John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 28

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 40 of 67

لما ملك وشمكير جرجان من يد الحسن بن القيرزان سار إلى ركن الدولة بن بويه، وأقام عنده بالري ثم سار سنة ست وثلاثين وثلاثمائة إلى بلاد وشمكير ولقيهم فهزموه وملك ركن الدولة طبرستان، وسار منها إلى جرجان، واستأمن إليه قواد وشمكير وولى الحسن بن القيرزان على جرجان ورجع إلى الري، وسار وشمكير إلى خراسان مستنجدا بابن سامان، فأمر منصور بن قراتكين صاحب خراسان أن يستوفد العساكر لإنجاده فسار معه، وكان مصطنعا عليه، وكتب وشمكير إلى ابن سامان يشكو من ابن قراتكين، ثم كتب الأمير نوح إلى أبي علي بن محتاج أن يسير معه إلى الري فسار معه وقاتلوا ركن الدولة فلم يظفروا به حتى صالحهم كما تقدم، ورجع إلى وشمكير فانهزم أمامه إلى أسفراين، وملك ابن بويه طبرستان وحاصر سارية وملكها، ولحق وشمكير بجرجان وسار [1] إلى جرجان في طلب وشمكير إلى بلد الجيل واستولى ابن بويه عليها.

** (وفاة وشمكير وولاية ابنه بهستون) **

لما غلب بنو بويه على كرمان من يد أبي علي بن إلياس لحق وشمكير بالأمير منصور بن نوح ببخارى مستنصرا به، وأطمعه في ممالك بني بويه. وأسر إليه أن قواده بخراسان لا يناصحونه في شأنه فكتب إلى أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور صاحب خراسان بالمسير إلى الري بطاعة وشمكير والتصرف عن رأيه، واستعد ركن الدولة للقائهم واستنجد ابنه عضد الدولة وخالفهم إلى خراسان وبلغهم الخبر فتوقفوا بالدامغان يستطلعون الأخبار. وركب وشمكير للصيد فاعترضه خنزير فرماه بحربة من يده فحمل عليه الخنزير فشب الفرس وسقط وشمكير إلى الأرض ومات من سقطته

في محرم سنة سبع وخمسين وأربعمائة وانتقض جميع ما كانوا فيه [1] ، ولما مات وشمكير قام ابنه بهستون مقامه، وراسل ركن الدولة وصالحه فأمده بالعساكر والأموال.

** (وفاة بهستون وولاية أخيه قابوس) **

ثم توفي بهستون بن وشمكير بجرجان سنة ست وستين وثلاثمائة لسبع سنين من ولايته، وكان أخوه قابوس عند خاله رستم بجبل شهريار، وترك بهستون ابنا صغيرا بطبرستان في كفالة جده لأمه فطمع له جده في الملك وبادر به إلى جرجان وقبض على من كان عنده ميل إلى قابوس من القواد، وفي خلال ذلك وصل قابوس فخرج الجيش إليه واجتمعوا عليه وملكوه، وهرب أصحاب ابن منصور فكفله عمه قابوس وجعله إسوة بنيه، وقام بملك جرجان وطبرستان.

** (استيلاء عضد الدولة على جرجان وطبرستان) **

لما توفي ركن الدولة سنة ست وستين وثلاثمائة وعهد لابنه عضد الدولة وولى ابنه فخر الدولة على همذان وأعمال الجيل، وابنه مؤيد الدولة على أصفهان. وكان بختيار بن معز الدولة ببغداد فاستولى عليه. ثم سار إلى أخيه فخر الدولة بهمذان فهرب إلى قابوس ونزل عضد الدولة الري. وبعث إلى قابوس في طلب أخيه فخر الدولة فأبى، فأمر أخاه مؤيد الدولة بخراسان أن يسير إليه، وأمده بالأموال والعساكر. وسار إلى جرجان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة ولقيه فخر الدولة بخراسان عند ما وليها حسام الدولة أبو العباس تاش من قبل الأمير أبي القاسم بن نوح، وكتب إلى العباس تاش يأمره بإنجاد قابوس بن وشمكير وفخر الدولة على مؤيد الدولة، وإعادة قابوس إلى بلده، فزحف في العساكر إلى جرجان وحاصرها شهرين حتى ضاقت أحوالهم.

وكاتب مؤيد الدولة فائقا الخاصة من قواد خراسان واستماله فوعده أن ينهزم بمن معه يوم اللقاء.

وخرج مؤيد الدولة فقاتلهم وانهزم فائق بمن معه كما وعد، ووقف حسام الدولة وفخر الدولة قليلا، ثم اتبعوه منهزمين إلى خراسان. ثم استدعى تاش لتدبير الدولة ببخارى بعد قتل الوزير العتبي، فسار إليه سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة مؤيد الدولة وكان من خبر وفاته ما قدمناه. ووقعت الفتنة بين تاش وابن سيجور وانهزم تاش إلى جرجان وقابله، فخر الدولة من الكرامة والنصرة بما لم يعهد مثله حسبما مر في أخبارهم. ولما ملك فخر الدولة جرجان وطبرستان والري اعتزم على رد جرجان وطبرستان إلى قابوس رغبا لما كان بينهما بدار الغربة، وأنه الذي جر على قابوس الخروج عن ملكه فشاور عن ذلك وزيره الصاحب بن عباد فلم يوافقه، وبقي مقيما بخراسان، وأنجده بنو سامان بالعساكر المرة بعد المرة فلم يقدر له الظفر حتى كان استيلاء سبكتكين.

** (عود قابوس الى جرجان وطبرستان) **

ولما ولي سبكتكين خراسان وعد قابوس برده إلى ملكه جرجان وطبرستان. ثم مضى إلى بلخ فمات سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فأقام قابوس إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فبعث الأصبهبذ إلى جبل شهريار وعليه رستم بن المرزبان خال مجد الدولة. وجمع له فقاتله وانهزم رستم واستولى أصبهبذ على الجيل. وخطب فيه لشمس المعالي قابوس. وكان نائب ابن سعيد بناحية الاستنداويه وكان يميل إلى شمس المعالي فسار إلى آمد وطرد عنها عسكر مجد الدولة واستولى عليها، وخطب فيها القابوس وكتب إليه بذلك. ثم كتب أهل جرجان إلى قابوس يستدعونه فسار إليهم من نيسابور، وسار أصبهبذ، وباتي بن سعيد إليها من مكانهما فخرج إليهما عساكر جرجان فقاتلوهما فانهزم العسكر، ورجعوا إلى جرجان فلقوا مقدمة قابوس عندها فانهزموا ثانية إلى الري.

ودخل شمس المعالي قابوس جرجان في شعبان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وجاءت العساكر من الري لحصاره فأقاموا ودخل فصل الشتاء وتوالت عليهم الامطار وعدمت الأقوات فارتحلوا وتبعهم قابوس وقاتلهم فهزمهم وأسر جماعة من أعيانهم. وملك ما بين جرجان وأستراباذ. ثم أن الأصبهبذ حدث نفسه بالملك، واغتر بما اجتمع له من

الأموال والذخائر فسارت إليه العساكر من الري مع المرزبان خال مجد الدولة فهزموه وأسروه، وأظهروا دعوة شمس المعالي بالجيل لأن المرزبان كان مستوحشا من مجد الدولة، فانضافت مملكة الجيل جميعا الى مملكة جرجان وطبرستان، وولى عليها قابوس ابنه منوجهر ففتح الري وآيات وشالوش [1] وقارن ذلك استيلاء محمود بن سبكتكين على خراسان، فراسله قابوس وهاداه وصالحه على سائر أعماله.

** (مقتل قابوس وولاية ابنه منوجهر) **

كان شمس المعالي قابوس قد استفحل ملكه، وكان شديد السطوة مرهف. الحد فعظمت هيبته على أصحابه وتزايدت حتى انقلبت إلى العتو، فأجمعوا على خلعه، وكان ببعض القلاع فساروا إليه ليمسكوه بها فامتنع عليهم فانتهبوا موجودة، ورجعوا إلى جرجان وجاهروا بالخلعان، واستدعوا ابنه من طبرستان فأسرع إليهم مخافة أن يولوا غيره، واتفقوا على طاعته بأن يخلع أباه فأجاب إلى ذلك كرها. وسار قابوس من حصنه إلى بسطام يقيم بها حتى تضمحل الفتنة فساروا إليه، وأكرهوا منوجهر على المسير معهم وينفرد هو للعبادة بقلعة ابخيا [2] وأذن له أبوه بالقيام بالملك حذرا من خروجه عنهم، وبقي المتولون لكبر تلك الفتنة من الجند مرتابين من قابوس، وكتبوا من جرجان إلى منوجهر يستأذنونه في قتله، ولم ينتظروا رد الجواب وساروا إليه فدخلوا عليه البيت وجردوه من ثيابه، فما زال يستغيث حتى مات من شدة البرد، وذلك سنة ثلاث وأربعمائة لخمس عشرة سنة من استيلائه، وقام بالملك ابنه منوجهر

وخطب له على منابره ولم يزل في التدبير على الرهط الذين قتلوا أباه حتى أباد كثيرا منهم وشرد الباقين.

** (وفاة منوجهر وولاية ابنه أنوشروان) **

ولما سار محمود بن سبكتكين سنة عشرين وأربعمائة عند ما قبض حاجبه على مجد الدولة، وملك الري بدعوة محمود. وسار إليه محمود فهرب منوجهر بن قابوس من جرجان، وبعث إليه بأربعمائة ألف دينار ليصلحه، وتحصن منه بجبال وعرة. ثم أبعد المذهب ودخل في الغياض الملتفة، وأجابه محمود فبعث إليه منوجهر بالمال ونكب عنه في رجوعه إلى نيسابور. ثم توفي منوجهر إثر ذلك سنة ست وعشرين وأربعمائة وولي بعده ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ولايته وقرر عليه خمسمائة ألف أميري، وخطب لمحمود في بلاد الجيل إلى حدود أرمينية. ثم استولى مسعود بن محمود أعوام الثلاثين على جرجان وطبرستان، ومحا دولة بني قابوس كأن لم تكن والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن دولة مسافر من الديلم بآذربيجان ومصايره) **

كانت أذربيجان عند ظهور الديلم وانتشارهم في البلاد واستيلائهم على الأعمال أعوام الثلاثين والثلاثمائة بيد رستم بن إبراهيم الكردي من أصحاب يوسف بن أبي الساج.

وكان من خبره أن أباه إبراهيم من الخوارج من أصحاب هارون الشادي [1] الخارج بالموصل هرب بعد مقتله إلى أذربيجان. وأصهر في الأكراد إلى بعض رؤسائهم، فولد له ابنه رستم ونشأ في أذربيجان. ولما كبر استضافه ابن أبي الساج، وتنقل في الأطوار إلى أن استولى على أذربيجان بعد يوسف بن أبي الساج، وكان معظم جيوشه الأكراد. ولما استولى الديلم على البلاد وملك وشمكير الري ولى أعمال الجيل لشكري

وجمع الأموال والرجال، وسار لشكري الى أذربيجان ليملكها سنة ست وعشرين وثلاثمائة وحاربه دسيم في بعض جهات أذربيجان، واستولى لشكري على سائر بلاد أذربيجان إلا أردبيل، فإن أهلها امتنعوا ثقة بحصن بلادهم.

وراسلهم فلم يجيبوه وحاصرها وشد حصارها، وثلم سورها وملكها أياما يدخل نهارا ويخرج إلى عساكره ليلا. ثم ثدوا ثلم السور وامتنعوا وعادوا إلى الحصان. واستدعوا دسيما فجاء لقتال لشكري من ورائه، وناشبته أهل أردبيل القتال من أمامه فانهزم وقتل عامة أصحابه، وتحيزوا إلى موقان. واستنجد أصبهبذ بن دوالة فجمعوا وساروا إلى دسيم فانهزم أمامهم، وعبر نهر أرس، وقصد وشمكير في الري واستنجده، وضمن له مالا كل سنة، فبعث معه عسكرا واستمال عسكر لشكري فداخلوه وكاتبوا وشمكير بالطاعة.

وعلم بذلك لشكري فتأخر إلى الزوزن عازما على الموصل أن يملكها، ومر بأرمينية فنهب وسبى، ولما انتهى إلى الزوزن لقيه بعض الرؤساء من الأرمن وصانعه بالمال على بلده حتى كف عنها وأكمن له في مضيق بطريقة، ودس لبعض الأرمن أن ينهبوا شيئا من ثقله، ويسلكوا المضيق، وركب لشكري في أثرهم فقتله الكمين ومن معه، وقدم أهل العسكر عليهم ابنه الشكرستان، ورجعوا إلى بلد الطرم الأرميني ليثأروا من الأرمن بصاحبهم. وكان أكثر بلده مضايق فقاتلهم الأرمن عليها وفتكوا فيهم، ولحق العسكر والشكرستان في الفل بالموصل فأقام بها عند ناصر الدولة بن حمدان، وكانت له معادن أذربيجان وولى عليها ابن عمه أبا عبد الله الحسين ابن سعيد بن حمدان. وبعث الشكرستان وأصحابه فقاتلهم دسيم على المعادن، وغلبهم عليها ورجعوا واستولى دسيم على أذربيجان.

** (استيلاء المرزبان بن محمد بن مسافر على آذربيجان) **

كان محمد بن مسافر من كبار الديلم وكان صاحب الطرم وكان له أولاد كثيرون منهم سلار ومنهم صعلوك ومنهم وهشودان والمرزبان أمه بنت حسان ووهشودان ملك الديلم وقد مر خبره، وكان دسيم بن إبراهيم الكردي بعد مدافعة لشكري وابنه عن

أذربيجان أقام عنده بعض الديلم من عسكر وشمكير الذين أنجدوه على شأنه. ثم إن قومه من الأكراد استبدوا عليه بأطراف أعماله، وملكوا بعض القلاع فاستظهر عليهم بأولئك الديلم وغلبهم، واستدعى صعلوك بن محمد من قلعة أبيه الطرم فجاء إليه جماعة من الديلم وسار بهم إلى التي تغلب عليها الأكراد فانتزعها منهم، وقبض على جماعة منهم. ثم استوحش منه وزيره أبو القاسم علي بن جعفر من أهل أذربيجان فهرب إلى الطرم ونزل على محمد بن مسافر عند ما استوحش منه ابناه وهشودان والمرزبان، وغلبا على بعض قلاعه.

ثم قبضا عليه وانتزعا منه أمواله وذخائره فتقرب الوزير علي بن جعفر إلى المرزبان وكان يشاركه في دين الباطنية، وأطمعه في أذربيجان فاستوزره المرزبان، وكانت الديلم الذين عند دسيم وغيره من جنده واستمالهم فأجابوه، وسار المرزبان إلى أذربيجان وبرز دسيم للقائه فنزع الديلم إلى المرزبان، واستأمن إليه كثير من الأكراد، وهرب دسيم إلى أرمينية ونزل على صاحبها حاجيق بن الديراني. وملك المرزبان أذربيجان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وأساء وزيره علي بن جعفر السيرة مع أصحابه فتظافروا عليه وشرعوا في السعاية فيه، فأطمع المرزبان في أموال تبريز يضمنها له.

وسار إليها في عسكر من الديلم وأسر لأهلها أنه جاء لمصادرتهم، فوثبوا بمن معه من الديلم وقتلوهم، واستدعوا دسيم بن إبراهيم فجاء إلى تبريز وملكوه، ولحق به الأكراد الذين استأمنوا إلى المرزبان، فسار المرزبان في عساكره وحاصرهم دسيم بتبريز، وكاتب علي بن جعفر وحلف له على الوفاء بما يرومه منه فطلب منه السلامة، وترك العمل فأجابه واشتد الحصار على دسيم فهرب من تبريز إلى أردبيل، وخرج الوزير إليه فوفى له المرزبان. ثم طلب دسيم أن ينزله بأهله بقلعة من قلاع الطرم ففعل وأقام المرزبان فيها.

** (استيلاء الروس على مدينة بردعة وظفر المرزبان بهم) **

هؤلاء الروس من طوائف الترك ويجاورون الروم في مواطنهم، وأخذوا بدين النصرانية معهم منذ أزمان متطاولة، وبلادهم تجاور بلاد أذربيجان، فركبت طائفة منهم

البحر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ثم صعدوا من البحر في نهر اللكنهر، وانتهوا إلى مدينة بردعة من بلاد أذربيجان وبها المرزبان فخرج إليهم في نحو خمسة آلاف مقاتل من الديلم وغيرهم فهزمهم الروس، وقتلوا الديلم وتبعوهم إلى البلد فملكوه ونادوا بالأمان، وأحسنوا السيرة، وجاءت العساكر الإسلامية من كل ناحية فلم يقدروا عليهم. وظاهرهم العوام والرعاع، فلما انصرفت العساكر غدرت الروسية بهم فقتلوهم، ونهبوا أموالهم واستعبدوهم.

وأحزن المسلمين ذلك واستنفر المرزبان الناس وسار لهم وأكمن لهم كمينا، وزحف إليهم، وخرجوا إليه واستطرد لهم حتى جاوزوا موضع الكمين، فاستمر أصحابه على الهزيمة ورجع هو مع أخيه وصاحب له مستميتين، وخرج الكمين من ورائهم واستلحم الروسية وأميرهم، ونجا فلهم إلى البلد فاعتصموا بحصنه، وكانوا قد نقلوا إليه السبي والأموال، وحاصرهم المرزبان وصابروه. ثم إن ناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل بعث إلى ابن عمه الحسين بن سعد بن حمدان في هذه السنة إلى أذربيجان ليملكها، فبلغ الخبر إلى المرزبان بأنه انتهى إلى سلماس، فجهز عسكرا إلى الروس وسار لقتال ابن حمدان، فقاتله أياما ثم استدعاه ابن عمه ناصر الدولة من الموصل وأخبره بموت توزون وأنه سائر إلى بغداد، وأمره بالرجوع فرجع. وأما الروس فحاصرهم العسكر أياما واشتد فيهم الوباء فانقضوا من الحصن ليلا وحملوا ما قدروا عليه من الأموال ولحقوا باللكن [1] فركبوا سفنهم ومضوا إلى بلادهم، وطهر الله البلاد منهم.

** (مسير المرزبان الى الري وهزيمته وحبسه) **

ولما سارت عساكر خراسان إلى الري وظن المرزبان أن ذلك يشغل ركن الدولة بن بويه عنه، وكان قد بعث رسوله إلى معز الدولة ببغداد فصرفه مذموما مدحورا، فاعتزم على غزو الري، وطمع في ملكه واستأمن إليه بعض قواد الري وأغراه بذلك.

وراسله ناصر الدولة بن حمدان يستحثه لذلك، ويشير عليه ببغداد قبل الري.

وكتب ركن الدولة إلى أخويه عماد الدولة ومعز الدولة يستنجدهما، فبعثوا إليه بالعساكر، وسار بها من بغداد سبكتكين الحاجب. ولما انتهى إلى الدينور انتقض عليه الديلم ووثبوا به، فركب في الأتراك فتخاذل الديلم وأعطوه الطاعة. وكان المرزبان قبل وصول العساكر زحف إلى الري وهزمه ركن الدولة وحبسه، ورجع الفل إلى أذربيجان ومعهم محمد بن عبد الرزاق. واجتمع أصحاب المرزبان على أبيه محمد بن مسافر، وأساء السيرة فهموا بقتله، وكان ابنه وهشودان قد هرب منه واعتصم بحصن له فلحق به أبوه محمد فقبض عليه وهشوذان وضيق عليه حتى مات. ثم استدعى دسيم الكردي من مكانه بقلعة الطرم حيث أنزله المرزبان عند ظفره به، وبعثه إلى محمد بن عبد الرزاق، وأقام بنواحي أذربيجان. ثم رجع إلى الري سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة واستعتب إلى سلطانه نوح بن سامان فأعتبه وعاد إلى طوس.

واستولى دسيم على أذربيجان لوالي القلعة حتى تمكنوا من قتله فقتله المرزبان، ولحق بأخيه وهشوذان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وكان علي بن منسلى [1] من قواد ركن الدولة قد لحق بوهشودان، وأغراه بدسيم، فبعثه وهشودان في العساكر، وكاتب الديلم واستمالهم، وسار إليه دسيم وخلف وزيره أبا عبد الله النعيمي بأردبيل فجمع مالا كان صادره عليه، وهرب بما معه من المال إلى علي بن منسلى.

وبلغ الخبر إلى دسيم عند أذربيجان، فعاد الى أردبيل، وشغب عليه الديلم ففرق فيهم ما كان معه من المال، وسار للقاء علي بن منسلى فالتقيا. وهرب الديلم الذين معه إلى علي بن منكلى، وانهزم هو إلى أرمينية. ثم جاءه الخبر بأن المرزبان تخلص من محبسه بقلعة سيرم وملك أردبيل، واستولى على أذربيجان. وأنفذ العساكر في طلبه فهزم دسيم إلى بغداد فأكرمه معز الدولة وأقام عنده. ثم استدعاه شيعته بأذربيجان سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة فسار إليهم وطلب من معز الدولة المدد لأن أخاه ركن الدولة كان قد صالح المرزبان، فسار دسيم إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، واستنجد به فلم ينجده، فسار إلى سيف الدولة، فأقام عنده بالشام. فلما كان سنة أربع وأربعين خرج على المرزبان خارج باب الأبواب فسار إليه، وخالفه دسيم إلى أذربيجان فاستدعاه مقدم من الأكراد وملك سلماس فبعث اليه المرزبان

قائدا من قواده فهزمه دسيم. ولما فرغ المرزبان من أمر الخارج وعاد إلى أذربيجان هرب دسيم إلى أرمينية واستجاش بابن الديراني، وكتب إليه المرزبان بحمل دسيم إليه، فسلمه وحبسه حتى إذا توفي المرزبان قتله بعض أصحابه حذرا من فتنته.

** (وفاة المرزبان وولاية ابنه خستان) **

ثم توفي المرزبان صاحب أذربيجان سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وعهد بالملك إلى أخيه وهشودان وبعده لابنه خستان [1] ، وكان قد أوصى نوابه بالقلاع أن يسلموها لابنه خستان، ثم لأخويه إبراهيم وناصر، ثم إلى أخيه وهشودان عند ما عهد بالعهد الثاني إلى أخيه عرفه بإمارات بينه وبين نوابه يرجعون إليها في ذلك. وبعث إلى النواب عبد الله النعيمي. وهرب وهشودان من أردبيل فلحق بالطرم وجاء قواد المرزبان إلى خستان بن شرمول [2] فإنه كان مقيما على أرمينية فانتقض بها.

** (مقتل خستان واخوته واستيلاء عمهم وهشودان على آذربيجان) **

ولما ولي خستان بن المرزبان انغمس في لذاته وعكف على اللهو، وقبض على وزيره أبي عبد الله النعيمي، وكان خستان بن برسموه منتقضا بأرمينية وقد ملكها، وكان وزيره أبو الحسن عبد الله بن محمد بن حمدويه صهرا للوزير النعيمي فاستوحش لنكبته، وحمل صاحبه ابن سرمدن [3] على مكاتبة إبراهيم بن المرزبان، فأطمعه في الملك وسار به إلى مراغة فملكها فراسله أخوه خستان، وسار إلى موقان وكان

بأذربيجان رجل من ولد المكتفي متنكرا يدعو للرضا من آل محمد ويأمر بالعدل، ويلقب بالمجير، وكثرت جموعه، فبعث إليه النعيمي من موقان وأطمعه في الخلافة، وأن يملكه أذربيجان على أن يقصد بغداد ويترك لهم أذربيجان، فسارا إليه خستان وإبراهيم ابنا المرزبان فهزماه وقتلاه فلما رأى وهشودان الخلاف بين بني أخيه المرزبان استمال إبراهيم، وسار ناصر إلى موقان وطمع الجند في المال فساروا إلى ناصر وملكوا بهم أردبيل.

