John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 30

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 42 of 67

قد تقدم لنا في أخبار الدولة السلجوقية ولاية أرسلان شاه بن طغرل في كفالة أيلدكز وابنه محمد البهلوان من بعده ثم أخيه أزبك أرسلان بن أيلدكز وأنه اعتقل السلطان طغرل ثم توفي فولي مكانه قطلغ ابن أخيه البهلوان فخرج السلطان من محبسه وجمع لقتاله سنة ثمان وثمانين فهزمه ولحق قطلغ بالري وبعث إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش فسار إليه وندم قطلغ على استدعائه فتحصن منه ببعض قلاعه وملك خوارزم شاه الري وقلعة طبرك ورتب فيها الحامية وعاد إلى خوارزم لما بلغه أن أخاه سلطان شاه خالفه إليها ولما كان ببعض الطريق لقيه الخبر بأن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه وعادى خائبا فتمادى إلى خوارزم وأقام إلى انسلاخ فصل الشتاء ثم سار إلى أخيه سلطان شاه بمرو سنة تسع وثمانين وترددت الرسل بينهما في الصلح ثم استأمن إليه نائب أخيه بقلعة سرخس فسار إليها وملكها ومات أخوه سلطان شاه سنة تسع فسار خوارزم شاه إلى مرو وملكها وملك أبيورد ونسا وطوس وسائر مملكة أخيه واستولى على خزائنه وبعث على ابنه علاء الدين محمد فولاه مرو وولي ابنه الكبير ملك شاه نيسابور وذلك آخر تسع وثمانين ثم بلغه أن السلطان طغرل أغار على أصحابه بالري قطلغ ابنانج فبعث إليه بابنه يستنجده ووصل إليه رسول الخليفة يشكو من طغرل وأقطعه أعماله فسار من نيسابور إلى الري وتلقاه قطلغ أبنانج بطاعته وسار معه ولقيهم السلطان طغرل قبل استكمال تعبيته وحمل عليهم بنفسه وأحيط به فقتل في ربيع سنة تسعين وبعث خوارزم شاه برأسه إلى بغداد وملك همذان وبلاد الجبل أجمع وكان الوزير مؤيد الدين بن القصاب قد بعثه الخليفة الناصر مددا لخوارزم شاه في أمره فرحل إليه واستوحش ابن القصاب فامتنع ببعض الجبال هنالك وعاد خوارزم شاه إلى همذان وسلمها وأعمالها إلى قطلغ أبنانج وأقطع

كثيرا منها مماليكه وقدم عليهم مناجي وأنزل معه ابنه وعاد إلى خوارزم ثم اختلف مناجي وقطلغ أبنانج واقتتلوا سنة أحدى وتسعين فانهزم قطلغ وكان الوزير ابن القصاب قد سار إلى خوزستان فملكها وكثيرا من بلاد فارس وقبض على بني شملة أمرائها وبعث بهم إلى بغداد وأقام هو يمهد البلاد فلحق به قطلغ أبنانج هنالك مهزوما سليبا واستنجده على الري فأزاح علله وسار معه إلى همذان فخرج مناجي وابن خوارزم شاه إلى الري وملك ابن القصاب همذان في سنة إحدى وتسعين وسار إلى الري فأجفل الخوارزميون أمامهم وبعث الوزير العساكر في أثرهم حتى لحقوهم بالدامغان وبسطام وجرجان ورجعوا عنهم واستولى الوزير على الري ثم انتقض قطلغ ابنانج على الوزير وامتنع بالري فحاصره الوزير وغلبه عليها ولحق أبنانج بمدينة ساوة ورحل الوزير في أتباعه حتى لحقه على دريندكرخ فهزمه ونجا أبنانج بنفسه وسار الوزير إلى همذان فأقام بظاهرها ثلاثة أشهر وبعث إليه خوارزم شاه بالنكير على ما فعل ويطلب إعادة البلاد فلم يجب إلى ذلك وسار خوارزم إليه وتوفي قبل وصوله فقاتل العساكر بعده في شعبان سنة اثنتين وتسعين فهزمهم وأثخن فيهم وأخرج الوزير من قبره فقطع رأسه وبعث به إلى خوارزم لأنه كان قتل في المعركة واستولى على همذان وبعث عسكره إلى أصبهان فملكها وأنزل بها ابنه وعاد إلى خوارزم وجاءت عساكر الناصر أثر ذلك مع سيف الدين طغرل فقطع بلاد اللحف من العراق فاستدعاه أهل أصبهان فملكوا البلد ولحق عسكر خوارزم شاه بصاحبهم ثم اجتمع مماليك البهلوان وهم أصحاب قطلغ وقدموا على أنفسهم كركجة من أعيانهم وساروا إلى الري فملكوها ثم إلى أصبهان كذلك وأرسل كركجة الى الديوان ببغداد يطلب أن يكون الري له مع جوار الري وساوة وقم وقاشان وما ينصاف إليها وتكون أصبهان وهمذان وزنجان ومرو من الديوان فكتب له بذلك والله أعلم.

