ونزل على أخواله نفرة من برابرة طرابلس. وشعر به عبد الرحمن بن حبيب وكان قتل ابني الوليد بن عبد الملك لما دخلا إفريقية من قبله، فلحق عبد الرحمن بمغيلة ويقال بمكناسة، ويقال:

نزل على قوم من زناتة فأحسنوا قبوله واطمأن فيهم. ثم لحق بمليلة وبعث بدرا مولاه، إلى من بالأندلس من موالي المروانيين وأشياعهم فاجتمع بهم، وبثوا له بالأندلس دعوة ونشروا له ذكرا. ووافق ذلك ما قدمناه من الفتنة بين اليمنية والمضرية، فاجتمعت اليمنية على أمره، ورجع إليه بدر مولاه بالخبر فأجاز البحر سنة ثمان وثلاثين في خلافة أبي جعفر المنصور، ونزل بساحل السند وأتاه قوم من أهل إشبيلية فبايعوه. ثم انتقل إلى كورة رحب فبايعه عاملها عيسى بن مسور، ثم رجع الى شدونة فبايعه عتاب بن علقمة اللخمي. ثم أتى مورور فبايعه ابن الصباح ونهز [1] إلى قرطبة واجتمعت عليه اليمنية. ونمي خبره إلى والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري وكان غازيا بجليقة فانفض عسكره وسار إلى قرطبة وأشار عليه وزيره الضميل ابن حاتم بالتلطف له والمكر به، فلم يتم له مراده وارتحل عبد الرحمن من المنكب فاحتل بمالقة فبايعه جندها، ثم برندة فبايعه جندها، ثم بشريش كذلك، ثم بأشبيلية فتوافت عليه الأمداد والأمصار، وتسايلت المضرية إليه حتى إذا لم يبق مع يوسف بن عبد الرحمن غير الفهرية والقيسية لمكان الضميل منه، زحف إليه حينئذ عبد الرحمن بن معاوية وناجزهم الحرب بظاهر قرطبة فانكشف، ورجع إلى غرناطة فتحصن بها وأتبعه الأمير عبد الرحمن فنازله. ثم رغب إليه يوسف في الصلح فعقد له على أن يسكن قرطبة وأقفله معه، ثم نقض يوسف عهده. وخرج سنة إحدى وأربعين ولحق بطليطلة، واجتمع إليه زهاء عشرين ألفا من البربر، وقدم الأمير عبد الرحمن للقائه عبد الملك بن عمر المرواني، كان وفد عليه من المشرق، وكان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بمصر، فلما هلك سنة خمس عشرة بقي عبد الملك بمصر، فلما دخلت المسودة أرض مصر خرج عبد الملك يوم

الأندلس في عشرة رجال من بيته مشهورين بالبأس والنجدة حتى نزل على عبد الرحمن سنة إحدى وأربعين، فعقد له على إشبيلية ولابنه عمر بن عبد الملك على مورور. وسار يوسف إليهما وخرجا إليه فلقياه وتناجز الفريقان فكانت الدبرة على يوسف، وأبعد الغر واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة واحتز رأسه وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن فاستقام أمره واستقر بقرطبة وبنى القصر والمسجد الجامع، أنفق ثمانين ألف دينار ومات قبل تمامه وبنى مساجد ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق، وكان يدعو للمنصور، ثم قطعها لما تم له الملك بالأندلس، ومهد أمرها وخلد لبني مروان السلطان بها، وجدد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة وآثارها. واستلحم الثوار في نواحيها وقطع دعوة العباسيين من منابرها وسد المذاهب منهم دونها. وهلك سنة اثنتين وسبعين ومائة، وكان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأن أول داخل من ملوك بني مروان هو، وكان أبو جعفر المنصور يسميه صقر بني أمية لما رأى ما فعل بالأندلس، وما ركب إليها من الأخطار، وأنه صمد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة ولا قوة ولا أنصار فغلب على أهلها وعلى أميرهم، وتناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة وإمضاء عزم. ثم تحلى وأطيع وأورثه عقبه. وكان عبد الرحمن هذا يلقب بالأمير وعليه جرى بنوه من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين إذ بايع الخلافة بمقر الإسلام ومبتدأ العرب، حتى كان عبد الرحمن الناصر وهو الثامن منهم على ما نذكره فتسمى بأمير المؤمنين وتوارث ذلك بنوه واحدا بعد واحد. وكان لبني عبد الرحمن الداخل بهذه العدوة الأندلسية ملك ضخم ودولة ممتعة [1] اتصلت إلى ما بعد المائة الرابعة كما نذكر. وعند ما شغل المسلمون بعبد الرحمن وتمهيد أمره قوي أمر الخلافة، واستفحل سلطانه وتجهز فرويلة بن الأدفونش ملكهم، سار إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها وملكها من أيديهم، ورد مديزلك وبريعال وسمورة وسلمنقة وقشتالة وسقونية، وصارت للجلالقة حتى افتتحها المنصور ابن أبي عامر رئيس الدولة كما نذكر في أخباره. ثم استعادوها بعده من بلاد الأندلس واستولوا على جميعها. وكان عبد الرحمن عند ما تمهد له الأمر بالأندلس، ودعا للسفاح، ثم خلعه واستبد بأمره كما ذكرناه. وجد هشام بن عبد ربه الفهري

مخالفا بطليطلة على يوسف من قبله، وبقي على خلافه، ثم أغزاه عبد الرحمن سنة تسع وأربعين بدرا مولاه وتمام بن علقمة فحاصراه ومعه حيوة بن الوليد الحصبي، وحمزة بن عبد الله بن عمر حتى غلباه، وجاء بهم إلى قرطبة فصلبوا. وسار من إفريقية سنة تسع وأربعين العلاء بن مغيث اليحصبي ونزل باجة من بلاد الأندلس داعيا لأبي جعفر المنصور واجتمع إليه خلق فسار عبد الرحمن إليه، ولقيه بنواحي إشبيلية فقاتله أياما. ثم انهزم العلاء وقتل في سبعة آلاف من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برءوس كثيرة منهم إلى القيروان ومكة، فألقيت في أسواقها سرا ومعها اللواء الأسود. وكاتب المنصور للعلاء ثم ثار سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بمدينة لبلة طالبا بثأر من قتل من اليمنية مع العلاء وملك إشبيلية، وسار إليه عبد الرحمن فامتنع ببعض الحصون فحاصره، وكان عتاب بن علقمة اللخمي بمدينة شدونة فأمد المطري، وبعث عبد الرحمن بدرا مولاه فحال دون المدد ودون المطري. ثم طال عليه الحصار وقتل في بعض أيامه، وولي مكانه بالقلعة خليفة بن مروان. ثم استأمن من بالقلعة إلى عبد الرحمن وأسلموا إليه الحصن فخربه وقتل عبد الرحمن خليفة ومن معه. ثم سار إلى غياث فحاصره بشدونة حتى استأمنوا فأمنهم، وعاد إلى قرطبة فخرج عليه عبد الرحمن بن خراشة الأسدي بكورة جيان. وبعث إليه العساكر فافترق جمعه واستأمن فأمنه، ثم خرج عليه سنة خمس غياث بن المستبد الاسدي، فجمع عامل باجة العساكر وسار إليه فهزمه وقتله، وبعث برأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة. وفي هذه السنة شرع عبد الرحمن في بناء السور على قرطبة، ثم ثار رجل بشرق الأندلس من بربر مكناسة يعرف بشقنا بن عبد الواحد، كان يعلم الصبيان وادعى أنه من ولد الحسين الشهيد، وتسمى بعبد الله بن محمد وسكن شنة برية [1] واجتمع إليه خلق من البربر، فسار إليه عبد الرحمن فهرب في الجبال، واعتصم بها فرجع وولى على طليطلة حبيب بن عبد الملك، فولى حبيب شنة برية سليمان بن عثمان بن مروان بن عثمان بن أبان بن عثمان بن عفان، فسار إليه سليمان وقتله وغلب على ناحية فورية، فسار إليه عبد الرحمن سنة اثنتين وخمسين ومائة.

وأعياه أمره وصار ينتقل في البلاد ويهزم العساكر وكان سكن بحصن شيطران من جبال بلنسية فسار إليه عبد الرحمن سنة ست وخمسين واستخلف على قرطبة ابنه سليمان فأتاه الخبر بعصيان أهل إشبيلية وثورة عبد الغفار، وحيوة بن قلاقس مع اليمانية فرجع عن شقنا، وهاله أمر إشبيلية. وقدم عبد الملك بن عمر لقتالهم فساروا إليه ولقيهم مستميتا فهزمهم وأثخن فيهم. ولحق بعبد الرحمن فشكرها له وجزاه خيرا ووصله بالصهر وولاه الوزارة، ونجا عبد الغفار وحيوة بن قلاقس إلى إشبيلية، فسار عبد الرحمن سنة سبع وخمسين إليها فقتلهم وقتل خلقا ممن كان معهم، واستراب من يومئذ بالعرب فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم واتخاذ الموالي. ولما كانت سنة إحدى وستين غدر بشقنا رجلان من أصحابه وجاء برأسه إلى عبد الرحمن. ثم سار عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالقلعي من إفريقية إلى الأندلس مظهرا للدعوة العباسية، ونزل بتدمير، واجتمع إليه البربر. وكان سليمان بن يقظان عاملا على برشلونة فكتب إليه يدعوه إلى أمره فلم يجبه فسار إليه في البربر، ولقيه سليمان فهزمهم وعاد إلى تدمير وزحف إليه عبد الرحمن من قرطبة، فاعتصم بجبل بلنسية فبذل عبد الرحمن فيه الأموال فاغتاله رجل من أصحابه البربر، وحمل رأسه إلى عبد الرحمن وذلك سنة اثنتين وستين. ورجع عبد الرحمن إلى قرطبة. ثم خرج دحية الغساني في بعض حصون البيرة، فبعث إليه شهيد بن عيسر فقتله، وخالف البربر وعليهم بحرة بن البرانس، فبعث بدرا مولاه فقتله وفرق جموعهم. وفر القائد السلمي من قرطبة الى طليطلة وعصى بها فبعث حبيب بن عبد الملك، وحاصره فهلك في الحصار. وزحف عبد الرحمن سنة اربع وستين إلى سرقسطة وبها سليمان بن يقظان والحسين بن عاصي، وقد حاصرهما ثعلبة بن عبيد من قواده فامتنعت عليه، وقبض سليمان على ثعلبة وبعث إلى ملك الفرنج فجاء وقد تنفس عنه الحصار فدفع إليه ثعلبة. ثم غلب الحسين على سليمان وقتله، وانفرد فحاصره عبد الرحمن حتى صالحه وسار إلى بلاد الفرنج والبشكنس ومن وراءهم من الملوك، ورجع إلى وطنه وغدر الحسين بسرقسطة، فسار إليه عامله ابن علقمة فأسر أصحابه، ثم سار إليه عبد الرحمن سنة ست وستين وملكها عنوة وقتل الحسين وقتل أهل سرقسطة. ثم خرج سنة ثمان وستين أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن فلقيه بقسطلونة وهزمه، وأثخن في أصحابه. ثم لقيه ثانية سنة تسع وستين فهزمه، ثم هلك سنة سبعين في

أعمال طليطلة وقام مكانه أخوه قاسم وغزاه عبد الرحمن فحاصره فجاء بغير أمان فقتله. ثم توفي عبد الرحمن سنة اثنتين وسبعين ومائة لثلاثة وثلاثين سنة من إمارته.

** (وفاة عبد الرحمن الداخل وولاية ابنه هشام) **

ولما هلك عبد الرحمن كان ابنه الأكبر سليمان واليا على طليطلة، وكان ابنه هشام على ماردة، وكان قد عهد له بالأمر. وكان ابنه عبد الله المسكين حاضرا بقرطبة فأخذ البيعة لأخيه هشام وبعث إليه بالخبر فسار إلى قرطبة، وقام بالدولة وغص بذلك أخوه سليمان فأظهر الخلاف بطليطلة، ولحق به أخوه عبد الله وبعث هشام في أثره فلم يلحق. وسار هشام في العساكر فحاصرهم بطليطلة وخالفه سليمان إلى قرطبة فلم يظفر بشيء منها وبعث هشام بن عبد الملك في أثره فقصد ماردة فحاربه عامله وهزمه الله بغير أمان ودخل في طاعته فأكرمه. ثم بعث سنة أربع وسبعين ابنه معاوية لحصار أخيه سليمان بتدمير فدوخ نواحيها، وهرب سليمان الى جبال بلنسية فاعتصم بها، ورجع معاوية إلى أبيه بقرطبة. ثم طلب سليمان العبور الى عدوة البربر بأهله وولده فأجازه هشام وأعطاه ستين ألف دينار صلحا على تركة أبيه. وأقام بعدوة المغرب وسار معه أخوه عبد الله. ثم خرج على هشام سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بطرسوسة من شرق الأندلس وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه. ودعي إلى اليمانية فملكها، وأخرج عاملها يوسف العبسي فعارضه موسى بن فرقوق في المضرية بدعوة هشام، وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وملك مدينة سرقسطة وواشقة، وكان هشام في شغل بأمر أخويه، فلما فرغ منهما بعث أبا عثمان عبيد الله بن عثمان بالعساكر إلى مطروح فحاصره بسرقسطة أياما، ثم أفرج عنه ونزل بطرسوسة قريبا وأقام بتحيفة، ثم غدر بمطروح بعض أصحابه وجاء برأسه إلى أبي عثمان، فبعث به إلى هشام وسار إلى سرقسطة فملكها. ثم دخل إلى دار الحرب غازيا، وقصد ألبة والقلاع فلقي العدو وظفر بهم، وفتح الله عليه وذلك سنة خمس وسبعين، وبعث هشام العساكر مع يوسف بن نحية إلى جليقة فلقي ملكها ابن مند وهزمه وأثخن في العدو. وفي هذه السنة دخل أهل طليطلة في طاعة الأمير هشام بعد منصرف أخويه عنهم فقبلهم، وأمنهم وبعث عليها ابنه الحكم واليا فضبطها وأقام

بها. وفي سنة ست وسبعين ومائة بعث هشام وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدو فبلغ ألبة والقلاع وأثخن في نواحيها. ثم بعثه في العساكر إلى أربونة [1] وجرندة فأثخن فيهما ووطئ أرض سلطانية، وتوغل في بلادهم ورجع بالغنائم التي لا تحصى واستمد الطاغية بالبشكنس وجيرانه من الملوك فهزمهم عبد الملك، ثم بعث بالعساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى بلاد جليقة فأثخنوا في بلاد العدو وغنموا ورجعوا. وفي هذه السنة هاجت فتنة بتاكدنا وهي بلاد رندة من الأندلس، وخلع البربر لك الطاعة فبعث إليهم هشام بن عبد القادر بن أبان بن عبد الله مولى معاوية بن أبي سفيان فأبادهم، وخرب بلادهم وفر من بقي منهم فدخلوا في القبائل وبقيت تاكدنا قفراء خالية سبع سنين. وفي سنة تسع وسبعين بعث هشام الحاجب عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث في العساكر إلى جليقة فانتهى إلى ميورقة [2] فجمع ملك الجلالقة واستمد بالملوك، ثم خام عن اللقاء ورجع أدراجه، وأتبعه عبد الملك وتوغل في بلادهم وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى فالتقوا بعبد الملك وأثخنوا في البلاد واعترضهم عسكر الإفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ثم خرجوا ظافرين سالمين.