وطالبه الجند بالمال فعجز وقعد عمه وهشودان عن نصره وتبين له أنه كان يخادعه، فاجتمع مع أخيه خستان واضطربت عليهما الأمور وانتقضت أصحاب الأطراف فاضطرهما الحال إلى طاعة عمهما وهشودان وراسلاه في ذلك، واستحلفاه وقدما عليه مع أمهما، فغدر وقبض عليهم، وعقد الإمارة على أذربيجان لابنه إسماعيل، وسلم له أكثر قلاعه. ولحق إبراهيم بن المرزبان بمراغة، وجمع لاستنقاذ أخويه ومنازعة إسماعيل فقتل وهشودان أخويه وأمهما، وأمر خستان بن سرمدن بقتال إبراهيم بمراغة وبعث اليه بالمدد. وانضم إبراهيم إلى نواحي أرمينية سنة تسع وأربعين فاستولى ابن سرمدن على مراغة واستضافها إلى أرمينية. وجمع إبراهيم. وكانت ملوك أرمينية من الأرمن والأكراد، وأصلح خستان بن سرمدن. ثم جاء الخبر بوفاة إسماعيل ابن عمه فسار إلى أردبيل فملكها، وانصرف ابن منسلى إلى وهشودان، وزحف إليهما إبراهيم وهزمهما، فلحقا ببلاد الديلم، واستولى إبراهيم على أعمال وهشودان. ثم جمع وهشودان وعاد إلى قلعته بالطرم، وبعث أبو القاسم بن منسلى العساكر لقتال إبراهيم فهزموه، ونجا إلى الري مستنجدا بركن الدولة لصهر بينهما.

** (استيلاء إبراهيم بن المرزبان ثانيا على آذربيجان) **

قد تقدم هزيمة إبراهيم بن المرزبان أمام عساكر ابن منسلى، وأنه لحق بركن الدولة مستنجدا به، فبعث معه الأستاذ أبا الفضل بن العميد في العساكر فاستولى على أذربيجان، وحمل أهلها على طاعة إبراهيم، وقاد له خستان بن سرمدن وطوائف الأكراد فتمكن من البلاد وكتب ابن العميد إلى ركن الدولة أن يعطيه ملكها. ولعله

يعوض إبراهيم عنها لكثرة جبايتها وقلة معرفة إبراهيم بالجباية، وأن يشهد فيها بالخروج عن ملكه فأبى من ذلك، وقال لا أفعل ذلك بمن استجار بي فسلم له ابن العميد البلاد ورجع.

(تنبيه) أخبار بني مسافر المعروفين ببني السلار ملوك أذربيجان نقلتها من كتاب ابن الأثير وإلى هاهنا انتهى في أخبارهم وأحال على ما بعده فقال بعد ذلك: وكان الأمير كما ذكر ابن العميد قد أخذ إبراهيم وحبسه على ما ذكره، ولم نقف على ذكر شيء من أخبار إبراهيم بعد ذلك ولا من خبر قومه. وذكر أن محمود بن سبكتكين بعد خبر استيلائه على الري سنة عشرين وأربعمائة أنه بعث إلى المرزبان بن الحسين بن حرابيل [1] من أولاد ملوك الديلم، والتجأ الى محمود فبعثه إلى بلاد السلار، وهو إبراهيم بن المرزبان بن إسماعيل بن وهشودان بن محمد بن مسافر الديلمي، وكان له من البلاد شهرخان [2] وزنجان وشهرزور وغيرها فقصدها واستمال الديلم. وعاد محمود إلى خراسان فسار السلار إبراهيم إلى قزوين فملكها وقتل من عساكر محمود الذين بها وتحصن بقلعة الري، وكان بينهما وقائع ظهر فيها السلار، ثم استمال مسعود بن محمود طوائف من عسكره وجاءوا إليه ودلوه على عورة الحصن الذي فيه السلار وسلكوا بعسكره من طرق غامضة. وبعث إليه العسكر في رمضان سنة ست وعشرين وأربعمائة فانهزم، وقبض عليه مسعود وحمله الى سرجهار وبها ولده [3] ، وطالب أن يسلم إليه القلعة فأبي، وعاود عنه. وتسلم بقية قلاعه، وأخذ أمواله وقرر على ابنه بسرجهار مالا وعلى الأكراد الذين في جواره. وعاد إلى الري، وهذا السلار الذي ذكر غير السلار الأول، ولم يتصل الخبر بالخبر المتقدم. ثم ذكر أخبار الغز الذين تقدموا بين يدي السلجوقية وانتشروا في بلاد الري وملكوها وكثيرا من بلادها، ووصلت طائفة منهم إلى أذربيجان الذين كان مقدمهم بوقا وكوكتاش ومنصور ودانا.

** (دخول الغز آذربيجان) **

يقال دخل هؤلاء الغز إلى أذربيجان وسمر صاحبها يومئذ وهشودان بن غلاك،

فأكرمهم وصاهرهم يدافع شرهم بذلك، ويستميلهم لنصرته فلم يحصل من ذلك بطائل. وعاثوا في البلاد أشد العيث ودخلوا مراغة سنة تسع وعشرين وأربعمائة فقتلوا أهلها وحرقوا مساجدها. وفعلوا كذلك بالأكراد الهمذانية [1] ، فاتفق أهل البلاد على مدافعتهم. وأصلح أبو الهيجاء ابن ربيب الدولة ووهشوذان صاحبا أذربيجان، واتفقت كلمتهما واجتمع معهما أهل همذان فانصرفت تلك الطائفة عن أذربيجان، وافترقوا على الري كما تقدم في أخبارهم. وبقي الغز الذين تقدموا قبلهم، فقاسى منهم أهل أذربيجان شدة، وفتك فيهم وهشوذان بتبريز سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فتكة أوهنت منهم. ودعا منهم جمعا كثيرا إلى صنيع، وقبض على ثلاثين من مقدميهم فقتلهم، وفر الباقون من أرمينية إلى بلاد الهكارية من أعمال الموصل، وكانت بينهم وبين الأكراد وقائع ذكرناها في أخبار الغز بالموصل، ولم يعد ابن الأثير لبني المرزبان ملوك أذربيجان ذكرا إلى أن ذكر استيلاء طغرلبك على البلاد، والمفهوم من فحوى الأخبار أن الأكراد استولوا عليها بعد بني المرزبان والله أعلم.

** (استيلاء طغرلبك على آذربيجان) **

قال ابن الأثير وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة سار طغرلبك إلى أذربيجان وقصد تبريز، وصاحبها الأمير منصور بن وهشوذان بن محمد الروادي فأطاعه وخطب له وحمل إليه، ورهن عنده ولده، فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار صاحب جنزة فأطاع وخطب، وكذلك سائر النواحي أرسلوا إليه يبذلون الطاعة والخطبة، وانقاد العساكر إليه فأبقى عليهم بلادهم، وأخذ رهنهم وسار إلى أرمينية كذلك، وقصد ملازكرد وهي للنصرانية، فعاث في بلادها وخرب أعمالها، وغزا من هنالك بلاد الروم وانتهى إلى أرزن الروم فأثخن في بلادهم ودوخها، وعاد ابن السلار وذكر ابن الأثير خلال هذا غزوة فضلون الكردي إلى الخزر من التركمان على ما مر أول الكتاب فقال: كان بيد فضلون الكردي قطعة كبيرة من أذربيجان فغزا إلى الخزر

سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ودوخ البلاد وقفل، فجاءوا في أثره وكبسوه وقتلوا أيضا بخطط ملك الإنجاز إلى مدينة تفليس فقال: وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف ملك الأنجاز إلى أذربيجان ليتعرف المسلمين على حين وصول الغز إلى أذربيجان وما فعلوه فيها، وسمع الأنجاز بأخبارهم فأجفلوا عن مخلفهم، ووصل وهشوذان صاحب أذربيجان وصرف نظره إلى ملاطفة الغز ومصاهرتهم ليستعين بهم كما مر [1] . هذا آخر ما وجدناه من أخبار ملوك أذربيجان، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

** (الخبر عن بني شاهين ملوك البطيحة ومن ملكها من بعدهم من قرابتهم وغيرهم وابتداء ذلك ومصايره) **

كان عمران بن شاهين من الجامدة، وكان يتصرف في الجباية، وحصل بيده منها مال فتخوف وألح عليه الطلب فهرب إلى البطيحة ممتنعا من الدولة. وكان له نجدة وبأس وصبر على الشظف فأقام هنالك بين القصب والآجام يقتات بسمك الماء والطير، ويتعرض للرفاق التي تمر بالطريق فيأخذها. واجتمع إليه لصوص الصيادين فقوي وامتنع على السلطان، وتمسك بخدمة أبي القاسم بن البريدي صاحب البصرة فأمنه، ووصل حبل الطاعة بيده وقلده حماية تلك النواحي إلى الجامدة دفعا لضرره عن السابلة، فعز جانبه وكثر جمعه وسلاحه، واتخذ معاقل على التلال بالبطائح وغلب على تلك النواحي، ولما استولى معز الدولة على بغداد، وقام بكفالة الخلافة والنظر في أمورها، أهمه شأن عمران هذا وامتناعه في معاقلة في نواحي بغداد، فجهز إليه وزيره أبا جعفر الصيمري في العساكر، وسار إليه سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وتعددت بينهما الحروب والوقائع، ثم هزمه الصيمري. ثم أتاه الخبر بمسيره إلى شيراز كما تقدم في أخبار دولتهم.

** (مسير العساكر الى عمران بن شاهين وانهزامها) **

ولما انصرف الصيمري عن عمران عاد إلى حاله فبعث معز الدولة لقتاله روزبهان من أعيان الديلم في العساكر، فتحصن منه في مضايق البطائح، فطاوله فضجر روزبهان واستعجل قتاله فهزمه عمران وغنم ما معهم، فاستفحل وقوي وأفسد السابلة. وكان أصحابه يطلبون الخفارة من جند السلطان إذا مروا بهم إلى ضياعهم ومعايشهم بالبصرة، فبعث معز الدولة بالعساكر مع المهلبي، وزحف إلى البطائح سنة أربعين وثلاثمائة ودخل عمران في مضايقه، وأشاروا عليه بالهجوم فلم يفعل، فكتب إليه معز الدولة بذلك بإشارة روزبهان فدخل المهلبي المضايق بجميع عسكره، وقد أكمن لهم عمران، فخرج عليهم الكمين وتقسموا بين القتل والغرق والأسر، ونجا المهلبي سابحا في الماء. وكان روزبهان متأخرا في الزحف فسلم، وأسر عمران كثيرا من قوادهم الأكابر ففاداه معز الدولة بمن في أسره من أهله وأصحابه، وقلده ولاية البطائح فاستفحل أمره.

ثم انتقض سنة أربع وأربعين وثلاثمائة لخبر بلغه عن مرض طرق معز الدولة، وأرجف أهل بغداد بموته، ومر به مال من الأموال يحمل إلى معز الدولة ومعه جماعة من التجار فكبسهم وأخذ جميع ما معهم. ثم رد ذلك بعد إبلال معز الدولة من مرضه، وفسد ما بينهما من الصلح! ثم سار معز الدولة إلى واسط سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فبعث العساكر من هنالك لقتال عمران مع أبي الفضل العباس بن الحسن، وقدم عليه نافع مولى ابن وجيه صاحب عمان يستنجده عليها، فانحدر إلى الأبلة، وبعث معه المراكب إلى عمان، وسارت عساكره إلى البطائح، فنزلوا الجامدة وسدوا الأنهار التي تصب إليها.

ثم رجع معز الدولة من الأبلة وطرقه المرض فجهز العساكر لقتال عمران، وعاد إلى بغداد فهلك، وولي بعده ابنه عز الدولة بختيار فأعاد العساكر المجمرة على عمران، وعقد معه الصلح فاستمر حاله. ثم زحف بختيار إليه سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وأقام بواسط يتصيد شهرا. ثم بعث وزيره إلى الجامدة وطرق البطيحة فسد مجاري المياه وقلبها إلى أنهارها، وهي الجسور إلى العراق. ثم جاء المد من دجلة وخرب جميع

ذلك. ثم انتقل عمران إلى معقل آخر ونقل ماله إليه حتى إذا حسر المياه وانتهجت الطرق فقدوا عمران من مكانه، وطال عليهم الأمر وشغب الجند على الوزير فأمر بختيار بمصالحته على ألف ألف درهم، ولما رحل العسكر عنه ثار أصحابه في أطراف الناس فنهبوا كثيرا من العساكر ووصلوا إلى بغداد سنة إحدى وستين وثلاثمائة

** (وفاة عمران بن شاهين وقيام ابنه الحسن مقامه ومحاربته عساكر عضد الدولة) **

ثم توفي عمران بن شاهين فجأة في محرم سنة تسع وستين وثلاثمائة لأربعين سنة من ثورته بعد أن طلبه الملوك والخلفاء ورددوا عليه العساكر فلم يقدروا عليه. ولما هلك قام بعده ابنه الحسن فطمع عضد الدولة فيه، وجهز العساكر مع وزيره وسدوا عليه المياه وأنفق فيها أموالا وجاء المد فأزالها، وبقوا كلما سدوا فوهة فتق الحسن أخرى وفتح الماء أمثالا لها، ثم وافقهم في الماء فاستظهر عسكر الحسن وكان معه [1] المظفر أبو الحسن ومحمد بن عمر العلوي الكوفي، فاتهمه [2] بمراسلة الحسن وإفشاء سره إليه، وخاف أن تنقص منزلته عند عضد الدولة فطعن نفسه فمات، وأدرك بآخر رمق فقال:

محمد بن عمر حملني على هذا، وحمل إلى ولده بكازرون فدفن هنالك، وأرسل عضد الدولة إلى العسكر من رجعه إليه وصالح الحسن بن عمران على مال يحمله وأخذ رهنه بذلك.

** (مقتل الحسن بن عمران وولاية أخيه أبي الفرج) **

كان الحسن بن عمران آسفا على أخيه أبي الفرج وحنقا عليه، ولم يزل يتحيل عليه إلى أن دعاه إلى عيادة أخت لهما مرضت، وأكمن في بيتها جماعة أعدها لقتله، فدخل الحسن منفردا عن أصحابه، فأغلقوا الباب دونهم وقتلوه، وصعد أبو الفرج

إلى السطح فأعلمهم بقتله ووعدهم فسكتوا. ثم بذل لهم المال فأقروه، وكتب إلى بغداد بالطاعة، فكتب له بالولاية، وذلك لثلاث سنين من ولاية الحسن.

** (مقتل أبي الفرج وولاية أبي المعالي بن الحسن) **

ثم إن أبا الفرج لما قتل أخاه الحسن قدم الجماعة الذين قتلوه على أكبار القواد، وكان الحاجب المظفر بن علي كبير قواد عمران والحسن، فاجتمع إليه القواد وشكوا إليه فسكنهم فلم يرضوا وحملوه على قتل أبي الفرج فقتله، ونصب أبا المعالي ابن أخيه الحسن مكانه لأشهر من ولايته. ثم تولى تدبيره بنفسه لصغره، وقتل من كان يخافه من القواد واستولى على أموره كلها.

** (استيلاء المظفر وخلع أبي المعالي) **

ثم إن المظفر بن علي الحاجب القائم بأمر أبي المعالي طمع في الاستقلال بأمر البطيحة فصنع كتابا على لسان صمصام الدولة سلطان بغداد بولايته، وجاء به ركابي عليه أثر السفر وهو بدست إمارته فقرأه بحضرتهم، وتلقاه بالطاعة وعزل أبا المعالي وأخرجه مع أمه إلى واسط وكان يصلهما بالنفقة. وأحسن السيرة بالناس، وانقرض بيت عمران بن شاهين. ثم عهد إلى ابن أخته علي بن نصر ويكنى أبا الحسن، وتلقب بالأمير المختار، وبعده إلى ابن أخته الأخرى ويكنى أبا الحسن ويسمى علي بن جعفر.

** (وفاة المظفر وولاية مهذب الدولة) **

ثم توفي الحاجب المظفر صاحب البطيحة سنة ست وسبعين وثلاثمائة لثلاث سنين من ولايته، وولي بعده ابن أخيه أبو الحسن علي بن نصر بعهده إليه كما مر. وكتب إلى شرف الدولة سلطان بغداد بالطاعة، فقلده ولقبه مهذب الدولة، فأحسن السيرة

وبذل المعروف وأجار الخائف، فقصده الناس وأصبحت البطيحة معقلا. واتخذها الأكابر وطنا، وبنوا فيها الدور والقصور. وكاتب ملوك الأطراف وصاهره بهاء الدولة بابنته، وعظم شأنه واستجار به القادر عند ما خاف من الطائع، وهرب إليه فأجاره، ولم يزل عنده بالبطيحة ثلاث سنين إلى أن استدعي منها للخلافة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.

** (بعث ابن واصل على البطيحة وعزل مهذب الدولة) **

كان من خبر أبي العباس بن واصل هذا أنه كان ينوب عن رزبوك الحاجب، وارتفع معه ثم استوحش منه ففارقه وسار إلى شيراز، واتصل بخدمة فولاد وتقدم عنده. ثم قبض على فولاد فعاد إلى الأهواز. ثم أصعد إلى بغداد، ثم خرج منها وخدم أبا محمد ابن مكرم، ثم انتقل إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة وتقدم عنده. ولما استولى السكرستان [1] على البصرة بعثه مهذب الدولة في العساكر لحربه فقتله وغلبه، ومضى إلى شيراز فأخذ سفن محمد بن مكرم وأمواله، ورجع إلى أسافل دجلة فتغلب عليها، وخلع طاعة مهذب الدولة، فأرسل إليه مائة سميرية مشحونة بالمقاتلة فغرق بعضها وأخذ ابن واصل الباقي وعاد إلى الأبلة فبعث إليه أبا سعيد بن ماكولا فهزمه ثانية، واستولى على ما معه وأصعد إلى البطيحة وخرج مهذب الدولة إلى شجاع بن مروان وابنه صدقة فغدروا به، وأخذوا أمواله، ولحق بواسط، واستولى ابن واصل على البطيحة وعلى أموال مهذب الدولة، وجمع ما كان لزوج له ابنة بهاء الدولة.

وبعث به إلى أبيها وكانت قد لحقت ببغداد. ثم اضطرب عليه أهل البطائح وبعث سبعمائة فارس إلى البلاد المجاورة فقاتلهم أهلها وظفروا بهم، وخشي ابن واصل على نفسه فعاد إلى البصرة وترك البطائح فوضى، ونزل البصرة في قوة واستفحال. وخشي أهل النواحي عاديته فسار بهاء الدولة من فارس إلى الأهواز ليتلافى أمره، واستدعى عميد الجيوش من بغداد وسيره في العساكر إليه فجاء إلى واسط، واستكثر من السفن

وسار إلى البطائح وسار إليه ابن واصل من البصرة فهزمه وغنم ثقله وخيامه ورجع ابن واصل مفلولا [1]

** (عود مهذب الدولة الى البطيحة) **

ولما انهزم عميد الجيوش أقام بواسط فجمع عساكره لمعاودة ابن واصل، ثم بلغه أن نائب بن واسط بالبطائح قد خرج منها مجفلا، فبعث إلى بغداد وبعث بالعساكر، وهم بالانتقاض فاستدعى عميد الجيوش مهذب الدولة من بغداد، وبعثه بالعساكر في السفن إلى البطيحة سنة خمس وستين [2] وثلاثمائة فاستولى عليها. واجتمع عليه أهل الولايات وأطاعوه، وقرر عليها بهاء الدولة خمسين ألف دينار في كل سنة، وشغل عن ابن واصل بتجهيز العساكر إلى خوزستان وطمع في الملك واجتمع عنده كثير من الديلم وأصناف الأجناد. وسار إلى الأهواز وسير بهاء الدولة عسكرا للقائه فهزمهم، ودخل دار الملك وأخذ ما كان فيها. وبعث إلى بهاء الدولة في الصلح فصالحه وزاد في أقطاعه. ثم بعث بهاء الدولة العساكر للقائه وسار إلى الأهواز وزحف إليها ابن واصل ومعه بدر بن حسنوية، فبعث بهاء الدولة الوزير بالبطيحة فهزمه الوزير ثانية، فمضى مع حسان بن محال الخفاجي الكوفي وملك إلى الكوفة، وملك البصرة. وسار ابن واصل إلى دجلة قاصدا بدر بن حسنوية فبلغ جامعين فأنزله أصحاب بدر، وكان أصحاب أبي الفتح بن عنان قريبا منه فكبسه، وجاء به إلى بغداد فبعثه عميد الجيوش إلى بهاء الدولة فقتله سنة ست وتسعين وثلاثمائة كما مر في أخبار الدولة.

** (وفاة مهذب الدولة وولاية ابن أخته عبد الله بن نسي) **

ثم توفي مهذب الدولة عبد الله بن علي بن نصر في جمادى سنة ثمان وأربعمائة، وكان ابن أخته أبو عبد الله محمد بن نسي [1] قائما بأموره ومرشحا للولاية مكانه. وقد اجتمع عليه الجند واستحلفهم لنفسه. وبلغه قبل وفاة خاله أن ابنه أبا الحسن أحمد داخل بعض الجند في البيعة له بعد أبيه فاستدعاه، وحمله إليه الجند فقبض عليه، ودخلت إليه أمه فخبرته الخبر فلم يزد على الأسف له. وتوفي مهذب الدولة من الغد، وولي أبو محمد بن نسي مكانه وقتل أبو الحسين ابن خاله الثلاث من وفاة أبيه.

** (وفاة ابن نسي وولاية السراني) **

ثم توفي أبو عبد الله محمد بن نسي [2] لثلاثة أشهر من ولايته، واتفق الجند على ولاية أبي محمد الحسين بن بكر السراني [3] من خواص مهذب الدولة فولوه عليهم، وبذل لسلطان الدولة ملك بغداد مالا فأقره على ولايته.

** (نكبة السراني وولاية صدقة المازياري) **

وأقام أبو محمد السراني على البطيحة إلى سنة عشر وأربعمائة، وبعث سلطان الدولة صدقة بن فارس المازياري فنكبه وملك البطيحة، وبقي عنده أسيرا إلى أن توفي صدقة وخلص على ما يذكر.

** (وفاة صدقة وولاية سابور بن المرزبان) **

ثم توفي صدقة بن فارس المازياري في محرم لاثنتي عشرة سنة من ولايته، وكان سابور ابن المرزبان بن مردان قائد جيشه. وكان أبو الهيجاء محمد بن عمران بن شاهين قد تنقل بعد موت أبيه في البلاد بمصر، وعند بدر بن حسنويه حتى استقر عند الوزير أبي غالب، ونفق عنده بما كان لديه من الأدب.

** (عزل سابور وولاية أبي نصر) **

ثم إن أبا نصر بن مردان زاد في المقاطعة ولم يبلغها سابور، وتخلى عن الولاية وفارق البطيحة إلى جزيرة بني دبيس، واستقر أبو نصر في ولايتها. ثم عادت إلى أبي عبد الله الحسين بن بكر السراني.