** وفاة ملك شاه بن خوارزم شاه تكش **

قد تقدم لنا أن خوارزم شاه تكش ولي ابنه ملك شاه علي نيسابور سنة تسع وثمانين وأضاف إليه خراسان وجعله ولي عهده في الملك فأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين ثم هلك في ربيع منها وخلف ابنا اسمه هندوخان وولى خوارزم شاه على نيسابور ابنه الآخر فطلب الذي كان ولاه بمرو

** الخطا انهزام الخطا من الغورية **

كان خوارزم شاه تكش لما ملك الري وهمذان وأصبهان وهزم ابن القصاب وعساكر الخليفة بعث إلى الناصر يطلب الخطبة ببغداد فامتعض الناصر لذلك وأرسل إلى غياث الدين ملك غزنة والغور فقصد بلاد خوارزم شاه فكتب إليه غياث الدين يتهدده بذلك فبعث خوارزم شاه إلى الخطا يستنجدهم على غياث الدين ويحذرهم أن يملك البلاد كما ملك بلخ فسار الخطا في عساكرهم ووصلوا بلاد الغور وراسلوا بهاء الدين سام ملك باميان وهو ببلخ يأمرونه بالخروج عنها وعاثوا في البلاد وخوارزم شاه قد قصد هراة وانتهى إلى طوس واجتمع أمراء الغورية بخراسان مثل محمد بن بك مقطع الطالقان والحسين بن مرميل وحروس [1] وجمعوا عساكرهم وكبسوا الخطا وهزموهم وألحقوهم بحيمون فتقسموا بين القتل والغرق وبعث ملك الخطا إلى خوارزم شاه يتجنى عليه في ذلك ويطلب الدية على القتلى من قومه ويجعله السبب في قتلهم فراجع غياث الدين واستعطفه ووافقه على طاعة الخليفة وإعادة ما أخذه الخطا من بلاد الإسلام وأجاب ملك الخطا بأن قومه إنما جاءوا لانتزاع بلخ من يد الغورية ولم يأتوا لنصرتي وأنا قد دخلت في طاعة غياث الدين فجهز ملك الخطا عساكره إليه وحاصروه فامتنع فرجعوا عنه بعد أن فني أكثرهم بالقتل وسار في أثرهم وحاصر بخارى وأخذ بمخنقها حتى ملكها سنة أربع وتسعين فأقام بها مدة وعاد إلى خوارزم والله تعالى ولي التوفيق.

** ملك خوارزم شاه تكين الري وبلاد الجبل **

ثم سار خوارزم شاه تكين لارتجاع الري وبلاد الجبل من يد مناجق والبهلوانية الذين انتفضوا عليه فهرب مناجق عن البلاد وتركها وملكها خوارزم شاه واستدعاه فامتنع من الحضور واتبعه فاستأمن أكثر أصحابه ورجعوا عنه ولحق هو بقلعة من أعمال مازندان فامتنع بها فبعث خوارزم شاه إلى الخليفة الناصر فبعث بالخلع له ولولده قطب الدين وكتب له تقليدا

بالأعمال التي بيده ثم سار خوارزم شاه لقتال الملحدة فافتتح قلعة لهم قريبة من قزوين وانتقل إلى حصار قلعة الموت من قلاعهم فقتل عليها رئيس الشافعية بالري صدر الدين محمد بن الوزان وكان مقدما عنده ولازمه ثم عاد إلى خوارزم فوثب الملحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه فجهز ابنه قطب الدين لقتالهم فسار إلى قلعة مر نسيس من قلاعهم فحاصرها حتى سألوه في الصلح على مائة ألف دينار يعطونها فامتنع أولا ثم بلغه مرض أبيه فأجابهم وأخذ منهم المال المذكور وعاد والله أعلم.

** وفاة خوارزم شاه **

ثم توفي خوارزم شاه تكش بن البارسلان بن أتسز بن محمد أنوشتكين صاحب خوارزم بعد أن استولى على الكثير من خراسان وعلى الري وهمذان وغيرها من بلاد الجبل وكان قد سار من خوارزم إلى نيسابور فمات في طريقه إليها في رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان عند ما اشتد مرضه بعث لابنه قطب الدين محمد يخبره بحاله ويستدعيه فوصل بعد موته فبايع له أصحابه بالملك ولقبوه علاء الدين لقب أبيه وحمل شلو أبيه إلى خوارزم فدفنه بالمدرسة التي بناها هنالك وكان تكش عادلا عارفا بالأصول والفقه على مذهب أبي حنيفة ولما توفي ابنه علاء الدين محمد كان ولده الآخر علي شاه بأصبهان فاستدعاه أخوه محمد فسار إليه ونهب أهل أصبهان فخلعه وولاه أخوه على خراسان فقصد نيسابور وبها هندوخان ابن أخيهما ملك شاه منذ ولاه جده تكش عليها بعد أبيه ملك شاه وكان هندوخان يخاف عمه محمدا لعداوة بينه وبين أبيه ملك شاه ولما مات جده تكش نهب الكثير من خزائنه ولحق بمرو وبلغ وفاة تكش الى غياث الدين ملك غزنة فجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة إعظاما لقدره ثم جمع هندوخان جموعا وسار إلى خراسان فبعث علاء الدين محمد بن تكش العساكر لدفاعه مع جنقر التركي فخام هندوخان عن لقائه ولحق بغياث الدين مستنجدا فأكرمه ووعده النصر ودخل جنقر مدينة مرو وبعث بأم هندوخان وولده الى خوارزم مكرمين فأرسل غياث الدين صاحب غزنة إلى محمد بن ضربك نائبة بالطالقان أن ينبذ إلى جنقر العهد ففعل وسار من الطالقان إلى مروالروذ فملكها وبعث الى جنقر يأمره بالخطبة في مرو لغياث الدين أو يفارقها فبعث إليه جنقر يتهدده ظاهرا ويسأله سرا أن يستأمن له غياث الدين فقوي طمعه في البلاد بذلك وأمر أخاه شهاب الدين بالمسير إلى خراسان والله أعلم