** (وفاة هشام وولاية ابنه الحكم) **

ثم توفي هشام بن عبد الرحمن سنة ثمانين ومائة لسبع سنين من إمارته وقيل ثمان سنين، وكان من أهل الخير والصلاح، وكان كثير الغزو والجهاد، وهو الذي أكمل بناء الجامع بقرطبة الذي كان أبوه شرع فيه، وأخرج المصرف لآخذي الصدقة على الكتاب والسنة. ولما مات ولي ابنه الحكم بعده فاستكثر من المماليك وارتباط الخيل، واستفحل ملكه وباشر الأمور بنفسه. ولأول ولايته أجاز ابنه عبد الله البلنسي من

عدوة المغرب فملك بلنسية، ثم أخوه سليمان من طنجة فحاربهما الحكم سنة ثم ظفر بعمه سليمان فقتله سنة أربع وثمانين. وأقام عبد الله ببلنسية وكف عن الفتنة وأرسل الحكم في الصلح على يد يحيى بن يحيى الفقيه وغيره فصالحه سنة ست وثمانين. وفي خلال الفتنة مع عميه سليمان وعبد الله اغتنم الفرنج الفرصة واجتمعوا وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها. وبعث الحكم العساكر إلى برشلونة مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة فأثخن فيها وخالفهم العدو إلى المضايق فرجع إلى التعبية وظفر بهم، ورجع إلى بلاد الإسلام ظافرا. وفي سنة إحدى وثمانين ثار البهلول بن مرزوق بناحية الثغر، وملك سرقسطة، وفيها جاء عبد الله البلنسي عم الحكم كما ذكرناه. وفي هذه السنة خالف عبيدة بن عمير بطليطلة، وكان القائد عمروس بن يوسف من قواد الحكم بطلبيرة فكتب إلى هشام بحصارهم فحاصرهم. ثم استمال بني مخشي من أهل طليطلة فقتلوا عبيدة وبعثوا برأسه إلى عمروس فبعث به إلى الحكم، وأنزل بني مخشي عنده فقتلهم البربر بطلبيرة بثأر كاتب لهم، وقتل عمروس والباقين واستقامت تلك الناحية. واستعمل عمروس ابنه يوسف على مدينة طليطلة ولحق بالفرنج سنة تسع وثمانين بعض أهل الحرابة، وأطمعوا الفرنج في ملك طليطلة فزحفوا إليها وملكوها وأسروا أميرها يوسف وحبسوه بصخرة قيسر [1] ، وسار عمروس من فوره إلى سرقسطة ليحميها من العدو، وبعث العساكر مع ابن عمه، فلقي العدو وهزمهم وسار إلى صخرة قيسر وقد وهن الفرنج من الهزيمة فافتتحها، وبعث عمروس نائبة وخلص يوسف وعظم صيته.

** (وقعة الربض) **

كان الحكم في صدر ولايته قد انهمك في لذاته، واجتمع أهل العلم والورع بقرطبة مثل يحيى بن يحيى الليثي وطالوت الفقيه وغيرهما فثاروا به، وامتنع فخلعوه وبايعوا

محمد بن القاسم من عمومة هشام. وكان بالربض الغربي من قرطبة محلة متصلة بقصره، وحصروه سنة تسعين ومائة وقاتلهم فغلبهم وافترقوا، وهدم دورهم ومساجدهم ولحقوا بفاس من أرض العدوة، ولحقوا بالإسكندرية، ونزل بها منهم جمع وثاروا بها، فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر وافتتحها وأجازهم إلى جزيرة أقريطش كما مر. وكان مقدمهم أبا حفص عمر البلوطي، فلم يزل رئيسا عليهم وولده من بعده إلى أن ملكها الفرنج من أيديهم.

** (وقعة الحفرة بطليطلة) **

كان أهل طليطلة يكثرون الخلاف ونفوسهم قوية لحصانة بلدهم، فكانت طاعتهم ملتانة [1] فأعيا الحكم أمرهم واستقدم عمروس بن يوسف من الثغر، وكان أصله من أهل مدينة وشقة من المولدين، وكان عاملا عليها فداخله في التدبير على أهل طليطلة، وكتب له بولايتها فأنسوا به واطمأنوا إليه. ثم داخلهم في الخلع وأشار عليهم ببناء مدينة يعتزل فيها مع أصحاب السلطان فوافقوه، وأمضى رأيه في ذلك. ثم بعث صاحب الأعلى [2] إلى الحكم يستنجده على العدو فبعث العساكر مع ابنه عبد الرحمن والوزراء، ومروا بطليطلة ولم يعرض عبد الرحمن لدخولها. ثم رجع العدو وكفى الله شره، فاعتزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فأشار عمروس عند ذلك على أهل طليطلة بالخروج إلى عبد الرحمن فخرج إليه الوجوه وأكرمهم، ودس خادم الحكم كتابه إلى عمروس بالحيلة على أهل طليطلة، فأشار عليهم عمروس بأن يدخلوا عبد الرحمن البلد، وأنزله بداره واتخذ صنيعا للناس واستعد له [3] على موعد لذلك فكان يدخلهم من باب ويخرجهم من آخر خشية الزحام فيدخلون إلى حفرة في القصر وتضرب رقابهم عليها إلى أن قتل معظمهم وفطن الباقون فنفروا وحسنت طاعتهم من بعد ذلك، إلى أيام الفتنة كما نذكر، ثم عصى أصبغ بن عبد الله

بماردة وأخرج عامل الحكم فسار إليه الحكم وحاصره وجاءه الخبر بعصيان أهل قرطبة فرجع وقتلهم. ثم استنزل أصبغ من بعد ذلك وأنزله قرطبة. وفي سنة اثنتين وتسعين جمع لزريق بن قار له ملك الفرنج وسار لحصار طرسوسة [1] فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر فهزمه وفتح الله على المسلمين. ثم عاود أهل ماردة الخلاف عن الحكم سنة أربع وتسعين فسار إليهم وقاتلهم ثلاث سنين. وكثر عيث الفرنج في الثغور فسار إليهم سنة ست وتسعين فافتتح الحصون، وخرب النواحي وأثخن في القتل والسبي والنهب وعاد إلى قرطبة ظافرا. وفي سنة مائتين بعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج فسار فيها وخربها ونهبها وهدم عدة من حصونها، وأقبل إليه ملك الجلالقة في جموع عظيمة وتنازلوا على نهر واقتتلوا عليه أياما، ونال المسلمون منهم أعظم النيل، وأقاموا على ذلك ثلاث عشرة ليلة، ثم كثرت الأمطار ومد النهر وقفل المسلمون ظافرين.

** (وفاة الحكم وولاية ابنه عبد الرحمن الأوسط) **

ثم توفي الحكم بن هشام آخر سنة ست ومائتين لسبع وعشرين سنة من ولايته، وهو أول من جند بالأندلس الأجناد والمرتزقة، وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه واتخذ المماليك، وكان يسميهم الخرس لعجمتهم، وبلغت عدتهم خمسة آلاف، وكان يباشر الأمور بنفسه، وكانت له عيون يطالعونه بأحوال الناس. وكان يقرب الفقهاء والعلماء والصالحين، وهو الذي وطأ الملك لعقبه بالأندلس. ولما مات قام بأمره من بعده ابنه عبد الرحمن فخرج عليه لأول إمارته عبد الله البلنسي عم أبيه، وسار إلى تدمير يريد قرطبة فتجهز له عبد الرحمن فحام عن اللقاء، ورجع إلى بلنسية ومات أثر ذلك فنقل عبد الرحمن ولده وأهله إلى قرطبة. ثم غزا لأول ولايته إلى جليقة فأبعد وأطال الغيبة وأثخن في أمم

النصرانية هنالك ورجع. وقدم عليه سنة ست ومائتين من العراق زرآب المغني مولى المهدي ومعلم إبراهيم الموصلي، واسمه علي بن نافع فركب لتلقيه وبالغ في إكرامه، وأقام عنده بخير حال، وأورث صناعة الغناء بالأندلس وخلف ولده مخلفة كبيرهم عبد الرحمن في صناعته وحظوته. وفي سنة سبع كانت وقعة بالثغر كان الحكم قد قبض على عاملها ربيع، وصلبه حيا لما بلغه من ظلمه، وهلك الحكم أثر ذلك فتوافى المتظلمون من ربيع إلى قرطبة يطلبون ظلاماتهم، ومعظمهم جند البيرة ووقفوا بباب القصر وشغبوا، وبعث عبد الرحمن من يسكتهم فلم يقبلوا فركبت العساكر إليهم وأوقعوا بهم ونجا الفل منهم إلى البيرة وبالشر، وتتبعهم عبد الرحمن. وفي هذه السنة نشأت الفتنة بين المضرية واليمانية واقتتلوا، فهلك منهم نحو من ثلاثة آلاف وبعث عبد الرحمن إليهم يحيى بن عبد الله بن خالد في جيش كثيف ليكفهم عن الفتنة فكفوا عن القتال لما أحسوا بوصوله. ثم عاودوا الحرب عند مغيبه، وأقاموا على ذلك سبع سنين. وفي سنة ثمان ومائتين أغزا حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى ألبة والقلاع فخرب كثيرا من البلاد وانتسفها، وفتح كثيرا من حصونهم وصالح بعضا على الجزية واطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافرا وفي سنة ثلاث عشرة انتقض عليه أهل ماردة وقتلوا عامله فبعث إليهم العساكر فافتتحوها وعاودوا الطاعة وأخذوا رهائنهم وخربوا سورها، ورجعوا عنهم. ثم أمر عبد الرحمن بنقل حجارة السور إلى النهر فعاودوا الخلاف وأسروا العامل وأصلحوا سورهم فسار إليهم عبد الرحمن سنة أربع عشرة ومائتين وحاصرهم فامتنعوا عليه. ثم بعث العساكر سنة سبع عشرة فحاصرها فامتنعوا ثم حاصرها سنة عشرين وافتتحها ونجا فلهم مع محمود ابن عبد الجبار منهم إلى منت شلوط فاعتصم بها سنة عشرين ومائتين، فبعث عبد الرحمن العساكر لحصاره فلحق بدار الحرب واستولى على حصن من حصونهم أقام به خمسة أعوام حتى حاصره أدفونش ملك الجلالقة، وافتتح الحصن وقتل محمودا وجميع أصحابه سنة خمس وعشرين. وفي سنة خمس عشرة خرج بمدينة طليطلة هاشم الضراب من أهل واقعة الربض واشتدت شوكته واجتمعت له الخلق وأوقع بأهل شنت برية، فبعث عبد الرحمن العساكر لقتاله فلم يصيبوا منه، ثم بعث عساكر أخرى فقاتلوه بنواحي دورقة فهزموه وقتل هو وكثير من أصحابه واستمر أهل طليطلة على الخلاف. وبعث عبد الرحمن ابنه أمية لحصارها فحاصرها مدة ثم أفرج

عنها ونزل قلعة رياح وبعث عسكرا للاغارة عليها وكان أهل طليطلة قد خرجوا في اتباعه الى قلعة رياح فكمن لهم فأوقعوا به فاغتم لذلك، وهلك لأيام قليلة. وبعث عبد الرحمن العساكر لحصارها ثانيا فلم يظفروا، وكمن المغيرون عليها بقلعة رياح يعاودونها بالحصار كل حين. ثم بعث عبد الرحمن أخاه الوليد في العساكر سنة اثنتين وعشرين لحصارها، وقد أشرفوا على الهلكة، وضعفوا عن المدافعة فاقتحمها عنوة وسكن أهلها وأقام إلى آخر ثلاث وعشرين ورجع. وفي سنة أربع وعشرين بعث عبد الرحمن قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر لغزو بلاد ألبة والقلاع، ولقي العدو فهزمهم وكثر السبي والقتل. ثم خرج لزريق ملك الجلالقة وأغار على مدينة سالم بالثغر. فسار إليه فرنون بن موسى وقاتله فهزمه، وأكثر القتل في العدو والأسر.

ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكاية للمسلمين فافتتحه وهدمه. ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقة فدوخها وافتتح عدة حصون منها، وجال في أرضهم ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم. وفي سنة ست وعشرين ومائتين بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة، وانتهوا إلى أرض سلطانية، وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل تطيلة ولقيهم العدو فصبروا حتى هزم الله عدوهم، وكان لموسى في هذه الغزاة مقام محمود ووقعت بينه وبين بعض قواد عبد الرحمن ملاحاة، وأغلظ له القائد فكان ذلك سببا لانتقاضه، فعصى على عبد الرحمن وبعث إليه الجيوش مع الحرث بن بزيغ فقاتله موسى وانهزم وقتل ابن عمه، ورجع الحرث إلى سرقسطة. ثم زحف الى تطيلة وحاصر بها موسى حتى نزل عنها على الصلح إلى أربط وأقام الحرب بتطيلة أياما. ثم سار لحصار موسى في أربط فاستنصر موسى بغرسية من ملوك الكفر فجاءه، وزحف الحرث وأكمنوا له فلقيهم على نهر بلبة، فخرجت عليه الكمائن بعد أن أجاز النهر وأوقعوا به وأسروه، وقد فقئت عينه، واستشاط عبد الرحمن لهذه الواقعة، وبعث ابنه محمدا في العساكر سنة تسع وعشرين وحاصر موسى بتطيلة حتى صالحه، وتقدم إلى ينبلونة فأوقع بالمشركين عندها وقتل غرسية صاحبها الذي أنجد موسى على الحرث. ثم عاود موسى الخلاف، فزحفت إليه العساكر فرجع إلى المسالمة ورهن ابنه عبد الرحمن على الطاعة، وقبله عبد الرحمن وولاه تطيلة، فسار إليها واستقرت في عمالته. ثم كان في هذه السنة خروج المجوس في أطراف بلاد الأندلس ظهروا سنة ست وعشرين بساحل أشبونة،

فكانت بينهم وبين أهلها الحرب ثلاثة عشر يوما. ثم تقدموا إلى قادس، ثم إلى أشدونة، وكانت بينهم وبين المسلمين بها وقعة. ثم قصدوا إشبيلية ونزلوا قريبا منها وقاتلوا أهلها منتصف المحرم من سنة ثمان وعشرين فهزمهم المسلمون وغنموا. ثم مضوا إلى باجة ثم إلى مدينة أشبونة. ثم أقلعوا من هنالك وانقطع خبرهم وسكنت البلاد وذلك سنة ثلاثين. وتقدم عبد الرحمن الأوسط بإصلاح ما خربوه من البلاد، وأكثف الحامية بها وذكر بعض المؤرخين حادثة المجوس هذه سنة ست وأربعين ومائتين ولعلها غيرها والله أعلم. وفي سنة إحدى وثلاثين بعث عبد الرحمن العساكر إلى جليقة فدوخوها وحاصروا مدينة ليون ورموا سوارها فلم يقدروا عليه، لأن عرضه سبعة عشر ذراعا فثلموا فيه ثلمة ورجعوا. ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم بن مغيث في العساكر إلى بلاد برشلونة فجاز في نواحيها، وأجاز الدروب التي تسمى السرب إلى بلاد الفرنجة فدوخها قتلا وأسرا وسبيا، وحاصر مدينتهم العظمى وعاث في نواحيها وقفل، وقد كان ملك القسطنطينية توفلس بن نوفلس بن نوفيل، بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة خمس وعشرين بهدية ويطلب مواصلته فكافأه عبد الرحمن عن هديته، وبعث إليه يحيى العزال من كبار الدولة، وكان مشهورا في الشعر والحكمة، فأحكم بينهما المواصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس. وفي سنة ست وثلاثين هلك نصر الحفي القائم بدولة الأمير عبد الرحمن وكان يضغن على مولاه ويمالئ ابنه عبد الرحمن على ابنه الآخر ولي عهده بما كانت أم عبد الله قد اصطنعته، وكانت حظية عند السلطان ومنحرفة عن ابنه محمد ولي العهد، فداخلت نصرا هذا في أمرها، وداخل هو طبيب الدار في أن يسم محمدا ولي العهد. ودس الطبيب بذلك إلى الأمير مع قهرمانة داره وأن نصرا أكرهه على إذابة السم فيه، وباكر نصر القصر ودخل على السلطان يستفهمه عن شرب الدواء فوجده بين يديه، وقال له إن نفسي قد بشعته فاشربه أنت فوجم، فأقسم عليه فلم يسعه خلافه فشربه وركب مسرعا إلى داره فهلك لحينه، وحسم السلطان علة ابنه عبد الله وكان من بعدها مهلكه.

** (وفاة عبد الرحمن الأوسط وولاية ابنه محمد) **

ثم توفي عبد الرحمن الأوسط بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين لإحدى وثلاثين سنة من إمارته، وكان عالما بعلوم الشريعة والفلسفة، وكانت أيامه أيام هدو وسكون. وكثرت الأموال عنده واتخذ القصور والمنتزهات وجلب إليها الماء، وجعل له مصنعا اتخذه الناس شريعة. وزاد في جامع قرطبة رواقين، ومات قبل أن يستتمه، فأتمه ابنه محمد بعده. وبني بالأندلس جوامع كثيرة ورتب رسوم المملكة، واحتجب عن العامة. ولما مات ولي مكانه ابنه محمد، فبعث لأول ولايته العساكر مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح لإصلاح أسوارها، وكان أهل طليطلة خربوها فرمها وأصلح حالها، وتقدم إلى طليطلة فعاث في نواحيها. ثم بعث الجيوش مع موسى بن موسى صاحب تطيلة فعاث في نواحي ألبة والقلاع، وفتح بعض حصونها ورجع، وبعث عساكر أخرى إلى نواحي برشلونة وما وراءها فعاثوا فيها، وفتحوا حصون برشلونة ورجعوا. ثم سار محمد سنة أربعين في جيوشه إلى طليطلة فاستمدوا ملك جليقة وملك البشكنس فساروا لإنجادهم مع أهل طليطلة فلقيهم الأمير محمد على وادي سليط وقد أكمن لهم فأوقع بهم، وبلغ عدة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفا. ثم سار إليهم سنة ثلاث وأربعين فأوقع بهم ثانية وأثخن فيهم وخرب ضياعهم، فصالحوه ثم نكثوا.

وفي سنة خمس وأربعين ظهرت مراكب المجوس، ونزلوا بأشبيلية والجزيرة وأحرقوا مسجدها. ثم عادوا إلى تدمير ودخلوا قصر أريولة، وساروا إلى سواحل الفرنجة وعاثوا فيها، وانصرفوا فلقيهم مراكب الأمير محمد فقاتلوهم وغنموا منهم مركبين، واستشهد جماعة من المسلمين. ومضت مراكب المشركين إلى ينبلونة، وأسروا صاحبها غرسية وفدى نفسه منهم بسبعين ألف دينار. وفي سنة سبع وأربعين حاصر طليطلة ثلاثين يوما. ثم بعث الأمير محمد سنة إحدى وخمسين أخاه المنذر في العساكر إلى نواحي ألبة والقلاع فعاثوا فيها، وجمع لزريق للقائهم فلقيهم وانهزم، وأثخن المسلمون في المشركين بالقتل والأسر، وكان فتحا لا كفاء له. ثم غزا الأمير محمد بنفسه سنة إحدى وخمسين بلاد الجلالقة فأثخن وخرب، وانتقض عليه عبد الرحمن بن مروان الجليقي فيمن معه من المولدين، وساروا إلى التخم، ووصل يده باذفونش ملك

جليقة فسار إلى الوزير هاشم بن عبد الرحمن في عساكر الأندلس سنة ثلاث وستين فهزمه عبد الرحمن وحصل هاشم في أسره. ثم وقعت المراودة في الصلح على أن ينزل عبد الرحمن بطليوس [1] ويطلق الوزير هاشما فتم ذلك سنة خمس وستين، ونزل عبد الرحمن بطليوس وكانت خربة فشيدها وأطلق هاشما بعد سنتين ونصف من أمره. ثم تغير أذفونش لعبد الرحمن بن مروان وفارقه، وخرج من دار الحرب بعد أن قاتله ونزل مدينة أنطانية بجهات ماردة وهي خراب فحصنها، وملك ما إليها من بلاد أليون وغيرها من بلاد الجلالقة، واستضافها إلى بطليوس، وكان مظفر بن موسى بن ذي النون الهواري عاملا بشنت برية فانتقض وأغار على أهل طليطلة فخرجوا إليه في عشرين ألفا، ولقيهم فهزمهم وانهزم معهم مطرف بن عبد الرحمن، وقتل من أهل طليطلة خلق، وكان مطرف بن موسى فردا في الشجاعة ومحلا من النسب ولقي شنجة صاحب ينبلونة أمير البشكنس فهزمه شنجة وأسره، وفر من الأسر ورجع إلى شنت برية فلم يزل بها قويم الطاعة إلى أن مات آخر دولة الأمير محمد. وفي سنة إحدى وستين انتقض أسد بن الحرث بن بديع بتاكرنا [2] وهي رندة فبعث إليهم الأمير محمد العساكر وحاصروهم حتى استقاموا على الطاعة. وفي سنة ثلاث وستين أغزى الأمير محمد ابنه المنذر إلى دار الحرب وجعل طريقه على ماردة، وكان بها ابن مروان الجليقي، ومرت طائفة من عسكر المنذر بماردة فخرج عليهم ابن مروان ومعه جمع من المشركين استظهر بهم، فقتل تلك الطائفة عن آخرهم. وفي سنة أربع وستين بعث ابنه المنذر ثانية إلى بلد ينبلونة، ومر بسرقسطة فقاتل أهلها، ثم تقدم إلى تطيلة وعاث في نواحيها وخرب بلاد بني موسى. ثم مضى لوجهه إلى ينبلونة فدوخها ورجع. وفي سنة ست وستين أمر الأمير محمد بإنشاء المراكب بنهر قرطبة ليدخل بها إلى البحر المحيط، ويأتي جليقة من ورائها، فلما تم إنشاؤها وجرت في البحر، أصابها الريح وتقطعت فلم يسلم منها إلا القليل. وفي سنة سبع وستين ومائتين انتقض عمر بن حفصون بحصن يشتر من جبال مالقة وزحف إليه عساكر تلك الناحية فهزمهم، وقوى أمره وجاءت عساكر الأمير محمد فصالحهم ابن حفصون واستقام أمر الناحية. وفي سنة ثمان وستين بعث الأمير محمد ابنه المنذر لقتال أهل الخلاف

فقصد سرقسطة وحاصرها وعاث في نواحيها، وفتح حصن ريطة. ثم تقدم إلى دير بروجة، وفيه محمد بن لب بن موسى [1] . ثم قصد مدينة لاردة وقرطاجنة، ثم دخل دار الحرب وعاث في نواحي ألبة والقلاع وفتح منها حصونا ورجع. وفي سنة سبعين سار هاشم بن عبد العزيز بالعساكر لحصار عمر بن حفصون بحصن يشتر واستنزله إلى قرطبة فأقام بها، وفيها شرع إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لاردة، فجمع صاحب برشلونة لمنعه من ذلك، وسار إليه فهزمه إسماعيل وقتل أكثر رجاله. وفي سنة إحدى وسبعين سار هاشم بن عبد العزيز في العساكر إلى سرقسطة فحاصرها هاشم وافتتحها، ونزلوا جميعا على حكمه. وكان في عسكره عمر بن حفصون واستدعاه من الثغر فحضر معه هذه الغزاة فهرب ولحق بيشتر فامتنع به، وسار هاشم إلى عبد الرحمن بن مروان الجليقي وحاصره بحصن منت مولن، ثم رجع عنه فأغار ابن مروان على إشبيلية ولقبت [2] . ثم نزل منت شلوط فامتنع فيه، وصالح عليه الأمير محمدا، واستقام على طاعته إلى أن هلك الأمير محمد. وكان ملك رومة والفرنجة لعهده اسمه فرلبيب بن لوزنيق.

** (وفاة الأمير محمد وولاية ابنه المنذر) **

ثم توفي الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل في شهر صفر من سنة ثلاث وسبعين ومائتين لخمس وثلاثين سنة من إمارته، وولي بعده ابنه المنذر فقتل لأول ولايته هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه، وسار في العساكر لحصار ابن حفصون فحاصره بحصن يشتر سنة أربع وسبعين، وافتتح جميع قلاعه وحصونه وكان منها رية وهم مالقة، وقبض على واليها من قبله عيشون فقتله، ولما اشتد الحصار على ابن حفصون سأل الصلح فأجابه وأفرج عنه، فنكث فرجع لحصاره وصالح ثم نكث مرتين فأقام المنذر على حصاره وهلك قريبا فانفرج عن ابن حفصون.

** (وفاة المنذر وولاية أخيه عبد الله ابن الأمير محمد) **

ثم توفي المنذر محاصرا لابن حفصون بجبل يشتر سنة خمس وسبعين ومائتين لسنتين من إمارته [1] فولي مكانه أخوه عبد الله ابن الأمير محمد، وقفل بالعساكر إلى قرطبة وقد اضطربت نواحي الأندلس بالثوار، ولما كثر الثوار قل الخراج لامتناع أهل النواحي من الأداء وكان خراج الأندلس قبله ثلاثمائة ألف دينار، مائة ألف منها للجيوش، ومائة ألف للنفقة في النوائب وما يعرض، ومائة ألف ذخيرة ووفرا فأنفقوا الوفر في تلك السنين وقل الخراج.

** (أخبار الثوار وأولهم ابن مروان ببطليوس واشبونة) **

قد تقدم لنا أن عبد الرحمن بن مروان انتقض على الأمير محمد بن عبد الرحمن سنة خمس وخمسين في غزاته إلى بلاد الجلالقة، واجتمع إليه المولدون وصار إلى تخم، ووصل يده بأذفونش ملك الجلالقة فعرف لذلك بالجليقي. وذكرنا كيف سار إليه هاشم بن عبد العزيز سنة ثلاث وستين في عساكر الأندلس فهزمه ابن مروان وأسره.

