John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 26

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 38 of 67

ولما بلغ الخبر إلى السلطان مسعود باستيلاء طغرلبك والسلجوقية على نيسابور، جمع عساكره من غزنة وسار إلى خراسان فنزل بلخ في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة وأصهر إلى بعض ملوك الخانية دفعا لشره. وأقطع خوارزم ولحق إسماعيل بطغرلبك. ثم أراح السلطان مسعود وفرغ من خوارزم والخانية، فبعث السلطان سباسي، فسار إليهم في العساكر فلم يشف نفسه، ونزل سرخس، وعدلوا عن لقائه، ودخلوا المفازة التي بين مرو وخوارزم، واتبعهم السلطان مسعود وواقعهم في شعبان من هذه السنة، فهزمهم فما بعدوا حتى عادوا في نواحيه، فأوقع بهم أخرى. وكان القتلى فيها منهم ألفا وخمسمائة، وهربوا إلى المفازة. وثار أهل نيسابور بمن عندهم وقتلوهم، ولحق فلهم بأصحابهم في المفازة. وعدل السلطان إلى هراة ليجهز العساكر ليطلبهم، فبلغه الخبر بأن طغرلبك سار إلى أستراباذ، وأقام بها في فصل الشتاء يظن أن الثلج يمنعهم عنه، فسار السلطان إليه هنالك، ففارقها طغرلبك وعدل عن طوس إلى جبال الري التي كان فيها طغرلبك وأصحابه، وقد امتنعوا بحالهم خوفا من السلطان لما كان منهم من موالاة السلجوقية، فاغذ إليهم السير، وصبحهم فتركوا أهلهم وأموالهم واعتصموا بوعر الجبل، وغنمت عساكره جميع ما استولوا عليه. ثم صعد إليهم بنفسه وعساكره وهلك كثير من العسكر بالثلج في شعاب الجبل ثم ظفروا بهم في قلة الجبل واستلحموهم، وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ليريح ويخرج في فصل الربيع لطلبهم في المفاوز. ثم عاد طغرلبك وأصحابه من المفازة وبعث إليهم السلطان بالوعيد. فيقال إن طغرلبك قال لكاتبه أكتب إليه:

«قل اللهم مالك الملك» 3: 26 الآية. ولا تزده عليها. ولما ورد الكتاب على السلطان مسعود، كتب إليه «وآنسه بالمواعيد» وبعث إليه بالخلع، وأمره بالرحيل إلى آمل

الشط على جيحون، وأقطع نسا لطغرلبك ودهستان لداود وبدارة لبيقو، وسمى كل واحد منهما بالدهقان، فلم يقبلوا شيئا من ذلك ولا وثقوا به. وأكثروا من العيث والفساد. ثم كفوا عن ذلك، وبعثوا إلى السلطان مسعود يخادعونه بالطاعة ببلخ، ورغبوه في أن يسرح إليهم أخاهم أرسلان المحبوس بالهند، فبعث إليه السلطان مسعود وجاءوا بأرسلان من الهند، ولما لم يتم بينهم أمر بإعادته إلى محبسه.

** (هزيمة السلطان مسعود واستيلاء طغرلبك على مدائن خراسان وأعمالها) **

ولما تغلبت السلجوقية على نواحي خراسان. وفضوا عساكر السلطان وهزموا الحاجب سباسي [1] ، اهتز السلطان لذلك، وأجمع لخراسان الحشد وبث العطاء، وأزاح العلل، وسار من غزنة في الجيوش الكثيفة والفيلة العديدة على التعبية المألوفة، ووصل إلى بلخ، ونزل بظاهرها، وجاء داود بأحيائه فنزل قريبا منه، وأغار يوما على معسكره فساق من باب الملك مسعود عدة من الجنائب المقربات، معها الفيل الأعظم، وارتاع الملك لذلك، وارتحل مسعود من بلخ في رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة ومعه مائة ألف مقاتل. ومر بالجوزجان فصلب الوالي الذي كان بها للسلجوقية، وانتهى إلى مرو الشاهجان. ومضى داود إلى سرخس واجتمع معه أخوه طغرلبك وبيقو، وبعث إليهم السلطان في الصلح، فوفد عليه بيقو فأكرمه السلطان وخلع عليه، وأجابه هو عن أصحابه بالامتناع من الصلح للخوف من السلطان.

وسار من عند السلطان فسقط في يده [2] وسار في اتباعهم من هراة إلى نيسابور، ثم سرخس. كلما تبعهم إلى مكان هربوا منه إلى آخر، حتى أظلهم فصل الشتاء فأقاموا بنيسابور ينتظرون انسلاخه فانسلخ، والسلطان عاكف على لهوه غافل عن شأنه حتى انقضى زمن الربيع. واجتمع وزراؤه وأهل دولته وعذلوه في إهمال أمر عدوه، فسار من نيسابور إلى مرو في طلبهم فدخلوا المفازة، فدخل وراءهم مرحلتين وقد ضجر العسكر من طول السفر وعنائه. وكانوا منذ ثلاث سنين منقلبين فيه منذ سفرهم مع

سباسي فنزل بعض الأيام في منزلة على قليل من الماء، وازدحم الناس على الورود واستأثر به أهل الدولة والحاشية، فقاتلهم عليه الجمهور، ووقعت في العساكر لذلك هيعة. وخالفهم الدعرة إلى الخيام ينهبون ويتخطفون. وكان داود وأحياؤه متابعا للعسكر على قرب يتخطف الناس من حولهم، فشعر بتلك الهيعة فركب في قومه وصدم العساكر وهم في تلك الحال فولوا منهزمين، والسلطان والوزير ثابتان في موقفهما يحرضان الناس على الثبات، فلم يثبت أحد، فانصرفا مع المنهزمين في فل وأتبعهم داود وأثخن فيهم بالقتل. ثم رجع إلى العسكر وقد غنمه أصحابه فآثرهم بالغنائم، وقسم فيهم ما حصل له وقعد على كرسي السلطان، وأقام عسكره ثلاثة أيام ولياليها على ظهر خشية من كر العسكر السلطانية عليهم. ونجا السلطان إلى غزنة فدخلها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقبض على سباسي وغيره من الأمراء، وسار طغرلبك إلى نيسابور فملكها آخر إحدى وثلاثين وأربعمائة، ونهب عسكره أهلها، وكان بها هرج عظيم من الدعرة. وكانوا ينالون من الناس بالنهب والزنا والقتل فارتدعوا لذلك لهيبة طغرلبك، وسكن الناس. وملك السلجوقية البلاد فسار بيقو إلى هراة فملكها وسار داود إلى بلخ وبها الحاجب التوتناش فاستخلفه السلطان عليها، فأرسل إليه داود في الطاعة فسجن الرسل، وحاصره داود. وبعث السلطان مسعود جيشا كثيفا لإمداده، ودفع السلجوقية عن البلاد، فسار فريق منهم إلى الرخج، فدفعوا من كان بها من السلجوقية وهزموهم، وأفحشوا في قتلهم وأسرهم.

وسار فريق منهم إلى بيقو في هراة فقاتلوه ودفعوه عنها ثم بعث السلطان ابنه مودود بعساكر أخرى، وجعل معه وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبره، فسار عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فلما قارب بلخ وداود يحاصرها، بعث داود جماعة من عسكره فلقوا طلائع مودود فهزمهم، فلما وصلت منهزمة تأخر مودود عن نهايته، وأقام وسمع التوتناش بأحجام مودود عنه فأطاع داود وخرج إليه.

** (خلع السلطان مسعود ومقتله وولاية أخيه محمد مكانه) **

ولما بعث السلطان ولده مودود إلى خراسان لمدافعة السلجوقية عنها، وأقام بعده سبعة

أيام، وخرج من غزنة في ربيع سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة يريد الهند للمشتى به على عادة أبيه، ويستنفر الهنود لقتال السلجوقية. واستصحب أخاه محمدا المسمول معه.

وكان أهل الدولة قد ضجروا منه فتفاوضوا في خلعه وولاية أخيه محمد، وأجمعوا ذلك. فلما عبروا نهر سيحون وتقدم بعض الخزائن فتخلف أنوش تكين البلخي في جماعة من الغلمان الفداوية، ونهبوا بقية الخزائن، وبايعوا لمحمد المسمول وذلك في منتصف ربيع الآخر من السنة. وافترق العسكر واقتتلوا وعظم الخطب وانهزم السلطان مسعود، وحاصروه في رباط هناك. ثم استنزلوه على الأمان وخيره أخوه محمد في السكنى فاختار مسعود قلعة كيدي فبعث إليها، وأمر بإكرامه، ورجع محمد بالعساكر إلى غزنة. وفوض إلى ابنه أحمد أمر دولته وكان أهوج فاعتزم على قتل عمه مسعود، وداخل في ذلك عمه يوسف، وعلي خشاوند فوافقوه عليه، وحرضوه فطلب من أبيه خاتمه ليختم به بعض خزائنهم، وبعث به إلى القلعة مع بعض خدمه ليؤدي رسالة مسعود، وهو بخراسان يعتذر بأن أولاد أحمد نيال تكين قتلوا السلطان مسعود قصاصا بأبيهم، فكتب إليه يتوعده. ثم طمع الجند في السلطان محمد ومدو أيديهم إلى الرعايا ونهبوها، وخربت البلاد وارتحل عنها محمد. وكان السلطان مسعود شجاعا كريما غزير الفضل حسن الخط، سخيا محبا للعلماء مقربا لهم محسنا إليهم وإلى غيرهم من ذوي الحاجات، كثير الصلات والعطاء والجوائز للشعراء، حليت تصانيف العلوم باسمه، وكثرت المساجد في البلاد بعمارته. وكان ملكه فسيحا، ملك أصفهان وهمذان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الدارون وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة وبلاد الغور، وأطاعه أهل البر والبحر وقد صنف في أخباره ومناقبه.

** (مقتل السلطان محمد وولاية مودود ابن أخيه مسعود) **

لما بلغ الخبر بمقتل السلطان مسعود إلى ابنه مودود بخراسان سار مجدا في عساكره إلى غزنة فلقيه عمه محمد في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وانهزم محمد وقبض عليه وعلى أبيه أحمد وعبد الرحمن، وعلى أنوش تكين البلخي الخصي، وعلى علي

خشاوند وقتلهم أجمعين، إلا عبد الرحمن لرفقه بأبيه مسعود عند القبض عليه.

وقتل كل من داخل في قبض أبيه وخلعه، وسار سيرة جده محمود، وبلغ الخبر إلى أهل خراسان فثار أهل هراة بمن عندهم من السلجوقية فأخرجوهم، وتشوف أهل خراسان للنصر على الغز من قبل مودود، وكان أبوه السلطان مسعود قد بعث ابنه الآخر إلى الهند أميرا عليها سنة ست وعشرين وأربعمائة فلما بلغه موت أبيه بايع لنفسه وقفل إلى لهاور والملتان فملكهما، وأخذ الأموال وجمع العساكر وأظهر الخلاف على أخيه مودود. وحضر عيد الأضحى فأصبح ثالثه ميتا بلهاور، بعد أن كان مودود يجهز العساكر من غزنة لقتاله، وهو في شغل شاغل من أمره، ففرغ عن الشواغل ورسخت قدمه في ملكه، وخالفه السلجوقية بخراسان وخاطبه خان الترك من وراء النهر بالانقياد والمتابعة.

** (استيلاء طغرلبك على خوارزم) **

كانت خوارزم من ممالك محمود بن سبكتكين وابنه مسعود من بعده، وكان عليها التوتناش حاجب محمود من أكابر أمرائه، ووليها لهما معا، ولما شغل مسعود بفتنة أخيه محمد عند مهلك أبيهما أغار على تكين صاحب بخارى من أطراف البلاد وغيرهما.

فلما فرغ مسعود من مراجعة محمد واستقل بالملك بعث إلى التوتناش بالمسير إلى أعمال علي وانتزاع بخارى وسمرقند منه، وأمده بالعساكر فعبر جيحون سنة أربع وعشرين وأربعمائة وأخذ من بلاد تكين كثيرا فأقام بها، وهرب تكين بين يديه. ثم دعته الحاجة إلى الأموال للعساكر، ولم يكن في جبايته تلك البلاد. وجاء بها فاستأذن في العود إلى خوارزم، وعاد واتبعه علي تكين وكبسه على غرة، فثبت وانهزم علي تكين ونجا إلى قلعة دبوسية. وحاصره التوتناش وضيق عليه فبعث إليه واستعطفه فأفرج عنه، وعاد إلى خوارزم، وكانت به جراحة من هذه الوقعة، فانتقض عليه ومات وترك من الولد ثلاثة وهم: هارون ورشيد وإسماعيل، وضبط وزيره أحمد بن عبد الصمد البلد والخزائن حتى جاء هارون الأكبر من الولد من عند السلطان بعهده على خوارزم، ثم توفي المتميدي وزير السلطان مسعود، وبعث على أبي نصر لوزارته، واستناب أبو نصر عند هارون بخوارزم ابنه عبد الجبار. ثم استوحش من هارون

وسخطه وأظهر العصيان في رمضان سنة خمس وعشرين وأربعمائة فاختفى عبد الجبار خوفا من غائلته، وسعى عند السلطان مسعود. وكتب مسعود إلى شاه ملك بن علي أحد ملوك الأطراف بنواحي خوارزم بالمسير لقتال إسماعيل فسار وملك البلد فهزمهما، وهرب إسماعيل وشكر إلى طغرلبك وداود صريخين، فسار داود إلى خوارزم فلقيهما شاه ملك وهزمهما. ثم قتل مسعود وملك ابنه مودود فدخل شاه ملك بأمواله وذخائره في المفاوز إلى دهستان ثم إلى طبس، ثم إلى نواحي كرمان ثم إلى أعمال البتر ومكران. وقصد أرتاش أخا إبراهيم نيال وهو ابن عم طغرلبك في أربعة آلاف فارس، فأسره وسلمه إلى داود واستأثر هو بما غنم من أمواله. ثم أعاد أرتاش إلى باذغيس، وأقام على محاصرة هراة على طاعة مودود بن مسعود فامتنعوا منه خوفا من معرة هجومه عليهم.

** (مسير العساكر من غزنة الى خراسان) **

ولما ملك الغز خراسان واستولوا على سائر أملاكها وأعمالها. واستولى طغرلبك على جرجان وطبرستان وخوارزم، وإبراهيم نيال على همذان وعلى الري والجبل، وولى على خراسان وأعمالها داود بن ميكائيل، وبعث السلطان أبو الفتح مودود عساكره مع بعض حجابه إلى خراسان سنة خمس وثلاثين، فسرح إليهم داود ابنه آلب أرسلان في العساكر فاقتتلوا، وكان الغلب لألب أرسلان. وعاد عسكر غزنة مهزوما، وسار عسكر من الغز إلى نواحي بست. وعاثوا وأفسدوا، فبعث أبو الفتح مودود إليهم عسكرا فقاتلهم، وانهزموا وظفر عسكر مودود بهم وأثخنوا فيهم.

** (مسير الهنود لحصار لهاور وامتناعها وفتح حصون اخرى من بلادهم) **

وفي سنة خمس وثلاثين اجتمع ثلاثة من ملوك الهند على لهاور، فجمع مقدم العساكر الإسلامية هناك عسكره وبعثهم للدفاع عنها. وبعث إلى السلطان مودود

وحاصرها الثلاثة ملوك. ثم أفرج الآخران وعادا إلى بلادهما. وسارت عساكر الإسلام في اتباع أحدهما وهو دوبالي هربابة فانهزم منهم، وامتنع بقلعة له هو وعساكره، وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل، وحاصرهم المسلمون حتى استأمنوا وسلموا ذلك الحصن وجميع الحصون التي من أعمال الملك، وغنموا أموالهم، وأطلقوا من كان في الحصون من أسرى المسلمين بعد أن أعطوهم خمسة آلاف، ثم ساروا إلى ولاية الملك الآخر واسمه باس الري فقاتلوه وهزموه، وقتل في المعركة هو وخمسة آلاف من قومه، وأسر الباقون، وغنم المسلمون ما معهم. وأذعن ملوك الهند بعدها بالطاعة، وحملوا الأموال وطلبوا الأمان والإقرار على بلادهم فأجيبوا.

** (وفاة مودود وولاية عمه عبد الرشيد) **

ثم توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بغزنة لعشر سنين من ولايته في رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وقد كان كاتب فأجابوه [1] وجمع كليجار صاحب أصفهان العساكر، وسار في المفازة لنصره فمرض في طريقه ورجع. وسار خاقان إلى ترمذ لنصره، وطائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم. وسار مودود من غزنة فعرض له بعد رحيله من غزنة مرض القولنج، فعاد إلى غزنة، وبعث إلى وزيره أبي الفتح عبد الرزاق بن أحمد المتميدي في العساكر إلى سجستان لانتزاعها من الغز. ثم اشتد وجعه فمات ونصب ابنه للأمر خمسة أيام. ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود، وكان مسعود لأول ولايته قبض على عمه عبد الرشيد أخي محمود وحبسه بقلعة بطريق بست. فلما قاربها الوزير أبو الفتح وبلغه وفاة مودود، نزل عبد الرشيد الى العسكر فبايعوا له ورجعوا به إلى غزنة فهرب علي بن مسعود، واستقر الأمر لعبد الرشيد. ولقب سيف الدولة وقيل جمال الدولة. واستقام أمر السلجوقية بخراسان، واندفعت العوائق عنهم.

** (مقتل عبد الرشيد وولاية فرخزاد) **

كان لمودود صاحب اسمه طغرل، وجعله حاجبا ببابه، وكان السلجوقية قد ملكوا سجستان وصارت في قسم بيقو أخي طغرلبك، وولى عليها أبا الفضل من قبله، فأشار طغرلبك على عبد الرشيد بانتزاعها منهم، وألح عليهم في ذلك، فبعث إليها طغرل في ألف فارس، فحاصر حصن الطاق أربعين يوما. وكتب أبو الفضل من سجستان يستنجده، وسار طغرل، ولما سمع أصوات البوقات والدبادب، وأخبر أنه بيقو، فتحاجزوا، وعلم أنه تورط ولقيهم مستميا فهزمهم وسار إلى هراة. واتبعهم طغرل فرسخين وعاد إلى سجستان فملكها، وكتب إلى عبد الرشيد بالخبر، واستمده لغزو خراسان فأمده بالعساكر. ثم حدثته نفسه بالملك، فاغذ السير إلى غزنة حتى كان على خمسة فراسخ منها، كتب إلى عبد الرشيد باستيجاش العسكر وطلبهم الزيادة في العطاء، فشاور أصحابه فكشفوا له وجه المكيدة في ذلك وحذروه من طغرل، فصعد إلى قلعة غزنة وتحصن بها. وجاء طغرل من الغد فنزل في دار الإمارة، وراسل أهل القلعة في عبد الرشيد فأسلموه إليه فقتله واستولى على ملكهم، وتزوج ابنة السلطان عبد الرشيد [1] ويحضهم على الأخذ بثأره فأجابوا ودخلوا عليه في مجلسه [2] ، وقتلوه وجاء ذخير الحاجب لخمسة أيام من مقتله، وجمع وجوه القواد وأعيان البلد، وبايع قرخاد ابن السلطان مسعود، وقام بتدبير دولته وقتل الساعين في [3] إلى غزنة ولقي الغز وهزمهم. ودخل غزنة فملكها

من أيديهم. ثم سار إلى كرمان وسنوران فملكها وكرمان هذه بين غزنة والهند، وليست كرمان المعروفة. ثم سار غياث الدين إلى نهر السند ليعبر إلى لهاور كرسي خسرو شاه بن بهرام شاه، فبادر خسرو شاه ومنعه العبور فرجع وملك ما يليه من جبال الهند وأعمال الأنبار. وولى على غزنة أخاه شهاب الدين ورجع الى فيروزكوه.

** (استيلاء الغورية على لهاور ومقتل خسرو شاه وانقراض دولة بني سبكتكين) **

ولما ولي شهاب الدين الغوري غزنة أحسن السيرة فيهم، وافتتح جبال الهند مما يليه فاستفحل ملكه، وتطاول إلى ملك لهاور قاعدة الهند من يد خسرو شاه، فسار سنة تسع وسبعين وأربعمائة في عسكر غزنة والغور، وعبر إليها وحاصرها، وبذل الأمان لخسروشاه وأنكحه ابنته وسوغه ما يريد من الأقطاع على أن يخرج إليه ويخطب لأخيه فأبى من ذلك. وأقام شهاب الدين يحاصره حتى ضاق مخنقه، وخذله أهل البلد، فبعث القاضي والخطيب يستأمنان له فأمنه ودخل شهاب الدين، وبقي خسرو شاه عنده مكرما، وبقي شهرين ينتظر المعونة من يد غياث الدين، فأنقذ خسرو شاه إليه فارتاب من ذلك، وأمنه شهاب الدين وحلف له، وبعث به وبأهله وولده مع جيش يحفظونهم. فلما وصلوا بلد الغور حبسهم غياث الدين ببعض قلاعه، فكان آخر العهد به. وانقرضت دولة بني سبكتكين بموته، وكان مبدؤها سنة ست وستين وثلاثمائة، فتكون مدة الدولة مائتين وثلاث عشرة سنة.

** (دولة الترك الخبر عن دولة الترك في كاشغر وأعمال تركستان وما كان لهم من الملك في الملة الإسلامية بتلك البلاد وأولية أمرهم ومصاير أحوالهم) **

كان هؤلاء الترك ملوك تركستان، ولا أدري أولية أمرهم بها إلا أن أول من أسلم منهم سبق قراخان، وتسمى عبد الملك، وكانت له تركستان وقاعدتها كاشغر، وبلاساغون وخيمو وما يتصل بها إلى أوان المفازة المتصلة بالصين في ناحية الشمال عنهم، أعمال طراز والشاش وهي للترك أيضا. إلا أن ملوك تركستان أعظم ملكا منهم بكثير. وفي المغرب عنهم بلاد ما وراء النهر التي كان ملكها لبني سامان وكرسيهم بخارى. ولما أسلم ملكهم عبد الكريم سبق أقام على ملكه بتلك الناحية، وكان يطيع بني سامان هو وعقبه يستنفرونهم في حروبهم إلى أن ملك عهد الأمير نوح بن منصور في عشر التسعين والثلاثمائة على حين اضطراب دولة بني سامان، وانتقاض عمالهم بخراسان.

وانتقض أبو علي بن سيجور فراسل بقراخان وأطمعه في ملك بخارى فطمع بقراخان في البلاد. ثم قصد أعمال بني سامان وملكها شيئا فشيئا. وبعث الأمير نوح إليه العساكر مع قائده أنج فلقيهم بقراخان وهزمهم، وأسر أنج وجماعة من القواد. وسار فائق إلى بقراخان واختص به، وصار في جملته، ورجع الأمير نوح إلى بخارى كما مر من قبل، وهلك بقراخان في طريقه.

** (وفاة بقراخان وملك أخيه ايلك خان سليمان) **

ولما ارتحل بقراخان من بخارى وهو على ما به من المرض، أدركه الموت في طريقه فمات سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. وكان دينا عادلا حسن السيرة، محبا للعلماء وأهل الدين مكرما لهم، متشيعا سنيا. وكان مواليا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما مات ولي بعده أخوه ايلك خان سليمان، ولقبه شهير الدولة. واستوثق ملكه بتركستان وأعمالها، ووفد عليه فائق بعد حروبه بخراسان مع جيوش الأمير نوح وسبكتكين وابنه محمود، ولحق به مستصرخا فأكرمه ووعده، وكتب إلى الأمير نوح يشفع في فائق وأن يوليه سمرقند فولاه عليها وأقام بها.