** ملوك الغورية استيلاء ملوك الغورية على أعمال خوارزم شاه محمد تكش بخراسان وارتجاعه إياها منهم ثم حصاره هراة من أعمالهم **

ولما استأمن جنقر [1] نائب مرو الى غياث الدين طمع في أعمال خوارزم شاه بخراسان كما قلناه واستدعاه أخوه شهاب الدين للمسير اليها فسار الى غزنة واستشار غياث الدين نائبة بهراة عمر بن محمد المرغني في المسير الى خراسان فنهاه عن ذلك ووصل أخوه شهاب الدين في عساكر غزنة والغور وسجستان وساروا منتصف سبع وتسعين ووصل كتاب جنقر نائب مرو الى شهاب الدين وهو بقرب الطالقان يحثه للوصول وأذن له غياث الدين فسار الى مرو وقاتل العساكر الذين بها من الخوارزمية فغلبهم وأحجرهم بالبلد وسار بالفيلة الى السور فاستأمن أهل البلد وأطاعوا وخرج جنقر الى شهاب الدين ثم جاء غياث الدين بعد الفتح الى هراة مكرما وسلم مرو الى هندوخان بن ملك شاه كما وعده ثم سار الى سرخس فملكها صلحا وولى عليها زنكي بن مسعود من بني عمه وأقطعه معها نسا وأبيورد ثم سار الى طوس وحاصرها ثلاثا واستأمن اليه أهلها فملكها وبعث الى علي شاه علاء الدين محمد بن تكش بنيسابور في الطاعة فامتنع فسار اليه وقاتل نيسابور من جانب وأخوه شهاب الدين من الجانب الآخر [2] اليه سقوطه ودخلوا نيسابور وملكوها ونادوا بالأمان وجيء بعلي شاه من خوارزم الى غياث الدين فأمنه وأكرمه وبعثه بالامراء الخوارزمية الى هراة وولى على خراسان ابن عمه وصهره على ابنته ضياء الدين محمد بن علي الغوري ولقبه علاء الدين وأنزله نيسابور في جمع من وجوه الغورية وأحسن الى أهل نيسابور وسلم على شاه الى أخيه شهاب الدين ورحل الى هراة ثم سار شهاب الدين الى قهستان [3] وقيل له عن قرية من قراها انهم إسماعيلية فأمر بقتلهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم وخرب القرية ثم سار الى حصن من

أعمال قهستان وهم إسماعيلية فملكه بالأمان بعد الحصار وولي عليه بعض الغورية فأقام بها الصواب وشعار الإسلام وبعث صاحب قهستان الى غياث الدين يشكو من أخيه شهاب الدين ويقول ان هذا نقض العهد الذي بيني وبينكم فما راعه الا نزول أخيه شهاب الدين على حصن آخر للاسماعيلية من أعمال دهستان فحاصره فبعث بعض ثقاته الى شهاب الدين يأمره بالرحيل فامتنع فقطع أطناب سرادقه ورحل مراغما وقصد الهند مغاضبا لأخيه ولما اتصل بعلاء الدين محمد بن تكش مسيرهما عن خراسان كتب الى غياث الدين يعاتبه عن أخذه بلاده ويطلب إعادتها ويتوعده باستنجاد الخطا عليه فماطله بالجواب الى خروج أخيه شهاب الدين من الهند لعجزه عن الحركة لاستيلاء مرض النقرس عليه فكتب خوارزم شاه الى علاء الدين الغوري نائب غياث الدين بنيسابور يأمره بالخروج عنها فكتب بذلك الى غياث الدين فأجابه يعده بالنصر وسار اليه خوارزم شاه محمد بن تكش آخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة فلما قرب أبيورد هرب هندوخان من موالي غياث الدين وملك محمد بن تكش مدينة مرو ونسا وأبيورد وسار الى نيسابور وبها علاء الدين الغوري فحاصرها وأطال حصارها حتى استأمنوا اليه واستحلفوه وخرجوا اليه فأحسن اليهم وسأل من علاء الدين الغوري السعي في الإصلاح بينه وبين غياث الدين فضمن ذلك وسار الى هراة وبها أقطاعه وغضب على غياث الدين لقعوده عن انجاده فلم يسر اليه وبالغ محمد بن تكش في الإحسان الى الحسن بن حرميل من أمراء الغورية ثم سار الى سرخس وبها الأمير زنكي من قرابة غياث الدين فحاصرها أربعين يوما وضيق مخنقها بالحرب وقطع الميرة ثم سأله زنكي الإفراج ليخرج عن الأمان فأفرج عنه قليلا ثم ملأ البلد من الميرة بما احتاج اليه وأخرج العاجزين عن الحصار وعاد الى شأنه فندم محمد بن تكش ورحل عنها وجهز عسكرا لحصارها وجاء نائب الطالقان ممدا لمحمد بن خربك داحس بعد ان أرسل اليه بأنه [1] عساكر الخوارزمية المجمرة عليه وأشاع ذلك فأفرجوا عنه وجاء اليه زنكي من الطالقان فخرج معه ابن خربك الى مروالروذ وجبي خراجها وما يحاورها وبعث اليه محمد بن تكش عسكرا نحوا من ثلاثة آلاف مع خاله فلقيهم محمد بن خربك في تسعمائة فارس فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وغنم سوادهم وعاد خوارزم شاه محمد بن تكش الى خوارزم وأرسل الى غياث الدين في الصلح فأجابه مع الحسن بن محمد المرغني من كبراء