** (عصيان أهل البطيحة على أبي كاليجار) **

وبعث أبو كاليجار سنة ثمان عشرة وأربعمائة وزيره أبا محمد بن نابهشاد [1] إلى البطيحة، ومقدمها يومئذ أبو عبد الله الحسين بن بكر السراني فعسف بالناس في أموالهم، وقسط عليهم مقادير تؤخذ منهم فانجلوا إلى البلاد. وعزم الباقون على قتل السراني، ونما الخبر إلى السراني فجاء إليهم واعتذر إليهم، وأوعدهم بالمساعدة وأشار عليه الوزير بإصلاح السفن حتى زحزحها بحيث لا يتمكن منها. ثم وثبوا به فأخرجوه، وكان عندهم جماعة من عسكر جلال الدولة محبوسين فأخرجوهم، واستعانوا بهم وعادوا إلى الامتناع الذي كانوا عليه أيام مهذب الدولة فتم لهم ذلك.

ثم جاء ابن المعبراني فغلب على البطيحة وأخرج منها السراني فلحق بيزيد بن مزيد،

وأقام بها ابن المعبراني سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة فزحف إليه أبو نصر بن الهيثم فغلبه عليه ونهبها واستقر في ملكها على مال يؤديه لجلال الدولة.

** (استيلاء أبي كاليجار على البطيحة) **

ولما كانت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة بعث أبو كاليجار أبا الغنائم أبا السعادات الوزير في عسكر لحصار البطيحة فحاصرها، وبها أبو منصور بن الهيثم حتى جنح إلى الصلح، واستأمن نفر من أصحابه إلى أبي الغنائم وأخبروه بضعفه وعزمه على الهرب، فحفظ عليه الطرق ولما كان شهر صفر من السنة واقعهم أبو الغنائم فظفر بهم، وقتل من أهل البطيحة خلقا كثيرا وغرقت منهم سفن متعددة وتفرقوا في الآجام، وركب ابن الهيثم السفن ناجيا بنفسه وأحرقت داره ونهب ما فيها.

** (ولاية مهذب الدولة بن أبي الخير على البطيحة) **

ثم كان بعد ذلك لبني أبي الخير ولاية على البطيحة فيما قبل المائة الخامسة وما بعدها ولا أدري ممن هؤلاء بنو أبي الخير، إلا أن ابن الأثير قال: كان إسماعيل ولقبه المصطنع، ومحمد ولقبه المختص، هما ابنا أبي الخير، ولهما رياسة قومهما. وهلك المختص وقام مكانه ابنه مهذب الدولة. ونازع ابن الهيثم صاحب البطيحة إلى أن غلبه مهذب الدولة أيام كوهوايين الشحنة ببغداد. وكان بنو عمه وعشيرته تحت حكمه. وأقطع السلطان محمد سنة خمس وتسعين وخمسمائة مدينة واسط لصدقة بن مزيد صاحب البطيحة والحلة فضمنها منه مهذب الدولة أحمد بن أبي الخير صاحب البطيحة، وفرق أولاده في الأعمال وطالبه صدقة بالأموال وحبسه وضمن حماد ابن عمه واسط. وكان مهذب الدولة يصانع حماد ابن عمه إسماعيل ويداريه، وحماد يطمح إلى رياسته، فلما هلك كوهوايين نازع حماد مهذب الدولة ابن عمه، واجتهد مهذب الدولة في إصلاحه فلم يقدر، فجمع النفيس بن مهذب الدولة فهرب حماد إلى صدقة مستجيشا به، فعاد بالجيش وحاربه مهذب الدولة

وزاده صدقة المدد، فانهزم مهذب الدولة وهلك أكثر عسكره وقوي طمع حماد.

واستمد صدقة فأمده بالعساكر مع مقدم جيشه حميد بن سعيد. وبعث مهذب الدولة لصاحب الجيش بالإقامات والصلات فمال إليه، وأصلح ما بينه وبين صدقة. وبعث مهذب الدولة ابنه النفيس إلى صدقة فأصلح بينهم وبين حماد ابن عمهم، وكان ذلك أعوام الثلاثين.

** (ولاية نصر بن النفيس والمظفر بن حماد من بعده على البطيحة) **

ثم كان انتقاض دبيس بن صدقة أيام المسترشد والسلطان محمود، وكان البرسقي شحنة ببغداد فانتزع السلطان البطيحة من يد دبيس وأقطعها إلى سحان الخادم مولاه، فولى عليها نصر بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن محمد بن أبي الخير. وأمر السلطان محمود البرسقي بالمسير لقتال دبيس فاحتشد وسار لذلك ومعه نصر بن النفيس صاحب البطيحة، وابن عمه المظفر بن حماد بن إسماعيل بن أبي الخير، وبينهما من العداوة المتوارثة ما كان بين سلفهما. والتقى البرسقي ودبيس وهزمه دبيس وجاءت العساكر منهزمة، وبقي نصر بن النفيس وابن عمه حماد عند ساباط النهر فقتله، ولحق بالبطيحة فملكها، وبعث إلى دبيس بطاعته، وبعث دبيس إلى الخليفة يصانعه بالطاعة على البعد، وبلغ الخبر إلى السلطان محمود فقبض على منصور بن صدقة أخي دبيس وولده فكحلهما فاستشاط دبيس وساء أثره في البلاد، وبعث إلى أحيائه بواسط فمنعهم الأتراك الذين بها، فبعث مهلهل بن أبي العسكر مقدم عساكره في جيش، وكتب إلى المظفر بن حماد صاحب البطيحة بمعاضدته على قتال واسط فتجهز وأصعد، وعاجل مهلهل الحرب قبل وصوله فهزمه أهل واسط وغنموا ما معه، وكان في جملتها بخط دبيس وصار معهم، وساءت آثار دبيس في البلاد، ولم يزل حال البطيحة على ذلك. ثم صار أمرها لبني معروف وأجلاهم الخلفاء عنها

** (اجلاء بني معروف من البطيحة) **

كان بنو معروف هؤلاء أمراء بالبطيحة في آخر المائة السادسة، ولا أدري ممن هم. فلما استجمع للخلفاء أمرهم وخرجوا عن استبداد ملوك السلجوقية واقتطعوا الأعمال من أيديهم شيئا فشيئا فصار لهم الحلد والكوفة وواسط والبصرة وتكريت وهيت والأنبار والحديثة. وجاءت دولة الناصر وبنو معروف على البطيحة وكبيرهم معلى. قال ابن الأثير وهم قوم من ربيعة، كانت بيوتهم غربي الفرات تحت سوراء وما يتصل بها من البطائح، وكثرت أذاياتهم وإفسادهم في النواحي. وبلغت الشكوى بهم إلى الديوان فأمر الخليفة الناصر مغذا [1] الشريف متولي بلاد واسط أن يسير إلى قتالهم فاستعد لذلك. وجمع من سائر تلك الأعمال، فسار إليهم سنة ست عشرة وستمائة العير من بلاد البطيحة وفشا القتل بينهم. ثم انهزم بنو معروف، وتفرقوا بين القتل والأسر والغرق، واستبيحت أموالهم وانتظمت البطيحة في أعمال الناصر، ولم يبق بها ملك ولا دولة.

** (الخبر عن دولة بني حسنويه من الأكراد القائمين بالدعوة العباسية بالدينور والصامغان ومبدإ أمورهم وتصاريف أحوالهم) **

كان حسنويه بن الحسين الكردي من طائفة الأكراد يعرفون بالريزنكاس، وعشيرة منهم يسمون الدويلتية، وكان مالكا قلعة سرياج وأميرا على البررفكان. وورث الملك عن خاليه ونداد وغانم ابني أحمد بن علي، وكان صنفهما من الأكراد يسمون العبابية [2] وغلبا على أطراف الدينور وهمذان ونهاوند والصامغان، وبعض نواحي

أذربيجان إلى حدود شهرزور فملكاها نحوا من خمسين سنة، ولكل واحد منهما ألوف من العساكر، وتوفي ونداد بن أحمد سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وقام مقامه ابنه أبو الغنائم عبد الوهاب إلى أن أسره الشاذنجان من طوائف الأكراد، وسلموه إلى حسنويه فأخذ قلاعه وأملاكه.

وتوفي غانم سنة خمسين وثلاثمائة فقام ابنه أبو سالم دسيم مكانه بقلعة فتنان إلى أن أزاله أبو الفتح بن العميد، واستصفى قلاعه المسماة بستان وغانم أفاق وغيرهما [1] . وكان حسنويه حسن السيرة ضابطا لأمره، وبنى قلعة سرماج بالصخور المهندسة وبنى بالدينور جامعا كذلك، وكان كثير الصدقة للحرمين. ولما ملك بنو بويه البلاد واختص ركن الدولة بالري وما يليه كان شيعة ومددا على عدوه فكان يرعى ذلك.

ويغضي عن أموره إلى أن وقعت بين ابن مسافر من قواد الديلم وكبارهم وقعة هزمه فيها حسنويه، وتحصن بمكان فحاصره فيه وأضرمه عليه نارا فكاد يهلك. ثم استأمن له فغدر به وامتعض لذلك ركن الدولة وأدركته نغرة العصبية، وبعث وزيره أبا الفضل بن العميد في العساكر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة فنزل همذان وضيق على حسنويه، ثم مات أبو الفضل فصالحه ابنه أبو الفتح على مال ورجع عنه.

** (وفاة حسنويه وولاية ابنه بدر) **

ثم توفي حسنويه سنة تسع وستين وثلاثمائة وافترق ولده على عضد الدولة لقتال أخيه محمد وفخر الدولة. وكانوا جماعة أبو العلاء وعبد الرزاق وأبو النجم بدر وعاصم وأبو عدنان وبختيار وعبد الملك. وكان بختيار بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر فكاتب عضد الدولة ورغب في طاعته، ثم رغب عنه فسير إليه عضد الدولة جيشا وملك قلعته وغيرها من قلاعهم. ولما سار عضد الدولة لقتال أخيه فخر الدولة وملك همذان والري وأضافهما إلى أخيه مؤيد الدولة، ولحق فخر الدولة بقابوس بن وشمكير

عرج عضد الدولة إلى ولاية حسنويه الكردي فافتتح نهاوند والدينور وسرماج وأخذ ما فيها من ذخائره، وكانت جليلة المقدار وملك معها عدة من قلاع حسنويه ووفد عليه أولاد حسنويه فقبض على عبد الرزاق وأبي العلاء وأبي عدنان، واصطنع من بينهم أبا النجم بدر بن حسنويه وخلع عليه وولاه على الأكراد وقواه بالرجال فضبط ملك النواحي وكف عادية الأكراد بها. واستقام أمره فحسده أخواه، وأظهر عاصم وعبد الملك منهم العصيان، وجمعا الأكراد المخالفين وبعث عضد الدولة العساكر فأوقعوا بعاصم وهزموه وجاءوا به أسيرا إلى همذان، ولم يوقف له بعد ذلك على خبر، وذلك سنة سبعين وثلاثمائة وقتل جميع أولاد حسنويه وأقر بدرا على عمله.

** (حروب بدر بن حسنويه وعساكر مشرف الدولة) **

ولما توفي عضد الدولة وملك ابنه صمصام الدولة ثار عليه أخوه مشرف الدولة بفارس، ثم ملك بغداد. وكان فخر الدولة بن ركن الدولة قد عاد من خراسان إلى مملكة أصفهان والري بعد وفاة أخيه مؤيد الدولة، ووقع بينه وبين مشرف الدولة فكان مشرف الدولة يحقد عليه. فلما استقر ببغداد وانتزعها من يد صمصام الدولة، وكان قائده قراتكين الجهشياري مدلا عليه متحكما في دولته، وكان ذلك يثقل على مشرف الدولة، جهزه في العساكر لقتال بدر بن حسنويه يروم إحدى الراحتين، فسار إلى بدر سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ولقيه على وادي قرميسين. وانهزم بدر حتى توارى ولم يتلقوه ونزلوا في خيامه، ثم كر بدر فأعجلهم عن الركوب، وفتك فيهم واحتوى على ما معهم. ونجا قراتكين في فل إلى جسر النهروان فلحق به المنهزمون، ودخل بغداد واستولى بدر على أعمال الجيل وقويت شوكته واستفحل أمره. ولم يزل ظاهرا عزيزا وقلد من ديوان الخلافة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة أيام السلطان بهاء الدولة ولقب ناصر الدولة. وكان كثير الصدقات بالحرمين، وكثير الطعام للعرب بالحجاز لخفارة الحاج، وكف أصحابه من الأكراد عن إفساد السابلة فعظم محله وسار ذكره.

ابن خلدون م 44 ج 4

** (مسير ابن حسنويه لحصار بغداد مع أبي جعفر بن هرمز) **

كان أبو جعفر الحجاج بن هرمز نائبا بالعراق عن بهاء الدولة، ثم عزله فدال منه بأبي علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز، وتلقب عميد الجيوش فأقام أبو جعفر بنواحي الكوفة، وقاتل عميد الجيوش فهزمه العميد. ثم جرت بينهما حروب سنة ثلاث وستين [1] وثلاثمائة وأقاما على الفتنة والاستنجاد بالعرب من بني عقيل وخفاجة وبني أسد، وبهاء الدولة مشتغل بحرب ابن واصل في البصرة. واتصل ذلك إلى سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وكان ابن واصل قد قصد صاحب طريق خراسان وهو قلج، ونزل عليه واجتمعا على فتنة عميد الجيوش. وتوفي قلج هذه السنة فولى عميد الجيوش مكانه أبا الفتح محمد بن عنان عدو بدر بن حسنويه. وفحل الأكراد المسامي لبدر في الشؤون وهو من الشاذنجان من طوائف الأكراد، وكانت حلوان له فغضب لذلك بدر ومال إلى أبي جعفر، وجمع له الجموع من الأكراد مثل الأمير هندي بن سعدي، وأبي عيسى سادي بن محمد وورام بن محمد وغيرهم. واجتمع له معهم علي بن مزيد الأسدي. وزحفوا جميعا إلى بغداد ونزلوا على فرسخ منها. ولحق أبو الفتح بن عنان بعميد الجيوش، وأقام معه ببغداد حاميا ومدافعا إلى أن وصل الخبر بهزيمة ابن واصل وظهور بهاء الدولة عليه، فأجفلوا عن بغداد. وسار أبو جعفر إلى حلوان ومعه أبو عيسى، وراسل بهاء الدولة، ثم سار ابن حسنويه إلى ولاية رافع بن معن من بني عقيل يجتمع مع بني المسيب في المقلد، وعاث فيها لأنه كان آوى أبا الفتح بن عنان حين أخرجه بدر من حلوان وقرميسين، واستولى عليها فأرسل بدر جيشا إلى أعمال رافع بالجناب ونهبوها وأحرقوها. وسار أبو الفتح بن عنان إلى عميد الجيوش ببغداد فوعده النصر حتى إذا فرغ بهاء الدولة من شأن ابن واصل وقتله، أمر عميد الجيوش بالمسير إلى بدر بن حسنويه لإعانته على بغداد وإمداده ابن واصل [2] فسار لذلك،

ونزل جنديسابور وبعث إليه بدر في الصلح على أن يعطيه ما أنفق على العساكر فحمل إليه ورجع عنه.

** (انتقاض هلال بن بدر بن حسنويه على أبيه وحروبهما) **

كانت أم هلال هذا من الشاذنجان رهط أبي الفتح بن عنان وأبي الشوك بن مهلهل، واعتزلها أبوه لأول ولادته فنشأ مبعدا عن أبيه، واصطفى بدر ابنه الآخر أبا عيسى وأقطع هلالا الصامغان، فأساء مجاورة ابن المضاضي [1] صاحب شهرزور وكان صديقا لبدر فنهاه عن ذلك فلم ينته وبعث ابن المضاضي يتهدده فبعث إليه أبوه بالوعيد فجمع وقصد ابن المضاضي وحاصره في قلعة شهرزور حتى فتحها، وقتل ابن المضاضي واستباح بيته. فاتسع الخرق بينه وبين أبيه، واستمال أصحاب أبيه بدر، وكان بدر نسيكا فاجتمعوا إلى هلال وزحف لحرب أبيه والتقيا على الدينور، وانهزم بدر وحمل أسيرا إلى ابنه هلال فرده في قلعته للعبادة، وأعطاه كفايته بعد أن ملك الحصن الذي تملكه بما فيه. فلما استقر بدر بالقلعة حصنها وأرسل إلى أبي الفتح بن عنان وإلى أبي عيسى سادي بن محمد بأسترآباذ [2] وأغراهما بأعمال هلال، فسار أبو الفتح إلى قرميسين وملكها.

وأساء [3] الديلم فاتبعه هلال إليها ووضع السيف في الديلم. وأمكنه ابن رافع من أبي عيسى فعفا عنه وأخذه معه، وأرسل بدر من قلعته يستنجد بهاء الدولة فبعث إليه الوزير فخر الملك في العساكر، وانتهى إلى سابور خواست. واستشار هلال أبا عيسى بن سادي فأشار عليه بطاعة بهاء الدولة وإلا فالمطاولة وعدم العجلة باللقاء فاتهمه وسار العسكر ليلا فكبسه. وركب فخر الملك في العسكر وثبت، فبعث إليه هلال بأني إنما جئت للطاعة. ولما عاين بدر رسوله طرده وأخبر الوزير أنها خديعة فسر بذلك، وانتفت عنه الظنة ببدر، وأمر العساكر بالزحف فلم يكن بأسرع من مجيء

هلال أسيرا فطلب منه تسليم القلعة لبدر فأجاب على أن لا يمكن أبوه منه، واستأمنت أمه ومن معها بالقلعة فأمنهم الوزير وملك القلعة، وأخذ ما فيها من الأموال يقال أربعون ألف بدرة دنانير، وأربعمائة ألف بدرة دراهم سوى الجواهر والثياب والسلاح، وسلم الوزير فخر الملك القلعة لبدر وعاد إلى بغداد.

** (استيلاء ظاهر بن هلال على شهرزور) **

كان بدر بن حسنويه قد نزل عن شهرزور لعميد الجيوش ببغداد، وأنزل بها نوبة، فلما كانت سنة أربع وأربعمائة، وكان هلال بن بدر معتقلا سار ابنه ظاهر الى شهرزور، وقاتل عساكر فخر الملك منتصف السنة وملكها من أيديهم. وأرسل إليه الوزير يعاتبه ويأمره بإطلاق من أسر من أصحابه ففعل، وبقيت شهرزور بيده.

** (مقتل بدر بن حسنويه وابنه هلال) **

ثم سار بدر بن حسنويه أمير الجيل الى الحسن بن مسعود الكردي [1] ليملك عليه بلاده، وحاصره بحصن كوسجة [2] ، وأطال حصاره فغدر أصحاب بدر وأجمعوا قتله. وتولى ذلك الجورقان من طوائف الأكراد فقتلوه وأجفلوا فدخلوا في طاعة شمس الدولة بن فخر الدولة صاحب همذان وتولى الحسين بن مسعود تكفين بدر ومواراته في مشهد علي. ولما بلغ ظاهر بن هلال مقتل جده وكان هاربا منه بنواحي شهرزور، جاء لطلب ملكه، فقاتله شمس الدولة فهزمه وأسره وحبسه بهمذان، واستولى على بلاده، وصار الكرية والشاذنجان من الأكراد في طاعة أبي الشوك [3] .

وكان أبوه هلال بن بدر محبوسا عند سلطان الدولة ببغداد فأطلقه وجهز معه العساكر ليستعيد بلاده من شمس الدولة، فسار ولقيه شمس الدولة فهزمه وأسره وقتله،

ورجعت العساكر منهزمة إلى بغداد. وكان في ملك بدر سابورخواست والدينور وبروجرد ونهاوند وأستراباذ [1] وقطعة من أعمال الأهواز وما بين ذلك من القلاع والولايات. وكان عادلا كثير المعروف عظيم الهمة. ولما هلك هو وابنه هلال بقي حافده ظاهر محبوسا عند شمس الدولة بهمذان.

** (مقتل ظاهر بن هلال واستيلاء أبي الشوك على بلادهم ورياستهم) **

كان أبو الفتح محمد بن عنان [2] أمير الشاذنجان من الأكراد، وكانت بيده حلوان وأقام عليها أميرا وعلى قومه عشرين سنة. وكان يزاحم بدر بن حسنويه وبنيه في الولايات والأعمال بالجيل. وهلك سنة إحدى وأربعمائة وقام مكانه ابنه أبو الشوك، وطلبته العساكر من بغداد فقاتلهم وهزموه، فامتنع بحلوان إلى أن أصلح حاله مع الوزير فخر الملك لما قدم العراق بعد عميد الجيوش من قبل بهاء الدولة. ثم إن شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه أطلق ظاهر بن هلال بن بدر من محبسه بعد أن استحلفه على الطاعة، وولاه على قومه وعلى بلاده بالجيل، وأبو الشوك صاحب حلوان والسهل، وبينهما المنافسة القديمة، فجمع ظاهر وحارب أبا الشوك فهزمه وقتل سعدي بن محمد أخاه. ثم جمع ثانية فانهزم أبو الشوك أيضا وامتنع بحلوان وملك ظاهر عامة البسيط، وأقام بالنهروان. ثم تصالحا وتزوج ظاهر أخت أبي الشوك فلما أمنه ظاهر وثب عليه أبو الشوك فقتله بثأر أخيه سعدي ودفنه أصحابه بمقابر بغداد، وملك سائر الأعمال ونزل الدينور.

ولما استولى علاء الدولة بن كاكويه على همذان سنة أربع عشرة وأربعمائة عند ما هزم عساكر شمس الدولة بن بويه واستبد عليه، سار الى الدينور فملكها من يد أبي الشوك، ثم إلى سابور خواست وسائر تلك الأعمال. وسار في طلب أبي الشوك فأرسل إليه مشرف الدولة سلطان بغداد وشفع فيه فعاد عنه علاء الدولة. ولما زحف الغز إلى

بلاد الري سنة عشرين وأربعمائة وملكوا همذان وعاثوا في نواحيها إلى أستراباذ وقرى الدينور، خرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك وقاتلهم فهزمهم وأسر منهم جماعة. ثم عقد الصلح معهم على إطلاق أسراهم ورجعوا عنه. ثم استولى أبو الشوك سنة ثلاثين وأربعمائة على قرميسين من أعمال الجيل، وقبض على صاحبها من الأكراد الترهية وسار اخوه إلى قلعة أرمينية فاعتصم بها من أبي الشوك، وكانت لهم مدينة خولنجان، فبعث إليها عسكرا فلم يظفروا وعادوا عنها. ثم جهز آخر وبعثهم ليومهم يسابقون جندهم، ومروا بأرمينية فنهبوا ربضها، وقاتلوا من ظفروا به، وانتهوا إلى خولنجان فكبسوها على حين غفلة واستأمن إليهم أهلها وتحصن الحامية بقلعة وسط البلد فحاصروها وملكوها عليهم في ذي القعدة من السنة.

