Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 27
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 39 of 67
ورجع إلى نيسابور وأقام وشمكير بجرجان والحسن بزوزن. ثم سار ركن الدولة سنة أربعين وثلاثمائة من الري إلى طبرستان وجرجان ففارقها وشمكير إلى نيسابور، واستولى ركن الدولة عليها، واستخلف بجرجان الحسن بن الفيرزان وعلي بن كتامة، وعاد إلى الري فقصدهما وشمكير وانهزما منه، واسترد البلاد من ركن الدولة، وكتب الأمير نوح يستنجده على ركن الدولة، فأمر أبا علي بن محتاج بالمسير معه في جيوش خراسان، فسار في ربيع سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وامتنع ركن الدولة ببعض معاقلة، وحاربه أبو علي بن محتاج في جيوش خراسان حتى ضجرت عساكره
وأظلهم فصل الشتاء، فراسل ركن الدولة في الصلح على أن يعطيهم ركن الدولة مائتي ألف دينار في كل سنة، وعاد إلى خراسان. وكتب وشمكير إلى الأمير نوح بأن ابن محتاج لم ينصح في أمر ركن الدولة، وأنه ممالئ، فسخطه من أجل ذلك وعزله عن خراسان. ولما عاد ابن محتاج عن ركن الدولة سار هو إلى وشمكير فانهزم وشمكير إلى أسفراين، واستولى ركن الدولة على طبرستان.
** (اقامة الدعوة لبني بويه بخراسان) **
ولما عزل الأمير نوح أبا علي بن محتاج عن خراسان استعمل مكانه أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، فانتقض حينئذ وخطب لنفسه بنيسابور، وتحيز عنه ابن الفيرزان مع وشمكير إلى الأمير نوح، فخام ابن محتاج عن عداوتهم، واستأذن ركن الدولة في المسير إليه. ثم سار سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة فتلقاه بأنواع الكرامات وسأل منه ابن محتاج أن يقتضي له عهد الخليفة بولاية خراسان، فبعث ركن الدولة في ذلك إلى أخيه معز الدولة ببغداد، وجاءه العهد والمدد، فسار إلى خراسان فخطب بها للخليفة وركن الدولة. ثم مات نوح خلال ذلك وولي ابنه عبد الملك فبعث بكر بن مالك من بخارى إلى خراسان لإخراج ابن محتاج منها، فسار إليه وهرب ابن محتاج إلى الري فآواه ركن الدولة وأقام عنده، واستولى بكر بن مالك على خراسان. ثم سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه ابن محتاج فتركها [1] وملكها، ولحق وشمكير بخراسان.
** (مسير عساكر ابن سامان الى الري وأصفهان) **
ولما فرغ بكر بن مالك من أمر خراسان وأخرج منها ابن محتاج، سار منها سنة أربع وأربعين وثلاثمائة في أتباعه الى الري وأصفهان، وكان ركن الدولة غائبا بجرجان فملكها ورجع إلى الري في المحرم من السنة، وكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده فأمده
بالعساكر مع ابن سبكتكين، وجاء مقدمة العساكر من خراسان إلى أصفهان من طريق المفازة وبها الأمير منصور بن بويه بن ركن الدولة، ومقدم العساكر محمد بن ماكان فملك أصفهان وخرج في طلب ابن بويه [1] ، واتفق وصول الوزير أبي الفضل بن العميد فلقيه محمد بن ماكان فهزمه، وعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصفهان. وراسل ركن الدولة بكر بن مالك صاحب العساكر بخراسان في الصلح على مال يحمله إليه، وتكون الري وبلد الجيل في ضمانه، فأجابه بكر بن مالك إلى ذلك وصالحه عليه، وكتب ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة بأن يبعث إلى بكر بن مالك خلعا ولواء لولاية خراسان فبعث بها في ذي القعدة من السنة.
** (خروج روزبهان على معز الدولة وميل الديلم اليه) **
كان روزبهان ونداد خرسية [2] من كبار قواد الديلم، وكان معز الدولة قد رفعه ونوه بذكره، فخرج سنة خمس وأربعين بالأهواز ومعه أخوه أسفار، وخرج أخو بلكا بشيراز. ولما خرج روزبهان زحف إليه الوزير المهلبي لقتاله فنزع الكثير من أصحابه إلى روزبهان فانحاز عنه، وبعث بالخبر إلى معز الدولة فسار إليهم واختلف عليه الديلم ومالوا مع روزبهان وفصل معز الدولة من بغداد خامس شعبان من السنة قاصدا لحربه، وبلغ الخبر إلى ناصر الدولة بن حمدان، فبعث ابنه أبا الرجال في العساكر للاستيلاء على بغداد، فخرج الخليفة عنها منحدرا، وأعاد معز الدولة سبكتكين الحاجب وغيره لمدافعة ابن حمدان عن بغداد. وسار إلى أن قارب الأهواز
والديلم في شغب عليه وعلى عزم اللحاق بروزبهان إلا نفرا يسيرا من الديلم كانوا خالصة، فكان يعتمد عليهم وعلى الأتراك، وكان يفيض العطاء في الديلم فيمسكون عما يهمون به. ثم ناجز روزبهان الحرب سلخ رمضان فانهزم وأخذ أسيرا، وعاد إلى بغداد إلى أبي الرجال بن حمدان، وكان بعكبرا فلم يجده لأنه بلغه خبر روزبهان فأسرع العود الى الموصل ودخل معز الدولة بغداد وغرق روزبهان وكان أخوه بلكا الخارج بشيراز أزعج عنها عضد الدولة، وسار إليه أبو الفضل بن العميد وقاتله فظفر به، وعاد عضد الدولة إلى ملكه وانمحى أثر روزبهان وإخوته، وقبض معز الدولة على جماعة منهم ممن ارتاب بهم، واصطنع الأتراك وقدمهم وأقطع لهم فاعتزوا وامتدت أيديهم.
** (استيلاء معز الدولة على الموصل ثم عودها) **
كان ناصر الدولة بن حمدان قد صالح معز الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة، ثم لم يحمل، فسار إليه معز الدولة منتصف سبع وأربعين وثلاثمائة ففارق الموصل إلى نصيبين، وحمل معه سائر أهل دولته من الوكلاء والكتاب ومن يعرف وجوه المال، وأنزلهم في قلاعه كقلعة كواشي والزعفران وغيرهما. وقطع الميرة عن عسكر معز الدولة فضاقت عليهم الأقوات، فسار معز الدولة إلى نصيبين للميرة، وبلغه أن أبا الرجاء وهبة الله في عسكر سنجار، فبعث إليهم بعض عساكره وكبسوهم فهربوا، واستولى العسكر على مخلفهم، ونزلوا في خيامهم، وكر عليهم أولاد ناصر الدولة وهم غارون فأثخنوا فيهم وأقاموا بسنجار. وسار معز الدولة إلى نصيبين فلحق ناصر الدولة بميافارقين، واستأمن الكثير من أصحابه إلى معز الدولة فلحق بأخيه سيف الدولة بحلب، فبالغ في تكرمته وخدمته، وتوسط في الصلح بينه وبين معز الدولة بثلاثة آلاف ألف فأجابه معز الدولة وتم ذلك بينهما. ورجع معز الدولة العراق في محرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة
** (العهد لبختيار) **
وفي سنة خمس [1] وأربعين وثلاثمائة طرق معز الدولة مرض استكان له وخشي على نفسه، فأراد العهد لابنه بختيار، وعهد إليه بالأمر وسلم له الأموال، وكان بين الحاجب سبكتكين والوزير المهلبي منافرة فأصلح بينهما ووصاهما بابنه بختيار، وعهد إليه بالأمور واعتزم على العود إلى الأهواز مستوحشا هواء بغداد، فلما بلغ كلواذا اجتمع به أصحابه وسفهوا رأيه في الانتقال من بغداد على ملكه، وأشاروا عليه بالعود إليها وأن يستطيب الهواء في بعض جوانبها المرتفعة ويبني بها دورا لسكنه ففعل، وأنفق فيها ألف ألف دينار وصادر فيها جماعة من أصحابه.
** (استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان) **
وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة سار ركن الدولة إلى طبرستان وبها وشمكير فحاصره بمدينة سارية وملكها، ولحق وشمكير بجرجان وترك طبرستان فملكها ركن الدولة وأصلح أمرها. ثم سار إلى جرجان فخرج عنها وشمكير واستولى عليها ركن الدولة، واستأمن إليه من عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل فازداد بهم قوة، ودخل وشمكير بلاد الجيل مسلوبا واهنا.
** (ظهور البدعة ببغداد) **
وفي هذه السنة كتب الشيعة على المساجد بأمر معز الدولة لعن معاوية بن أبي سفيان صريحا، ولعن من غصب فاطمة فدك، ومن منع أن يدفن الحسن عند جده، ومن نفى أبا ذر الغفاري ومن أخرج العباس من الشورى، ونسب ذلك كله لمعز الدولة لعجز الخليفة. ثم أصبح ممحوا وأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير المهلبي بأن يكتب مكانه لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحدا باللعن إلا معاوية رضي الله عنه.
** (وفاة الوزير المهلبي) **
وفي سنة اثنتين وخمسين سار المهلبي وزير معز الدولة إلى عمان ليفتحها، فلما ركب البحر طرقه المرض فعاد إلى بغداد، ومات في طريقه في شعبان من السنة، ودفن ببغداد. وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وقبض على حواشيه وحبسهم، ونظر في الأمور بعده أبو الفضل بن العباس بن الحسن الشيرازي وأبو الفرج محمد بن العباس بن نساقجر، ولم يتسموا باسم الوزارة.
** (استيلاء معز الدولة ثالثا على الموصل) **
كان ناصر الدولة بن حمدان قد ضمن الموصل كما تقدم، وأجابه معز الدولة إلى ضمانه، فبذل له ناصر الدولة زيادة على أن يدخل معه في الضمان أبو ثعلب فضل الله الغضنفر، ويحلف لهما معز الدولة فأبى من ذلك، وسار إلى الموصل منتصف ثلاث وخمسين وثلاثمائة ففارقها ابن حمدان الى نصيبين وملكها معز الدولة. ثم خرج إلى طلب ابن حمدان منتصف شعبان واستخلف على الموصل بكتوزون [1] وسبكتكين العجمي وسار ابن حمدان عن نصيبين وملكها معز الدولة، وخالفه ابن حمدان إلى الموصل وحارب عسكر معز الدولة فيها فهزموه، وجاء الخبر إلى معز الدولة، فظفر أصحابه بابن حمدان، وسار ونزل جزيرة ابن عمر، فسار في اتباعه، فوصل سادس رمضان فوجده قد جمع أولاده وعساكره إلى الموصل، فأوقع بأصحاب معز الدولة وأسر الأميرين اللذين خلفا بها، واستولى على ما خلفوه من مال وسلاح، وحمل الجميع مع الأسرى إلى قلعة كواشى، فأعيا معز الدولة أمره وهو من مكان إلى مكان في اتباعه، فأجابه إلى الصلح وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة بمال قرره، فاستقر الصلح على ذلك، وأطلق ابن حمدان الأسرى، ورجع معز الدولة إلى بغداد.
** (استيلاء معز الدولة على عمان) **
قد تقدم لنا أن عمان كانت ليوسف بن وجيه وأنه حارب بني البريدي بالبصرة حتى قارب أخذها حتى عملوا الحيلة في إضرام النار في سفنه فولى هاربا في محرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وأنه ثار عليه مولاه في هذه السنة فغلبه على البلد وملكها من يده. ولما استوحش معز الدولة من القرامطة، كتب إليهم ابن وجيه صاحب عمان يطمعهم في البصرة، واستمدهم في البر وسار هو في البحر سنة إحدى وأربعين، وسابقه الوزير المهلبي من الأهواز إليها، وأمده معز الدولة بالعساكر والمال فاقتتلوا أياما، ثم ظفر المهلبي بمراكبه وما فيها من سلاح وعدة. ولم يزل القرامطة يثاورونها حتى غلبوا عليها سنة أربع وخمسين وثلاثمائة واستولوا عليها وهرب رافع عنها. وكان له كاتب يعرف بعلي بن أحمد ينظر في أمور البلد، والقرامطة بمكانهم من هجر، فاتفق قاضي البلد وكان ذا مشير وعصابة على أن ينصبوا للنظر في أمورهم أحد قوادهم، فقدموا لذلك ابن طغان ففتك بجميع القواد الذين معه، وثأر منه بعض قرابتهم فقتلوه، فاجتمع الناس على تقديم عبد الوهاب بن أحمد بن مروان من قرابة القاضي مكانه فولوه، واستكتب علي بن أحمد كاتب القرامطة قبله من الجند فامتعضوا لذلك فدعاهم إلى بيعته فأجابوه وسواهم في العطاء مع البيض فسخط البيض ذلك [1] ، ودارت بينهم حرب سكنوا آخرها واتفقوا وأخرجوا عبد الوهاب من البلد، واستقر علي بن أحمد الكاتب أميرا فيها، ثم سار معز الدولة إلى واسط سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وقدم إليه نافع مولى ابن أخيه الذي كان ملكها بعد مولاه، فأحسن إليه وأقام عنده حتى فرغ من أمر عمران بن شاهين، وانحدر إلى الأبلة في
رمضان من السنة، وجهز المراكب إلى عمان مائة قطعة، وبعث فيها الجيوش بنظر أبي الفتوح محمد بن العباس، وتقدم إلى عضد الدولة بفارس أن يمدهم بالعساكر من عنده فوافاهم المدد بسيراف وساروا إلى عمان فملكوها يوم الجمعة يوم عرفة من السنة، وفتكوا فيها بالقتل، وأحرقوا لهم تسعين مركبا، وخطب لمعز الدولة وصارت من أعماله.
** (وفاة معز الدولة وولاية ابنه بختيار) **
كان معز الدولة قد سار سنة خمس وخمسين وثلاثمائة إلى واسط لمحاربة عمران بن شاهين فطرقه المرض سنة ست وخمسين وثلاثمائة فسار إلى بغداد، وخلف أصحابه بواسط على أن يعود إليهم فاشتد مرضه ببغداد، وجدد العهد لابنه بختيار. ثم مات منتصف ربيع الآخر من السنة فقام ابنه عز الدولة بختيار مكانه، وكتب إلى العساكر بمصالحة عمران بن شاهين ففعلوا وعادوا. وكان فيما أوصى به معز الدولة ابنه بختيار طاعة عمه ركن الدولة والوقوف عند إشارته وابن عمه عضد الدولة لعلو سنه عليه وتقدمه في معرفة السياسة، وأن يحفظ كاتبيه أبا الفضل العباس بن الحسن وأبا الفرج بن العباس والحاجب سبكتكين، فخالف جميع وصاياه وعكف على اللهو وعشرة النساء والمغنين والصفاعين، فأوحش الكاتبين والحاجب، فانقطع الحاجب عن حضور داره. ثم طرد كبار الديلم عن مملكته طمعا في أقطاعاتهم، فشغب عليه الصغار واقتدى بهم الأتراك في ذلك، وطلبوا الزيادات، وركب الديلم الى الصحراء وطلبوا إعادة من أسقط من كبارهم، ولم يجد بدا من إجازتهم لانحراف سبكتكين عنه، فاضطربت أموره وكان الكاتب أبو الفرج العباس في عمان منذ ملكها، فلما بلغه موت معز الدولة خشي أن ينفرد عنه صاحبه أبو الفضل العباس بن الحسين بالدولة، فسلم عمان لعضد الدولة، وبادر إلى بغداد فوجد أبا الفضل قد انفرد بالوزارة ولم يحصل على شيء.
** (مسير عساكر ابن سامان الى الري ومهلك وشمكير) **
كان أبو علي بن الياس قد سار من كرمان إلى بخارى مستنجدا بالأمير منصور بن نوح بن سامان، فتلقاه بالتكرمة فأغراه ابن الياس بممالك بني بويه وأشار له [1] قواده في أمرهم فصدق ذلك عند ما كان يذكر وشمكير عنهم. وتقدم إلى وشمكير والحسن بن الفيرزان بالمسير مع عساكره إلى الري. ثم جهز العساكر مع صاحب خراسان أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور الدواني وأمره بطاعة وشمكير وقبول إشارته فسار لذلك سنة ست وخمسين وثلاثمائة وأنزل ركن الدولة أهله بأصفهان، وكتب إلى ابنه عضد الدولة بفارس وإلى ابن أخيه عز الدين بختيار ببغداد يستنجدهما، فأنفذ عضد الدولة العساكر على طريق خراسان ليخالفهم إليها، فأحجموا وتوقفوا وساروا إلى الدامغان، وقصدهم ركن الدولة في عساكره من الري، وبينما هم كذلك هلك وشمكير، استعرض خيلا واختار منها واحدا وركب للصيد، واعترضه خنزير فرماه بحربة، وحمل الخنزير عليه فضرب الفرس فسقط إلى الأرض وسقط وشمكير ميتا وانتقض جميع ما كانوا فيه ورجعوا الى خراسان.
** (استيلاء عضد الدولة على كرمان) **
كان أبو علي بن الياس قد ملك كرمان بدعوة من بني سامان، واستبد بها كما مر في أخبارهم، ثم أصابه فالج وأزمن به وعهد الى ابنه أليسع ثم لإلياس من بعده، وأمرهما بإجلاء أخيهما سليمان إلى أرضهم ببلاد الروم يقيم لهم ما هنالك من الأموال لعداوة كانت بين سليمان وأليسع فلم يرض سليمان ذلك، وخرج فوثب على السيرجان فملكها، فسار إليه أخوه أليسع فحبسه. وهرب من محبسه واجتمع إليه العسكر
وأطاعوه، ومالوا إليه مع أبيه. ثم إن أبا علي هم أن يلحق بخراسان فلحق، ثم سار إلى الأمير أبي الحرث ببخارى وأغراه بالري كما مر، وتوفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة وصفت كرمان لأليسع. وكان عضد الدولة مزاحما لأليسع في بعض حدود عمله، مدلا بجهل الشباب، فاستحكمت القطيعة بينهما وهرب بعض أصحاب عضد الدولة إليه، فزحف إليه واستأمن إليه أصحابه، وبقي في قل من أصحابه فاحتمل أهله وأمواله، ولحق ببخارى. وسار عضد الدولة إلى كرمان فملكها وأقطعها ولده أبا الفوارس الذي ملك العراق بعد، ولقب شرف الدولة. واستخلف عليها كورتكين بن خشتان [1] وعاد إلى فارس وبعث إليه صاحب سجستان الطاعة وخطب له. ولما وصل أليسع إلى بخارى أنذر بني سامان على تقاعدهم عن نصره فوثبوا عليه فنفوه إلى خوارزم، وكان قد خلف أثقاله بنواحي خراسان فاستولى عليها أبو علي بن سيجور، وأصاب أليسع رمد اشتد به بخوارزم فضجر منه وقطع عرقه بيده. وكان ذلك سبب هلاكه، ولم يعد لبني إلياس بكرمان بعده ملك.
** (مسير ابن العميد الى حسنويه ووفاته) **
كان حسنويه بن الحسن الكردي من رجالات الكرد، واستولى على نواحي الدينور واستفحل أمره، وكان يأخذ الخفارة من القفول التي تمر به ويخيف السابلة، إلا أنه كان فئة للديلم على عساكر خراسان متى قصدتهم [2] . وكان ركن الدولة يرعى له ذلك ويغضى عن إساءته. ثم وقعت بينه وبين سلار بن مسافر بن سلار [3] فتنة وحرب فهزمه حسنويه وحصره وأصحابه من الديلم في مكان، ثم جمع الشوك وطرحه بقربهم وأضرمه نارا حتى نزلوا على حكمه فأخذهم، وقتل كثيرا منهم، فلحقت ركن الدولة النفرة لعصبية الديلم، وأمر وزيره أبا الفضل بن العميد بالمسير إليه فسار في محرم سنة
تسع وخمسين وثلاثمائة وقعد ابنه أبو الفتح، وكان شابا مليحا قد أبطره العز والدالة على أبيه، وكان يتعرض كثيرا لما يغضبه. وكانت بأبي الفضل علة النقرس فتزايدت عليه وأفحشت عليه، ولما وصل إلى همذان توفي بها لأربع وعشرين سنة من وزارته، وأقام ابنه أبا الفتح مقامه وصالح حسنويه على مال أخذه منه، وعاد إلى الري إلى مكانه من خدمة ركن الدولة. وكان أبو الفضل بن العميد كاتبا بليغا، وعالما في عدة فنون مجيدا فيها ومطلعا على علوم الأوائل، وقائما بسياسة الملك مع حسن الخلق ولين العشرة والشجاعة المعروفة بتدبير الحروب، ومنه تعلم عضد الدولة السياسية وبه تأدب.
** (انتقاض كرمان على عضد الدولة) **
ولما ملك عضد الدولة كرمان كما قلناه اجتمع القفص والبلوص وفيهم أبو سعيد وأولاده واتفقوا على الانتقاض والخلاف. واستمد عضد الدولة كورتكين بن حسان بعابد بن علي، فسارا في العساكر إلى جيرفت وحاربوا أولئك الخوارج فهزموهم وأثخنوا فيهم وقتلوا من شجعانهم، وفيهم ابن لأبي سعيد. ثم سار عابد بن علي في طلبهم وأوقع بهم عدة وقائع وأثخن فيهم، وانتهى إلى هرمز فملكها واستولى على بلاد التيز ومكران وأسر منهم ألف أسير [1] حتى استقاموا على الطاعة وإقامة حدود الإسلام. ثم سار عائدا إلى طائفة أخرى يعرفون بالحرومية والجاسكية [2] يخيفون السبيل برا وبحرا، وكانت قد تقدمت لهم إعانة سليمان بن أبي علي بن إلياس، فلما أوقع بهم أثخن فيهم حتى استقاموا على الطاعة وصلحت تلك البلاد مدة. ثم عاد البلوص إلى ما كانوا عليه من إخافة السبيل بها، فسار عضد الدولة إلى كرمان في القعدة اثنتين وانتهى إلى السيرجان وسرح عابد بن علي في العساكر لاتباعهم، فأوغلوا في الهرب ودخلوا إلى مضايق يحسبونها تمنعهم، فلما زاحمتهم العساكر كربها آخر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وثلاثمائة صابروا يوما، ثم انهزموا آخره فقتلت مقاتلتهم وسبيت
ذراريهم ونساؤهم، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم استأمنوا فأمنوا ونقلوا من تلك الجبال، وأنزل عضد الدولة في تلك البلاد أكرة وفلاحين، ثم شملوا الأرض بالعمل وتتبع العابد أثر تلك الطوائف حتى بدد شملهم، ومحا ما كان من الفساد منهم.