ثم وقع الصلح على إطلاق هاشم وأن ينزل ابن مروان بطليوس، فتم ذلك سنة خمس وثلاثمائة ونزل عبد الرحمن بطليوس فشيدها وترس بالدولتين. ثم تغير به أذفونش وقاتله ففارق دار الحرب، ونزل مدينة أنطانية بجهات ماردة فحصنها وهي خراب، وملك ما إليها من بلد أليون وغيرها من بلاد الجلالقة، واستضافها إلى بطليوس، واستعجل له الأمير عبد الله على بطليوس، وكان معه بدار الحرب سعدون السرساقي، وكان من الأبطال الشجعان، وكان دليلا للغزو وهو من الخارجين معه.

فلما نزل عبد الرحمن بطليوس انتزى سعدون ببعض الحصون ما بين قلنيرة [2]

وباجة [1] . ثم ملك قلنيرة وترس [2] بأهل الدولتين إلى أن قتله أذفونش في بعض حروبه معه.

** (ابن تاكيت بماردة) **

كان محمد بن تاكيت من مصمودة، وثار بناحية الثغر أيام الأمير محمد، وزحف إلى ماردة وبها يومئذ جند من العرب وكتامة، فأعمل الحيلة في إخراجهم منها، ونزلها هو وقومه مصمودة.

** (بقية خبر ابن مروان) **

ولما ملك ابن تاكيت ماردة زحفت إليه العساكر من قرطبة، وجاء عبد الرحمن بن مروان من بطليوس مددا له فحاصروهم أشهرا ثم أقلعوا. وكان بماردة جموع من العرب ومصمودة وكتامة، فتحيل محمد بن تاكيت على العرب وكتامة وأقاربهم فأخرجهم واستقل بماردة هو وقومه، وعظمت الفتنة بينه وبين عبد الرحمن بن مروان صاحب بطليوس بسبب مظاهرته عليه، وحاربه فهزمه ابن مروان مرارا كانت إحداها على لقنت، استلحم فيها مصمودة فقصت من جناح ابن تاكيت واستجاش بسعدون السرساقي صاحب قلنيرة فلم يغنه، وعلا كعب بن مروان عليهم وتوتق أمره، وطلبه ابن حفصون في الولاية فامتنع ثم هلك اثر ذلك سنة [3] أيام الأمير عبد الله، وولي ابنه عبد الرحمن بن مروان وأثخن في البرابرة المجاورين له وهلك لشهرين من ولايته، فعقد الأمير عبد الله على بطليوس لأميرين من العرب، ولحق من بقي من ولد عبد الرحمن بحصن شونة، وكانا اثنين من أعقابه، وهما مروان

وعبد الله ابنا ابنه محمد، وعمهما مروان. ثم خرجا من حصن شونة ولحقا بآخر من أصحاب جدهما عبد الرحمن. ثم اضطرب الأميران ببطليوس وتنازعا وقتل أحدهما الآخر، واستقل ببطليوس، ثم تسور عبد الله منها سنة ست وثماني فقتله وملك بطليوس، واستفحل أمره والمعجل له الأمير عبد الله عليها ونازل حصون البرابرة حتى طاعوا له، وحارب ابن تاكيت صاحب ماردة ثم اصطلحوا وأقاموا جميعا طاعة الأمير عبد الله. ثم تحاربوا فاتصلت حروبهم إلى آخر دولته.

** (ثورة لب بن محمد بسرقسطة وتطيلة) **

ثم ثار لب بن محمد بن لب بن موسى بسرقسطة سنة ثمان وخمسين ومائتين أيام الأمير محمد فترددت إليه الغزوات حتى استقام وأسجل [1] له الأمير محمد على سرقسطة وتطيلة وطرسونة فأحسن حمايتها، واستفحلت إمارته فيها، ونازلة ملك الجلالقة أذفونش في بعض الأيام بطرسونة، فنزل إليه ورده على عقبه منهزما وقتل نحوا من ثلاثة آلاف من قومه وانتقض على الأمير عبد الله وحاصر تطيلة.

** (ثورة مطرف بن موسى بن ذي النون الهواري بشنت برية) **

كان لمطرف صيت من الشجاعة ومحل من النسب والعصبية، فثار في شنت برية، وكانت بينه وبين صاحب ينبلونة سلطان البشكنس من الجلالقة حروب أسره العدو في بعضها ففر من الأسر ورجع إلى شنت برية، واستقامت طاعته إلى آخر دولة الأمير محمد.

** (ثورة الأمير ابن حفصون في يشتر ومالقة ورندة واليس) **

وهو عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر بن دميان بن فرغلوش بن أذفونش القس

هكذا نسبه ابن حيان أول ثائر كان بالأندلس، وهو الذي افتتح الخلاف بها وفارق الجماعة أيام محمد بن عبد الرحمن في سني السبعين والمائتين. خرج بجبل يشتر من ناحية رية ومالقة، وانضم إليه الكثير من جند الأندلس ممن في قلبه مرض في الطاعة. وابتنى قلعته المعروفة به هنالك، واستولى على غرب الأندلس إلى رندة وعلى السواحل من الثجة إلى البيرة، وزحف إليه هاشم بن عبد العزيز الوزير فحاصره واستنزله إلى قرطبة سنة سبعين. ثم هرب ورجع إلى حصن يشتر، ولما توفي الأمير محمد تغلب على حصن الحامة ورية ورندة والثجة، وغزاه المنذر سنة أربع وسبعين فافتتح جميع قلاعه وقتل عامله برية، ثم سأل الصلح فعقد له المنذر. ثم نكث ابن حفصون وعاد إلى الخلاف فحاصره المنذر إلى أن هلك محاصرا له فرجع عنه الأمير عبد الله، واستفحل أمر بن حفصون والثوار وتوالت عليه الغزوات والحصار. وكاتب ابن الأغلب صاحب إفريقية وهاداه وأظهر دعوة العباسية بالأندلس فيما إليه وتثاقل ابن الأغلب على إجابته لاضطراب إفريقية، فأمسك وأكثر الأجلاب على قرطبة وبنى حصن بلايد قريبا منها، وغزاه عبد الله وافتتح بلاية والثجة. ثم قصده في حصنه فحاصره أياما وانصرف عنه فاتبعه ابن حفصون فكر عليه الأمير عبد الله وهزمه وأثخن فيه، وافتتح البيرة من أعماله. ووالى عليه الحصار في كل سنة، فلما كانت وثمانين [1] عمر بن حفصون وخالص ملك الجلالقة فنبذ إليه أمراؤه بالحصون عهده، وسار الوزير أحمد بن أبي عبيدة لحصاره في العساكر فاستنجد بإبراهيم بن حجاج الثائر بأشبيلية، ولقياه فهزمهما وراجع ابن حجاج الطاعة، وعقد له الأمير عبد الله على إشبيلية، وبعث ابن حفصون بطاعته للشيعة عند ما تغلبوا على القيروان من يد الأغالبة، وأظهر بالأندلس، دعوة عبيد الله. ثم راجع طاعة بني أمية عند ما هيأ الله للناصر ما هيأه من استفحال الملك، واستنزال الثوار، واستقام إلى أن هلك سنة ست وثلاثمائة لسبع وثلاثين سنة من ثورته. وقام مكانه ابنه جعفر فأقره الناصر على أعماله. ثم دس إليه أخوه سليمان بن عمر بعض

رجالاتهم فقتله لسنتين أو ثلاثة من ولايته. وكان مع الناصر فسار إلى أهل يشتر وملكوه مكان أخيه، وذلك سنة ثمان وثلاثمائة، وخاطب الناصر فعقد له كما كان أخوه، ثم نكث وتكرر إنكاثه ورجوعه. ثم بعث إليه الناصر وزيره عبد الحميد بن سبيل بالعساكر، ولقيه فهزمه وقتله وجيء برأسه إلى قرطبة. وقدم المولدون أخاه حفص بن عمر فانتكث ومضى على العصيان، وغزاه الناصر وجهز العساكر لحصاره حتى استأمن له، ونزل إلى قرطبة بعد سنة من ولايته. وخرج الناصر إلى يشتر فدخله وجال في أقطاره ورفع أشلاء عمرو ابنه جعفر وسليمان فصلبهم بقرطبة، وخرب جميع الكنائس التي كانت في الحصون التي بنواحي رية وأعمال مالقة ثلاثين حصنا فأكثر، وانقرض أمر بني حفصون وذلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة والبقاء لله.

** (ثوار اشبيلية المتعاقبون) **

ابن أبي عبيدة وابن خلدون وابن حجاج وابن مسلمة. وأول الثوار كان بإشبيلية أمية ابن عبد الله المغافر بن أبي عبيدة، وكان جده أبو عبدة عاملا عليها من قبل عبد الرحمن الداخل. قال ابن سعيد ونقله عن مؤرخي الأندلس: الحجازي ومحمد بن الأشعث، وابن حيان قال: لما اضطربت الأندلس بالفتن أيام الأمير عبد الله وسما رؤساء البلاد إلى التغلب، وكان رؤساء إشبيلية المرشحون لهذا الشأن أمية بن عبد الغافر، وكليب بن خلدون الحضرمي، وأخوه خالد وعبد الله بن حجاج. وكان الأمير عبد الله قد بعث على إشبيلية ابنه محمدا، وهو أبو الناصر والنفر المذكورون يحومون على الاستبداد، فثاروا بمحمد ابن الأمير عبد الله، وحصروه في القصر مع أمه وانصرف ناجيا إلى أبيه. ثم استبد أمية بولايتها على مداراتهم ودس على عبد الله بن حجاج من قتله، فقام أخوه إبراهيم مكانه فثاروا به وحاصروه في القصر، ولما أحيط به خرج إليهم مستميتا بعد أن قتل أهله وأتلف موجودة فقتل، وعاثت العامة برأسه وذلك أعوام الثمانين والثلاثمائة. وكتب ابن خلدون وأصحابه بذلك إلى الأمير عبد الله، وأن أمية خلع وقتل فتقبل منهم للضرورة، وبعث عليهم عمه هشام بن عبد

الرحمن، واستبدوا عليه وتولى كبر ذلك [1] كريب بن خلدون، واستبد عليهم بالرياسة. قال ابن حيان: ونسبهم في حضر موت وهم بأشبيلية نهاية في النباهة.

مقتسمين الرئاسة السلطانية والعلمية. وقال ابن حزم: إنهم من ولد وائل بن حجر، ونسبهم في كتاب الجمهرة، وكذلك قال ابن حيان في بني حجاج. قال الحجازي: ولما قتل عبد الله بن حجاج قام أخوه إبراهيم مقامه، وظاهر بني خلدون على قتل أمية وأنزل نفسه منهم منزلة الخديم. واستبد كريب وعسف أهل إشبيلية فنفر عنه الناس وتمكن لإبراهيم الغرض، وصار يظهر الرفق كلما أظهر كريب الغلظة، وينزل نفسه منزلة الشفيع والملاطف. ثم دس للأمير عبد الله بطلب الولاية ليشتد بكتابه على كريب بن خلدون، وكتب له بذلك عهده فأظهره للعامة وثاروا جميعا بكريب فقتلوه. واستقام إبراهيم بن حجاج على الطاعة للأمير عبد الله وحصن مدينة قرمونة [2] ، وجعل فيها مرتبط خيوله، وكان يتردد ما بينها وبين إشبيلية. وهلك ابن حجاج واستبد ابن مسلمة بمكانه. ثم استقرت إشبيلية آخرا بيد الحجاج بن مسلمة وقرمونة بيد محمد بن إبراهيم بن حجاج، وعقد له الناصر. ثم انتقض وبعث له الناصر بالعساكر، وجاء ابن حفصون لمظاهرة ابن مسلمة فهزمته العساكر، وبعث ابنه شفيعا فلم يشفعه فبعث ابن مسلمة بعض أصحابه سرا، فداخل الناصر في المكر به وعقد له. وجاء بالعساكر وخرج ابن مسلمة للحديث معه فغدروا به وملكوا عليه أمره، وحملوه إلى قرطبة. ونزل عامل السلطان إشبيلية، وكان من الثوار على الأمير عبد الله قريبه، وغدر به أصحابه فقتل.

** (مقتل الأمير محمد ابن الأمير عبد الله ثم مقتل أخيه المطرف) **

كان المطرف قد أكثر السعاية في أخيه محمد عند أبيهما، حتى إذا تمكنت سعايته وظهر سخطه على ابنه محمد لحق حينئذ ببلد ابن حفصون. ثم استأمن ورجع وبالغ المطرف في السعاية إلى أن حسه أبوه ببعض حجر القصر، وخرج لبعض غزواته واستخلف

ابنه المطرف على قصره، فقتل أخاه في محبسه مفتاتا [1] بذلك على أبيه، وحزن الأمير عبد الله على ابنه محمد، وضم ابنه عبد الرحمن إلى قصره وهو ابن يوم فربي مع ولده. ثم بعث الأمير عبد الله ابنه المطرف بالصائفة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ومعه الوزير عبد الملك بن أمية ففتك المطرف بالوزير لعداوة بينهما، وسطا [2] به أبوه الأمير عبد الله وقتله أشر قتله ثأر فيها منه بأخيه محمد وبالوزير. وعقد مكان الوزير لابنه أمية فسنح على الفقراء [3] بأنفه، وترفع على الوزراء فمقتوه وسعوا فيه عند الأمير عبد الله بأنه بايع جماعة من سماسرة الشر لأخيه هشام بن محمد، ولفقت بذلك شهادات اعتمد القاضي حينئذ قبولها [4] للساعين أن يجعلوا في الجماعة للمشهود عليهم بالبيعة بعض أعدائه فتمت الحيلة، وقتل هشام أمية الوزير وذلك سنة أربع وثمانين.