الغورية وغالطه في القول ولما وصل الحسن المرغني الى خوارزم شاه واطلع على أمره قبض على الحسن وسار الى هراة فحاصرها وكتب الحسن الى أخيه عمر بن محمد المرغني أمير هراة بالخبر فاستعد للحصار وقد كان لحق بغياث الدين أخوان من حاشية سلطان شاه عم محمد بن تكش المتوفى في سرخس فأكرمهما غياث الدين وأنزلهما بهراة فكاتبا محمد بن تكش وداخلاه في تمليكه هراة فسار لذلك وحاصر البلد وأميرها عمر المرغني مر الى الأخوين وعندهما مفاتيح البلد واطلع أخوه الحسن في محبسه على شأن الأخوين في مداخلة محمد بن تكش فبعث الى أخيه عمر بذلك فلم يسعفه فبعث اليه بخط أحدهما فقبض عليهما وعلى أصحابهما واعتقلهم وبعث محمد بن تكش عسكرا الى الطالقان للغارة عليها فظفر بهم ابن خربك ولم يفلت منهم أحد ثم بعث غياث الدين ابن أخته البوغاني في عسكر من الغورية فنزلوا قريبا من عسكر خوارزم شاه محمد بن تكش وقطع عنهم الميرة ثم جاء غياث الدين في عسكر قليل لأن أكثرها مع أخيه شهاب الدين بالهند وغزنة فنزل قريبا من هراة ولم يقدم على خوارزم فلما بلغ الحصار أربعين يوما وانهزم أصحاب خوارزم شاه بالطالقان ونزل غياث الدين وابن أخته البوغاني قريبا منه وبلغه وصول أخيه شهاب الدين من الهند الى غزنة أجمع الرحيل عن هراة وصالح عمر المرغني على مال حمله اليه وارتحل الى مرو منتصف ثمان وتسعين وسار شهاب الدين من غزنة الى بلخ ثم الى باميان معتزما على محاربة خوارزم شاه والتقت طلائعهما فقتل بين الفريقين خلق ثم ارتحل خوارزم شاه عن مرو فجفلا الى خوارزم وقتل الأمير سنجر صاحب نيسابور لاتهامه بالمخادعة وسار شهاب الدين الى طوس وأقام بها الى انسلاخ الشتاء معتزما على السير لحصار خوارزم فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين فرجع الى هراة واستخلف بمرو محمد بن خربك فسار اليه جماعة من أمراء خوارزم شاه سنة تسع وتسعين [1] ابن خربك ولم ينج منهم الا القليل فبعث خوارزم شاه الجيوش مع منصور التركي لقتال ابن خربك ولقيهم على عشرة فراسخ من مرو وقاتلهم فهزموه ودخل مرو منهزما فحاصروه خمسة عشر يوما ثم استأمن اليهم وخرج فقتلوه وأسف ذلك شهاب الدين وترددت الرسل بينه وبين خوارزم شاه في الصلح فلم يتم وأراد العود الى غزنة فاستعمل على هراة ابن أخته البوغاني وملك علاء الدين بن أبي على الغوري مدينة مرو وزكورة وبلد الغور واعمال خراسان وفوض اليه في مملكته وعاد الى غزنة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ثم عاد خوارزم شاه الى هراة منتصف سنة ستمائة وبها البوغاني ابن أخت شهاب

الدين الغوري وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة الى لهاوون [1] غازيا فحصر خوارزم شاه هراة الى منسلخ شعبان وهلك في الحصار بين الفريقين خلق وكان الحسن بن حرميل مقيما بخوزستان وهي اقطاعه فأرسل الى خوارزم شاه يخادعه ويطلب منه عسكرا يستلمون الفيلة وخزانة شهاب الدين فبعث اليه ألف فارس فاعترضهم هو والحسن بن محمد المرغني فلم ينج منهم الا القليل فندم خوارزم شاه على إنفاذ العسكر وبعث الى البوغاني أن يظهر بعض طاعته ويفرج عنه الحصار فامتنع ثم أدركه المرض فخشي أن يشغله المرض عن حماية البلد فيملكها عليه خوارزم شاه فرجع الى اجابته واستحلفة وأهدى وخرج له ليلقاه ويعطيه بعض الخدمة فمات في طريقه وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار الى سرخس فأقام بها.