** (استيلاء ايلك خان على ما وراء النهر) **

لما عاد بقراخان على بخارى وعاد إليها الأمير نوح، وقد كان من أبي علي بن سيجور وإجلائه عن خراسان ماكان، استدعى الأمير نوح مولاه سبكتكين بعد ذلك، واختلف ابناه بكثرزون ومنصور كما تقدم ذلك سنة خمس وثمانين وأربعمائة ثم هلك سبكتكين كما تقدم ذلك كله قبل. ثم استوحش بكثرزون من منصور واتفق مع فائق على خلعه، فخلعه وسمله بخراسان سنة تسع وثمانين وأربعمائة وكان فائق خصيا من موالي نوح بن منصور. وهذه الأخبار كلها مستوفاة في دولة بني سامان. ثم بلغ الخبر إلى أيلك خان، فطمع في ملك بخارى وأعمالها، وسار في جموع الترك إلى بخارى موريا بالمحامات عن عبد الملك والنصرة له. وخرج بكثرزون والأمراء والقواد للقائه فقبض عليهم، وسار فدخل بخارى عاشر ذي القعدة من سنة تسع وثمانين واربعمائة ونزل دار الإمارة، وظفر بعبد الملك فحبسه فانكدر حتى مات. وحبس معه أخاه المخلوع أبا الحرث منصور، وأخويه الآخرين إسماعيل ويوسف ابني نوح، وأعمامه محمودا وداود وغيرهم. وانقرضت دولة بني سامان والبقاء لله.

** (ثورة إسماعيل الى بخارى ورجوعه عنها) **

قد تقدم لنا أن إسماعيل فر من محبسه ولحق بخوارزم، واجتمع إليه قوادهم وبايعوه ولقبوه المستنصر. وبعث قائدا من أصحابه إلى بخارى ففر من كان بها من عساكر ايلك خان فهزمهم، وقتل منهم وحبس. وكان النائب بها جعفر تكين أخي ايلك خان فحبسه، واتبع المنهزمين إلى سمرقند، ولحق إسماعيل بأحياء الغز، وجمعوا عليه.

ابن خلدون م 33 ج 4

وجاء ايلك خان في جيوشه، والتقوا فانهزم ايلك خان وأسروا قواده، وغنموا سواده ورجعوا إلى بلادهم. وتشاوروا في الأسرى فارتاب بهم إسماعيل، وعبر النهر وانضمت إليه فتيان سمرقند. واتصل الخبر بايلك خان فجمع والتقى هو وإسماعيل وهزمه بنواحي أسروشنة، وعبر النهر إلى نواحي الجوزجان. ثم إلى مرو، وبعث محمود العساكر في أثره من خراسان، وكذلك قابوس من جرجان فعاد إلى ما وراء النهر وقد ضجر أصحابه، ونزل بحي من العرب فأمهلوه الليل وقتلوه. واستقرت بخارى في ملك ايلك خان، وولى عليها أخوه علي تكين.

** (عبور ايلك خان الى خراسان) **

قد تقدم لنا ما كان انعقد بين ايلك خان ومحمود من المواصلة. ثم دبت عقارب السعاية بينهما، وأكثر محمود من غزو بلاد الهند. ولما سار إلى الملتان اغتنم ايلك خان الفرصة في خراسان وبعث سباسي تكين صاحب جيشه وأخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء وأرسلان الحاجب. فسار أرسلان إلى غزنة وملك سباسي هراة وأقام بها، وبعث إلى نيسابور عسكرا فاستولى عليها وبادر محمود بالرجوع من الهند، وفرق العطايا وأزاح العلل واستنفر الأتراك الخلنجية. وسار إلى جعفر تكين ببلخ ففارقها إلى ترمذ، وبعث العساكر إلى سباسي بهراة، ففارقها إلى مرو ليعبر النهر، فاعترضه التركمان فأوقع بهم، وسار إلى أبيورد والعساكر في اتباعه. ثم سار إلى خراسان فاعترضه محمود وهزمه، وأسر أخاه وجماعة من قواده، وعبر النهر إلى ايلك، وأجلى عساكره وأصحابه عن خراسان، فبعث ايلك خان إلى قراخان ملك الختل، فاستنفر الترك الغزية والخلنجية والهنود، وعسكر على فرسخين من بلخ، وتقدم ايلك وقراخان في عساكرهما، ونزلوا قبالته، واقتتلوا يوما إلى الليل، ومن الغد اشتدت الحرب ونزل الصبر. ثم حمل محمود في الفيلة على ايلك خان في القلب، فاختل المصاف، وانهزم الترك، واتبعهم عساكر محمود وأثخنوا فيهم القتل والأسر إلى أن عبر النهر، وانقلب ظافرا غانما وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.

** (وفاة ايلك خان وولاية أخيه طغان خان) **

ثم هلك ايلك خان سنة ثلاث وأربعمائة وكان مواليا للسلطان محمود ومظاهرا له على أخيه طغان خان. فلما ولي تجدد ما بينه وبين السلطان من الولاية، وصلحت الأحوال وانمحت آثار الفتنة في خراسان وما وراء النهر.

** (وفاة طغان خان وولاية أخيه أرسلان خان) **

ثم توفي طغان خان ملك الترك سنة ثمان وأربعمائة بعد أن كان له جهاد خرجوا من الصين في زهاء ثلاثمائة ألف وقصدوا بلاده في ساعون [1] وهال المسلمين أمرهم فاستنفر طغان طوائف المسلمين وغيرهم، واستقبلهم فهزمهم، وقتل منهم نحو مائة ألف وأسر مثلها، ورجع الباقون منهزمين. ومات طغان إثر ذلك، وولي بعده أخوه أرسلان.

وكان من الغريب الدال على قصد إيمان طغان، أنه كان عند خروج الترك إلى بلاساغون عليلا، فلما بلغه الخبر تضرع لله أن يعافيه حتى ينتقم من هؤلاء الكفرة ويدفعهم عن البلاد، فاستجاب الله دعاءه. وكان محبا لأهل العلم والدين. ولما توفي واصل أرسلان خان الولاية مع السلطان محمود، وأصهر إلى ابنه مسعود في بعض كرائمه فاستحكم الاتصال بينهما.

** (انتقاض قراخان على أرسلان وصلحه) **

كان أرسلان خان قد ولى على سمرقند قراخان يوسف بن بقراخان هارون الذي ملك بخارى، فانتقض عليه سنة تسع وأربعمائة وكاتب السلطان محمود صاحب خراسان يستظهر به على أرسلان خان فعقد السلطان على جيحون جسرا من السفن محكمة

الربط بسلاسل الحديد وعبر إليه. ثم خام عن لقائه فعاد إلى خراسان، وانقطعت الموالاة بينه وبين أرسلان خان، وتصالح مع قراخان واتفقا على محاربة السلطان محمود، والمسير إلى بلاده، فسار إلى بلخ، وقاتلهما السلطان قتالا شديدا حتى انهزم الترك، وعبروا النهر إلى بلادهم، وكان من غرق أكثر ممن نجا وعبر السلطان في أثرهم

** (أخبار قراخان) **

الذي يظهر من كلام ابن الأثير: أن قراخان ولي بلاد الترك بتركستان وبلاساغون، فإنه ذكره عقب هذا الخبر بالعدل وحسن السيرة وكثرة الجهاد. ثم قال عقب كلامه:

فمن فتوحاته ختن بين الصين وتركستان وهي كثيرة العلماء والفضلاء. ثم قال: وبقي كذلك إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فتوفي فيها. ولما توفي خلف ثلاثة بنين:

أرسلان خان وكنيته أبو شجاع ولقبه شرف الدولة، وبقراخان، ولم يذكر الثالث.

والظاهر أنه شرف الدولة. قال: وكان لأرسلان كاشغر وختن وبلاساغون، وخطب له على منابرها، وكان عادلا مكرما للعلماء وأهل الدين، محسنا لهم. وقصده كثير منهم فأكرمهم. قال: وكان لبقراخان طراز وأسبيجاب، ووقعت الفتنة بين بقراخان وأرسلان فغلبه بقراخان وحبسه وملك بلاده. وقال في موضع آخر: كان يقنع من إخوته وأقاربه بالطاعة فقسم البلاد بينهم، وأعطى أخاه أرسلان تكين كثيرا من بلاد الترك، وأعطى أخاه طراز وأسبيجاب، وأعطى عمه طغان خان فرغانة بأسرها، وأعطى ابنه علي تكين بخارى وسمرقند وغيرهما. وقنع هو ببلاساغون وكاشغر.

قال: وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة أسلم كثير من كفار الترك الذين كانوا يطرقون بلاد الإسلام بنواحي بلاساغون وكاشغر، ويعيثون فيها ويصيفون ببلاد بلغار فأسلموا وافترقوا في البلاد، وبقي من لم يسلم، التتر والخطا في نواحي الصين انتهى. ورجع إلى بقراخان الأول وقال فيه حبس أخاه أرسلان خان وملك بلاده. ثم عهد بالملك لولده الأكبر واسمه حسين جعفر تكين. وكان له ولد آخر أصغر من حسين اسمه إبراهيم، فغارت أمه لذلك، وقتلت بقراخان بالسم، وخنقت أخاه أرسلان في محبسه. ثم استلحمت وجوه أصحابه وأمرائه، وملكت ابنها إبراهيم سنة تسع وثلاثين

وأربعمائة وبعثته في العساكر إلى برسخان، مدينة بنواحي تركستان، وكان صاحبها يسمى نيال تكين. فانهزم إبراهيم وظفر به نيال تكين وقتله. واختلف أولاد بقراخان وفسد أمرهم، وقصدهم طقفاج خان صاحب سمرقند وفرغانة، فأخذ من أولاد بقراخان الملك من أيديهم [1] .

** (الخبر عن طقفاج خان وولده) **

كان بسمرقند وفرغانة أيام بني بقراخان وإخوته ملك من الترك الخانية اسمه نصر ايلك، ويلقب عماد الدولة ويكنى أبا المظفر. ثم فلج سنة اثنتين وأربعمائة ومات، وقد عهد بملكه لابنه شمس الدولة نصر، فقصده أخوه طغان خان ابن طقفاج وحاصره بسمرقند وبيته شمس الدولة فهزمه وظفر به. وكان ذلك في حياة أبيهما. ثم جاء بعد مماته إلى محاربة شمس الدولة بقراخان هارون بن قدرخان يوسف وطغرك خان، وكان طقفاج قد استولى على ممالكها وحاصره بسمرقند، ولم يظفروا به ورجعوا عنه، وصارت أعمال الخانية كلها في أيديهما، والأعمال المتاخمة لسيحون لشمس الدولة، والتخم بينهما خجندة. وكان السلطان آلب أرسلان قد تزوج بابنة قدرخان، وكانت قبله زوجا لمسعود بن محمود بن سبكتكين. وتزوج شمس الدولة بابنة آلب أرسلان شمس الملك، وذلك سنة خمس وستين وأربعمائة وملكها [2] ونقل ذخائرها إلى سمرقند. وخاف أهل بلخ منه فاستأمنوا إليه وخطبوا له فيها، لأن أرباس [3] آلب أرسلان سار إلى الجوزجان، وجاء إليها التكين، وولى عليها وعاد إلى ترمذ فثار أهل بلخ بأصحابه وقتلوهم فرجع إليهم، وأمر بإحراق المدينة ثم عفا عنهم وصادر التجار، وبلغ الخبر إلى آلب أرسلان فعاد من الجوزجان وسار في العساكر إلى

ترمذ في منتصف سنة خمس وستين واربعمائة فلقيه التكين وهزمه وغرق كثير من أصحابه في النهر. ثم استقامت الأمور للسلطان ملك شاه فسار إلى ترمذ سنة ست وستين وأربعمائة وحاصرها ورماها بالمنجنيق، وطم خندقها حتى استأمن أهلها واعتصم بقلعتها أخو التكين. ثم استأمن وأطلقه السلطان إلى أخيه. ثم سار ملك شاه إلى سمرقند ففارقها، وبعث أخوه السلطان في الصلح فأجابه ورده إلى سمرقند.

ورجع السلطان إلى خراسان انتهى. قال ابن الأثير: ثم مات شمس الدولة وولي بعده أخوه خضرخان. ثم مات خضرخان فولي بعده ابنه أحمد خان. وكان أحمد هذا أسره ملك شاه في سمرقند لما فتحها، ووكل به جماعة من الديلم، فلقن عنهم معتقدات الإباحة والزندقة. فلما ولي أظهر الانحلال، فاعتزم جنده على قتله، وتفاوضوا في ذلك مع نائبة بقلعة قاشان، فأظهر العصيان عليه، فسار في العساكر وحاصر القلعة، وتمكن جنده منه فقبضوا عليه ورجعوا به إلى سمرقند فدفعوه إلى القضاة وقتلوه بالزندقة. وولوا مكانه مسعود خان ابن عمه. قال ابن الأثير: وكان جده من ملوكهم وكان أصم. وقصده طغان خان بن قراخان صاحب طراز فقبله واستولى على الملك، وولى على سمرقند أبا المعالي محمد بن محمد بن زيد العلوي فوليها ثلاث سنين. ثم عصى عليه فحاصره وأخذه فقتله. ثم خرج طغان خان الى ترمذ فلقيه السلطان سنجر وظفر به وقتله، وأخذها منه عمرخان. وملك سمرقند ثم هرب من جنده إلى خوارزم فظفر به السلطان أحمد. وولي سمرقند محمد خان، وولي بخارى محمد تكين. وقال ابن الأثير في ذكر كاشغر وتركستان: إنها كانت لأرسلان خان بن يوسف قدرخان كما ذكرنا. ثم صارت لمحمود نورا خان صاحب طراز والشاش فملكها سنة وثلاثة أشهر، ثم مات، فولى بعده طغرا خان بن يوسف قدرخان، وملك بلاساغون وأقام ست عشرة سنة. ثم توفي فملك ابنه طغرل تكين شهرين. ثم جاء هارون بقراخان بن طقفاج ثورا خان وهو أخو يوسف طغرل خان فملك كاشغر، وقبض على هارون واستولى على ختن، وما يتصل به إلى بلاساغون، وأقام عشرين سنة، وتوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة، فولي بعده أحمد بن أرسلان خان، وبعث إليه المستظهر بالخلع، ولقبه نور الدولة

** (مقتل قدرخان صاحب سمرقند) **

قال ابن الأثير سنة خمس وتسعين وأربعمائة: ولما سار سنجر إلى بغداد مع أخيه السلطان محمد، طمع قدرخان جبريل بن عمر صاحب سمرقند في خراسان، فخالف إليها سنجر بعد رجوعه إليها، وقد عظم الخلاف بين بركيارق وأخيه محمد.

وكان بعض أمراء سنجر اسمه كنذعري [1] يكاتب قدرخان ويغريه ويستحثه إلى البلاد، فسار قدرخان إلى بلخ سنة سبع وتسعين وأربعمائة في مائة ألفا. وبادر سنجر إليها في ستة آلاف، فلما تقاربا لحق كنذعري بقدرخان، فبعثه إلى ترمذ وملكها.

وجاء الخبر إلى سنجر بأن قدرخان نزل قريبا من بلخ، وأنه خرج متصيدا في ثلاثمائة فارس، فجرد إليه عسكرا مع أميره برغش [2] فهزمهم، وجاء بكنذعري وقدرخان أسيرين. وقيل إنه وقع بينهما مصاف، وانهزم قدرخان وأسر فقتله سنجر، وسار إلى ترمذ فحاصرها حتى استأمن إليه كنذعري فأمنه، ولحق بغزنة وكان محمد أرسلان خان بن سليمان بن داود بقراخان نازلا بمرو فبعث عنه السلطان سنجر، وولاه على سمرقند وهو من نسل الخانية مما وراء النهر، وأمه بنت السلطان سنجر، وولي ملك شاه [3] دفع عن ملك آبائه فقصد مرو، وأقام بها، فلما قتل قدرخان ولاه سنجر أعماله، وبعث معه العساكر الكثيرة فاستولى عليها، واستفحل ملكه. ثم انتقض عليه من أمراء الترك تيمور لنك، وجمع وسار إلى محمد خان بسمرقند وغيرها فاستنجد محمد خان بالسلطان سنجر فأنجده بالعساكر، وسار إلى تيمور لنك فهزمه وفض جموعه، ورجعت العساكر إليه.

** (انتقاض محمد خان عن سنجر) **

ثم بلغ السلطان سنجر سوء سيره محمد في رعيته وإهماله لأوامر السلطان، فسار إليه سنة سبع وخمسمائة فخاف محمد خان غائلته، وبعث إلى الأمير قماج أعظم أمراء سنجر يعتذر ويسأله الصلح، فشرط عليه الحضور عند السلطان، فاعتذر بالخوف، وأنه يقف من وراء جيحون ويقبل الأرض من لك فأجيب إلى ذلك، ووقفوا بعدوة النهر حتى وافى محمد خان بشرطه وسكنت الفتنة.

** (استيلاء السلطان سنجر على سمرقند) **

كان السلطان سنجر لما ملك سمرقند ولى عليها أرسلان خان بن سليمان بقراخان داود فأصابه الفالج، واستناب ابنه نصر خان فوثب به أهل سمرقند وقتلوه. وتولى كبر ذلك اثنان منهم أحدهما علوي، وكان أبوه محمد المفلوج غائبا فعظم عليه، وبعث عن ابنه الآخر من تركستان فجاء وقتل العلوي وصاحبه. وكان والد أرسلان خان قد بعث الى السلطان سنجر يستحثه قبل قدوم ابنه الآخر فسار سنجر لذلك. فلما قدم إلى أبيه أرسلان وقتل قاتلي أخيه، بعث أرسلان إلى السلطان سنجر يعرفه، ويسأله العود إلى بلده فغضب لذلك، وأقام أياما ثم جيء إليه بأشخاص واعترفوا بأن محمدا خان بعثهم لقتله فغضب، وسار إلى سمرقند فملكها عنوة، وتحصن محمد خان ببعض الحصون حتى استنزله سنجر بالأمان بعد مدة وأكرمه. وكانت بنته تحبه، فبعثه إليها وأقام عندها. وولى على سمرقند حسين تكين، ورجع إلى خراسان. ومات حسين تكين فولي بعده عليها محمود بن محمد خان أخا زوجته.

** (استيلاء الخطا على تركستان وبلاد ما وراء النهر وانقراض دولة الخانية) **

نقل ابن الأثير هذا الخبر عن اضطراب عنده فيه، على أن أخبار هذه الدولة الخانية

في كتابه ليست جلية ولا متضحة، وأرجو إن مد الله في العمر أن أحقق أخبارها بالوقوف عليها في مظان الصحة وألخصها مرتبة، فإني لم أوفها حقها من الترتيب لعدم وضوحها في نقله. وحاصل ما قرر في هذا الخبر من أحد طرقه أنه قال: إن بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاساغون وختن وطراز وغيرها مما بجوارها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية من الترك، وهم من نسل فراسياب ملكهم الأول المنازع لملوك الكينية من الفرس. وأسلم جدهم الأول سبق قراخان. ويقال سبب إسلامه أنه رأى في منامه رجلا نزل من السماء، فقال له باللسان التركي ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة فأسلم في منامه، وأصبح مظهرا لإسلامه. ولما مات قام مقامه ابنه موسى واتصل الملك في عقبه إلى أرسلان خان بن محمد بن سليمان سبق فخرج عليه قدرخان في ملكه سنة أربع وتسعين وأربعمائة. واجتمع الترك عليه وكانوا طوائف فكان منهم القارغلية، وبقية الغز الذين عبروا إلى خراسان ونهبوها على ما مر. وكان لأرسلان ابن اسمه نصر خان، وفي صحابته شريف علوي اسمه الأشرف محمد بن أبي شجاع السمرقندي، فحسن له طلب الملك من أبيه وأطمعه فيه فقتلهما أرسلان. ثم وقعت بينه وبين القارغلية من الترك وحشة دعتهم إلى الانتقاض والعصيان، واستنجد بالسلطان سنجر فعبر جيحون بعساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ووصل إلى سمرقند وهرب القارغلية بين يديه. ثم عثر على رجالة استراب بهم فقبض عليهم، وتهددهم فذكروا أن أرسلان خان وضعهم على قتله فرجع إلى سمرقند، وملك القلعة وبعث أرسلان أميرا إلى بلخ فمات بها. وقيل إنه اختراع منه، ووضع هذه الحكاية وسيلة لذلك. ثم ولى السلطان سنجر على سمرقند قلج طمغاج، وهو أبو المعالي الحسن بن علي المعروف بحسين تكين، كان من أعيان بيت الخانية فلم تطل أيامه. ومات فولى سنجر مكانه محمود ابن أخته، وهو ابن السلطان أرسلان فأقام ملكا عليها. وكان ملك الصين كوخان قد وصل إلى كاشغر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة في جيوش كثيفة. ومعنى كوبلسان أهل الصين أعظم، وخان سمة ملوك الترك. وكان أعور وكان يلبس لبسة ملوك الترك، وهو مانوي المذهب. ولما خرج من الصين إلى تركستان انضاف إليه طوائف الخطا من الترك، وكانوا قد خرجوا قبله من الصين، وأقاموا في خدمة الخانية أصحاب تركستان فانضافوا إلى كوملك الصين وكثف جمعه بهم. وزحف إليه صاحب كاشغر، وهو الخان أحمد بن الحسين

بجموعه فهزمه، وأقامت طوائف الخطا معه في تلك البلاد. وكان سبب خروجهم من الصين ونزولهم بلاساغون، أن أرسلان محمد كان يستنجد بهم ويجري عليهم الأرزاق والأقطاعات، وينزلهم مسالح في ثغوره. ثم استوحشوا منه ونفروا وطلبوا الرحلة إلى غير بلده، وارتادوا البلاد واختاروا منها بلد الساغون فساروا إليها وردد عليهم أرسلان الغزو. ولما جاء كوخان ملك الصين صاروا في جملته حتى إذا رجع زحفوا إلى بلاد تركستان فملكوها بلدا بلدا. وكانوا إذا ملكوا المدينة يأخذون دينارا من كل بيت ولا يزيدون عليه، ويكلفون من يطيعهم من الملوك أن يعلق في منطقته لوحا من فضة علامة على الطاعة. ثم ساروا إلى بلاد ما رواء النهر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ولقيهم محمود خان بن أرسلان خان فهزموه إلى سمرقند وبخارى، واستنجد بالسلطان سنجر ودعاه لنصر المسلمين، فجمع العساكر واستنجد صاحب سجستان ابن خلف والغوري صاحب غزنة، وملوك ما وراء النهر وغيرهم. وسار للقائهم وعبر النهر في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وشكا إليه محمود من القارغلية، فأراد أخذهم فهربوا إلى كوخان، وسألوه أن يشفع لهم عند السلطان سنجر، وكتب إليه يشفع لهم فلم يشفعه. وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام ويتهدده.

ولما بلغ الكتاب إلى كوخان عاقب الرسول، وسار للقاء سنجر في أمم الترك والخطا والقارغلية، فلقيه السلطان سنجر أول صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة وعلى ميمنته قماج وعلى ميسرته صاحب سجستان، وأبلى ذلك اليوم وساء أثر القارغلية في تلك الحرب، وانهزم السلطان سنجر والمسلمون، واستمر القتل فيهم. وأسر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان ابنة أرسلان خان محمد، وأطلقهم الكفار.

ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أفحش قتلا. واستقرت الدولة فيما وراء النهر للخطأ والترك، وهم يومئذ على دين الكفر، وانقرضت دولة الخانية المسلمين الذين كانوا فيها. ثم هلك كوخان منتصف سبع وثلاثين وكان جميلا حسن الصوت، ويلبس الحرير الصيني، وكان له هيبة على أصحابه ولا يقطع أحدا منهم خوفا على الرعية من العسف. ولا يقدم أميرا على فوق مائة فارس خشية أن تحدثه نفسه بالعصيان. وينهى عن الظلم وعن السكر ويعاقب عليه. ولا ينهي عن الزنا ولا يقبحه.