** (عزل أبي الفضل ووزارة ابن بقية) **
كان أبو الفضل العباس بن الحسين وزيرا لمعز الدولة ولابنه بختيار من بعده، وكان سيئ التصرف وأحرق في بعض أيامه الكرخ ببغداد فاحترق فيه عشرون ألف إنسان وثلاثمائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجدا، ومن الأموال ما لا يحصى، وكان الكرخ معروفا بسكنى الشيعة، وكان هو يزعم أنه يتعصب لأهل السنة، وكان كثير الظلم للرعية غصابا للأموال مفرطا في أمر دينه، وكان محمد بن بقية وضيعا في نفسه من الفلاحين في أوانا من ضياع بغداد. واتصل ببختيار وكان يتولى الطعام بين يديه، ويتولى الطبخ ومنديل الخوان على كتفه، فلما ضاقت الأحوال على الوزير أبي الفضل وكثرت مطالبته بالأرزاق والنفقات عزله بختيار وصادره وسائر أصحابه على أموال عظيمة أخذت منهم، واستوزر محمد بن بقية فاستقامت أموره ونمت أحواله بتلك الأموال، فلما نفدت عاد إلى الظلم، ففسدت الأحوال وخربت تلك النواحي، وظهر العيارون وتزايد شرهم وفسادهم. وعظم الاختلاف بين بختيار والأتراك، ومقدمهم يومئذ سبكتكين، وتزيادت نفرته. ثم سعى ابن بقية في إصلاحه وجاء به إلى بختيار ومعه الأتراك فصالحه بختيار، ثم قام غلام ديلمي فرمى وتينه بحربة في يده فأثبته، فصاح سبكتكين بغلمانه فأخذوه يظن أنه وضع على قتله، وقرره فلم يعترف، فبعث إلى بختيار فأمر به فقتل، فعظم ارتيابه وأنه إنما قتل حذرا من إفشاء سره، فعظمت الفتنة، وقصد الديلم قتل سبكتكين، ثم أرضاهم بختيار بالمال فسكنوا.
** (استيلاء بختيار على الموصل ثم رجوعه عنها) **
فلما قبض أبو ثعلب بن ناصر الدولة بن حمدان على أبيه وحبسه، واستقل بملك الموصل وعصى عليه إخوته من سائر النواحي غلبهم، ولحق أخوه أحمد وإبراهيم ببختيار فاستصرخاه فوعدهما بالمسير معهما، وأن يضمن حمدان البلاد. ثم أبطأ عليهما فرجع إبراهيم إلى أخيه أبي ثعلب، وقارن ذلك وزارة ابن بقية، وقصر أبو ثعلب في خطابه فأغرى به بختيار فسار إليه، ونزل الموصل، وفارقها أبو ثعلب إلى سنجار وأخلاها من الميرة والكتاب والدواوين. ثم سار من سنجار إلى بغداد فحاربها، ولم يحدث في سوادها حدثا. وبعث بختيار إثره العساكر مع ابن بقية والحاجب سبكتكين، فدخل ابن بقية بغداد، وأقام سبكتكين بجدي. وثار العيارون واضطربت الفتنة بين أهل السنة والشيعة، وضربوا الأمثال (لنشتد على الوزير بحرب الجمل) ، وهذا كله في الجانب الغربي. ونزل أبو ثعلب حذاء سبكتكين بجدي واتفقا في سر على خلع الخليفة ونصب غيره والقبض على الوزير وعلى بختيار وتكون الدولة لسبكتكين ويعود أبو ثعلب إلى الموصل ليتمكن من بختيار. ثم قصر سبكتكين عن ذلك وخشي سوء المغبة، واجتمع به الوزير ابن بقية وصالحوا أبا ثعلب على ضمان أعماله كما كانت، وزيادة ثلاثة آلاف كر من الغلة لبختيار، وأن يرد على أخيه حمدان أملاكه وأقطاعه إلا ماردين. وأرسلوا إلى بختيار بذلك. ودخل أبو ثعلب إلى الموصل، فلما نزل الموصل وبختيار بالجانب الآخر فغضب أهل الموصل لأبي ثعلب لما نالهم من عسف بختيار، فتراسلوا في الصلح ثانيا، وسأل أبو ثعلب لقبا سلطانيا وتسليم زوجته ابنة بختيار فأبى ذلك، ورحل عنه إلى بغداد.
وبلغه في طريقه أن أبا ثعلب قتل مخلفين من أصحاب بختيار، فأقام بالكحيل وبعث بالوزير وابن بقية وسبكتكين فجاءوه في العساكر، ورجع إلى الموصل وفارقها أبو ثعلب، وبعث إلى الوزير كاتبه ابن عرس وصاحبه ابن حوقل معتذرا وحلفا عنه عن العلم بما وقع، فاستحكم بينهم صلح آخر. وانصرف كل منهم إلى بلده، وبعث بختيار إليه زوجته واستقر أمرهما على ذلك.
ابن خلدون م 38 ج 4
** (الفتنة بين الديلم والأتراك وانتقاض سبكتكين) **
كان جند بختيار وأبيه معز الدولة طائفتين من الديلم عشيرتهم والأتراك المستنجدين عندهم، وعظمت الدولة وكثرت عطاياها وأرزاق الجند حتى ضاقت عنها الجباية وكثر شغب الجند، وساروا إلى الموصل لسد ذلك فلم يقع لهم ما يسده، فتوجهوا إلى الأهواز صحبة بختيار ليظفروا من ذلك بشيء، واستخلف سبكتكين على بغداد، فلما وصلوا إلى الأهواز صحبة بختيار حمل إليه حملين من الأموال والهدايا ما ملأ عينه، وهو مع ذلك يتجنى عليه. ثم تلاحى خلال ذلك عاملان ديلمي وتركي وتضاربا ونادى كل منهما بقومه فركبوا في السلاح بعضهم على بعض، وسالت بينهما الدماء، وصاروا إلى النزاع، واجتهدوا في تسكين الناس فلم يقدروا. وأشار عليه الديلم بالقبض على الأتراك، فأحضر رؤساءهم واعتقلهم، وانطلقت أيدي الديلم على الأتراك فافترقوا، ونودي في البصرة بإباحة دمائهم، واستولى بختيار على أقطاع سبكتكين، ودس بأن يرجفوا بموته، فإذا جاء سبكتكين للعزاء قبضوا عليه. وقيل كان وطأهم على ذلك قبل سفره، وجعل موعده قبضه على الأتراك، فلما أرجفوا بموته ارتاب سبكتكين بالخبر، وعلم أنها مكيدة ودعاه الأتراك للأمر عليهم فأبى، ودعا ابن معز الدولة أبا إسحاق إليها فمنعته أمه، فركب سبكتكين في الأتراك وحاصروا بختيار يومين. ثم أحرقها وبعث لأبي إسحاق وأبي ظاهر ابني معز الدولة، وسار بهما إلى واسط فاستولى عليها على ماكان لبختيار، وأنزل الأتراك في دور الديلم، وثار العامة بنصر سبكتكين وأوقعوا بالشيعة وقتلوهم وأحرقوا الكرخ.
** (مسير بختيار لقتال سبكتكين وخروج سبكتكين الى واسط ومقتله) **
ولما انتقض سبكتكين انتقض الأتراك في كل جهة حتى اضطرب على بختيار غلمانه الذين بداره، وعاتبه مشايخ الأتراك على فعلته، وعذله الديلم أصحابه وقالوا: لا بد
لنا من الأتراك ينصحون عنا، فأطلق المعتقلين عنهم ورجع، وجعل أردويه [1] صاحب الجيش مكان سبكتكين، وكتب إلى عمه ركن الدولة وابنه عضد الدولة يستنجدهما، وإلى أبي ثعلب بن حمدان يستمده بنفسه، ويسقط عنه مال الضمان، وإلى عمران بن شاهين بأن يمده بعسكر، فبعث عمه ركن الدولة العساكر مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وأمر ابنه عضد الدولة بالمسير معهم، فتربص به ابن العميد. وأنفذ أبو ثعلب بن حمدان أخاه أبا عبد الله الحسين بن حمدان إلى تكريت، وأقام ينتظر خروج سبكتكين والأتراك عن بغداد فيملكها، وانحدر سبكتكين ومعه الأتراك إلى واسط وحمل معه الخليفة الطائع الذي نصبه وأباه المطيع مكانه أفتكين [2] وساروا إلى بختيار ونازلوه بواسط خمسين يوما والحرب بينهم متصلة والظفر للأتراك في كلها، وهو يتابع الرسل إلى عضد الدولة ويستحثه.
** (استيلاء عضد الدولة على العراق واعتقال بختيار ثم عوده إلى ملكه) **
ولما بلغ عضد الدولة ما فعله الأتراك مع بختيار اعتزم على المسير إليه بعد أن كان يتربص به فسار في عساكر فارس وسار معه أبو القاسم بن العميد وزير أبيه من الأهواز في عساكر الري وقصدوا واسط ورجع أفتكين والأتراك إلى بغداد وكان أبو ثعلب عليها فأجفل، وكتب بختيار إلى طبة الأسدي صاحب عين التمر، وإلى بني شيبان بمنع الميرة عن بغداد وإفساد سابلتها، فعدمت الأقوات وسار عضد الدولة إلى بغداد، ونزل في الجانب الشرقي وبختيار في الجانب الغربي. وخرج أفتكين والأتراك لعضد الدولة فلقيهم بين دبانى والمدائن منتصف جمادى سنة أربع وستين وثلاثمائة فهزمهم وغرق كثير منهم. وساروا إلى تكريت، ودخل عضد الدولة بغداد ونزل دار الملك، واسترد الخليفة الطائع من أفتكين والأتراك، وكانوا أكرهوه على
الخروج معهم، وخرج للقائه في دجلة وأنزله بدار الخلافة وحدثته نفسه بملك العراق، واستضعف بختيار ووضع عليه الجند يطالبونه بأرزاقهم، ولم يكن عنده في خزانته شيء. وأشار عليه بالزهد في إمارتهم يتنصح له بذلك سرا، والرسل تتردد إلى بختيار والجند فلا يقبل عضد الدولة تقربهم. ثم تقبض عليه آخرا ووكل به، وجمع الجند ووعدهم بالإحسان والنظر في أمورهم فسكنوا، وبعث عضد الدولة عسكره إلى ابن بقية ومعه عسكر ابن شاهين فهزموا عسكر عضد الدولة، وكاتبوا ركن الدولة، فكتب إليه بالثبات على شأنهم. فلما علم أهل النواحي بأفعال عضد الدولة اضطربوا عليه وانقطعت عنه مواد فارس، وطمع فيه الناس حتى عامة بغداد، فحمل الوزير أبا الفتح بن العميد إلى أبيه ركن الدولة الرسالة بما وقع، وبضعف بختيار وأنه إن عاد إلى الأمر خرجت المملكة والخلافة عنه، وأنه يضمن أعمال العراق بثلاثين ألف ألف درهم في كل سنة، ويبعث إليه بختيار بالري وإلا قتلت بختيار وأخويه وجميع شيعتهم وأترك البلاد، فخشي ابن العميد من هذه الرسالة، وأشار بأن يبعث بها غيره ويمضي هو إلى ركن الدولة فيحاول على مقاصد عضد الدولة، فمضى الرسول إلى ركن الدولة فحجبه أولا، ثم أحضره وذكر له الرسالة فهم بقتله، ثم رده وحمله من الإساءة في الخطاب فوق ما أراد. وجاء ابن العميد فحجبه ركن الدولة وأنفذ إليه بالوعيد. وشفع إليه أصحابه واعتذر بأنه إنما جعل رسالة عضد الدولة طريقا الى الخلاص منه فأحضره، وضمن له ابن العميد إطلاق بختيار. ثم سار إلى عضد الدولة وعرفه بغضب أبيه فأطلق بختيار من محبسه ورده إلى ملكه على أن يكون نائبا عنه ويخطب له، ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعفه عن الملك. وخلف أبا الفتح بن العميد لقضاء شئونه فتشاغل هو مع بختيار فيما كان فيه من اللذات عن ركن الدولة. وجاء ابن بقية فأكد الوحشة بين بختيار وعضد الدولة وجبى الأموال واختزنها، وأساء التصرف واحترز من بختيار
** (أخبار عضد الدولة في ملك عمان) **
لما توفي معز الدولة كان أبو الفرج [1] بعمان، فسار عنها لبغداد وبعث إلى عضد الدولة بأن يتسلمها فوليها عمر بن نبهان الطائي بدعوة عضد الدولة. ثم قتلته الزنج وملكوا البلد. وبعث عضد الدولة إليها جيشا من كرمان مع قائده أبي حرب طغان، وساروا في البحر وأرسوا على صحار وهي قصبة عمان، ونزلوا إلى البر فقاتلوا الزنج وظفروا بهم، واستولى طغان على صحار سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ثم اجتمع الزنج إلى مدين رستان [2] على مرحلتين من صحار، فأوقع بهم طغان واستلحمهم وسكنت البلاد.
ثم خرج بجبال عمان طوائف الشراة مع ورد بن زياد منهم، وبايعوا لحفص بن راشد، واشتدت شوكتهم، وبعث عضد الدولة المظفر بن عبد الله في البحر فنزل في أعمال عمان وأوقع بأهل خرخان [3] . ثم سار إلى دما على أربع مراحل، وقاتل الشراة فهزمهم وهرب أميرهم ورد بن حفص إلى يزوا [4] ، وهي حصن تلك الجبال، ولحق حفص باليمن فصار فيه معلما، واستقامت البلاد ودانت لطاعة عضد الدولة.
** اضطراب كرمان على عضد الدولة) **
كان ظاهر بن الصنمد من الحرومية [5] ، وهي البلاد الحارة، قد ضمن من عضد الدولة ضمانات واجتمعت عليه أموال. ولما سار عضد الدولة إلى العراق وبعث وزيره المظهر بن عبد الله [6] إلى عمان خلت كرمان من العساكر، فطمع فيها ظاهر وجمع الرجال الحرومية. وكان بعض موالي بني سامان من الأتراك واسمه مؤتمر [7] استوحش
من ابن سيجور [1] صاحب خراسان فكاتبه ظاهر وأطمعه في أعمال كرمان، فسار إليه وجعله ظاهر أميرا. ثم شغب عليه بعض أصحاب ظاهر، فارتاب به مؤتمر وقاتله فظفر به وبأصحابه، وبلغ الخبر إلى الحسين بن علي بن الياس بخراسان فطمع في البلاد وسار إليها، واجتمعت عليه جموع. وكتب عضد الدولة إلى المظهر بن عبد الله وقد فرغ من أمر عمان بالمسير إلى كرمان، فسار إليه سنة أربع وستين وثلاثمائة ودوخ البلاد في طريقه. وكبس مؤتمرا بنواحي مدينة قم [2] فلحق بالمدينة وحصره فيها حتى استأمن، وخرج إليه ومعه ظاهر فقتله المظهر وحبس مؤتمرا ببعض القلاع، وكان آخر العهد به. ثم سار إلى ابن إلياس وقاتله على باب جيرفت وأخذه أسيرا وضاع بعد ذلك خبره، ورجع المظهر ظافرا وصلحت كرمان لعضد الدولة.
** (وفاة ركن الدولة وملك ابنه عضد الدولة) **
كان ركن الدولة ساخطا على ابنه عضد الدولة كما قدمناه وكان ركن الدولة بالري فطرقه المرض سنة خمس وستين وثلاثمائة فسار إلى أصفهان، وتلطف الوزير أبو الفتح بن العميد إليه في الرضا عن ابنه عضد الدولة، وأن يحضره ويعهد إليه، فأحضره من فارس وجمع سائر ولده. وكان ركن الدولة قد خف من مرضه فعمل الوزير ابن العميد بداره صنيعا وأحضرهم جميعا. فلما قضوا شأن الطعام خاطب ركن الدولة بولاية أصفهان وأعمالها نيابة عن أخيه عضد الدولة، وخلع عضد الدولة في ذلك اليوم على سائر الناس الأقبية والأكسية بزي الديلم. وحياه إخوته والقواد بتحية الملك المعتاد لهم، وأوصاهم أبوهم بالاتفاق وخلع عليهم من الخاص، وسار عن أصفهان في رجب من السنة. ثم اشتد به المرض في الري فتوفي في محرم سنة ست وستين وثلاثمائة لأربع وأربعين سنة من ولايته. وكان حليما كريما واسع المعروف حسن السياسة لجنده ورعيته، عادلا فيهم، متحريا من الظلم عفيفا عن الدماء، بعيد الهمة عظيم الجد والسعادة، محسنا لأهل البيوتات، معظما للمساجد متفقدا لها في المواسم، متفقدا أهل البيت بالبر والصلات، عظيم الهيبة لين الجانب مقربا للعلماء محسنا إليهم، معتقدا للصلحاء برا بهم رحمه الله تعالى.
** (مسير عضد الدولة الى العراق وهزيمة بختيار) **
ولما توفي ركن الدولة ملك عضد الدولة بعده، وكان بختيار وابن بقية يكاتبان أصحاب القاصية مثل فخر الدولة أخيه وحسنويه الكردي وغيرهم للتظافر على عضد الدولة، فحركه ذلك لطلب العراق، فسار لذلك وانحدر بختيار إلى واسط لمدافعته، وأشار عليه ابن بقية بالتقدم إلى الأهواز، واقتتلوا في ذي القعدة من سنة ست وستين وثلاثمائة ونزع بعض عساكر بختيار إلى عضد الدولة فانهزم بختيار ولحق بواسط، ونهب سواده ومخلفه، وبعث إليه ابن شاهين بأموال وسلاح وهاداه وأتحفه، فسار إليه إلى البطيحة وأصعد منها إلى واسط، واختلف أهل البصرة فمالت مضر إلى عضد الدولة وربيعة مع بختيار، صوبت [1] مضر عند انهزامه، وكاتبوا عضد الدولة فبعث إليهم عسكرا واستولوا على البصرة، وأقام بختيار بواسط، وقبض الوزير ابن بقية لاستبداده واحتجازه الأموال، وليرضى عضد الدولة بذلك.
وترددت الرسل بينهم في الصلح، وتردد بختيار في إمضائه. ثم وصله ابنا حسنويه الكردي في ألف فارس مددا فاعتزم على محاربة عضد الدولة. ثم بدا له وسار إلى بغداد فأقام بها، ورجع ابنا حسنويه إلى أبيهما، وسار عضد الدولة إلى البصرة فأصلح بين ربيعة ومضر بعد اختلافهما مائة وعشرين سنة.
** (نكبة أبي الفتح بن العميد) **
كان عضد الدولة يحقد على أبي الفتح بن العميد مقامه عند بختيار ببغداد ومخالطته له، وما عقده معه من وزارته بعد ركن الدولة. وكان ابن العميد يكاتب بختيار بأحواله وأحوال أبيه، وكان لعضد الدولة عين على بختيار يكاتبه بذلك ويغريه.
فلما ملك عضد الدولة بعد أبيه كتب إلى أخيه فخر الدولة بالري بالقبض على ابن العميد وعلى أهله وأصحابه، واستصفيت أموالهم ومحيت آثارهم، وكان أبو
الفضل [1] بن العميد ينذرهم بذلك لما يرى من مخايل أبي الفتح وإنكاره عليه.
** (استيلاء عضد الدولة على العراق ومقتل بختيار وابن بقية) **
ولما دخلت سنة سبع وستين سار عضد الدولة إلى بغداد، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى طاعته، وأن يسير عن العراق إلى أي جهة أراد فيمده بما يحتاج إليه من مال وسلاح، فضعفت نفسه فقلع عينه وبعثها إليه، وخرج بختيار عن بغداد متوجها إلى الشام. ودخل عضد الدولة بغداد وخطب له بها، ولم يكن خطب لأحد قبله، وضرب على بابه ثلاث نوبات ولم يكن لمن تقدمه، وأمر أن يلقى ابن بقية بين أرجل الفيلة فضربته حتى مات وصلب على رأس الجسر في شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة، ولما انتهى بختيار إلى عكبرا وكان معه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان فزين له قصد الموصل، واستماله إليه عن الشام، وقد كان عقد معه عضد الدولة أن لا يقصد الموصل لموالاة بينه وبين أبي ثعلب [2] ، فسار هو إلى الموصل ونقض عهده، وانتهى إلى تكريت فبعث إليه أبو ثعلب يعده المسير معه لقتال عضد الدولة، وإعادة ملكه على أن يسلم إليه أخاه حمدان، فقبض بختيار عليه وسلمه إلى سفرائه وحبسه أبو ثعلب، وسار بختيار إلى الحديثة، ولقيه أبو ثعلب في عشرين ألف مقاتل، ورجع معه إلى العراق ولقيهما عضد الدولة بنواحي تكريت فهزمهما، وجيء ببختيار أسيرا، فأشار أبو الوفاء طاهر بن إسماعيل كبير أصحاب عضد الدولة بقتله فقتل لاثنتي عشرة سنة من ملكه. واستلحم كثير من أصحابه، وانهزم أبو ثعلب بن حمدان إلى الموصل.
** (استيلاء عضد الدولة على أعمال بني حمدان) **
ولما انهزم أبو ثعلب سار عضد الدولة في أثره فملك الموصل منتصف ذي القعدة سنة
ست وستين وثلاثمائة وكان حمل معه الميرة والعلوفات خوفا أن يقع به مثل ما وقع بسلفه، فأقام بالموصل مطمئنا وبث السرايا في طلب أبي ثعلب، ولحق بنصيبين ثم بميافارقين، فبعث عضد الدولة في أثره سرية عليها أبو ظاهر بن محمد إلى سنجار، وأخرى عليها الحاجب أبو حرب طغان إلى جزيرة ابن عمر، فترك أبو ثعلب أهله بميافارقين وسار إلى تدلس [1] ووصل أبو الوفاء في العساكر إلى ميافارقين فامتنعت عليه، فسار في اتباع أبي ثعلب إلى أرزن الروم ثم إلى الحسنية من أعمال الجزيرة، وصعد أبو ثعلب إلى قلعة كواشى فأخذ أمواله منها وعاد أبو الوفاء وحاصره بميافارقين، وسار عضد الدولة وقد افتتح سائر ديار بكر. وسار أبو ثعلب إلى الرحبة ورجع أصحابه إلى أبي الوفاء فأمنهم وعاد إلى الموصل، فتسلم ديار مضر من يده.
وكان سعد الدولة على الرحبة وتقرى أعمال أبي ثعلب وحصونه، مثل هوا والملاسي وفرقى والسفياني وكواشى [2] بما فيها من خزائنه وأمواله، واستخلف أبو الوفاء على الموصل وجميع أعمال بني ثعلب وعاد إلى بغداد، وسار أبو ثعلب إلى الشام فكان فيه مهلكه كما مر في أخباره.
** (إيقاع العساكر ببني شيبان) **
كان بنو شيبان قد طال إفسادهم للسابلة، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا يمتنعون بجبال شهرزور لما بينهم وبين أكرادها من المواصلة، فبعث عضد الدولة العساكر سنة تسع وستين وثلاثمائة فنازلوا شهرزور واستولوا عليها وعلى ملكها رئيس بني شيبان، فذهبوا في البسيط، وسار العسكر في طلبهم فأوقعوا بهم واستباحوا أموالهم ونساءهم، وجيء منهم إلى بغداد بثلاثمائة أسير، ثم عاودوا الطاعة وانحسمت علتهم.
** (وصول ورد بن منير البطريق الخارج على ملك الروم الى ديار بكر والقبض عليه) **
كان أرمانوس ملك الروم لما توفي خلف ولدين صغيرين ملكا بعده، وكان نقفور وهو يومئذ الدمستق غائبا ببلاد الشام، وكان نكاء فيها، فلما عاد حمله الجند وأهل الدولة على النيابة عن الولدين فامتنع. ثم أجاب وأقام بدولة الولدين وتزوج أمهما ولبس التاج، ثم استوحشت منه فراسلت ابن الشمسيق [1] في قتله، وبيته في عشرة من أصحابه فقتلوا نقفور واستولى ابن الشمسيق على الأمر، واستولى على الأولاد وعلى ابنه ورديس واعتقلهم في بعض القلاع، وسار في أعمال الشام فعاث فيها وحاصر طرابلس فامتنعت عليه. وكان لوالد الملك أخ خصي [2] وهو الوزير يومئذ فوضع عليه من سقاه السم، وأحس به فأسرع العود إلى القسطنطينية ومات في طريقه، وكان ورد بن منير من عظماء البطارقة فطمع في الملك، وكاتب أبا ثعلب بن حمدان عند خروجه بين يدي عضد الدولة وظاهره، واستجاش بالمسلمين بالثغور وساروا إليه وقصد القسطنطينية، وبرزت إليه عساكر الملكين فهزمهم مرة بعد أخرى، فأطلق الملكان ورديس بن لاوون وبعثاه في العساكر لقتال ورد فهزمهم بعد حروب صعبة، ولحق ورد ببلاد الإسلام ونزل ميافارقين، وبعث أخاه إلى عضد الدولة ببذل الطاعة وبطلب النصرة. وبعث إليه ملك [3] الروم واستمالاه فجنح إليهما، وكتب إلى عامله بميافارقين بالقبض على ورد وأصحابه، فيئسوا منه، وتسللوا عنه، فبعث أبو علي الغنمي [4] عنه إلى داره للحديث معه، ثم قبض عليه وعلى ولده وأخيه وجماعة من أصحابه، واعتقلهم بميافارقين، ثم بعث بهم إلى بغداد فحبسوا بها.