** (الفتنة بين أبي الفتح بن أبي الشوك وعمه مهلهل) **

كان أبو الفتح بن أبي الشوك نائبا عن أبيه بالدينور، واستفحل بها وملك قلاعا عدة، وحمى أعماله من الغز فأعجب بنفسه ورأى التفوق على أبيه. وسار في شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة إلى قلعة بكورا [1] من قلاع الأكراد وصاحبها غائب وبها زوجته فراسلت مهلهلا لتسلم له القلعة نكاية لأبي الفتح، وكانت حلة مهلهل في نواحي الصامغان فانتظر حتى عاد أبو الفتح عن القلعة وجمعا العساكر لحصارها، وسار إليها أبو الفتح فوري له عن قصده، ورجع فأتبعه أبو الفتح فقاتله عمه مهلهل، ثم ظفر به وأسره وحبسه. وجمع أبو الشوك وقصد شهرزور وحاصرها. ثم قصد بلاد مهلهل وطال الأمر ولج مهلهل في شأنه وأغرى علاء الدولة بن كاكويه ببلد أبي الفتح فملك عليه الدينور وقرميسين سنة اثنتين وثلاثين.

ثم سار أبو الشوك إلى دقوقا وقدم إليها ابنه سعدي فحاصرها وجاء على أثره فنقبوا سورها وملكها عنوة، ونهب بعض البلد وأخذت أسلحة الأكراد وثيابهم، وأقام أبو الشوك بها ليله. ثم بلغه أن أخاه سرخاب بن محمد قد أغار على مواضع من ولايته فخاف على البندنجين. ورجع وبعث إلى جلال الدولة سلطان بغداد يستنجده،

فبعث إليه العساكر وأقاموا عنده، وسار مهلهل إلى علاء الدولة بن كاكويه يستصرخه على أخيه أبي الشوك على الاعتصام بقلعة السيروان. ثم بعث الى علاء الدولة يعرض له بالرجوع إلى جلال الدولة صاحب بغداد فصالحه على أن يكون الدينور لعلاء الدولة ورجع عنه. ثم سار أبو الشوك إلى شهرزور فحاصرها وعاث في سوادها، وحصر قلعة بيزاز شاه فدافعه أبو القاسم بن عياض عنها، ووعده بخلاص ابنه أبي الفتح من أخيه مهلهل، فسار من شهرزور إلى نواحي سند من أعمال أبي الشوك، ولما بعث إليه ابن عياض بالصلح مع أخيه أبي الشوك امتنع فسار أبو الشوك من حلوان إلى الصامغان. ونهب ولاية مهلهل كلها وأجفل مهلهل بين يديه. ثم تردد الناس بينهما في الصلح وعاد عنه أبو الشوك.

** (استيلاء نيال أخي طغرلبك على ولاية أبي الشوك) **

ثم سار إبراهيم نيال [1] بأمر أخيه طغرلبك من كرمان إلى همذان فملكها، ولحق كرساشف [2] بن علاء الدولة بالأكراد الجورقان [3] وكان أبو الشوك حينئذ بالدينور ففارقها إلى قرميسين وملكها نيال. وسار في اتباعه إلى قرميسين ففارقها إلى حلوان وترك كل من في عسكره من الديلم والأكراد الشاذنجان. وسار إليها نيال وملكها عليهم عنوة واستباحها وفتك في العسكر ولحق فلهم بأبي الشوك في حلوان فقدم أهله وذخيرته إلى قلعة السيروان وأقام. ثم سار نيال إلى الصيمرة فملكها ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لها في الجورقان فانهزموا. وكان عندهم كرساشف بن علاء الدولة فلحق ببلد شهاب الدولة وشرد أهلها في البلاد، ووصل إليها نيال آخر شعبان فملكها وأحرقها، وأحرق دار أبي الشوك. وسارت طائفة من الغز في أثر جماعة منهم فأدركوهم بخانقين فغنموا ما معهم، وانتشر الغز في تلك النواحي. وتراسل أبو الشوك وأخوه مهلهل وكان ابنه أبو الفتح قد مات في سجن مهلهل. فبعث مهلهل

ابنه وحلف له أنه لم يقتله، وإن ثبت فاقتل أبا الغنائم بثأره فقبل ورضي، واصطلحا على دفاع نيال عن أنفسهما. وكان أبو الشوك قد أخذ سرخاب أخوه ما عدا قلعة دور بلونه، وتقاطعا لذلك، فسار سرخاب إلى البندنجين وبها سعدي بن أبي الشوك، ففارقها سعدي إلى أبلة ونهبها سرخاب.

** (وفاة أبي الشوك وقيام أخيه مهلهل مقامه) **

ثم توفي أبو الشوك فارس بن محمد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقلعة السيروان من حلوان وقام مقامه أخوه مهلهل واجتمع إليه الأكراد مائلين إليه عن ابن أخيه سعدي بن أبي الشوك فلحق سعدي بنيال أخي طغرلبك يستدعيه لملك البلاد. ولما استولى مهلهل بعد موت أخيه أبي الشوك وكان نيال عند ما غدا من حلوان ولى على قرميسين بدر بن ظاهر بن هلال بن بدر بن حسنويه، فسار إليها مهلهل سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فهرب بدر عنها وملكها وبعث ابنه محمدا إلى الدينور وبها عساكر نيال فهزمهم وملكها.

** (استيلاء سعدي بن أبي الشوك على أعمالهم بدعوة السلجوقية) **

ولما ملك مهلهل بعد أخيه أبي الشوك تزوج بأم سعدي وأهله وأساء معاملة الأكراد الشاذنجان فراسل سعدي نيال. وسار إليه بالشاذنجان فبعث معهم عسكرا من الغز سنة تسع وثلاثين وأربعمائة فملك حلوان وخطب فيها لإبراهيم نيال. ورجع إلى مايدشت، فخالفه عمه مهلهل إلى حلوان فملكها، وقطع منها خطبة نيال فعاد سعدي إلى عمه سرخاب فكبسه ونهب حلله وسير إلى البندنجين جمعا فقبضوا على نائب سرخاب ونهبوها، وصعد سرخاب الى قلعة دور بلونة [1] ، وعاد سعدي إلى قرميسين، وبعث مهلهل ابنه بدرا إلى حلوان فملكها، فجمع سعدي وأكثر من الغز، وسار فملك

حلوان، وتقدم إلى عمه مهلهل فلحق بتيرازشاه [1] من قلاع شهرزور واستباح الغز سائر تلك النواحي. وحاصر سعدي تيراز شاه ومعه أحمد بن ظاهر قائد نيال، ونهب الغز حلوان وأراد مهلهل أن يسير إلى ابن أخيه فتكاسلوا، ثم قطع سعدي البندنجين لأبي الفتح بن دارم على أن يحاصر معه عمه سرخاب بقلعة دور بلونة، فساروا إليها وكانت ضيقة المسلك، فدخلوا المضيق فلم يخلصوا، وأسر سعدي وأبو الفتح وغيرهما من الأعيان، ورجع الغز عن تلك النواحي بعد أن كانوا ملكوها.

** (نكبة سرخاب واستيلاء نيال على أعمالهم كلها) **

ثم إن سرخاب لما قبض سعدي ابن أخيه أبي الشوك غاضبه ابنه أبو العسكر واعتزله، وكان سرخاب قد أساء السيرة في الأكراد فاجتمعوا وقبضوا عليه وحملوه إلى نيال، فاقتلع عينه وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فأطلقه أبو العسكر ابنه واستحلفه على السعي في خلاص أبيه سرخاب، فانطلق سعدي، واجتمع عليه كثير من الأكراد، وسار إلى نيال فاستوحش منه، وسار إلى الدسكرة وكاتب أبا كاليجار بالطاعة. ثم سار إبراهيم نيال إلى قلعة كلجان وامتنعت عليهم. ثم حاصروا قلعة دور بلونة فتقدمت طائفة إلى البندنجين فنهبوها، وسار إبراهيم فيها بالنهب والقتل والعقوبة في المصادرة حتى يموتوا.

وتقدمت طائفة إلى الفتح فهرب وترك حلله، فعرجوا عليها واتبعوه فقاتلهم وظفر بهم، وبعث مستنجدا فلم ينجدوه، فعبر وأمر بنزول حلله إلى جانب الغز. وكان سعدي بن أبي الشوك نازلا على فرسخين من باجس فكبسه الغز فهرب وترك حلله وغنمها الغز ونهبوا تلك الأعمال والدسكرة والهارونية وقصر سابور، وتقسم أهلها بين القتل والغرق والهلاك بالبرد. ووصل سعدي الى دبال ولحق منها بأبي الأغر دبيس بن مزيد، فأقام عنده وحاصر نيال قلعة السيروان وضيق عليها وضربت سراياه في البلاد وانتهت إلى قرب تكريت. ثم استأمن أهل قلعة السيروان إلى نيال فلمكها وأخذ منها ذخيرة سعدي، وولى عليها من أصحابه. ثم مات صاحب قلعة السيروان وبعث

وزيره إلى شهرزور فملكها، وهرب مهلهل وأبعد في الهرب، وحاصر عسكر نيال قلعة هوازشاه [1] .

ثم راسل مهلهل أهل شهرزور بالتوثب بالغز الذين عندهم فقتلوهم ورجع قائد نيال ففتك فيهم. ثم سار الغز المقيمون بالبندنجين إلى نهر سليلي [2] ، وقاتلوا أبا دلف القاسم بن محمد الجاواني فهزمهم وظفر بهم وغنم ما معهم. وسار في ذي الحجة جمع من الغز إلى بلد علي بن القاسم فعاثوا فيها، فأخذ عليهم المضيق فأوقع بهم واسترد ما غنموه. ولم يزل أحمد بن ظاهر قائد نيال محاصرا قلعة تيراز شاه في شهرزور إلى أن دخلت سنة أربعين وأربعمائة، ووقع الموتان في عسكره واستمد نيال فلم يمده، فرحل عنها إلى مايدشير [3] ، وبلغ ذلك مهلهلا فبعث أحد أولاده إلى شهرزور فملكها، وأجفل الغز من السيروان، وسارت عساكر بغداد إلى حلوان وحاصروا قلعتها ولم يظفروا فنهبوا مخلف الغز وخربوا الأعمال، وسار مهلهل إلى بغداد فأنزل أهله وأمواله بها، وأنزل حلله على ستة فراسخ منها، فسار عسكر من بغداد إلى البندنجين وقاتلوا الغز الذين بها فهزمهم الغز وقتلوهم جميعا.

** (بقية أخبار مهلهل وابن أبي الشوك وانقراض أمرهم) **

ثم سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة فأحسن إليه وأقره على أقطاعه السيروان ودقوقا وشهرزور والصامغان، وسعى في أخيه سرخاب وكان محبوسا عنده فأطلقه وسوغه قلعة الماهكي، وكانت له فسار إليها، وأقطع سعدي بن أبي الشوك الرادندبين [4] ثم بعثه سنة ست وأربعين في عسكر من الغز إلى نواحي العراق، فنزل بمايدشت وسار منها إلى أبي دلف الجاواني، فهرب بين يديه وأدركه فنهب أمواله وفلت بنفسه. وكان خالد ابن عمه مع الوزير ومطر ابني

علي بن معن العقيلي، فوفد أولادهم على سعدي يشكون مهلهلا فوعدهم النصر، ورجعهم من عنده فاعترضهم أصحاب مهلهل فأسرهم بنو عقيل ففداهم مهلهل وأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم، فساروا إلى سعدي وهو بسامرا. وأتبع عمه مهلهلا وظفر به وأسره وأسر مالكا ابنه، ورد غنائم بني عقيل ورجع إلى حلوان.

واضطربت بغداد واجتمعت عساكر الملك الرحيم ومعهم أبو الأغر دبيس بن مزيد يسعى عند سعدي في أبيه. وكان ابن سعدي عنه السلطان طغرلبك رهينة فرده على أبيه عوضا عن مهلهل، وأمره بإطلاق مهلهل، فامتعض لذلك سعدي وعصى على طغرلبك. وسار إلى حلوان فامتنعت عليه، وأقام يتردد بين رشقباد والبردان [1] .

وأظهر مخالفة طغرلبك، ورجع إلى طاعة الملك الرحيم، فبعث طغرلبك العساكر مع بدران بن مهلهل إلى شهرزور، ووجد إبراهيم بن إسحاق من قواده فأوقعوا به، ومضى إلى قلعة رشقباد.

وسار بدر بن مهلهل الى شهرزور ورجع إبراهيم بن إسحاق إلى حلوان فأقام بها. ثم نهض سنة ست وأربعين إلى الدسكرة فنهبها واستباحها، وسار إلى رشقباد وهي قلعة سعدي وفيها ذخيرته، وفي القلعة البردان فامتنعت عليه فخرب أعماله ووهن الديلم في كل ناحية. وبعث طغرلبك أبا علي بن أبي كاليجار صاحب البصرة في عسكر من الغز إلى الأهواز فملكها، ونهبها الغز ولقي الناس منهم عيثا بالنهب والمصادرة، وأحاطت دعوة طغرلبك ببغداد من كل ناحية. وانقرض الأكراد من أعمالهم واندرجوا في جملة السلطان طغرلبك. (وتلك الأيام نداولها بين الناس، والله يؤتي ملكه من يشاء والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين) لا راد لأمره.

المجلد الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم

[تتمة الكتاب الثاني ... ]

[تتمة القول في أجيال العرب ... ]

[تتمة الطبقة الثالثة من العرب ... ]

** الخبر عن دولة السلجوقية من الترك المستولين على ممالك الإسلام ودوله بالمشرق كلها الى حدود مصر مستبدين على الخليفة ببغداد من خلافة القائم الى هذا الزمان وما كان لهم من الملك والسلطان في أقطار العالم وكيف فعلوا بالعلماء وحجروهم وما تفرع عن دولتهم من الدول **

قد تقدم لنا ذكر أنساب الأمم والكلام في أنساب الترك وأنهم من ولد كومر بن يافث أحد السبعة المذكورين من بني يافث في التوراة وهم ماواق وماذاي وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش [1] وعد ابن إسحاق منهم ستة ولم يذكر ماذاي وفي التوراة أيضا ان ولد كومر ثلاثة توغرما وأشكان وريعات ووقع في الإسرائيليات أن الافرنج من ريعات والصقالبة من أشكان والخزر من توغرما والصحيح عند نسابة الإسرائيليين أن الخزر هم التركمان وشعوب

الترك كلهم من ولد كومر ولم يذكر من أي ولده الثلاثة والظاهر أنهم من توغرما وزعم بعض النسابة أنهم من طيراش بن يافث ونسبهم ابن سعيد الى ترك بن عامور بن سويل والظاهر أنه غلط وأن غامور تصحيف كما مر وأما سويل فلم يذكر أحد أنه من بني يافث وقد مر ذكر ذلك كله (والترك أجناس) كثيرة وشعوب فمنهم الروس والإعلان ويقال إبلان والخفشاخ وهم القفجق والهياطلة والخلج والغز الذين منهم السلجوقية والخطا وكانوا بأرض طمعاج ويمك والقور وتزكس واركس والططر ويقال الطغرغر وأنكر وهم مجاورون للروم وأعلم أن هؤلاء الترك أعظم أمم العالم وليس في أجناس البشر أكثر منهم ومن العرب في جنوب المعمور وهؤلاء في شماله قد ملكوا عامة الأقاليم الثلاثة من الخامس والسادس والسابع في نصف طوله مما يلي المشرق فأول مواطنهم من الشرق على البحر بلاد الصين وما فوقها جنوبا الى الهنك وما تحتها شمالا الى سد يأجوج ومأجوج وقد قيل انهم من شعوب الترك وآخر مواطنهم من جهة الغرب بلاد الصقالبة المجاورين للافرنج مما يلي رومة الى خليج القسطنطينية وأول مواطنهم من جهة الجنوب بلاد القور المجاورة للنهر ثم خراسان وآذربيجان وخليج القسطنطينية وآخرها من الشمال بلاد فرغانة والشاش وما وراءها من البلاد الشمالية المجهولة لبعدها وما بين هذه الحدود من بلاد غزنة ونهر جيحون وما بحفافيه من البلاد وخوارزم ومفاوز الصين وبلاد القفجق والروس حفافي خليج القسطنطينية من جهة الشمال الغربي قد اعتمر لهذه البسائط منهم أمم لا يحصيهم الا خالقهم رحالة متنقلون فيها مستنجعين مساقط الغيث في نواحيه يسكنون الخيام المتخذة من اللبود لشدة البرد في بلادهم فقروا عليها ومر بديار بكر [1] وخرج اليه صاحبها نصر بن مروان وحمل مائة ألف دينار لنفقته فلما سمع أنه قبضها من الرعايا ردها عليه ثم مر بناهرو وأمنها وأطاف على السور وجعل يمسحه بيده ويمر بها على خدوده تبركا بثغر المسلمين ثم مر بالرها وحاصرها فامتنعت عليه ثم سار الى حلب فبعث اليه صاحبها محمود ريعول القائد الذي عنده يخبر بطاعته وخطبته ويستعفيه من الخروج اليه منكرا منه الأذى ويحي على خير العمل فقال لا بد من خروجه واشتد الحصار فخرج محمود ليلا مع أمه بنت وثاى الهني متطارحا على السلطان فأكرم مقدمها وخلع عليه وأعاده الى بلده.

** غزاة السلطان آلب أرسلان الى خلاط واسر ملك الروم **

كان ملك الروم بالقسطنطينية لهذا العهد اسمه أرمانوس وكان كثيرا ما يخيف ثغور المسلمين وتوجه في سنة اثنتين وستين في عساكر كثيرة الى الشام ونزل على مدينة منبج واستباحها وجمع له محمود بن صالح بن مرداس الكلابي وابن حسان الطائي قومهما ومن اليهم من العرب فهزمتهم الروم ثم رجع أرمانوس الى القسطنطينية واحتشد الروم والفرنج والروس والكرخ ومن يليهم من العرب والطوائف وخرج الى بلاد كرد من أعمال خلاط وكان السلطان آلب أرسلان بمدينة حوف من أذربيجان منقلبا من حلب فبعث بأهله وأثقاله الى همدان مع وزير نظام الملك وسار هو في خمسة عشر ألف مقاتل وتوجه نحوهم متهيئا ولقيت مقدمته الروس فهزموهم وجاءوا بملكهم أسيرا الى السلطان فجدعه وبعث اسلابهم الى نظام الملك ثم توجه الى سمرقند ففارقها ألتكير وأرسل في الصلح ويعتذر عن تومق فصالحه ملك شاه وأقطع بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين مكين الى خراسان ثم الى الري.

** (فتنة قاروت بك صاحب كرمان ومقتله) **

كان بكرمان قاروت [1] بك أخو السلطان البارسلان أميرا عليها فلما بلغه وفاة أخيه سار الى الري لطلب الملك فسبقه اليها السلطان ملك شاه ونظام الملك ومعهما مسلم بن قريش ومنصور بن دبيس وأمراء الأكراد والتقوا على نهرمان فانهزم قاروت بك وجيء به الى أمام سعد الدولة كوهراس [2] فقتله خنقا وأمر كرمان بسير بنيه وبعث اليهم بالخلع وأقطع العرب والأكراد مجازاة لما أبلوا في الحرب وقد كان السلطان البارسلان شافعا فيه على الخليفة فلقيهم خبر وفاة البارسلان في طريقهم فروا الى ملك شاه وسبق اليه مسلم بطاعته وأما بهاء الدولة منصور بن دبيس فان أباه أرسله بالمال الى ملك شاه فلقيه سائرا للحرب فشهدها معه ثم توفي أياز أخو السلطان ملك شاه ببلخ سنة خمس وستين فكفله ابنه ملك شاه الى سنة سبع وستين وتوفي القائم منتصف شعبان منها لخمس وأربعين سنة من خلافته ولم يكن له يومئذ ولد وانما كان له حافد وهو المقتدي عبد الله بن محمد وكان أبوه محمد بن القائم ولي عهده

وكان يلقب ذخيرة الدين ويكنى ابا العباس وتوفي سنة [1] وعهد القائم لحافده فلما توفي اجتمع أهل الدولة وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونقيب النقباء طراد وقاضي القضاة الدامغاني فبايعوه بالخلافة لعهد جده اليه بذلك وأقر فخر الدولة بن جهير على الوزارة وبعث ابنه عميد الدولة الى السلطان ملك شاه لأخذ بيعته والله الموفق للصواب.

** استيلاء السلجوقية على دمشق وحصارهم مصر ثم استيلاء تتش ابن السلطان آلب أرسلان على دمشق **

قد تقدم لنا ملك انسز [2] الرملة وبيت المقدس وحصاره دمشق سنة احدى وستين ثم عاد عنها وجعل يتعاهد نواحيها بالعيث والإفساد كل سنة ثم سار اليها في رمضان سنة سبع وستين وحاضرها ثم عاد عنها وهرب منها أميرها من قبل المستنصر العلوي صاحب مصر المعلى بن حيدرة لأنه كثر عسفه بالجند والرعية وظلمه فثاروا به فهرب الى بانياس ثم الى صور ثم الى مصر فحبس ومات بها محبوسا واجتمعت المصامدة بدمشق وولي عليهم أنصار بن يحيى المصمودي ويلقب نصير الدولة وغلت الأقوات عندهم واضطربوا فعاد اليها انسز في شعبان سنة ثمان وستين فاستأمنوا اليه وعوض انتصارا منها بقلعة بانياس ومدينة يافا من الساحل ودخلها في ذي القعدة وخطب بها للمقتدي ومنع من النداء بحي على خير العمل وتغلب على كثير من مدن الشام ثم سار سنة تسع وستين الى مصر وحاصرها وضيق عليها واستنجد المنتصر بالبوادي من نواحيها فوعدوه بالنصر وخرج بدر الجمالي في العساكر التي كانت بالقاهرة وجاء أهل البلاد لميعادهم فانهزم أنسز وعساكره ونجا الى بيت المقدس فوجدهم قد [3] بمخلفه فتحصنوا منه بالمعاقل فافتتحها عليهم عنوة واستباحها حتى قتلهم في المسجد وقد تقدم ضبط هذا الاسم وأنه عند أهل الشأم انسيس والصحيح انسز وهو اسم تركي ثم ان السلطان ملك شاه أقطع أخاه تتش بن آلب أرسلان بلاد الشأم وما يفتحه من تلك النواحي سنة سبعين وأربعمائة فقصد حلب أولا وحاصرها ومعه جموع من

التركمان وكان بدر الجمالي المستولي على مصر قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها أنسز فبعث الى تتش وهو على حلب يستنجده فسار اليه وأخرت عساكر مصر عنه منهزمين ولما وصل الى دمشق قعد انسز على لقائه وانتظر قدومه فلقيه عند السور وعاتبه على ذلك فتساهل في العذر فقتله لوقته وملك البلد واستولى على الشام أجمع كما سيأتي وكان يلقب تاج الدولة ثم سار في سنة اثنتين وسبعين الى حلب فحاصرها أياما وأفرج عنها وملك مراغة والبيرة وعاد الى دمشق وخالفه مسلم بن قريش الى حلب فملكها كما تقدم في أخباره وضمنها للسلطان ملك شاه فولاه إياها وسار مسلم بن قريش فحاصرها آخر سنة أربع وسبعين ثم أفرج عنها فخرج تتش وقصد طرسوس من الساحل فافتتحها ورجع [1] ثم حاصرها مسلم ثانية سنة تسع وسبعين وبلغه أن تاج الدولة تتش سار الى بلاد الروم غازيا فخالفه الى دمشق وحاصرها معه العرب والأكراد وبعث اليه العلوي صاحب مصر بعده بالمدد وبلغ الخبر الى تتش فكر راجعا وسبقه الى دمشق فحاصرها أياما ثم خرج اليه تتش في جموعه فهزمه واضطرب أمره ووصله الخبر بانتقاض أهل حران فرحل من مرج الصفر راجعا الى بلاده ثم سار أمير الجيوش من مصر في العساكر الى دمشق سنة ثمان وسبعين وحاصرها فامتنعت عليه ورجع فلحقوا بأخيه تكش في [2] فقوي به وأظهر العصيان واستولى على مروالروذ ومره الساهجان وغيرهما وسار الى نيسابور طامعا في ملك خراسان وبلغ الخبر الى السلطان فسبقه الى نيسابور فرجع تتش وتحصن بترمذ وحاصره السلطان حتى سأل الصلح وأطلق من كان في أسره من عسكر السلطان ونزل عن ترمذ وخرج اليه فأكرمه ثم عاود العصيان سنة سبع وسبعين [3] وملك مروالروذ ووصل قريبا من سرخس وحاصر قلعة هناك لمسعود ابن الأمير فاخر وتحيل أبو الفتوح الطوسي صاحب نظام وهو بنيسابور على ملطفة وضعوها على شبه خط نظام الملك يخاطب فيها صاحب القلعة بأنه واصل في ركاب السلطان ملك شاه وأنه مصالح للقلعة وتعرض حاملها لأهل المعسكر حتى أخذوا كتابه بعد الضرب والعرض على القتل وحدثهم بمثل ما في الصحيفة وان السلطان وعساكره في الري فأجفلوا لوقتهم الى قلعة

ربح وخرج أهل الحصن فأخذوا ما في العسكر وجاء السلطان بعد ثلاثة أشهر فحاصره في قلعته حتى افتتحها وحده ودفعه الى ابنه أحمد فتسلمه وحبسه فخرجا من يمينه معه.