** حصار شهاب الدين خوارزم شاه وانهزامه أمام الخطا **

ولما بلغ شهاب الدين بغزنة ما فعل خوارزم شاه بهراة وموت نائبة بها البوغاني ابن أخته وكان غازيا الى الهند فانثنى عزمه وسار الى خوارزم وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس وأقام بظاهر مرو فلما بلغه خبر مسيره أجفل راجعا الى خوارزم فسبق شهاب الدين اليها وأجرى الماء في السبخة حواليها وجاء شهاب الدين فأقام أربعين يوما يطرق المسالك حتى أمكنه الوصول ثم التقوا واقتتلوا وقتل بين الفريقين خلق كان منهم الحسن المرغني من الغورية وأسر جماعة من الخوارزمية فقتلهم شهاب الدين صبرا وبعث خوارزم شاه الى الخطا فيما وراء النهر يستنجدهم على شهاب الدين فجمعوا وساروا الى بلاد الغور وبلغ ذلك شهاب الدين فسار اليهم فلقيهم بالمفازة فهزموه وحصروه في أيد حوى حتى صالحهم وخلص الى الطالقان وقد كثر الإرجاف بموته فتلقاه الحسن بن حرميل صاحب الطالقان وأزاح علله ثم سار الى غزنة واحتمل ابن حرميل معه خشية من شدة جزعه أن يلحق بخوارزم شاه ويطيعه فولاه حجابته وسار معه ووجد الخلاف قد وقع بين أمرائه لما بلغهم من الإرجاف بموته حسبما مر في أخبار الغورية فأصلح من غزنة ومن الهند وتأهب للرجوع لخوارزم شاه وقد وقع في خبر هزيمته أمام الخطا بالمفازة وجه آخر ذكرناه هنالك وهو أنه فرق عساكره في المفازة لقلة الماء فأوقع بهم الخطا منفردين وجاء في الساقة فقاتلهم أربعة أيام مصابرا وبعث اليه صاحب

سمرقند من عسكر الخطا وكان مسلما وأشار عليه بالتهويل عليهم فبعث عسكرا من الليل وجاءوا من الغد متسايلين وخوفهم صاحب سمرقند بوصول المدد لشهاب الدين فرجعوا الى الصلح وخلص هو من تلك الواقعة وذلك سنة احدى وستمائة ومات شهاب الدين اثر ذلك.

** استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان **

كان نائب الغورية بهراة من خراسان الحسن بن حرميل ولما قتل شهاب الدين الغوري في رمضان سنة اثنتين وستمائة قام بأمرهم غياث الدين محمود ابن أخيه غياث الدين واستولى على الغور من يد علاء الدين محمد بن أبي علي سروركاه ولما بلغ وفاة شهاب الدين الى الحسن بن حرميل نائب هراة جمع أعيان البلد وقاضيهم واستحلفهم على الامتناع من خوارزم شاه ظاهرا ودس الى خوارزم شاه بالطاعة ويطلب عسكرا يمتنع به من الغورية وبعث ابنه رهينة في ذلك فأنفذ اليه عسكرا من نيسابور وأمرهم بطاعة ابن حرميل وغياث الدين خلال ذلك يكاتب ابن حرميل ويطلبه في الطاعة فيراوغه بالمواعدة وبلغه خبره مع خوارزم شاه فاعتزم على النهوض اليه واستشار ابن حرميل بهراة أعيان البلد يختبر ما عندهم فقال له علي بن عبد الخالق مدرس مية وناظر الأوقاف الرأي صدق الطاعة لغياث الدين فقال انما أخشاه فسر اليه وتوثق لي منه ففعل وسار الى غياث الدين فأطلعه على الجلي من أمر ابن حرميل ووعده الثورة به وكتب غياث الدين الى نائبة بمرو يستدعيه فتوقف وحمله أهل مرو على المسير فسار فخلع عليه غياث الدين وأقطعه واستدعى غياث الدين أيضا نائبة بالطالقان أميران قطر فتوقف فأقطع الطالقان سونج مملوك ابنه المعروف بأمير شكار وبعث الى ابن حرميل مع ابن زياد بالخلع ووصل معه رسوله يستنجز خطبته له فمطله أياما حتى وصل عسكر خوارزم شاه من نيسابور ووصل في أثرهم خوارزم شاه وانتهى الى بلخ على أربعة فراسخ فندم ابن حرميل عند ما عاين مصدوقة الطاعة وعرف عسكر خوارزم شاه بأن صاحبهم قد صالح غياث الدين وترك له البلاد فانصرفوا الى صاحبهم وبعث اليه معهم بالهدايا ولما سمع غياث الدين بوصول عسكر خوارزم شاه الى هراة أخذ اقطاع ابن حرميل وقبض على أصحابه واستصفى أمواله وما كان له من الذخيرة في حروبان وتبين ابن حرميل في أهل هراة الميل الى غياث الدين والانحراف عنه وخشي من ثورتهم به فأظهر طاعة غياث الدين وجمع أهل البلد على مكاتبته بذلك فكتبوا جميعا وأخرج الرسول بالكتاب ودس