ولما مات ملكت بعده ابنته وماتت قريبا فملكت بعدها أمها زوجة كوخان، وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن غلبهم عليه علاء الدين محمد بن خوارزم شاه صاحب

دولة الخوارزمية سنة اثنتي عشرة وستمائة على ما يأتي في أخبار دولتهم.

** (إجلاء القارغلية من وراء النهر) **

لما ملك ما وراء النهر سمرقند وبخارى جقري خان بن حسين تكين من بيت الخانية، وأمره سنة تسع وخمسين وخمسمائة بإجلاء الترك القارغلية من أعمال بخارى وسمرقند إلى كاشغر، وإلزامهم الفلاحة ومجانبة حمل السلاح فامتنعوا من ذلك. وألح عليهم جقري خان فامتنعوا واجتمعوا لحربه. وسار إلى بخارى فبعث إليهم بالوعظ في ذلك والوعد الجميل بخلال ما جمع بقراخان، وكبسهم على بخارى فانهزموا، وأثخن فيهم وقطع دابرهم وأجلاهم عن نواحي سمرقند، وصلحت تلك النواحي والله أعلم.

** (الخبر عن دولة الغورية القائمين بالدولة العباسية بعد بني سبكتكين وما كان لهم من السلطان والدولة وابتداء أمرهم ومصاير أحوالهم) **

كان بنو الحسين أيام سبكتكين ملوكا على بلاد الغور لبني سبكتكين وكانت لهم شدة وشوكة. وكان منهم لآخر دولة بني سبكتكين أربعة أمراء قد اشتهروا واستفحل ملكهم: وهم محمد وشوري والحسين شاه وسام بنو الحسين، ولا أدري إلى من ينسب الحسين وأظنهم إلى بهرام شاه آخر ملوك بني سبكتكين، والتحم به فعظم شأنه. ثم كانت الفتنة بين بهرام وأخيه أرسلان فمال محمد إلى أرسلان، وارتاب به بهرام لذلك. ثم انقضى أمر أرسلان، وسار محمد بن الحسين في جموعه إلى غزنة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، موريا بالزيارة وهو يريد الغدر به، وشعر بذلك بهرام فحبسه ثم قتله، واستوحش الغورية لذلك.

** (مقتل محمد بن الحسين الغوري وولاية أخيه الحسين شاه ثم أخيه شوري) **

ولما قتل محمد ولي من بعده أخوه شاه بن الحسين. ثم كانت الوقعة. وملك بعده أخوه شوري بن الحسين، وأجمع الأخذ بثأر أخيه من بهرام شاه فجمع له، وسار إلى غزنة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فملكها، وفارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند فجمع عسكره التي هناك، ورجع إلى غزنة وعلى مقدمته السلار بن الحسين، وأمير هندوخان [1] إبراهيم العلوي. وسار شوري للقائه فانفض عنه عسكر غزنة إلى بهرام شاه فانهزم وأسره بهرام، ودخل غزنة في محرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وصلب شوري [2] على باب غزنة واستقر في ملكه.

** (مقتل شوري بن الحسين وولاية أخيه علاء الدين ابن الحسين واستيلاؤه على غزنة وانتزاعها منه) **

لما هلك شوري بن الحسين ملك الغور من بعده أخوه الحسين، ويلقب علاء الدولة.

واستولى على جبال الغور ومدينة بيروزكوه [3] المجاورة لأعمال غزنة من بلاد الهند، وهي تقارب في اتساعها بلاد خراسان فاستفحل ملكه، وطمع في ملك خراسان وسار إلى هراة باستدعاء أهلها، فحاصرها ثلاثا ثم ملكها بالأمان وخطب فيها للسلطان سنجر. وسار إلى بلخ وبها الأمير قماج من قبل السلطان سنجر، فغدر به أصحابه، فملك علاء الدولة بلخ، وسار إلى السلطان سنجر وقاتله وظفر به فأسره.

ثم خلع عليه ورده إلى بيروزكوه. ثم سار علاء الدين يريد غزنة سنة سبع وأربعين وخمسمائة ففارقها صاحبها بهرام شاه، وملكها علاء الدولة، وأحسن السيرة واستخلف عليهم أخاه سيف الدولة، وعاد إلى بلاد الغور، فلما جاء فصل الشتاء

وسد الثلج المسالك، كتب أهل غزنة إلى بهرام شاه واستدعوه، فلما وصل وثبوا بسيف الدولة وصلبوه. وبايعوا لبهرامشاه وملكوه عليهم كما كان.

** (انتقاض شهاب الدين وغياث الدين على عمهما علاء الدولة) **

لما استفحل أمر علاء الدولة واستفحل ملكه استعمل على البلاد العمال وكان فيمن ولاه بلاد الغور ابنا أخيه سالم بن الحسين، وهما غياث الدين وشهاب الدين، فأحسنا السيرة في عملهما، ومال إليهما الناس، وكثرت السعاية فيهما عند عمهما بأنهما يريدان الوثوب فبعث عنهما فامتنعا، فجهز إليهما العساكر فهزماها وأظهرا عصيانه، وقطعا خطبته فسار إليهما فقاتلاه قتالا شديدا حتى انهزم فاستأمن إليهما فأجلساه على التخت، وقاما بخدمته. وزوج بنته غياث الدين منهما [1] وبقي مستبدا على عمه علاء الدولة، ثم عهد إليه بالأمر من بعده ومات.

** (وفاة علاء الدولة وولاية غياث الدين ابن أخيه من بعده وتغلب الغز على غزنة) **

ثم توفي علاء الدولة ملك الغورية سنة ست وخمسين، وقام بالأمر من بعده ببيروز كوه غياث الدين أبو الفتح ابن أخيه سالم، وطمع الغز بموته في ملك غزنة فملكوها من يده، وبقي غياث الدين في كرسيه ببيروز كوه وأعمالها، وابنه سيف الدين محمد في بلاد الغور. ثم أساء السيرة الغز في غزنة بعد مقامهم فيها خمس عشرة سنة، واستفحل أمر غياث الدين فسار إلى غزنة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في عساكر الغورية والخلخ والخراسانية ولقي الغز فهزمهم وملك غزنة من أيديهم. وسار إلى كرمان وشنوران فملكهما، وكرمان هذه بين غزنة والهند وليست كرمان المعروفة. ثم سار غياث الدين إلى لهاور ليملكها من يد خسرو شاه بن بهرام، فبادر خسرو شاه إلى نهر المد

ومنعه العبور منه، فرجع وملك ما يليه من جبال الهند وأعماله الأثغار، وولى غزنة أخاه شهاب الدين ورجع إلى بيروز كوه.

** (استيلاء شهاب الدين الغوري على لهاور ومقتل خسرو شاه صاحبها) **

ولما ولي شهاب الدين الغوري غزنة أحسن السيرة فيهم، وافتتح جبال الهند مما يليه فاستفحل ملكه، وتطاول إلى ملك لهاور قاعدة الهند من يد خسرو شاه، فسار سنة تسع وسبعين وخمسمائة في عسارك خراسان والغور وعبر إليها وحاصرها، وبذل الأمان لخسروشاه وأنكحه ابنته وسوغه ما يريد من الأقطاع على أن يخرج إليه ويخطب لأخيه فأبى من ذلك، وبقي شهاب الدين يحاصره حتى ضاق مخنقه بالحصار.

وخذله أهل البلد، فبعث بالقاضي والخطيب يستأمنان له فأمنه ودخل شهاب الدين البلد، وبقي خسرو شاه عنده مكرما، وبعد شهرين وصل الأمر من غياث الدين بإنفاذ خسرو شاه إليه، فارتاب من ذلك فأمنه شهاب الدين، وحلف له وبعث به وبأهله وولده مع جيش يحفظونهم، فلما وصلوا بلاد الغور حبسهم غياث الدين ببعض قلاعه، فكان آخر العهد به وبابنه.

** (استيلاء غياث الدين على هوارة وغيرها من خراسان) **

ولما استقر ملك غياث الدين بلهاور كتب إلى أخيه شهاب الدين الذي تولى فتحها أن يقيم الخطبة له، ويلقبه بألقاب السلطان، فلقبه غياث الدنيا والدين معين الإسلام والمسلمين، قسيم أمير المؤمنين. ولقب أخاه شهاب الدين بعز الدين. ثم لما فرغ شهاب الدين من أمور لهاور وسار إلى أخيه غياث الدين ببيروز كوه واتفق رأيهما على المسير إلى هراة من خراسان سار في العساكر فحاصرها، وبها عسكر السلطان سنجر وأمراؤه فاستأمنوا إليهما، وملكا هراة. وسار إلى بوشنج فملكها، ثم إلى باذغيس كذلك. وولى غياث الدين على ذلك وعاد إلى بيروزكوه وشهاب الدين إلى غزنة ظافرين غانمين

** (فتح أجرة على يد شهاب الدين) **

لما عاد شهاب الدين إلى غزنة راح بها أياما حتى استراحت عساكره. ثم سار غازيا إلى بلاد الهند سنة سبع وأربعين وخمسمائة وحاصر مدينة أجرة وبها ملك من ملوكهم فلم يظفر منه بطائل، فراسل امرأة الملك في أنه يتزوجها إذا ملك البلد، فأجابت بالعذر، ورغبت في ابنتها فأجاب فقتلت زوجها بالسم وملكته البلد، فأخذ الصبية وأسلمت، وحملها إلى غزنة ووسع عليها الجراية، ووكل بها من يعلمها القرآن حتى توفت والدتها، وتوفت هي من بعدها لعشر سنين، ولما ملك البلد سار في نواحي الهند فدوخها، وفتح الكثير منها، وبلغ منها ما لم يبلغه أحد قبله.

** (حروب شهاب الدين مع الهنود وفتح دهلي وولاية قطب الدين أيبك عليها) **

ولما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند، تراسل ملوكهم وتلاوموا بينهم وتظاهروا على المسلمين، وحشدوا عساكرهم من كل جهة، وجاءوا بقضهم وقضيضهم في حكم امرأة ملكت عليهم، وسار هو في عساكره من الغورية والخلخ والخلنجية والخراسانية وغيرهم، والتقوا فمحص الله المسلمين وأثخن فيهم الكفرة بالقتل. وضرب شهاب الدين في يده اليسر فشلت، وعلى رأسه فسقط عن فرسه، وحجز بينهم الليل وحمله جماعة من غلمانه إلى منجاته ببلده. وسمع الناس بنجاته فتباشروا ووفدوا عليه من كل جهة، وبعث إليه أخوه غياث الدين بالعساكر، وعذله في عجلته. ثم ثارت الملكة ثانيا إلى بلاد شهاب الدين بالعساكر، وبعثت إلى شهاب الدين بالخروج عن أرض الهند إلى غزنة، فأجاب إلى ذلك بعد أن يستأذن أخاه غياث الدين وينظر جوابه. وأقاموا على ذلك وقد حفظ الهنود مخاضات النهر بينهم وهو يحاول العبور فلا يجد، وبينما هو كذلك جاءه بعض الهنود، فدله على مخاضة فاستراب به حتى عرفه قوم من أهل أجرة والملتان. وبعث الأمير الحسن بن

حرميد الغوري في عسكر كثيف، وعبر تلك المخاضة ووضع السيف في الهنود فأجفل الموكلون بالمخاضات. وعبر شهاب الدين وباقي العساكر وأحاطوا بالهنود، ونادوا بشعار الإسلام فلم ينج منهم إلا الأقل، وقتلت ملكتهم وأسروا منهم أمما. وتمكن شهاب الدين بعدها من بلاد الهند وحملوا له الأموال وضربت عليهم الجزية فصالحوه وأعطوه الرهن عليها. وأقطع قطب الدين أيبك مدينة دلهي، وهي كرسي الممالك التي فتحها، وأرسل عسكرا من الخلخ مختارين ففتحوا من بلاد الهند ما لم يفتحه أحد، حتى قاربوا حدود الصين من جهة الشرق، وذلك كله سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.

** (مقتل ملك الغور محمد بن علاء الدين) **

قد تقدم لنا أن محمد بن علاء الدين ملك الغور بعد أبيه، وأقام مملكا عليها. ثم سار سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بعد أن احتفل في الاحتشاد وجمع العساكر، وقصد بلخ وهي يومئذ للغز فزحفوا إليه. وجاءهم بعض العيون بأنه خرج من معسكره لبعض الوجوه في خف من الجند، فركبوا لاعتراضه، ولقوة فقتلوه في نفر من أصحابه، وأسروا منهم آخرين، ونجا الباقون إلى المعسكر فارتحلوا هاربين إلى بلادهم، وتركوا معسكرهم بما فيه فغنمه الغز وانقلبوا إلى بلخ ومروا ظافرين غانمين.

** (الفتنة بين الغورية وبين خوارزم شاه على ما ملكوه من بلاد خراسان) **

قد تقدم لنا أن غياث الدين وشهاب الدين ابني أبي الفتح سام بن الحسين الغوري رجعا إلى خراسان سنة سبع وأربعين وخمسمائة فملكا هراة وبوشنج وباذغيس وغيرها. وذلك عند انهزام سنجر أمام الغز، وافترق ملكه بين أمرائه ومواليه فصاروا طوائف، وأظهرهم خوارزم شاه بن أنس بن محمد بن أنوشتكين صاحب خوارزم.

فلما كان سنة خمس وسبعين وخمسمائة قام بأمره ابنه سلطان شاه، ونازعه أخوه علاء الدين تكين فغلبه على خوارزم. وخرج سلطان شاه إلى مرو فملكها من يد الغز. ثم

أخرجوه منها فاستجاش بالخطا وأخرجهم من مرو وسرخس ونسا وأبيورد، وملكها جميعا، وصرف الخطا إلى بلادهم. وكتب إلى غياث الدين أن ينزل له عن هراة وبوشنج وباذغيس وما ملكه من خراسان وهدده على ذلك فراجعه بإقامة الخطبة له بمرو وسرخس وما ملكه من خراسان، فامتعض لذلك سلطان شاه وسار إلى بوشنج فحاصرها وعاث في نواحيها. وجهز غياث الدين عساكره مع صاحب سجستان وابن أخته بهاء الدين سام بن باميان لغيبة أخيه شهاب الدين في الهند، فساروا إلى خراسان، وكان سلطان شاه يحاصر هراة فخام عن لقائهم ورجع إلى مرو، وعاث في البلاد في طريقه، وأعاد الكتاب إلى غياث الدين بالتهديد فاستقدم أخاه شهاب الدين من الهند، فرجع مسرعا، وساروا إلى خراسان. وجمع سلطان شاه جموعا ونزل الطالقان، وترددت الرسل بين سلطان شاه وغياث الدين حتى جنح إلى الصلح بالنزول له عن بوشنج وباذغيس، وشهاب الدين يجنح إلى الحرب، وغياث الدين يكفهم. وجاء رسول سلطان شاه لا تمام العقد، فقام شهاب الدين العلوي وقال:

لا يكون هذا أبدا، ولا تصالحوه، وقام شهاب الدين ونادى في عسكره بالحرب، والتقدم الى مروالروذ. وتواقع الفريقان فانهزم سلطان شاه ودخل إلى مرو في عشرين فارسا، وبلغ الخبر إلى أخيه فسار لتعرضه عن جيحون وسمع سلطان شاه بتعرض أخيه له فرجع عن جيحون، وقصد غياث الدين فأكرمه وأكرم أصحابه، وكتب أخوه علاء الدين في رده إليه، وكتب إلى نائب هراة يتهدده، فامتعض غياث الدين لذلك، وكتب إلى خوارزم شاه بأنه مجير وشفيع له، ويطلب بلاده وميراثه من أبيه، ويضمن له الصلح مع أخيه سلطان شاه. وطلب منه مع ذلك أن يخطب له بخوارزم، ويزوج أخته من شهاب الدين فامتعض علاء الدين لذلك، وكتب بالتهديد فسرح غياث الدين جميع عساكره مع سلطان شاه إلى خوارزم شاه، وكتب إلى المؤيد أبيه صاحب نيسابور يستنجده، فجمع عساكره وقام في انتظارهم، وسمع بذلك علاء الدين تكش، وهو زاحف للقاء أخيه سلطان شاه، وعساكر الغورية، فخشي أن يخالفوه إلى خوارزم وكر إليها راجعا. واحتمل أمواله وعبر إلى الخطا.

وقدم فقهاء خوارزم في الصلح والصهر، ووعظه الفقهاء وشكوا إليه بأن علاء الدين يستجيش بالخطا، فإما أن تتخذ مرو كرسيا لك فتمنعنا منهم، أو تصالحه، فأجاب إلى الصلح، وترك معاوضة البلاد ورجع إلى كرسيه.

ابن خلدون م 34 ج 4

** (غزوة شهاب الدين الى الهند وهزيمة المسلمين بعد الفتح ثم غزوته الثانية وهزيمة الهنود وقتل ملكهم وفتح اجمير) **

كان شهاب الدين قد سار سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة الى الهند، وقصد بلاد أجمير وتعرف بولاية السواك، واسم ملكهم كوكه، فملك عليهم مدينة تبرندة ومدينة أسرستي وكوه رام، فامتعض الملك وسار للقاء المسلمين ومعه أربعة عشر فيلا ولقيهم شهاب الدين في عساكر المسلمين، فانهزمت ميمنته وميسرته، وحمل على الفيلة فطعن منها واحدا، ورمي بحربة في ساعده فسقط عن فرسه. وقاتل أصحابه عليه فخلصوه وانهزموا، ووقف الهنود بمكانهم ولما أبعد شهاب الدين عن المعركة نزف من جرحه الدم فأصابه الغشي، وحمله القوم على أكتافهم في محفة اتخذوها من اللبود ووصلوا به إلى لهاور. ثم سار منها إلى غزنة فأقام إلى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وخرج من غزنة غازيا لطلب الثأر من ملك الهند، ووصل إلى برساور [1] وكان وجوه عسكره في سخطة منه منذ انهزموا عنه في النوبة الأولى، فحضروا عنده واعتذروا ووعدوا من أنفسهم الثبات، وتضرعوا في الصفح فقبل منهم، وصفح عنهم، وسار حتى انتهى إلى موضع المصاف الأول وتجاوزه بأربع مراحل، وفتح في طريقه بلادا.

وجمع ملك الهند وسار للقائه فكر راجعا الى أن قارب بلاد الإسلام بثلاث مراحل، ولحقه الهنود قريبا من بربر [2] فبعث شهاب الدين سبعين ألفا من عسكره لياتوا العدو من ورائهم، وواعدهم هو الصباح، وأسرى هو ليلة فصابحهم فذهلوا، وركب الملك فرسه للهروب فتمسك به أصحابه، فركب الفيل واستماتت قومه عنده، وكثر فيهم القتل، وخلص إليه المسلمون فأخذوه أسيرا، وأحضروه عند شهاب الدين فوقف بين يديه وجذبوا بلحيته حتى قبل الأرض. ثم أمر به فقتل ولم ينج من الهنود إلا الأقل. وغنم المسلمون جميع ما معهم وكان في جملة الغنائم الفيول. ثم سار شهاب الدين إلى حصنهم الأعظم وهو أجمير ففتحه عنوة، وملك جميع البلاد التي

تقاربه، وأقطعها كلها لمملوكه أيبك [1] نائبة في دلهي وعاد إلى غزنة.

** (غزوة بناوس ومقتل ملك الهند ثم فتح بهنكر) **

كان شهاب الدين ملك غزنة قد أمر مملوكه قطب الدين أيبك خليفته على دلهي أن يغزو بلاد الهند من ناحيته، فسار فيها ودوخها وعاث في نواحيها. وسمع ملك بناوس [2] وهو أكبر ملوك الهند، وولايته من تخوم الصين إلى بلاد ملئوا طولا، ومن البحر الأخضر إلى عشرة أيام من لهاور عرضا وأهل تلك البلاد من أيام السلطان محمود مقيمون على إسلامهم، فاستنفر معه مسلمون كانوا في تلك البلاد، فسار إلى شهاب الدين سنة تسعين وخمسمائة والتقوا على ماحون [3] نهر كبير يقارب دجلة فاقتتلوا، ونزل الصبر. ثم نصر الله المسلمين واستلحم الهنود، وقتل ملكهم، وكثر السبي في جواريهم والأسرى من أبنائهم، وغنموا منهم تسعين فيلا. وهرب بقية الفيول وقتل بعضها. ودخل شهاب الدين بلاد بناوس، وحمل من خزائنها ألفا وأربعمائة حمل، وعاد إلى غزنة. ثم سار سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى بلاد الهند وحاصر قلعة بهنكر حتى تسلمها على الأمان، ورتب فيها الحامية. وسار إلى قلعة كواكير [4] ، وبينهما خمس مراحل يعترضها نهر كبير فحاصرها شهرا حتى صالحوه على مال يحملونه، فحملوا إليه حمل فيل من الذهب، فرحل عنهم إلى بلاد أبي رسود [5] فأغار ونهب وسبى وأسر، وعاد إلى غزنة ظافرا.

** (استيلاء الغورية على بلخ وفتنتهم مع الخطا بخراسان) **

كان الخطا قد غلبوا على مدينة بلخ وكان صاحبها تركيا اسمه ازبة [6] يحمل إليهم

الخراج كل سنة وراء النهر، فتوفي أزبة سنة أربع وتسعين وخمسمائة وكان بهاء الدين سام بن محمد بن مسعود صاحب باميان من قبل خاله غياث الدين فسار إلى بلخ، وقطع الحمل للخطأ، وخطب لغياث الدين وصارت من جملة بلاد الإسلام بعد أن كانت في طاعة الكفار. فامتعض الخطا لذلك، واعتزموا على فتنة الغورية. واتفق أن علاء الدين تكش صاحب خوارزم بعث إليهم يغريهم ببلاد غياث الدين. وكان سبب ذلك أنه ملك الري وهمذان وأصفهان وما بينهما، وتعرض لعساكر الخليفة، وطلب الخطبة والسلطنة ببغداد مكان ملوك السلجوقية، فبعث الخليفة يشكوه إلى غياث الدين يقبح فعله وينهاه عن قصد العراق، ويتهدده بسلطان شاه وأخذ بلاده، فأنف من ذلك وبعث إلى الخطا يغريهم ببلاده، فجهز ملك الخطا جيشا كثيفا مع مقدم عساكره وعبروا النهر إلى بلاد الغور. وسار علاء الدين تكش إلى طوس لحصارها، لأن غياث الدين عاجز عن الحركة بعلة النقرس، فعاثوا في بلاده ما شاء الله وحاصر الخطا بهاء الدين فاشتدت الحرب وثبت المسلمون. وجاء المدد من عند غياث الدين، ثم حملوا جميعا على الخطا فهزموهم إلى جيحون وألقى الكثير منهم أنفسهم في الماء، فهلك منهم نحو اثني عشر ألفا، وعظم الأمر على ملك الخطا، وبعث إلى علاء الدين تكش صاحب خوارزم يطوقه الذنب ويطالبه بدية القتلى من أصحابه. والزمه الحضور عنده، فبعث علاء الدين تكش يشكو ذلك إلى غياث الدين فرد جوابه باللوم على عصيان الخليفة، ودعا ذلك علاء الدين إلى الفتنة مع الخطا وانتزاعه بخارى من أيديهم كما يأتي في أخبارهم.

** (استيلاء الغورية على ملك خوارزم شاه بخراسان) **

ثم توفي علاء الدين تكش صاحب خوارزم وكان قد ملك بعض خراسان وبلاد الري والبلاد الجبالية، فولي بعده ابنه قطب الدين، ولقب علاء الدين بلقب أبيه، وولى علاء الدين أخاه علي شاه خراسان، وأقطعه نيسابور. وكان هندوخان ابن أخيهما ملك شاه فخاف عمه فلحق بمرو، وجمع الجموع وبعث إليه عمه محمد العسكر مع

جنقر التركي [1] فهرب هندوخان، ولحق بغياث الدين مستنجدا به على عمه فأكرمه ووعده. ودخل جنقر إلى مرو، وحمل منها ولد خان وأمه مكرمين إلى خوارزم.