** (وفاة الأمير عبد الله بن محمد وولاية حافده عبد الرحمن الناصر بن محمد) **

ثم توفي الأمير عبد الله في شهر ربيع الأول من آخر المائة الثالثة لست وعشرين سنة من إمارته، وولي حافده عبد الرحمن ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرف، وكانت ولايته من الغريب لأنه كان شابا وأعمامه وأعمام أبيه حاضرون فتصدى إليها وحازها دونهم، ووجد الأندلس مضطربة فسكنها، وقاتل المخالفين حتى أذعنوا واستنزل الثوار ومحا أثر ابن حفصون كبيرهم، وحمل أهل طليطلة على الطاعة، وكانوا معروفين بالخلاف والانتقاض. واستقامت الأندلس وسائر جهاتها في نيف وعشرين سنة من أيامه. ودامت أيامه نحوا من خمسين سنة استفحل فيها ملك بني أمية بتلك النواحي، وهو أول من تسمى بأمير المؤمنين عند ما تلاشى أمر الخلافة بالمشرق، واستبد موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة سبع

وعشرين وثلاثمائة فتلقب بألقاب الخلفاء، وكان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب إلى أن انهزم عام الخندق سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ومحص الله المسلمين فقعد عن الغزو بنفسه، وصار يردد الصوائف في كل سنة، فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الفرنج ما لم يطأه قبل في أيام سلفه، ومدت إليه أمم النصرانية من وراء الدروب يد الإذعان، وأوفدوا إليه رسلهم وهداياهم من رومة والقسطنطينية في سبيل المهادنة والسلم والاحتمال فيما يعن من مرضاته. ووصل إلى سدنة ملوك الجلالقة من أهل جزيرة الأندلس المتاخمين لبلاد المسلمين، كجهات قشتالة وينبلونة وما إليها من الثغور الجوفية، فقبلوا يده والتمسوا رضاه، واحتقبوا جوائزه وامتطوا مركبه. ثم سما إلى ملك العدوة فتناول سبتة من أيدي أهلها سنة سبع عشرة، وأطاعه بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة البربر، وأجاز إليه الكثير منهم كما نذكر في أخباره وبدء أمره لأول ولايته بتخفيف المغارم عن الرعايا، واستحجب موسى بن محمد بن يحيى، واستوزر عبد الملك بن جهور بن عبد الملك بن جوهر، وأحمد بن عبد الملك بن سعد وأهدى له هديته المشهورة المتعددة الأصناف. ذكرها ابن حيان وغيره، وهي مما نقل من ضخامة الدولة الأموية واتساع أحوالها، وهي خمسمائة ألف مثقال من الذهب العين، وأربعمائة رطل من التبر ومصارفه خمسة وأربعون ألف دينار. ومن سبائك الفضة مائتا بدرة واثنا عشر رطلا من العود الهندي يختم عليه كالشمع، ومائة وثمانون رطلا من العود الصمغي المتخير، ومائة رطل من العود الشبه المنقى. ومائة أوقية من المسك الذكي المفضل في جنسه، وخمسمائة أوقية من العنبر الأشهب المفضل في جنسه على خليقته من غير صناعة ومنها قطعة ململمة عجيبة الشكل، وزن مائة أوقية، وثلاثمائة أوقية من الكافور المترفع الذكاء، ومن اللباس ثلاثون شقة من الحرير المختم المرقوم بالذهب للباس الخلفاء، مختلفة الألوان والصنائع، وعشرة أفرية [1] من عالي جلود الفنك الخراسانية، وستة من السرادقات العراقية، وثمان وأربعون من الملاحف البغدادية لزينة الخيل من الحرير والذهب، وثلاثون شقة الغريون من الملاحف لسروج الهبات، وعشرة قناطير من السمور فيها مائة جلد، وأربعة آلاف رطل من الحرير المغزول، وألف رطل من الحرير المنتقى للاستغزال،

وثلاثون بساطا من الصوف، وعشر مائة منقاة مختلفة، ومائة قطعة مصليات من وجوه الفرش المختلفة، وخمسة عشر من نخاخ الخز المقطوع شطرها. ومن السلاح والعدة ثمانمائة من تخافيف الزينة أيام البروز والمواكب، وألف ترس سلطانية، ومائة ألف سهم من النبال البارعة الصنعة، ومن الظهر خمسة عشر فرسا من الخيل العراب المتخيرة لركاب السلطان فائقة النعوت، وعشرون من بغال الركاب مسرجة ملجمة بمراكب خلافية، ولجم بغال مجالس سروجها خز جعفري عراقي، ومائة فرس من عتاق الخيل التي تصلح للركوب في التصرف والغزوات، ومن الرقيق أربعون وصيفا، وعشرون جارية متخيرات بكسوتهن وزينتهن، ومن سائر الأصناف ومن الصخر سيات ما أنفق عليه في عام واحد ثمانون ألف دينار. وعشرون ألف عود من الخشب من أجمل الخشب وأصلبه وأقدمه، قيمته خمسون ألف دينار. وعرضت الهدية على الناصر سنة سبع وعشرين فشكرها وحسن لديه موقعها.

** (سطوة الناصر بأخيه القاضي ابن محمد) **

كان محمد بن عبد الجبار ابن الأمير محمد، وعبد الجبار هو عم أبي الناصر قد سعى عنده في أخيه القاضي ابن محمد، وأنه يريد الخلاف والبيعة لنفسه. وسعى القاضي في محمد بن عبد الجبار وأنه يروم الانتقاض، واستطلع على الجلي من أمرهما وتحقق نقضهما فقتلهما سنة ثمان وثلاثمائة.

** (سطوة الناصر ببني إسحاق المروانيين) **

وهو إسحاق بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الملك بن مروان، دخل جدهم أول الدولة ولن يزالوا في إكرام وعز، واستقرت الرئاسة في إسحاق، وسكن إشبيلية أيام الفتنة عند ابن حجاج. ثم هلك ابن حجاج وولي ابن مسلمة فاتهمه، وقبض عليه وعلى ولده وصهره يحيى بن حكم بن هشام بن خالد بن أبان بن خالد بن عبد الله بن عبد الملك بن الحرث بن مروان فقتل الولد والصهر.

وكان عنده سفير لابن حفصون فشفع في الشيخ إسحاق وولده أحمد. ثم ملك الناصر إشبيلية من يد ابن مسلمة، فرحل إسحاق إلى قرطبة واستوزره الناصر واستوزر بنيه أحمد وابنه ومحمد وعبد الله ففتحوا الفتوحات، وكفوا المهمات، وعلت مقاديرهم في الدولة. وتوفي أبوهم إسحاق فورثوا مكانه في كل رفيعة. ثم هلك كبيرهم عبد الله وكان مقدمهم عند الناصر، واستوزره ثم اتهمه الناصر بالخلاف وكثرت فيهم السعايات، وصاروا في مجال الظنون فسطا بهم الناصر وغربهم في النواحي، فانزوى أمية منهم في تسترين سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وخلع الطاعة وقصده الناصر في العساكر فدخل دار الحرب وأجاره رزمير ملك الجلالقة. ثم تغير له فجاء إلى الناصر من غير عهد وعفا عنه وبقي في غمار الناس إلى أن هلك. وأما أحمد فعزل عن سرقسطة لما نكب أبوه وبقي خاملا مغضيا. ثم تكاثرت السعاية فيه فقتل. وأما أحمد فبقي في جملة الناصر حتى إذا تحرك إلى سرقسطة نمي عنه، ففر ولقي في مفره جماعة من أهل سرقسطة فقتلوه.

** (أخبار الناصر مع الثوار) **

كان أول فتحه أبيح له أسجه [1] بعث إليها بدرا مولاه وحاجبه فافتتحها من يد ابن حفصون سنة ثلاثمائة، وغزا في أثرها بنفسه فافتتح أكثر من ثلاثين حصنا من يد ابن حفصون منها البيرة، ودوخ سائر أقطاره وضيق مخنقه بالحصار، واستنزل سعيد بن مزيل من حصن المنتلون وحصن سمنان. وفي سنة إحدى وثلاثمائة ملك إشبيلية من يد احمد بن مسلمة كما ذكرناه. ثم سار سنة اثنتين وثلاثمائة في العساكر فنازل حصون ابن حفصون وانتهى إلى الجزيرة الخضراء، وضبط البحر ونظر في أساطيله واستكثر منها، ومنع ابن حفصون من البحر، وسأله في الصلح على لسان يحيى بن إسحاق المرواني فعقد له. ثم أغزى إسحاق بن محمد القرشي إلى الثوار بمرسية وبلنسية فأثخن في نواحيها، وفتح أريولة وأغزى بدرا مولاه إلى مدينة ليلة، فاستنزل منها عثمان بن نصر الثائر بها وساقه مقيدا إلى قرطبة، ثم أغزى إسحاق بن محمد سنة خمس وثلاثمائة مدينة

قرمونة فملكها من يد حبيب بن سواره، كان ثائرا بها. وفتح حصن ستمرية سنة ست، وحصن طرش سنة تسع، وأطاعه أحمد بن أضحى الهمداني الثائر. بحصن الجامة، ورهن ابنه على الطاعة، وغزا ابن حفصون سنة أربع عشرة فردته العساكر المجمرة لحصاره، ورجع وبعث إليه حفص يستأمنه فأمنه، وجاء إلى قرطبة وملك الناصر يشتركما مر. ثم انتقض سنة خمس وعشرين أمية بن إسحاق في تسترين، وقد مر ذكر أوليته ومحمد بن هشام التجيبي في سرقسطة، ومطرف بن مندف التجيبي في قلعة أيوب فغزاهم الناصر بنفسه، وبدأ بقلعة أيوب فحاصرها وقتل مطرف في أول جولة عليها، وقتل معه يونس بن عبد العزيز، ولجأ أخوه إلى القصبة حتى استأمن وعفا عنه، وقتل من كان معهم من النصرانية أهل ألبة وافتتح ثلاثين من حصونهم، وبلغه انتقاض طوطة ملكة البشكنس فغزاها في ينبلونة، ودوخ أرضها واستباحها ورجع. ثم غزا سنة سبع وعشرين [وثلاثمائة غزوة الخندق إلى جليقة فانهزم، وأصيبت فيها المسلمون وأسر محمد بن هاشم التجيبي، وحاول الناصر إطلاقه فأطلق بعد سنتين وثلاثة أشهر. وقعد الناصر بعدها عن الغزو بنفسه وصار يردد البعوث والصوائف. وثار سنة ثلاث وأربعين بجهات ماردة ثائر وتوجهت إليه العساكر فجاءوا به وبأصحابه ومثل بهم وقتلوا.

** (أخبار طليطلة ورجوعها الى الطاعة) **

قال ابن حيان اختطها دير نيقيوش الجبار، وكان قواد رومة ينزلونها دار ملك، ثم ثار بها برباط من نجدانية فملكها، واختلف قواد رومة على حصاره. ثم وثب به بعض أصحابه فقتله وملكها. ثم قتل ورجعت إلى قواد رومة، ثم انتقض أهلها وولوا أميرا منهم اسمه أنيش. ثم قتل ورجعت إلى قواد رومة، وقام أولهم شنتيلة، وأطاعه أهل الأندلس، وامتنع على ملوك رومة. ثم غزاهم وحاصر رومة وفتح كثيرا من بلادها، ورجع إلى طليطلة، وثار عليه البشكنس فظهر عليهم وأوقع بهم، ولحقوا بالجبال، وهلك شنتيلة بعد تسع، وملك مكانه على الغوط بسيلة ست سنين، ولم يغن فيها.

ثم ولي منهم حندس، وغزا إفريقية، وولي بعده قتبان، وبنى الكنائس وبلغه خبر المبعث فقال له بليان، وكان من أكابر الغوط وأعاظمهم: وجدت في كتاب

مطريوس العالم عن دانيال النبي أنهم يملكون الأندلس. ثم هلك فتبادر وملك ابنه ست عشرة سنة، وكان سيئ السيرة. وولي بعده لزريق [1] ثم لم تزل طليطلة دار فتنة وعصبية ومنعة، أتعبت عبد الرحمن الداخل سبع سنين، وانتقضت على هشام والحكم وعلى عبد الرحمن الأوسط، إلى أن جاء الناصر فأدخلهم في الطاعة كرها لما أكمل فتح ماردة وبطليوس وتسترين، سار إليهم في العساكر وحاصرهم، وجاء الطاغية يظاهرهم فدافعه الناصر، وجثم عليها فخرج أميرهم ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث إلى الناصر فاستقال واستأمن فأمنه وعفا عنه، ودخلها الناصر وجال في أقطارها ورجع عنها، فلم يزالوا مستقيمين على الطاعة بعد.

** (أخبار الناصر مع أهل العدوة) **

ثم سما للناصر أمل في ملك عدوة البربر من بلاد المغرب، فافتتح أمره بملك سبتة من بني عصام ولاتها، واستدعى أمراء البربر بالعدوة، وبلغ الخبر إبراهيم بن محمد أمير بني إدريس فبادر إلى سبتة، وحاصرها أنفة من عبور الناصر إليهم. ثم استقال وكاتب الناصر بالولاية. وأما إدريس بن إبراهيم صاحب أرشكول من الأدارسة فبادر بولاية الناصر، وكاتبه وأهدى إليه، وتقبل أثره في ذلك محمد بن خزر أمير مغراوة، وموسى بن أبي العافية أمير مكناسة، وهو يومئذ صاحب المغرب بعد أن ملك قواعد المغرب الأوسط، وهي تنس ووهران وشرشال والبطحاء. وأهدوا إلى الناصر فقبل وكافأهم وأحكم ولايتهم، وبادر جماعة من الأدارسة إلى مثل ذلك منهم: القاسم ابن إبراهيم والحسن بن عيسى، وأهدى صاحب فاس هدية عظيمة وعقد له الناصر على أهل بيته. ولما فشت دعوة الناصر في المغرب الأقصى بعث عبيد الله المهدي قائده أن يصل أمير مكناسة، وعامل تاهرت فزحف في العساكر إلى المغرب سنة إحدى وعشرين، وكتب موسى بن أبي العافية إلى الناصر يستنجده، فأخرج إليه قاسم بن طملس في العساكر، ومعه الأسطول فوصل إلى سبتة وبلغه الخبر بأن موسى بن أبي العافية هزم عساكر حميد فأقصر ورجع حسبما هو مذكور في أخبارهم.