اليه بأن يلحق عسكر خوارزم شاه فيردهم اليه فوصل الرسول بهم لرابع يومه ولقيهم ابن حرميل وأدخلهم البلد وسمل ابن زياد الفقيه وأخرج صاعدا القاضي وشيع الغورية فلحقوا بغياث الدين وسلم البلد لعسكر خوارزم شاه وبعث غياث الدين عسكره مع على بن أبي علي وسار معه أميران صاحب الطالقان وكان منحرفا عن غياث الدين بسبب عزله فدس الى ابن حرميل بأن يكبسه وواعده الهزيمة وحلف له على ذلك فكبسه ابن حرميل فانهزم عسكر غياث الدين وأسر كثير من أمرائه وشن ابن حرميل الغارة على بلاد باذغيس وغيرها من البلاد واعتزم غياث الدين على المسير بنفسه الى هراة ثم شغل عن ذلك بأمر غزنة ومسير صاحب باميان الى الدوس فأقصر واستظهر خوارزم شاه الى بلخ وقد كان عند مقتل شهاب الدين أطلق الغورية الذين كان أسرهم في المصاف على خوارزم وخيرهم في المقام عنده أو اللحاق بقومهم واستصفى من أكابرهم محمد بن بشير وأقطعه فلما قصد الآن بلخ قدم اليه أخوه علي شاه في العساكر وبرز اليه عمر بن الحسن أميرها فدافعه عنها ونزل على أربعة فراسخ وأرسل الى أخيه خوارزم شاه بذلك فسار اليه في ذي القعدة من السنة ونزل على بلخ وحاصرها وهم ينتظرون المدد من صاحبهم باميان بن بهاء الدين وقد شغلوا بغزنة فحاصرها خوارزم شاه أربعين يوما ولم يظفر فبعث محمد بن بشير الغوري الى عماد الدين عمر بن الحسن نائبها يستنزله فامتنع فاعتزم خوارزم شاه على المسير الى هراة ثم بلغه أن أولاد بهاء الدين أمراء باميان ساروا الى غزنة وأسرهم تاج الدين الزر فأعاد محمد بن بشير الى عمر بن الحسين فأجاب الى طاعة خوارزم شاه والخطبة له وخرج اليه فأعاده الى بلده وذلك في ربيع سنة ثلاث وستمائة ثم سار خوارزم شاه الى جوزجان وبها علي بن أبي علي فنزل له عنها وسلمها خوارزم شاه الى ابن حرميل لأنها كانت من أقطاعه وبعث الى غياث الدين عمر بن الحسين من بلخ يستدعيه ثم قبض عليه وبعث به الى خوارزم شاه وسار الى بلخ فاستولى عليها واستخلف عليها جغري التركي وعاد الى بلاده.

** استيلاء خوارزم شاه على ترمذ وتسليمها للخطأ **

ولما أخذ خوارزم شاه بلخ سار عنها الى ترمذ وبها عماد الدين عمر بن الحسين الذي كان صاحب بلخ وقدم اليه محمد بن بشير بالعذر عن شأن أبيه وانه انما بعثه لخوارزم مكرما وهو أعظم خواصه ويعده بالاطلاع فاتهم [1] على صاحبها أمره واجتمع عليه خوارزم شاه

والخطا من جميع جوانبه وأسر أصحابه ملوك باميان بغزنة فاستأمن الى خوارزم شاه وملك منه البلد ثم سلمها الى الخطا وهم على كفرهم ليسالموه حتى يملك وينتزعها منهم فكان كما قدره والله سبحانه وتعالى أعلم.

** استيلاء خوارزم شاه على الطالقان **

ولما ملك خوارزم شاه ترمذ سار الى الطالقان وبها سونج واستناب على الطالقان أمير شكار نائب غياث الدين محمود وبعث اليه يستميله فامتنع وبرز للحرب حتى تراءى الجمعان فنزل عن فرسه ونبذ سلاحه وجاء متطارحا في العفو عنه فأغرض عنه وملك الطالقان واستولى على ما فيها وبعث اليه سونج واستناب على الطالقان بعض أصحابه وسار الى قلاع كالومين ومهوار وبها حسام الدين علي بن أبي علي فقاتله ودفعه على ناحيته وسار الى هراة وخيم بظاهرها وجاء رسول غياث الدين بالهدايا والتحف ثم جاء ابن حرميل في جمع من عساكر خوارزم شاه الى أسفراين فملكها على الأمان في صفر من السنة وبعث الى صاحب سجستان وهو حرب بن محمد بن إبراهيم من عقب خلف الذي كان ملكها منذ عهد ابن سبكتكين في الطاعة لخوارزم والخطبة له فامتنع وقصد خوارزم شاه وهو على هراة القاضي صاعد بن الفضل الذي أخرجه ابن حرميل ولحق بغياث الدين فلما جاء الى خوارزم شاه رماه ابن حرميل بالميل الى الغورية فحبسه بقلعة زوزن وولي القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمد السرخسي وكان ينوب عن صاعد وابنه في القضاء.

** استيلاء خوارزم شاه على مازندان وأعمالها [1] **

ثم توفي صاحب مازندان حسام الدين ازدشير وولى مكانه ابنه الأكبر وطرد أخاه الأوسط فقصد جرجان وبها الملك على شاه ينوب عن أخيه خوارزم شاه محمد بن تكش واستنجده فاستأذن أخاه وسار معه من جرجان سنة ثلاث وستمائة ومات الأخ الذي ولى على مازندان وولى مكانه أخوهما الأصغر ووصل على شاه ومعه أخو صاحب مازندان فعاثوا في البلاد وامتنع الملك بالقلاع مثل سارية وآمد فملكوها من يده وخطب فيها لخوارزم شاه وعاد علي شاه الى جرجان وترك ابن صاحب مازندان الذي استجار به ملكا في تلك البلاد وأخوه بقلعة كورة.