** (سفارة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي عن الخليفة) **

كان الخليفة المقتدي وكان عميد العراق أبو الفتح بن أبي الليث يسيء معاملة الخليفة فبعث المقتدي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي الى السلطان ملك شاه وزيره نظام الملك بأصفهان شاكيا من العميد فسار الشيخ لذلك ومعه الإمام أبو بكر الشاشي وغيره من الأعيان ورأى الناس عجبا في البلاد التي يمر بها من إقبال الخلق عليه وازدحامهم على محفته يتمسحون بها ويلثمون أذيالها وينشرون موجودهم عليها من الدراهم والدنانير لأهلها والمصنوعات لأهل الصنائع والبضائع للتجار والشيخ في ذلك يبكي وينتحب ولما حضر عند السلطان أظهر المحرمة وأجابه الى جميع ما طلبه ورفعت يد العميد عن كل ما يتعلق بالخليفة وحضر الشيخ مجلس نظام الملك فجرت بينه وبين إمام الحرمين مناظرة خبرها معروف.

** اتصال بني جهير بالسلطان ملك شاه ومسير فخر الدولة لفتح ديار بكر **

كان فخر الدولة أبو نصر بن جهير وزير المقتدي قد عزل سنة احدى وسبعين على يد نظام الملك ولحق به ابنه عميد الدولة واسترضاه فرضي نظام الملك وشفع الى الخليفة فاعتمد عميد الدولة دون أبيه كما تقدم في أخبار الخلفاء ثم أرسل المقتدي سنة أربع وسبعين فخر الدولة الى ملك شاه يخطب له ابنته فسار الى أصبهان وعقد له نكاحها على خمسين ألف دينار معجلة وعاد الى بغداد ثم عزل المقتدي ابنه عميد الدولة عن الوزارة سنة ست وسبعين وكانوا قد علقوا بخطة من نظام الملك فبعث عن نفسه وعن ملك شاه يطلب حضور بني جهير عندهم فساروا بأهليهم فعظمت حظوظهم عند السلطان وعقد لفخر الدولة على ديار بكر وبعث معه العساكر لفتحها من يد بني مروان وأذن له في اتخاذ الآلة وأن يخطب لنفسه ويكتب اسمه على السكة فسار في العساكر السلطانية.

** (استيلاء ابن جهير على الموصل) **

ولما سار فخر الدولة ابن جهير لفتح ديار بكر استنجد ابن مروان مسلم بن قريش وشرط له

أمرا وتحالفا على ذلك واجتمعا لحرب ابن جهير وبعث السلطان الأمير ارتق بن أكسك في العساكر مددا لابن جهير فجنح ابن جهير الى الصلح وبادر أرتق الى القتال فهزم العرب والأكراد وغنم معسكرهم ونجا مسلم بن قريش الى آمد وأحاطت به العسكر فلما اشتد مخنقه راسل الأمير أرتق في الخروج على مال بذله له فقبله وكانت له حراسة الطريق فخرج الى الرقة وسار ابن جهير الى ميافارقين وفارقه منصور بن مزيد وابنه صدقة فعاد منها الى خلاط ولما بلغ السلطان انحصار مسلم في آمد بعث عميد الدولة في جيش كثيف الى الموصل ومعه آقسنقر قسيم الدولة الذي أقطعه بعد ذلك حلب وساروا الى الموصل فلقيهم أرتق ورجع معهم ولما نزلوا على الموصل بعث عميد الدولة الى أهلها بالترغيب والترهيب فأذعنوا واستولى عليها وجاء السلطان في عساكره الى بلاد مسلم بن قريش وقد خلص من الحصار وهو مقيم قبالة الرحبة فبعث اليه مؤيد الكتاب ولا طف السلطان واسترضاه ووفد اليه بالقوارح ورده السلطان الى أعماله وعاد لحرب أخيه تتش الذي ذكرناه آنفا.

** فتح سليمان بن قطلمش انطاكية والخبر عن مقتله ومقتل مسلم ابن قريش واستيلاء تتش على حلب **

كان سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق قد ملك قرسة واقتصروا أعمالها من بلاد الروم الى الشأم وكانت انطاكية بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وكان ملكها لعهده الفردروس فأساء السيرة الى جنده ورعاياه وتنكر لابنه وحبسه فداخل الشحنة في تمكين سلمان من البلد فاستدعوه سنة سبع وسبعين فركب إليها البحر وخرج الى البر في أقرب السواحل اليها في ثلاثمائة ألف فارس ورجل كثير وسار في جبال واوعار فلما انتهى الى السور وأمكنه الشحنة من تسلم السور دخل البلد وقاتل أهلها فهزمهم وقتل كثيرا منهم ثم عفا عنهم وملك القلعة وغنم من أموالهم ما لا يحصى وأحسن الى أهلها وأمر لهم بعمارة ما خرب وأرسل الى السلطان ملك شاه بالفتح ثم بعث اليه مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمل اليه الفردروس ملك انطاكية من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه بتقرير الطاعة للسلطان وبأن الجزية لا يعطيها مسلم فسار مسلم ونهب نواحي انطاكية فنهب سليمان نواحي حلب ثم جمع سليمان العرب والتركمان وسار لنواحي انطاكية ومعه جماهير التركمان وجمع سليمان كذلك والتقيا آخر صفر سنة ثمان وسبعين وانحاز جق الى سليمان فانهزمت العرب وقتل مسلم وسار سليمان بن قطلمش الى حلب وحاصرها فامتنعت عليه وأرسل اليه ابن الحثيثي

العباسي كبير حلب بالأموال وطالبه أن يمهل حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودس الى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعيه لملكها فجاء لذلك ومعه أرسوس أكسك وكان خائفا على نفسه من السلطان ملك شاه لفعلته في أمر فاستجار بتتش وأقطعه المورس وسار معه لهذه الحرب وبادر سليمان بن قطلمش الى اعتراضهم وهم على تعبية وأبلى أرتق في هذه الحروب وانهزم سليمان وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وبعث الى ابن الحثيثي العباسي فيما استدعاه اليه فاستمهله الى مشورة السلطان ملك شاه وأغلظ في القول فغضب تتش وداخله بعض أهل البلد فتسورها وملكها واستجار ابن الحثيثي بالأمير أرتق فأجاره وسمع له.

** (استيلاء ابن جهير على ديار بكر) **

ثم بعث ابن جهير سنة ثمان وسبعين ابنه زعيم الرؤساء ابا القاسم الى حصار آمد ومعه جناح الدولة اسلار فحاصرها واقتلع شجرها وضيق عليها حتى جهدهم الجوع وغدر بعض العامة في ناحية من سورها ونادى بشعار السلطان واجتمع اليه العامة لما كانوا يلقون من عسف العمال النصارى فبادر زعيم الرؤساء الى البلد وملكها وذلك في المحرم وكان أبوه فخر الدولة محاصرا لميافارقين ووصل اليه سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد بمدد العساكر فاشتد الحصار وسقطت من السور ثلمة في سادس جمادى فنادوا بشعار السلطان ومنعوا ابن جهير من البلد واستولى على أموال بني مروان وبعثها مع ابنه زعيم الرؤساء الى السلطان فسار مع كوهراس الى بغداد ثم فارقه الى السلطان بأصبهان ولما انقضى أمر ميافارقين بعث فخر الدولة جيشا الى جزيرة ابن عمر فحاصرها وقام بعض أهلها بدعوة السلطان وفتحوا مما يليهم بابا قريبا دخل منه العسكر فملكوا البلد وانقرضت دولة بني مروان من ديار بكر والبقاء لله ثم أخذ السلطان ديار بكر من فخر الدولة بن جهير وسار الى الموصل فأقام بها الى أن توفي سنة ثلاث وثمانين.

** (استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية آقسنقر عليها) **

لما ملك تاج الدولة تتش مدينة حلب وكان بها سالم بن ملك بن مروان ابن عم مسلم بن قريش وامتنع بالقلعة وحاصره تتش سبعة عشر يوما حتى وصل الخبر بمقدم أخيه السلطان ملك شاه وقد كان ابن الحثيثي كتب اليه يستدعيه لما خاف من تتش فسار من أصبهان

منتصف تسع وسبعين وفي مقدمته برسق وبدران وغيرهما من الأمراء ومر بالموصل في رجب ثم سار الى هراة وبها ابن الشاطي فملكها وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأقطعه معها مدينة الرحبة وأعمالها. حران وسروج والرقة وخابور وزوجه أخته زليخا خاتون ثم سار الى الرها وافتتحها من الروم وكانوا اشتروها من ابن عطية كما مر وسار الى قلعة جعفر فملكها وقتل من كان بها من بني قشير وكان صاحبها جعفر أعمى وكان يخيف السابلة هو وولده فأزال ضررهم ثم ملك منبج وعبر الفرات الى حلب فأجفل تتش عن المدينة ودخل [1] ومعه الأمير أرتق ورجع الى دمشق فلما وصل السلطان الى حلب ملكها ثم الى القلعة فملكها من سالم بن ملك على أن يعطيه قلعة جعفر فلم تزل بيد عقبه الى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد ثم بعث اليه نصر بن علي بن منقذ الكناني بالطاعة فأقره على شيراز [2] وتسلم منه اللاذقية وبعرطاف وجامية [3] ورجع ثم رجع السلطان بعد أن ولى على حلب قسيم الدولة آق سنقر ورغب اليه أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثي فأخرجه عنهم الى ديار بكر وتوفي بها ثم رجع السلطان الى بغداد فدخلها في ذي الحجة من سنته ونزل بدار المملكة وأهدى للخليفة هدايا كثيرة واجتمع بالخليفة ليلا ثم دخل اليه في مجلسه نهارا وأفيضت عليه الخلع وسلم أمراء السلجوقية على الخليفة ونظام الملك قائم يقر بهم واحدا واحدا ويعرف بهم ثم صرح المقتدي للسلطان ملك شاه بالتفويض وأوصاه بالعدل فقبل يده ووضعها على عينيه وخلع الخليفة على نظام الملك وجاء الى مدرسته التي فيها الحديث وأملى.

** (خبر الزفاف) **

قد قدمنا أن السلطان ملك شاه زوج ابنته من الخليفة المقتدي سنة أربع وسبعين بخطبة الوزير ابن جهير فلما كان سنة ثمانين في المحرم نقل جهازها للزفاف الى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي أكثرها ذهب وفضة ومعه ثلاث عماريات ومعها أربع وسبعون بغلا مجللة بأنواع الديباج المكي وقلائدها الذهب وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة مملوءة بالحلي والجواهر ومهد عظيم من ذهب وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة

كوهراس والأمير أرتق وغيرهما من الأمراء والناس ينثرون عليهم الدنانير والثياب وبعث الخليفة وزيره أبا شجاع الى زوجة السلطان تركمان خاتون ومعه خادمه ظفر بمحفة لم ير مثلها ومعهم ثلاثمائة من الشمع الموكف ومثلها مشاعل وأوقدت الشموع في دكاكين الحريم الخلافي وقال الوزير لخاتون سيدنا أمير المؤمنين يقول أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة الى داره فقالت سمعا وطاعة ومشى بين يديها أعيان الدولة مع كل واحد الشمع والمشاعل يحملها الفرسان ثم جاءت المأمون من بعدهم في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر ما لا يحد ويحيط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك على مراكب رائعة وأولم الخليفة وليمة لم يسمع بمثلها ثم أطلع للناس من الغد سماط مائدة عليها أربعون ألفا من السكر وخلع على أعيان العسكر وعلى جميع الحواشي.

** (استيلاء السلطان ملك شاه على ما وراء النهر) **

كان صاحب سمرقند لهذا العهد من الخانية أحمد خان بن خضر خان أخى شمس الملك الذي كان أميرا عليها وعمته خاتون زوجة ملك شاه وكان رديء السيرة فبعثوا الى السلطان يسألونه الرجوع الى ايالته وجاء بذلك مفتي سمرقند أبو طاهر الشافعي قدم حاجا وأسر ذلك الى السلطان فسار من أصبهان سنة اثنتين وثمانين ومعه رسول الروم بالخراج المقدر عليهم فاستعجم وأحضر للفتح ولما انتهى الى خراسان جمع العساكر وعبر النهر بجيوش لا تحصى وأخذ ما في طريقه من البلاد ثم انتهى الى بخارى فملكها وما جاورها ثم سار الى سمرقند فحاصرها وأخذ بهجتها ثم رماها بالمنجنيق وثلم سورها ودخل من الثلمة وملك البلد واختفى أحمد خان ثم جيء به أسيرا فأطلقه وبعث به الى أصبهان وولى على سمرقند أبا طاهر عميد خوارزم وسار الى كاشغر فبلغ الى نور وكمن وبعث الى كاشغر بالخطبة وضرب السكة فأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وخلع عليه وأعاده الى بلده ورجع السلطان الى خراسان وكان بسمرقند عساكر يعرفون بالحكلية فأرادوا الوثوب بالعميد نائب السلطان فلاطفهم ولحق ببلده خوارزم.

(عصيان سمرقند وفتحها ثانيا)

كان مقدم الحكلية بسمرقند اسمه عين الدولة وخاف السلطان لهذه الحادثة فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر وكانت مملكته تعرف بارياسي فاستحضره وملكه ثم شكر له يعقوب وحمل أعداءه من الرعية على طلب الثأر منه وقتله بفتاوى الفقهاء واستبد بسمرقند وسار السلطان ملك شاه اليها سنة اثنتين وثمانين لما انتهى

الى بخارى هرب يعقوب الى فرغانة ولحق بولايته وجاء بعسكره مستأمنين الى السلطان فلقوه بالطواويس من قرى بخارى ووصل السلطان الى سمرقند وولى عليها الأمير انز [1] وأرسل العساكر في طلب يعقوب وأرسل الى ملك كاشغر بالجد في طلبه وشعب على يعقوب عساكره ونهبوا خزائنه ودخل على أخيه كاشغر مستجيرا به وبعث السلطان في طلبه منه فتردد بين المخافة والأنفة ثم غلب عليه الخوف فقبض على أخيه يعقوب وبعثه مع ابنه وأصحابه الى السلطان وأمرهم أن يسملوه في طريقه فان قنع السلطان بذلك والا أسلموه اليه فلما قربوا على السلطان وعزموا على تسليمه بلغهم الخبر بأن طغرل بن نيال أسرى من ثمانين فرسخا بعساكر لا تحصى فكبس ملك كاشغر وأسره فأطلقوا يعقوب ثم خشي السلطان شأن طغرل بن نيال وكثرة عساكره فرجع على البلد ودس تاج الملك في استصلاح يعقوب فشفع له ورد الى كاشغر ورد الطغرل ورجع هو الى خراسان ثم قدم الى بغداد سنة أربع وثمانين العزمة الثانية ووجد عليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب الشام وقسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب وبوران صاحب الرها وعمال الأطراف وأقام صنيع الميلاد ببغداد وتأنق بما لم يعهد مثله وأمر وزيره نظام الملك وأمراءه ببناء الدور ببغداد لنزلهم ورجع الى أصبهان.

** (استيلاء تتش على حمص وغيرها من سواحل الشام) **

لما قدم السلطان سنة أربع وثمانين وفد عليه أمراء الشام كما قدمنا فلما انصرفوا من عنده أمر أخاه تاج الدولة تتش أن يذهب دولة العلويين من ساحل الشام ويفتح بلادهم وأمر آق سنقر وبوران أن يسيرا لانجاده فلما رجعوا الى دمشق سار الى حمص وبها صاحبها ابن ملاعب وقد عظم ضرره وضرر ولده على الناس فحاصرها وملكها ثم سار الى قلعة عرفة فملكها عنوة ثم الى قلعة افامية فاستأمن اليه خادم كان بها فأرسل الى أمراء تتش في إصلاح حاله فسدوا عليه المذاهب فأرسل الى وزير آقسنقر يسعى له عند صاحبه وعمل له على ثلاثين ألف دينار ومثلها عروضا فجنح الى مصالحته واختلف مع تتش على ذلك وأغلظ كل منهما لصاحبه في القول فرحل آق سنقر مغاضبا واضطر الباقون الى الرحيل وانتقض أمرهم.

** (ملك اليمن) **

كان فيمن حضر عند السلطان ببغداد كما قدمناه عثمان حق أمير التركمان صاحب قرمسيس وغيرها فأمره السلطان أن يسير في جموع التركمان للحجاز واليمن فيظهر أمرهم هناك وفوض الى سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد فولى عليهم أمير اسمه ترشك وسار الى الحجاز فاستولى عليه وأساء السيرة فيه حتى جاء أمير الحجاز محمد بن هاشم مستغيثا منهم ثم ساروا سنة خمس وثمانين الى اليمن وعاثوا في نواحيه وملكوا عدن وأساءوا السيرة في أهلها وأهلكوا ترشك سابع دخولها وأعاده أصحابه الى بغداد فدفنوه بها.

** (مقتل الوزير نظام الملك) **

ثم ارتحل السلطان ملك شاه الى بغداد سنة خمس وثمانين فانتهى الى أصبهان في رمضان وخرج نظام الملك من بيته بعد الإفطار عائدا الى خيمته فاعترضه بعض الباطنية في صورة متظلم فلما استدناه لسماع شكواه طعنه بخنجر فأشواه وعثر الباطني في أطناب الخيام ودخل نظام الملك الخيمة فمات لثلاثين سنة من وزارته واهتاج عسكره فركب اليه السلطان وسكن الناس ويقال أن السلطان ملك شاه وضع الباطني على قتله لما وقع منه ومن بنيه من الدالة والتحكم في الدولة وقد كان السلطان دس على ابنه جمال الدين من قتله سنة خمس وسبعين كان بعض حواشي السلطان سعى به فسطا به جمال الدين وقتله فأحقد السلطان بذلك وأخذ عميد خراسان فقتله خنقا فدس لخادم من خدم جمال الدين بذلك وأنهم إذا تولوا قتله بأنفسهم كان أحفظ لنعمتهم فسقاه الخادم سما ومات وجاء السلطان الى نظام الملك وأغراه به وما زال بطانة السلطان يغضون منه ويحاولون السعاية فيه الى أن ولى حافده عثمان بن جمال الملك على مرو وبعث السلطان اليها كردن من أكابر المماليك والأمراء شحنة ووقعت بينه وبين عثمان منازعة في بعض الأيام فأهانه وحبسه ثم أطلقه وجاء الى السلطان شاكيا فاستشاط غضبا وبعث فخر الملك البارسلان الى نظام الملك وأغراه به وما زال يقول إن كنت تابعا فقف عند حدك وان كنت شريكي في سلطاني فافعل ما بدا لك وقرر عليه فعل حافده وسائر بنيه في ولايتهم وأرسل معه نكبرذ من خواصه ثقة على ما يؤديه من القول ويجيبه الآخر فانبسط لسان نظام الملك يعدد الوسائل منه والمدافعة عن السلطان وجمع الكلمة وفتح الأمصار في كلام طويل حملته عليه الدالة وقال في آخره ان شاء فله مؤيد مرو آتي ومتى

أطعت هذه زالت تلك فليأخذ حذره ثم زاد في انبساطه وقال قولوا عني ما أردتم فان توبيخكم نتأ في عضدي ومضى نكبرذ فصدق السلطان الخبر وجاء الآخرون وحاولوا الكتمان فلم يسعهم لما وشي نكبرذ بجلية القول فصدقوه كما صدقه ومات نظام الملك بعدها بقليل ومات السلطان بعده بنحو شهر وكان أصل نظام الملك من طوس من أبناء الدهاقين اسمه أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ذهبت نعمة آبائه وماتوا فنشأ يتيما ثم تعلم وحذق في العلوم والصنائع وعلق بالخدم السلطانية في بلاد خراسان وغزنة وبلخ ثم لازم خدمة أبي علي بن شاذان وزير البارسلان ومات ابن شاذان فأوصى به السلطان البارسلان وعرفه كفايته فاستخدمه فقام بالأمور أحسن قيام فاستوزره ثم هلك السلطان البارسلان وهو في وزارته ثم استوزره ملك شاه بعد أبيه وكان عالما جوادا صفوحا مكرما للعلماء وأهل الدين ملازما لهم في مجلسه شيد المدارس وأجرى فيها الجرايات الكثيرة وكان يملي الحديث وكان ملازما للصلوات محافظا على أوقاتها وأسقط في أيامه كثيرا من المكوس والضرائب وأزال لعن الأشعرية من المنابر بعد أن فعله الكندوي من قبله وحمل عليه السلطان طغرلبك وأجراهم مجرى الرافضة وفارق امام الحرمين وأبو القاسم القشيري البلاد من أجل ذلك فلما ولى آلب أرسلان حمله نظام الملك على ازالة ذلك ورجع العلماء الى أوطانهم ومناقبه كثيرة وحسبك من عكوف العلماء على مجلسه وتدوينهم الدواوين باسمه فعل ذلك أمام الحرمين وأشباهه وأما مدارسه فقد بنى النظامية ببغداد وناهيك بها ورتب الشيخ أبا إسحاق الشيرازي للتدريس بها وتوفي سنة ست وسبعين فرتب ابنه مؤيد الملك مكانه أبا سعيد المتولي فلم يرضه نظام الملك وولى فيها الإمام أبا نصر الصباغ صاحب الشامل ومات أبو نصر في شعبان من تلك السنة فولى أبو سعيد من سنة ثمان وسبعين ومات فدرس بعده الشريف العلوي أبو القاسم الدبوسي وتوفي سنة اثنتين وثمانين وولى تدريسه بعدها أبو عبد الله الطبري والقاضي عبد الوهاب الشيرازي بالنوبة يوما بيوم ثم ولى تدريسها الإمام أبو حامد الغزالي سنة أربع وثمانين واتصل حكمها على ذلك وفي أيامه عكف الناس على العلم واعتنوا به لما كان من حسن أثره في ذلك والله أعلم.