** (دخول بني حسنويه في الطاعة وبداية أمرهم) **
كان حسنويه بن حسن الكردي من جنس البرز [1] فكان من الأكراد من طائفة منهم يسمون الذولنية [2] وكان أميرا على البرز مكان خاله ونداد، وكان ابنا أحمد بن علي من طائفة أخرى من البرز، فكانوا يسمون العيشائية [3] وغلبا على أطراف الدينور وهمذان ونهاوند والدامغان وبعض أطراف أذربيجان إلى حد شهرزور، وبقيت في أيديهم خمسين سنة. وكانت تجتمع عليها من الأكراد جموع عظيمة. ثم توفي عام ست وخمسين وثلاثمائة. وكانت له قلعة بسنان [4] وغانم أبار [5] وغيرها، فملكها بعده ابنه أبو سالم غنم [6] إلى أن غلبه الوزير أبو الفتح بن العميد. وتوفي ونداد سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وقام ابنه عبد الوهاب أبو الغنائم مقامه، وأراد الشاذنجان، وأسلمه إلى حسنويه فاستولى على أملاكه وقلاعه. وكان حسنويه عظيم السياسة حسن السيرة، وبنى أصحابه حصن التلصص، وهي قلعة سرماج بالصخور المهندسة، وبنى بالدينور جامعا كذلك، وكان كثير الصدقة بالحرمين. ثم توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة وافترق أولاده من بعده، فبعضهم صار إلى طاعة فخر الدولة صاحب همذان وأعمال الجيل، والآخرون صاروا إلى عضد الدولة، وكان بختيار منهم بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فكاتب عضد الدولة بالطاعة، ثم انتقض. فبعث عضد الدولة عسكرا فحاصروه وملكوا القلعة من يده والقلاع الأخرى من إخوته. واستولى عضد الدولة على أعمالهم واصطنع من بينهم أبا النجم بن حسنويه، وأمده بالعسكر فضبط تلك النواحي، وكف عادية الأكراد بها واستقام أمرها.
** (استيلاء عضد الدولة على همذان والري من يد أخيه فخر الدولة وولاية أخيهما مؤيد الدولة عليها) **
قد تقدم أن ركن الدولة عهد إلى ابنه فخر الدولة، وكان يكاتب بختيار، وعلم بذلك عضد الدولة فأغضى، فلما فرغ من شأن بختيار وابن حمدان وحسنويه، وعظم استيلاؤه أراد إصلاح الأمر بينه وبين أخيه وقابوس بن وشمكير، فكاتب مؤيد الدولة وفخر الدولة يعاتبه ويستميله [1] ، وكان الرسول خواشادة من أكبر أصحاب عضد الدولة، فاستمال أصحاب فخر الدولة وضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، واعتزم عضد الدولة على المسير إلى الري وهمذان، وسرب العساكر إليها مسالمة، فأبو الوفاء طاهر في عسكر، وخواشادة في عسكر، وأبو الفتح المظفر بن أحمد في عسكر. ثم سار عضد الدولة في أثرهم من بغداد، ولما أطلت عساكره استأمن قواد فخر الدولة وبنو حسنويه ووزيره أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه، ولحق فخر الدولة ببلاد الديلم، ثم بجرجان، ونزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير مستجيرا، فأمنه وآواه وحمل إليه فوق ما أمله، وشاركه فيما بيده من الملك وغيره. وملك عضد الدولة همذان والري وما بينهما من الأعمال، وأضافها إلى أخيه مؤيد الدولة بن بويه صاحب أصفهان وأعمالها. ثم عطف على ولاية حسنويه الكردي وفتح نهاوند والدينور وسرماج، وأخذ ما كان فيها لبني حسنويه، وفتح عدة من قلاعهم، وخلع على بدر بن حسنويه وأحسن إليه وولاه رعاية الأكراد، وقبض على إخوته عبد الرزاق وأبي العلاء وأبي عدنان. ولما لحق فخر الدولة بجرجان وأجاره قابوس بعث إليه أخوه عضد الدولة في طلبه، فأجاره وامتنع من إسلامه. فجهز إليه عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة صاحب أصفهان بالعساكر والأموال والسلاح، فسار إلى جرجان، وبرز قابوس للقائه، والتقوا بنواحي أستراباذ في منتصف إحدى وسبعين وثلاثمائة فانهزم قابوس ومر ببعض قلاعه
فاحتمل منها ذخيرته ولحق بنيسابور. وجاء فخر الدولة منهزما على أثره، وكان ذلك لأول ولاية حسام الدولة تاش خراسان من قبل أبي القاسم بن منصور من بني سامان، فكتب بخبرهما إلى الأمير نوح ووزيره العتبي أبي العباس تاش، فجاءه الجواب بنصرهما، فجمع عساكر خراسان وسار معهما إلى جرجان فحاصروا بها مؤيد الدولة شهرين حتى ضاقت أحوال مؤيد الدولة، واعتزم هو وأصحابه على الخروج والاستماتة بعد أن كاتب فائقا الخاصة الساماني، ورغبه، فوعده بالانهزام عند اللقاء. وخرج مؤيد الدولة، وانهزم فائق وتبعه العسكر وثبت تاش وفخر الدولة وقابوس إلى آخر النهار. ثم انهزموا ولحقوا بنيسابور، وبعثوا بالخبر إلى الأمير نوح، فبعث إليهم بالعساكر ليعود إلى جرجان، ثم قتل الوزير العتبي كما تقدم في أخبار دولتهم وانتقض ذلك الرأي.
** (استيلاء عضد الدولة على بلاد الهكارية وقلعة سندة) **
كان عضد الدولة قد بعث عساكره الى بلاد الأكراد الهكارية من أعمال الموصل، فحاصر قلاعهم وضيق عليهم، وكانوا يؤملون نزول الثلج فترحل عنهم العساكر، وتأخر نزوله فاستأمنوا ونزلوا من قلاعهم إلى الموصل، واستولت عليها العساكر وغدر بهم مقدم الجيش فقتلهم جميعا. وكانت قلعة بنواحي الجبل لأبي عبد الله المري مع قلاع أخرى، وله فيها مساكن نفيسة، وكان من بيت قديم، فقبض عليه عضد الدولة وعلى أولاده واعتقلهم وملك القلاع. ثم أطلقهم الصاحب بن عباد فيما بعد واستخدم أبا طاهر من ولده واستكتبه وكان حسن الخط واللفظ.
** (وفاة عضد الدولة وولاية ابنه صمصام الدولة) **
ثم توفي عضد الدولة ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين لخمس سنين ونصف من ولايته العراق، وجلس ابنه صمصام الدولة أبو كليجار المرزبان للعزاء، فجاءه الطائع معزيا، وكان عضد الدولة بعيد الهمة شديد الهيبة حسن السياسة ثاقب الرأي محبا
للفضائل وأهلها، وكان كثير الصدقة والمعروف ويدفع المال لذلك إلى القضاة ليصرفوه في وجوهه. وكان محبا للعلم وأهله مقربا لهم محسنا إليهم، ويجلس معهم ويناظرهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفت الكتب باسمه كالإيضاح في النحو والحجة في القراءات والملكي في الطلب والتاجي في التواريخ وعمل البيمارستانات وبنى القناطر. وفي أيامه حدثت المكوس على المبيعات، ومنع من الاحتراف ببعضها، وجعلت متجرا للدولة. ولما توفي عضد الدولة اجتمع القواد والأمراء على ابنه أبي كليجار المرزبان وولوه الملك مكانه، ولقبوه صمصام الدولة، فخلع على أخيه الحسن أحمد وأبي ظاهر فيروز شاه وأقطعهما فارس وبعثهما إليها.
** (استيلاء شرف الدولة بن عضد الدولة على فارس واقتطاعها من أخيه صمصام الدولة) **
كان شرف الدولة أبو الفوارس شرزيك [1] قد ولاه أبوه عضد الدولة قبل موته كرمان وبعث إليه، فلما بلغه وفاة أبيه سار إلى فارس فملكها وقتل نصر بن هارون النصراني وزير أبيه لأنه كان يسيء عشرته، وأطلق الشريف أبا الحسن محمد بن عمر العلوي، كان أبوه حبسه بما قال عنه وزيره المظهر بن عبد الله عند قتله نفسه على البطيحة.
وأطلق النقيب أبا أحمد والد الشريف الرضي والقاضي أبا محمد بن معروف وأبا نصر خواشادة، وكان أبوه حبسهم وقطع خطبة أخيه صمصام الدولة وخطب لنفسه، وتلقب بأخي الدولة ووصل أخوه أبو الحسن أحمد وأبو ظاهر فيروز شاه اللذان أقطعهما صمصام الدولة بشيراز فبلغهما خبر شرف الدولة بشيراز فعاد إلى الأهواز. وجمع شرف الدولة وفرق الأموال، وملك البصرة وولى عليها أخاه أبا الحسين. ثم بعث صمصام الدولة العساكر مع ابن تتش حاجب أبيه، وأنفذ مشرف الدولة مع أبي الأغر دبيس بن عفيف الأسدي، والتقيا بظاهر قرقوب، وانهزم عسكر صمصام الدولة وأسر ابن تتش الحاجب واستولى حينئذ الحسين بن عضد الدولة على الأهواز ورامهرمز وطمع في الملك.
** (وفاة مؤيد الدولة صاحب أصفهان والري وجرجان وعود فخر الدولة الى ملكه) **
ثم توفي مؤيد الدولة يوسف بن بويه بن ركن الدولة صاحب أصفهان والري بجرجان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة واجتمع أهله للشورى فيمن يولونه، فأشار الصاحب إسماعيل بن عباد بإعادة فخر الدولة إلى ملكه لكبر سنه. وتقدم إمارته بجرجان وطبرستان، فاستدعوه من نيسابور، وبعث ابن عباد من استخلفه لنفسه، وتقدم إلى جرجان فتلقاه العسكر بالطاعة وجلس علي كرسيه وتفادى ابن عباس من الوزارة فمنعه واستوزره، والتزم الرجوع إلى إشارته في القليل والكثير. وأرسل صمصام الدولة وعاهده على الاتحاد والمظاهرة. ثم عزل الأمير نوح أبا العباس تاش عن خراسان، وولى عليها ابن سيجور، فانتقض تاش ولقيه ابن سيجور فهزمه فلحق بجرجان، فكافأه فخر الدولة وترك له جرجان ودهستان وأستراباذ وسار عنها إلى الري وأمده بالأموال والآلات، وطلب خراسان فلم يظفر بها فأقام بجرجان ثلاث سنين. ثم مات سنة سبع وتسعين وثلاثمائة [1] كما ذكرنا في أخبار بني سامان.
** (انتقاض محمد بن غانم على فخر الدولة) **
قد تقدم لنا ذكر غانم البرزنكاني خال حسنويه، وأنهم كانوا رؤساء الأكراد، وأنه مات سنة خمسين وثلاثمائة وكان ابنه دلسيم مكانه في قلاعه قستتان وغانم أبا. وملكها منه أبو الفتح بن العميد. ولما كانت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة انتقض محمد بن غانم بناحية كردون من أعمال قم على فخر الدولة، ونهبت غلات السلطان وامتنع بحصن الفهجان واجتمع إليه البرزنكان [2] . وسارت العساكر لقتاله في شوال فهزمها مرة بعد
أخرى إلى أن بعث فخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه بالنكير في ذلك، فصالحه أول أربع وسبعين وثلاثمائة ثم سارت إليه العساكر سنة خمس وسبعين وثلاثمائة فقاتلها وأصيب بطعنة، ثم أخذ أسيرا ومات بطعنته.
** (تغلب باد الكردي على الموصل من يد الديلم ثم رجوعها اليهم) **
قد تقدم لنا استيلاء عضد الدولة على الموصل وأعمالها، وتقدم لنا ذكر باد الكردي خال بني مروان، وكيف خان عضد الدولة لما ملك الموصل، وطلبه فصار يخيف ديار بكر ويغير عليها حتى استفحل أمره وملك ميافارقين كما ذكرنا ذلك كله في أخبار بني مروان، وأن صمصام الدولة جهز إليه العساكر مع أبي سعيد بهرام بن أردشير، فهزمه باد وأسر أصحابه، فأعاد صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعيد الحاجب، وفتك باد في الديلم بالقتل والأسر. ثم اتبع سعيد خانور الحسينية من بلد كواشى [1] فانهزم سعيد الحاجب إلى الموصل وثارت العامة بالديلم. وملك باد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة الموصل، وحدث نفسه بملك بغداد، وأخرج [2] الديلم عنها. واهتم صمصام الدولة بأمره، وبعث زياد بن شهراكونه [3] من أكبر قواد الديلم لقتاله، واستكثر له من الرجال والعدد والمال، وسار إلى باد فلقيه في صفر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وانهزم باد وأسر أكثر أصحابه، ودخل زياد بن شهراكونه الموصل، وبعث سعيد الحاجب في طلب باد فقصد جزيرة ابن عمر وعسكر آخرا إلى نصيبين. وجمع باد الجموع بديار بكر، وكتب صمصام الدولة إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بتسليم ديار بكر له، فبعث إليها عساكره من حلب وحاصروا ميافارقين وخاموا عن لقاء باد فرجعوا عن حلب، ووضع سعيد الحاجب رجلا لقتل باد، فدخل عليه وضربه في خيمته فأصابه وأشرف على الموت منها، فطلب الصلح على أن يكون له ديار بكر والنصف من طور عبدين، فأجابه الديلم إلى ذلك، وانحدروا إلى
بغداد وأقام سعيد الحاجب بالموصل إلى أن توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة أيام مشرف الدولة فتجرد الكردي وطمع في الموصل، وولى شرف الدولة عليها أبا نصر خواشاده، وجهزه بالعساكر، ولما زحف إليه باد الكردي كتب إلى مشرف الدولة يستمد العساكر والأموال، فأبطأ عليه المدد، فاستدعى العرب من بني عقيل وبني نمير وأقطعهم البلاد ليدافعوا عنها، وانحدر باد واستولى على طور عبدين ولم يقدر على النزول على الصحراء، وبعث أخاه في عسكر لقتال العرب فهزموه وقتلوه. ثم أتاهم الخبر بموت مشرف الدولة، فعاد خواشاده إلى الموصل وأقامت العرب بالصحراء يمنعون باد من النزول وينتظرون خروج خواشاده لمدافعة باد وحربه، وبينما هم في ذلك جاء إبراهيم وأبو الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان فملكا الموصل كما ذكرنا في أخبار دولتهم.
** (استيلاء صمصام الدولة على عمان ورجوعها لمشرف الدولة) **
كان مشرف الدولة استولى على فارس وخطب له بعمان، وولى عليها أستاذ هرمز فانتقض عليه وصار مع صمصام الدولة، وخطب له بعمان فبعث مشرف الدولة إليه عسكرا فهزموا أستاذ هرمز وأسروه، وحبس ببعض القلاع وطولب بالأموال، وعادت عمان إلى مشرف الدولة.
** (خروج نصر بن عضد الدولة على أخيه صمصام الدولة وانهزامه وأسره) **
كان أسفار بن كردويه من أكابر قواد الديلم واستوحش من صمصام الدولة فمال عن طاعته إلى أخيه مشرف الدولة وهو بفارس، وداخل رجال الديلم في صمصام الدولة وأن ينصبوا بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة نائبا عن أخيه مشرف الدولة حتى يقدم من فارس، وتمكن أسفار من الخوض في ذلك، فمرض صمصام الدولة وتأخر ابن خلدون م 39 ج 4
عن حضور الدار وراسله صمصام الدولة [1] أنه لا ذنب له لأنه كان صبيا، فاعتقله مكرما، وسعي إليه بابن سعدان وزيره ارهواه كان معهم [2] فعزله وقتله ومضى أسفار إلى أبي الحسن بن عضد الدولة بالأهواز ومضى بقية العسكر إلى مشرف الدولة بفارس.
** (استيلاء القرامطة على الكوفة بدعوة مشرف الدولة ثم انتزاعها منهم) **
كان للقرامطة محل من البأس والهيبة عند أهل الدول، وكانوا يدافعونهم في أكثر الأوقات بالمال، وأقطعهم معز الدولة وابنه بختيار ببغداد وأعمالها، وكان يأتيهم ببغداد أبو بكر بن ساهويه يحتكم بحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة وكان على القرامطة في هجر ونيسابور مشتركان في إمارتهما، وهما إسحاق وجعفر. فلما بلغهما الخبر سارا إلى الكوفة فملكاها وخطبا لمشرف الدولة، وكاتبهما صمصام الدولة بالعتب فذكرا أمرهما ببغداد، وانتشر القرامطة في البلاد وجبوا الأموال، ووصل أبو قيس الحسن بن المنذر من أكابرهم إلى الجامعين فسرح صمصام الدولة العسكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات وقاتلوه فهزموه وأسروه، وقتلوا جماعة من قواد القرامطة. ثم عاودوا عسكرا آخر ولقيتهم عساكر صمصام الدولة بالجامعين فانهزم القرامطة وقتل مقدمهم وغيره، وأسروا منهم العساكر وساروا في اتباعهم إلى القادسية فلم يدركوهم.
** (استيلاء مشرف الدولة على الأهواز ثم على بغداد واعتقال صمصام الدولة) **
ثم سار مشرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من فارس لطلب الأهواز، وقد كان أخوه أبو الحسين تغلب عليها عند انهزام عساكر صمصام الدولة سنة اثنتين وسبعين، وكان صمصام الدولة عند ما ملك بعث أبا الحسين وأبا ظاهر أخويه على فارس كما قدمناه، فوجدا أخاهما مشرف الدولة قد سبقهما إلى ملكها. وعند ما ملك فارس والبصرة ولاهما على البصرة، فلما انهزمت عساكر صمصام الدولة امام عسكر مشرف الدولة بعث أبا الحسين على الأهواز فملكها وأقام بها، واستخلف على البصرة أخاه أبا ظاهر، فلما سار مشرف الدولة هذه السنة إلى الأهواز قدم إليه الكتاب بأن يسير إلى العراق، وأنه يقره على عمله، فشق ذلك على أبي الحسين، وتجهز للمدافعة، فعاجله مشرف الدولة عن ذلك. وأغذ السير إلى أرجان فملكها، ثم رامهرمز، وانتقض أجناده ونادوا بشعار مشرف الدولة، فهرب إلى عمه فخر الدولة بالري، وأنزلها بأصفهان ووعده بالنصر، وأبطأ عليه فثار في أصفهان بدعوة أخيه مشرف الدولة فقبض عليه جندها وبعثوا به إلى الري، فحبسه فخر الدولة إلى أن مرض واشتد مرضه فأرسل من قتله في محبسه. ولما هرب أبو الحسين من الأهواز سار إليها مشرف الدولة، وأرسل إلى البصرة قائدا فملكها، وقبض على أخيه أبي ظاهر وبعث إليه صمصام الدولة في الصلح، وأن يخطب له ببغداد، وسارت إليه الخلع والألقاب من الطائع، وجاء من قبل صمصام الدولة من يستخلفه، وكان معه الشريف أبو الحسن محمد بن عمر الكوفي، فكان يستحثه إلى بغداد. وفي خلال ذلك جاءته كتب القواد من بغداد بالطاعة، وبعث أهل واسط بطاعتهم فامتنع من إتمام الصلح، وسار إلى واسط فملكها وأرسل صمصام الدولة أخاه أبا نصر يستعطفه بالسلافة فلم يعطف عليه. وشغب الجند على صمصام الدولة فاستشار صمصام الدولة أصحابه في طاعة أخيه فنهوه. وقال بعضهم: نصعد الى عكبرا ونتبين الأمر، وإن دهمنا ما لا نقوى عليه سرنا إلى الموصل وننتصر بالديلم، وقال آخرون: نقصد فخر الدولة بأصفهان، ثم نخالفه إلى فارس فنحتوي على خزائن مشرف الدولة وذخائره
فيصالح كرها فأعرض عنهم، وركب صمصام الدولة إلى أخيه مشرف الدولة في خواصه فتلقاه بالمبرة. ثم قبض عليه وسار إلى بغداد فدخلها في رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة وأخوه صمصام الدولة في اعتقاله بعد أربع سنين من إمارته بالعراق.
** (أخبار مشرف الدولة في بغداد مع جنده ووزرائه) **
لما دخل مشرف الدولة بغداد كان الديلم معه في قوة وعدد، تنتهي عدتهم الى خمسة عشر ألفا، والأتراك لا يزيدون على ثلاثة آلاف، فاستطال الديلم بذلك وجرت بين اتباعهم لأول دخولهم بغداد مصاولة آلت إلى الحرب بين الفريقين، فاستظهر الديلم على الترك وتنادوا بإعادة صمصام الدولة إلى ملكه، فارتاب بهم مشرف الدولة ووكل بصمصام الدولة من يقتله إن هموا بذلك. ثم أتيحت الكرة للأتراك على الديلم وفتكوا فيهم، وافترقوا واعتصهم بعضهم بمشرف الدولة. ثم دخل من الغد إلى بغداد فتقبله الطائع وهنأه بالسلامة. ثم أصلح بين الطائفتين واستحلفهم جميعا، وحمل صمصام الدولة إلى قلعة ورد بفارس فاعتقل بها، وكان نحرير الخادم يشير بقتله فلا يجيبه أحد، واعتقل سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وأشرف على الهلاك، ثم أشار نحرير في قتله أو سمله، فبعث لذلك من يثق به فلم يقدم على سمله حتى استشار ابا القاسم بن الحسن الناظر هناك فأشار به فسمله. وكان صمصام الدولة يقول: إنما أعماني العلاء لأنه في معنى حكم سلطان ميت [1] . ولما فرغ مشرف الدولة من فتنة الجند صرف نظره إلى تهذيب ملكه، فرد على الشريف محمد بن عمر الكوفي جميع أملاكه، وكانت تغل في كل سنة ألفي ألف وخمسمائة ألف درهم، ورد على النقيب أبي أحمد والد الرضي جميع أملاكه. وأقر الناس على مراتبهم، وكان قبض على وزيره أبي محمد بن فسانجس وأفرج عن أبي منصور الصاحب، واستوزره فأقره على وزارته ببغداد. وكان قراتكين قد أفرط في الدولة والضرب على أيدي الحكام فرأى أن يخرجه الى بعض الوجوه، وكان حنقا على بدر بن حسنويه لميله مع عمه فخر الدولة، فبعثه إليه في العساكر سنة سبع وسبعين وثلاثمائة فهزمهم بدر بوادي
قرمسين بعد أن هزمه قراتكين أولا. ونزل العسكر فكر عليهم بدر فهزمهم وأثخن فيهم ونجا قراتكين في الفل إلى جسر النهروان حتى اجتمع إليه المنهزمون، ودخل بغداد واستولى بدر على أعمال الجيل. ولما رجع قراتكين أغرى الجند بالشغب على الوزير أبي منصور بن صالحان، فأصلح مشرف الدولة بينه وبين قراتكين. وحقدها له فقبض عليه بعد أيام وعلى جماعة من أصحابه، واستصفى أموالهم وشغب الجند من أجله فقتله، وقدم عليهم مكانه طغان الحاجب. ثم قبض سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة على شكر الخادم خالصة أبيه عضد الدولة وخالصته، وكان يحقد عليه من أيام أبيه من سعاياته فيه منها إخراجه من بغداد إلى كرمان تقربا إلى أخيه صمصام الدولة بإخراجه. فلما ملك مشرف الدولة بغداد اختفى شكر فلم يعثر عليه، وكان معه في اختفائه جارية حسناء فعلقت بغيره، وفطن لها فضربها فخرجت مغاضبة له.