وأرسل غياث الدين إلى صاحب الطالقان محمد بن خربك [2] بأن يتهدد جنقر، فسار من الطالقان واستولى على مروالروذ [3] وبعث إلى جنقر يأمره بالخطبة بمرو لغياث الدين أو يفارقها، فأساء الجواب ظاهرا، واستأمن إلى غياث الدين سرا، ولما علم غياث الدين بذلك قوي طمعه في البلاد، وكتب إلى أخيه شهاب الدين بالمسير إلى خراسان، فسار من غزنة في عساكره في منتصف سنة ست وتسعين وخمسمائة ولما انتهى إلى الطالقان استحثه جنقر صاحب مرو للبلد، وأخبره بطاعته حتى إذا وصل إليه خرج في العساكر فقاتله، وهزمه شهاب الدين، وزحف بالفيلة إلى السور فاستأمن جنقر وخرج إليه، وملك شهاب الدين مرو وبعث بالفتح إلى غياث الدين فجاء إلى مرو، وبعث جنقر إلى هراة مكرما، وسلم مرو إلى هندوخان ابن ملك شاه المستنجد به، وأوصاه بالإحسان إلى أهلها. وسار إلى سرخس فحاصرها ثلاثا وملكها على الأمان، وأرسل إلى علي شاه نائب علاء الدين محمد بنيسابور، وينذره الحرب إن امتنع من الطاعة فاستعد للحصار، وخربوا العمائر بظاهرها وقطعوا الأشجار، وحمل محمود بن غياث الدين فضايق البلد، وملك جانبها ورفع راية أبيه على السور. وحمل شهاب الدين من الناحية الأخرى، فسقط السور بين يديه وملك البلد ونهب الجند عامتها. ثم نادوا بالأمان ورفع النهب، واعتصم الخوارزميون بالجامع فأخرجهم أهل البلد إلى غياث الدين. ثم سار إلى قهستان، فذكر له عن قرية في نواحيها أن أهلها إسماعيلية فدخلها وقتل المقاتلة وسبى الذرية، وخرب القرية. ثم سار إلى مدينة أخرى [4] ذكر له عنها مثل ذلك، وأرسل صاحب قهستان إلى غياث الدين يستغيثون من شهاب الدين ويذكرونه العهد، فأرسل غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بالرجوع عنهم طوعا أو كرها.

ووصل الرسول بذلك فامتنع، فقطع طنب خيمته ورحل العسكر فرحل شهاب الدين كرها ورجع إلى غزنة.

** (فتح نهر واكد [1] من الهند) **

لما رجع شهاب الدين من خراسان غاضبا من فعل أخيه، لم يعرج على غزنة، ودخل بلاد الهند غازيا سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وبعث في مقدمته مملوكه قطب الدين أيبك، ولقيه عساكر الهند دون نهر واكد [1] فهزمهم أيبك، واستباحهم وتقدم إلى نهر واكد فملكها عنوة، وفارقها ملكها وجمع، ورأى شهاب الدين أنه لا يقوم بحمايتها إلا مقامه فيها، فصالح ملكها على مال يؤديه إليه عنها، ورجع إلى غزنة.

** (اعادة علاء الدين محمد صاحب خوارزم ما أخذه الغورية من خراسان) **

لما فصل الغورية عن خراسان وملكوا ما ملكوه منها، وسار شهاب الدين إلى الهند غازيا، بعث علاء الدين محمد صاحب خوارزم إلى غياث الدين يعاتبه على ما فعل في خراسان، ويطلب إعادة بلده، ويهدده باستدعاء عساكر الخطا، فصانعه في الخطا حتى قدم شهاب الدين فطمع بالمصانعة. وبعث إلى نائبهم بخراسان يأمره بالرحيل عن نيسابور، ويتهدده، فكتب إلى غياث الدين بذلك، وبميل أهل نيسابور إلى عدوهم، فوعده النصر. وسار إليه علاء الدين صاحب خوارزم آخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة. فلما انتهى إلى نسا وأبيورد هرب هندوخان ابن أخيه، ولحق بغياث الدين في فيروزكوه وملك علاء الدين مدينة مرو وسار إلى نيسابور وحاصرها شهرين، فلما أبطأ عن نائبها المدد من غياث الدين استأمن لصاحب خوارزم، وخرج إليه هو وأصحابه فأحسن إليهم، وطلب علاء الدين أن يسعى في الصلح بينه

وبين غياث الدين وأخيه، فوعده بذلك، وسار إلى هراة فأقام بها ولم يمض إلى غياث الدين سخطه لتأخر المدد عنه. واختص صاحب خوارزم الحسن بن حرميل [1] من أعيان الغورية، واستحلفه أن يكون معه عند غياث الدين. ثم سار إلى سرخس وبها الأمير زنكي، فحاصره أربعين يوما، وتعددت بينهما حروب. ثم بعث ابنه زنكي بأن يتأخر عن البلد قليلا حتى يخرج هو وأصحابه، فتأخر بأصحابه، وخرج زنكي فشحن البلد بالأقوات والحطب، وأخرج من ضاق به الحصار. وتحصن فندم صاحب خوارزم على تأخره، وجهز عسكرا لحصاره ورجع. فلما بعد سار محمد بن خربك من الطالقان، وأرسل إلى زنكي بأن يكبس العسكر الذي عليه. ونذر بذلك أهل العسكر، فأفرجوا عن سرخس. وخرج زنكي ولقي محمد بن خربك في مرو، وجبوا خراج تلك الناحية، وبعث إليهم صاحب خوارزم عسكرا من الثلاثة آلاف فارس فلقيهم محمد بن خربك في تسعمائة فهزمهم، وغنم معسكرهم، وعاد صاحب خوارزم إلى بلده وأرسل إلى غياث الدين في الصلح فأجابه مع أمير من أكابر الغورية اسمه الحسن بن محمد المرغني فقبض عليه صاحب خوارزم وحبسه. ومرغن من قرى الغور.

** (حصار هراة) **

لما بعث صاحب خوارزم إلى غياث الدين في الصلح وجاء عند الحسن المرغني تبين عنه المغالطة فحبسه، وسار إلى هراة وحاصرها، وكان بها أخوان من خدمة السلطان شاه تكش، فكتبا إلى صاحب خوارزم ووعداه بالثورة له في البلد، وكانا يليان مفاتح الأبواب وأمور الحصار في داخل، فأطلع الأمير الحسن المرغني المحبوس عند صاحب خوارزم على أمرهما، فبعث إلى أخيه بذلك عمر صاحب هراة [2] فاعتقلهما. وبعث غياث الدين العساكر مددا لهراة مع ابن أخته ألب غازي فنزل على خمسة فراسخ منها، ومنع المسيرة عن عسكر صاحب خوارزم فبعث صاحب

خوارزم عسكرا إلى الطالقان للغارة عليها، فقاتلهم الحسن بن خربك فظفر بهم، ولم يفلت منهم أحد. ثم سار غياث الدين في عساكره ونزل قريبا من هراة، فاعتزم صاحب خوارزم على الرحيل بعد حصار أربعين يوما لهزيمة أصحابه بالطالقان، ومسير العساكر مع ألب غازي، ثم مسير غياث الدين. ثم توقعه عود شهاب الدين من الهند. وكان قد وصل إلى غزنة منتصف ثمان وتسعين وخمسمائة فراسل أمير هراة وصالحه على مال حمله إليه، وارتحل عن البلد وبلغ الخبر شهاب الدين، وجاء إلى طوس وشتى بها عازما على حصار خوارزم، فجاء الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فأثنى عزمه وسار إلى هراة.

** (وفاة غياث الدين وانفراد شهاب الدين بالملك) **

ثم توفي غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام صاحب غزنة وبعض خراسان وفيروزكوه ولهاوور ودهلي [1] من الهند وكان أخوه شهاب الدين بطوس كما ذكرنا فسار إلى هراة، وأظهر وفاة أخيه، وجلس للعزاء، وخلف غياث الدين ابنا اسمه محمود، فلقب غياث الدين. ولما سار شهاب الدين عن طوس استخلف مرو الأمير محمد بن خربك، وبعث إليه صاحب خوارزم العساكر، فبيتهم ولم ينج منهم إلا القليل، وأنفذ بالأسارى والرءوس إلى هراة وأعاد إليه صاحب خوارزم الجيوش مع منصور التركي، فلقيهم على عشرة فراسخ من مرو فهزموه وحاصروه خمسة عشر يوما حتى استأمن إليهم وخرج فقتلوه. وترددت الرسل بين شهاب الدين وصاحب خوارزم في الصلح فلم يتفق بينهما أمر. ولما اعتزم شهاب الدين على العود إلى غزنة ولى على هراة ابن أخته ألب غازي وقلد علاء الدين محمد الغوري مدينة فيروز كوه وبلد الغور، وجعل إليه حرب خراسان وأمور المملكة. وجاءه محمود ابن أخيه غياث الدين فولاه على بست وأسفراين [2] وتلك الناحية وبعده عن الملك جملة. وكانت لغياث الدين

زوجة مغنية شغف بها وتزوجها، فقبض عليها شهاب الدين وضربها ضربا مبرحا وضرب ولدها غياث الدين وزوج أختها واستصفاهم وغربهم إلى بلاد الهند. وكانت بنت مدرسة ودفنت فيها أباها [1] ، فخربها ونبش قبورهم ورمى بعظامهم. وكان غياث الدين ملكا عظيما مظفرا على قلة حروبه، فإنه كان قليل المباشرة للحروب، وكان ذا هيبة جوادا حسن العقيدة، كثير الصدقة، بنى بخراسان وغيرها المساجد والمدارس للشافعية، وبنى الخوانك في الطرق، وبنى على ذلك الأوقاف الكثيرة، وأسقط المكوس، وكان لا يتعرض إلى مال أحد، ومن مات ووارثه غائب دفعه إلى أمناء التجار من أهل بلده ليوصلوه إلى ورثته، فإن لم يجد تاجرا ختم عليه القاضي إلى أن يصل مستحقه. وإن كان لا وارث له تصدق عنه بماله. وكان يحسن إلى أهل البلد إذا ملكها، ويفرض الأعطيات للفقهاء كل سنة من خزائنه، ويفرق الأموال على الفقراء، ويصل العلوية والشعراء. وكان أديبا بليغا بارع الخط ينسخ المصاحف ويفرقها في المدارس التي بناها. وكان شافعي المذهب من غير تعصب لهم، ويقول التعصب في المذاهب هلاك.

** فتنة الغورية مع محمد بن تكش صاحب خوارزم وحصار هراة ثم حصارهم خوارزم وحروب شهاب الدين مع الخطا **

لما هلك غياث الدين ملك أخوه شهاب الدين بعده، فطمع محمد بن تكش صاحب خوارزم في ارتجاع هراة. وكان قد راسل شهاب الدين في الصلح فلم يتم.

وسار شهاب الدين عن غزنة إلى لهاور غازيا، فسار حينئذ محمد بن تكش إلى هراة منتصف سنة ستمائة، وحاصرها وكان بها ألب غازي ابن أخت شهاب الدين. وطال حصارها إلى سلخ شعبان، وقتل بين الفريقين خلق منهم رئيس خراسان المقيم يومئذ بمشهد طوس. وكان الحسين بن حرميل من أعيان الغورية بجوربان [2] وهو إقطاعه، فمكر بصاحب خوارزم، وأظهر له الموالاة وأشار بأن يبعث إليه فوارس يعطيهم بعض

الفيلة. وقعد لهم هو والحسين بن محمد المرغني بالمراصد، فاستلحموهم. ثم مات ألب غازي وضجر صاحب خوارزم من الحصار. فارتحل إلى سرخس وحاصرها، وبلغت هذه الأخبار شهاب الدين ببلاد الهند، فكر راجعا وقصد مدينة خوارزم، فأغذ محمد بن تكش السير من سرخس، ونزل أثقاله وسبقه إليها وقاتله الخوارزمية قتالا شديدا وفتكوا فيه. وهلك من الغورية جماعة منهم الحسين بن محمد المرغني وأسر جماعة من الخوارزمية فأمر شهاب الدين بقتلهم. ثم بعث خوارزم شاه إلى الخطا يستنجدهم أن يخالفوا شهاب الدين إلى بلاد الغورية فساروا إليها. ولما سمع شهاب الدين كر راجعا إلى البلاد، فلقي مقدمة عسكرهم بصحراء أيدخوي [1] في صفر سنة إحدى وستمائة، فأوقع بهم وأثخن فيهم، وجاءت ساقتهم على أثر ذلك، فلم يكن له بهم قبل فانهزم، ونهبت أثقاله، وقتل الكثير من أصحابه، ونجا في الفل إلى أيدخوي وحاصروه حتى أعطاهم بعض الفيلة وخلص. وكثر الإرجاف في بلاد الغور بمهلكه، ووصل إلى الطالقان في سبعة نفر، وقد لحق بها نائبها الحسين بن حرميل ناجيا من الوقعة، فاستكثر له من الزاد والعلوفة وكفاه مهمه. وكان مستوحشا مع من استوحش من الأمراء بسبب انهزامهم عن شهاب الدين، فحمله شهاب الدين إلى غزنة تأنيسا له، واستحجبه، ولما وقع الإرجاف بموت شهاب الدين جمع مولاه تاج الدين العسكر وجاء إلى قلعة غزنة طامعا في ملكها، فمنعه مستحفظها فرجع إلى إقطاعه، وأعلن بالفساد، وأغرى بالخلخ من الترك فكثر عيثهم. وكان له مولى. آخر اسمه أيبك فلحق بالهند عند نجاته من المعركة، وأرجف بموت السلطان واستولى على الملتان، وأساء فيها السيرة. فلما وصل خبر شهاب الدين جمع تاج الدين الذر- وهو مملوك اشتراه شهاب الدين- الناس من سائر النواحي ثم جمع شهاب الدين لغزو الخطا والثأر منهم.

** (حروب شهاب الدين مع بني كوكر والتفراهية [2] ) **

كان بنو كوكر هؤلاء موطنين في الجبال بين لهاور والملتان معتصبين بها لمنعتها، وكانوا

في طاعة شهاب الدين، يحملون إليه الخراج، فلما وقع الإرجاف بموته، انتقضوا وداخلوا صاحب جبل الجودي وغيره من أهل الجبال في ذلك وجاهروا بالعيث والفساد وقطع السابلة ما بين غزنة ولهاور وغيرها. وبعث شهاب الدين إلى محمد بن أبي علي بلهاوز والملتان يأمره بحمل المال بعد أن قتل مملوكه أيبك. قال: ومهد البلاد فاعتذر بنو كوكر فبعث شهاب الدين مملوكه أيبك إلى بني كوكر يتهددهم على الطاعة، فقال كبيرهم: لو كان شهاب الدين حيا لكان هو المرسل إلينا، واستخفوا أمر أيبك، فعاد الرسول بذلك، فأمر شهاب الدين بتجهيز العساكر في قرى سابور. ثم عاد إلى غزنة في شعبان سنة إحدى وستمائة ونادى بالمسير إلى الخطا. ورجع بنو كوكر الى حالهم من اخافة السابلة ودخل معهم كثير من الهنود في ذلك وخشي على انتقاض البلاد فأثنى عزمه عن الخطا وسار إلى غزنة، وزحف إلى جبال بني كوكر في ربيع الأول سنة اثنتين وستمائة ولما انتهى إلى قرى سابور أغذ السير وكبس بني كوكر في محالهم، وقد نزلوا من الجبال إلى البسيط يرومون اللقاء، فقاتلوه يوما إلى الليل، وإذا بقطب الدين أيبك في عساكره منادين بشعار الإسلام فحملوا عليهم، وانهزموا وقتلوا بكل مكان. واستنجوا بأجمة فأضرمت عليهم نارا، وغنم المسلمون أهاليهم وأموالهم حتى بيع المماليك خمسة بدينار. وقتل كبير بني كوكر الذي كان مملكا عليهم، وقصد دانيال صاحب الجند الجودي، وسار إليها فأقام بها منتصف رجب، وهو يستنفر الناس. ثم عاد نحو غزنة وأرسل بهاء الدين سام صاحب باميان بالنفير إلى سمرقند، وأن يتخذ الجسر لعبور العساكر. وكان أيضا ممن دعاه هذا الإرجاف إلى الانتقاض التتراهية [1] وهم قوم من أهل الهند بنواحي قرى سابور، دينهم المجوسية ويقتلون بناتهم بعد النداء عليهن للتزويج، فإذا لم يتزوجها أحد قتلوها، وتزوج المرأة عندهم بعدة أزواج. وكانوا يفسدون في نواحي قرى سابور، ويكثرون الغارة عليها، وأسلم طائفة منهم آخر أيام شهاب الدين الغوري. ثم انتقضوا عند هذا الإرجاف وخرجوا إلى حدود سوران ومكران، وشنوا الغارة على المسلمين فسار إليهم الخلخي [2] نائب

تاج الدين الذي بتلك الجهة، فأوقع بهم وأثخن فيهم وبعث برءوس الأعيان منهم فعلقت ببلاد الإسلام وصلح أمر البلاد.

** (مقتل شهاب الدين الغوري وافتراق المملكة بعده) **

لما قضى شهاب الدين شأنه من بلاد الغور وأصلح ما كان بها من الفساد، ارتحل من لهاور عائدا إلى غزنة عازما على قصد الخطا بعد أن استنفر أهل الهند وأهل خراسان، فلما نزل بدميل قريبا من لهاور طرق خيمته جماعة من الدعار فقتلوا بعض الحرس، وثار بهم الناس وذهل باقي الحرس بالهيعة فدخل منهم البعض على شهاب الدين وضربوه في مصلاه وقتلوه ساجدا، وقتلوا عن آخرهم أول شعبان سنة اثنتين وستمائة.

فيقال إن هذه الجماعة من الكوكرية الذين أحفظهم ما فعل بهم، ويقال من الإسماعيلية لأنهم كانوا غلوا منه، وكانت عساكره تحاصر قلاعهم. ولما قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الدين خواجاسحتا [1] ، واتفقوا على حفظ المال إلى أن يقوم بالأمر من يتولاه من أهله، وتقدم الوزير إلى أمير العسكر بضبط العسكر، وحملت جنازة شهاب الدين في المحفة، وحملوا خزائنه، وكانت ألفين ومائتي حمل. وتطاول الموالي مثل صونج صهر الذر [2] وغيره إلى نهب المال، فمنعهم الأمراء الكبار، وصرفوا الجند الذين أقطاعهم عند قطب الدين أيبك ببلاد الهند أن يعودوا إليه، وساروا إلى غزنة متوقعين البيعة على الملك بين غياث الدين محمود ابن السلطان غياث الدين، وبين بهاء الدين سام صاحب باميان ابن أخت شهاب الدين فيملك الخزانة والأتراك يريدون طريق سوران ليقربوا من فارس. وكان هوى الوزير مؤيد الملك مع الأتراك، فلم يزل بالغورية حتى إذا وصلوا طريق كرمان ساروا عليها، ولقوا بها مشقة من غارات التتراهية واقعان وغيرهم. ولما وصلوا إلى كرمان استقبلهم تاج الدين الذر ونزل عن فرسه، وقبل الأرض بين يدي المحفة. ثم كشف عن وجهه فمزق ثيابه وأجد بالبكاء حتى رحمه الناس. وكان شهاب الدين شجاعا قرما عادلا كثير الجهاد،

وكان القاضي بغزنة يحضر داره أربعة أيام في كل أسبوع، فيحكم بين الناس وأمراء الدولة ينفذون أحكامه، وإن رافع أحد خصمه إلى السلطان سمع كلامه ورده إلى القاضي، وكان شافعي المذهب.

** (قيام الذر بدعوة غياث الدين محمود ابن السلطان غياث الدين) **

كان تاج الدين الذر من موالي شهاب الدين وأخصهم به، فلما قتل طمع في ملك غزنة وأظهر القيام بدعوة غياث الدين محمود ابن السلطان غياث الدين، وأنه كتب إليه بالنيابة عنه بغزنة لشغله بأمر خراسان. وتسلم الخزائن من الوزير وسار إلى غزنة فدفن شهاب الدين بتربته في المدرسة التي أنشأها، وذلك في شعبان من سنة اثنتين وستمائة وأقام بغزنة.

** (مسير بهاء الدين سام الى غزنة وموته وملك بهاء الدين ابنه بعده غزنة) **

كان بهاء الدين قد أقطع باميان ابن عمه شمس الدين محمد بن مسعود عند ما ملكها، وأنكحه أخته فولدت ابنا وهو سام، وكان له ابن آخر من امرأة تركية اسمه عباس، فلما مات ملك ابنه الأكبر عباس، فغضب غياث الدين وشهاب الدين لابن أختهما، وعزلوا عباسا وولوه مكانه على باميان، فعظم شأنه، وجمع الأموال، وترشح للملك بعد أخواله لميل أمراء الغز إليه بعد أخواله. فلما قتل شهاب الدين كان في قلعة غزنة نائب اسمه أمير دان فبعث ابنه إلى بهاء الدين محمود ابن السلطان غياث الدين، وابن حرميل عامل هراة بحفظ أعمالها، وإقامة الخطبة له بها. والغورية والأتراك على ما ذكرناه من الاختلاف فسار في عساكره إلى غزنة ومعه ابنا علاء الدين وأمرهما جميعا بالمسير إلى غزنة، وبلاد الهند. فلما مات ثار ابناه في غزنة وخرج أمراء الغورية لغياث الدين وتلقوهما والأتراك معهم مغلبين فملكوا البلد، ونزلوا دار السلطنة مستهل رمضان من سنة اثنتين وستمائة، واعتزم الأتراك على

منعهم، وعادلهم الأمير مؤيد الملك لاشتغال غياث الدين منهم بابن حرميل عامل هراة فلم يرجعوا، ونبذوا إلى علاء الدين وأخيه العهد وآذنوهما بالحرب إن لم يرجعا، فبعثا إلى تاج الدين الذر، وهو بإقطاعه يستدعيانه ويرغبانه بالأموال والمراتب السلطانية والترغيب في الدولة.

** (استيلاء الذر على غزنة) **

كان الذر بكرمان لما بلغه مقتل شهاب الدين، تسلم الأموال والخزائن من الوزير وأظهر دعوة غياث الدين ابن مولاه السلطان غياث الدين، وسار بهاء الدين سام من باميان كما ذكرنا، ومات في طريقه، وملك ابنه علاء الدين غزنة كما ذكرنا.

واستعطف الأتراك وبعث إلى الذر يرغبه ويسترضيه فأبى من طاعته، وأساء الرد عليه. وسار عن كرمان في عساكر كثيفة من الترك والخلخ والغز وغيرهم، وبعث إلى علاء الدين وأخيه بالنذير، فأرسل علاء الدين وزيره ووزير ابنه صلة إلى باميان وبلخ وترمذ ليحشد العساكر، وبعث الذر إلى الأتراك الذين بغزنة بأن مولاهم غياث الدين. واجتمعت جماعة الغورية والأتراك فالتقوا في رمضان، ونزع الأتراك إلى الذر فانهزم محمد بن حدرون وأسر. ودخل عسكر الذر المدينة فنهبوا بيوت الغورية والباميانية. واعتصم علاء الدين بالقلعة، وخرج جلال الدين في عشرين فارسا إلي باميان، وحاصر الذر القلعة حتى استأمن علاء الدين في المسير من غزنة إلى باميان.