** وفاة السلطان ملك شاه وولاية ابنه محمود **

ثم لما سار السلطان بعد مقتل نظام الملك الى بغداد ودخلها آخر رمضان وكان معه في الدولة أبو الفضل الهروستماني وزير زوجته الخاتون الجلالية من الملوك الخانية فيما وراء النهر وكان

أشد الناس سعاية في نظام الملك وعزم السلطان أن يستوزره لأول دخوله بغداد فعاقت المنية عن ذلك وطرقه المرض ثالث الفطر وهلك منتصف شوال سنة خمس وثمانين وكانت زوجته تركمان خاتون الجلالية عنده في بغداد وابنها محمود غائبا في أصبهان فكتمت موته وسارت بشلوه الى أصبهان وتاج الملك في خدمتها وقدمت بين يديها قوام الدين كربوقا الذي ولى الموصل من بعد وأرسلته بخاتم السلطان الى مستحفظ القلعة فملكها وجاءت على أثره وقد أفاضت الأموال في الأمراء والعساكر ودعتهم الى بيعة ولدها محمود وهو ابن أربع سنين فأجابوا الى ذلك وبايعوه وأرسلت الى المقتدر في الخطبة له فأجابها على أن يكون الأمير أنز قائما بتدبير الملك ومجد الملك مشيرا وله النظر في الأعمال والجباية فنكرت ذلك أمه خاتون وكان السفير أبا حامد الغزالي فقال لها أن الشرع لا يجيز ولاية ابنك فقبلت الشرط وخطب له آخر شوال سنة خمس وثلاثين وأرسلت تركمان خاتون الى أصبهان في القبض على بركيارق فحبس بأصبهان وكان السلطان ملك شاه من أعظم ملوك السلجوقية ملك من الصين الى الشام ومن أقصى الشام الى اليمن وحمل اليه ملوك الروم الجزية ومناقبه عظيمة مشهورة.

** منازعة بركيارق لأخيه محمود وانتظام سلطانه **

كان بركيارق أكبر أولاد السلطان ملك شاه وكانت أمه زبيدة بنت ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ولما حبس بركيارق وخافت عليه أمه زبيدة دست لمماليك نظام الملك فتعصبوا له وكانت خاتون غائبة ببغداد مع ابنها محمود لفقد سلطانه فوثب المماليك النظامية على سلاح لنظام الملك بأصبهان وأخرجوا بركيارق من محبسه وخطبوا له وبلغ الخبر الى خاتون فسارت من بغداد وطلب العسكر تاج الملك في عطائهم فهرب الى قلعة بوجين لينزل منها الأموال وامتنع فيها ونهب العسكر خزائنه وساروا الى أصبهان وقد سار بركيارق والنظامية الى الري فأطاعه أرغش النظامي في عساكره وفتحوا قلعة طغر عنوة وبعثت خاتون العساكر لقتال بركيارق فنزع اليه سبكرد وكمستكن الجاندار وغيرهما من أمراء عساكره ولقيهم بركيارق فهزمهم وسار في أثرهم الى أصفهان فحاصرهم بها وكان عز الملك بن نظام الملك بأصبهان وكان واليا على خوارزم فحضر عند السلطان قبل مقتل أبيه وبقي هناك بعد وفاة السلطان فخرج الى بركيارق ومعه جماعة من إخوانه فاستوزره بركيارق وفوض اليه الأمور كما كان أبوه.

(مقتل تاج الملك) وهو أبو الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز كان وزيرا لخاتون وابنها ولما هرب الى قلعة بوجين خوفا من العسكر كما قدمنا وملكت خاتون أصبهان عاد اليها واعتذر بأن صاحب القلعة حبسه فقبلت عذره وبعثته مع العساكر لقتال بركيارق فلما انهزموا حل أسيرا عنده وكان يعرف كفاءته فأراد أن يستوزره وكان النظامية ينافرونه ويتهمونه بقتل نظام الملك وبذل فيهم أموالا فلم يغنه ووشوا به فقتلوه في المحرم سنة ست وثمانين وكان كثير الفضائل جم المناقب وانما غطى على محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي والمدرسة بإزائها ورتب بها أبا بكر الشاشي مدرسا.

(مهلك محمود) ثم هلك السلطان محمود وهو محاصر بأصبهان لسنة من ولايته واستقل بركيارق بالملك.

** (منازعة تتش بن آلب أرسلان وأخباره الى حين انهزامه **

كان تاج الدولة تتش أخو السلطان ملك شاه صاحب الشام وسار الى لقاء أخيه ملك شاه ببغداد قبيل موته فلقيه خبر موته بهيت فاستولى عليها وعاد الى دمشق فجمع العساكر وبذل الأموال وأخذ في طلب الملك فبدأ بحلب ورأى صاحبها قسيم الدولة آق سنقر اختلاف ولد ملك شاه وحقرهم فأطاع تاج الدولة تتش وتبعه في طاعته وبعث الى باغي يسار صاحب انطاكية وإلى مران صاحب الرها وحران يشير عليهما بمثل ذلك فأجابا وخطبوا لتاج الدولة تتش في بلادهم وساروا معه الى الرحبة فملكها ثم الى نصيبين فملكها واستباحها وسلمها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وساروا الى الموصل وقدم عليه الكافي بن فخر الدولة ابن جهير من جزيرة ابن عمر فاستوزره وكانت الموصل قد ملكها علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأمه صفية عمة ملك شاه وأطلقت تركمان خاتون عمه إبراهيم فجاء وملك الموصل من يده كما تقدم في أخبار بني المقلد فبعث اليه تتش في الخطبة وأن يهيئ له الطريق الى بغداد فامتنع وزحف لحربه فانهزم العرب وسيق إبراهيم أسيرا الى تتش في جماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموالهم واستولى تتش على الموصل وغيرها واستناب عليها علي بن مسلم وهو ابن صفية عمة أبيه وبعث الى بغداد في الخطبة ووافقه كوهراس [1] الشحنة وحزر الجواب بانتظار الرسل من العسكر فسار تتش الى ديار بكر

فملكها ثم سار الى آذربيجان وزحف بركيارق يعتذر من سعيه مع تتش فعزله بركيارق بسعاية كمستكن الجاندار بقسيم الدولة وأقام عوضه شحنة ببغداد الأمير مكرد وأعطاه أقطاعه وسار الى بغداد ثم رده من دقوقا لكلام بلغه عنه وقتله وولى على شحنة بغداد فتكين حب.

** مقتل إسماعيل بن ياقوتي **

كان إسماعيل بن ياقوتي بن داود بن عم ملك شاه وخال بركيارق أميرا على أذربيجان فبعثت تركمان خاتون اليه فأطمعته في الملك وأنها تتزوج به فجمع جموعا من التركمان وغيرهم وسار لحرب بركيارق فلقيه عند كرخ ونزع عنه مكرد الى بركيارق فانهزم إسماعيل الى أصبهان فخطبت له خاتون وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود وأرادت العقد معه فمنعها الأمير أنز مدبر الدولة وصاحب العسكر وخوفهم وفارقهم ثم أرسل أخته زبيدة أم بركيارق فأصلحت حاله مع ابنها وقدم عليه فأكرمه واجتمع به رجال الدولة كمستكن الجاندار وآق سنقر وبوران وكشفوا سره في طلب الملك ثم قتلوه وأعلموا بركيارق فأهدر دمه.

(مهلك توران شاه بن قاروت بك) كان توران شاه بن قاروت بك صاحب فارس وأرسلت خاتون الجلالية الأمير أنز لفتح فارس سنة سبع وثمانين فهزمه أولا ثم أساء السيرة مع الجند فلحقوا بتوران شاه وزحف الى أنز فهزمه واسترد البلد من يده وأصاب توران شاه في المعركة بسهم هلك معه بعد شهرين.

(وفاة المقتدي وخلافة المستظهر وخطبته لبركيارق) ثم توفي المقتدي منتصف محرم سنة سبع وثمانين وكان بركيارق قد قدم بغداد بعد هزيمة عمه تتش فخطب له وحملت اليه الخلع فلبسها وعرض التقليد على المقتدي فقرأه وتدبره وعلم فيه وتوفي فجأة وبويع لابنه المستظهر بالخلافة فأرسل الخلع والتقليد الى بركيارق وأخذت عليه البيعة للمستظهر.

** استيلاء تتش على البلاد بعد مقتل آق سنقر ثم هزيمة بركيارق **

لما عاد تتش منهزما من أذربيجان جمع العساكر واحتشد الأمم وسار من دمشق الى حلب سنة سبع وثمانين واجتمع قسيم الدولة آق سنقر وبوران [1] وجاء كربوقا مددا من عند

بركيارق وساروا لحرب تتش ولقوة على ستة فراسخ من حلب فهزمهم وأخذ آق سنقر أسيرا فقتله ولحق كربوقا وبوران بحلب واتبعهما تتش فحاصرهما وملك حلب وأخذهما أسيرين وبعث الى حران والرها في الطاعة فامتنعوا فبعث اليهم برأس بوران وملك البلدين وبعث بكربوقا الى حمص فحبسه بها وسار الى الجزيرة فملكها ثم الى ديار بكر وخلاط فملكها ثم الى أذربيجان ثم سار الى همدان ووجد بها فخر الدولة ابن نظام الملك جاء من خراسان الى بركيارق فلقيه الأمير قماج من عسكر محمود بأصبهان فنهب ماله ونجا الى همذان فصادف بها تتش فأراد قتله وشفع فيه باغي يسار وأشار بوزارته لميل الناس الى بيته واستوزره وكان بركيارق قد سار الى أقسيس فحالفه تتش الى أذربيجان وهمذان فسار بركيارق من نصيبين وعبر دجلة من فوق الموصل الى أربل فلما تقارب العسكران أشرف الأمير يعقوب بن أنق [1] من عسكر تتش فكبس بركيارق وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه الا برسق وكمستكن الجاندار والبارق من أكابر الأمراء فلجئوا الى أصبهان وكانت خاتون أم محمود قد ماتت فمنعه محمود وأصحابه من الدخول ثم خرج اليه محمود وأدخله الى أصبهان واحتاطوا عليه وأرادوا أن يسلموه فرفض محمود فأبقوه.

** مقتل تتش واستقلال بركيارق بالسلطان **

ثم مات محمود منسلخ شوال سنة سبع وثمانين واستولى بركيارق على أصبهان وجاء مؤيد الملك الأمراء واستمالهم فرجعوا الى بركيارق وكشف جمعه وبعث تاج الملك تتش بعد هزيمة بركيارق يوسف بن أنق التركماني شحنة الى بغداد في جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وزحف اليه صدقة بن مزيد صاحب الحلة فقاتله في يعقوب وانهزم صدقة الى الحلة ودخل يوسف بن أنق بغداد وأقام بها وكان تتش لما هرم بركيارق سار الى همذان وقد تحصن بها بعض الأمراء فاستأمن اليه واستولى على همذان وسار في نواحي أصبهان وإلى مرو وراسل الأمراء بأصبهان يستميلهم بالمقاربة والوعد وبركيارق مريض فلما أفاق من مرضه خرج الى جرباذقان واجتمع اليه من العسكر ثلاثون ألفا ولقيه تتش فهزمه بركيارق وقتله بعض أصحاب آق سنقر بثأر صاحبه وكان فخر الملك بن نظام الملك أسيرا عنده فانطلق عند هزيمته واستقامت أمور بركيارق وبلغ الخبر الى يوسف يوسف بن أبق التركماني الكامل 10/ 244) .

** استيلاء كربوقاالموصل **

قد كناأن تاج الدولة تتش أسر قوام الدولة أباكربوقا وحبسه بعد ما قتل آق سنقر بوران فأقام محبوسا بحلب الى أن قتل تتش واستولى رضوان ابنه على حلب فأمره السلطان بركيارق بإطلاقه لأنه كان من جهة الأمير أنز [1] فأطلقه رضوان وأطلق أخاه التوسطاش [2] فاجتمعت عليهما العساكر وكان بالموصل علي بن شرف الدولة مسلم منذ ولاه عليها تتش بعد وقعة المضيع وكان بنصيبين أخوه محمد بن مسلم ومعه مروان بن وهب [3] وأبو الهيجاء الكردي وهو يريد الزحف الى الموصل فكاتب كربوقا واستدعاه للنصرة ولقيه على مرحلتين من نصيبين فقبض عليه كربوقا وسار الى نصيبين وحاصرها أربعين يوما وملكها ثم سار الى الموصل فامتنعت عليه فتحول عنها الى بلد [4] وقتل بها محمد بن شرف الدولة تغريقا وعاد الى حصار الموصل ونزل منها على فرسخ واستنجد علي بن مسلم بالأمير مكرس [5] صاحب جزيرة ابن عمر فجاء لانجاده واعترضه التوسطاش فهزمه ثم سار الى طاعة كربوقا وأعانه على حصار الموصل ولما اشتد بصاحبه علي بن مسلم الحصار بعد تسعة أشهر هرب عنها ولحق بصدقة بن مزيد ودخل كربوقا الى الموصل وعاث التوسطاش في أهل البلد ومصادرتهم واستطال على كربوقا فأمر بقتله ثالثة دخوله سنة تسع وثمانين وسار كربوقا الى الرحبة فملكها وعاد فأحسن السيرة في أهل الموصل ورضوا عنه واستقامت أموره.

** استيلاء أرسلان أرغون اخي السلطان ملك شاه على خراسان ومقتله **

كان أرسلان أرغون مقيما عند أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فلما مات وبويع ابنه محمود سار الى خراسان في سبعة من مواليه واجتمعت عليه جماعة وقصد نيسابور فامتنعت عليه فعاد الى مرو وكان بها شحنة الأمير قودر [6] من موالي السلطان ملك شاه وكان أحد الساعين في قتل

نظام الملك فمال الى طاعة أرغون وملكه البلد وسار الى بلخ وكان بها فخر الملك بن نظام الملك ففر عنها ووصل الى همدان ووزر لتاج الدولة تتش كما مر وملك ارسلان أرغون بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان وأرسل الى السلطان بركيارق وزيره مؤيد الملك في تقرير خراسان عليه بالضمان كما كانت لجده داود ما عدا نيسابور فأعرض عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش ثم عزل بركيارق مؤيد الملك عن الوزارة بأخيه فخر الملك واستولى فخر الملك البارسلان على الأمور فقطع ارسلان مراسلة بركيارق فبعث حينئذ عمه بورسوس [1] في العساكر لقتاله فانهزم ارسلان الى بلخ وأقام بورسوس بهراة وسار أرسلان الى مرو وفتحها عنوة وخربها واستباحها وسار اليه بورسوس من هراة سنة ثمان وثمانين وكان معه مسعود بن تأخر [2] الذي كان أبوه مقدم عساكر داود ومعه ملك شاه من أعاظم الأمراء فبعث اليه ارسلان واستماله فمال اليه ووثب لمسعود بن تأخر وابنه فقتلهما في خيمته فضعف أمر بورسوس وانفض الناس عنه وجيء به أسيرا الى أخيه أرسلان أرغون فحبسه بترمذ ثم قتله في محبسه بعد سنة وقتل أكابر خراسان وخرب أسوارها مثل سودان ومرو الشاهجان وقلعة سرخس ونهاوند ونيسابور وصادر وزيره عماد الملك بن نظام الملك على ثلاثمائة ألف دينار ثم قتله واستبد بخراسان وكان مرهف الحد كثير العقوبة لمواليه وأنكر على بعضهم يوما بعض فعلاته وهو في خلوة وضربه فطعنه الغلام بخنجر معه فقتله وذلك في المحرم من سنة تسعين.

** ولاية سنجر على خراسان **

ولما قتل ارسلان أرغون ملك أصحابه من بعده صبيا صغيرا من ولده وكان السلطان بركيارق قد جهز العساكر لخراسان للقتال ومعه الأتابك قماج ووزيره علي بن الحسن الطغرائي وانتهى اليه مقتل أرسلان بالدامغان فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا الى نيسابور فملكها في جمادى سنة تسعين وأربعمائة وملك سائر خراسان وسار الى بلخ وكان أصحاب أرسلان قد هربوا بابنه الذي نصبوه للملك الى جبل طخارستان وبعثوا يستأمنون له ولهم فأمنهم السلطان وجاءوا بالصبي في آلاف من العساكر فأكرمه السلطان وأقطعه ما

كان لأبيه أيام ملك شاه وانفض عنه العسكر الذين كانوا معه وافترقوا على أمراء السلطان وأفردوه فضمته أم السلطان اليها وأقامت من يتولى رتبته وسار السلطان الى ترمذ فملكها وخطب له بسمرقند ودانت له البلاد وأقام على بلخ سبعة أشهر ثم رجع وترك أخاه سنجر نائبا بخراسان.

** ظهور المخالفين بخراسان **

لما كان السلطان بخراسان خالف عليه محمود بن سليمان من قرابته ويعرف بأمير أميران وسار إلى بلخ واستمد صاحب غزنة من بني سبكتكين فأمده بالعساكر والخيول على أن يخطب له فيما يفتحه من خراسان فقويت شوكته فسار اليه الملك سنجر وكبسه فانهزم وجيء به أسيرا فسلمه ولما انصرف السلطان عن خراسان سار نائب خوارزم واسمه أكنجي في اتباعه وسبق الى مرو فتشاغل بلذاته وكان بها الأمير تورد قد تشاغل عن السلطان واعتذر بالمرض فداخل بارقطاش من الأمراء في قتل أكنجي صاحب خوارزم فكبسه في طائفة من أصحابه وقتلوه وساروا الى خوارزم فملكوها مظهرين أن السلطان ولاهما عليها وبلغ الخبر الى السلطان وكان قد بلغه في طريقه خروج الأمير أنز بفارس عن طاعته فمضى الى العراق وأعاد داود الحبشي ابن التونطاق في العساكر لقتالهما فسار الى العراق من هراة وأقام في انتظار العسكر فعاجلاه فهرب أمامهما وهرب جيحون وتقدم بارقطاش قبل تودن وقاتله فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر الى تودن فثار به عسكره ونهبوا أثقاله ولحق بسنجار فقبض عليه صاحبها ثم أطلقه فلحق بالملك سنجر ببلخ فقتله وأفرغ هو طاعته في نظمه وجمع العساكر على طاعته ثم مات قريبا وبقي بارقطاش أسيرا عند داود الى أن قتل.

** بداية دولة بني خوارزم شاه **

كان أبو شكين مملوكا لبعض أمراء السلجوقية واشتراه من بعض أهل غرشفان فدعى أبا شكين غرشه [1] ونشأ على حال مرضية وكان مقدما وولد له ابنه محمد فأحسن تأديبه وتقدم هو بنفسه ولما سار الأمير داود الحبشي الى خراسان كما مر سار محمد في جملته فلما مهد

خراسان وأزال الخوارج نظر فيمن يوليه خوارزم وكان نائبها أكنجي قد قتله كما مر فوقع اختياره على محمد بن أبي شكين فولاه ولقبه خوارزم شاه فحسنت سيرته وارتفع محله وأقره السلطان سنجر وزاده عناية بقدر كفايته واضطلاعه وغاب في بعض الأيام عن خوارزم فقصدها بعض ملوك الأتراك وكان طغرلتكين محمد الذي كان أبوه أكنجي نائبا بخوارزم وبادر محمد بن أبي شكين الى خوارزم بعد أن استمد السلطان سنجر وسار بالعساكر مددا له وتقدم محمد بن أبي شكين فتأخر الأتراك الى منقشلاع ورحل طغرلتكين الى جرجان وازداد محمد بذلك عناية عند سنجر ولما توفي ولى ابنه بعده أقسر وأحسن السيرة وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وباشر الحروب فملك مدينة منقشلاع ولما توفي اختصه السلطان سنجر وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه واتصل الملك في بني محمد أبي شكين خوارزم شاه وكانت لهم الدولة وتمت دولة بني ملك شاه وعليها كان ظهور الططر [1] بعد المائة السادسة ومنهم أخذوا الملك كما سيأتي في أخبارهم.

** استيلاء الافرنج على انطاكية وغيرها من سواحل الشام **

كان الافرنج قد ظهر أمرهم في هذه السنين وتغلبوا على صقلية واعتزموا على قصد الشام وملك بيت المقدس وأرادوا المسير اليها في البر فراسلوا ملك الروم بالقسطنطينية أن يسهل لهم الطريق الى الشام فأجابهم على أن يعطوه انطاكية فعبروا خليج القسطنطينية سنة تسعين وأربعمائة وسار ارسلان بن سليمان بن قطلمش صاحب مرقيه وبلاد الروم لمدافعتهم فهزموه ثم مروا ببلاد ابن لبون الارمني ووصلوا الى انطاكية فحاصروها تسعة أشهر وصاحبها يومئذ باغي سيان فأحسن الدفاع عنها ثم تبوءوا البلد بمداخلة بعض الحامية أصعدهم السور بعد أن رغبوه بالأموال والاقطاع وجاءوا الى السور فدلهم على بعض المخادع ودخلوا منه ونفخوا البوق فخرج باغي سيان هاربا حتى إذا كان على أربعة فراسخ راجع نفسه وندم فسقط مغشيا عليه ومر به أرمني فحمل رأسه الى انطاكية وذلك سنة احدى وتسعين وأربعمائة واجتمعت عساكر المسلمين وزحفوا الى انطاكية من كل ناحية ليرتجعوها من الافرنج وجاء قوام الدين كربوقا الى الشام واجتمعت عليه العساكر بمرج دابق فكان معه دقاق بن تتش وطغرلتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وارسلان تاش صاحب سنجار وسقمان بن أرتق

وغيرهم وساروا الى انطاكية فنازلوها واستوحش الأمراء من كربوقا وأنفوا من ترفعه عليهم وضاق الحصار بالافرنج لعدم الأقوات لأن المسلمين عاجلوهم عن الاستعداد فاستأمنوا كربوقا فمنعهم الأمان وكان معهم من الملوك بردويل وصخبل وكمدمري والقمط صاحب الرها وسمند [1] صاحب انطاكية وهو مقدم العساكر فخرجوا مستأمنين وضربوا مصاف وتخاذل الناس لما كان في قلوبهم من الاضغان لكربوقا فتمت الهزيمة عليهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق واستشهد منهم العرب وغنم العدو سوادهم بما فيه وساروا الى معرة النعمان فملكوها وأفحشوا في استباحتها ثم ساروا الى غزة فحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم وصالحهم ابن منقذ على بلده شيراز وحاصروا حمص فصالحهم صاحبها جناح الدولة ثم ساروا الى عكا فامتنعت عليهم وكان هذا بداية الافرنج بسواحل الشام ويقال ان المصريين استنابوا رجلا يعرف بافتخار الدولة من خلفاء العميد بن نصر لما خشوا من السلجوقية عند استيلائهم على الشام الى غزة وزحف الاقسيس من أمرائهم الى مصر وحاصرها فراسلوا الى الافرنج واستدعوهم لملك الشام لينشلوهم عن أنفسهم ويحولوا بينهم وبين مصر والله سبحانه وتعالى أعلم.