وجاءت إلى مشرف الدولة فدلت عليه فأحضره وهم بقتله، وشفع فيه نحرير الخادم حتى وهبه له. ثم استأذن في الحج وسار من مكة إلى مصر فاختصه خلفاء الشيعة وأنزلوه عندهم بالمنزلة الرفيعة.
** (وفاة مشرف الدولة وولاية أخيه بهاء الدولة) **
ثم توفي مشرف الدولة أبو الفوارس سرديك بن عضد الدولة ملك العراق في منتصف تسع وسبعين وثلاثمائة لثمانية أشهر وسنتين من ملكه، ودفن بمشهد علي عليه السلام. ولما اشتدت علته بعث ابنه أبا علي إلى بلاد فارس بالخزائن والعدد مع أمه وجواريه في جماعة عظيمة من الأتراك، وسأله أصحابه أن يعهد فقال: أنا في شغل عن ذلك، فسألوه نيابة أخيه بهاء الدولة ليسكن الناس إلى أن يستفيق من مرضه، فولاه نيابته.
ولما جلس بهاء الدولة في دست الملك، ركب إليه الطائع فعزاه وخلع عليه خلع السلطنة، وأقر بهاء الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته.
** (وثوب صمصام الدولة بفارس وأخباره مع أبي علي ابن أخيه مشرف الدولة) **
قد تقدم لنا أن صمصام الدولة اعتقله أخوه مشرف الدولة بقلعة ورد قرب شيراز من
أعمال فارس عند ما ملك بغداد سنة ست وسبعين وثلاثمائة. فلما مات مشرف الدولة وكان قد بعث ابنه أبا علي إلى فارس، ولحقه موت أبيه بالبصرة فبعث ما معه في البحر إلى أرجان، وسار إليها في البر مخفا. والتف عليه الجند الذين بها، وكاتبه العلاء بن الحسن من شيراز بخبر صمصام الدولة، فسار إلى شيراز واختلف عليه الجند، وهم الديلم بإسلامه إلى صمصام الدولة، فتحرك الأتراك وقاتل الديلم أياما، ثم سار إلى نسا والأتراك معه، فأخذوا ما بها من المال وقتلوا الديلم ونهبوا أموالهم وسلاحهم. وسار أبو علي إلى أرجان، وبعث الأتراك إلى شيراز فقاتلوا صمصام الدولة والديلم ونهبوا البلد، وعادوا إليه بأرجان. وجاءه رسول عمه بهاء الدولة من بغداد بالمواعيد الجميلة، ودس مع رسوله إلى الأتراك واستمالهم فحسنوا لأبي علي المسير إلى عمه بهاء الدولة، فسار إليه ولقيه بواسط منتصف ثمانين وثلاثمائة وقد أعد له الكرامة والنزول، ثم قبض عليه لأيام وقتله، وتجهز للمسير إلى فارس.
** (مسير فخر الدولة صاحب الري وأصفهان وهمذان الى العراق وعوده) **
كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بن ركن الدولة يحب العراق ويريد بغداد، لما كان بها من الحضارة واستئثار الفضائل. فلما توفي مشرف الدولة سلطان بغداد رأى أن الفرصة قد تمكنت فدس إلى فخر الدولة من يغريه بملك بغداد، حتى استشاره في ذلك، فتلطف في الجواب بأن أحاله على سعادته فقبل إشارته، وسار إلى حمدان ووفد عليه بدر بن حسنويه ودبيس بن عفيف الأسدي، وشاوروا في المسير فسار الصاحب بن عباد وبدر في المقدمة على الجادة، وفخر الدولة على خوزستان. ثم ارتاب فخر الدولة بالصاحب بن عباد خشية من ميله مع أولاد عضد الدولة فاستعاده، وساروا جميعا إلى الأهواز فملكها فخر الدولة وأساء السيرة في جندها وجنده، وحبس عنهم العطاء فتخاذلوا وكان الصاحب منذ اتهمه ورده عن طريقه معرضا عن الأمور ساكتا، فلم تستقم الأمور بإعراضه. ثم بعث
بهاء الدولة عساكره إلى الأهواز فقاتلوهم وزادت دجلة إلى الأهواز، وانفتقت أنهارها فتوهم الجند وحسبوها مكيدة فانهزموا، وأشار عليه الصاحب بإطلاق الأموال فلم يفعل، فانفضت عنه عساكر الأهواز، وعاد إلى الري وقبض في طريقه على جماعة من قواد الديلم والري، وعادت الأهواز الى دعوة بهاء الدولة.
** (مسير بهاء الدولة إلى أخيه صمصام الدولة بفارس) **
ثم سار بهاء الدولة سنة ثمانين وثلاثمائة إلى خوزستان عازما على قصد فارس، وخلف ببغداد أبا نصر خواشاده من كبار قواد الديلم، ومر بالبصرة فدخلها، وسار منها الى خوزستان، وأتاه نعي أخيه أبي ظاهر فجلس لعزائه، ودخل أرجان وأخذ جميع ما فيها من الأموال، وكانت ألف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم، وهرعت إليه الجنود ففرقت فيهم تلك الأموال كلها. ثم بعث مقدمته أبا العلاء بن الفضل إلى النوبندجان فهزموا بها عسكر صمصام الدولة، فأعاد صمصام الدولة العساكر مع فولاد بن ماندان فهزموا أبا العلاء بمراسلة وخديعة من فولاذ، كبسه في أثرها، فعاد إلى أرجان مهزوما. ولحق صمصام الدولة من شيراز بفولاذ. ثم ترددت الرسل في الصلح على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان والعراق، ويكون لكل منهما أقطاع في بلد صاحبه، فتم ذلك بينهما وتحالفا عليه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز. وبلغه ما وقع ببغداد من العيارين وبين الشيعة وأهل السنة وكيف نهبت الأموال وخرجت المساكين فأعاد السير إلى بغداد وصلحت الأحوال.
** (القبض على الطائع ونصب القادر للخلافة) **
قد ذكرنا أن بهاء الدولة قد شغب الجند عليه لقلة الأموال، وقبض وزيره فلم يغن عنه. وكان أبو الحسن بن المعلم غالبا على هواه، فأطمعه في مال الطائع، وزين له القبض عليه. فأرسل إليه بهاء الدولة في الحضور عنده، فجلس على العادة، ودخل
بهاء الدولة في جمع كبير وجلس على كرسيه، وأهوى بعض الديلم إلى يد الطائع ليقبلها، ثم جذبه عن سريره. وهو يستغيث ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 واستصفيت خزائن دار الخلافة فمشى بها الحال أياما ونهب الناس بعضهم بعضا. ثم أشهد على الطائع بالخلع ونصبوا للخلافة عمه القادر أبا العباس أحمد المقتدر، استدعوه من البطيحة وكان فر إليها أمام الطائع كما تقدم في أخبار الخلفاء. وهذا كله سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
** (رجوع الموصل الى بهاء الدولة) **
كان أبو الرواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل قتل أبا طاهر بن حمدان آخر ملوك بني حمدان بالموصل وغلب عليها، وأقام بها طاعة معروفة لبهاء الدولة، وذلك سنة ثمانين وثلاثمائة كما مر في أخبار بني حمدان وبني المسيب. ثم بعث بهاء الدولة أبا جعفر الحجاج بن هرمز من قواد الديلم في عسكر كبير إلى الموصل فملكها آخر إحدى وثمانين فاجتمعت عقيل مع أبي الرواد على حربه وجرت بينهم عدة وقائع، وحسن فيها بلاء أبي جعفر بالقبض عليه، فخشي اختلاف أمره هناك وراجع في أمره، وكان بإغراء ابن المعلم وسعايته. ولما شعر الوزير بذلك صالح أبا الرواد وأخذ رهنه، وأعاده الى بغداد فوجد بهاء الدولة قد نكب ابن المعلم.
** (أخبار ابن المعلم) **
هو أبو الحسن بن المعلم قد غلب على هوى بهاء الدولة وتحكم في دولته، وصدر كثير من عظائم الأمور بإشارته، فمنها نكبة أبي الحسن محمد بن عمر العلوي، وكان قد عظم شأنه مع مشرف الدولة وكثرت أملاكه. فلما ولي بهاء الدولة سعى به عنده وأطمعه في ماله، فقبض عليه واستصفى سائر أملاكه، ثم حمله على نكبة وزيره
أبي منصور بن صالحان سنة ثمان [1] واستوزر أبا النصر سابور بن أردشير قبل مسيره إلى خوزستان، ثم حمله على خلع الطائع واستصفى أمواله وحمل ذخائر الخلافة إلى داره، ثم حمله على نكبة وزيره أبي نصر سابور واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف، وبعد مرجعه من خوزستان قبض على أبي خواشاده وأبي عبد الله بن ظاهر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة لأنهما لم يوصلا لابن المعلم هداياهما، فحمل بهاء الدولة على نكبتهما. ولما استطال على الناس وكثر الضجر منه شغب الجند على بهاء الدولة وطالبوه بإسلامه إليهم، وراجعهم فلم يقبلوا، فقبض عليه وعلى سائر أصحابه ليسترضيهم بذلك فلم يرضوا إلا به، فأسلمه إليهم وقتلوه. ثم اتهم الوزير أبا القاسم بمداخلة الجند في الشغب على الوزير، فقبض عليه واستوزر مكانه أبا نصر سابور وأبا نصر بن الوزير الأولين وأقاما شريكين في الوزارة.
** (خروج أولاد بختيار وقتلهم) **
كان عضد الدولة قد حبس أولاد بختيار فأقاموا معتقلين مدة أيامه وأيام صمصام الدولة من بعده. ثم أطلقهم مشرف الدولة وأحسن إليهم وأنزلهم بشيراز وأقطعهم.
فلما مات مشرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس، فاستمالوا الموكل الذي عليهم والجند الذي معه من الديلم، فأفرجوا عنهم وذلك سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
واجتمع إليهم أهل تلك النواحي وأكثرهم رجالة، وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة فبعث أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر، فافترقت تلك الجموع وتحصن بنو بختيار ومن معهم من الديلم، وحاصرهم أبو علي، وأرسل أحد الديلم معهم فأصعدهم سرا وملكوا القلعة وقتلوا أولاد بختيار.
** (استيلاء صمصام الدولة على الأهواز ورجوعها منه) **
ثم انتقض الصلح سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة بين بهاء الدولة صاحب بغداد وأخيه
صمصام الدولة صاحب خوزستان، وذلك أن بهاء الدولة بعث أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى الأهواز، وأسر إليه أن يبعث العساكر متفرقة، فإذا اجتمعوا عنده صدم بهم بلاد فارس. فسار أبو العلاء، وتشاغل بهاء الدولة عن ذلك، وظهر الخبر فجهز صمصام الدولة عسكره إلى خوزستان، واستمد أبو العلاء بهاء الدولة فتوافت عساكره، والتقى العسكران وانهزم أبو العلاء وأخذ أسيرا، فأطلقته أم صمصام الدولة. وقلق بهاء الدولة لذلك، وافتقد الأموال فأرسل وزيره أبا نصر سابور إلى واسط، وأعطاه جواهر واعلاقا يسترهنها [1] عند مهذب الدولة صاحب البطيحة فاسترهنها، ولما هرب الوزير أبو نصر استعفى ابن الصالحان من الانفراد بالوزارة فأعفي. واستوزر بهاء الدولة أبا القاسم علي بن أحمد، ثم عجز وهرب. وعاد أبو نصر سابور إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم. ثم بعث بهاء الدولة طغان التركي إلى الأهواز في سبعمائة من المقاتلة فملكوا السوس، ورحل أصحاب صمصام الدولة عن الأهواز، وانتشرت عساكر طغان في أعمال خوزستان، وكان أكثرهم من الترك، فغص الديلم بهم الذين في عسكر طغان، فضل الدليل وأصبح على بعد منهم، ورآهم الأتراك فركبوا إليهم وأكمن ألوفا، واستأمن كثير منهم وأمنهم طغان حتى نزلوا بأمر الأتراك فقتلوهم كلهم، وانتهى الخبر إلى بهاء الدولة بواسط، وسار إلى الأهواز وسار صمصام الدولة إلى شيراز وذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وأمر صمصام الدولة بقتل الأتراك في جميع بلاد فارس سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فقتل منهم جماعة وهرب الباقون، فعاثوا في البلاد ولحقوا بكرمان، ثم ببلاد السند حتى توسطهم الأتراك [2] فأطبقوا عليهم واستلحموهم.
** (استيلاء صمصام الدولة على الأهواز ثم على البصرة) **
ثم بعث صمصام الدولة عساكره الديلم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة إلى الأهواز، وكان نائب بهاء الدولة قد توفي وعزم الأتراك على العود إلى بغداد، فبعث بهاء الدولة مكانه أبا كاليجار المرزبان بن سفهيعون [1] ، وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى رامهرمز مددا لنائبها لفتكين [2] ، وقد انهزم إليها أمام عسكر صمصام الدولة، فترك أبا محمد بن مكرم بها. ومضى إلى الأهواز وسار إلى خوزستان، فكاتبه العلاء بن الحسن يخادعه. ثم سار إلى رامهرمز وحارب ابن مكرم ولفتكين وبعث بهاء الدولة ثمانين من الأتراك يأتون من خلف الديلم، فشعروا بهم وقتلوهم أجمعين. وخام بهاء الدولة عن اللقاء، فرجع إلى الأهواز. ثم سار إلى البصرة ونزل بها، وانتهى خبره إلى ابن مكرم، فعاد إلى عسكر مكرم واتبعه العلاء والديلم فأجلوه عنها إلى قرب تستر.
وتكررت الوقائع بين الفريقين، فكان بيد الأتراك من تستر إلى رامهرمز، وبيد الديلم من رامهرمز [3] ، ورجع الأتراك واتبعهم العلاء فوجدهم قد سلكوا طريق واسط فرجع عنهم، وأقام بعسكر مكرم. ورجع بهاء الدولة إلى بغداد، وكان مع العلاء قائد من قواد الديلم اسمه شكراستان، فاستأمن إليه من الديلم الذين مع بهاء الدولة نحو من أربعمائة رجل فاستكثر بهم، وسار إلى البصرة وحاصرها، ومال إليهم أبو الحسن بن جعفر العلوي من أهل البصرة، وكانوا يحملون الميرة. وعلم بهاء الدولة فأنفذ من يقبض عليهم فهربوا إلى ذلك القائد وقوي بهم، وجمعوا له السفن فركبها إلى البصرة، وقاتل أصحاب بهاء الدولة وهزمهم وملك البصرة واستباحها. وكتب بهاء الدولة إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة بأن يرتجعها من يد الديلم ويتولاها، فأمده عبد الله بن مرزوق، وأجلى الديلم عنها، ثم رجع للقاء شكراستان. وهجم
عليها في السفن فملكها وكاتب بهاء الدولة بالطاعة والضمان فأجابه وأخذ ابنه رهينة، وكان يظهر طاعة بهاء الدولة وصمصام الدولة.
** (وفاة الصاحب بن عباد) **
وفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة توفي أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بالري، وكان أوحد زمانه علما وفضلا ورياسة ورأيا وكرما وعرفا بأنواع العلوم، عارفا بالكتابة ورسائله مشهورد مدونه. وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد حتى يقال: كانت تنقل في أربعمائة حمل. ووزر بعده لفخر الدولة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي الملقب بالكافي. ولما توفي استصفى فخر الدولة أمواله بعد أن أوصاه عند الموت، فلم ينفذ وصيته. وكان الصاحب قد أحسن إلى القاضي عبد الجبار المعتزلي وقدمه وولاه قضاء الري وأعمالها. فلما مات قال عبد الجبار لا أرى الترحم عليه لأنه مات على غير توبة ظهرت منه، فنسب إليه قلة الوفاء بهذه المقالة. ثم صادر فخر الدولة عبد الجبار فباع في المصادرة ألف طيلسان وألف ثوب من الصوف الرفيع. ثم تتبع فخر الدولة آثار ابن عباد وأبطل ما كان عنده من المسامحات، وقبض على أصحابه والبقاء لله وحده.
** (وفاة فخر الدولة صاحب الري وملك ابنه مجد الدولة) **
ثم توفي فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه صاحب الري وأصفهان وهمذان في شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة بقلعة طبرك، ونصب للملك من بعده ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم وعمره أربع سنين، نصبه الأمراء وجعلوا أخاه شمس الدولة بهمذان وقرميس إلى حدود العراق. وكان زمام الدولة بيد أم رستم مجد الدولة وإليها تدبير ملكه، وبين يديها في مباشرة الأعمال أبو ظاهر صاحب فخر الدولة، وأبو العباس الضبي الكافي
** (وفاة العلاء بن الحسن صاحب خوزستان) **
ثم توفي العلاء بن الحسن عامل خوزستان لصمصام الدولة بعسكر مكرم، فبعث صمصام الدولة أبا علي بن أستاذ هرمز بالمال ففرقه في الديلم، ودفع أصحاب بهاء الدولة عن جند نيسابور بعد وقائع كان الظفر فيها له، ثم دفعهم عن خوزستان إلى واسط واستمال بعضهم فنزعوا إليه، ورتب العمال في البلاد وجبى الأموال سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ثم سار أبو محمد بن مكرم من واسط مع الأتراك فدافعهم، وكانت بينه وبينهم وقائع. ثم سار بهاء الدولة في أثرهم من واسط، وكان لحق بهم في واسط أبو علي بن إسماعيل الذي كان نائبا ببغداد عند مسيره إلى الأهواز سنة ست وثمانين وثلاثمائة وجاء المقلد بن المسيب من الموصل للعيث في جهات بغداد، فبرز أبو علي لقتاله، فنكر ذلك بهاء الدولة مغالطة، وبعث من يصالحه ويقبض على أبي علي، فهرب أبو علي إلى البطيحة، ثم لحق بهاء الدولة وهو بواسط فوزر له وزير أمره وأشار عليه بالمسير لانجاد أبي محمد بن مكرم في قتال أبي علي بن أستاذ هرمز بخوزستان، فسار بهاء الدولة ونزل القنطرة البيضاء، وجرت بينه وبين أبي علي بن استاذ هرمز وقائع، وانقطعت الميرة عن عسكر بهاء الدولة، فاستمد بدر بن حسنويه فأمده ببعض الشيء، وكثرت سعاية الأعداء في أبي علي بن إسماعيل فكاد ينكبهم، وبينما هم على ذلك بلغهم مقتل صمصام الدولة فصلحت الأحوال واجتمعت الكلمة.
** (مقتل صمصام الدولة) **
كان أبو القاسم وأبو نصر ابنا بختيار محبوسين كما تقدم، فخدعا المتوكلين بهما في القلعة، وخرجا فاجتمع إليهما لفيف من الأكراد، وكان صمصام الدولة قد عرض جنده وأسقط منهم نحوا من ألف لم يثبت عنده نسبهم في الديلم فبادروا إلى ابني بختيار والتقوا عليهما في أرجان. وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما، فثار به الجند ونهبوا داره فاختفى، ثم انتقضوا على صمصام الدولة ونهبوه، وهرب إلى الرودمان
على مرحلتين من شيراز فقبض عليه صاحبها، وجاء أبو نصر بن بختيار فأخذه منه وقتله في ذي الحجة سنة ثمان لتسع سنين من إمارته بفارس، وأسلمت أمه إلى بعض قواد الديلم فقتلها ودفنها بداره حتى ملك بهاء الدولة فارس، فنقلها الى تربة بني بويه.
** (استيلاء بهاء الدولة على فارس وخوزستان) **
ولما قتل صمصام الدولة وملك ابنا بختيار فارس بعثا إلى أبي علي بن أستاذ هرمز يستميلانه، ويأمرانه بأخذ العهد لهما على الذين معه من الديلم، ومحاربة بهاء الدولة.
وكتب إليه بهاء الدولة يستميله ويؤمنه ويؤمن الديلم الذين معه ويرغبهم، واضطرب رأي أبي علي لخوفه من ابني بختيار لما أسلف من قتل إخوتهما وحبسهما فمال عنهما، ومال الديلم عن بهاء الدولة خوفا من الأتراك الذين معه، فما زال أبو علي بهم حتى بعثوا جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة، واستوثقوا يمينه ونزلوا إلى خدمته، وساروا إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز وأرجان. واستولى بهاء الدولة على سائر بلاد خوزستان وبعث وزيره أبا علي بن إسماعيل إلى فارس، فنزل بظاهر شيراز وبها ابنا بختيار فحاربهما، ومال بعض أصحابهما إليه. ثم انفضوا عنهما إلى أبي علي وأطاعوه، واستولى على شيراز ولحق أبو نظر ابن بختيار ببلاد الديلم وأخوه أبو القاسم ببدر بن حسنويه ثم بالبطيحة. وكتب الوزير أبو علي إلى بهاء الدولة بالفتح، فسار إلى شيراز وأمر بنهب قرية الرودمان فملكها، وأقام بهاء الدولة بالأهواز، واستخلف ببغداد أبا علي بن جعفر المعروف بأستاذ هرمز ولقبه عميد العراق. وبقي ملوك الديلم بعد ذلك يقيمون بفارس الأهواز ويستخلفون على العراق مدة طويلة.
** (مقتل ابن بختيار بكرمان واستيلاء بهاء الدولة عليها) **
لما استقر أبو نصر بن بختيار ببلاد الديلم كاتب جند الديلم بفارس وكرمان واستمالهم، فاستدعوه إلى فارس، فاجتمع إليه كثير من الربض والديلم والأكراد. ثم سار إلى
كرمان وبها أبو جعفر بن السيرجان، ومضى ابن بختيار إلى جيرفت فملكها وملك أكثر كرمان، فبعث بهاء الدولة وزيره الموفق أبا علي بن إسماعيل في العساكر، ولما وصل جيرفت استأمن إليه أهلها وملكها، وهرب ابن بختيار فاختار الوزير من أصحابه ثلاثمائة رجل وسار في أتباعه، وترك باقي العسكر بجيرفت. ولما أدركه أوقع به وغدر بابن بختيار بعض أصحابه فقتله، وجاء برأسه الى الموفق، واستلحم الباقين، وذلك سنة تسعين وثلاثمائة. واستولى الموفق على كرمان، وولى عليها أبا موسى سياه جشم، وعاد إلى بهاء الدولة فقبض عليه واستصفاه، وكتب إلى وزيره سابور بالقبض على أنسابه وأصحابه، فدس إليهم سابور بذلك وهربوا. ثم قتل بهاء الدولة الموفق سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ثم استعمل بهاء الدولة على خوزستان وأعمالها أبا علي الحسن بن أستاذ هرمز، ولقبه عميد الجيوش، وعزل عنها أبا جعفر الحجاج بن هرمز لسوء سيرته، وفساد أحوالها بولايته، وكثرة مصادراته، فصلحت حالها بولاية أبي علي، وحصل إلى بهاء الدولة منها الأموال مع كثرة العدل.