** استيلاء خوارزم شاه على ما وراء النهر وقتاله مع الخطا وأسره وخلاصه **

قد تقدم لنا كيف تغلب الخطا على ما وراء النهر منذ هزموا سنجر بن ملك شاه وكانوا أمة بادية يسكنون الخيام التي يسمونها الخركاوات وهم على دين المجوسية كما كانوا وكانوا موطنين بنواحي أوزكنده وبلاساغون وكاشغر وكان سلطان سمرقند وبخارى من ملوك الخانية الأقدمين عريقا في الإسلام والبيت والملك ويلقب خان خاقان بمعنى سلطان السلاطين وكان الخطا وضعوا الجزية على بلاد المسلمين فيما وراء النهر وكثر عيثهم وثقلت ووطأتهم فأنف صاحب بخارى من تحكمهم وبعث الى خوارزم شاه يستصرخه لحادتهم على أن يحمل اليه ما يحملونه للخطأ وتكون له الخطبة والسكة وبعث في ذلك وجوه بخارى وسمرقند فحلفوا له ووضعوا رهائنهم عنده فتجهز لذلك وولى أخاه على شاه على طبرستان مع جرجان وولى على نيسابور الأمير كزلك خان من أخواله وأعيان دولته وندب معه عسكرا وولى على قلعة زوزن أمين الدين أبا بكر وكان أصله حمالا فارتفع وترقي في الرتب الى ملك كرمان وولى على مدينة الجام الأمير جلدك وأقر على هراة الحسن بن حرميل وأنزل معه ألفا من المقاتلة واستناب في مرو وسرخس وغيرهما وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور وكرمسين وجمع عساكر وسار الى خوارزم فتجهز منها وعبر جيحون واجتمع بسلطان بخارى وسمرقند وزحف اليه الخطا فتواقعوا معه مرات وبقيت الحرب بينهم سجالا ثم انهزم المسلمون وأسر خوارزم شاه ورجعت العساكر الى خوارزم معلولة وقد أرجف بموت السلطان وكان كزلك خان نائب نيسابور محاصرا لهراة ومعه صاحب زوزن فرجعوا الى بلادهما وأصلح كزلك خان سور نيسابور واستكثر من الجند والأقوات وحدثته نفسه بالاستبداد وبلغ خبر الإرجاف الى أخيه علي شاه بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه وكان مع خوارزم شاه حين أسر أمير من أمرائه يعرف بابن مسعود فتحيل للسلطان بأن أظهر نفسه في صورته واتفقا على دعائه باسم السلطان وأوهما صاحبهما الذي أسرهما ان ابن مسعود هو السلطان وان خوارزم شاه خديمه فأوجب ذلك الخطائي حقه وعظمه لاعتقاده انه السلطان وطلب منه بعد أيام أن يبعث ذلك الخديم لأهله وهو خوارزم شاه في الحقيقة ليعرف أهله بخبره ويأتيه بالمال فيدفعه اليه فأذن له الخطائي في ذلك وأطلقه بكتابه ولحق بخوارزم ودخل اليها في يوم مشهود وعلم بما فعله أخوه علي شاه بطبرستان وكزلك خان بنيسابور وبلغهما خبر خلاصه

فهرب كزلك خان الى العراق ولحق علي شاه بغياث الدين محمود فأكرمه وأنزله وسار خوارزم شاه الى نيسابور فأصلح أمورها وولى عليها وسار الى هراة فنزل عليها وعسكره محاصر دونها وذلك سنة أربع وستمائة والله أعلم.