ولما نزل من القلعة تعرض له بعض الأتراك فأرجلوه عن فرسه وسلبوه، فبعث إليه الذر بالمال والمركب والثياب، فوصل إلى باميان، فشرع في الاحتشاد. وأقام الذر بغزنة يظهر طاعة غياث الدين، ويترحم على شهاب الدين، ولم يخطب له ولا لأحد. وقبض على داود والي القلعة بغزنة، وأحضر القضاة والفقهاء، وكان رسول الخليفة مجد الدين أبو علي بن الربيع الشافعي مدرس النظامية ببغداد، وفد على شهاب الدين رسولا من قبل الخليفة، وأحضره الذر ذلك اليوم، وشاورهم بالجلوس على التخت والمخاطبة بالألقاب السلطانية، وأمضى ذلك. واستوحش الترك حتى بكى الكثير منهم، وكان هناك جماعة من ولد ملوك الغور وسمرقند فأنفوا من خدمته، وانصرفوا إلى علاء الدين وأخيه في باميان، وأرسل غياث الدين محمود

أن يصهر إليه في بنته بابنه فأبى من ذلك. ثم جاء في عسكر من الغوريين من باميان، وأرسل غياث الدين وفرق في أهلها الأموال، واستوزر مؤيد الملك فوزر له على كره.

** (أخبار غياث الدين بعد مقتل عمه) **

لما قتل السلطان شهاب الدين، كان غياث الدين محمود ابن أخيه السلطان غياث الدين في أقطاعه ببست. وكان شهاب الدين قد ولى على بلاد الغور علاء الدين محمد بن أبي علي من أكابر بيوت الغورية، وكان إماميا غاليا، فسار إلى بيروزكوه [1] يسابق إليها غياث الدين. وكان الأمراء الغورية أميل إلى غياث الدين، وكذا أهل بيروزكوه، فلما دخل خوارزم دعا محمد المرغني ومحمد بن عثمان من أكابر الغورية، واستحلفهم على قتال محمد بن تكش صاحب خوارزم. وأقام غياث الدين بمدينة بست ينتظر مآل الأمر لصاحب باميان لأنهما كان بينهما العهد من أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين، وغزنة والهند لبهاء الدين صاحب باميان بعد موت شهاب الدين، فلما بلغه موت شهاب الدين دعا لنفسه، وجلس على الكرسي في رمضان سنة ثلاث وستمائة، واستخلف الأمراء الذين في أثره فأدركوه وجاءوا به، وملك بيروزكوه وقبض على جماعة من أصحاب علاء الدين، ولما دخل بيروزكوه جاء إلى الجامع فصلى فيه. ثم ركب إلى دار أبيه فسكنها وأعاد الرسوم، وقدم عليه عبد الجبار محمد بن العشير الى وزير أبيه فاستوزره، واقتفى بابيه في العدل والإحسان. ثم كاتب ابن حرميل بهراة ولاطفه في الطاعة، وكان ابن حرميل لما بلغه مقتل السلطان بهراة خشي عادية خوارزم شاه، فجمع أعيان البلد وغيرهم، واستحلفهم على الإنجاز والمساعدة. وقال القاضي وابن زياد: يحلف كل الناس إلا ابن غياث الدين، وينتظر عسكر خوارزم شاه، وشعر غياث الدين بذلك من بعض عيونه، فاعتزم على المسير إلى هراة. واستشار ابن حرميل القاضي وابن زياد، فأشارا عليه بطاعة غياث الدين على مكر ابن حرميل، وميله إلى خوارزم شاه، وحثه على

قصد هراة ليكون ذلك حجة عليه ففعل، وبعث به مع ابن زياد. ثم كاتب غياث الدين صاحب الطالقان وصاحب مرو يستدعيهما فتوقفوا عن إجابته. فقال أهل مرو لصاحبها: إن لم تسلم البلد إلى غياث الدين وتتوجه وإلا سلمناك وقعدناك وأرسلنا إليه فاضطر إلى المجيء إلى فيروز كوه. فخلع عليه غياث الدين ووفر له الأقطاع، وأقطع الطالقان لسونج مولى أبيه المعروف بأمير شكار.

** (استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان) **

كان الحسن بن حرميل نائب الغورية بهراة منتقضا عليهم كما ذكرنا، ومداخلا لخوارزم شاه في الباطن، واستدعى العساكر من عنده، وبعث ابن زياد يستوثق له من غياث الدين، وأقام يقدم رجلا ويؤخر أخرى. ووصل ابن زياد بالولاية والخلع، فلم يثنه ذلك عما هو فيه من المكاذبة لهم. ثم وصل عسكر خوارزم شاه فتلقاهم وأكرمهم. وبلغه أن خوارزم شاه في أثرهم على أربع فراسخ من بلخ، فندم في أمره ورد إليه عسكره، وبلغ غياث الدين عسكر خوارزم شاه ووصولهم إلى هراة، فاستدعى ابن حرميل فقبض على أملاكه، ونكب أصحابه. ورد أقطاعه فاعتزم أهل هراة على القبض عليه. وكتب القاضي وابن زياد بذلك إلى غياث الدين. ونمي الخبر إلى ابن حرميل فخشي على نفسه منهم، وأوهمهم أنه يكاتب غياث الدين وطلبهم في الكتاب مع رسوله، وأوصى الرسول أن يعدل إلى طريق خوارزم شاه. ولحق بهم فردهم وأصبحوا على البلد لرابعة يوم من سفر الرسول فأدخلهم ابن حرميل البلد، وأمكنهم من أبوابها. وقبض على ابن زياد وسمله، وأخرج القاضي فلحق بغياث الدين في بيروز كوه، ونمي الخبر بذلك إلى غياث الدين فاعتزم على المسير بنفسه، فبلغه سير علاء الدين صاحب باميان إلى غزنة فاقتصر عن ذلك وأقام ينتظر شأنه مع الذر. وأما بلخ فإن خوارزم شاه لما بلغه مقتل شهاب الدين أطلق أسرى الغوريين الذين كانوا عنده، وخلع عليهم واستألفهم، وبعث أخاه علي شاه في العساكر إلى بلخ فقاتله عمر بن الحسين الغوري نائبها. ونزل منها على أربعة فراسخ. وجاءه خوارزم شاه مددا بنفسه اخر سنة اثنتين وستمائة فحاصرها، فاستمد

عمر بن الحسين علاء الدين وجلال الدين من باميان، وشغلوا عنه بغزنة، فأقام خوارزم شاه محاصرا له أربعين يوما، وكان عنده محمد بن علي بن بشير، وأطلقه في أسرى الغورية وأقطعه، فبعثه إلى عمر بن الحسين صاحب بلخ في الطاعة فأبى من ذلك، واعتزم خوارزم شاه على المسير إلى هراة، ثم بلغه ما وقع بين الذر وبين علاء الدين وجلال الدين، وأن الذر أسرهما، وأن عمر بن الحسين صاحب بلخ أبى ذلك، فأعاد عليه ابن بشير، فلم يزل يفتل له في الذروة والغارب حتى أطاع صاحب خوارزم، وخطب له. وخرج إليه فخلع عليه وأعاده إلى بلده في سلخ ربيع سنة ثلاث وستمائة ثم سار إلى جورقان ليحاصرها، وبها علي بن أبي علي فوقعت المراوضة بينهما. ثم انصرف عن جورقان [1] وتركها لا بن حرميل، واستدعى عمر بن الحسين الغوري وصاحب بلخ فقبض عليه، وبعثه إلى خوارزم، ومضى إلى بلخ فملكها، وولى عليها جعفرا التركي ورجع إلى خوارزم.

** (استيلاء علاء الدين ثانيا على غزنة ثم انتزاع الذر إياها من يده) **

قد تقدم لنا استيلاء الذر على غزنة وإخراجه علاء الدين وجلال الدين منها إلى باميان، فأقاما بها شهرين، ولحق كثير من الجند بعلاء الدين صاحبهم، وأقام الذر بغزنة متوقفا عن الخطبة لغياث الدين يروم الاستبداد، وهو يعلل الأتراك برجوع رسوله من عند غياث الدين مخافة أن ينفضوا عنه. فلما ظفر بعلاء الدين وملك القلعة أظهر الاستبداد وجلس على الكرسي وجمع علاء الدين وجلال الدين العساكر وساروا من باميان الى غزنة، وسرح الذر عساكره للقائهما فهزماها وأثخناها [2] .

وهرب الذر إلى بلد كرمان واتبعه بعض العسكر فقاتلهم ودفعهم. وسار علاء الدين وأخوه إلى غزنة وملكوها، وأخذوا خزانة شهاب الدين التي كان الذر أخذها من يد الوزير مؤيد الدين عند مقدمه بجنازة شهاب الدين الى كرمان كما مر. ثم اعتزم علاء

الدين وأخوه على العود إلى غزنة [1] وأهلها متوقعون النهب من عسكرهم والفيء.

وكان بينهم رسول الخليفة مجد الدين بن الربيع مدرس النظامية، جاء إلى شهاب الدين فقتل وهو عنده. وأقام بغزنة فقصده أهل غزنة أن يشفع فيهم، فشفع وسكن الناس. وعاد علاء الدين وأخوه إلى غزنة. ثم وقع بينهما تشاجر على اقتسام الخزانة، وعلى وزارة مؤيد الملك فندم الناس على طاعتهما. وسار جلال الدين ومعه عباس الى باميان، وبقي علاء الدولة بغزنة، وأساء وزيره السيرة في الجند والرعية، ونهب الأموال حتى باعوا أمهات أولادهم. ويشكون فلا يشكيهم أحد، فسار الذر في جموع الأتراك والغز والغورية، فكبسهم إيدكز [2] الشر في مولى شهاب الدين في ألفين وملك كرمان. وجاء الذر إثر ذلك وأنكر على إيدكز وملك كرمان، وأحسن إلى أهلها. وبلغ الخبر إلى علاء الدين بغزنة، فبعث وزيره إلى أخيه جلال الدين في باميان، وكانت عساكر الغورية قد فارقوه ولحقوا بغياث الدين، ووصل الذر آخر سنة اثنتين وستمائة إلى غزنة فملكها، وامتنع علاء الدين بالقلعة، فسكن الذر الناس وأمنهم، وحاصروا القلعة. وجاء الخبر إلى الذر بأن جلال الدين قادم عليك بعساكره، ولحق سليمان بن بشير بغياث الدين ببيروز كوه فأكرمه، وجعله أمير داره، وذلك في صفر سنة ثلاث وستمائة وسار الذر فلقي جلال الدين وهزمه، وسيق أسيرا إليه، ورجع إلى غزنة وتهدد علاء الدين بقتل الأسرى إن لم يسلم القلعة.

وقتل منهم أربعمائة أسير فبعث علاء الدين يستأمنه، فأمنه. ولما خرج قبض على وزيره عماد الملك وقتله، وبعث إلى غياث الدين بالفتح.

** (انتقاض عباس في باميان ثم رجوعه الى الطاعة) **

لما أسر علاء الدين وجلال الدين كما قلناه في غزنة وصل الخبر إلى عمهما عباس في باميان ومعه وزير أبيهما. وسار الوزير الى خوارزم شاه يستنجده على الذر ليخلص

صاحبيه، فاغتنم عباس غيبته وملك القلعة، وكان مطاعا، وأخرج أصحاب علاء الدين وجلال الدين، فرجع الوزير من طريقه فحاصره بالقلعة، وكان مطاعا في تلك الممالك من لدن بهاء الدين ومن بعده. فلما خلص جلال الدين من أسر الذر، وصل إلى مدينة باميان واجتمع مع الوزير، وبعثوا إلى عباس ولاطفوه حتى نزل عما كان استولى عليه من القلاع، وقال: إنما أردت حفظها من خوارزم شاه.

** (استيلاء خوارزم شاه على ترمذ ثم الطالقان من يد الغورية) **

كان خوارزم شاه لما ملك بلخ من يد عمر بن الحسين الغوري سار منها إلى ترمذ وبها ابنه. وقدم إليه محمد بن بشير بما كان من نزول أبيه عن بلخ، وأنه انتظم في أهل دولته. وبعثه إلى خوارزم مكرما، ورغبه بالأقطاع والمواعيد، وكان قد ضاق ذرعه من الخطا ووهن من أسر الذر أصحابه بغزنة، فأطاع واستأمن وملك خوارزم شاه ترمذ ورأى أن يسلمها للخطأ ليتمكن بذلك من خراسان، ثم يعود عليهم فينتزعها منهم. ولما فرغ من ذلك سار إلى الطالقان وبها سونج نائبا عن غياث الدين محمود، وأرسل من يستميله، فلج وسار لحربه حتى إذا التقيا نزل عن فرسه وسأل العفو فذمه بذلك، وأخذ ما كان بالطالقان بعض أصحابه، وسار إلى قلاع كاكوير [1] وسوار، فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي صاحب كالوين وقاتله، وطالبه في تسليم البلاد فأبى، وسار خوارزم شاه إلى هراة ونزل بظاهرها وابن حرميل في طاعته، فكف عساكره عن أهل هراة، ولقيه لك رسول غياث الدين بالهدايا. ثم سار ابن حرميل إلى أسفزار [2] في صفر، وقد كان صاحبها سار إلى غياث الدين فحاصرها حتى استأمن إليه وملك البلد. ثم أرسل إلى صاحب سجستان بطاعة خوارزم والخطبة له، فأجاب إلى ذلك بعد أن طلبه في ذلك غياث الدين فامتنع. وعند مقام خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ابن حرميل

أخرجه منها فلحق بشهاب الدين. ثم رجع من عنده إلى خوارزم شاه فسعى به ابن حرميل عنده حتى سجنه بقلعة زوزن، وولى على القضاء بهراة الصفي أبا بكر محمد بن السرخسي.

** (خبر غياث الدين مع الذر وايبك مولى أبيه) **

لما ملك الذر غزنة وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين كتب إليه غياث الدين يأمره بالخطبة، وطاول في ذلك فبعث إليه يستحثه بأمر الخطيب بالترحم على شهاب الدين والخطبة لنفسه، فاستراب الأتراك به، وبعث هو يشترط على غياث الدين العتق فأجابه الى ذلك بعد توقف. وكان عزمه على أن يصالح خوارزم شاه ويستمده على الذر، فلما طلب العتق أعتقه، وأعتق قطب الدين أيبك مملوك عمه شهاب الدين ونائبة ببلاد الهند. وأرسل إلى كل منهما هدية ورد الخبر [1] واستمر الذر على مراوغته وأيبك على طاعته، فاستمد غياث الدين خوارزم شاه على الذر فأمده على أن يرد ابن حرميل صاحب هراة إلى طاعته، وأن يقسم الغنيمة أثلاثا بينهما وبين العسكر. وبلغ الخبر إلى الذر فسار إلى بكتاباد فملكها، ثم إلى بست وأعمالها كذلك، وقطع خطبة غياث الدين منها، وأرسل إلى صاحب سجستان بقطع خطبة خوارزم شاه، وإلى ابن حرميل كذلك ويتهددهما، وأطلق جلال الدين صاحب باميان وزوجه بنته، وبعث معه خمسة آلاف فارس مع أيدكين مملوك شهاب الدين ليعيدوا جلال الدين الى ملكه بباميان. وينزلوا ابن عمه. فلما سار معه أيدكين أغراه بالعود إلى غزنة وأعلمه أن الأتراك مجمعون على خلاف الذر، فلم يجبه جلال الدين إلى ذلك فرجع عنه أيدكين إلى إقطاعه بكابل، ولقيه رسول من قطب الدين أيبك إلى الذر يتهدده على عصيانه على غياث الدين، ويأمره بالخطبة له، ووصل معه الهدايا والألطاف إلى غياث الدين. وأشار عليه أيبك بإجابة خوارزم إلى جميع ما طلب حتى يفرغ من أمر غزنة. وكتب إلى أيبك يستأذنه في المسير إلى غزنة ومحاربة

الذر فأذن له بمحاربته، ووصل ايدكين في رجب سنة ثلاث وستمائة وخطب لغياث الدين بغزنة، وامتنعت عليه القلعة فنهب البلد، ووصل الخبر إلى الذر بشأن ايدكين في غزنة ومراسلة أيبك له ففت ذلك في عضده، وخطب لغياث الدين في بكتاباد وأسقط اسمه ورحل إلى غزنة فرحل ايدكين عنها إلى بلد الغور، وأقام في تمواز، وكتب إلى غياث الدين بالخبر وأنفذ إليه أموالا، فبعث إليه غياث الدين بالخلع وأعتقه وخاطبه بملك الأمراء. وسار غياث الدين إلى بست وأعمالها فاستردها وأحسن إلى أهلها وأقام الذر بغزنة.

** (مقتل ابن حرميل واستيلاء خوارزم شاه على هراة) **

كان ابن حرميل كما قدمناه استدعى عسكر خوارزم شاه إلى هراة وأنزلهم معه بهراة، فساء أمرهم في الناس وكثر عيثهم فحبسهم، وبعث إلى خوارزم شاه بصنيعهم ويعدده، وكان مشتغلا بقتال الخطا، فكتب إليه يحسن فعله ويستدعي الجند الذين حبسهم. وبعث إلى عز الدين خلدك [1] أن يحتال في القبض على ابن حرميل، فسار في ألفي فارس، وكان خلدك أيام السلطان سنجر واليا على هراة، فلما قدم خرج ابن حرميل لتلقيه، فنزل كل واحد منهما إلى صاحبه، وأمر خلدك أصحابه بالقبض على ابن حرميل فقبضوا عليه، وانفض عنه أصحابه إلى المدينة، فأمر الوزير خواجه الصاحب بغلق الأبواب والاستعداد للحصار، ونادى بشعار غياث الدين محمود فحاصره خلدك وبذل له الأمان وتهدده بقتل ابن حرميل، وخاطبه بذلك ابن حرميل ففعل، وكتب بالخبر إلى خوارزم شاه فبعث ولاته بخراسان يأمرهم بحصار هراة، فسار في عشرة آلاف وامتنعت هراة عليهم. وكان ابن حرميل قد حصنها بأربعة أسوار محكمة وخندق، وشحنها بالميرة، وصار يعدهم إلى حضور خوارزم شاه، وأسروه أياما حتى فادى نفسه ورجع إلى خوارزم كما يذكر في أخبار دولته، وأرجف بموته في خراسان فطمع أخوه علي شاه في طبرستان، وكزلك خان في نيسابور الى الاستبداد بالملك، فلما وصل خوارزم شاه هرب أخوه علي شاه ولحق

بشهاب الدين في بيروز كوه، فتلقاه وأكرمه، وسار خوارزم شاه إلى نيسابور وأصلح أمرها واستعمل عليها، وسار إلى هراة وعسكره على حصارها، وقيل للوزير قد وصل خوارزم شاه لما وعدته. وتحدث في ذلك جماعة من أهل البلد فقبض عليهم، ووقعت بذلك هيعة وشعر بها خوارزم شاه فزحف إلى السور وخرب برجين منه، ودخل البلد فملكه وقتل الوزير وولى على هراة من قبله، وذلك سنة خمس وستمائة ورجع إلى قتال الخطا.

** (مقتل غياث الدين محمود) **

لما ملك خوارزم شاه مدينة هراة وولى عليها خاله أمير ملك، وأمره أن يسير إلى بيروز كوه ويقبض على صاحبها غياث الدين محمود بن غياث الدين الغوري، وعلى أخيه علي شاه بن خوارزم شاه، فسار أمير ملك واستأمن له محمود فأمنه وخرج إليه هو وعلي شاه فقبض عليهما أمير ملك وقتلهما، ودخل فيروز كوه سنة خمس وستمائة وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه.

** (استيلاء خوارزم شاه على غزنة وأعمالها) **

ولما استولى خوارزم شاه على عامة خراسان وملك باميان وغيرها أرسل إلى تاج الدين الذر صاحب غزنة في الخطبة والسكة وأن يقرر الصلح على غزنة بذلك فشاور أهل دولته، وفيهم قطلوتكين من موالي شهاب الدين، وهو النائب عن الذر بغزنة، فأشار عليه بطاعته، وأعاد الرسول بالإجابة، وخطب له وسار عن غزنة متصديا، وبعث قطلوتكين الى خوارزم شاه سرا أن يبعث إليه من يسلمه غزنة، فجاء بنفسه وملك غزنة. وهرب الذر إلى لهاور. ثم أحضر خوارزم شاه قطلوتكين وقتله بعد أن استصفاه وحصل منه على أموال جمة، وولى على غزنة ابنه جلال الدين، وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة ورجع الى بلده.

** (استيلاء الذر على لهاور ومقتله) **

لما هرب الذر من غزنة أمام خوارزم شاه لحق بلهاور، وكان صاحبها ناصر الدين قباجة من موالي شهاب الدين وله معها ملتان وآجر والدبيل إلى ساحل البحر، وله من العسكر خمسة عشر ألف فارس، وجاء الذر في ألف وخمسمائة فقاتله على التعبية ومعه الفيلة، فانهزم الذر أولا، وأخذت فيوله. ثم كانت له الكرة وحمل فيل له على علم قباجة بإغراء الفيال، وصدق هو الحملة فانهزم قباجة وعسكره، وملك الذر مدينة لهاور، ثم سار إلى الهند ليملك مدينة دهلي وغيرها من بلاد المسلمين، وكان قطب الدين أيبك صاحبها قد مات، ووليها بعده مولاه شمس الدين فسار إليه، والتقيا عند مدينة سمابا واقتتلا، فانهزم الذر وعسكره وأسر فقتل. وكان محمود السيرة في ولايته كثير العدل والإحسان إلى الرعية لا سيما التجار والغرباء. وكان بملكه انقراض دولة الغورية والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن دولة الديلم وما كان لهم من الملك والسلطان في ملة الإسلام ودولة بني بويه منهم المتغلبين على الخلفاء على العباسيين ببغداد وأولية ذلك ومصايره) **

قد تقدم لنا نسب الديلم في أنساب الأمم وأنهم من نسل ماذاي بن يافث، وماذاي معدود في التوراة من ولد يافث. وذكر ابن سعيد ولا أدري عمن نقله: أنهم من ولد سام بن باسل بن أشور بن سام، وأشور مذكور في التوراة من ولد سام.

وقال: إن الموصل من جرموق بن اشور، والفرس والكرد والخزر من إيران بن أشور، والنبط والسوريان من نبيط بن أشور. هكذا ذكر ابن سعيد والله أعلم.