** (مسير ظاهر بن خلف الى كرمان واستيلاؤه عليها ثم ارتجاعها) **
قد تقدم لنا أن ظاهر بن خلف خرج عن طاعة أبيه خلف بن أحمد السجستاني، وحاربه فظفر به أبوه، فسار إلى كرمان يروم التوثب عليها، وتكاسل عاملها عن أمره، فكثر جمعه واجتمع إليه بحيالها كثير من المخالفين، فنزل بهم إلى جيرفت فملكها وملك غيرها سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وكان بكرمان أبو موسى سياه جشم، فسار إليه بمن معه من الديلم فهزمه ظاهر وأخذ ما بقي بيده، فبعث بهاء الدولة أبا جعفر استاذ هرمز في العساكر إلى كرمان فهزم ظاهرا إلى سجستان وملك كرمان وعادت الديلم.
** (حروب عساكر بهاء الدولة مع بني عقيل) **
كان قرواش بن المقلد قد بعث جمعا من بني عقيل سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة
فحاصروا المدائن، وبعث أبو جعفر الحجاج بن هرمز وهو ببغداد نائب لبهاء الدولة عساكره فدفعوهم عنها، فاجتمع بنو عقيل وأبو الحسن بن مزيد من بني أسد، وبرز إليهم الحجاج، واستدعى خفاجة من الشام وقاتلهم فانهزم واستبيح عسكره، وانهزم ثانيا، وبرز إليهم فالتقوا بنواحي الكوفة فهزمهم وأثخن فيهم ونهب من حلل بني يزيد ما لا يعبر عنه من العين والمصاغ والثياب.
** (الفتنة بين أبي علي وأبي جعفر) **
لما غاب أبو جعفر الحجاج عن بغداد قام بها العيارون واشتد فسادهم وكثر القتل والنهب، فبعث بهاء الدولة أبا علي بن جعفر المعروف بأستاذ هرمز لحفظ العراق، فانهزم أبو جعفر بنواحي الكوفة مغضبا. ثم جمعوا الجموع من الديلم والأتراك والعرب، فانهزم أبو جعفر وأمن أبو علي جانبه، فسار إلى خوزستان وبلغ السوس.
فأتاه الخبر بأن أبا جعفر عاد إلى الكوفة فكر راجعا، وعاد الحرب بينهم، وبينما هم على ذلك أرسل بهاء الدولة إلى أبي علي يستدعيه سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة لحرب ابن واصل بالبصرة فسار إليه، وكانت الحرب بينه وبين ابن واصل كما يأتي في اخبار ملوك البطيحة، ورجع إلى بغداد ونزل أبو جعفر على فلح حامي طريق خراسان وأقام هنالك، وكان فلح مباينا لعميد الجيوش أبي علي. وتوفي سلخ سنة سبع وتسعين وثلاثمائة فولى أبو علي مكانه أبا الفضل بن عنان، وكان بهاء الدولة في محاربة ابن واصل بالبصرة، فأتاهم الخبر بظهور بهاء الدولة عليه، فأوهن ذلك منهم وافترقوا ولحق ابن مزيد ببلده، وسار أبو جعفر وابن عيسى إلى حلوان. وأرسل أبو جعفر في إصلاح حاله عند بهاء الدولة فأجابه إلى ذلك، وحضر عنده بتستر، فأعرض عنه خوفا أن يستوحش أبو علي. وحقد بهاء الدولة لبدر بن حسنويه فسار إليه، وبعث إليه بدرا في المصالحة فقبله وانصرف، وتوفي أبو جعفر الحجاج بن هرمز بالأهواز سنة إحدى وأربعمائة
** (الفتنة بين مجد الدولة صاحب الري وبين أمه واستيلاء ابن خالها علاء الدين بن كاكويه على أصفهان) **
قد تقدم لنا ولاية مجد الدولة أبي طالب رستم بن فخر الدولة على همذان وقرميس إلى حدود العراق، وتدبير الدولتين لأمه وهي متحكمة عليهما، فلما وزر لمجد الدولة الخطير أبو علي بن علي بن القاسم استمال الأمراء عنها وخوف مجد الدولة عنها، فاسترابت وخرجت من الري إلى القلعة، فوضع عليها من يحفظها فأعملت الحيلة حتى لحقت ببدر بن حسنويه مستنجدة به. وجاءها ابنها شمس الدولة في عساكر همذان وسار معهما بدر، وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة فحاصروا أصفهان وملكوها عنوة. وعاد إليها الأمر فاعتقلت مجد الدولة ونصبت شمس الدولة للملك، ورجع بدر إلى بلده ثم بعد سنة استرابت بشمس الدولة، فأعادت مجد الدولة إلى ملكه.
وسار شمس الدولة إلى همذان، وانتقض بدر بن حسنويه لذلك، وكان في شغل بفتنة ولده هلال. واستمد شمس الدولة فأمده بعسكر وحاصر قم فاستصعبت عليه، وكان علاء الدين أبو حفص بن كاكويه ابن خال هذه المرأة، وكاكويه هو الخال بالفارسية، فلذلك قيل له ابن كاكوي، وكانت قد استعملته على أصفهان، فلما فارق أمرها فسد حاله، فسار هو إلى بهاء الدولة بالعراق، وأقام عنده. فلما عادت إلى حالها هرب أبو حفص إليها من العراق، فأعادته إلى أصفهان، ورسخ فيها ملكه وملك بنيه كما يأتي في أخبارهم.
** (وفاة عميد العراق وولاية فخر الملك) **
كان أبو جعفر أستاذ هرمز من حجاب عضد الدولة وخواصه، وصير ابنه أبا علي في خدمة ابنه صمصام الدولة، فلما قتل صمصام الدولة رجع إلى بهاء الدولة، وبلغه ما وقع ببغداد في مغيبه من الهرج وظهور العيارين، فبعث بهاء الدولة مكانه على العراق فخر الملك أبا غالب، وأصعد إلى بغداد فلقيه الكتاب والقواد والأعيان في ابن خلدون م 40 ج 4
ذي الحجة من السنة، وبعث العساكر من بغداد لقتال أبي الشوك حتى استقام.
وكانت الفتنة قد وقعت بين بدر بن حسنويه وابنه هلال، واستنجد بدر ببهاء الدولة فأنجده [1] من يده وأخذ ما فيها من الأموال، وفتح دير العاقول، وجاء سلطان وعلوان ورجب بنو ثمال الخفاجي في أعيان قومهم، وضمنوا حماية سقي الفرات من بني عقيل، وساروا معه إلى بغداد فبعثهم مع ذي السعادتين الحسن بن منصور للأنبار فعاثوا في نواحيها، وحبس ذو السعادتين نفرا منهم. ثم أطلقهم فهموا بقبضه، وشعر بهم فحاول عليهم حتى قبض على سلطان منهم وحبسهم ببغداد. ثم شفع فيهم أبو الحسن بن مزيد فأطلقهم، فاعترضوا الحاج سنة اثنتين وأربعمائة ونهبوهم فبعث فخر الملك إلى أبي الحسن بن مزيد بالانتقام منهم، فلحقهم بالبصرة فأوقع بهم وأثخن فيهم، واسترد من أموال الحاج ما وجد وبعث به وبالأسرى إلى فخر الملك. ثم اعترضوا الحاج مرة أخرى ونهبوا سواد الكوفة فأوقع بهم أبو الحسن بن مزيد مثل ذلك، وبعث بأسراهم إلى بغداد.
** (وفاة بهاء الدولة وولاية ابنه سلطان الدولة) **
ثم توفي بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة بن بويه هلك بالعراق منتصف ثلاث وأربعمائة بأرجان، وحمل إلى تربة أبيه بمشهد علي فدفن بها لأربع وعشرين سنة من ملكه، وملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع، وسار من أرجان إلى شيراز، وولى أخاه جلال الدولة أبا ظاهر على البصرة وأخاه أبا الفوارس على كرمان.
** (استيلاء شمس الدولة على الري من يد أخيه مجد الدولة ورجوعه عنها) **
قد تقدم لنا أن شمس الدولة بن فخر الدولة كان ملك همذان وأخوه مجد الدولة ملك الري بنظر أمه، وكان بدر بن حسنويه أمير الأكراد وبينه وبين ولده هلال فتنة وحروب نذكرها في أخبارهم. واستولى شمس الدولة على كثير من بلادهم وأخذ ما فيها من الأموال كما يذكر في أخبارهم. ثم سار إلى الري يروم ملكها ففارقها أخوه مجد الدولة ومعه أمه إلى دنباوند واستولى شمس الدولة على الري وسار في طلب أخيه وأمه فشغب الجند عليه وطالبوه بأرزاقهم، فعاد إلى همذان وعاد أخوه مجد الدولة وأمه إلى الري.
** (مقتل فخر الملك ووزارة ابن سهلان) **
ثم قبض سلطان الدولة على نائبة بالعراق ووزيره فخر الملك أبي غالب وقتله في سلخ ربيع الأول سنة ست وأربعمائة لخمس سنين ونصف من ولايته، واستصفى أمواله، وكانت ألف ألف دينار سوى العروض وما نهب. وولى مكانه بالعراق أبا محمد الحسن بن سهلان ولقبه عميد الجيوش، واستوزر مكانه الرجحي بعد أن كان ابن سهلان هرب إلى قرواش فأقامه عنده بهيت، وولى سلطان الدولة مكانه في الوزارة أبا
القاسم جعفر بن فسانجس. ثم رجع ابن سهلان الى سلطان الدولة. فلما قتل فخر الملك ولاه مكانه، فسار إلى العراق في محرم سنة تسع وأربعمائة، ومر في طريقه ببني أسد فرأى أن يثأر منهم من مضر بن دبيس بما كان قبض عليه قديما بأمر فخر الملك، فأسرى إليه وإلى أخيه مهارش، وفي جملته أخوهم طراد، واتبعهما حتى أدركهما، وقاتله رجال الحي فقتل جماعة من الديلم والأتراك. ثم انهزموا ونهب ابن سهلان أموالهم وسبى حريمهم، وبذل الأمان لمضر ومهارش وأشرك بينهما وبين طراد في الجزيرة. ونكر عليه سلطان الدولة ذلك، ورحل هو إلى واسط والفتن بها فقتل جماعة منهم وأصلحها، وبلغه ما ببغداد من الفتنة فسار إليها ودخلها في ربيع من السنة، وهرب منه العيارون ونفى جماعة من العباسيين وأبا عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم بأطراف البلد فكثر فسادهم وفساد الأتراك، وساروا إلى سلطان الدولة بواسط شاكين من ابن سهلان فوعدهم وأمسكهم، وبعث عن ابن سهلان فارتاب وهرب إلى بني خفاجة، ثم إلى الموصل، ثم استقر بالبطيحة. وبعث سلطان الدولة العساكر في طلبه فأجاره واليها الشرابي وهزم العساكر وكان ابن سهلان سار إلى جلال الدولة بالبصرة ثم أصلح الرجحي حاله مع سلطان الدولة ورجع إليه.
وضعف أمر الديلم في هذه السنة ببغداد وواسط، وثارت لهم العامة فلم يطيقوا مدافعتهم.
ثم قبض سلطان الدولة على وزيره فسانجس وأخويه، واستوزر أبا غالب ذا السعادتين الحسن بن منصور، وقبض جلال الدولة صاحب البصرة على وزيره أبي سعد عبد الواحد علي بن ماكولا.
** (انتقاض أبي الفوارس على أخيه سلطان الدولة) **
كان سلطان الدولة قد ولى أخاه أبا الفوارس على كرمان فاجتمع إليه بعض الديلم، وداخلوه في الانتقاض فانتقض، وسار إلى شيراز فملكها سنة سبع وأربعمائة. وسار سلطان الدولة فهزمهم إلى كرمان، وسار في اتباعه فلحق بمحمود بن سبكتكين ببست ووعده بالنصرة، وبعث معه أبا سعيد الطائي في العساكر إلى كرمان، وقد
انصرف عنها سلطان الدولة إلى بغداد فملكها أبو الفوارس وسار إلى بلاد فارس فملكها، ودخل إلى شيراز فسار سلطان الدولة إليه فهزمه فعاد إلى كرمان سنة ثمان وأربعمائة. وبعث سلطان الدولة في أثره فملكوا عليه كرمان، ولحق بشمس الدولة صاحب همذان لأنه كان أساء معاملة أبي سعيد الطائي، فلم يرجع إلى محمود بن سبكتكين. ثم فارق شمس الدولة إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة فبالغ في تكرمته وأنزله بداره. وأنفذ إليه أخوه جلال الدولة مالا، وعرض عليه المسير إليه فأبى. ثم ترددت الرسل بينه وبين أخيه سلطان الدولة، فعاد إلى كرمان وبعث إليه التقليد والخلع.
** (وثوب مشرف الدولة على أخيه سلطان الدولة ببغداد واستبداده آخرا بالملك) **
ثم شغب الجند على سلطان الدولة ببغداد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ونادوا بولاية مشرف الدولة أخيه فهم بالقبض عليه فلم يتمكن من ذلك، ثم أراد الانحدار إلى واسط لبعض شئون الدولة فطلب الجند أن يستخلف فيهم أخاه مشرف الدولة فاستخلفه، ورجع من واسط إلى بغداد. ثم اعتزم على قصد الأهواز فاستخلف أخاه مشرف الدولة ثانيا على العراق بعد أن كانا تحالفا أن لا يستخلف أحد منهما ابن سهلان. فلما بلغ سلطان الدولة تستر استوزر ابن سهلان فاستوحش من مشرف الدولة.
ثم بعث سلطان الدولة إلى الأهواز فنهبوها، فدافعهم الأتراك الذين بها، وأعلنوا بدعوة مشرف الدولة، فانصرف سلطان الدولة عنهم. ثم طلب الديم من مشرف الدولة المسير إلى بيوتهم بخوزستان فأذن لهم وبعث معهم وزيره أبا غالب، ولحق الأتراك الذين كانوا معه بطراد بن دبيس الأسدي بجزيرة بني دبيس وذلك لسنة ونصف من ولايته الوزارة، وصودر ابنه أبو العباس على ثلاثة ألف دينار وسر سلطان الدولة بقتل أبي غالب، وبعث أبا كاليجار إلى الأهواز فملكها. ثم تراسل سلطان الدولة ومشرف الدولة في الصلح، وسعى فيه بينهما أبو محمد بن مكرم صاحب سلطان الدولة ومؤيد الملك الرجحي وزير مشرف الدولة، على أن يكون العراق
لمشرف الدولة وفارس وكرمان لسلطان الدولة، وتم ذلك بينهما سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
** (استيلاء ابن كاكويه على همذان) **
كان شمس الدولة بن بويه صاحب همذان قد توفي وولي مكانه ابنه سماء الدولة، وكان فرهاد بن مرداويج مقطع يزدجرد، فسار إليها سماء الدولة وحاصره، فاستنجد بعلاء الدولة بن كاكويه، فأنجده بالعساكر، ودفع سماء الدولة عن فرهاد. ثم سار علاء الدولة وفرهاد إلى همذان وحاصراها، وخرجت عساكر همذان مع عساكر تاج الملك الفوهي قائد سماء الدولة فدفعهم، ولحق علاء الدولة بجرباذقان فهلك الكثير من عسكره بالبرد. وسار تاج الملك الفوهي إلى جرباذقان فحاصر بها علاء الدولة حتى استمال بها قوما من الأتراك الذين مع تاج الملك. وخلص من الحصار وعاود المسير إلى همذان، فهزم عساكرها وهرب القائد تاج الملك، واستولى علاء الدولة على سماء الدولة فأبقى عليه رسم الملك، وحمل إليه المال، وسار فحاصر تاج الملك في حصنه حتى استأمن اليه فأمنه وسار به وبسماء الدولة إلى همذان فملكها، وملك سائر أعمالها، وقبض على جماعة من أمراء الديلم فحبسهم وقتل آخرين وضبط الملك، وقصد أبا الشوك الكردي فشفع فيه مشرف الدولة فشفعه وعاد عنه، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة.
** (وزارة أبي القاسم المغربي لمشرف الدولة ثم عزله) **
كان عنبر الخادم مستوليا على دولة مشرف الدولة بما كان حظي أبيه وجده، وكان يلقب بالأثير، وكان حاكما في دولة بني بويه مسموع الكلمة عند الجند. وعقد الوزير مؤيد الملك الرجحي على بعض اليهود من جواشيه مائة ألف دينار، فسعى الأثير الخادم وعزله في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة واستوزر لناصر الدولة بن حمدان، ونزع عنه إلى خلفاء العبيديين، وولاه الحاكم بمصر. وولد له بها ابنه
أبو القاسم الحسين، ثم قتله الحاكم فهرب ابنه أبو القاسم إلى مفرج بن الجراح أمير طيئ بالشام، وداخله في الانتقاض على العبيديين بأبي الفتوح أمير مكة فاستقدمه وبايع له بالرملة. ثم صونع مع مصر بالمال فانحل ذلك الأمر ورجع أبو الفتوح إلى مكة، وقصد أبو القاسم العراق واتصل بالعميد فخر الملك أبي غالب، فأمره القادر بإبعاده، فقصد الموصل واستوزره صاحبها، ثم نكبه وعاد الى العراق، وتقلب به الحال إلى أن وزر بعد مؤيد الملك الرجحي، فساء تصرفه في الجند وشغب الأتراك عليه وعلى الأثير عنبر بسببه، فخرجا إلى السندية، وخرج معهما مشرف الدولة فأنزلهم قرواش. ثم ساروا إلى أوانا، وندم الأتراك فبعثوا المرتضى وأبا الحسن الزينبي يسألون الإقالة، وكتب إليهم أبو القاسم المغربي بأن أرزاقكم عند الوزير مكرا به.
وشعر بذلك فهرب إلى قرواش لعشرة أشهر من وزارته، وجاء الأتراك إلى مشرف الدولة والأثير عنبر فردهما إلى بغداد.
** (وفاة سلطان الدولة بفارس وملك ابنه أبي كليجار وقتل ابن مكرم) **
ثم توفي سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة صاحب فارس بشيراز، وكان محمد بن مكرم صاحب دولته، وكان هواه مع ابنه أبي كليجار، وهو يومئذ أمير على الأهواز، فاستقدمه للملك بعد أبيه وكان هوى الأتراك مع عمه أبي الفوارس صاحب كرمان فاستقدموه. وخشي محمد بن مكرم جانبه وفر عنه أبو المكارم إلى البصرة، وسار العادل أبو منصور بن مافنة إلى كرمان لاستقدام أبي الفوارس وكان صديقا لابن مكرم [1] فحسن أمره عند أبي الفوارس، وأحال الأجناد بحق البيعة على ابن مكرم فضجر وماطلهم، فقبض عليه أبو الفوارس وقتله. ولحق ابنه القاسم بأبي كليجار بالأهواز فتجهز إلى فارس، وقام بتربيته بابن مزاحم [2] صندل
الخادم.
وسار في العساكر إلى فارس ولقيهم أبو منصور الحسن بن علي النسوي وزير أبي الفوارس فهزموه وغنموا معسكره وهرب أبو الفوارس إلى كرمان وملك أبو كليجار شيراز واستولى على بلاد فارس. وتنكر للديلم الذين بها، فبعثوا الى من كان منهم بمدينة نسا فتمسكوا بطاعة أبي الفوارس. ثم شغب عسكر أبي كليجار عليه، وطالبوه بالمال فظاهرهم الديلم، فسار إلى النوبندجان ثم الى شعب بوان، وكاتب الديلم بشيراز أبا الفوارس يستحثونه. ثم أصلحوا بينهما على أن تكون لأبي الفوارس كرمان، ويعود أبو كيجار لفارس لما فارقه بها من نعمته. وكان الديلم يطيعونه فساروا في العساكر وهزموا أبا الفوارس، فلحق بدارابجرد واستولى أبو كليجار على فارس.
ثم زحف إليه أبو الفوارس في عشرة آلاف من الأكراد فاقتتلوا بين البيضاء، وإصطخر فانهزم أبو الفوارس ولحق بكرمان، واستولى أبو كليجار على فارس واستقر ملكه بها سنة سبع عشرة وأربعمائة.
** (وفاة مشرف الدولة وملك أخيه جلال الدولة) **
ثم توفي مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة بن بويه سلطان بغداد في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، لخمس سنين من ملكه. ولما توفي خطب ببغداد لأخيه جلال الدولة وهو بالبصرة، واستقدم فلم يقدم، وانتهى إلى واسط فأقام بها يخطب لأبي كليجار ابن أخيه سلطان الدولة، وهو يومئذ بخوزستان مشغول بحرب عمه أبي الفوارس كما قدمناه. فحينئذ أسرع جلال الدولة من واسط إلى بغداد، فسار الجند ولقوة بالنهروان وردوه كرها بعد أن نهبوا بعض خزائنه، وقبض على وزيره أبي سعيد بن ماكولا واستوزر ابن عمه أبا علي، واستحث الجند أبا كليجار فعللهم بالوعد وشغل بالحرب، وكثر الهرج ببغداد من العيارين، وانطلقت أيديهم وأحرقوا الكرخ، ونهاهم الأمير عنبر عن ذلك فلم ينتهوا، فخافهم على نفسه، فلحق بقرواش في الموصل وعظمت الفتن ببغداد
** (استيلاء جلال الدولة على ملك بغداد) **
ولما عظم الهرج ببغداد ورأى الأتراك أن البلاد تخرب وأن العرب والأكراد والعامة قد طمعوا فيهم، ساروا جميعا إلى دار الخلافة مستعتبين ومعتذرين عما صدر منهم من الانفراد باستقدام جلال الدولة، ثم رده واستقدام أبي كليجار مع أن ذلك ليس لنا وإنما هو للخليفة، ويرغبون في استدعاء جلال الدولة لتجتمع الكلمة ويسكن الهرج، ويسألون أن يستخلف فأجابهم الخليفة القادر، وبعث إلى جلال الدولة، فسار من البصرة، فبعث الخليفة القاضي أبا جعفر السمناني لتلقيه، ويستخلفه لنفسه، فسار ودخل بغداد سنة ثمان عشرة وأربعمائة وركب الخليفة لتلقيه، ثم سار إلى مشهد الكاظم ورجع، ودخل دار الملك وأمر بضرب النوب الخمس، فراسله القادر في قطعها فقطعها غصبا، ثم أذن له في إعادتها، وبعث جلال الدولة مؤيد الملك أبا علي الرجحي [1] إلى الأثير عنبر الخادم عند قرواش بالتأنيس والمحبة والعذر عن فعل الجند.