** انتقاض الأمير انز وقتله **

لما سار السلطان بركيارق الى خراسان ولى على بلاد فارس الأمير انز وكانت قد تغلبت الشوانكار واستظهروا بإيران شاه بن قاروت بك صاحب كرمان فلما سار اليهم انز قاتلوه فهزموه ورجع الى أصبهان فاستأذن السلطان فأمره بالمقام هناك وولاه امارة العراق وكانت العساكر في جواره بطاعته وجاءه مؤيد الملك بن نظام الملك من بغداد على الحلة فأغراه بالخلاف وخوفه غائلة بركيارق وأشار عليه بمكاتبة محمد بن ملك شاه وهو في كنجه وشاع عنه ذلك فازداد خوفه وجمع العساكر وسار من أصبهان الى الري وجاهر السلطان بالخلاف وطلب منه أن يسلم اليه فخر الملك البارسلان وبينما هو في ذلك إذ هجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم من جنده فطعنوه فقتلوه واهتاج عسكره فنهبوا خزائنه وحمل شلوه الى أصبهان فدفن بها وأشهر خبر قتله الى السلطان في أحواز الري وهو سائر لقتاله فسر بذلك هو وفخر الملك البارسلان وذلك في سنة ثنتين وتسعين وكان محمود المذاهب كبير المناقب ولما

قتل هرب اصهنر صبار [1] الى دمشق فأقام بها مدة ثم قدم على السلطان محمد سنة احدى وخمسمائة فأكرمه وأقطعه رحبة مالك بن طوق.

** استيلاء الافرنج على بيت المقدس **

كان بيت المقدس لتاج الدولة تتش وأقطعه الأمير سقمان بن أرتق التركماني وكان تتش ملكه من يد العلويين أهل مصر فلما وهن الأتراك بواقعة انطاكية طمع المصريون في ارتجاعه وسار صاحب دولتهم الأفضل بن بدر الجمالي وحاصر الأمير سقمان وأخاه ايلغاري وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج ونصب المجانيق فثلموا سوره ثم ملكوه بالأمان لأربعين يوما من حصاره في شعبان سنة تسع وثمانين وأحسن الأفضل الى سقمان وايلغاري ومن معهما وأطلقهم فأقام سقمان ببلد الرها وسار ايلغاري الى العراق وولى الأفضل على بيت المقدس افتخار الدولة من أمرائهم ورجع الى مصر فلما رجع الافرنج من عكا جاءوا الى بيت المقدس فحاصروه أربعين يوما واقتحموه من جهة الشمال آخر شعبان من سنة اثنتين وتسعين وعاثوا في أهله واعتصم فلهم بمحراب داود عليه السلام ثلاثا حتى استأمنوا وخرجوا ليلا الى عسقلان وقتل بالمسجد سبعون ألفا أو يزيدون من المجاورين فيهم العلماء والزهاد والعباد وأخذوا نيفا وأربعين قنديلا من الفضة زنة كل واحد ثلاثة آلاف وستمائة درهم ومائة وخمسين قنديلا من الصغار وتنورا من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامي وغير ذلك مما لا يحصى ووصل الصريخ الى بغداد مستغيثين فأمر المقتدي أن يسير الى السلطان بركيارق أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشي وأبو القاسم الزنجاني وأبو الوفاء بن عقيد وأبو سعد الحلواني وأبو الحسين بن السماك فساروا الى بركيارق يستصرخونه للمسلمين فانتهوا الى حلوان وبلغهم مقتل مجد الملك الباسلاني [2] وفتنة بركيارق مع أخيه محمد فرجعوا وتمكن الافرنج من البلاد ونحن عازمون على افراد أخبارهم بالشام وما كان لهم فيه من الدولة على حكم أخبار الدول في كتابنا.

** ظهور السلطان محمد بن ملك شاه والخطبة له ببغداد وحروبه مع أخيه بركيارق **

كان محمد وسنجر شقيقين وكان بركيارق استعمل سنجر على خراسان ثم لحق به محمد

بأصبهان وهو يحاصرها سنة ثمان وثمانين فأقطعه كنجة وأعمالها وأنزل معه الأمير قطلغ تكين أتابك وكانت كنجة من أعمال اران وكانت لقطون فانتزعها ملك شاه وأقطعه أستراباذ وولى على اران سرهنك ساوتكين الخادم ثم ضمن قطون بلاده وأعيد اليها فلما قوي رجع الى العصيان فسرح اليه ملك شاه الأمير بوزان فغلبه على البلاد وأسره ومات ببغداد سنة أربع وثمانين وأقطع ملك شاه بلاد اران لأصحاب باغي سيان صاحب انطاكية ولما مات باغي سيان رجع ابنه الى ولاية أبيه ثم أقطع السلطان بركيارق كنجة وأعمالها لمحمد كما قلناه سنة ست وثمانين ولما اشتد واستفحل قتل أتابك قطلغ تكين واستولى على بلاد اران كلها ولحق مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك بعد مقتل صاحبه أنز فاستخلصه وقربه وأشار عليه مؤيد الملك فطلب الأمر لنفسه فخطب له بأعماله واستوزر مؤيد الملك وقارن ذلك مقتل مجد الملك الباسلاني المتغلب في دولة بركيارق فاستوحش أصحابه لذلك ونزعوا الى محمد وساروا جميعا الى الري وكان بركيارق قد سبقهم اليها واجتمع اليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي [1] من أكابر الأمراء وعز الملك بن نظام الملك ولما بلغه مسير أخيه محمد اليه رجع الى أصبهان فمنعوه من الدخول فسار الى خوزستان وملك محمد الري في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ووجد بها زبيدة أم بركيارق قد تخلفت عن ابنها فحبسها مؤيد الملك وصادرها ثم قتلها خنقا بعد ان تنصح له أصحابه في شأنها فلم يقبل وكان سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد قد استوحش من بركيارق فاتفق هو وكربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر وسرخاب بن بدر صاحب كنكسون وساروا الى السلطان محمد بقم فخلع عليهم ورد كوهراس الى بغداد في شأن الخطبة فخطب له بالخليفة ولقبه حياة الدين والدنيا وسار كربوقا وجكرمش مع السلطان محمد الى أصبهان والله سبحانه وتعالى أعلم.

** مقتل الباسلاني **

كان أبو الفضل سعد الباسلاني ويلقب مجد الملك متحكما عند السلطان بركيارق ومتحكما في دولته ولما فشا القتل في أمرائه من الباطنية استوحشوا ونسبوا ذلك للباسلاني وكان من أعظم من قتل منهم الأمير برسق فأتهم ابنه زنكي وأقبورني الباسلاني في قتله ونزعوا عن بركيارق الى السلطان محمد فاجتمع الأمراء ومقدمهم أمير الحيرة لكابك وطغايرك من الروز وبعثوا

الى بني برسق يستدعونهم للطلب بثار أبيهم فجاءوا واجتمعوا قريبا من همدان ووافقهم العسكر جميعا على ذلك وبعثوا الى بركيارق يطلبون الباسلاني فامتنع وأشار عليه الباسلاني بإجابتهم لئلا يفعلوا ذلك بغير رأي السلطان فيكون وهنا على الدولة فاستحلفهم السلطان فدفعه اليهم فقتله الغلمان قبل أن يتصل بهم وسكنت الفتنة وحمل رأسه الى مؤيد الملك واستوحش الأمراء لذلك من بركيارق وأشاروا عليه بالعود الى الري ويكفونه قتال أخيه محمد فعاد متشاغلا ونهبوا سرادقه وساروا الى أخيه محمد ولحق بركيارق بأصبهان ثم لحق رستاق كما تقدم.

** اعادة الخطبة ببغداد لبركيارق **

ولما سار بركيارق الى خوزستان ومعه نيال بن أبي شكين الحسامي مع عسكره سار من هنالك الى واسط ولقيه صدقة بن مزيد صاحب الحلة ثم سار الى بغداد وكان سعد الدولة كوهراس الشحنة على طاعة محمد فخرج عن بغداد ومعه أبو الغازي بن بن ارتق وغيره وخطب لبركيارق ببغداد منتصف صفر سنة ثلاث وتسعين بعد ان فارقها كوهراس وأصحابه وبعثوا الى السلطان محمد ومؤيد الملك يستحثونهما فأرسلا اليهم كربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر يستكثرون بهم في المدافعة وطلب جكرمش من كوهراس السير لبلده خشية عليها فأذن له ثم يئس كوهراس وأصحابه من محمد فبعثوا الى بركيارق بطاعتهم فخرج اليهم واسترضاهم ورجع الى بغداد وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بما أخذ هو وأبوه من الموصل وديار بكر أيام ولايتهم عليها فصادرهم على مائة وستين ألف دينار واستوزر الأغر أبا المحاسن عند الجليل ابن علي بن محمد الدهستاني وخلع الخليفة على بركيارق.

** المصاف الأول بين بركيارق ومحمد ومقتل كوهراس وهزيمة بركيارق والخطبة لمحمد **

ثم سار بركيارق من بغداد لحرب أخيه محمد ومر بشهرزور فاجتمع اليه عسكر كثير من التركمان وكاتب رئيس همدان يستحثه فركب وسار للقاء أخيه على فراسخ من همذان في أول رجب من سنة ثلاث وتسعين وفي ميمنته كوهراس وعز الدولة بن صدقة بن مزيد وسرحاب

ابن بدر وفي ميسرته كربوقا وفي ميمنته محمد بن أضر وابنه أيار [1] وفي ميسرته مؤيد الملك والنظامية ومعه في القلب أمير سرخو شحنة أصبهان فحمل كوهراس من الميمنة على مؤيد الملك والنظامية فهزمهم وانتهى الى خيامهم فنهبها وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزموا وحمل محمد على بركيارق فهزمه ووقف محمد مكانه وعاد كوهراس من طلب المنهزمين فكبا به فرسه فقتل وجيء بالاغر أبي المحاسن يوسف وزير بركيارق أسيرا فأكرمه مؤيد الملك ونصب له خيمة وبعثه الى بغداد في الخطبة لمحمد فخطب له منتصف رجب من السنة وكانت أولية سعد الدولة كوهراس انه كان خادما للملك أبي كلينجار بن بويه وجعله في خدمة ابنه أبي نصر ولما حبسه طغرلبك مضى معه الى قلعة طغرل فلما مات انتقل الى خدمة السلطان البارسلان وترقى عنده وأقطعه واسط وجعله شحنة بغداد وحضر يوم قتله فوقاه بنفسه ثم أرسله ملك شاه الى بغداد في الخطبة وجاء بالخلع والتقليد وحصل له من نفوذ الأمر واتباع الناس ما لم يحصل لغيره الى أن قتل في هذه المعركة وولى شحنة بغداد بعده ايلغازي بن أرتق.

** مسير بركيارق خراسان وانهزامه من أخيه سنجر ومقتل الأمير داود حبشي أمير خراسان **

لما انهزم بركيارق من أخيه محمد خلص في الفل الى الري واجتمع له جموع من شيعته فسار الى خراسان وانتهى الى أسفراين وكتب الأمير داود حبشي [2] الى التونطاق يستدعيه من الدامغان وكان أميرا على معظم خراسان وعلى طبرستان وجرجان فأشار عليه بالمقام بنيسابور فقصدها وقبض على عميدها أبي محمد وأبي القاسم بن امام الحرمين ومات أبو القاسم في محبسه مسموما ثم زحف سنجر الى الأمير داود فبعث الى بركيارق يستدعيه لنجدته فسار اليه والتقى الفريقان بظاهر بوشنج وفي ميمنة سنجر الأمير برغش وفي ميسرته الأمير كوكر [3] ومعه في القلب الأمير رستم فحمل بركيارق على رستم فقتله وانقض الناس على سنجر وكاد ينهزم وأخذ بركيارق أم سنجر أسيرة وشغل أصحاب بركيارق بالنهب فحمل عليهم برغش وكوكر فانهزموا واستمرت الهزيمة على بركيارق وهرب الأمير داود فجيء به الى برغش أسيرا

فقتله وسار بركيارق الى جرجان ثم الى الدامغان ودخل البرية ثم استدعاه أهل أصبهان وجاءه جماعة من الأمراء منهم جاول سقاوو وسبقه محمد الى أصبهان فعدل عنها الى عسكر مكرم.

** المصاف الثاني بين بركيارق ومحمد وهزيمة محمد وقتل وزيره مؤيد الملك والخطبة لبركيارق **

لما انهزم بركيارق أمام سنجر سنة ثلاث وتسعين وسار الى أصبهان فوجد أخاه محمدا قد سبقه اليها فعدل عنها الى خوزستان ونزل الى عسكر مكرم وقدم عليه هناك الأميران زنكي والبكي ابنا برسق سنة أربع وتسعين وساروا معه الى همذان وهرب اليه الأمير أياز في خمسة آلاف من عسكر محمد لأن صاحب أميرا ضر [1] مات في تلك الأيام وظنوا أن مؤيد الملك دس عليه وزيره فسمه وكان أياز في جملة أمير أضر فقتل الوزير المتهم ولحق بركيارق ثم وصل اليه سرحاب بن كنجر وصاحباه فاجتمع له نحو من خمسين ألف فارس ولقيه محمد في خمسة عشر ألفا واستأمن أكثرهم إلى بركيارق يوم أول جمادى الأخيرة سنة أربع وتسعين واستولت الهزيمة على محمد وجيء بمؤيد الملك أسيرا فوبخه ثم قتله بيده لانه كان سيئ السيرة مع الأمراء كثير الحيل في تدبير الملك ثم بعث الاغر أبو المحاسن وزير بركيارق أبا إبراهيم الأستراباذي لاستقصاء أحوال مؤيد الملك وذخائره ببغداد فحمل منها ما لا يسعه الوصف يقال انه وجد في ذخائره ببلاد العجم قطعة بلخش زنتها أربعون مثقالا واستوزر محمد بعده خطيب الملك أبا منصور محمد بن الحسين ثم سار السلطان بركيارق الى الري ووفد عليه هنالك كربوقا [2] صاحب الموصل ودبيس بن صدقة وأبوه يومئذ صاحب الحلة وسار السلطان قافلا الى جرجان وبعث الى أخيه سنجر يستجديه فبعث اليه ما أقامه ثم طلبه في المدد فسار اليه سنجر من خراسان ثم سارا جميعا الى الدامغان فخرباها وسار الى الري

واجتمعت عليه النظامية وغيرهم فكثرت جموعهم وكان بركيارق بعد الظفر قد فرق عساكره لضيق الميرة ورجع دبيس بن صدقة الى أبيه وخرج بآذربيجان داود بن إسماعيل ابن ياقوتي فبعث لقتاله قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف واستأذنه أياز في المسير الى ولايته بهمدان ويعود بعد الفطر فبقي في قلة من العساكر فلما بلغه قرب أخيه محمد وسنجر اضطرب حاله وسار الى همذان ليجتمع مع أياز فبلغه انه قد راسل أخاه محمدا وأطاعه فعاد الى خوزستان ولما انتهى الى تستر استدعى ابن برسق وكان من جملة أياز فلم يحضر وتأخر فآمنه فسار نحو العراق فلما بلغ حلوان لحق به أياز وكان راسل محمدا فلم يقبله وبعث عساكره الى همدان فلحق بهمدان أياز وأخذ محمد محلة [1] أياز بهمدان وكانت كثيرا من كل صنف وصودر أصحابه [2] بهمدان بمائة ألف دينار وسار بركيارق وأياز الى بغداد فدخلها منتصف ذي القعدة من سنة أربع وتسعين وطلب من الخليفة المال للنفقة فبعث اليه بعد المراجعة بخمسين ألف دينار وعاث أصحاب بركيارق في أموال الناس وضجروا منه ووفد عليه أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن المصلحية [3] قاضي جبلة من سواحل الشام منهزما من الافرنج بأموال جليلة المقدار فأخذها بركيارق منه وقد تقدم خبر ابن المصلحية في دولة العباسيين ثم بعث وزير بركيارق الأغر [4] بالمحاسن الى صدقة بن مزيد صاحب الحلة في ألف ألف دينار يزعم أنها تخلفت عنده من ضمان البلاد وتهدده عليها فخرج عن طاعة بركيارق وخطب لمحمد أخيه وبعث اليه بركيارق في الحضور والتجاوز عن ذلك وضمن له أياز جميع مطالبه فأبي الا ان يدفع الوزير واستمر على عصيانه وطرد عامل بركيارق عن الكوفة واستضافها اليه.

** مسير بركيارق عن بغداد ودخول محمد وسنجر اليها **

ولما استولى السلطان محمد وأخوه سنجر على همذان سار في اتباع بركيارق الى حلوان فقدم عليه هنالك أبو الغازي ابن ارتق في عساكره وخدمه وكثرة جموعه فسار الى بغداد وبركيارق عليل بها فاضطرب أصحابه وعبروا به الى الجانب الغربي ووصل محمد الى بغداد آخر سنة

أربع وتسعين وتراءى الجمعان بشاطئ دجلة وجرت بينهم المراماة والنشاب وكان عسكر محمد ينادون عسكر بركيارق يا باطنية ثم سار بركيارق الى واسط ونهب عسكره جميع ما مروا عليه ودخل محمد الى دار المملكة ببغداد وجاءه توقيع المستظهر بالاستبشار بقدومه وخطب له ونزل الملك سنجر بدار كوهراس ووفد على السلطان محمد ببغداد صدقة صاحب الحلة في محرم سنة خمس وسبعين [1] .

** قتل بركيارق الباطنية **

كان هؤلاء الباطنية قد ظهروا بالعراق وفارس وخراسان وهم القرامطة والدعوة بعينها دعوتهم الا أنهم سمعوا في هذه الأجيال بالباطنية والإسماعيلية والملاحدة والفداوية وكل اسم منها باعتبار فالباطنية لانهم يبطنون دعوتهم والإسماعيلية لانتساب دعوتهم في أصلها لإسماعيل الامام بن جعفر الصادق والملاحدة لان بدعتهم كلها الحاد والفداوية لانهم يفادون أنفسهم بالمال على قتل من يسلطون والقرامطة نسبة الى قرمط منشئ دعوتهم وكان أصلهم من البحرين في المائة الثالثة وما بعدها ثم نشأ هؤلاء بالمشرق أيام ملك شاه فأول ما ظهروا بأصبهان واشتد في حصار بركيارق وأخيه محمود وأمه خاتون فيها ثم ثارت عامة أصبهان بهم بإشارة القضاة وأهل الفتيا فقتلوهم في كل جهة وحرقوهم بالنار ثم انتشروا واستولوا على القلاع ببلاد العجم كما تقدم في أخبارهم ثم أخذ بمذهبهم نيران شاه بن بدران شاه بن قارت بك [2] صاحب كرمان حمله عليه كاتب من أهل خوزستان يسمى أبا زرعة وكان بكرمان فقيه من الحنفية يسمى أحمد بن الحسين البلخي مطاع في الناس فخشي من نكيره فقتله فهرب عنه صاحب جيشه وكان شحنة البلد ولحق بالسلطان محمد ومؤيد الملك بأصبهان وثار الجنا بعده بنيران شاه الى مدينة كرمان فمنعه أهلها ونهبوه فقصد قلعة سهدم [3] واستجار بصاحبها محمد بهستون وبعث أرسلان شاه عساكر لحصارها فطرده بهستون وبعث مقدم العساكر في طلبه فجيء به أسيرا وبأبي زرعة الكاتب معه فقتلهما أرسلان شاه واستولى على بلاد كرمان وكان بركيارق كثيرا ما يسلطهم على من يريد قتله من الأمراء مثل انز شحنة أصبهان وأرغش وغيرهم فامنوا جانبه وانتشروا في عسكره وأغروا الناس ببدعتهم

وتجاوزوا الى التهديد عليها حتى خافهم أعيان العسكر وصار بركيارق يصرفهم على أعدائه والناس يتهمونه بالميل اليهم فاجتمع أهل الدولة وعذلوا بركيارق في ذلك فقبل نصيحتهم وأمر بقتل الباطنية حيث كانوا فقتلوا وشردوا كل مشرد وبعث الى بغداد بقتل أبي إبراهيم الأستراباذي الذي بعثه أبو الأغر لاستقصاء أموال مؤيد الملك وكان يتهم بمذهبهم فقتل وقتل بالعسكر الأمير محمد من ولد علاء الدين بن كاكويه وهو صاحب مدينة تيرد وكان يتهم بمذهبهم وسعى بالكيا الهراسي مدرس النظامية انه باطني فأمر السلطان محمد بالقبض عليه حتى شهد المستظهر ببراءته وعلو درجته في العلم فاطلقه وحسمت علة الباطنية بين الجمهور وبقي أمرهم في القلاع التي ملكوها الى ان انقرضوا كما تقدم في اخبارهم مستوفي.

(المصاف الثالث بين بركيارق ومحمد والصلح بينهما) ولما رحل بركيارق عن بغداد الى واسط ودخل اليها السلطان محمد اقام بها الى منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين ثم رحل الى همدان وصحبه السلطان سنجر لقصد خراسان موضع إمارته وجاءت الاخبار الى المستظهر باعتزام بركيارق على المسير الى بغداد ونقل له عنه قبائح من أقواله وأفعاله فاستدعى السلطان محمدا من همدان وقال أنا أسير معك لقتاله فقال محمد أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ورجع ورتب ببغداد أبا المعالي شحنة وكان بركيارق لما سار من بغداد الى واسط هرب أهلها منه الى الزبيدية ونزل هو بواسط عليلا فلما أفاق أراد العبور الى الجانب الشرقي فلم يجد سفنا ولا نواتية وجاءه القاضي أبو علي الفارسي الى العسكر واجتمع بالأمير أياز والوزير فاستعطفهما لأهل واسط وطلب اقامة الشحنة بينهم فبعثاه وطلبا من القاضي من يعبر فأحضر لهم رجالا عبروا بهم فلما صاروا في الجانب الشرقي نهب العسكر البلد فجاء القاضي واستعطفهم فمنعوا النهب واستأمن اليهم عسكر واسط فأمنوهم وسار بركيارق الى بلاد بلخ وبرسق في الأهواز وساروا معه ثم بلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار في اتباعه على نهاوند الى أن أدركه وتصافوا ولم يقتتلوا لشدة البرد ثم عاودوا في اليوم الثاني كذلك وكان الرجل يخرج لقريبه من الصف الأخر فيتصافحان ويتساءلان ويفترقان ثم جاء الأمير بكراج وعبر من عسكر محمد الى الأمير أياز والوزير الأغر فاجتمعوا وعقدوا الصلح بين الفريقين على ان السلطان بركيارق والملك محمد ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد حرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل ويمده بركيارق بالعساكر على من يمتنع عليه منها وتحالفا على ذلك وافترقا وكان العقد في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسار بركيارق الى ساوة ومحمد الى أستراباذ وكل أمير على أقطاعه والله سبحانه وتعالى أعلم

** انتقاض الصلح والمصاف الرابع بين السلطانين وحصار محمد بأصبهان **

لما انصرف السلطان محمد الى أستراباذ وكان اتهم الأمراء الذين سعوا في الصلح بالخديعة فسار الى قزوين ودس الى رئيسها لان يصنع صنيعا ويدعوه اليه مع الأمراء ففعل وجاء السلطان الى الدعوة وقد تقدم الى أصحابه بحمل السلاح ومعه يشمك وافتكين من أمرائه فقبض عليهما وقتل يشمك وسمل افتكين وورد عليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي نازعا عن أخيه بركيارق.