** (أخبار الناصر مع الفرنجة والجلالقة) **

وكان في أول المائة الرابعة ملك على الجلالقة أردون بن رذمير بن برمنذ بن قريولة بن اذفونش بن بيطر. وخرج سنة اثنتين وثلاثمائة إلى الثغر الجوفي لأول ولاية ولاية الناصر، وعاث في جهات ماردة، وأخذ حصن الحنش، وبعث الناصر وزيره أحمد بن عبدة في العساكر إلى بلاده فدوخها، ثم أغزاه ثانية سنة خمس فنكث وقتل. ثم أغزى بدرا مولاه فدوخ ورجع. ثم غزا بنفسه بلاد جليقة سنة ثمان واستنصر أردون بشانجة بن غرسية ملك البشكنس وصاحب بنبولة فهزمهم الناصر، ووطئ بلادهم وخربها، وفتح حصونهم وهدمها وردد الغزو بعد ذلك في بلد غرسية إلى أن هلك أدفونش وولي بعده ابنه فرويلة. قال ابن حيان لما ملك فرويلة بن أردون بن رذمير ملك الجلالقة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة ملك أخوه أدفونش ونازعه أخوه شانجة واستقل غرسية بليون من قواعد ملكهم، وظاهر أدفونش على أمره ابن أخيه وهو أدفونش بن فرويلة، وصهره شانجة فانهزموا وافترقت كلمتهم. ثم اجتمعوا ثانية وخلعوا شانجة وأخرجوه عن مدينة ليون ففر إلى قاصية جليقة، وولى أخاه رذمير بن أردون على ملكه بغربي جليقة إلى قلنسرية. وهلك شانجة إثر ذلك ولم يعقب.

واستقل أدفونش وخرج على أخيه رذمير وملك مدينة سنت ماذكش. ثم أكثروا عليه العذل في نزوعه عن الرهبانية فرجع إلى رهبانيته. ثم خرج ثانيا وملك مدينة ليون وكان رذمير أخوه غازيا إلى سمورة فرجع إليه وحاصره بها حتى اقتحمها عليه عنوة سنة عشرين وثلاثمائة فحسبه، ثم سمله في جماعة من ولد أبيه أردون خافهم على أمره.

وكان غرسية بن شانجة ملك البشكنس لما هلك قام بأمرهم بعده أخته طوطة وكفلت ولده. ثم انتقضت سنة خمس وعشرين فغزا الناصر بلادها وخرب نواحي بليونة وردد عليها الغزوات. وفي أثناء هذه الغزوات نازل محمد بن هشام التجيبي سرقسطة حتى أطاع كما مر، وكذا أمية بن إسحاق في تسترين، وكان الناصر سنة اثنتين وعشرين قد غزا إلى وخشمة، واستدعى محمد بن هشام من سرقسطة فامتنع ورجع إليه، وافتتح حصونه وأخذ أخاه يحيى من حصن روطة. ثم رحل إلى ينبلونة فجاءته طوطة بنت أنثير بطاعتها وعقد لابنها غرسية بن شانجة على ينبلونة. ثم عدل إلى البلة

وبسائطها فدوخها وخرب حصونها. ثم اقتحم جليقة وملكها يومئذ رذمير بن أردون فخام عن اللقاء ودخل هو وحشمه فنازله الناصر فيها، وهدم برغث وكثيرا من معاقلهم، وهزمهم مرارا ورجع. ثم كانت بعدها غزوة الخندق ولم يغز الناصر بعدها بنفسه. وكان يردد الصوائف وهابته أمم النصرانية ووفدت عليه سنة ست وثلاثين رسل صاحب القسطنطينية وهديته وهو يومئذ قسنطين بن ليون بن شل، واحتفل الناصر للقائهم في يوم مشهود، وكتب [1] فيه العساكر بالسلاح في أكمل هيئة وزي، وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور، وجمل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في مواقفهم، ودخل الرسل فهالهم ما رأوا وقربوا حتى أدوا رسالتهم. وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك المحفل، ويعظموا أمر الإسلام والخلافة، ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه، وذلة عدوه فاستعدوا لذلك. ثم بهرهم هول المجلس فرجعوا وشرعوا في الغزل [2] فارتج عليهم، وكان فيهم أبو علي القالي وافد العراق، كان في جملة الحكم ولي العهد، وندبه لذلك استئثارا لفخره، فلما وجموا كلهم قام منذر بن سعيد البلوطي من غير استعداد ولا روية ولا تقدم له أحد في ذلك بشيء فخطب واستخفر، وجلا في ذلك القصد، وأنشد آخره شعرا طويلا ارتجله في ذلك الغرض ففاز بفخر ذلك المجلس، وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع. وأعجب الناصر به وولاه القضاء بعدها، وأصبح من رجالات العالم، وأخباره مشهورة وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيان وغيره. ثم انصرف هؤلاء الرسل وبعث الناصر معهم هشام بن كليب الى الجاثليق ليجدد الهدنة، ويؤكد المودة، ويحسن الإجابة. ورجع بعد سنتين وقد أحكم من ذلك ما شاء، وجاءت معه رسل قسنطين. ثم جاء رسل ملك الصقالبة وهو يومئذ هوتو، وآخر من ملك اللمان، وآخر من ملك الفرنجة وراء المغرب، وهو يومئذ أفوه وآخر من ملك الفرنجة بقاصية المشرق، وهو يومئذ كلدة. واحتفل السلطان لقدومهم وبعث مع رسل الصقالبة ريفا الأسقف إلى ملكهم هوتو ورجعوا بعد سنتين. وفي سنة أربع وأربعين جاء رسول أردون بن رذمير وأبوه رذمير وهو الذي سمل أخاه أدفونش وقد مر ذكره، بعث

بخطب السلم فعقد له. ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فردلند بن عبد شلب قومس قشتيلية فردلند وقد مر ذكره، ومال إلى أردون بن رذمير كما ذكرناه.

وكان غرسية بن شانجة حافد الطوطة بنت أسنين ملكة البشكنس فامتعضت لحل حافدها غرسية ووفدت على الناصر سنة سبع وأربعين ملقية بنفسها في عقد السلم لها ولولدها شانجة بن رذمير الملك، وأعانه حافدها غرسية بن شانجة على ملكه ونصره من عدوه، وجاء ملك جليقة فرد عليه ملكه وخلع الجلالقة طاعة أردون، وبعث إلى الناصر يشكوه على فعلته، وكتب إلى الأمم في النواحي بذلك، وبما ارتكبه فردلند قومس قشتيلة وعظيم قوامسه في نكثه، ووثوبه، ونفر بذلك عند الأمم ولم يزل الناصر على موالاته وإعانته إلى أن هلك. ولما وصل رسول كلدة ملك الإفرنجة بالمشرق كما تقدم، وصل معه رسول مغيرة بن شبير ملك برشلونة وطركونة، راغبا في الصلح فأجابه الناصر ووصل بعده رسول صاحب رومة يطلب المودة فأجيب.

** (سطوة الناصر بابنه عبد الله) **

كان الناصر قد وشحه [1] ابنه الحكم وجعله ولي عهده وآثره على جميع ولده ودفع إليه كثيرا من التصرف في دولته وكان أخوه عبد الله يساميه في الرتبة فغص لذلك وأغراه الحسد بالنكثة فنكث وداخل من في قلبه مرض من أهل الدولة فأجابوه، وكان منهم ياسر الفتى وغيره. ونمي الخبر بذلك إلى الناصر فاستكشف أمرهم حتى وقف على الجلي فيه، وقبض على ابنه عبد الله وعلى ياسر الفتى وعلى جميع من داخلهم وقتلهم أجمعين سنة ثلاث وتسعين.

** (مباني الناصر) **

ولما استفحل ملك الناصر صرف نظره إلى تشييد المباني والقصور، وكان جده الأمير محمد وأبوه عبد الرحمن الأوسط وجده الحكم قد اختلفوا في ذلك، وبنوا قصورهم

على أكمل الاتفاق والضخامة، وكان منها المجلس الزاهر، والبهو الكامل والقصر المنيف فبنى هو إلى جانب الزاهر قصره العظيم، وسماه دار الروضة، وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبناءين من كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية. ثم أخذ في بناء المنتزهات فاتخذ مينا الناعورة خارج القصور، وساق لها الماء من أعلى الجبل على بعد المسافة. ثم اختط مدينة الزهراء واتخذها منزله وكرسيا لملكه، فأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما علا على مبانيهم الأولى واتخذ فيها مجالات للوحش فسيحة الفناء، متباعدة السياح ومسارح الطيور ومظللة بالشباك واتخذ فيها دارا لصناعة آلات من آلات السلاح للحرب والحلي للزينة وغير ذلك من المهن. وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس.

** (وفاة الناصر وولاية ابنه الحكم المستنصر) **

ثم توفي الناصر سنة خمسين وثلاثمائة أعظم ما كان سلطانه، وأعز ما كان الإسلام بملكه. وكان له قضاة أربعة: مسلم بن عبد العزيز وأحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد ابن عبد الله بن أبي عيسى ومنذر بن سعيد البلوطي. ولما توفي الناصر ولي ابنه الحكم وتلقب المستنصر بالله، وولى على حجابته جعفر المصحفي، وأهدى له يوم ولايته هدية كان فيها من الأصناف ما ذكره ابن حيان في المقتبس وهي مائة مملوك من الفرنج ناشئة على خيول صافنة، كاملو الشيكة والأسلحة من السيوف والرماح والدرق والتراس والقلانس الهندوية، وثلاثمائة ونيف وعشرون درعا مختلفة الأجناس، وثلاثمائة خوذة كذلك، ومائة بيضة هندية، وخمسون خوذة حبشية من حبشيات الإفرنجة غير الحبش التي يسمونها الطاشانية وثلاثمائة حربة إفرنجية، ومائة ترس سلطانية الجنس، وعشرة جواشن نقية مذهبة، وخمسة وعشرون قرنا مذهبة من قرون الجاموس، ولأول وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور، فغزا الحكم بنفسه واستباحها، وقفل فبادروا إلى عقد السلم معه وانقبضوا عما كانوا فيه. ثم أغزى غالبا مولاه بلاد جليقة، وسار إلى مدينة سالم قبل الدخول لدار الحرب فجمع له الجلالقة، ولقيهم على أشتة فهزمهم واستباحهم، وأوطأ العساكر بلاد فردلند

القومس، ودوخها وكان شانجة بن رذمير ملك البشكنس قد انتقض، فأغزاه الحكم يحيى بن محمد التجيبي صاحب سرقسطة في العساكر. وجاء ملك الجلالقة لنصره فهزمهم، وامتنعوا في حصونها. وعاث في نواحيها وأغزى الهذيل بن هاشم ومولاه غالبا، فعاثا فيها وقفلا وعظمت فتوحات الحكم وقواد الثغور في كل ناحية، وكان من أعظمها فتح قلهرة من بلاد البشكنس على يد غالب، فعمرها الحكم واعتنى بها. ثم فتح قطريبة على يد قائد وشقة، وغنم ما فيها من الأموال والسلاح والآلات والأقوات. وفي بسيطة من الغنم والبقر والرمك والأطعمة والسبي ما لا يحصى. وفي سنة أربع وخمسين سار غالب إلى بلاد ألبة ومعه يحيى بن محمد التجيبي وقاسم بن مطرف بن ذي النون، فأخذ حصن غرماج، ودوخ بلادهم وانصرف. وظهرت في هذه السنة مراكب المجوس في البحر الكبير، وأفسدوا بسايط أحشبونة وناشبهم الناس القتال، فرجعوا إلى مراكبهم. وأخرج الحكم القواد لاحتراس السواحل، وأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماجس بتعجيل حركة الأسطول. ثم وردت الأخبار بأن العساكر نالت منهم من كل جهة من السواحل. ثم كانت وفادة أردون بن أدفونش ملك الجلالقة. وذلك أن الناصر لما أعان عليه شانجة بن رذمير وهو ابن عمه وهو الملك من قبل أردون وحمل النصرانية. واستظهر أردون بصهره فردلند قومس قشتيلية [1] . ثم توقع مظاهرة الحكم لشانجة كما ظاهره أبوه الناصر، فبادر بالوفادة على الحكم مستجيرا به فاحتفل لقدومه، وكان يوما مشهودا وصفه ابن حيان كما وصف أيام الوفادات قبله. ووصل إلى الحكم وأجلسه ووعده بالنصر على عدوه، وخلع عليه لما جاء ملقيا بنفسه، وعاقده على موالاة الإسلام ومقاطعة فردلند القومس، وأعطى على ذلك صفقة يمينه، ورهن ولده غرسية، ودفعت الصلات والحملات له ولأصحابه. وانصرف معه وجوه نصارى الذمة بقرطبة وليد بن مغيث القاضي، وأصبغ بن عبد الله بن نبيل الجاثليق، وعبد الله بن قاسم مطران طليطلة ليوطئوا له الطاعة عند رسميته، ويقبضوا رهنه، وذلك سنة إحدى وخمسين. وعند ذلك بعث ابن عمه شانجة بن رذمير ببيعته وطاعته مع قولب من أهل جليقة وسمورة وأساقفهم يرغب في قبوله، ويبقى بما فعل أبوه الناصر معه فتقبل بيعتهم على شروط

شرطها كان منها هدم الحصون والأبراج القريبة من ثغور المسلمين. ثم بعث قومس الفرنجة برسل ومنيرة أثناء سير ملك برشلونة وطركونة وغيرها يسألان تجديد العهد، وإقرارهما على ما كانا عليه، وبعثا بهدية وهي عشرون صبيا من الخصيان الصقالبة، وعشرون قنطارا من الصوف السمور، وخمسة قناطير من الفرصدس [1] ، وعشرة أذراع صقلبية، ومائتا سيف إفرنجية، فقبل هديتهم وعقد لهم على أن يهدما الحصون التي بقرب الثغور، وعلى أن لا يظاهروا عليه أهل ملتهم وأن ينذروه بما يكون من النصارى في الإجلاب على المسلمين. ثم وصلت رسل غرسية بن شانجة ملك البشكنس في جماعة من الأساقفة والقواميس يسألون الصلح، بعد أن كان توقف فعقد لهم الحكم ورجعوا. وفي سنة خمس وستين وردت أم لزريق بن بلاكش القومس بالقرب من جليقة، وهو القومس الأكبر، فأخرج الحكم لتلقيها، واحتفل لقدومها في يوم مشهود فوصلها وأسعفها، وعقد السلم لابنها كما رغبت وأحبت، ودفع لها مالا تقسمه بين وفدها، وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثقلين بالذهب وملحفة ديباج.