** (أخبار ابن كاكويه صاحب أصفهان مع الأكراد ومع الأصبهبذ) **
كان علاء الدولة بن كاكويه قد استعمل أبا جعفر عليا ابن عمه على نيسابور خوست ونواحيها، وضم إليه الأكراد الجودرقان [2] ومقدمهم أبو الفرج البابوني. فجرت بين أبي جعفر وأبي الفرج البابوني مشاجرة، وترافعا إليه فأصلح بينهما علاء الدولة وأعادهما. ثم قتل أبو جعفر أبا الفرج فانتقض الجودرقان وعظم فسادهم، فبعث علاء الدولة عسكرا وأقاموا أربعة أيام ثم فقدوا الميرة، وجاء علاء الدولة وأعطاهم المال فافترقوا واتبعهم. وجاء إليه بعض الجودرقان وانتهى في اتباعهم إلى وفد وقاتلوه عندها فهزمهم وقتل ابني ولكين في المعركة، ونجا هو في الفل إلى جرجان، وأسر
الأصبهبذ وابنان له ووزيره، وهلك في الأسر منتصف سنة تسع عشرة وأربعمائة وتحصن علي بن عمران بقلعة كنكور فحاصره بهاء الدولة، وصار [1] ولكين إلى صهره منوجهر قابوس وأطمعه في الدخس [2] . وكان ابنه صهر علاء الدولة على ابنته وأقطعه مدينة قم فعصى عليه وبعث إلى أبيه ولكين. فسار بعساكره وعساكر منوجهر ونازلوا مجد الدولة بن بويه بالري وجرت بينهم وقائع فصالح علاء الدولة علي بن عمران ليسير إليهم فارتحلوا عن الري. وجاء علاء الدولة إليها وأرسل إلى منوجهر يوبخه ويتهدده فسار منوجهر وتحصن بكنكور وقتل الذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه وقبل الشرط [3] ، وخرج إلى علاء الدولة فأقطعه الدينور عوضا عن كنكور، وأرسل منوجهر إلى علاء الدولة في الصلح فصالحه.
** (دخول خفاجة في طاعة أبي كليجار) **
كان هؤلاء خفاجة وهم من بني عمرو بن عقيل موطنين بضواحي العراق ما بين بغداد والكوفة وواسط والبصرة. وأميرهم بهذه العصور منيع بن حسان، وكانت بينه وبين صاحب الموصل منافسات جرتها المناهضة والجوار، فترددت الرسل بين السلم والحرب. وسار منيع بن حسان سنة سبع عشرة وأربعمائة إلى الجامعين من أعمال دبيس فهبها، وسار دبيس في طلبه ففارق الكوفة وقصد الأنبار من أعمال قرواش فحاصرها أيام، ثم افتتحها وأحرقها، وجاء قرواش لمدافعته ومعه غريب بن معن فلم يجدوه فمضوا إلى القصر فخالفهم منيع إلى الأنبار فعاث فيها ثانية. فسار قرواش إلى الجامعين واستنجد دبيس بن صدقة فسار معه في بني أسد، ثم خاموا عن لقاء منيع فافترقوا ورجع قرواش إلى الأنبار فأصلحها، ورم أسوارها. وكان دبيس وقرواش في
طاعة جلال الدولة، فسار منيع بن حسان إلى أبي كليجار بالأهواز فأطاعه وخلع عليه ورجع إلى بلده يخطب له بها.
** (شغب الأتراك على جلال الدولة) **
ولما استقل جلال الدولة بملك بغداد وكثر جنده من الأتراك واتسعت أرزاقهم من الديوان، وكان الوزير أبو علي بن ماكولا فطالبوه بأرزاقهم فعجز عنها، وأخرج جلال الدولة صياغات وباعها وفرقها في الجند. ثم ثاروا عليه وطالبوه بأرزاقهم وحصروه في داره حتى فقد القوت والماء. وسأل الإنزال إلى البصرة وخرج بأهله ليركب السفن إلى البصرة وقد ضرب سرادقا على طريقهم ما بين داره والسفن، فقصد الأتراك السرادق فامتعض جلال الدولة لحريمه، ثم نادى في الناس وخرج الجند ونادوا بشعاره ثم شغبوا عليه بعد أيام قلائل في طلب أرزاقهم، واضطر جلال الدولة إلى بيع ملبوسه وفرشه وخيامه، وفرق أثمانها فيهم. وعزل جلال الدولة وزيره أبا علي واستوزر أبا طاهر، ثم عزله بعد أربعين يوما وولى سعيد بن عبد الرحيم وذلك سنة تسع عشرة وأربعمائة.
** (استيلاء أبي كليجار على البصرة ثم على كرمان) **
ولما أصعد جلال الدولة إلى بغداد استخلف على البصرة ابنه الملك العزيز أبا منصور، وكان بين الأتراك وبين الديلم من الفتنة ما ذكرناه، فتجددت بينهم الفتنة فغلب الأتراك، وأخرجوا الديلم إلى الأبلة مع بختيار بن علي، فسار إليهم الملك العزيز ليرجعهم فحاربوه ونادروا بشعار أبي كليجار بن سلطان الدولة وهو بالأهواز فعاد منهزما. ونهب الديلم الأبلة ونهب الأتراك البصرة.
وبلغ الخبر إلى أبي كليجار فبعث من الأهواز عسكرا إلى بختيار والبصرة والديلم، فقاتلوا الملك العزيز وأخرجوه، فلحق بواسط وملكوا البصرة ونهبوا أسواقها سنة تسع عشرة وأربعمائة وهم جلال الدولة بالمسير إليهم وطلب المال للجند وشغل بمصادرة
أرباب الأموال، وبلغ خبر استيلاء أبي كليجار على البصرة إلى كرمان وكان بها عمه قوام الدولة أبو الفوارس، وقد تجهز لقصد بلاد فارس فأدركه أجله فمات، فنادى أصحابه بشعار أبي كليجار واستدعوه، فسار ملك بلاد كرمان، وكان أبو الفوارس سيئ السيرة في رعيته وأصحابه.
** (قيام بني دبيس بدعوة أبي كليجار) **
كانت جزيرة بني دبيس بنواحي خوزستان لطراد بن دبيس، وغلب عليه فيها منصور وخطب فيها لأبي كاليجار، ومات طراد فسار إلى منصور ابنه علي، واستنجد جلال الدولة عليه فأمده بعسكر من الأتراك وسار عجلا. واتفق أن أبا صالح كوكين هرب من جلال الدولة إلى أبي كليجار فأراد أن يفتتح طاعته باعتراض أصحاب جلال الدولة فسار إلى منصور بالجزيرة. وخرجوا لقتال علي بن طراد ولقوة بمبرود فهزموه وقتلوه، واستقر منصور بالجزيرة على طاعة أبي كليجار.
** (استيلاء أبي كليجار على واسط ثم انهزامه وعودها لجلال الدولة) **
ثم ان نور الدولة دبيس [1] على صاحب حلب والنيل، خطب لأبي كليجار في أعماله لما بلغه أن ابن عمه المقلد بن الحسن ومنيع بن حسان أمير خفاجة سارا مع عساكر بغداد إليه، فخطب هو لأبي كليجار واستدعاه فسار من الأهواز إلى واسط، وقد كان لحق بها الملك العزيز بن جلال الدولة ومعه جماعة من الأتراك.
فلما وصل أبو كليجار فارقها الملك العزيز إلى النعمانية، واستولى أبو كليجار على واسط. ووفد عليه دبيس وبعث إلى قرواش صاحب الموصل والأثير عنبر عنده،
وأمرهما أن ينحدرا إلى العراق فانحدرا، ومات الأثير عنبر بالكحيل. ورجع قرواش وجمع جلال الدولة العساكر واستنجد أبا الشوك وغيره وسار إلى واسط، وضاقت عليه الأمور لقلة المال.
وأشار عليه أصحابه بمخالفة أبي كليجار إلى الأهواز لأخذ أمواله، وأشار أصحاب أبي كليجار بمخالفة جلال الدولة إلى العراق. وبينما هم في ذلك جاءهم الخبر من أبي الشوك بمسير عساكر محمود بن سبكتكين إلى العراق. ويشير بإجماع الكلمة.
وبعث أبو كليجار بكتابه إلى جلال الدولة فلم يعرج عليه، وسار إلى الأهواز ونهبها وأخذ من دار الإمارة خاصة مائتي ألف دينار سوى أموال الناس، وأخذت والدة أبي كليجار وبناته وعياله وحملن إلى بغداد. وسار جلال الدولة لاعتراضه وتخلف عنه دبيس بن مزيد خشية على أحيائه من خفاجة، والتقى أبو كليجار وجلال الدولة في ربيع سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فاقتتلوا ثلاثا، ثم انهزم أبو كليجار وقتل من أصحابه نحو من ألفين ورجع إلى الأهواز. وأتاه العادل بن مافنة بمال أنفقه في جنده، ورجع جلال الدولة إلى واسط واستولى عليها وأنزل ابنه العزيز بها ورجع.
** (استيلاء محمود بن سبكتكين صاحب خراسان على بلاد الري والجيل وأصفهان) **
كان مجد الدولة بن فخر الدولة متشاغلا بالنساء والعلم، وتدبير ملكه لأمه. وتوفيت سنة تسع عشرة وأربعمائة فاختلفت أحواله، وطمع فيه جنده، فكتب إلى محمود بن سبكتكين يشكو إليه، فبعث إليه عسكرا مع حاجبه، وأمره بالقبض عليه، فركب مجد الدولة لتلقيه فقبض عليه وعلى ابنه أبي دلف وطير بالخبر إلى محمود فجاء إلى الري ودخلها في ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة، وأخذ منها مال مجد الدولة ألف ألف دينار، ومن الجواهر قيمة خمسمائة ألف دينار، وستة آلاف ثوب، ومن الحرير والآلات ما لا يحصى. وبعث بمجد الدولة إلى خراسان فاعتقل بها. ثم ملك قزوين وقلاعها ومدينة ساوة وآوة ويافت، وقبض على صاحبها ولكين وبعث به إلى خراسان، وقتل من الباطنية خلقا ونفي المعتزلة الى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة
والاعتزال والنجامة، وملك حدود أرمينية وخطب له علاء الدولة بن كاكويه بأصفهان، واستخلف على الري ابنه مسعودا فافتتح زنجان وأبهر، ثم ملك أصفهان من يد علاء الدولة، واستخلف عليها بعض أصحابه فثار به أهل أصفهان وقتلوه، فسار إليها وفتك فيهم، يقال قتل منهم خمسة آلاف قتيل وعاد إلى الري فأقام بها.
** (اخبار الغز بالري وأصفهان وأعمالها وعودهما إلى علاء الدولة) **
قد تقدم لنا في غير موضع بداية هؤلاء الغز، وأنهم كانوا بمفازة بخارى وكانوا فريقين: أصحاب أرسلان بن سلجوق وأصحاب بني أخيه ميكائيل بن سلجوق، وأن يمين الدولة محمود بن سبكتكين لما ملك بخارى وما وراء النهر قبض على أرسلان ابن سلجوق، وسجنه بالهند ونهب أحياءه. ثم نهض إلى خراسان ولحق بعضهم بأصفهان، وبعث محمود في طلبهم الى علاء الدولة بن كاكويه فحاول على أخذهم، وشعروا ففروا الى نواحي خراسان، وكثر عيثهم فأوقع بهم تاش الفوارس قائد مسعود ابن سبكتكين فساروا الى الري قاصدين أذربيجان، وكانوا يسمون العراقية، وكان أمراء هذه الطائفة كوكتاش ويرفأ وقزل ويعمر وناصفلي [1] ، فلما انتهوا إلى الدامغان خرج إليهم عسكرها فلم يطيقوا دفاعهم فتحصنوا بالجبل.
ودخل الغز البلد ونهبوه، ثم فعلوا في سمنان مثل ذلك، ثم في جوار الري وفي إسحاقاباذ وما جاورها من القرى، ثم ساروا إلى مسكويه من أعمال الري فنهبوها. وكان تاش الفوارس قائد بني سبكتكين بخراسان ومعه أبو سهل الحمدوني من قوادهم فاستنجدوا مسعود بن سبكتكين وصاحب جرجان وطبرستان فأنجداهم وقاتلا الغز فانهزما وقتل تاش الفوارس. وسار إلى الري أبو سهل الحمدوني فهزموه وتحصن بقلعة طبرك، ودخل الغز الري ونهبوه. ثم قاتلوه ثانيا فأسر منهم ابن أخت لعمر من قوادهم فبذلوا فيه ثلاثين ألف دينار واعادة ما أخذوا من عسكر تاش من المال والأسرى فأبى أبو سهل من إطلاقه، وخرج الغز من الرق ووصل عسكر جرجان وقاتلوا الغز عند ما
قاربوا الري وأسروا قائدهم وألفين معه، وساروا إلى أذربيجان وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
ولما سار الغز إلى أذربيجان سار علاء الدولة إلى الري فدخلها بدعوة مسعود بن سبكتكين، وأرسل الى أبي سهل الحمدوني أن يضمنه على البلد مالا فأبى [1] فأرسل علاء الدولة يستدعي الغز فرجع إليه بعضهم وأقام عنده. ثم استوحشوا منه وعادوا الى العيث بنواحي البلاد، فكرر علاء الدولة مراسلة أبي سهل في الضمان ليكون في طاعة مسعود بن سبكتكين. وكان أبو سهل بطبرستان فأجابه وسار إلى نيسابور وملك علاء الدولة الري. ثم اجتمع أهل أذربيجان لمدافعة الغز الذين طرقوا بلادهم وانتقموا من الغز، فافترقوا فسارت طائفة الى الري ومقدمهم يرقأ وطائفة الى همذان ومقدمهم منصور وكوكتاش فحاصروا بها أبا كليجار بن علاء الدولة، وأنجده أهل البلاد على دفاعهم وطال حصارهم لهمذان حتى صالحهم أبو كليجار وصاهر كوكتاش. وأما الذين قصدوا الري فحاصروا بها علاء الدولة بن كاكويه وانضم اليهم فناخسرو بن مجد الدولة وكامد صاحب ساوة، فطال حصارهم وفارق البلد في رجب ليلا إلى أصفهان، وأجفل أهل البلد وتمزقوا ودخلها الغز من الليل واستباحوها. واتبع علاء الدولة جماعة منهم فلم يدركوه فعدلوا الى كرج ونهبوها، ومضى ناصفلي منهم إلى قزوين فقاتلهم حتى صالحوه على سبعة آلاف دينار وصاروا الى طاعته. ولما ملكوا الري رجعوا إلى حصار همذان ففارقها أبو كليجار وصحبه الوجوه والأعيان وتحصنوا بكنكون [2] ، وملك الغز همذان ومقدمهم كوكتاش ومنصور ومعهم فناخسرو بن مجد الدولة في عدد من الديلم فاستباحوها، وبلغت سراياهم إلى أستراباذ وقرى الدينور
وقاتلهم صاحبها أبو الفتح ابن أبي الشوك فهزمهم وأسر منهم حتى صالحوه على إطلاقهم فأطلقهم. ثم راسلوا أبا كليجار بن علاء الدولة في المتقدم عليهم يدبر ملكهم بهمذان، فلما جاءهم وثبوا به فنهبوا ماله وانهزم وخرج علاء الدولة من أصفهان فوقع في طريقه بطائفة من الغز فظفر بهم ورجع إلى أصفهان منصورا. ولما أجاز الفريق الثاني من الغز السلجوقية من وراء النهر، وهم أصحاب طغرلبك وداود وجغربيك وبيقو وأخوهم إبراهيم نيال في العسكر لاتباع هؤلاء الذين بالري وهمذان ساروا إلى أذربيجان وديار بكر والموصل، وافترقوا عليها وفعلوا فيها الأفاعيل كما تقدم في أخبار قرواش صاحب الموصل وابن مروان صاحب ديار بكر، وكما يأتي في أخبار ابن وهشودان.
** (استيلاء مسعود بن سبكتكين على همذان وأصفهان والري ثم عودها الى علاء الدولة بن كاكويه) **
ولما فارق الغز همذان بعث إليها مسعود بن سبكتكين عسكرا فملكوها وسار هو إلى أصفهان فهرب عنها علاء الدولة واستولى على ما كان له بها من الذخائر، ولحق علاء الدولة إلى أبي كاليجار بتستر يستنجده عقب انهزامه أمام جلال الدولة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة كما قدمنا فوعده بالنصر إذا اصطلح مع عمه جلالا الدولة. ثم توفي محمود بن سبكتكين ورجع مسعود من خراسان، وكان فناخسرو بن مجد الدولة معتصما بعمران، فطمع في الري وجمع جمعا من الديلم والأكراد وقصدها فهزمه نائب مسعود بها. وقتل جماعة من عسكره وعاد إلى حصنه. وعاد علاء الدولة من عند أبي كليجار، وقد كان خائفا من مسعود أن يسير إليهم ولا طاقة لهم به، فجاء بعد موت محمود، وملك أصفهان وهمذان والري وتجاوز إلى أعمال أنوشروان وسروا إليه بالري واشتد القتال وغلبوه على الري ونهبوها ونجا علاء الدولة جريحا إلى قلعة فردخان على خمسة عشر فرسخا من همذان فاعتصم بها، وخطب بالري وأعمال أنوشروان لمسعود بن سبكتكين، وولى عليها تاش الفوارس فأساء السيرة فولى علاء الدولة.
** (استيلاء جلال الدولة على البصرة ثم عودها لأبي كليجار) **
كنا قدمنا أن جلال الدولة خالف أبا كليجار إلى الأهواز واتبعه أبو كليجار من واسط فهزمه جلال الدولة، ورجع إلى واسط فارتجعها. وبعث أبو منصور بختيار بن علي نائبا لأبي كليجار فبعث أربعمائة سفينة للقائهم مع عبد الله السراني [1] الزركازي صاحب البطيحة فانهزموا وعزم بختيار على الهرب، ثم ثبت وأعاد السفن لقتالهم والعسكر في البر، وجاء الوزير أبو علي لحربهم في سفينة، فلما وصل نهر أبي الخصيب وبه عساكر بختيار رجع مهزوما، وتبعه أصحاب بختيار. ثم ركب بختيار بنفسه وأخذوا سفن أبي علي كلها وأخذوه أسيرا وبعثه بختيار الى أبي كاليجار فقتله بعض غلمانه اطلع له على ريبة وخشيه فقتله. وكان قد أحدث في ولايته رسوما جائرة من المكوس، ويعين فيها [2] ، ولما بلغ خبره إلى جلال الدولة استوزر مكانه ابن عمه أبا سعيد عبد الرحيم، وبعث الأجناد لنصرة الذين كانوا معه فملكوا البصرة في شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ولحق بختيار بالأبلة في عساكره واستمد أبا كليجار فبعث إليه العساكر مع وزيره ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس فقاتلوا عساكر جلال الدولة بالبصرة، فانهزم بختيار أولا وأخذ كثير من سفنه. ثم اختلف أصحاب جلال الدولة بالبصرة وتنازعوا وافترقوا واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات فركبوا إلى البصرة وملكوها، وعادت لأبي كليجار كما كانت.
** (وفاة القادر ونصب القائم للخلافة) **
وفي ذي الحجة سن اثنتين وعشرين وأربعمائة توفي الخليفة القادر لإحدى وأربعين سنة من خلافته، وكان مهيبا عند الديلم والأتراك. ولما مات نصب جلال الدولة للخلافة
ابنه القائم بأمر الله أبا جعفر عبد الله بعد أبيه ولقبه القائم، وبعث القاضي أبا الحسن الماوردي إلى أبي كاليجار في الطاعة، فبايع وخطب له في بلاده وأرسل إليه بهدايا جليلة وأموال، ووقعت الفتنة ببغداد في تلك الأيام بين السنة والشيعة، ونهب دور اليهود وأحرقت من بغداد أسواق، وقتل بعض جباة المكس، وثار العيارون. ثم هم الجند بالوثوب على جلال الدولة وقطع خطبته، ففرق فيهم الأموال فسكتوا، ثم عاودوا، فلزم جلال الدولة الأصاغر فشكا من قواده الأكابر وهما بارسطعان وبلدوك [1] ، وأنهما استأثرا بالأموال فاستوحشا لذلك، وطالبهما الغلمان بعلوفتهم وجراياتهم فسارا إلى المدائن، وندم الأتراك على ذلك. وبعث جلال الدولة مؤيد الملك الرجحي [2] فاسترضاهما ورجعا. وزاد شغب الجند عليه ونهبوا دوابه وفرشه، وركب إلى دار الخليفة متغضبا من ذلك وهو سكران، فلاطفه ورده الى بيته. ثم زاد شغبهم وطالبوه في الدواب لركوبهم فضجر وأطلق ما كان في إسطبله من الدواب، وكانت خمس عشرة وتركها عائرة، وصرف حواشيه وأتباعه لانقطاع خزائنه فعوتب بتلك الفتنة، وعزل وزيره عميد الملك، ووزر بعده أبو الفتح محمد بن الفضل أياما ولم يستقم أمره فعزله، ووزر بعده أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسين السهيلي وزير مأمون صاحب خوارزم وهرب لخمسة وعشرين يوما.
** وثوب الأتراك ببغداد بجلال الدولة بدعوة أبي كاليجار ثم رجوعهم الى جلال الدولة **
ثم تجددت الفتنة بين الأتراك وجلال الدولة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في ربيع الأول فأغلق بابه، ونهب الأتراك داره وسلبوا الكتاب وأصحاب الدواوين، وهرب الوزير أبو إسحاق السهيلي [3] إلى حي غريب بن محمد بن معن. وخرج جلال الدولة إلى عكبرا وخطبوا لأبي كاليجار واستدعوه من الأهواز فمنعه العادل بن ماقته [4] إلى أن يحضره بين قوادهم فعادوا إلى جلال الدولة وتطارحوا عليه، فعاد
لثلاث وأربعين يوما من مغيبه. واستوزر أبا القاسم بن ماكولا ثم عزله لفتنة الأتراك به، وإطلاق بعض المصادرين من يده.
** (استيلاء جلال الدولة على البصرة ثانيا ثم عودها لابي كاليجار) **
ثم توفي أبو منصور بختيار بن علي نائب أبي كاليجار بالبصرة منتصف أربع وعشرين وأربعمائة فقام مكانه صهره أبو القاسم لاضطلاعه وكفايته، واستبد بها ونكر أبو كاليجار استبداده، وبعث بعزله فامتنع وخطب لجلال الدولة، وبعث لابنه يستدعيه من واسط فجاء وملك البصرة وطرد عساكر أبي كاليجار. ثم فسد ما بين أبي القاسم والعزيز واستجار منه بعض الديلم بالعزيز، وشكوا منه فأخرجه العزيز عن البصرة وأقام بالأبلة، ثم عاد إلى محاربة العزيز حتى أخرجه عن البصرة ورجع أبو القاسم إلى طاعة أبي كاليجار.
** (إخراج جلال الدولة من دار الملك ثم عوده) **
وفي رمضان من سنة أربع وعشرين وأربعمائة استقدم جلال الدولة الوزير أبا القاسم فاستوحش الجند، واتهموه بالتعرض لأموالهم فهجموا عليه في دار الملك وأخرجوه إلى مسجد في داره، فاحتمل جلال الدولة الوزير أبا القاسم وانتقل إلى الكرخ، وأرسل إليه الجند بأن ينحدر عنهم إلى واسط على رسمه، ويقيم لإمارتهم بعض ولده الأصاغر فأجاب، وبعث إليهم واستمالهم فرجعوا عن ذلك واستردوه إلى داره، وحلفوا له على المناصحة.
واستوزر عميد الدولة أبا سعد سنة خمس وعشرين وأربعمائة عوضا من ابن ماكولا فاستوحش ابن ماكولا، وسار إلى عكبرا فرده إلى وزارته، وعزل أبا سعد فبقي أياما. ثم فارقها إلى أوانا فأعاد أبا سعد عبد الرحيم إلى وزارته. ثم خرج أبو سعد هاربا من الوزارة ولحق بأبي الشوك، ووزر بعده أبو القاسم فكثرت مطالبات الجند
له وهرب لشهرين فحمل إلى دار الخلافة مكشوف الرأس، وأعيد أبو سعد إلى الوزارة، وعظم فساد العيارين ببغداد وعجز عنهم النواب، فولى جلال الدولة البساسيري من قواد الديلم حماية الجانب الغربي ببغداد فحسن فيه غناؤه، وانحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد حتى أغار الأكراد والجند على بستان الخليفة، ونهبوا ثمرته وطلب أولئك الجند جلال الدولة فعجز عن الانتصاف منهم أو إسلامهم للخليفة، فتقدم الخليفة الى القضاة والشهود والفقهاء بتعطيل رسومهم فوجم جلال الدولة، وحمل أولئك الجند بعد غيبتهم أياما إلى دار الخليفة فاعترضهم أصحابهم وأطلقوهم، وعجز النواب عن إقامة الأحكام في العيارين ببغداد، وانتشر العرب في ضواحي بغداد وعاثوا فيها حتى سلبوا النساء في المقابر عند جامع المنصور، وشغب الجند سنة سبع وعشرين وأربعمائة بجلال الدولة فخرج متنكرا في سيما بدوي إلى دار المرتضى بالكرخ، ولحق منها برافع بن الحسين بن معن [1] بتكريت، ونهب الأتراك داره وخربوها. ثم أصلح القائم أمر الجند وأعاده.