ولما التقى الفريقان حمل سرخاب بن كشمر [1] الديلي صاحب ساوة على نيال الحسامي فهزمه واتبعه عامة العسكر واستولت الهزيمة على عسكر محمد ومضى بعضهم الى طبرستان وبعضهم الى قزوين وذلك في جمادى من سنة خمس وتسعين لاربعة أشهر من المصاف قبله ولحق محمد في الفل بأصبهان ومعه نيال الحسامي وأصبهان في حكمه فحصنها وسد ما ثلم من سورها وأعمق الخندق وفرق الأمراء في الأسوار وعلى الأبواب ونصب المجانيق وجاء بركيارق في خمسة عشر ألف مقاتل فأقام محاصرا للبلد حتى اشتد الحصار وعدمت الأقوات واستقرض محمد المال للجند من أعيان البلدة مرة بعد أخرى فلما جهده الحصار خرج من البلد ومعه الأمير نيال وترك باقي الأمراء وبعث بركيارق الأمير أياز في عسكر لطلبه فلم يدركه وقيل بل أدركه وذكره العهد فرجع عنه بعد ان أخذ رايته وجشره [2] وثلاثة أحمال من المال ولما خرج محمد عن أصبهان طمع المفسدون والسودية في نهبها فاجتمع منهم ما يزيد على مائة ألف وزحفوا بالسلالم والذبابات وطموا الخندق وصعدوا في السلالم بإشارة أهل البلد وجدوا في دفاعهم وعادوا خائبين ورحل بركيارق آخر ذي القعدة من سنة خمس وتسعين واستخلف على البلاد القديم الذي يقال له شهرستان مرشد الهراس في ألف فارس مع ابنه ملك شاه وسار الى همدان وفي هذا الحصار قتل وزير بركيارق الأغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني عرض له يوما بعض الباطنية عند ما ركب من خيمته لباب السلطان طعنه طعنات

وتركه بآخر رمق وقتل غلام من غلمان بعض المكوس للوزير ثار فيه بمولاه وكان كريما واسع الصدر وولى الوزارة على حين فساد القوانين وقلة الجباية فكان يضطر لاخذ أموال الناس بالإضافة فنفرت الصفوة منه ولما مات استوزر بركيارق بعده الخطير أبا منصور الميبذي كان وزيرا لمحمد وقد وكله في الحصار ببعض الأبواب فبعث اليه محمد نيال بن أبي شكين يطالبه بالأموال لإقامة العسكر فخرج من الباب ليلا ولحق ببلده وامتنع بقلعتها فأرسل السلطان بركيارق اليها عساكر وخاصروها حتى استأمن وجاء عند قتل وزيره الأغر فاستوزره بركيارق مكانه والله تعالى أعلم بغيبه.

** مسير صاحب البصرة الى واسط **

كان صاحب البصرة لهذا العهد إسماعيل بن ارسلان حين كان السلطان ملك شاه شحنة بالري وولاه عليها عند ما اضطر أهلها وعجز الولاة عنهم فحسنت كفايته وأثخن فيهم وأصلح أمورها ثم عزل عنها وأقطع السلطان بركيارق البصرة للأمير قماج وكان ممن لا يفارقه فاختار إسماعيل لولاية البصرة ثم نزع قماج عن بركيارق وانتقل الى خراسان فحدثت إسماعيل نفسه بالاستبداد بالبصرة وانتقض وزحف اليه مهذب الدولة بن أبي الخير من البطيحة ومعقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الاسدي من الجزيرة في العساكر والسفن فقاتلوه في مطاري وقتل معقل بسهم أصابه فعاد ابن أبي الخير الى البطيحة فأخذ إسماعيل السفن وذلك سنة احدى وتسعين وأسرهما واستفحل أمره بالبصرة وبنى قلعة بالايلة وقلعة بالشاطئ قبالة مطاري وأسقط كثيرا من المكوس واتسعت إمارته لشغل السلاطين بالفتنة وملك المسبار وأضافها الى ما بيده ولما كان سنة خمس وتسعين طمع في واسط وداخل بعض أهلها وركب اليها السفن الى نعماجار وخيم عليها بالجانب الشرقي أياما ودافعوه فارتحل راجعا حتى ظن خلاء البلد من الحامية فدس اليها من يضرم النار بها ليرجعوا فرجع عنهم فلما دخل أصحابه البلد فتك أهل البلد فيهم وعاد الى البصرة منهزما فوجد الأمير أبا سعيد محمد بن نصر بن محمود صاحب الأعمال لعمان وجنايا وشيراز وجزيرة بني نفيس محاصرا للبصرة وكان أبو سعيد قد استبد بهذه الأعمال منذ سنين وطمع إسماعيل في الاستيلاء على أعماله وبعث اليها السفن في البحر فرجعوا خائبين فبعث أبو سعيد خمسين من سفنه في البحر فظفروا بأصحاب إسماعيل معهم الى الصلح ولم يقع منه وفاء به فسار أبو سعيد بنفسه في مائة سفينة وأرسى بفوهة نهر الأبلة ووافق دخول إسماعيل من واسط فتزاحفوا برا وبحرا فلما رأى إسماعيل

عجزه عن المقاومة كتب الى ديوان الخليفة بضمان البلد ثم تصالحا ووقعت بينهما المهاداة وأقام إسماعيل مستبدا بالبصرة الى أن ملكها من يده صدقة بن مزيد في المائة الخامسة كما مر في اخباره وهلك برامهرمز.

** وفاة كربوقا صاحب الموصل واستيلاء جكرمش عليها واستيلاء سقمان بن ارتق على حصن كيفا **

كان السلطان بركيارق أرسل كربوقا الى أذربيجان لقتال مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الخارج بها سنة أربع وتسعين فاستولى على أكثر أذربيجان من يده ثم توفي منتصف ذي القعدة سنة خمس وتسعين وكان معه أصهر صباوة بن خمار تكين وسنقرجه من بعده وأوصى الترك بطاعته فسار سنقرجه الى الموصل واستولى عليها وكان أهل الموصل لما بلغهم وفاة كربوقا قد استدعوا موسى التركماني من موضع نيابته عن كربوقا بحصن كيفا للولاية عليهم فبادر اليهم وخرج سنقرجه للقائه فظن انه جاء اليه وجرت بينهما محاورات ورد سنقرجه الأمر الى السلطان فآل الأمر بينهما الى المطاعنة وكان مع موسى منصور بن مروان بقية أمراء ديار بكر وضرب سنقرجه فأبان رأسه وملك موسى البلد ثم زحف جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر الى نصيبين فملكها وخالفه موسى الى الجزيرة فبادر اليه جكرمش وهزمه واتبعه الى الموصل فحاصره بها فبعث موسى الى سقمان بن أرتق بديار بكر يستنجده على أن يعطيه حصن كيفا [1] فسار سقمان اليه وأفرج عنه جكرمش وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه ورجع سقمان الى كيفا وجاء جكرمش الى الموصل فحاصرها وملكها صلحا واستلحم قتلة موسى ثم استولى بعد ذلك على الخابور وأطاعه العرب والأكراد وأما سقمان بن أرتق فسار بعد مقتل موسى الى حصن كيفا واستمر بيده قال ابن الأثير وصاحبها الآن في سنة خمس وعشرين وستمائة محمود بن الفراء ارسلان بن داود بن سقمان بن أرتق والله تعالى أعلم.

(أخبار نيال بالعراق) كان نيال بن أبي شكين الحسامي مع السلطان محمد بأصبهان لما حاصرها بركيارق بعد المصاف الرابع سنة خمس وتسعين فلما خرج محمد من الحصار الى أذربيجان ومعه نيال استأذنه في قصد الري ليقيم بها دعوتهم وسار هو وأخوه علي وعسف بأهل الري وصادرهم وبعث السلطان بركيارق الأمير برسق بن برسق في ربيع من سنة ست

وتسعين فقاتله وهزمه واستولى برسق على الري وأعاده على ولاية بقزوين وسلك نيال على الجبال وهلك كثير من أصحابه وخلص الى بغداد فأكرمه المستظهر وأظهر طاعة السلطان محمد وتحالف هو وأبو الغازي وسقمان بن أرتق على مناصحة السلطان محمد وساروا الى صدقة بن مزيد بالحلة فاستخلفوه على ذلك ثم ان نيال بن أبي شكين عسف بأهل بغداد وتسلط عليهم وصادر العمال فاجتمع الناس الى أبي الغازي بن أرتق وكان نيال صهره على أخته التي كانت زوجا لتتش وطلبوا منه أن يشفع لهم عنده وبعث المستظهر اليه قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني بالنهي عما يرتكبه فأجاب وحلف ثم نكث فأرسل المستظهر الى صدقة بن مزيد يستدعيه فوصل في شوال من السنة واتفق مع نيال على الرحيل من بغداد ورجع الى حلته وترك ولده دبيسا يزعج نيال للخروج فسار نيال الى أوان، وعاث في السابلة وأقطع القرى لأصحابه وبعث الى صدقة فأرسل اليه العساكر وخرج فيها أبو الغازي بن أرتق وأصحاب المستظهر فسار نيال الى أذربيجان ورجعوا عنه.

** ولاية كمستكين النصيري شحنة بغداد وفتنته مع أبي الغازي وحربه **

كان أبو الغازي بن أرتق شحنة بغداد ولاه عليها السلطان محمد عند مقتل كوهراس ولما ظهر الآن بركيارق على محمد وحاصره بأصبهان ونزل بركيارق همذان وأرسل الى بغداد كمستكين النصيري في ربيع سنة ست وتسعين وسمع أبو الغازي بمقدمة فاستدعى أخاه سقمان بن أرتق من حصن كبيعا [1] يستنجده وسار الى صدقة بن مزيد فحالفه على النصرة والمدافعة ورجع الى بغداد ووصل اليه أخوه سقمان بعد أن نهب في طريقه ووصل كمستكين الى قرقيسيا ولقيه شيعة بركيارق وخرج أبو الغازي وسقمان عن بغداد ونهب قرى دجيل واتبعتهما العساكر ثم رفعت عنهما وأرسل كمستكين الى صدقة صاحب الحلة فامتنع من طاعة بركيارق وسار من الحلة الى صرصر وقطع خطبة بركيارق وعبر بغداد واقتصر على الدعاء للخليفة وبعث صدقة الى أبي الغازي وسقمان يعرفهما بوصوله وهما بالحرني [2] وجاء الى دجيل ونهب القرى واشتد فسادهم وأضر ذلك بحال بغداد في غلاء الأسعار وجاء أبو الغازي وسقمان ومعهما دبيس بن

صدقة فخيموا بالرملة وقاتلهم العامة ففتكوا فيهم وبعث المستظهر قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني وتاج الرؤساء بن الرحلات الى صدقة بن مزيد بمراجعة الطاعة فشرط خروج كمستكين عن بغداد فأخرجه المستظهر الى النهروان وعاد صدقة الى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ثم سار كمستكين النصيري الى واسط وخطب فيها لبركيارق ونهب عسكره سوادها فسار صدقة وأبو الغازي اليه وأخرجاه من واسط وتحصن بدجلة فقصده صدقة فانفض عنه أصحابه ورجع الى صدقة بالأمان فأكرمه وعاد الى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وبعده لصدقة وأبي الغازي وولى كل واحد فيها ولده وعاد أبو الغازي الى بغداد وعاد صدقة الى الحلة وبعث ابنه منصورا مع أبي الغازي يطلب الرضا من المستظهر لانه كان سخطه من أجل هذه الحادثة.

** المصاف الخامس بين بركيارق ومحمد **

كان السلطان محمد لما سار عن كنجة وبلاد اران استخلف بها الأمير غزغلي وأقام بها في طائفة من عسكره مقيما خطبة السلطان محمد في جميع أعماله الى زنجان من آخر أذربيجان فلما انحصر محمد بأصبهان سار غزغلي لانجاده ومعه منصور بن نظام الملك ومحمد ابن أخيه مؤيد الملك فانتهوا الى الري وملكوها آخر خمس وتسعين ولقوا السلطان محمدا بهمدان عند ما خرج من أصبهان ومعه نيال بن أبي شكين وأخوه علي وأقاموا معه بهمدان ثم جاء الخبر بمسير بركيارق اليهم فتوجه السلطان محمد قاصدا شروان وانتهى الى أذربيجان فبعث اليه مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الذي كان بركيارق قتل أباه إسماعيل وكانت أخت مودود هذا تحت محمد وكان له طائفة من أعمال أذربيجان فاستدعى محمدا ليظاهره على بركيارق فسار اليه وانتهى الى سقمان وتوفي مودود في ربيع سنة ست وتسعين واجتمع عساكره على السلطان محمد وفيهم سقمان [1] القبطي ومحمد بن باغي بركيارق وقاتلهم على خراسان وسار أياز من عسكر بركيارق وجاء من خلف السلطان محمد فانهزم محمد وأصحابه ولحق بارقيش من أعمال خلاط ولقيه الأمير علي صاحب ارزن الرومي فمضى الى أصبهان وصاحبها منوجهر أخو فضلون الروادي ثم سار الى هرمز وأما محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك فنجا من الوقعة الى ديار بكر ثم الى جزيرة ابن عمر ثم الى بغداد وكان أيام أبيه مقيما ببغداد في جوار المدرسة النظامية فشكى الى أبيه وخاطب كوهراس بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة

ولحق سنة اثنتين وتسعين بمجد الملك؟ الباسلاني وأبوه بكنجة عند السلطان محمد فلما خطب السلطان محمد لنفسه واستوزر أباه مؤيد الملك لحق محمد هذا بأبيه ثم قتل أبوه وبقي في جملة السلطان محمد.

** استيلاء ملك بن بهرام على مدينة غانة **

كان ملك بن بهرام بن ارتق ابن أخي أبي الغازي بن ارتق مالكا مدينة سروج فملكها الفرنج من يده فسار عنها الى غانة وغلب عليها بني العيش بن عيسى بن خلاط كانت لهم فقصدوا صدقة بن مزيد مستنجدين به فأنجدهم وجاء معهم فرحل ملك بن بهرام والتركمان عنها ودخلها بنو العيش وأخذ صدقة رهائنهم وعاد الى الحلة فرجع ملك إليها في ألفي رجل من التركمان وحار بها قليلا ثم عبر المخاضة وملكها واستباح أهلها ومضى الى هيت ورجع عنها.

(الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد) ثم استقر الأمر أخيرا بالسلطان بركيارق في الري وكان له الجبال وطبرستان وخوزستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين ولمحمد آذربيجان وبلاد أران وارمينية وأصبهان والعراق جميعا غير تكريت والبطائح بعضها وبعضها والبصرة لهما جميعا وخراسان لسنجر من جرجان الى ما وراء النهر يخطب فيها لأخيه محمد وله من بعده والعساكر كلهم يتحكمون عليهم بسبب الفتنة بينهما وقد تطاول الفساد وعم الضرر واختلفت قواعد الملك فأرسل بركيارق الى أخيه محمد في الصلح مع فقيهين من أماثل الناس ورغباه في ذلك وأعاد معهما رسلا آخرين وتقرر الأمر بينهما أن يستقر محمد على ما بيده سلطانا ولا يعارضه بركيارق في الطول ولا يذكر اسمه في أعمال محمد وأن المكاتبة تكون بين الوزيرين والعساكر بالخيار في خدمة من شاءوا منهما ويكون للسلطان محمد من النهر المعروف باسترد الى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام والعراق بلاد صدقة بن مزيد وبقية الممالك الإسلامية لبركيارق وتحالفا على ذلك وانتظم الأمر وأرسل السلطان محمد الى أصحابه بأصبهان بالخروج عنها لأخيه بركيارق واستدعاهم إليه فأبوا وجنحوا الى خدمة بركيارق وساروا إليه بحريم السلطان محمد الذي كانوا معهم فأكرمهم بركيارق ودلهم الى صاحبهم وحضر أبو الغازي بالديوان ببغداد وسار المستظهر في الخطبة لبركيارق فخطب له سنة سبع وتسعين وكذلك بواسط وكان أبو الغازي قبل ذلك في طاعة محمد فأرسل صدقة الى المستظهر يعذله في شأنه ويخبره بالمسير لإخراجه من بغداد ثم سار

صدقة ونزل عند الفجاج وخرج أبو الغازي الى عقربا وبعث لصدقة بأنه انما عدل عن طاعة محمد للصلح الوقع بينه وبين أخيه وأنهما تراضيا على أن بغداد لبركيارق وانا شحنة بها واقطاعي حلوان فلا يمكنني التحول عن طاعة بركيارق فقبل منه ورجع الى الحلة وبعث المستظهر في ذي القعدة سنة سبع وتسعين بالخلع للسلطان بركيارق والأمير أياز والوزير الخطير واستخلفهم جميعا وعاد الى بغداد والله سبحانه ولى التوفيق.

** (حرب سقمان وجكرمس [1] الافرنج) **

قد تقدم لنا استيلاء الافرنج على معظم بلاد الشام وشغل الناس عنهم بالفتنة وكانت حران لقراجا من مماليك ملك شاه وكان غشوما فخرج منها لبعض مذاهبه وولى عليها الأصبهاني من أصحابه فعصى فيها وطرد أصحاب قراجا منها ما عدا غلاما تركيا اسمه جاولى جعله مقدم العسكر وأنس به فقرره وتركه وملك حران وسار الافرنج إليها وحاصروها وكان بين جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسقمان صاحب كيفا حروب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه فانتدبا لنصر المسلمين واجتمعا على الخابور وتحالفا وسار سقمان في سبعة آلاف من التركمان وجكرمس في ثلاثة آلاف من الترك والعرب والأكراد والتقوا بالافرنج على نهر بلخ فاستطرد لهم المسلمون نحو فرسخين ثم كروا عليهم فغنموا فيهم وقتلوا سوادهم وأخذ القمص بردويل صاحب الرها أسره تركماني من أصحاب سقمان في نهر بلخ وكان سمند صاحب انطاكية من الافرنج ونيكري [2] صاحب الساحل منهم قد كمنا وراء الجبل ليأتيا المسلمين من ورائهم عند المعركة فلما عاينوا الهزيمة كمنوا بقية يومهم ثم هربوا فاتبعهم المسلمون واستلحموهم وأسروا منهم كثيرا وفلت سمند ونيكري بدماء أنفسهم ولما حصل الظفر للمسلمين عصى أصحاب جكرمس باختصاص سقمان بالقمص وحملوه على أخذه لنفسه فأخذ جكرمس من خيام سقمان وشق ذلك عليه وأراد أصحابه [3] فأبى حذرا من افتراق المسلمين ورحل وفتح في طريقه عدة حصون وسار جكرمس الى حران ففتحها ثم سار الى الرها فحاصرها خمس عشرة ليلة وعاد الى الموصل وقاد من القمص

بخمسة وثلاثين ألف دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين.

(وفاة بركيارق وولاية ابنه ملك شاه) ثم توفي السلطان بركيارق بن ملك شاه بنردجرد [1] في أوائل ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين لاثنتي عشرة سنة ونصف من ملكه جاء إليها عليلا من أصبهان واشتد مرضه بنردجرد فولى عهد لابنه ملك شاه وعمره نحو من خمس سنين وخلع عليه وجعل الأمير أياز كافلة وأوصى أهل الدولة بالطاعة والمساعدة وبعثهم الى بغداد فأدركهم خبر وفاته بالطريق ورجع أياز حتى دفنه بأصبهان وجمع السرادقات والخيام والجثر والسمسمة لابنه ملك شاه وكان بركيارق قد لقي في ملكه من الرخاء والشدة والسلم ما لم يلقه أحد فلما استقر [2] واستقامت سعادته أدركته المنية ولما توفي خطب لابنه ملك شاه ببغداد وكان أبو الغازي قد سار من بغداد إليه وهو بأصبهان يستحثه الى بغداد وجاء معه فلما مات سار مع ابنه ملك شاه والأمير أياز الى بغداد وركب الوزير أبو القاسم علي بن جهير فلقيهم به [3] ما لي وحضر أبو الغازي والأمير طغلبرك بالديوان وطلبا الخطبة لملك شاه فخطب له ولقب بألقاب جده ملك شاه.

** حصار السلطان محمد الموصل **

لما انعقد الصلح بين بركيارق ومحمد واختص كل منهما اعماله وكانت آذربيجان في قسمة محمد رجع محمد الى أذربيجان ولحق به سعد الملك أبو المحاسن الذي كان نائبا بأصبهان بعد أن أبلى في المدافعة عنها ثم سلمها بعد الصلح الى نواب بركيارق واستوزره فأقام محمد الى صفر من سنة ثمان وتسعين ثم سار يريد الموصل على طريق مراغة ورحل وبلغ الخبر الى جكرمس فاستعد للحصار وأدخل أهل الضاحية الى البلد وحاصره محمد ثم بعث له يذكره ما استقر عليه بينه وبين أخيه وأن الموصل والجزيرة له وعرض عليه خط بركيارق بذلك وبإيمانه عليه ووعده أن يقرها في عمالته فقال له جكرمس ان السلطان كتب إلي بعد الصلح بخلاف ذلك فاشتد في حصاره واشتد أهل البلد في المدافعة ونفس الله عنهم برخص الأسعار وكان عسكر جكرمس مجتمعين قريبا من الموصل وكانوا يغزون على أطراف العسكر

ويمنعون عنهم الميرة ثم وصل الخبر عاشر جمادى الاولى بوفاة السلطان بركيارق فاستشار جكرمس أهل البلد فردوا النظر إليه واستشار الجند فأشاروا بطاعة السلطان محمد فأرسل إليه بذلك واستدعى وزيره سعد الملك فدخل عليه وأشار عليه بلقاء السلطان فخرج إليه على كره من أهل البلد فتلقاه السلطان بالكرامة وأعاده سريعا الى البلد ليطمئن الناس.

** استيلاء السلطان محمد على بغداد وخلع ملك شاه ابن أخيه ومقتل أياز **

قد كنا قدمنا صلح بركيارق وأخيه محمد من أنه يستقل بركيارق بالسلطنة وينفرد محمد بالأعمال التي ذكرنا وموت بركيارق أثر ذلك وتقديم ابنه ملك شاه ببغداد فوصل الخبر بذلك إلى محمد وهو يحاصر الموصل فأطاعه جكرمس وسار محمد إلى بغداد ومعه جكرمس وسقمان القطبي مولى قطب الدولة إسماعيل بن ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ومحمد وغيرهما من الأمراء وجمع صدقة صاحب الحلة العساكر وبعث ابنه بدران ودبيسا إلى محمد يستحثانه وجاء السلطان محمد الى بغداد فاعتزم الأمير أياز أتابك ملك شاه على دفاعه وخيم خارج بغداد وأشار عليه بذلك أصحابه وخالفهم وزيره أبو المحاسن الضبعي وأبلغ في النصيحة له بطاعة السلطان فأقام مترددا ونزل محمد بالجانب الغربي وخطب له هنالك منفردا ولهما معا في بعض الجوامع واقتصر على سلطان العالم في بعضها ورجع أياز إلى استحلاف الأمراء ثانيا فوقف بعضهم وقال لا فائدة في إعادة اليمين وارتاب أياز عندها وبعث وزيره الضبعي أبا المحاسن لعقد الصلح مع السلطان واستحلافه فقرأ على وزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد فدخل معه الى السلطان وأجابه الى ما طلب وجاء معه من الغد قاضي القضاة والفتيان واستحلفاه لاياز وللامراء فحلف إلا أن ينال الحسامي و [1] وقال أما ملك شاه فهو ابني وأنا أبوه وجاء أياز من الغد وقارن وصول صدقة بن مزيد فانزلهما واحتفى بهما وذلك آخر جمادى الاولى من سنة ثمان وتسعين ثم احتفل أياز بعدها في عمل صنيع للسلطان في بيته وهي دار كوهراس وأهدى إليه تحفا من جملتها حبل

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com