والجيل عند كافة النسابين إخوانهم على كل قول من هذه الأقوال، وهم أهل جيلان جميعا عصبية واحدة من سائر أحوالهم. ومواطن هؤلاء الديلم والجيل بجبال طبرستان وجرجان إلى جبال الري وكيلان وحفافي البحيرة المعروفة ببحيرة طبرستان من لدن أيام الفرس وما قبلها، ولم يكن لهم ملك فيما قبل الإسلام. ولما جاء الله

بالإسلام وانقرضت دولة الأكاسرة واستفحلت دولة العرب وافتتحوا الأقاليم بالمشرق والمغرب والجنوب والشمال كما مر في الفتوحات، وكان من لم يدخل من الأمم في دينهم دان لهم بالجزية، وكان هؤلاء الديلم والجيل على دين المجوسية، ولم تفتح أرضهم أيام الفتوحات، وإنما كانوا يؤدون الجزية. وكان سعيد بن العاص قد صالحهم على مائة ألف في السنة، وكانوا يعطونها وربما يمنعونها، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد، وكانوا يمنعون الطريق من العراق إلى خراسان على قومس. ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان سنة ست وثمانين للهجرة، ولم يفتح طبرستان ولا جرجان، وكان يزيد بن المهلب يعيره بذلك إذا قصت عليه أخباره في فتوحات بلاد الترك ويقول: ليست هذه الفتوح بشيء، والشأن في جرجان التي قطعت الطريق وأفسدت قومس ونيسابور، فلما أولاه سليمان بن عبد الملك خراسان سنة تسع وتسعين، أجمع على غزوها ولم تكن جرجان يومئذ مدينة إنما هي جبال ومحاصر، يقوم الرجل على باب منها فيمنعه، وكانت طبرستان مدينة وصاحبها الأصبهبذ. ثم سار إلى جرجان مولاه فراسة، وسار الهادي إليهما وحاصرهما حتى استقاما على الطاعة. ثم بعث المهدي سنة ثمان وتسعين يحيى الحرسي في أربعين ألفا من العساكر فنزل طبرستان وأذعن الديلم. ثم لحق بهم أيام الرشيد يحيى ابن عبد الله بن حسن المثنى فأجاروه، وسرح الرشيد الفضل بن يحيى البرمكي لحربهم، فسار إليهم سنة خمس وتسعين ومائة فأجابوه إلى التمكين منه على مال شرطوه وعلى أن يجيء بخط الرشيد وشهادة أهل الدولة من كبار الشيعة وغيرهم، فبذل لهم المال، وكتب الكتاب. وجاء الفضل بيحيى فحبسه عند أخيه جعفر حسبما هو مذكور في أخباره. وفي سنة تسع وثمانين ومائة كتب الرشيد وهو بالري كتاب الأمان لسروين بن أبي قارن ورنداهرمز بارخشان صاحب الديلم، وبعث بالكتاب مع حسن الخادم إلى طبرستان فقدم بارخشان ورنداهرمز وأكرمهما الرشيد وأحسن إليهما، وضمن رنداهرمز الطاعة والخراج عن سروين بن أبي قارن. ثم مات سروين وقام مكانه ابنه شهريار، ثم زحف سنة إحدى وثمانين ومائة عبد الله بن أبي خرداذبه وهو عامل طبرستان إلى البلاد والسيزر من بلاد الديلم، فافتتحها وافتتح سائر بلاد طبرستان، وأنزل شهريار بن سروين عنها. وأشخص مازيار بن قارن ورنداهرمز إلى المأمون وأسر أبا ليلى. ثم مات شهريار بن سروين سنة عشر ومائتين وقام مكانه ابنه

سابور، فحاربه مازيار بن قارن بن رنداهرمز وأسره، ثم قتله. ثم انتقض مازيار على المعتصم وحمل الديلم وأهل تلك الأعمال على بيعته كرها، وأخذ رهنهم وجبى خراجهم، وخرب أسوار آمل وسارية، ونقل أهلها إلى الجبال وبنى على حدود جرجان سورا من طميس إلى البحر مسافة ثلاثة أميال وحصنه بخندق. وكانت الأكاسرة بنته سدا على طبرستان من الترك. وقد نقل أهل جرجان إلى نيسابور وأملى له في انتقاضه الأفشين مولى المعتصم كبير دولته، طمعه في ولاية خراسان بما كان يضطغن ابن طاهر صاحب خراسان، فدس إليه بذلك كتابا ورسالة حتى امتعض. وجهز عبد الله بن طاهر العساكر لحربه مع عمه الحسن ومولاه حيان بن جبلة. وسرح المعتصم العساكر يردف بعضها بعضا حتى أحاطوا بجباله من كل ناحية، وكان قارن بن شهريار أخو مازيار على سارية فدس إلى قواد ابن طاهر بالرجوع من كل ناحية، وكان قارن قد أتى إلى الطاعة والنزول لهم عن سارية على أن يملكوه جبال آبائه، وأسجل له ابن طاهر بذلك، فقبض على عمه قارن في جماعة من قواد مازيار، وبعث بهم فدخل قواد ابن طاهر جبال قارن وملكوا سارية. ثم استأمن إليهم قوهيار أخو مازيار ووعدهم بالقبض على أخيه على أن يولوه مكانه، فأسجل له ابن طاهر بذلك، فقبض على أخيه مازيار، وبعث به إلى المعتصم ببغداد فصلبه، واطلع منه على دسيسة الأفشين مولاه فنكبه وقتله. ووثب مماليك مازيار بقوهيار فثاروا منه بأخيه وفروا إلى الديلم، فاعترضتهم العساكر وأخذوا جميعا، ويقال إن الذي كان غدر بمازيار هو ابن عمه، كان يضطغن عليه عزله عن بعض جبال طبرستان، وكان مولاه ورأيه عن رأيه. ثم تلاشت الدعوة العباسية بعد المتوكل وتقلص ظلها. واستبد أهل الأطراف بأعمالهم وظهرت دعاة العلوية في النواحي إلى أن ظهر بطبرستان أيام المستعين الحسن بن زيد الداعي العلوي من الزيدية، وقد مر ذكره. وكان على خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وقد ولى على طبرستان عمه سليمان بن عبد الله بن طاهر فكان محمد بن أوس ينوب عنه مستبدا عليه فأساء السيرة، وانتقض لذلك بعض عمال أهل الأعمال ودعوا جيرانهم الديلم إلى الانتقاض. وكان محمد بن أوس قد دخل بلادهم أيام السلم وأثخن فيها بالقتل والسبي، فلما استنجدهم أولئك الثوار لحرب سليمان ونائبة محمد بن أوس نزعوا لإجابتهم واستدعوا الحسن بن زيد مكانه، وبايعوه جميعا وزحفوا به إلى آمل

فملكوها. ثم ساروا الى سارية فهزموا عليها سليمان وملكوها. ثم استولى الحسن الداعي على طبرستان وكانت له ولأخيه بعده الدولة المعروفة، كما هو معروف في أخبارهم، أقامت قريبا من أربعين سنة، ثم انقرضت بقتل محمد بن زيد. ودخل الديلم الحسن الأطروش من ولد عمر [1] بن زين العابدين وكان زيدي المذهب فنزل فيما وراء السعيد دوى [2] إلى آمل، ولبث في الديلم ثلاث عشرة سنة وملكهم يومئذ حسان بن وهشوذان وكان يدعوهم إلى الإسلام ويأخذ منهم العشر ويدافع عنهم ملكهم ما استطاع، فأسلم على يديه منهم خلق كثير، وبنى لهم المساجد، وزحف بهم إلى قزوين فملكها، وسالوس من ثغور المسلمين فأطاعوه، وملك آمل ودعاهم إلى غزو طبرستان وهي في طاعة ابن سامان فأجابوه وساروا إليها سنة إحدى وثلاثمائة. وبرز إليها عاملها ابن صعلوك فهزمه الأطروش واستلحم سائر أصحابه، ولحق ابن صعلوك بالري، ثم إلى بغداد، واستولى الأطروش على طبرستان وأعمالها، وقد ذكرنا دولته وأخبارها في دول العلوية، وكان استظهاره على أمره بالديلم وقواده في حروبه وولاته على أعماله منهم. ثم قتلته جيوش السعيد بن سامان سنة أربع وثلاثمائة، ودال الأمر بين عقبه قواد الديلم كما هو مذكور في أخبارهم.

** (الخبر عن قواد الديلم وتغلبهم على اعمال الخلفاء بفارس والعراقين) **

كان للديلم جماعة من القواد بهم استظهر الأطروش وبنوه على أمرهم منهم: سرخاب بن وهشوذان أخو حسان، وهو معدود في ملوكهم، وكان صاحب جيش أبي الحسين بن الأطروش. ثم أخوه علي، ولاه المقتدر على أصفهان. ثم ليلى بن النعمان من ملوكهم أيضا وكان قائدا للأطروش وولاه بعده صهره الحسن المعروف بالداعي الصغير على جرجان. ثم ما كان بن كالي، وهو ابن عم سرخاب وحسان ابني

وهشوذان، وولاه أبو الحسين بن الأطروش مدينة أستراباذ وأعمالها. ثم كان دون هؤلاء جماعة أخرى من القواد فمنهم من أصحاب ماكان بن كالي أسفار بن شيرويه ومرداويج بن زيار بن بادر وأخوه وشمكير ولشكري. ومن أصحاب مرداويج بنو بويه الملوك الأعاظم ببغداد والعراقين وفارس. ولما تلاشت دولة العلوية واستفحل هؤلاء القواد بالاستبداد على أعقابهم في طبرستان وجرجان، وكانت خراسان عند تقلص الدولة العباسية على الأطراف قد غلب عليها الصفار وملكها من يد بني طاهر. ثم نازعه فيها بنو سامان والداعي العلوي فأصبحت مشاعا بينهم. ثم انفرد بها ابن سامان وكل منهم يعطي طاعة معروفة للخلفاء. ومركز ابن سامان وراء النهر وخراسان في أطراف مملكتهم. وزاد تقلص الخلافة عما وراءها، فتطاول ملوك الديلم هؤلاء قواد الدولة العلوية بطبرستان إلى ممالك البلاد، وتجافوا عن أعمال ابن سامان لقوة سورته واستفحال ملكه. وساروا في الأرض يرومون الملك وانتشروا في النواحي، وتغلب كل منهم على ما دفع إليه من البلاد. وربما تنازعوا بعضها فكانت لهم دون طبرستان وجرجان بلاد الري، وظفر بنو بويه منهم بملك فارس والعراقين. وحجر الخلفاء ببغداد فذهبوا بفضل القديم والحديث، وكانت لهم الدولة العظيمة التي باهى الإسلام بها سائر الأمم حسبما نذكر ذلك كله في أخبار دولتهم.

** (أخبار ليلى بن النعمان ومقتله) **

كان ليلى بن النعمان من قواد الديلم وكان أولاد الأطروش ينعتونه في كتابهم إليه المؤيد لدين الله المنتصر لأولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان كريما شجاعا قد ولاه الحسن بن القاسم الداعي الصغير على جرجان بعد الأطروش سنة ثمان وثلاثمائة، فسار من جرجان إلى الدامغان وهي في طاعة ابن سامان، وعليها مولاه قراتكين، فبرزوا إليه وقاتلوه فهزمهم وأثخن فيهم، وعاد إلى جرجان، فابتنى أهل الدامغان حصنا يمتنعون به. وسار قراتكين إلى ليلى فبرز إليه من جرجان وقاتله على عشرة فراسخ فانهزم قراتكين وأثخن في عسكره، وسار إليه فارس مولى قراتكين فأكرمه وزوجه أخته وكثرت أجناده، وضاقت أمواله فأغراه أبو حفص القاسم بن حفص بنيسابور،

وأمره الحسن الداعي بالمسير إليها فسار وملكها آخر ثمان وثلاثمائة وخطب بها للداعي.

وأنفذ السعيد نصر بن سامان عساكره من بخارى مع قواده حمويه بن علي ومحمد ابن عبد الله البلغمي وأبو حفص بنيسابور وأبو الحسن صعلوك وسيجور الدواني، فقاتلوا ليلى بن النعمان عن طوس وهزموه، فلحق بآمل واختفى فيها، وجاءه بقراخان وأخرجه من الاختفاء وأنفذ بالخبر إلى حمويه، فأمره بقتله وتأمين أصحابه، فقتل وحمل رأسه إلى بغداد، وذلك في ربيع سنة تسع وثلاثمائة، وبقي فارس غلام قراتكين بجرجان، وعاد قراتكين إلى جرجان فاستأمن إليه مولاه فارس فقتله قراتكين وانصرف عن جرجان.

** (أخبار سرخاب بن وهشوذان ومهلكه وقيام ما كان بن كالي بمكانه) **

كان سرخاب بن وهشوذان الديلمي من قواد الأطروش وبنيه، وبايع لأبي الحسن بن الأطروش الناصر بعد مهلك أبيه بطبرستان وأستراباذ وكان صاحب جيشه، ولما انصرف قراتكين عن جرجان بعد مهلك ليلى بن النعمان، سار إليها أبو الحسن بن الأطروش وسرخاب فملكوها، وأنفذ السعيد نصر بن سامان سنة عشر سيجور الدواني في أربعة آلاف فارس لقتاله، ونزل على فرسخين من جرجان وحاصرها أشهرا، ثم برزوا إليه، وأكمن لهم سيجور كمينا فتباطأ الكمين وانهزم سيجور واتبعه سرخاب.

ثم خرج الكمين بعد حين وانهزم أبو الحسن إلى أستراباذ وترك جرجان، واتبعه سرخاب في الفل بمخلفه ومخلف أصحابه ورجع سيجور إلى جرجان فملكها. ثم مات سرخاب ولحق ابن الأطروش بسارية فأقام بها واستخلف ماكان بن كالي وهو ابن عم سرخاب، فسار محمد بن عبيد الله البلغمي وسيجور لحصاره وأقاموا عليه طويلا. ثم بذلوا له مالا على أن يخرج لهم عنها فتقوم لهم بذلك حجة عند ابن سامان ثم يعود ففعل ذلك، وخرج إلى سارية ثم نزل إلى الشمانية عن أستراباذ، وولوا عليها بقراخان فعاد إليها ما كان وملكها ولحق بقراخان بأصحابه في نيسابور

** (بداية أسفار بن شيرويه وتغلبه على جرجان ثم طبرستان) **

كان أسفار هذا من الديلم من أصحاب ما كان بن كالي، وكان سيئ الخلق صعب العشرة وأخرجه ما كان من عسكره فاتصل ببكر بن محمد بن أليسع في نيسابور وهو عامل عليها من قبل ابن سامان فأكرمه واختصه في العساكر سنة خمس عشرة وثلاثمائة لفتح جرجان وكان ما كان بن كالي يومئذ بطبرستان، وولى على جرجان أبا الحسن بن كالي، واستراب بأبي علي بن الأطروش فحبسه بجرجان فجعله عنده في البيت، وقام ليلة إليه ليقتله فأظفر الله العلوي به وقتله، وتسرب من الدار وأرسل من الغد إلى جماعة من القواد فجاءوا إليه وبايعوه وألبسوه القلنسوة، وولى على جيشه علي بن خرشية [1] وكاتبوا أسفار بن شيرويه بذلك وهو في طريقه إليهم، واستدعوه فاستأذن بكر بن محمد وسار إليهم، وسار على ابن خرشية في القيام بأمر جرجان بدعوة العلوي الذي معهم وضبط ناحيتها. وسار إليهم ما كان بن كالي في العساكر من طبرستان وقاتلوه فهزموه واتبعوه إلى طبرستان فملكوها من يده وقاموا بها. ثم هلك أبو علي الأطروش وعلي بن خرشية صاحب الجيش وانفرد أسفار بطبرستان وسار بكر بن محمد بن أليسع إلى جرجان فملكها وأقام فيها دعوة نصر بن سامان. ثم رجع ماكان إلى طبرستان وبها أسفار فحاربه وغلبه، وملك طبرستان من يده ولحق أسفار بجرجان فأقام بها عند بكر بن أليسع إلى أن توفي بكر، فولاه السعيد على جرجان سنة خمس عشرة وثلاثمائة ثم ملك نصر بن سامان الري بولاية المقتدر وولى عليها محمد بن علي بن صعلوك فطرقه المرض في شعبان سنة ست عشرة وثلاثمائة وكاتب الحسن الداعي أسفار ملك جرجان بولاية نصر بن سامان، فاستدعى مرداويج بن زيار من ملوك الجبل وجعله أمير جيشه وسار إلى طبرستان فملكها.

** (استيلاء أسفار على الري واستفحال أمره) **

لما استولى أسفار على طبرستان ومرداويج معه، وكان يومئذ على الري وملكها من يد صعلوك كما ذكرناه. واستولى على قزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ ومعه الحسن بن القاسم الداعي الصغير [1] وهو قائم بدعوته. فلما خالفه أسفار إلى طبرستان وملكها واستضافها إلى جرجان سار إليه ما كان والداعي والتقوا بسارية واقتتلوا، وانهزم ما كان وقتل الداعي، وكانت هزيمته بتخاذل الديلم عنه فإن الحسن كان يشتد عليهم في النهي عن المنكر فنكروه، واستقدموا خال مرداويج من الجبل واسمه هزرسندان [2] وكان مع أحمد الطويل بالدامغان، فمكروا بالداعي واستقدامه للاستظهار به، وهم يضمرون تقديمه عوض ما كان، ونصب أبي الحسن بن الأطروش عوض الحسن الداعي، ودس إليه بذلك أحمد الطويل صاحب الدامغان بعد موت صعلوك، فحذرهم حتى إذا قدم هزرسندان أدخله مع قواد الديلم إلى قصره بجرجان. ثم قبض عليهم وقتلهم جميعا، وأمر أصحابه بنهب أموالهم، فامتعض لذلك سائر الديلم وأقاموا على مضيض حتى إذا كان يوم لقائه أسفار خذلوه فقتل. وفر ما كان واستولى أسفار على ما كان لهم من الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ واستضافها إلى طبرستان وجرجان، وأقام فيها دعوة السعيد بن سامان. ونزل سارية واستعمل على الري هارون بن بهرام صاحب جناح، وكان يخطب فيها لأبي جعفر العلوي، فاستدعاه إليه وزوجه من آمل. وجاء أبو جعفر لوليمته مع جماعة من العلويين فكبسهم أسفار وبعث بهم إلى بخارى فحبسهم بها إلى أن خلصوا مع يحيى أخي السعيد، وكانوا في فتية حسبما ذكرناه. ولما فرغ أسفار من الري تطاول إلى قلعة ألموت ليحصن بها عياله وذخيرته، وكانت لسياه جشم بن مالك الديلمي ومعناه الأسود العين، فاستقدمه أسفار وولاه قزوين، وسأله في ذلك فأجابه فنقل عياله إليها

وسرب الرجال إليهم لخدمتهم حتى كملوا مائة. ثم استدعاه فقبض عليه، وثار أولئك بالقلعة فملكوها، وكان في طريقه إلى الري استأمن إليه صاحب جبلي نهاوند وقم ابن أمير كان فملكها، ومر بسمنان فامتنع منه صاحبها محمد بن جعفر، وبعث إليه من الري بعض أصحابه فاستأمن إليه وخدعه حتى قتله وتدلى من ظهر القلعة. ثم استفحل أمر أسفار وانتقض على السعيد بن سامان، وأراد أن يتتوج ويجلس على سرير الذهب، واعتزم على حرب ابن سامان والخليفة، فبعث المقتدر العساكر إلى قزوين مع هارون بن غريب الحال فقاتله أسفار وهزمه. ثم سار ابن سامان إلى نيسابور لحربه، فأشار على أسفار وزيره مطرف بن محمد الجرجاني بمسالمته وطاعته، وبذل الأموال له فقبل إشارته. وبعث بذلك إلى ابن سامان وتلطف أصحابه في رجوعه إلى ذلك فرجع وشرط عليه الخطبة والطاعة فقبل، وانتظم الحال بينهما ورجع إلى السطوة بأهل الري. ولما كانوا عابوا عليه عسكر القتال ففرض عليهم الأموال وعسف بهم، وخص أهل قزوين بالنهب لما تولوا من ذلك، وسلط عليهم الديلم فضاقت بهم الأرض.

** (مقتل اسفار وملك مرداويج) **

كان مرداويج بن زيار من قواد أسفار وكان قد سئم عسفه وطغيانه كما سئمه الناس، وبعثه أسفار إلى صاحب سميران الطر الذي ملك أذربيجان بعد ذلك يدعوه إلى طاعته، ففاوضه في أمر أسفار وسوء سيرته في الناس، واتفقا على الوثوب عليه به فأجابوه وفيهم مطرف بن محمد وزيره فسار هو وسلار إليه، وبلغه الخبر فثار به الجند فهرب إلى الري، وكتب إلى ماكان بن كالي بطبرستان يستألفه على أسفار فسار إليه ما كان فهرب أسفار من بيهق إلى بست، ثم دخل مفازة الري قاصدا قلعة ألموت التي حصن بها أهله وذخيرته. وتخلف عنه بعض أصحابه في المفازة، وجاء إلى مرداويج يخبره، فسار إليه وتقدم بين يديه بعض القواد فلقي أسفار وساءله عن قواده، فأخبره أن مرداويج قتلهم فسر بذلك. ثم حمله القائد إلى مرداويج فأراد أن يحبسه بالري فحذره بعض أصحابه غائلته، فأمر بقتله ورجع إلى الري. ولما قتل

أسفار تنقل مرداويج في البلاد يملكها، فملك قزوين، ثم الري، ثم همذان، ثم كنكور، ثم الدينور، ثم دجرد [1] ، ثم قم، ثم قاشان، ثم أصفهان، ثم جرباد [2] . واستفحل ملكه وعتا وتكبر، وجلس على سرير الذهب، وأجلس أكابر قواده على سرير الفضة، وتقدم لعسكره بالوقوف على البعد منه، ونودي بالخطاب بينهم وبين حاجبه.

** (استيلاء مرداويج على طبرستان وجرجان) **

قد ذكرنا أن الألفة الواقعة بين مرداويج وما كان وتظاهرهما على أسفار حتى قتل وثبت مرداويج في الملك، واستفحل أمره فتطاول إلى ملك طبرستان وجرجان.

وسار إليهما سنة ست عشرة وثلاثمائة فانهزم ما كان أمامه واستولى مرداويج على طبرستان، وولى عليها أسفهسلان، وأمر على عسكره أبا القاسم [3] ، وكان حازما شجاعا. ثم سار إلى جرجان فهرب عامل ما كان عنها وملكها مرداويج، وولى عليها صهره أبا القاسم المذكور خليفة عنه، ورجع إلى أصفهان ولحق أبو القاسم وهزمه، فرجع السائر إلى الديلم ولحق ما كان بنيسابور، واستمد أبا علي بن المظفر صاحب جيوش ابن سامان، فسار معه في عساكره إلى جرجان فهزمهما أبو القاسم ورجعا إلى نيسابور. ثم سار ما كان إلى الدامغان فدفعه عنها أبو القاسم فعاد إلى خراسان.

** (استيلاء مرداويج على همذان والجبل وحروبه مع عساكر المقتدر) **

لما ملك مرداويج بلاد الري أقبلت الديلم إليه، فأفاض فيهم العطاء وعظمت عساكره، فلم تكفه جباية أعماله، وامتدت عينه إلى الأعمال التي تجاوره، فبعث إلى

همذان سنة تسع عشرة جيشا كثيفا مع ابن أخته، وبها محمد بن خلف وعسكر المقتدر، فاقتتلوا وأعان على همذان عسكر الخليفة فظفروا بعسكر مرداويج، وقتلوا ابن أخته، فسار إليهم مرداويج من الري وهرب عسكر الخليفة من همذان ودخلها عنوة، فأثخن فيهم واستلحمهم وسباهم، ثم أمنهم. وزحفت إليه عساكر المقتدر مع هارون بن غريب الحال فهزمهم بنواحي همذان، وملك بلاد الجبل وما وراء همذان، وبعث قائدا من أصحابه إلى الدينور ففتحها عنوة، وبلغت عساكره نحو حلوان، وامتلأت أيديهم من الذهب والسبي ورجعوا.

** (خبر لشكري في أصفهان) **

كان لشكري من الديلم ومن أصحاب أسفار، واستأمن بعد قتله إلى المقتدر، وصار في جند هارون بن غريب الحال. ولما انهزم هارون أمام مرداويج سنة تسع عشرة وثلاثمائة، أقام في قرقلنين [1] ينتظر مدد المقتدر، وبعث لشكري هذا إلى نهاوند يجيئه بمال منها، فتغلب عليها وجمع بها جندا، ثم مضى إلى أصفهان في منتصف السنة وبها أحمد بن كيغلغ فحاربه وهزمه، وملك أصفهان، ودخل إليها عسكره، وأقام هو بظاهرها، فرأى لشكري فقصده يظنه من بعض جنده أي أحمد، فلما تراءى دافع أحمد بن كيغلغ عن نفسه فقتل وهرب أصحابه ورجع ابن كيغلغ إلى أصفهان [2]

** (استيلاء مرداويج على أصفهان) **

ثم بعث مرداويج [1] عسكرا آخر إلى أصفهان سنة تسع عشرة فملكوها وجددوا له مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف فنزلها وعسكره يومئذ أربعون أو خمسون الفا، ثم بعث عسكرا إلى الأهواز وخوزستان فملكوها وجبوا أعمالها، وبعث إلى المقتدر وضمن هذه البلاد بمائتي ألف دينار في كل سنة فقررت عليه، وأقطعه المقتدر همذان وماه الكوفة.