** (فتنة بادسطفان ومقتله) **
قد قدمنا ذكر بادسطفان [2] هذا وأنه من أكابر قواد الديلم ويلقب حاجب الحجاب، وكان جلال الدولة ينسبه لفساد الأتراك والأتراك ينسبونه إلى إحجاز الأموال فاستوحش واستجار بالخليفة منتصف سبع وعشرين وأربعمائة فأجاره وكان يراسل أبا كاليجار ويستدعيه، فبعث أبو كاليجار عسكرا إلى واسط وثار معهم العسكر الذين بها وأخرجوا العزيز بن جلال الدولة إلى بغداد، وكشف بادسطفان القناع في الدعاء لأبي كاليجار وحمل الخطباء على الخطبة لامتناع الخليفة منها.
وجرت بينه وبين جلال الدولة حرب. وسار إلى الأنبار وفارقه قرواش إلى الموصل، وقبض بادسطفان على ابن فسانجس، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده. ثم جاء الخبر بأن أبا كاليجار سار إلى فارس فانتقض عن بادسطفان الديلم الذين كانوا معه،
وترك ماله وخدمه وما معه بدار الخليفة القائم وانحدر إلى واسط، وعاد جلال الدولة إلى بغداد وبعث البساسيري وبني خفاجة في طلب بادسطفان، وسار هو ودبيس في اتباعهم فلحقوه بالخزرانية فقاتلوه وهزموه، وجاءوا به أسيرا إلى جلال الدولة ببغداد، وطلب من القائم أن يخطب له ملك الملوك فوقف عن ذلك إلا أن يكون بفتوى الفقهاء فأفتاه القضاة أبو الطيب الطبري وأبو عبد الله الصيمري وأبو القاسم الكرخي بالجواز ومنع أبو الحسن الماوردي، وجرت بينهم مناظرات حتى رجحت فتواهم وخطب له بملك الملوك. وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة فخجل وانقطع عنه ثلاثة أشهر، ثم استدعاه وشكر له إيثار الحق وأعاده إلى مقامه.
** (مصالحه جلال الدولة وأبي كاليجار) **
ثم ترددت الرسل بين جلال الدولة وأبي كاليجار ابن أخيه، وتولى ذلك القاضي أبو الحسن الماوردي وأبو عبد الله المردوسي، فانعقد بينهما الصلح والصهر لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنه جلال الدولة، وأرسل القائم إلى أبي كاليجار بالخلع النفيسة.
** (عزل الظهير أبي القاسم عن البصرة واستقلال أبي كاليجار بها) **
قد قدمنا حال الظهير أبي القاسم في ملك البصرة بعد صهره أبي منصور بختيار، وأنه عصى على أبي كاليجار بدعوة جلال الدولة. ثم عاد إلى طاعته واستبد بالبصرة، وكان ابن أبي القاسم بن مكرم صاحب عمان يكاتب أبا الجيش وأبا كاليجار بزيادة ثلاثين ألف دينار في ضمان البصرة فأجيب إلى ذلك، وجهز له أبو كاليجار العساكر مع العادل أبي منصور بن ماقته [1] . وجاء أبا الجيش بعساكره في البحر من عمان وحاصروا البصرة برا وبحرا وملكوها، وقبض على الظهير واستصفيت
أمواله، وصودر على تسعين ألفا فحملها في عشرة أيام، ثم على مائة ألف وعشرة آلاف فحملها كذلك، ووصل الملك أبو كاليجار إلى البصرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وأنزل بها ابنه عز الملوك والأمير أبا الفرج فسانجس وعاد إلى الأهواز ومعه الظهير أبو القاسم.
** (أخبار عمان وابن مكرم) **
قد قدمنا خبر أبي محمد بن مكرم وأنه كان مدبر دولة بهاء الدولة وقبله ابنه أبو الفوارس، وأن ابنه أبا القاسم كان أميرا بعمان منذ سنة خمس عشرة وأربعمائة ثم توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وخلف بنين أربعة وهم: أبو الجيش والمهذب وأبو محمد وآخر صغير لم يذكر اسمه. وكان علي بن هطال صاحب جيش أبي القاسم فأقره أبو الجيش وبالغ في تعظيمه حتى كان يقوم له إذا دخل عليه في مجلسه فنكر ذلك المهذب على أخيه، وحقدها له ابن هطال فعمل دعوة واستأذن أبا الجيش في إحضار أخيه المهذب لها، وأحضره وبالغ في خدمته حتى إذا طعموا وشربوا وانتشوا فاوضه ابن هطال في التوثب بأخيه أبي الجيش واستكتبه بما يوليه من المراتب ويعطيه من الأقطاع على مناصحته في ذلك. ثم وقف أبا الجيش على خطة أخبره أنه لم يوافقه ثم قال له: وبسبب ذلك كان نكيره عليك في شأني، فقبض أبو الجيش على أخيه واعتقله ثم خنقه. ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير وهم ابن هطال بتولية أخيه محمد فأخفته أمه حذرا عليه، ورفعت الأمر إلى ابن هطال فولي عمان وأساء السيرة وصادر التجار، وبلغ ذلك إلى أبي كاليجار فأمر العادل أبا منصور بن ماقته أن يكاتب المرتضى نائب أبي القاسم بن مكرم بجبال عمان، ويأمره بقصد ابن هطال في عمان، وبعث إليه العساكر من البصرة، فسار إلى عمان وحاصرها واستولى على أكثر أعمالها. ثم دس إلى خادم كان لابن مكرم وصار لابن هطال وأمره باغتياله فاغتاله وقتله. ومات العادل أبو منصور بهرام بن ماقته وزير أبي كاليجار سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ووزر بعده مهذب الدولة وبعث لمدافعتهم عنها، وكانوا يحاصرون جيرفت فأجفلوا عنها، ولم يزل في اتباعهم حتى دخلوا المفازة ورجع مهذب الدولة إلى كرمان فأصلح فسادهم
** (وفاة جلال الدولة سلطان بغداد وولاية أبي كاليجار) **
ثم توفي جلال الدولة ببغداد في شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة لسبع عشرة سنة من ملكه، وقد كان بلغ في الضعف وشغب الجند عليه واستبداد الأمراء والنواب فوق الغاية. ولما توفي انخذل الوزير كمال الملك عبد الرحيم وأصحاب السلطان الأكابر إلى حريم دار الخلافة خوفا من الأتراك والعامة، واجتمع قواد العسكر فمنعوهم من النهب، وكان ابنه الأكبر الملك العزيز أبو منصور بواسط فكاتبه الجند بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل حق البيعة فأبطأ عنهم، وبادر أبو كاليجار صاحب الأهواز فكاتبهم ورغبهم في المال وتعجيله فعدلوا عن الملك العزيز إليه. وأصعد بعد ذلك من الأهواز فلما انتهى إلى النعمانية غدر به أصحابه فرجع إلى واسط، وخطب الجند ببغداد لأبي كاليجار. وسار العزيز إلى دبيس بن مزيد، ثم الى قرواش بن المقلد بالموصل. ثم فارقه إلى أبي الشوك لصهر بينهما فغدر به. وألزمه على طلاق بنته، فسار إلى إبراهيم نيال أخي طغرلبك، ثم قدم بغداد مختفيا يروم الثورة بقتل [1] بعض أصحابه ففر ولحق بنصير الدولة بن مروان فتوفي عنده بميافارقين، وقدم أبو كاليجار بغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وخطب له بها واستقر سلطانه فيها بعد أن بعث بأموال فرقت على الجند ببغداد وبعشرة آلاف دينار وهدايا كثيرة للخليفة، وخطب له فيها أبو الشوك ودبيس بن مزيد كل بأعماله، ولقبه الخليفة بمحيي الدولة، وجاء في قل من عساكره خوفا أن يستريب به الأتراك فدخل بغداد في شهر رمضان ومعه وزيره أبو السعادات أبو الفرج محمد بن جعفر بن فسانجس، واستعفى القائم من الركوب للقائه، وتقدم بإخراج عميه من بغداد، فمضيا إلى تكريت وخلع على أصحاب الجيوش وهم البساسيري والساري والهمام أبو اللقاء وثبت قدمه في الملك.
** (أخبار ابن كاكويه مع عساكر مسعود وولايته على أصفهان ثم ارتجاعه منها) **
قد تقدم انهزام علاء الدولة بن كاكويه من الري ومسيره جريحا ومعه فرهاد بن مرداويج جاءه إلى قلعة فردخان مددا وساروا منها إلى يزدجرد، واتبعهم علي بن عمران قائد تاش قرواش. وافترقوا من يزدجرد فمضى أبو جعفر الى نيسابور عند الأكراد الجردقان [1] وصعد فرهاد إلى قلعة سمكيس واستمال الأكراد الذين مع علي بن عمران وحملهم على الفتك به، فشعر وسار الى همذان، واتبعه فرهاد والأكراد فحصروه في قرية بطريقة فامتنع عليهم بكثرة الأمطار ورجعوا عنه، وبعث علي بن عمران إلى الأمير تاش يستمده وعلاء الدولة إلى ابن أخيه بأصفهان يستمد المال والسلاح فاعترضه علي بن عمران من همذان وكبسه بجردقان وغنم ما معه وأسره [2] ، وخلفه علاء الدولة وأقره على أصفهان على ضمان معلوم وكذلك قابوس في جرجان وطبرستان وولى على الري أبا سهل الحمدوني.
وأمرتاش قرواش صاحب خراسان بطلب شهربوس بن ولكين صاحب ساوة، وكان يفسد السابلة ويعترض الحاج، وسار إلى الري وحاصرها بعد موت محمود، فبعث تاش العساكر في أثره وحاصروه ببعض قلاع قم وأخذوه أسيرا فأمر بصلبه على ساوة، ثم اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاد بن مرداويج على قتال أبي سهل الحمدوني وقد زحف في العساكر من خراسان فقاتلاه وقتل فرهاد وانهزم علاء الدولة إلى جبل بين أصفهان وجرجان فاعتصم به. ثم لحق بأيدج وهي للملك أبي كاليجار،
واستولى أبو سهل على أصفهان ونهب خزائن علاء الدولة وحملت كتبه الى غزنة الى أن أحرقها الحسين بن الحسين الغوري، وذلك سنة خمس وعشرين وأربعمائة ثم سار علاء الدولة سنة سبع وعشرين وأربعمائة وحاصر أبا سهل في أصفهان وغدرته الأتراك فخرج إلى يزدجرد ومنها إلى الطرم فلم يقبله ابن السلار خوفا من ابن سبكتكين، فسار عنه، ثم غلبه طغرلبك على خراسان سنة تسع وعشرين وأربعمائة وارتجعها مسعود سنة ثلاثين وأربعمائة كما ذكرناه ونذكره.
** (وفاة علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه) **
ثم توفي علاء الدولة شهربان بن كاكويه في محرم سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وقد كان عاد إلى أصفهان عند شغل بن سبكتكين بفتنة طغرلبك فملكها. ولما توفي قام مكانه بأصفهان ابنه الأكبر ظهير الدين أبو منصور قرامرد [1] وسار ولده الآخر أبو كاليجار كرساسف [2] إلى نهاوند فملكها، وضبط البلد وأعمال الجبل. وبعث أبو منصور قرامرد إلى مستحفظ قلعة نظير [3] التي كان فيها ذخائر أبيه وأمواله فامتنع بها وعصى، وسار أبو منصور لحصاره ومعه أخوه أبو حرب فلحق أبو حرب بالمستحفظ، ورجع أبو منصور إلى أصفهان. وبعث أبو حرب إلى السلجوقية بالري يستنجدهم، فسار طائفة منهم إلى جرجان فنهبوها وسلموها لأبي حرب. فسير أبو منصور العساكر وارتجعها، فجمع أبو حرب فهزموه، وحاصروا أبا حرب بالقلعة فأسرى من القلعة ولحق بالملك أبي كاليجار صاحب فارس، واستنجده على أخيه أبي منصور فأنجده بالعساكر وحاصروا أبا منصور وأوقعوه عدة وقائع، ثم اصطلحوا آخرا على مال يحمله أبو منصور إلى أبي كاليجار، وعاد أبو حرب إلى قلعة نظير واشتد الحصار عليه. ثم صالح أخاه أبا منصور على أن يعطيه بعض ما في القلعة وتبقى له فاتفقا على ذلك.
ثم سار إبراهيم نيال [4] إلى الري وطلب الموادعة من أبي منصور فلم يجبه، فسار إلى
همذان ويزدجرد فملكهما وسعى الحسن الكيا [1] في اتفاقه مع أخيه أبي حرب فاتفقا، وخطب أبو حرب لأخيه أبي منصور في بلاده، وأقطعه أبو منصور همذان. ثم ملك طغرلبك البلاد من يد ابن سبكتكين واستولى على خوارزم وجرجان وطبرستان. وكان إبراهيم نيال عند ما استولى طغرلبك على خراسان وهو أخوه لأمه تقدم في عساكر السلجوقية إلى الري فاستولى عليها. ثم ملك يزدجرد، ثم قصد همذان سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ففارقها صاحبها [2] ابن علاء الدولة إلى نيسابور، وجاء إبراهيم إلى همذان بطلب طاعتهم فشرطوا عليه استيلاءه على عسكر كرشاسف، فسار إليها وتحصن في سابورخواست وملك عليه البلاد وعاث في نواحيها، وتحصن هو بالقلعة وعاد هو إلى الري. وقد صمم طغرلبك على قصدها، فسار إليه وترك همذان ورجع كرشاسف وملك طغرلبك الري من يد إبراهيم.
وبعث إلى سجستان وأمر بعمارة ما خرب من الري، ووجد بدار الإمارة مراكب ذهب مرصعة بالجواهر، وبرنيتين من النحاس مملوءتين جواهر وذخائر مما سوى ذلك وأموالا كثيرة. ثم ملك قلعة طبرك من يد مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرما وملك قزوين فصالحه صاحبها بثمانين ألف دينار وصار في طاعته. ثم بعث إلى كركتاش وموقا من الغز العراقية الذين تقدموا إلى الري واستدعاهم من نواحي جرجان فارتابوا وشردوا خوفا منه. ثم بعث إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة ويطلب منه المال، فأجاب وحمل، وبعث إلى سلار الطرم بمثل ذلك فأجاب وحمل مائتي ألف دينار وقرر عليه ضمانا معلوما. ثم بعث السرايا إلى أصفهان وخرج من الري في اتباعها فصانعه قرامرد بالمال فرجع عنه. وسار إلى همذان فملكها، وقد كان سار إليه كرشاسف بن علاء الدولة وهو بالري فأطاعه، وسار معه إلى ابروزنجان فملكهما، وأخذ منه همذان وتفرق عنه أصحابه.
وطلب منه طغرلبك قلعة كشكور فأرسل إلى مستحفظها بنزولهم عنها فامتنعوا، واتبعه طغرلبك إلى الري واستخلف على همذان ناصر الدين العلوي، وكان كرشاسف قد قبض عليه فأخرجه طغرلبك وجعله رديفا للذي ولاه البلد من السلجوقية، ثم نزل كرشاسف على كنكور سنة ست وثلاثين وأربعمائة وجاء إلى همذان فملكها وطرد عنها
عمال طغرلبك وخطب للملك أبي كاليجار فبعث طغرلبك أخاه إبراهيم نيال سنة سبع وثلاثين وأربعمائة إلى همذان، ولحق كرشاسف بشهاب الدولة أبي الفوارس منصور بن الحسين صاحب جزيرة بني دبيس، وارتاع الناس بالعراق لوصول إبراهيم نيال إلى حلوان، وبلغ الخبر إلى أبي كاليجار فأراد التجمع لإبراهيم نيال فمنعه قلة الظهر.
وحدثت فتنة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم نيال وأخذ الري وبلاد الجيل من يده. ثم سار إلى أصفهان فحاصرها في محرم سنة اثنين وأربعين، وبعث السرايا فبلغت البيضاء، وأقام يحاصرها حولا كاملا حتى جهدهم الحصار، وعدموا الأقوات وحرقوا السقف لوقودهم حتى سقف الجامع، ثم استأمنوا وخرجوا إليه وملك أصفهان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وأقطع صاحبها أبا منصور وأجناده في بلاد الجبل ونقل أمواله وسلاحه من الري إليها وجعلها كرسيا لملكه، وانقرضت دولة فخر الدولة بن بويه من الري وأصفهان وهمذان، وبقي منهم بالعراق وفارس أبو كاليجار والبقاء لله وحده.
** (موت أبي كاليجار) **
ولما رأى أبو كاليجار استيلاء طغرلبك على البلاد، وأخذه الري وأصفهان وهمذان والجيل من قومه، وإزالة ملكهم راسله في الصهر والصلح، بأن يزوجه ابنته، وزوج داود أخو طغرلبك ابنته من أبي منصور بن أبي كاليجار، وانعقد ذلك بينهما في منتصف تسع وثلاثين وأربعمائة وكتب طغرلبك إلى أخيه إبراهيم نيال عن العراق وأعماله [1] ابن سكرستان من الديلم، وقرر عليه مالا فطاول في حمله،
ورافع [1] فشكر له أبو كاليجار، وانتزع من يده قلعة يزدشير وهي تعلقه [2] ثم استمال أجناده فقتلهم بهرام، واستوحش فسار إليه أبو كاليجار، وانتهى إلى قصر مجامع [3] من خراسان فطرقه المرض وضعف عن الركوب فرجعوا به إلى مدينة خبايا وتوفي بها في جمادى الأولى سنة أربعين وأربعمائة، لأربع سنين وثلاثة أشهر من ملكه العراق.
ولما توفي نهب الأتراك خزائنه وسلاحه ودوابه وانتقل ولده أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير أبي منصور وكانت منفردة عن العسكر فأقام عنده، واختلف الأتراك والديلم وأراد الأتراك نهب الأمير والوزير فمنعهم الديلم، واختلفوا إلى شيراز فملكها الأمير أبو منصور وامتنع الوزير بقلعة حزقه، وبلغ وفادة أبي كاليجار إلى بغداد وبها ابنه أبو نصر، فاستخلف الجند وأمر القائم بالخطبة على عادة قومه. وسأل أن يلقب بالرحيم فمنع الخليفة من ذلك أدبا ولقبه به أصحابه واستقر بالعراق وخوزستان والبصرة.
وكان بالبصرة أخوه أبو علي فأقره عليها. ثم بعث أخاه أبا سعد في العساكر في شوال من السنة إلى شيراز فملكها وخطبوا له بها وقبضوا على أخيه أبي منصور وأمه وجاءوا بهما إليه. وكان الملك العزيز بن جلال الدولة عند إبراهيم نيال لحق به بعد مهلك أبيه. فلما مات أبو كاليجار زحف إلى البصرة طامعا في ملكها فدافعه الجند الذين بها، وبلغه استقامة الملك ببغداد للرحيم فأقطع وذهب إلى ابن مروان فهلك عنده كما مر.
** (ملك الملك الرحيم بن أبي كاليجار ومواقعة) **
قد تقدم لنا أن أبا منصور فلاستون بن أبي كاليجار سار إلى فارس بعد موت أبيه فملكها، وأنه بعث أخاه أبا سعيد بالعساكر فقبضوا عليه وعلى أمه، ثم انطلق ولحق بقلعة إصطخر ببلاد فارس، فسار الملك الرحيم من الأهواز في اتباعه سنة إحدى وأربعين وأطاعه أهل شيراز وجندها، ونزل قريبا منها. ثم وقع الخلاف بين جند شيراز وبين جند بغداد، وعادوا إلى العراق فعاد معهم الملك الرحيم لارتيابه بجند
شيراز، وبعث الجند والديلم جميعا ببلاد فارس إلى أخيه فلاستون ولما عاد استخلف العساكر وسار إلى أرجان عازما على قصد الأهواز. وعاد الملك الرحيم للقائه من الأهواز في ذي القعدة من السنة واقتتلوا وانهزم الملك الرحيم، وعاد إلى واسط منهزما. وسار بعض الى الملك الرحيم يستجيشون به للرجوع إلى فارس، فأرسل إلى بغداد واستنفر الجند وسار إلى الأهواز فبلغه طاعة أهل فارس وأنهم منتظرون قدومه، فأقام بالأهواز ينتظر عساكر بغداد. ثم سار إلى عسكر مكرم فملكها سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ثم اجتمع جمع من العرب والأكراد مقدمهم طراد بن منصور ومذكور بن نزار فقصدوا سرف [1] فنهبوها ونهبوا درق [2] . وبعث الملك الرحيم بعساكره في محرم سنة ثلاث وأربعين فهزموا العرب والأكراد وقتل مطارد وأسر ابنه واسترد النهب. وبلغ الخبر إلى الملك الرحيم وهو بعسكر مكرم فتقدم إلى قنطرة أربق ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما. ثم سار هزارشب بن تنكر [3] ومنصور بن الحسين الأسدي بمن معهما من الديلم والأتراك من أرجان إلى تستر، فسابقهم الملك الرحيم فكان الظفر له. ثم زحف في عسكر إلى رامهرمز وبها أصحاب هزارشب فهزموهم وأثخنوا فيهم، وتحيزوا إلى رامهرمز في طاعة الملك الرحيم. ثم قبض هزارشب عليهم وأرسل إلى الملك الرحيم بطاعته، فبعث أخاه أبا سعيد إليه فملك إصطخر، وخدمه أبو نصر بعسكره وماله، وأطاعته جموع من عساكر فارس من الديلم والترك والعرب والأكراد وحاصروا قلعة بهندر فخالفه هزارشب ومنصور بن الحسين الأسدي إلى الملك الرحيم فهزموه.
وفارق الأهواز إلى واسط وعاد إلى سعد بشيراز فقاتلهم وهزمهم. ثم عاودوا القتال فهزمهم وأثخن فيهم واستأمن إليه كثير منهم، وصعد فلاستون إلى قلعة بهندر فامتنع بها، وأعيدت الخطبة للملك الرحيم بالأهواز. ثم مضى فلاستون وهزارشب إلى إيدج وبعثوا بطاعتهم إلى السلطان طغرلبك واستمدوه، وبعث إليهم العساكر والملك الرحيم بعسكر مكرم وقد انصرف عنه البساسيري إلى العراق، ودبيس بن مزيد والعرب والأكراد، وبقي معه ديلم الأهواز، وأنزل بغداد فسار من عسكر مكرم إلى الأهواز
وحاصروه بها فبعث أخاه أبا سعد صاحب فارس حين طلبه صاحب إصطخر ليفت في عضد فلاستون وهزارشب ويرجعوا عنه. فلم يهجهم ذلك وساروا إلى الأهواز وقاتلوه فهزموه، ولحق في الفل بواسط ونهبت الأهواز. وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم وكانت السلجوقية قد ساروا إلى فارس، فاستولى آلب أرسلان ابن أخي طغرلبك على مدينة نسا وعاثوا فيها وذلك سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. ثم ساروا سنة أربع وأربعين وأربعمائة إلى شيراز ومعهم العادل بن ماقته [1] وزير فلاستون فقبضوا عليه وملكوا منه ثلاث قلاع وسلموها إلى أبي سعد أخي الملك الرحيم، واجتمعت عساكر شيراز فهزموا الغز الذين ساروا إليها وأسروا بعض مقدميهم. ثم ساروا إلى نسا وقد كان تغلب عليها بعض السلجوقية فأخرجوهم عنها وملكوها.