ثم عاودت مجلس الحكم للوداع فعاودها بالصلات لسفرها وانطلقت. ثم أوطأ عساكره من أرض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط وتلقى دعوته ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة فبثوها في أعمالهم، وخطبوا بها على منابرهم، وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما بينهم. ووفد عليه ملوكهم من آل خزر وبني أبي العافية فأجزل صلتهم وأكرم وفادتهم وأحسن منصرفهم واستنزل بني إدريس من ملكهم بالعدوة في ناحية الريف، وأجازهم البحر إلى قرطبة، ثم أجلاهم إلى الإسكندرية حسبما نشير إلى ذلك كله بعد. وكان محبا للعلوم مكرما لأهلها جماعة للكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. قال ابن حزم: أخبرني بكية الخصي وكان على خزانة العلوم والكتب بدار بني مروان، أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة، في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير. فأقام للعلم والعلماء سلطانا نفقت فيها بضائعه من كل قطر. ووفد عليه أبو علي الغالي صاحب كتاب الأمالي من بغداد فأكرم مثواه وحسنت منزلته عنده، وأورث أهل الأندلس علمه، واختص بالحكم المستنصر واستفاد علمه، وكان يبعث في الكتب

إلى الأقطار رجالا من التجار ويسرب إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، وكان نسبه في بني أمية، وأرسل إليه فيه ألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة منه، قبل أن يخرجه بالعراق. وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، وأمثال ذلك. وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلا ما يذكر عن الناصر العباسي ابن المستضيء. ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر، أمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور ابن أبي عامر. ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة، واقتحامهم إياها عنوة كما نشير إليه بعد. واتصلت أيام الحكم المستنصر، وأوطأ العساكر أرض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط، وتلقى دعوته ملوك زناتة ومغراوة ومكناسة فبثها في أعمالهم، وخطبوا بها على منابرهم، وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما يليهم، ووفد عليه ملوكهم من آل خزر وبني أبي العافية، فأجزل صلتهم وأكرم وفادتهم.

** (وفاة الحكم المستنصر وبيعة ابنه هشام المؤيد) **

ثم أصابت الحكم العلة، فلزم الفراش إلى أن هلك سنة ست وستين وثلاثمائة لست عشرة سنة من خلافته، وولي من بعده ابنه هشام صغيرا مناهز الحلم، وكان الحكم قد استوزر له محمد بن أبي عامر، نقله من خطة القضاء إلى وزارته، وفوض إليه في أموره فاستقل وحسنت حاله عند الحكم، فلما توفي الحكم بويع هشام ولقب المؤيد بعد أن قتل ليلتئذ أخو الحكم المرشح لأمره، تناول الفتك به محمد بن أبي عامر هذا بممالأة جعفر بن عثمان المصحفي حاجب أبيه، وغالب مولى الحكم صاحب مدينة سالم، ومن خصيان القصر ورؤسائهم فائق وجودر، فقتل محمد بن أبي عامر المغيرة وبايع لهشام

** (أخبار المنصور بن أبي عامر) **

ثم سما محمد بن أبي عامر المتغلب على هشام لمكانه في السن، وثاب له رأي في الاستبداد فمكر بأهل الدولة، وضرب بين رجالها، وقتل بعضها ببعض. وكان من رجال اليمنية من مغافر واسمه محمد بن عبد الله بن أبي عامر بن محمد بن عبد الله بن عامر بن محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المغافري، دخل جده عبد الملك مع طارق، وكان عظيما في قومه، وكان له في الفتح أثر، فاستوزره الحكم لابنه هشام كما ذكرناه. فلما مات الحكم حجبه محمد وغلب عليه ومنع الوزراء من الوصول إليه إلا في النادر من الأيام يسلمون وينصرفون. وأرخص للجند في العطاء وأعلى مراتب العلماء وقمع أهل البدع، وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وبصر بالحروب ودين متين. ثم تجرد لرؤساء الدولة ممن عانده وزاحمه، فمال عليهم وحطهم عن مراتبهم، وقتل بعضها ببعض. كل ذلك عن أمر هشام وخطه وتوقيعه حتى استأصل بهم وفرق جموعهم. وأول ما بدأ بالصقالبة الخصيان الخدام بالقصر، فحمل الحاجب المصحفي على نكبتهم فنكبهم وأخرجهم من القصر، وكانوا ثمانمائة أو يزيدون ثم أصهر إلى غالب مولى الحكم، وبالغ في خدمته والتنصح له، واستعان به على المصحفي فنكبه ومحا أثره من الدولة. ثم استعان على غالب بجعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة الفازع إلى الحكم أول الدولة بمن كان معه من زناتة والبربر. ثم قتل جعفر عماله ابن عبد الودود وابن جوهر وابن ذي النون وأمثالهم من أولياء الدولة من العرب وغيرهم. ثم لما خلا الجو من أولياء الخلافة والمرشحين للرئاسة رجع إلى الجند فاستدعى أهل العدوة من رجال زناتة والبرابرة فرتب منهم جندا واصطنع أولياء، وعرف عرفاء من صنهاجة ومغراوة، وبني يفرن وبني برزال ومكناسة وغيرهم، فتغلب على هشام وحجره واستولى على الدولة، وملأ الدنيا وهو في جوف بيته مع تعظيم الخلافة والخضوع لها، ورد الأمور إليها وترديد الغزو والجهاد، وقدم رجال البرابرة زناتة، وأخر رجال العرب وأسقطهم عن مراتبهم فتم له ما أراد من الاستقلال بالملك والاستبداد بالأمر، وابتنى لنفسه مدينة فنزلها وسماها الزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة، وقعد على سرير الملك وأمر أن يحيا بتحية الملوك وتسمى

بالحاجب المنصور، ونفذت الكتب والأوامر والمخاطبات باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر، وكتب اسمه في السكة والطرز، وعمر ديوانه بما سوى ذلك. وجند البرابرة والمماليك واستكثر من العبيد والعلوج للاستيلاء على تلك الرغبة، وقهر من يطاول إليها من الغلبة فظفر من ذلك بما أراد وردد الغزو بنفسه إلى دار الحرب، فغزا اثنتين وخمسين غزوة في سائر أيام ملكه لم ينكسر له فيها راية، ولا فل له جيش، ولا أصيب له بعث، ولا هلكت سرية، وأجاز عساكره إلى العدوة، وضرب بين ملوك البرابرة بعضهم في بعض، فاستوثق ملكه بالمغرب وأذعنت له ملوك زناتة، وانقادوا لحكمه وأطاعوا لسلطانه، وأجاز ابنه عبد الملك إلى ملوك مغراوة بفاس من آل خزر لما سخط زيري بن عطية ملكهم لما بلغه من إعلانه بالنيل منه والغض من ملكهم، والتأنف لحجر الخليفة هشام، فأوقع به عبد الملك سنة ست وثمانين، ونزل بفاس وملكها، وعقد لملوك زناتة على المغرب وأعماله من سجلماسة وغيرها على ما نشير إليه بعد. وشرد زيري بن عطية إلى تاهرت، وأبعد المفر، وهلك في مفره. ثم قفل عبد الملك إلى قرطبة واستعمل واضحا على المغرب، وهلك المنصور أعظم ما كان ملكا وأشد استيلاء سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بمدينة سالم منصرفه من بعض غزواته، ودفن هنالك وذلك لسبع وعشرين سنة من ملكه.

** (المظفر بن المنصور) **

ولما هلك المظفر قام بالأمر من بعده أخوه عبد الرحمن، وتلقب بالناصر لدين الله، وجرى على سنن أبيه وأخيه في حجر الخليفة هشام، والاستبداد عليه والاستقلال بالملك دونه. ثم ثاب له رأي في الاستئثار بما بقي من رسوم الخلافة، فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده فأجابه، وأحضر لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد فكان يوما مشهودا، وكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصه: هذا ما عهد هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامة، وعاهد الذي عليه من نفسه خاصة، وأعطى به صفقة يمينه بيعة تامة بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمه ما جعل الله إليه من الإمامة ونصب إليه من أمر المؤمنين واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي ان هجم محتوم

ذلك عليه، ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه، وملجأ تنعطف إليه، أن يلقى ربه تبارك وتعالى مفرطا ساهيا عن أداء الحق إليها، واعتبر عند ذلك من أحياء قريش وغيرها من يستحق أن يستند هذا الأمر إليه، ويعول في القيام به عليه ممن يستوجبه بدينه وأمانته، وهديه وصيانته، بعد اطراح الهوى والتحري للحق والتزلف إلى الله عز وجل بما يرضيه. وبعد أن قطع الأقاصي وأسخط الأقارب فلم يجد أحدا يوليه عهده ويفوض إليه الخلافة بعده غيره لفضل نسبه، وكرم خيمه، وشرف مرتبته، وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه وتفاوته، المأمون العيب الناصح الحبيب أبي المظفر عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، وفقه الله تعالى إذ كان أمير المؤمنين قد ابتلاه واختبره، ونظر في شأنه واعتبره فرآه مسارعا في الخيرات، سابقا إلى الجليات، مستوليا على الغايات، جامعا للماثرات، ومن كان المنصور أباه والمظفر أخاه فلا غرو أن يبلغ من سبل البر مداه، ويحوي من خلال الخير ما حواه. مع أن أمير المؤمنين أيده الله بما طالع من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الغيب، رأى أن يكون ولي عهده القحطاني الذي حدث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه، فلما استوى له الاختيار وتقابلت عنده الآثار، ولم يجد عنه مذهبا ولا إلى غيره معدلا خرج إليه من تدبير الأمور في حياته، وفوض إليه الخلافة بعد وفاته، طائعا راضيا مجتهدا، وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه وأنفذه، ولم يشترط فيه ثنيا ولا خيارا، وأعطى على الوفاء به في سره وجهره، وقوله وفعله، عهد الله وميثاقه وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، وذمة الخلفاء الراشدين من آبائه، وذمة نفسه أن لا يبدل ولا يغير ولا يحول ولا يزول. وأشهد على ذلك الله والملائكة وكفى بالله شهيدا، وأشهد من أوقع اسمه في هذا، وهو جائز الأمر ماضي القول والفعل بمحضر من ولي عهده المأمون أبي المظفر عبد الرحمن بن المنصور، وفقه الله تعالى وقيد له ما قلده، وألزمه نفسه ما في الذمة. وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكتب الوزراء والقضاة وسائر الناس شهادتهم بخطوط أيديهم. وتسمى بعدها بولي العهد. ونقم أهل الدولة عليه ذلك فكان فيه حتفه، وانقراض دولته ودولة قومه والله وارث الأرض ومن عليها

** (ثورة المهدي ومقتل عبد الرحمن المنصور وانقراض دولتهم) **

ولما حصل عبد الرحمن المنصور على ولاية العهد، ونقم ذلك الأمويون والقرشيون وغصوا بأمره واتفقوا على تحويل الأمر جملة من المضرية إلى اليمنية فاجتموا لشأنهم، وتمشت من بعض إلى بعض رجالاتهم، وأجمعوا أمرهم في غيبة من الحاجب الناصر ببلاد الجلالقة في غزاه من صوائف، ووثبوا بصاحب الشرطة ففتكوا به بمقعده من باب قصر الخلافة بقرطبة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وخلعوا هشاما المؤيد، وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعياص الملك، وأعقاب الخلفاء، ولقبوه المهدي وطار الخبر إلى الحاجب بمكانه من الثغر فانفض جمعه، وقفل إلى الحضرة مدلا بمكانه زعيما بنفسه، حتى إذا قرب من الحضرة تسلل عنه الجند ووجوه البربر، ولحقوا بقرطبة وبايعوا المهدي القائم بالأمر، وأغروه بالناصر واعترضه منهم من تقبض عليه، واحتز رأسه وحمله إلى المهدي وإلى الجماعة وذهبت دولة العامريين.