** (قدوم وشمكير على أخيه مرداويج) **

وفي سنة ست عشرة وثلاثمائة بعث مرداويج رسوله من الجند ليأتيه بأخيه وشمكير، فبعث إليه وأبلغه رسالة أخيه وأعلمه بمقامه في الملك، فاستبعد ذلك، ثم استغربه ونكر على أخيه مشايعته للمسودة، لأن الديلم والجيل كانوا شيعة للعلوية بطبرستان، فلم يزل الرسول به حتى سار به إلى أخيه، فخرج به إلى قزوين وألبسه السواد بعد مراوضة. وقدم على أخيه بدويا حافيا مستوحشا فلم يكن إلا أن رهف الملك أعطافه فأصبح أرق الناس حاشية وأكثر الناس معرفة بالسياسة.

** (خبر مرداويج مع ابن سامان على جرجان) **

كان أبو بكر المظفر صاحب جيوش ابن سامان بخراسان قد غلب على جرجان وانتزعها من ملكه مرداويج، فلما فرغ مرداويج من أمر خوزستان والأهواز رجع إلى الري وسار منها إلى جرجان، فخرج ابن المظفر عن جرجان إلى نيسابور وبها يومئذ

السعيد نصر بن سامان، فسار لمدافعة مرداويج عن جرجان، وكاتب محمد بن عبد الله البلغمي من قواد ابن سامان مطرف بن محمد وزير مرداويج واستماله. وشعر بذلك فقتل وزيره وبعث إليه البلغمي يعذله في قصد جرجان، ويطوق ذلك بالوزير مطرف، ويذكره حقوق السعيد بن سامان قبله وقصور قدرته عنه، ويشير عليه بالنزول له عن جرجان وتقرير المال عليه بالري، فقبل مرداويج إشارته وعاد عن جرجان وانتظم الحال بينهما.

** (بداية أمر بني بويه) **

وكانوا إخوة ثلاثة أكبرهم عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة الحسن، ومعز الدولة أبو الحسن أحمد. لقبهم بهذه الألقاب الخلفاء عند ما ملكوا الأعمال، وقلدوهم إياها على ما نذكر بعد. وهم الذين تولوا حجر الخلفاء بعد ذلك ببغداد كما يأتي. وأبوهم أبو شجاع بويه بن قناخس وللناس في نسبهم خلاف، فأبو نصر بن ماكولا ينسبهم إلى كوهي بن شيرزيك الأصغر ابن شير كوه بن شيرزيك الأكبر ابن سران شاه بن سيرقند بن سيسان شاه بن سير بن فيروز بن شروزيل بن سنساد بن هراهم جور، وبقية النسب مذكور في ملوك الفرس. وابن مسكويه قال: يزعمون أنهم من ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس. والحق أن هذا النسب مصنوع تقرب إليهم به من لا يعرف طبائع الأنساب في الوجود، ولو كان نسبهم ذا خلل في الديلم لم تكن لهم تلك الرئاسة عليهم، وإن كانت الأنساب قد تتغير وتخفى وتنتقل من شعب إلى شعب ومن قوم إلى قوم فإنما هو بطول الأعصار وتناقل الأجيال واندراس الأزمان والأحقاب. وأما هؤلاء فلم يكن بينهم وبين يزدجرد وانقطاع الملك من الفرس إلا ثلاثمائة سنة، فيها سبعة أجيال أو ثمانية أجيال ميزت فيها أنسابهم وأحصيت أعقابهم. فكيف يدرك مثل هذه الأنساب الخفاء في مثل هذه الاعصار. وإن قلنا كان نسبهم إلى الفرس ظاهرا منع ذلك من رياستهم على الديلم فلا شك في هذه التقادير في ضعة هذا النسب والله أعلم. وأما بدايتهم فإنهم كانوا من أوسط الديلم نسبا وحالا. وفي أخبارهم أن أباهم أبا شجاع كان فقيرا، وأنه رأى في

منامه أنه يبول فخرج من ذكره نار عظيمة فاستضاءت الدنيا بها، فاستطالت وارتفعت الى السماء. ثم افترقت ثلاث شعب ومن كل شعب عدة شعب فاستضاءت الدنيا بها والناس خاضعون لتلك النيران. وان عابرا عبر له الرؤيا بأنه يكون له ثلاثة أولاد يملكون الأرض، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت النار، ويولد لهم ملوك بقدر الشعب. وأن أبا شجاع استبعد ذلك واستنكره لما كانوا عليه من توسط الحال في المعيشة، فرجع المعبر إلى السؤال عن وقت مواليدهم فأخبروه بها، وكان منجما فعدل طوالعهم وقضى لهم جميعا بالملك فوعدوه وانصرف. ولما خرج قواد الديلم لملك البلاد وانتشروا في الأعمال مثل ليلى وما كان وأسفار ومرداويج خرج مع كل واحد منهم جموع من الديلم رءوس وأتباع، وخرج بنو أبي شجاع هؤلاء في جملة قواد ما كان، فلما اضطرب أمره وغلبه مرداويج عن طبرستان وجرجان مرة بعد مرة لحق آخرا بنيسابور مهزوما فاعتزم بنو بويه على فراقه واستأذنوه في ذلك، وقالوا إنما نفارقك تخفيفا عليك فإذا صلح أمرك عدنا إليك. وساروا إلى مرداويج، وتبعتهم جماعة من قواد ما كان فقبلهم مرداويج. وقلد كل واحد منهم ناحية من نواحي الجبل. وقلد علي بن بويه كرمس وكتب لهم العهود بذلك. وساروا إلى الري وبها يومئذ أخوه وشمكير ومعه وزيره الحسين بن محمد العميد والد أبي الفضل. ثم بدا لمرداويج في ولاية هؤلاء القواد المستأمنة فكتب إلى أخيه وشمكير ووزيره العميد بردهم عن تلك الأعمال. وكان علي بن بويه قد أسلف عند العميد يدا في بغلة فارهة عرضها للبيع، واستامها العميد فوهبها له فرعى له العميد هذه الوسيلة. فلما قرأ كتاب مرداويج دس إلى ابن بويه بأن يغذ السير إلى عمله فسار من حينه. وغدا وشمكير على بقية القواد، فاستعاد العهود من أيديهم، وأمر ابن بويه فأشار عليه أصحابه بترك ذلك لما فيه من الفتنة فتركه.

** (ولاية عماد الدولة بن بويه على كرج وأصفهان) **

ولما وصل عماد الدولة إلى كرج ضبط أمورها وأحسن السياسة في أهلها وأعمالها، وقتل جماعة من الخرمية كانوا فيها وفتح قلاعهم، وأصاب فيها ذخائر كثيرة فأنفقها في

جنده فشاع ذكره وحمدت سيرته. وكتب أهل الناحية إلى مرداويج بالنبإ فغص.

وجاء من طبرستان إلى الري وأطلق مالا لجماعة من قواده على كرج فاستمالهم عماد الدولة وأحسن إليهم، فأقاموا عنده. واستراب مرداويج فكتب إلى عماد الدولة في استدعائهم، فدافعه وحذرهم منه فحذروا. ثم استأمن إليه سيراذ [1] من أعيان قواد مرداويج، فكثف به جمعه وسار إلى أصفهان وبها المظفر بن ياقوت من قبل القاهر، في عشرة آلاف مقاتل، وعلى خراجها ابو علي بن رستم، فاستاذنهما في الانحياز إليهما، والدخول في طاعة الخليفة، فأعرضا عنه، ومات خلال ذلك ابن رستم وبرز ابن ياقوت من أصفهان لمدافعته، واستأمن إليه من كان مع ابن ياقوت من الجيل والديلم، ثم لقيه عماد الدولة في تسعمائة فهزمه وملك أصفهان.

** (استيلاء ابن بويه على أرجان وأخواتها ثم على شيراز وبلاد فارس) **

ولما بلغ خبر أصفهان إلى مرداويج اضطرب، وكتب إلى عماد الدولة بن بويه يعاتبه ويستميله، ويطلب منه إظهار طاعته، ويمده بالعساكر في البلاد والأعمال، ويخطب له فيها. وجهز له أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبسه وهو مطمئن إلى تلك الرسالة، وشعر ابن بويه بالمكيدة فرحل عن أصفهان بعد أن جباها شهرين، وسار إلى أرجان وبها أبو بكر بن ياقوت من أصفهان واليا عليها، ففصل عنها. ولما ملك ابن بويه أرجان كاتبه أهل شيراز يستدعونه إليهم، وعليهم يومئذ ياقوت عامل الخليفة، وثقلت وطأته عليهم وكثر ظلمه، فاستدعوا ابن بويه وخام عن المسير إليهم، فأعادوا إليه الكتاب بالحث على ذلك، وأن مرداويج طلب الصلح من ياقوت فعاجل الأمر قبل أن يجتمعا، فسار إلى النوبندجان في ربيع سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وسبقته إليها مقدمة ياقوت في ألفين من شجعان قومه. فلما وافاهم ابن بويه انهزموا إلى كرمان وجاءهم ياقوت هنالك في جميع أصحابه. وأقام عماد الدولة بالنوبندجان، وبعث أخاه ركن الدولة الحسن إلى كازرون وغيرها من أعمال فارس،

فلقي هنالك عسكرا لياقوت فهزمهم وجبى تلك الأعمال ورجع إلى أخيه بالأموال.

ثم وقعت المراسلة بين مرداويج وياقوت في الصلح وسار وشمكير إليه عن أخيه فخشيهما عماد الدولة وسار من نوبندجان إلى إصطخر، ثم إلى البيضاء وياقوت في اتباعه. وسبقه ياقوت إلى قنطرة على طريق كرمان فصده عن عبوره، واضطره للحرب، فتحاربوا واستأمن جماعة من أصحاب ابن بويه إلى ياقوت فقتلهم، فخشيه الباقون واستماتوا. وقدم ياقوت أمام عسكره رجاله بقوار النفط، فلما أشعلوها وقذفت أعادتها الريح عليهم فعلقت بهم، فاضطربوا، وخالطهم أصحاب ابن بويه في موقفهم وكانت الدبرة على ياقوت. ثم صعد إلى ربوة ونادى في أصحابه بالرجوع، فاجتمع إليه نحو اربعة آلاف فارس، وأراد الحملة عليهم لاشتغالهم بالنهب ففطنوا له، وتركوا النهب وقصدوه فانهزم واتبعوهم فأثخنوا فيهم. وكان معز الدولة أحمد بن بويه من أشد الناس بلاء في هذه الحرب، ابن تسع عشرة سنة لم يطر شاربه. ثم رجعوا إلى السواد فنهبوه وأسروا جماعة منهم، فأطلقهم ابن بويه وخيرهم، فاختاروا المقام عنده فأحسن إليهم. ثم سار إلى شيراز فأمنها ونادى بالمنع من الظلم، واستولى على سائر البلاد وعرفوه بذخائر في دار الإمارة وغيرها من ودائع ياقوت وذخائر بني الصفار. فنادى في الجند بالعطاء وأزاح عللهم، وامتلأت خزائنه، وكتب إلى الراضي وقد أفضت إليه الخلافة، وإلى وزيره أبي علي بن مقلة تقرير البلاد عليه بألف ألف درهم فأجيب إلى ذلك، وبعثوا إليه بالخلع واللواء، وكان محمد بن ياقوت قد فارق أصفهان عند خلع القاهر وولاية الراضي، وبقيت عشرين يوما دون أمير، فجاء إليها وشمكير وملكها، فلما وصل الخبر إلى مرداويج باستيلاء ابن بويه على فارس سار إلى أصفهان للتدبير عليه، وبعث أخاه وشمكير إلى الري.

** (استيلاء ما كان بن كالي على الري) **

قد ذكرنا في دولة بني سامان أن أبا علي محمد بن الياس كان سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بكرمان منتقضا على السعيد، فبعث إليه في هذه السنة جيشا كثيفا فاستولى على كرمان، وأقام فيها الدعوة لابن سامان، وكان أصل محمد بن الياس من

أصحاب السعيد فسخطه وحبسه ثم أطلقه بشفاعة البلغمي. وبعث مع صاحب خراسان محمد بن المظفر إلى جرجان حتى إذا خرج أخوه السعيد من محبسهم، وبايعوا ليحيى منهم، كان محمد بن الياس معهم حتى تلاشى أمرهم، ففارقه ابن الياس من نيسابور إلى كرمان فاستولى عليها إلى هذه الغاية فأزاله عنها ماكان ولحق بالدينور وأقام ماكان واليا بكرمان بدعوة بني سامان.

** (مقتل مرداويج وملك أخيه وشمكير من بعده) **

لما استفحل أمر مرداويج كما قلنا عتا وتجبر وتتوج بتاج مرصع على هيئة تاج كسرى، وجلس على كرسي الذهب وأجلس أكابر قواده على كراسي الفضة، واعتزم على قصد العراق، وبنى المدائن وقصور كسرى وأن يدعى بشاه. وكان له جند من الأتراك، كان كثير الإساءة إليهم، ويسميهم الشياطين والمردة فثقلت وطأته على الناس، وخرج ليلة الميلاد من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، إلى جبال أصفهان وكانوا يسمونها ليلة الوقود لما يضرم فيها من النيران. فأمر بجمع الحطب على الجبل من أوله إلى آخره أمثال الجبال والتلال، وجمع ألفي طائر من الغربان والحدءات، وجعل النفط في أرجلها ليضرم الجبل نارا حتى يضيء الليل. واستكثر من أمثال هذا اللعب، ثم عمل سماطا للأكل بين يديه فيه مائة فرس ومائتا بقرة وثلاثة آلاف كبش وعشرة آلاف من الدجاج وأنواع الطير، وما لا يحصى من أنواع الحلوى، وهيأ ذلك كله ليأكل الناس، ثم يقوموا إلى مجلس الشرب والندمان فتشعل النيران. ثم ركب آخر النهار ليطوف على ذلك كله بنفسه، فاحتقره وسخط من تولى ترتيبه، ودخل خيمته مغضبا ونام، فأرجف القواد بموته فدخل إليه وزيره العميد وأيقظه، وعرفه بما الناس فيه، فخرج وجلس على السماط وتناول لقمتين ثم ذهب، وعاد إلى مكانه، فقام في معسكره بظاهر أصفهان ثلاثا لا يظهر للناس. ثم قام في اليوم الرابع ليعود إلى قصره بأصفهان فاجتمعت العساكر ببابه، وكثر صهيل الخيل ومراحها فاستيقظ لكثرة الضجيج، فازداد غضبه وسأل عن أصحاب الدواب، فقيل إنها للأتراك نزلوا للخدمة وتركوها بين يدي الغلمان، فأمر أن تحل عنها

السروج، وتجعل على ظهور الأتراك ويقودونهم إلى اصطبلات الخيل، ومن امتنع من ذلك ضرب، فأمسكوا ذلك على أقبح الهيئات، واصطنعوا [1] ذلك عليه، واتفقوا على الفتك به في الحمام. وكان كورتكين يحرسه في خلواته وحمامه، فسخطه ذلك اليوم وطرده، فلم يتقدم إلى الحرس لمراعاته وداخلوا الخادم الذي يتولى خدمته في الحمام في أن يفقده سلاحه، وكان يحمل خنجرا فكسر حديد الخنجر وترك النصاب لمرداويج، فلم يجد له حدا فأغلق باب الحمام ودعمه من ورائه بسرير الخشب الذي كان صاعدا عليه، فصعدوا إلى السطح وكسروا الجامات ورموه بالسهام فانحجر في زوايا الحمام وكسروا الباب عليه وقتلوه. وكان الذي تولى كبر ذلك جماعة من الأتراك، وهم توزون الذي صار بعد ذلك أمير الأمراء ببغداد، ويارق بن بقراخان ومحمود بن نيال الترجمان [2] ويحكم [3] الذي ولي إمارة الأمراء قبل توزون. ولما قتلوه خرجوا إلى أصحابهم فركبوا ونهبوا قصر مرداويج وهربوا. وكان الديلم والجيل بالمدينة فركبوا في أثرهم فلم يدركوا منهم إلا من وقفت دابته فقتلوهم، وعادوا لنهب الخزائن، فوجدوا العميد قد أضرمها نارا. ثم اجتمع الديلم والجيل وبايعوا أخاه وشمكير بن زيار وهم بالري، وحملوا معهم جنازة مرداويج، فخرج وشمكير وأصحابه لتلقيهما على أربع فراسخ حفاة، ورجع العسكر الذي كان بالأهواز إلى وشمكير واجتمعوا عليه، وتركوا الأهواز لياقوت فملكها، وقام وشمكير بملك أخيه مرداويج في الديلم والجيل، وأقام بالري، وجرجان في ملكه. وكتب السعيد بن سامان إلى محمد بن المظفر صاحب خراسان، وإلى ماكان بن كالي صاحب كرمان بالمسير إلى جرجان والري، فسار ابن المظفر إلى قومس ثم إلى بسطام، وسار ماكان على المفازة إلى الدامغان واعترضه الديلم من أصحاب وشمكير في جيش كثيف فهزموهم ولحق بنيسابور آخر ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وجعلت ولايتها لما كان بن كالي فأقام بها. وسار أبو علي بن الياس إلى كرمان بعد انصراف ماكان عنها فملكها وصفت له بعد حروب شديدة طويلة مع جيوش السعيد بن سامان. وكان له الظفر آخرا. وأما الأتراك الذين قتلوا مرداويج فافترقوا في هزيمتهم

فرقتين. فسارت فرقة إلى عماد الدولة بن بويه وهم الأقل، وفرقة إلى الجيل مع يحكم وهم الأكثر فجبوا خراج الدينور وغيره. ثم ساروا إلى النهروان وكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداد فأذن لهم واستراب الحجرية بهم، فردهم الوزير ابن مقلة إلى بلد الجيل [1] وأطلق لهم مالا فلم يرضوا به، فكاتبهم ابن رائق وهو يومئذ صاحب واسط والبصرة فلحقوا به، وقدم عليهم يحكم، فكاتب الأتراك من أصحاب مرداويج فقدم عليه منهم عدة وافرة، واختص يحكم وتولاه ونعته بالرائقي نسبة إليه، وأمره أن يرسمها في كتابه.

** (مسير معز الدولة بن بويه الى كرمان وهزيمته) **

لما ملك عماد الدولة بن بويه وأخوه ركن الدولة بلاد فارس والجيل، بعثا أخاهما الأصغر معز الدولة إلى كرمان خالصة له، فسار في العسكر إليها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة واستولى على السيرجان وكان إبراهيم بن سيجور الدواني [2] قائد ابن سامان يحاصر محمد بن الياس ابن أليسع في قلعته هنالك. فلما بلغه خبر معز الدولة سار من كرمان إلى خراسان، وخرج محمد بن الياس من القلعة التي كان محاصرا بها إلى مدينة قم [3] على طرف المفازة بين كرمان وسجستان فسار إلى جيرفت وهي قصبة كرمان.

وجاء رسول علي بن أبي الزنجي المعروف بعلي بن كلونة [4] أمير القفص والبلوص، كان هو وسلفه متغلبين على تلك الناحية ويعطون طاعتهم للأمراء والخلفاء على البعد ويحملون إليهم المال. فلما جاء رسوله بالمال امتنع معز الدولة من قبوله إلا بعد دخول جيرفت، فلما دخل جيرفت صالحه وأخذ رهنه على الخطبة له. وكان علي بن كلونة قد نزل بمكان صعب المسلك على عشرة فراسخ من جيرفت، فأشار على معز الدولة

بعض أصحابه أن يغدر به ويكبسه ففعل ذلك، وأتى لعلي بن كلونة عيونه بالخبر، فأرصد جماعة لمعز الدولة بمضيق في طريقه، فلما مر بهم ساريا ثاروا به من جوانبه وقتلوا من أصحابه وأسروا وأصابته جراح كثيرة، وقطعت يده اليسرى من نصف الذراع، وأصابع يده اليمنى وسقط بين القتلى، وبلغ الخبر إلى جيرفت فهرب أصحابه منها، وجاء علي بن كلونة فحمله من بين القتلى إلى جيرفت وأحضر الأطباء لعلاجه، وكتب إلى أخيه عماد الدولة يعتذر ويبذل الطاعة فأجابه وأصلحه، وسار محمد بن الياس من سجستان إلى بلد خبابة [1] فتوجه إليه معز الدولة وهزمه وعاد ظافرا، ومر بابن كلونة فقاتله وهزمه وأثخن في أصحابه، وكتب إلى أخيه عماد الدولة بخبره مع ابن الياس وابن كلونة، فبعث قائدا من قواده واستقدمه إليه بفارس فأقام عنده بإصطخر إلى أن قدم عليهم أبو عبد الله البريدي منهزما من ابن رائق ويحكم المتغلبين على الخلافة ببغداد، فبعث عماد الدولة أخاه معز الدولة وجعل له ملك العراق عوضا عن ملك كرمان كما يذكر بعد.

** (استيلاء ماكان على جرجان وانتقاضه على ابن سامان) **

قد ذكرنا انهزام ما كان على جرجان أيام بانجين الديلمي ورجوعه إلى نيسابور، فأقام بها ثم بلغ الخبر بمهلك بانجين بجرجان فاستأذن ماكان محمد بن المظفر في الخروج لاتباع بعض أصحابه هرب عنه وطالبه به عارض الجيش فأذن له، وسار إلى أسفراين [2] وبعث معه جماعة من عسكره إلى جرجان فاستولى عليها. ثم أظهر لوقته الانتقاض على ابن المظفر وسار إليه بنيسابور، فتخاذل أصحابه وهرب عنها الى سرخس، وعاد عنها ماكان خوفا من اجتماع العساكر عليه. وذلك في رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.

** الخبر عن دولة بني بويه من الديلم المتغلبين على العراقين وفارس والمستبدين على الخلفاء ببغداد من خلافة المستكفي الى أن صاروا في كفالتهم وتحت حجرهم الى انقراض دولتهم وأولية ذلك ومصايره **

قد تقدم لنا التعريف ببني بويه وذكر نسبهم وهم من قواد الديلم الذين تطاولوا للاستيلاء على أعمال الخلفاء العباسيين، ولما لم يروا عنها مدافعا ولا لها حامية فتنقلوا في نواحيها، وملك كل واحد منهم أعمالا منها. واستولى بنو بويه على أصفهان والري، ثم انعطفوا على بلاد فارس فملكوا أرجان وما إليها. ثم استولوا على شيراز وأعمالها وأحاطوا بأعمال الخلافة بنواحي بغداد من شرقها وشمالها، وكانت الخلافة قد طرقها الإعلال، وغلب عليها الموالي والصنائع، وقد كان ابو بكر محمد بن رائق عاملا بواسط، واضطرب حال الراضي ببغداد فاستقدمه وقلده إمارة الجيوش، ونعته أمير الأمراء. وكان بنو البريدي في خوزستان والأهواز فغصوا به، ووقعت الوحشة بينه وبينهم فبعث ابن رائق بدرا الخرشني ويحكم الذي نزع إليه أتراك مرداويج، فساروا في العسكر لقتال ابن البريدي، واستولوا على الأهواز سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ولحق ابن البريدي بعماد الدولة بن بويه لما ملك العراق، وسهل عليه أمره. وذلك عند رجوع أخيه معز الدولة من كرمان وامتناعها عليه كما ذكرناه فبعث معه العساكر.