** (الفتنة بين البساسيري وبني عقيل واستيلاؤه على الأنبار) **
لما سار الملك الرحيم إلى شيراز سنة إحدى وأربعين ثار بعض بني عقيل باردوقا [2] فنهبوها وعاثوا فيها وكانت من أقطاع البساسيري، فلما عاد من فارس سار إليهم من بغداد فأوقع بأبي كامل بن المقلد، واقتتلوا قتالا شديدا. ثم تحاجزوا ورفع إلى البساسيري أن قرواش أساء السيرة في أهل الأنبار، وجاء أهلها متظلمين منه، فبعث معهم عسكرا فملكوها، وجاء على أثرهم فأصلح أحوالها. وزحف قريش [3] إليها سنة ست وأربعين فملكها وخطب فيها لطغرلبك، ونهب ما كان فيها للبساسيري، ونهب حلل أصحابه بالخالص، وجمع البساسيري وقصد الأنبار وجرى فاستعاد من يد قريش ورجع إلى بغداد.
** (استيلاء الخوارج على عمان) **
كان أبو المظفر بن أبي كاليجار أميرا على عمان، وكان له خادم مستبد عليه فأساء السيرة في الناس ومد يده إلى الأموال فنفروا منه، وعلم بذلك الخوارج في جبالها فجمعهم ابن رشد منهم وسار إلى المدينة فبرز إليه أبو المظفر وظفر بالخوارج. ثم جمع ثانية وعاد لقتال أبي المظفر والديلم وأعانه عليهم أهل البلد لسوء سيرتهم فهزمهم ابن رشد وملك البلد، وقتل الخادم وكثيرا من الديلم والعمال، وأخرب دار الإمارة وأسقط المكوس، واقتصر على ربع العشر من أموال التجار والواردين. وأظهر العدل ولبس الصوف وبنى مسجدا لصلاته، وخطب لنفسه وتلقب الراشد بالله. وقد كان أبو القاسم بن مكرم بعث إليه من قبل ذلك من حاصره في جبله وأزال طمعه.
** (الفتنة بين العامة ببغداد) **
وفي صفر من سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة تجددت الفتنة ببغداد بين أهل السنة والشيعة، وعظمت، وتظاهر الشيعة بمذاهبهم وكتبوا بعض عقائدهم في الأبواب، وأنكر ذلك أهل السنة، واقتتلوا وأرسل القائم نقيبي العباسية والعلوية لكشف الحال فشهدوا للشيعة، ودام القتال وقتل رجل من الهاشمية من أهل السنة، فقصدوا مشهد باب النصر ونهبوا ما فيه وأحرقوا ضريح موسى الكاظم وحاقده محمد المتقي وضرائح بني بويه وبعض خلفاء بني العباس، وهموا بنقل شلو الكاظم إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال دون ذلك جهلهم بعين الجدث. وجاء نقيب العباسية فمنع من ذلك، وقتل أهل الكرخ من الشيعة أبا سعيد السرخسي مدرس الحنفية. وأحرقوا محال الفقهاء ودورهم، وتعدت الفتنة إلى الجانب الشرقي، وبلغ إحراق المشهد إلى دبيس فعظم عليه، وقطع خطبة القائم لأنه وأهل ناحيته كانوا شيعة، وعوتب في ذلك فاعتذر بأن أهل الناحية تغري القائم بأهل السنة، وأعاد الخطبة بحالها. ثم عظمت الفتنة سنة خمس وأربعين وأربعمائة واطرحوا مراقبة السلطان ودخل معهم
طوائف من الأتراك وقتل بعض العلوية فصرخ النساء بثأره، واجتمع السواد الأعظم، وركب القواد لتسكين الفتنة فقاتلهم أهل الكرخ قتالا شديدا، وحرقت أسواق الكرخ ثم منع الأتراك من الدخول بينهم فسكنوا قليلا.
** (استيلاء الملك الرحيم على البصرة) **
قد كنا قدمنا أن الملك الرحيم لما تولى بغداد بعد أبيه أقر أخاه أبا علي على إمارة البصرة، ثم بدا منه العصيان، فبعث إليه العساكر مع البساسيري القائم بدولته، فزحف إلى البصرة وبرزوا إليه في الماء فقاتلهم عدة أيام ثم هزمهم وملك عليهم الأنهار، وسارت العساكر في البر إلى البصرة، واستأمنت ربيعة ومضر فأمنهم وملك البصرة، وجاءته رسل الديلم بخوزستان يعتذرون، ومضى أبو علي فتحصن بشط عثمان وخندق عليه فمضى الملك الرحيم إليه وملكه، ومضى أبو علي وابنه إلى عبادان ولحق منها إلى جرجان متوجها إلى السلطان طغرلبك. فلما وصل إليه بأصفهان لاقاه بالتكرمة وأنزله بعض قلاع جرباذقان، وأقطع له في أعمالها وأقام الملك الرحيم بالبصرة أياما واستبدل من أجناد أخيه أبي علي بها، واستخلف عليها البساسيري، وسار إلى الأهواز وترددت الرسل بينه وبين منصور بن الحسين وهزارشب فدخلوا في طاعته، وصارت تستر إليه، وأنزل بأرجان فولاد بن خسرو الديلمي، فسار في أعمالها وحمل المتغلبين هناك على طاعة الملك الرحيم حتى أذعنوا.
** (استيلاء فلاستون على شيراز بدعوة طغرلبك) **
قد قدمنا أنه كان بقلعة إصطخر أبو نصر بن خسرو مستوليا عليها، وأنه أرسل بطاعته سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة إلى الملك الرحيم عند ما ملك رامهرمز، واستدعى منه أخاه أبا سعيد ليملكه بلاد فارس، فسار إليه في العساكر وملك البلاد، ونزل شيراز، وكان معه عميد الدولة أبو نصر الظهير قد استبد في دولته، وساءت سيرته في جنده، وأوحش أبا نصر مستدعيهم للملك فانتقض عليهم، وداخل الجند في
الانتقاض فشغبوا وقبضوا على عميد الدولة، ونادوا بدعوة أبي منصور فلاستون، واستدعوه وأخرجوا أبا سعيد عنهم إلى الأهواز، ودخل أبو منصور إلى الأهواز فملكها وخطب لطغرلبك وللملك الرحيم ثم لنفسه بعدهما.
** (وقائع البساسيري مع الاعراب والأكراد لطغرلبك) **
لما استولى طغرلبك على النواحي وأحاط بأعمال بغداد من جهاتها، وأطاعه أكثر الأكراد إلى حلوان وكثر فسادهم وعيثهم، والتفت عليهم الأعراب وأهم الدولة شأنهم سار إليهم البساسيري واتبعهم إلى البوازيج فظفر بهم وقتل وغنم، وعبروا الزاب، وجاء الديلم فتمكن من العبور إليهم وذلك سنة خمس وأربعين وأربعمائة ثم دعاه دبيس صاحب الحلة إلى قتال خفاجة، وقد عاثوا في بلاده، فاستنجد به وسار إليهم فأجلاهم عن الجامعين، ودخلوا المفازة واتبعهم فأدركهم بخفان فأوقع بهم وغنم أموالهم وأنعامهم، وحاصر حصن خفان وفتحه وخربه. وأراد تخريب القائم الذي به، وهو بناء في غاية الارتفاع كالعلم يهتدى به. قيل إنه وضع لهداية السفن لما كان البحر إلى النجف، فصانع عنه ربيعة بن مطاعم بالمال وترك له، وعاد إلى بغداد فصلب من كان معه من أسرى العرب. ثم سار إلى خوي فحصرها وقرر عليها سبعة آلاف دينار.
** (فتنة الأتراك واستيلاء عساكر طغرلبك على النواحي) **
كان الأتراك من جند بغداد قد استفحل أمرهم على الدولة، واشتطوا وتطاولوا إلى الفتنة عند ما هبت ريحها بظهور طغرلبك واستيلائه على النواحي، فطالبوا الوزير في محرم سنة ست وأربعين وأربعمائة بمبلغ كبير من أرزاقهم ورسومهم وأرهقوه، واختفى في دار الخلافة فاتبعوه وطلبوه من أهل الدار فجحدوه فشغبوا على الديوان، وتعدوا إلى الشكوى من الخليفة، وساء الخطاب بينهم وبين أهل الديوان وانصرفوا، وشاع بين الناس أنهم محاصرون دار الخلافة فانزعجوا، وركب البساسيري وهو النائب يومئذ ابن خلدون م 42 ج 4
ببغداد إلى دار الخلافة، وطلب الوزير وكبس الدور من أجله، فلم يوقف له على خبر. وشغب الجند ونهبوا دار الروم وأحرقوا البيع، وكبسوا دار ابن عبيد وزير البساسيري، ووقف أهل الدروب لمنع بيوتهم من الأتراك فنهبوا الواردين، وعدمت الأقوات، والبساسيري في خلال ذلك مقيم بدار الخلافة إلى أن ظهر الوزير، وقام بهم بما عليهم من أثمان دوابه وقماشه.
واتصل الهرج وعاد الأعراب والأكراد إلى العيث والإغارة والنهب والقتل، وجاءت أصحاب قريش صاحب الموصل فكبسوا حلل كامل ابن عمه بالبردوان، ونهبوا منها دواب وجمالا من البخاتي. كانت هناك للبساسيري فتضاعف الهرج وانحل نظام الملك. ووصل عساكر الغز إلى الدسكرة مع إبراهيم بن إسحاق من أمراء طغرلبك ورستبارد فاستباحوها. ثم تقدموا إلى قلعة البردوان وقد عصى صاحبها سعدي على طغرلبك فامتنعت عليهم، فعاثوا في نواحيها وخربت تلك الأعمال وانجلى أهلها.
وسارت طائفة أخرى إلى الأهواز فخربوا نواحيها، وقوي طمع السلجوقية في البلاد وخافت الديلم ومن معهم من الأتراك وضعفت نفوسهم، ثم بعث طغرلبك أبا علي بن أبي كاليجار الذي كان صاحب البصرة في عساكر السلجوقية إلى خوزستان، فانتهى إلى سابور خواست، وكاتب الديلم بالوعد والوعيد فنزع إليه أكثرهم واستولى على الأهواز، ونهبها عساكر السلجوقية وصادروا أهلها وهرب أهلها منهم.
** (الوحشة بين القائم والبساسيري) **
قد قدمنا ما وقع من قريش بن بدران في نهب حلل البساسيري أصحابه سنة ست وأربعين وأربعمائة ثم وصل إلى بغداد أبو الغنائم وأبو سعد ابنا المحلبان صاحب [1] قريش ودخلا في خفية، فهم البساسيري بأخذهما، فأجارهما الوزير رئيس الرؤساء عليه، فغضب وسار إلى جرى والأنبار فملكهما ورجع ولم يعرج على دار الخلافة وأسقط مشاهرات القائم والوزير وحواشي الدار من دار الضرب، ونسب إلى الوزير مكاتبته طغرلبك. ثم سار في ذي الحجة من سنة ست وأربعين وأربعمائة إلى الأنبار
وبها أبو الغنائم بن المحلبان، ونصب عليها المجانيق ودخلها عنوة وأسر أبا الغنائم في خمسمائة من أهلها، ونهب البلاد وعاد إلى بغداد وقد شهر أبا الغنائم وهم بصلبه، فشفع فيه دبيس بن صدقة، وكان قد جاء مددا له على حصار الأنبار فشفعه وصلب جماعة من الأسرى.
** (وثوب الأتراك بالبساسيري ونهب داره) **
كان هذا البساسيري مملوكا لبعض تجار بسا من مدائن فارس فنسب إليها. ثم صار لبهاء الدولة بن عضد الدولة، ونشأ في دولته وأخذت النجابة بضبعه. وتصرف في خدمة بيته إلى أن صار في خدمة الملك الرحيم. وكان يبعثه في المهمات ومدافعة هذه الفتن. فدافع الأكراد من جهة حلوان، ودافع قريش بن بدران من الجانب الغربي وهما قائمان بدعوة طغرلبك. ثم سار إلى الملك الرحيم بواسط وقد تأكدت الوحشة بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء كما تقدم. وبعث إليه وزيره أبو سعد النصراني بجرار خمر، فدس عليها الوزير قوما ببغداد كانوا يقومون في تغيير المنكر فكسروها. وأراقوا خمرها فتأكدت الوحشة بذلك، واستفتى البساسيري الفقهاء الحنفية في ذلك فأفتوه باحترام مال النصراني، ولا يجوز كسرها عليه ويغرم من أتلفها. وتأكدت الوحشة بين الوزير وبين البساسيري وكانت الوحشة بينه وبين الأتراك كما مر. فدس الوزير بالشغب على البساسيري فشغبوا، واستأذنوا في نهب دوره، فأذن لهم من دار الخلافة فانطلقت أيدي النهب عليها، وأشاع رئيس الرؤساء أنه كاتب المستنصر العلوي صاحب مصر، واتسع الخرق، وكاتب القائم الملك الرحيم بإبعاد البساسيري، وأنه خلع الطاعة وكاتب المستنصر العلوي فأبعده الملك الرحيم.
** (استيلاء طغرلبك على بغداد والخليفة ونكبة الملك الرحيم وانقراض دولة بني بويه) **
كان طغرلبك قد سار غازيا إلى بلاد الروم فأثخن فيها. ثم رجع إلى الري فأصلح فسادها. ثم وصل همذان في المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة عاملا على الحج، وأن
يمر بالشام ويزيل دولة العلوية بمصر. وتقدم إلى أهل الدينور وقرميس وغيرهما باعداد العلوفات والزاد في طريقه، وعظم الإرجاف بذلك في بغداد وكثر شغب الأتراك، وقصدوا ديوان الخلافة يطلبون القائم في الخروج معهم لمدافعة، وعسكروا بظاهر البلد. فوصل طغرلبك إلى حلوان وانتشر أصحابه في طريق خراسان وأجفل الناس إلى غربي بغداد، وأصعد الملك الرحيم من واسط بعد أن طرد عنه البساسيري بأمر القائم، فلحق بدبيس بن صدقة صاحب الحلة لصهر بينهما.
وبعث طغرلبك إلى القائم بطاعته والى الأتراك بالمواعيد الجميلة، فرد الأتراك كتابه وسألوا من القائم رده عنهم فأعرض، وجاء الملك الرحيم يعرض نفسه فيما يختاره فأمر بتقويض الأتراك خيامهم، وأن يبعثوا بالطاعة لطغرلبك ففعلوا وأمر القائم الخطباء بالخطبة لطغرلبك، فبعث إلى طريقهم الوزير أبا نصر الكندري، وأمر الأجناد ثم دخل طغرلبك بغداد يوم الخميس ليومين من رمضان، ونزل بباب الشمناسية، ووصل قريش صاحب الموصل وكان في طاعته قبل ذلك. ثم انتشرت عساكر طغرلبك في البلد وأسواقها فوقعت الهيعة، وظن الناس أن الملك الرحيم أذن بقتال طغرلبك فأقبلوا من كل ناحية، وقتلوا الغز في الطرقات إلا أهل الكرخ فإنهم أمنوهم، وأجاروهم وشكر الخليفة لهم ذلك، وتمادى العامة في ثورتهم وخرجوا إلى معسكر طغرلبك. ودخل الملك الرحيم بأعيان أصحابه إلى دار الخلافة تفاديا من الظنة به، وركبت عساكر طغرلبك فهزموا العامة وكسروهم، ونهبوا بعض الدروب ودروب الخلفاء والرصافة ودرب الدروب. وكانت هذه الدروب قد نقل الناس إليها أموالهم ثقة باحترامها، وفشا النهب واتسع الخرق، وأرسل طغرلبك من الغد إلى القائم بالعتب على ما وقع، ونسبه إلى الملك الرحيم ويطلب حضوره وأعيان أصحابه فيكون براءة لهم، فأمرهم الخليفة بالركوب إليه، وبعث معهم رسوله ليبرثهم فساروا في ذمامه، وأمر طغرلبك بالقبض عليهم ساعة وصولهم.
ثم حمل الملك الرحيم إلى قلعة السيروان فحبس بها وذلك لست سنين من ولايته، وانقرض أمر بني بويه ونهب في الهيعة حلة قريش صاحب الموصل. ونجا سليمان إلى خيمة بدر بن مهلهل فأجاره، ثم خلع عليه طغرلبك ورده إلى حلله. ونقم القائم على طغرلبك ما وقع، وبعث في إطلاق المحبوسين فاتهم في ذمامه، وهدده بالرحيل عن بغداد فأطلق بعضهم ومحا عسكر الرحيم من الدواوين، وأذن لهم في السعي في
معاشهم، فلحق كثير منهم بالبساسيري فكثر جمعه. واستصفى طغرلبك أموال الأتراك ببغداد من أجله، وبعث إلى دبيس بابعاده، فلحق بالرحبة وكاتب المستنصر صاحب مصر بالطاعة.
وخطب دبيس لطغرلبك في بلاده وانتشر الغز في سواد بغداد فنهبوه، وفشا الخراب فيه، وانجلى أهله، وولى طغرلبك البصرة والأهواز هزارشب فخطب لنفسه بالأهواز فقط، وأقطع الأمير أبا علي ابن الملك أبي كاليجار قرميس وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم في نداء الصبح الصلاة خير من النوم، وأمر بعمارة دار الملك فعمرت على ما اقترحه، وانتقل إليها في شوال سنة سبع وأربعين وأربعمائة واستقرت قدمه في الملك والسلطان، وكانت له الدولة التي ورثها بنوه وقومه السلجوقية ولم يكن للإسلام في العجم أعظم منها. والملك لله يؤتيه من يشاء.
** (الخبر عن دولة وشمكير وبنيه من الجيل اخوة الديلم وما كان لهم من الملك والسلطان بجرجان وطبرستان وأولية ذلك ومصايره) **
قد تقدم لنا ذكر مرداويج بن زيار، وأنه كان من قواد الديلم للأطروش، وأنه من الجيل إخوة الديلم، وكانت حالهم واحدة. وكان منهم قواد للعلوية استظهروا بهم على أمرهم حتى إذا انقرضت دولة الأطروش وبنيه على حين فشل الدولة العباسية، ومحي أعمالها من السلطان، ساروا في النواحي لطلب الملك متفرقين فيها فملكوا الري وأصفهان وجرجان وطبرستان والعراقين وفارس وكارمان، كل منهم في ناحية وتغلب بنو بويه على الخليفة وحجروه إلى آخر أيامهم. وذكرنا أن مرداويج عند ما استفحل ملكه بعث عن أخيه وشمكير من بلاد كيلان سنة عشرين وأربعمائة فاستظهر به على أمره، وولاه على الأعمال الجليلة، وكان قد استولى على أصفهان والري وأصبح من أعظم الملوك، وكان له موال من الأتراك تنكروا له لشدته عليهم فاغتالوه، وقتلوه في محرم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فاجتمعت العساكر بعده على أخيه وشمكير بالري، وبعث إلى ما كان بن كالي وهو بكرمان بعد ما ملكها من أبي علي بن إلياس
بالمسير إليه بالري مع ابن محتاج. وسار ما كان على المفازة إلى الدامغان وبعث وشمكير قائده تاتجيز الديلمي مع جيش كثيف لاعتراضه، ومع ما كان عسكر ابن مظفر مددا له، فتقاتلوا وهزمهم تاتجيز فعادوا إلى نيسابور، وجعلت ولايتها لما كان وقد مر ذكر ذلك كله. ثم سار تاتجيز إلى جرجان وأقام بها، ثم هلك آخر السنة من سقطة عن فرسه، فاستولى عليها ما كان وحاصره ابن محتاج سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة فملكها وسار ما كان إلى طبرستان فأقام بها. وكان ركن الدولة بن بويه غلب على أصفهان فبعث وشمكير عساكره إلى ما كان مددا له في حروبه مع ابن محتاج، فاغتنم ركن الدولة خلو [1] وشمكير من العساكر فسار إلى أصفهان فملكها، واتصل ما بينه وبين صاحب خراسان وانفرد وشمكير بملك الري.
** (استيلاء عساكر خراسان على الري والجيل وملك وشمكير طبرستان) **
لما ملك ركن الدولة أصفهان وصل يده بأبي علي بن محتاج صاحب خراسان، هو وأخوه عماد الدولة صاحب فارس، وحرضاه على أخذ الري من وشمكير رجاء أن يكون طرفا لعمله فيتمكن به من ملكها، فسار أبو علي لذلك، واستمد وشمكير ما كان للمدافعة فجاء بنفسه. وبعث ركن الدولة مددا لابن محتاج فلقوه بإسحاق آباد وتقاتلوا فانهزم وشمكير ولحق بطبرستان فملكها، وقتل ما كان بالمعركة واستولى أبو علي على الري. ثم بعث أبو علي العساكر إلى بلد الجيل فاستولى على زنكان وأبهر وقزوين وكرج وهمذان ونهاوند والدينور إلى حلوان.
** (استيلاء الحسن بن القيرزان [2] على جرجان) **
كان الحسن بن القيرزان ابن عم ما كان، وكان مناهضه في الصرامة، فلما قتل ما كان
وملك وشمكير طبرستان بعث إليه بالدخول في طاعته فأبى، ونسبه إلى المواطأة على قتل ما كان فقصده وشمكير ففارق سارية وسار إلى ابن محتاج صاحب خراسان.
واستنجده فسار معه ابن محتاج وحاصر وشمكير بسارية حولا كاملا حتى رجع إلى طاعة ابن سامان، وأعطى ابنه سلار رهينة بذلك ورجع هو والحسن إلى خراسان وهو مكابده للصلح، ولقيهما موت سعيد بن سامان فثار الحسن بأبي علي بن محتاج ونهب سواده وأخذ ابن وشمكير الذي كان عنده، ورجع فملكها من يد إبراهيم بن سيجور الدواني [1] ولحق ابن سيجور بنيسابور فعصى علي بن محتاج كما مر في أخبارهم.
** (رجوع الري لوشمكير واستيلاء ابن بويه عليها) **
لما انصرف ابو علي إلى خراسان وفعل به الحسن ما ذكرناه، سار وشمكير إلى الري فملكها وراسله ابن القيرزان يستميله، ورد عليه ابنه سلار فصانعه ولم يبالغ محافظة على عهد ابن محتاج. ثم طمع ركن الدولة بن بويه في ملك الري لخلو يده وقلة عسكره فسار إليه وهزمه، واستأمن كثير من عسكره إليه وملك الري، ورجع وشمكير إلى طبرستان فاعترضه الحسن وهزمه فلحق بخراسان، وراسل ابن القيرزان ركن الدولة بن بويه وواصله.
** (استيلاء وشمكير على جرجان) **
لما ملك ابن بويه الري من يد وشمكير ولحق طبرستان واعترضه ابن القيرزان وهزمه، ولحق بخراسان سار إلى نوح بن سامان مستنجدا به، وبعث معه عسكرا، وأرسل إلى ابن محتاج صاحب خراسان بمظاهرته، فبعثه فيمن معه إلى جرجان وبها الحسن بن القيرزان فهزمه وشمكير وملك جرجان.
** (استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان) **