** (ثورة البربر وبيعة المستعين وفرار المهدي) **

كان الجند من البرابرة وزناتة قد ظاهروا المنصور على أمره وأصبحوا شيعة لبنيه من بعده، ورؤساؤهم يومئذ زاوي بن مناد الصنهاجي وبنو ماكير ابن أخيه زيري، ومحمد ابن عبد الله البرزالي، ونصيل بن حميد المكناسي الفازع أبوه عن العبيديين إلى الناصر، وزيري بن غزانة المتيطي، وأبو زيد بن دوناس اليفرني، وعبد الرحمن بن عطاف اليفرني وأبو نور بن أبي قرة اليفرني، وأبو الفتوح بن ناصر وحزرون بن محصن المغراوي، وبكساس بن سيد الناس، ومحمد بن ليلى المغراوي فيمن إليهم من عشائرهم، فلحقوا بمحمد بن هشام لما رأوا من انتقاض أمر عبد الرحمن وسوء تدبيره. وكانت الأموية تعتد عليهم ما كان من مظاهرتهم العامريين، وتنسب إليهم تغلب المنصور وبنيه على أمرهم فسخطتهم القلوب، وخزرتهم العيون، وتنفست

بذلك صدور الغوغاء من أذيال الدولة، ولفظت به ألسنة الدهماء من المدينة. وأمر محمد بن هشام أن لا يركبوا ولا يتسلحوا وردوا في بعض الأيام من باب القصر، وانتهب العامة يومئذ دورهم، ودخل زاوي وابن أخيه حساسة وأبو الفتوح بن الناصر على المهدي شاكين بما أصابهم، فاعتذر إليهم وقتل من آذاهم من العامة في أمرهم، وكان مع ذلك مظهرا لبغضهم مجاهرا بسوء الثناء عليهم. وبلغهم انه سره الفتك بهم فتمشت رجالاتهم، وأسروا نجواهم. واتفقوا على بيعة هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، وفشا في الخاصة حديثهم، فعوجلوا عن أمرهم ذلك، وأغرى بهم السواد الأعظم، فثاروا بهم وأزعجوهم [1] عن المدينة، وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر، وأحضرا بين يدي المهدي فضرب أعناقهما، ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر وزناتة وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتآمروا فبايعوه ولقبوه المستعين بالله، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة فاستجاش بابن أدفونش. ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة، وبرز إليهم المهدي في كافة أهل البلد وخاصة الدولة، وكانت الدبرة عليهم، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفا، وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد وسدنتها ومؤذنيها عالم. ودخل المستعين قرطبة خاتم المائة الرابعة ولحق ابن عبد الجبار بطليطلة.

** (رجوع المهدي إلى ملكه بقرطبة) **

ولما استولى المستعين على قرطبة خالفه محمد بن هشام المهدي إلى طليطلة واستجاش بابن أدفونش ثانية، فنهض معه إلى قرطبة وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهرها في آخر باب سبتة، ودخل المهدي قرطبة وملكها.

** (هزيمة المهدي وبيعته للمؤيد هشام ومقتله) **

ولما دخل المهدي إلى قرطبة خرج المستعين إلى البرابرة، وتفرقوا في البسائط والقرى

فينهبون ويقتلون ولا يبقون على أحد. ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء، فخرج المهدي وابن أدفونش واتبعهم المستعين والبرابرة أثناء ذلك يحاصرونهم، حتى خشي الناس من اقتحام البرابرة عليهم فأغروا أهل القصر وحاجبه المدبر بالمهدي، وأن الفتنة إنما جاءت من قبله، وتولى كبر ذلك واضح العامري فقتلوا المهدي محمد بن هشام، واجتمعت الكافة على تجديد البيعة لهشام المؤيد ليعتصموا به من معرة البرابرة، وما يسومونهم به ملوكهم من سوء العذاب، وعاد هشام إلى خلافته وأقام واضح العامري لحجابته، وهو من موالي المنصور بن أبي عامر.

** (حصار قرطبة واقتحامها عنوة ومقتل هشام) **

واستمر البرابرة على حصار قرطبة والمستعين بينهم، ولم يفر عن أهل قرطبة، تبعه هشام المؤيد والبرابرة يترددون إليها ذاهبين وجائين بأنواع النهب والفتك، إلى أن هلكت القرى والبسائط، وعدمت المرافق وصافت أحوال أهل قرطبة وجهدهم الحصار. وبعث المستعين والبرابرة إلى ابن أدفونش يستقدمونه لمظاهرتهم، فبعث إليه هشام المؤيد وحاجبه واضحا يكفونه عن ذلك، بأن نزلوا له عن ثغور قشتالة التي كان المنصور اقتحمها فسكن عزمه، وسكن عن مظاهرتهم، ثم اتصل الحصار بمخنق البلد، وصدق البرابرة القتال فاقتحموها عنوة سنة ثلاث وأربعمائة، وفتكوا بهشام المؤيد، ودخل المستعين ولحق بأهل قرطبة من البرابرة في نسائهم ورجالهم وبناتهم وأبنائهم ومنازلهم. وظن المستعين أن قد استحكم أمره، وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال فولوا المدن العظيمة، وتقلدوا الأعمال الواسعة مثل باديس بن حبوس في غرناطة ومحمد بن عبد الله البرزالي في قرمونة وأبو ثور بن أبي شبل [1] بالأندلس، وصار الملك طوائف في آخرين من أهل الدولة مثل ابن عباد بإشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسية ومرسية، وابن هود بسرقسطة ومجاهد العامري بدانية والجزائر منذ عهد هذه الفتنة، كما نذكر في أخبارهم.

** (ثورة ابن حمود واستيلاؤه وقومه على ملك قرطبة) **

ولما افترق شمل جماعة قرطبة وتغلب البرابرة على الأمر، وكان علي بن حمود وأخوه قاسم من عقب إدريس قد أجازوا معهم من العدوة فدعوا لأنفسهم وتعصب معهم الكثير من البربر، وملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وقتلوا المستعين ومحوا ملك بني أمية، واتصل ذلك في خلق منهم سبع سنين. ثم رجع الملك في بني أمية وفي ولد الناصر نحوا من سبع سنين. ثم خرج عنهم وافترق الأمر في رؤساء الدولة من العرب والموالي والبربر، واقتسموا الأندلس ممالك ودولا وتلقبوا بألقاب الخلفاء كما نذكر ذلك كله مستوفى في أخبارهم.

** (عود الملك إلى بني أمية وأولاد المستظهر) **

لما قطع أهل قرطبة دعوة المحموديين بعد سبع من ملكهم، وزحف إليهم قاسم بن حمود في جموع من البربر فهزمهم أهل قرطبة، ثم اجتمعوا واتفقوا على رد الأمر إلى بني أمية، واختاروا لذلك عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار أخا المهدي، وبايعوه في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، ولقبوه المستظهر. وقام بأمره المستكفي ثم ثار على المستظهر لشهرين من خلافته محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر أمير المؤمنين. كان المنصور بن أبي عامر قتل أباه عبد الرحمن لسعيه في الخلاف، فثار الآن محمد هذا وتبعه الغوغاء، وفتك بالمستظهر واستقل بأمر قرطبة وتلقب بالمستكفي.

** (عود الأمر الى بني حمود) **

وبعد ستة عشر شهرا من بيعة المستكفي رجع الأمر إلى يحيى بن علي بن حمود، وهو المعتلي كما يذكر في أخبارهم، وفر المستكفي إلى ناحية الثغر ومات في مفره

** (المعتمد من بني أمية) **

ثم خلع أهل قرطبة المعتلي بن حمود ثانيا سنة سبع عشرة، وبايع الوزير أبو محمد جهور ابن محمد بن جهور عميد الجماعة، وكبير قرطبة لهشام بن محمد أخي المرتضى، وكان بالثغر في لاردة عند ابن هود. ولما بلغه خبر البيعة له انتقل إلى البرنث، واستقر عند التغلب عليها محمد بن عبد الله بن قاسم، وكانت البيعة له انتقل سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وتلقب المعتمد بالله، وأقام مترددا في الثغر ثلاثة أعوام، واشتدت الفتن بين رؤساء الطوائف واتفقوا على أن ينزل دار الخلافة بقرطبة فاستقدمه ابن جهور والجماعة، ونزلها آخر سنة عشرين، وأقام يسيرا. ثم خلعه الجند سنة اثنتين وعشرين، وفر إلى لاردة فهلك بها سنة ثمان وعشرين وانقطعت دولة الأموية والله غالب على أمره.

** (الخبر عن دولة بني حمود التي ادالت من دولة بني أمية بالأندلس وأولية ملكهم وتصاريف أمورهم الى آخرها) **

كان في جملة المستعين مع البربر والمغاربة أخوان من ولد عمر بن إدريس، وهما القاسم وعلي ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر، كانوا في لفيف البرابرة في بلاد غمارة واستجدوا بها رياسة استمرت في بني محمد وبني عمر من ولد إدريس فكانت للبربر إليهم صاغية بسبب ذلك، وخلطة وبقي الفخر منهم بتازغدره من غمارة فأجازوا مع البربر، وصاروا في جملة المستعين مع أمراء العدوة من البربر فعقد لهما المستعين فيمن عقد له من المغاربة عقد لعلي منهما على طنجة وعملها، وللقاسم وكان الأسن على الجزيرة الخضراء. وكان في نفوس المغاربة والبرابرة تشيع لأولاد إدريس متوارث من دولتهم بالعدوة كما ذكرناه. واستقام أمر علي بن حمود وتمكن سلطانه، واتصلت دولته عامين إلى أن قتله صقالبته بالحمام سنة ثمان

وأربعمائة، فولي مكانه أخوه القاسم بن حمود وتلقب بالمأمون. ونازعه في الأمر بعد أربع سنين من خلافته يحيى ابن أخيه علي بسبتة، وكان أمير الغرب وولي عهد أبيه، فبعث إليه أشياعهم من البربر مالا مع جند الأندلس سنة عشر واحتل بمالقة، وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما، فبعث إلى سبتة ووصل إلى يحيى بن علي زاوي بن زيري من غرناطة، وهو عميد البرابرة ثانية يومئذ، فزحف إلى قرطبة فملكها سنة اثنتي عشرة، وتلقب المعتلي واستوزر أبا بكر بن ذكوان، وفر المأمون إلى إشبيلية وبايع له القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد. واستمال بعضا من البرابرة ثانية، واستجاشهم على ابن أخيه ورجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة. ولحق المعتلي بمكانه من مالقة وتغلب على الجزيرة الخضراء عمل المأمون من لدن عهد المستعين، وتغلب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر، وكان المأمون يعتدها حصنا لنفسه وبنيه، ويستودع بها ذخيرته، وبلغ الخبر إلى قرطبة بتغلبه على قواعده وحصونه مع ما كان يتشدد على بني أمية، فاضطرب أمر المأمون وثار عليه أهل قرطبة ونقضوا طاعته، وبايعوا للمستظهر، ثم للمستكفي من بني أمية كما ذكرناه. وتحيز المأمون وبرابرته إلى الأرباض فاعتصموا به، وقاتلوا دونه وحاصروا المدينة خمسين يوما. ثم صمم أهل قرطبة لمدافعتهم فأفرجوا عن الأرباض وانفضت جموعهم سنة أربع عشرة. ولحق المأمون بإشبيلية وبها ابنه محمد، ومحمد بن زيري من رجالات البربر فأطمعه القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد في الملك وأن يمتنعوا من القاسم فمنعوه وأخرجوا إليه ابنه وضبطوا بلدهم. ثم اشتد ابن عباد وأخرج محمد بن زيري، ولحق المأمون بشريش [1] ، ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه فبايعوه سنة خمس عشرة. وزحف إلى عمه المأمون بشريش فتغلب عليه، ولم يزل عنده أسيرا وعند أخيه إدريس من بعده بمالقة إلى أن هلك في محبسه سنة سبع وعشرين وأربعمائة، واستقل يحيى المعتلي بالأمور، واعتقل محمدا والحسن ابني عمه القاسم المأمون بالجزيرة، ووكل بهما أبا الحجاج من المغاربة، وأقاما كذلك. ثم خلع أهل قرطبة المستكفي، وصاروا إلى طاعة المعتلي واستعمل عليهم عبد الرحمن بن عطاف اليفرني من رجالات البربر، وفر المستكفي إلى ناحية الثغر فهلك بمدينة سالم. ثم نقض أهل قرطبة طاعة المعتلي سنة

سبع عشرة واربعمائة وصرفوا عامله عليهم ابن عطاف وبايعوا للمعتمد أخي المرتضى. ثم خلعوه كما ذكرنا في خبره، واستبد بأمر قرطبة الوزير ابن جهور بن محمد كما نذكره في أخبار ملوك الطوائف. وأقام يحيى بن المعتلي يتخيفهم [1] ويردد العساكر لحصارهم إلى أن اتفقت الكافة على إسلام المدائن والحصون له، فعلا سلطانه، واشتد أمره، وظاهره محمد بن عبد الله البرزالي على أمره فنزل عنده بقرمونة يحاصر فيها ابن عباد بإشبيلية إلى أن هلك سنة ست وعشرين بمداخلة ابن عباد للبرزالي في اغتياله، فركب المعتلي لخيل أغارت على معسكره بقرمونة من جند ابن عباد، وقد أكمنوا له، فكبا به فرسه وقتل. وتولى قتله محمد بن عبد الله البرزالي وانقطعت دولة بني حمود بقرطبة. وكان أحمد بن موسى بن بقية والخادم نجى الصقلي وزيري دولة الحموديين عند أولها، فرجعا إلى مالقة دار ملكهم، واستدعوا أخاه إدريس بن علي بن حمود من سبتة وطنجة، وبايعوه على أن يولي سبتة حسن ابن أخيه يحيى فتم أمره بمالقة، وتلقب المتأيد بالله، وبايعه المرية وأعمالها ورندة والجزيرة، وعقد لحسن ابن أخيه يحيى على سبتة، ونهض معه نجى الخادم. وكان له ظهور على ملوك الطوائف، وكان أبوه القاسم بن عباد قد استفحل ملكه لذلك العهد، ومد يده إلى انتزاع البلاد من أيدي الثوار، وملك أشبونة [2] واستجة [3] من يد محمد بن عبد الله البرزالي، وبعث العساكر مع ابنه إسماعيل لحصار قرمونة فاستصرخ محمد بن عبد الله بالقائد هذا وبزاوي فجاء زاوي بنفسه، وبعث القائد هذا عساكره مع ابن بقية فكانت بينهم وبين ابن عباد حروب شديدة، هزم فيها ابن عباد وقتل وحمل رأسه إلى إدريس المتأيد، وهلك ليومين بعدها سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. واعتزم ابن بقية على بيعة ابنه يحيى الملقب حبون فأعجله عن ذلك نجى الخادم، وبادر إليه من سبتة ومعه حسن بن يحيى المعتلي فبايعه البربر، ولقب المستنصر، وقتل ابن بقية وفر يحيى بن إدريس إلى قمارش فهلك بها سنة أربع

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com