** (استيلاء معز الدولة بن بويه على الأهواز) **

لما لحق أبو عبد الله البريدي بعماد الدولة ناجيا من الأهواز، مستنجدا له، بعث أخاه معز الدولة في العساكر بعد أن أخذ منه ابنيه أبا الحسن محمدا وأبا جعفر الفياض رهنا. وسار معز الدولة سنة ست وعشرين وثلاثمائة فانتهى إلى أرجان ويحكم جاء للقائهم، وانهزم أمامهم إلى الأهواز فأقام بها، وأنزل بها بعض عسكره في عسكر

مكرم، فقاتلوا معز الدولة ثلاثة عشر يوما ثم انهزموا الى تستر، فرحل معز الدولة إلى عسكر مكرم، وأنفذ ابن البريدي خليفته إلى الأهواز. ثم بعث إلى معز الدولة بأن ينتقل الى السوس، ويبعد عنه فيؤمن له الأهواز فعزله وزيره أبو جعفر الصيمري وغيره من أصحابه، وأروه أن البريدي يخادعه، فامتنع معز الدولة من ذلك، وبلغ اختلافهم إلى يحكم، فبعث عسكرا من قبله فاستولى على الناس وجند نيسابور وبقية الأهواز بيد ابن البريدي وعسكر مكرم بيد معز الدولة. وضاق حال جنده وتحدثوا في الرجوع إلى فارس فواعدهم لشهر، وكتب إلى أخيه عماد الدولة بالخبر، فبعث إليه مددا من العسكر، فعادوا واستولوا على الأهواز. وسار يحكم من واسط فاستولى على بغداد وقلده الراضي إمارة الأمراء، وهرب ابن رائق فاختفى ببغداد.

** انتزاع وشمكير أصفهان من يد ركن الدولة ومسيره الى واسط ثم استرجاعه أصفهان **

قد ذكرنا أن وشمكير المستولي بعد أخيه مرداويج على الري، كان عماد الدولة استولى على أصفهان ودفعها إلى أخيه ركن الدولة فبعث إليها وشمكير سنة سبع وعشرين وثلاثمائة جيشا كثيفا من الري فملكوها من يده وخطبوا فيها لوشمكير. ثم سار وشمكير إلى قلعة ألموت فملكها، ورجع فلحق ركن الدولة بإصطخر، وجاءه لك رسول أخيه معز الدولة من الأهواز بأن ابن البريدي أنفذ جيشا إلى السوس وقتل قائدها من الديلم، وأن الوزير أبا جعفر الصيمري كان على خراجها محتصرا بقلعة السوس، فسار ركن الدولة إلى السوس وهرب عساكر ابن البريدي بين يديه. ثم سار إلى واسط ليستولي عليها لأنه قد خرج عن أصفهان وليس له ملك يستقل به، فنزل بالجانب الشرقي وسار الراضي ويحكم من بغداد لحربه، فاضطرب أصحابه، واستأمن جماعة منهم لابن البريدي فخام ركن الدولة عن اللقاء، ورجع إلى الأهواز فسار إلى أصفهان، وهزم عسكر وشمكير بها وملكها. وكان هو وأخوه عماد الدولة بعثا لابن محتاج صاحب خراسان يحرضانه على ماكان ووشمكير، واتصلت بينهم مودة

** (مسير معز الدولة الى واسط والبصرة) **

كان ابن البريدي بالبصرة وواسط قد صالح يحكم [1] أمير الأمراء ببغداد، وحرضه على المسير إلى الجبل ليرجعها من يد ركن الدولة بن بويه، ويسير هو إلى الأهواز فيرتجعها من يد معز الدولة. واستمد يحكم فأمده بخمسمائة رجل، وسار إلى حلوان في انتظاره. وأقام ابن البريدي يتربص به، وينتظر أن يبعد عن بغداد فيهجم هو عليها، وعلم يحكم بذلك فرجع إلى بغداد، ثم سار إلى واسط فانتزعها من يد ابن البريدي، وذلك لسنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وولي الخلافة المتقي، وكان ظل الدولة العباسية قد تقلص حتى قارب التلاشي والاضمحلال وتحكم على الدولة بعد مولاه ابن رائق وابن البريدي الذي كان يزاحمه في التغلب على الدولة، فبعث عساكره من البصرة إلى واسط، فسرح إليه يحكم العساكر مع مولاه توزون فهزمهم، وجاء يحكم على أثره، ولقيه خبر هزيمتهم، فاستقام أمره، وطفق يتصدق في تلك النواحي إلى أن عرض له بعض الأكراد ممن له عنده ثأر وهو منفرد عن عسكره فقتله، وافترق أصحابه فلحق جماعة من الأتراك بالشام، ومقدمهم توزون وولى الباقون عليهم يكسك مولى يحكم، وكان الديلم عند مقتله قد ولوا عليهم باسوار بن ملك بن مسافر بن سلار [2] وسلار جده صاحب شميران الطرم الذي داخل مرداويج في قتل أسفار وملك ابنه محمد بن مسافر بن سلار أذربيجان، فكانت له ولولده بها دولة. ووقعت الفتنة بين الديلم والأتراك فقتله الأتراك، وولى الديلم مكانه كورتكين، ولحقوا بابن البريدي فزحف بهم إلى بغداد. ثم تنكروا واتفقوا مع الأتراك على طرده فلحقوا بواسط، واستفحل الديلم وغلبوا الأتراك وقتل كورتكين كثيرا من الديلم، واستبد بإمرة الأمراء ببغداد. ثم جاء توزون من الشام بابن رائق وهزم كورتكين الديلم وقتل أكثرهم، وانفرد ابن رائق بإمرة الأمراء ببغداد سنة اثنتين وثلاثمائة. وكان ابن البريدي في هذه الفترة بعد يحكم قد استولى على واسط، فبعث

إليه ابن رائق واستوزره ففعل على أن يقيم بمكانه ويستخلف ابن شيرزاد ببغداد. ثم سار إليهم إلى واسط فهرب ابن رائق والمقتفي إلى الموصل، وتخلف عنهم توزون، وعاث أصحاب ابن البريدي في بغداد، فشكا له الناس. ولما وصل المقتفي ولي ابن حمدان إمرة الأمراء بمكانه، وقصدوا بغداد فهرب، وخالفه توزون إلى المقتفي وابن حمدان وملكوا بغداد. وسار سيف الدولة أمام ابن البريدي وخرج ناصر الدولة في اتباعه، فنزل المدائن وانكشف سيف الدولة أمام ابن البريدي حتى انتهوا إلى أخيه ناصر الدولة بالمدائن، فأمده ورجع فهزم ابن البريدي وغلبه على واسط فملكها، ولحق ابن البريدي بالبصرة وأقام سيف الدولة بواسط ينتظر المدد ليسير إلى البصرة.

وجاءه أبو عبد الله الكوفي بالأموال، فشغب عليه الأتراك في طلب المال وثاروا به، ومقدمهم توزون، فهرب إلى بغداد وهم في اتباعه، وكان أخوه قد انصرف إلى بغداد، ثم إلى الموصل فلحق به. ودخل توزون بغداد وولي الأمر بها. ثم استوحش من المقتفي وتربص مسيره إلى واسط لقتال ابن البريدي، وسار إلى الموصل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ومعز الدولة بن بويه في أثناء هذا كله مقيم بالأهواز، مطل على بغداد وأعمال الخليفة يروم التغلب عليها، وأخوه عماد الدولة بفارس، وركن الدولة بأصفهان والري، فلما سار المقتفي من الرقة إلى توزون خلعه وسمله ونصب المكتفي.

وقد قدمنا هذه الأخبار كلها مستوعبة في أخبار الدولة العباسية وإنما أعددناها توطئة لاستيلاء بني بويه على بغداد واستبدادهم على الجلالقة. ثم عاد معز الدولة إلى واسط سنة ثلاث وثلاثين فسار توزون والمستكفي لدفاعه، ففارقها وعاد إلى الأهواز.

** (استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد واندراج أحكام الخلافة في سلطانه) **

ثم إن توزون في فاتح سنة أربع وثلاثين عقد الأتراك الرئاسة عليهم لابن شيرزاد، وولاه المستكفي إمرة الأمراء في الأرزاق، فضاقت الجبايات على العمال والكتاب والتجار، وامتدت الايدي إلى أموال الرعايا، وفشا الظلم وظهرت اللصوص، وكبسوا المنازل وأخذ الناس في الجلاء عن بغداد. ثم استعمل ابن شيرزاد على واصل نيال كوشه، وعلى تكريت الفتح اليشكري فانتقضا، وسار الفتح لابن حمدان

فولاه على تكريت من قبله وبدعوته، وبعث نيال كوشه إلى معز الدولة وقام بدعوته.

واستدعاه لملك بغداد فزحف إليها في عساكر الديلم، ولقيه ابن شيرزاد والأكراد فهزمهم، ولحقوا بالموصل وأخفي المستكفي وقدم معز الدولة كاتبه الحسن بن محمد المهلبي إلى بغداد فدخلها، وظهر الخليفة من الاختفاء، وحضر عند المهلبي فبايع له عن معز الدولة أحمد بن بويه، وعن أخويه عماد الدولة وركن الدولة الحسن.

وولاهم المستكفي على أعمالهم ولقبهم بهذه الألقاب ورسمها على سكته. ثم جاء معز الدولة إلى بغداد فملكها وصرف الخليفة في حكمه، واختص باسم السلطان، وبعث إليه أبو القاسم البريدي صاحب البصرة فضمن واسط وأعمالها وعقد له عليها.

** (خلع المستكفي وبيعة المطيع وما حدث في الجباية والاقطاع) **

وبعد أشهر قلائل من استيلاء معز الدولة على بغداد نمي إليه أن المستكفي يريد الادالة منه فتنكر له، وأجلسه في يوم مشهود للقاء وافد من أصحاب خراسان، وحضر معز الدولة في قومه وعشيرته، وأمر رجلين من نقباء الديلم بالفتك بالخليفة، فتقدما ووصلاه ليقبلا يد المستكفي، ثم جذباه عن سريره وقاداه ماشيا واعتقلاه بداره، وذلك في منتصف أربع وثلاثين وثلاثمائة فاضطرب الناس وعظم النهب، ونهبت دار الخلافة. وبايع معز الدولة للفضل بن المقتدر ولقبه المطيع لله، وأحضر المستكفي فأشهد على نفسه بالخلع، وسلم على المطيع بالخلافة، وسلب الخليفة من معاني الأمر والنهي وصيرت الوزارة إلى معز الدولة يولى فيها من يرى. وصار وزير الخليفة مقصور النظر على إقطاعه ومقتات داره، وتسلم عمال معز الدولة وجنده من الديلم وغيرهم أعمال العراق وأراضيه ولاية وإقطاعا حتى كان الخليفة يتناول الإقطاع بمراسم معز الدولة، وإنما ينفرد بالسرير والمنبر والسكة والختم على الرسائل والصكوك، والجلوس للوفد وإجلال التحية والخطاب، ومع ذلك بأوضاع القائم على الدولة وترتيبه، وكان القائم منهم على الدولة تفرد في دولة بني بويه والسلجوقية بلقب السلطان ولا يشاركه فيه غيره، ومعاني الملك من القدرة والأبهة والعز وتصريف الأمر والنهي حاصل للسلطان دون الخليفة. وكانت الخلافة حاصلة للعباسي

المنصوب لفظا مسلوبة عنه معنى. ثم طلب الجند أرزاقهم بأكثر من العادة لتجدد الدولة فاضطر إلى ضرب المكوس، ومد الأيدي إلى أموال الناس، وأقطعت جميع القرى والضياع للجند، فارتفعت أيدي العمال وبطلت الدواوين لأن ماكان منها بأيدي الرؤساء لا يقدرون على النظر فيها، وماكان بأيدي الأتباع خرب بالظلم والمصادرات والحيف في الجباية وإهمال النظر في إصلاح القناطر وتعديل المشارب، وما خرب منها عوض صاحبه عنه بآخر، فيخربه كما يخرب الآخر. ثم إن معز الدولة أفرد جمعها من المكوس والظلامات وعجز السلطان عن ذخيرة يعدها لنوائبه. ثم استكثر من الموالي ليعتز بهم على قومه، وفرض لهم الأرزاق والأقطاع فحدثت غيرة قومه من ذلك، وآل الأمر إلى المنافرة كما هو الشأن في الدول.

** (مسير ابن حمدان إلى بغداد وانهزامه أمام معز الدولة) **

ولما بلغ استيلاء معز الدولة على بغداد، وخلعه المستكفي إلى ناصر الدولة بن حمدان امتعض لذلك وسار من الموصل إلى بغداد في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فقدم معز الدولة عساكره فأوقع بها ابن حمدان بعكبرا. ثم سار معز الدولة ومعه المطيع إلى مدافعته ولحق به ابن شيرزاد فاستحثه إلى بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وخالفه معز الدولة إلى تكريت ونهبها، وتسابقوا جميعا إلى بغداد، فنزل معز الدولة والمطيع بالجانب الشرقي وابن حمدان بالجانب الغربي، فقطع الميرة عن معسكر معز الدولة فغلت الأسعار وعزت الأقوات. ونهب عسكره مرارا فضاق به الأمر واعتزم على العود إلى الأهواز فأمر وزيره أبا جعفر الصيمري بالعبور في العساكر لقتال ابن حمدان فظفر به الصيمري وغنم الديلم أموالهم وظهرهم. ثم أمن معز الدولة الناس وأعاد المطيع إلى داره في محرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ورجع ابن حمدان إلى عكبرا، وأرسل في الصلح سرا فنكر عليه الأتراك التورونية وهموا بقتله، وفر إلى الموصل ومعه ابن شيرزاد، ثم صالحه معز الدولة كما طلب. ولما فر عن الأتراك التورونية أعلمهم تكين الشيرازي فقبضوا على من تخلف من أصحابه، وساروا في اتباعه وقبض هو في طريقه على ابن شيرزاد، وتجاوز الموصل إلى نصيبين فملكها تكين، وسار في اتباعه

إلى السند، فلحقه هنالك عسكر من معز الدولة كما طلب، وأمده به مع وزيره أبي جعفر الصيمري، وقاتل الأتراك فهزمهم، وسار إلى الموصل هو والصيمري فدفع ابن شيرزاد إلى الصيمري وحمله إلى معز الدولة، وذلك سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.

** (استيلاء معز الدولة على البصرة والموصل وصلحه مع ابن حمدان) **

وفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة انتقض أبو القاسم بن البريدي بالبصرة، فجهز معز الدولة الجيش إلى واسط ولقيهم جيش ابن البريدي في الماء وعلى الظهر، فانهزموا إلى البصرة وأسروا من أعيانهم جماعة. ثم سار معز الدولة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة إلى البصرة ومعه المطيع كارها من قتال أبي القاسم البريدي، وسلكوا إليها البرية وبعث القرامطة يعزلون في ذلك معز الدولة، فكتب يتهددهم. ولما قارب البصرة استأمنت إليه عساكر أبي القاسم، وهرب هو إلى القرامطة فأجاروه وملك معز الدولة البصرة.

ثم سار هو منها إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة، وترك المطيع وأبا جعفر الصيمري بالبصرة، وانتقض على معز الدولة كوكير من أكابر الديلم، فقاتله الصيمري وهزمه وأسره، وحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز. ثم لقي أخاه معز الدولة بأرجان في شعبان من السنة، وسلك في تعظيمه وإجلاله من وراء الغاية. وكان عماد الدولة يأمره بالجلوس في مجلسه فلا يفعل. ثم عاد معز الدولة والمطيع إلى بغداد، ونودي بالمسير إلى الموصل فترددت الرسل من ابن حمدان في الصلح وحمل المال. ثم سار إليه سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة في شهر رمضان واستولى على الموصل، وأراد الإثخان في بلاد ابن حمدان فجاءه الخبر عن أخيه ركن الدولة بأن عساكر خراسان قصدت جرجان، واضطر إلى الصلح. واستقر الصلح بينهما على أن يعطي ابن حمدان عن الموصل والجزيرة والشام ثمانية آلاف ألف درهم كل سنة، ويخطب لعماد الدولة ومعز الدولة في بلاده، وعاد إلى بغداد.

ابن خلدون م 37 ج 4

** (استيلاء ركن الدولة على الري ثم طبرستان وجرجان ومسير عساكر ابن سامان اليها) **

قد تقدم لنا استيلاء ركن الدولة على أصفهان من يد وشمكير حين بعث عساكره مددا لما كان بن كالي، وكان ركن الدولة وأخوه عماد الدولة بعثا إلى أبي علي بن محتاج قائد بني سامان يحرضانه على ماكان ووشمكير، ويعدانه المظاهرة عليهما، فسار أبو علي إلى وشمكير بالري ولقيه ركن الدولة بنفسه. واستمد وشمكير ماكان فجاءه في عساكره والتقوا فانهزم وشمكير ولحق بطبرستان. ثم سار بعساكره إلى بلد الجيل فاقتحمها واستولى على زنجان وأبهر وقزوين وقم وكرج وهمدان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال وجبى أموالها. ثم وقع خلاف بين وشمكير والحسن بن الفيرزان ابن عم ماكان، واستنجد الحسن بأبي علي بن محتاج فأنجده حتى وقع بينهما صلح، وعاد أبو علي إلى خراسان وصحبه الحسن بن الفيرزان، ولقيه في طريقه رسل السعيد بن سامان، وأمر أبا علي بن محتاج سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بغدر الحسن بأبي علي [1] ونهب سواده وعاد إلى جرجان فملكها وملك معها الدامغان وسمنان، وسار وشمكير من طبرستان إلى الري فاستولى عليها أجمع، وكان في فل من العسكر لفناء رجاله في حروبه مع أبي علي بن محتاج والحسن بن الفيرزان، فتطاول حينئذ ركن الدولة إلى الاستيلاء على الري، وسار إلى الري وقاتل وشمكير فهزمه، فلحق بطبرستان واستولى ركن الدولة على الري. وأجمع مخالصة الحسن بن الفيرزان وزوجه ابنته، وتمسك بمواصلته ومودته واستفحل بذلك ملك بني بويه وامتنع وصارت لهم أعمال الري والجيل وفارس والأهواز والعراق. ويحمل إليهم ضمان الموصل

وديار بكر. ثم سار ركن الدولة بن بويه إلى بلاد وشمكير سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ومعه الحسن بن الفيرزان مددا، ولقيهما وشمكير فانهزم أمامهما، ولحق بخراسان مستنجدا بابن سامان، وملك ركن الدولة طبرستان وسار منها إلى جرجان فأطاعه الحسن بن الفيرزان وولاه ركن الدولة عليها، واستأمن إليه قواد وشمكير ورجع إلى أصفهان.

** (بداية بني شاهين ملوك البطيحة أيام بني بويه) **

كان عمران بن شاهين من أهل الجامدة وكان يتصرف في الجباية، وحصل منها بيده مال فصرفه وهرب إلى البطيحة ممتنعا من الدولة. وأقام هنالك بين القصب والآجام يقتات بسمك الماء وطيره، ويأخذ الرفاق التي تمر به، واجتمع إليه لصوص الصيادين فقوي وامتنع على السلطان وتمسك بطاعة أبي القاسم بن البريدي بالبصرة فقلده حماية الجامدة وحماية البطائح ونواحيها، فعز جانبه وكثر جمعه وسلاحه، واتخذ معاقل على التلال بالبطيحة وغلب على تلك النواحي. وأهم معز الدولة أمره وبعث وزيره أبا جعفر الصيمري في العساكر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وحصره، وأيقن بالهلاك وما نفس عن مخنقه إلا وصول الخبر بوفاة عماد الدولة بن بويه، ومبادرة الوزير الصيمري إلى شيراز، فعاد عمران إلى حاله وقوي أمره كما يأتي في أخبار دولته.

** (وفاة عماد الدولة بن بويه وولاية عضد الدولة ابن أخيه على بلاد فارس مكانه) **

ثم توفي عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز كرسي مملكة فارس في منتصف سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بعد أن كان طلب من أخيه ركن الدولة أن ينفذ إليه ابنه عضد الدولة، فتأخر ليوليه عهده إذ لم يكن له ولد ذكر، فأنفذه إليه ركن الدولة في جماعة من أصحابه لسنة بقيت من حياته. وركب عماد الدولة للقائه ودخل

به إلى داره في يوم مشهود، وأجلسه على السرير وأمر الناس أن يحيوه بتحية الملك.

وكان في قواد عماد الدولة جماعة أكابر لا يستكينون لعماد الدولة فضلا عن عضد الدولة مكانه بفارس، واختلف عليه أصحابه، فجاء إليه ركن الدولة أبوه من الري بعد أن استخلف عليها علي بن كتامة، وكتب معز الدولة إلى وزيره الصيمري بأن يترك محاربة ابن شاهين ويسير إلى شيراز مددا لعضد الدولة. وأقام ركن الدولة في شيراز تسعة أشهر، وبعث إلى أخيه معز الدولة بهدية من الأموال والسلاح، وكان عماد الدولة هو أمير الأمراء وإنما كان معز الدولة نائبا عنه في كفالة الأموال وولاية أعمال العراق، فلما مات عماد الدولة وانقلبت إمرة الأمراء إلى ركن الدولة. وبقي معز الدولة نائبا عنه كما كان عن عماد الدولة لأنه كان أصغر منهما.

** (وفاة الصيمري ووزارة المهلبي) **

كان أبو جعفر أحمد الصيمري وزير معز الدولة قد عاد من فارس إلى أعمال الجامدة، وأقام يحاصر عمران بن شاهين إلى أن هلك منتصف تسع وثلاثين وثلاثمائة وكان يستخلف بحضرة معز الدولة في وزارته أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي، فباشره معز الدولة وعرف كفايته واضطلاعه، فاستوزره مكان الصيمري فحسن أثره في جمع الأموال وكشف الظلامات وتقريب أهل العلم والأدب والإحسان إليهم.

** (مسير عساكر ابن سامان إلى الري ورجوعها) **

لما سار ركن الدولة إلى بلاد فارس بعث الأمير نوح بن سامان إلى منصور بن قراتكين صاحب جيوشه بخراسان أن يسير إلى الري، فسار إليها سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وكان بها علي بن كتامة خليفة ركن الدولة، ففارقها إلى أصفهان وملك منصور الري، وبث العساكر في البلاد فملكوا الجيل إلى قرميس، واستولوا على همذان، وبعث ركن الدولة من فارس إلى أخيه معز الدولة بإنفاذ العساكر إلى مدافعتهم، فبعث سبكتكين الحاجب في جيش كثيف من الديلم وغيرهم، فكبسهم وأسر

مقدمهم فأعادوا إلى همذان. ثم سار إليهم ففارقوها، وملكها وورد عليه ركن الدولة بهمذان، فعدل منصور بن قراتكين إلى أصفهان فملكها، وسار إليها ركن الدولة وسبكتكين في مقدمته، وشغب عليه بعض الأتراك فأوقع بهم وترددوا في تلك الناحية. وكتب معز الدولة إلى ابن أبي الشوك الكردي يتبعهم فقتل منهم وأسر، ونجا بعض إلى الموصل. وترك ركن الدولة قريبا من أصفهان، وجرت بينه وبين منصور حروب، وضاقت الميرة على الفريقين إلا أن الديلم كانوا أصبر على الجوع وشظف العيش من أهل خراسان لقرب عهدهم بالبداوة. ومع ذلك فهم ركن الدولة بالفرار لولا وزيره ابن العميد كان يثبته ويريه أنه لا يغني عنه، وأن الاستماتة أولى به، فصبر وشغب على منصور بن قراتكين جنده وانفضوا جميعا إلى الري وتركوا مخلفهم بأصفهان، فاحتوى عليه ركن الدولة، وذلك فاتح سنة أربعين وثلاثمائة ومات منصور بن قراتكين بالري في ربيع الأول من السنة، ورجعت العساكر إلى نيسابور.

** (استيلاء ركن الدولة ثانيا على طبرستان وجرجان) **

قد كنا قدمنا استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وأنه استخلف على جرجان الحسن بن الفيرزان. وسار وشمكير إلى خراسان مستنجدا بابن سامان، فسار معه صاحب جيوش خراسان منصور بن قراتكين، وحاصر جرجان، فصالحه الحسن بن الفيرزان بغير رضا من وشمكير لانحرافه عنه وعن الأمير نوح.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com