** مقتل ابن حرميل ثم استيلاء خوارزم شاه على هراة **

كان ابن حرميل قد تنكر لعسكر خوارزم شاه الذين كانوا عنده بهراة لسوء سيرتهم فلما عبر خوارزم شاه جيحون واشتغل بقتال الخطا قبض ابن حرميل على العسكر وحبسهم وبعث الى خوارزم شاه يعتذر ويشكو من فعلهم فكتب اليه يستحسن فعله ويأمره بإنفاذ ذلك العسكر اليه ينتفع بهم في قتال الخطا وكتب الى جلدك بن طغرل صاحب الجام أن يسير اليه بهراة ثقة بفعله وحسن سريرته وأعلم ابن حرميل بذلك ودس الى جلدك بالتحيل على ابن حرميل بكل وجه والقبض عليه فسار في ألفى مقاتل وكان يهوي ولاية هراة لأن أباه طغرل كان واليا بها لسنجر فلما قارب هراة أمر ابن حرميل الناس بالخروج لتلقيه وخرج هو في أثرهم بعد ان أشار عليه وزيره خواجا الصاحب فلم يقبل فلما التقى جلدك وابن حرميل ترجلا عن فرسيهما للسلام وأحاط أصحاب جلدك بابن حرميل وقبضوا عليه وانهزم أصحابه الى المدينة فأغلق الوزير خواجا الأبواب واستعد للحصار وأظهر دعوة غياث الدين محمود وجاء جلدك فناداه من السور وتهدده بقتل ابن حرميل وجاء بابن حرميل حتى أمره بتسليم البلد لجلدك فأبي وأساء الرد عليه وعلى جلدك فقتل ابن حرميل وكتب الى خوارزم شاه بالخبر فبعث خوارزم شاه الى كزلك خان نائب نيسابور والى أمين الدين أبي بكر نائب زوزن بالمسير الى جلدك وحصار هراة معه فسار لذلك في عشرة آلاف فارس وحاصروها فامتنعت وكان خلال ذلك ما قدمناه من انهزام خوارزم شاه أمام الخطا وأسرهم إياه ثم تخلص ولحق بخوارزم ثم جاء الى نيسابور ولحق بالعساكر الذين يحاصرون هراة فأحسن الى أمرائهم لصبرهم وبعث الى الوزير خواجا في تسليم البلد لانه كان يعد عسكره بذلك حين وصوله فامتنع وأساء الرد فشد خوارزم في حصاره وضجر أهل المدينة وجهدهم الحصار وتحدثوا في الثورة فبعث جماعة من الجند للقبض عليه فثاروا بالبلد وشعر جماعة العسكر من خارج بذلك فرجعوا الى السور واقتحموه وملك البلد عنوة وجيء بالوزير أسيرا الى خوارزم شاه فأمر بقتله فقتل وكان ذلك سنة خمس وستمائة وولي على هراة خاله أمير ملك وعاد وقد استقر له أمر خراسان.

** [1] استيلاء خوارزم شاه على بيروز كوه [1] وسائر بلاد خراسان **

لما ملك خوارزم شاه هراة وولى عليها خاله أمير ملك وعاد الى خوارزم بعث الى أمير ملك يأمره [2] بيروزكوه وكان بها غياث الدين محمود بن غياث الدين وقد لحق به أخوه علي شاه وأقام عنده فسار أمير ملك وبعث اليه محمود بطاعته ونزل اليه فقبض عليه أمير ملك وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه وقتلهما جميعا سنة خمس وستمائة وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه محمد بن تكش وانقرض أمر الغورية وكانت دولتهم من أعظم الدول وأحسنها والله تعالى ولى التوفيق.

** هزيمة الخطا **

ولما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه واستنغر وعبر نهر جيحون وسار اليه الخطا وقد احتفلوا للقائه وملكهم يومئذ طانيكوه ابن مائة سنة ونحوها وكان مظفرا مجربا بصيرا بالحرب واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند وبخارى وتراجعوا سنة ست وستمائة ووقعت بينهم حروب لم يعهد مثلها ثم انهزم الخطا وأخذ فيهم القتل كل مأخذ وأسر ملكهم طانيكوه فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه على سريره وبعث به الى خوارزم وسار هو الى وراء النهر وملكها مدينة مدينة الى أوركند وأنزل نوابه فيها وعاد الى خوارزم ومعه صاحب سمرقند فأصهر اليه خوارزم شاه بأخته ورده الى سمرقند وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان أيام الخطا والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء.

** انتقاض صاحب سمرقند **

ولما عاد صاحب سمرقند الى بلده أقام شحنة خوارزم شاه وعسكره معه نحوا من سنة ثم استقبح سيرتهم وتنكر لهم وأمر أهل البلاد فثاروا بهم وقتلوهم في كل مذهب وهم بقتل

زوجته أخت خوارزم شاه فغلقت الأبواب دونه واسترحمته فتركها وبعث الى ملك الخطا بالطاعة وبلغ الخبر الى خوارزم شاه فامتعض وهم بقتل من في بلده من أهل سمرقند ثم انثنى عن ذلك وأمر عساكره بالتوجه الى ما وراء النهر فخرجوا أرسالا وهو في أثرهم وعبر بهم النهر ونزل على سمرقند وحاصرها ونصب عليها الآلات وملكها عنوة واستباحها ثلاثا قتل فيها نحوا من مائتي ألف واعتصم صاحبها بالقلعة ثم حاصرها وملكها عنوة وقتل صاحبها صبرا في جماعة من أقرانه ومحا آثار الخانية وأنزل في سائر البلاد وراء النهر نوابه وعاد الى خوارزم والله تعالى ولى النصر بمنه وفضله.

** استلحام الخطا **

قد تقدم لنا وصول طائفة من أمم الترك الى بلاد تركستان وكاشغر وانتشارهم فيما وراء النهر واستخدموا للملوك الخانية أصحاب تركستان وكان ارسلان خان محمد بن سليمان ينزلهم مسالح على الريف فيما بينه وبين الصين ولهم على ذلك الاقطاعات والجرايات وكان يعاقبهم على ما يقع منهم من الفساد والعيث في البلاد ويوقع بهم ففروا من بلاده وابتغوا عنه فسيحا من الأرض ونزلوا بلاساغون ثم خرج كوخان ملك الترك الأعظم من الصين سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فسارت اليه أمم الخطا ولقيهم الخان محمود بن محمد بن سليمان بن داود بقراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر فهزموه وبعث بالصريخ الى خاله سنجر فاستنفر ملوك خراسان وعساكر المسلمين وعبر جيحون للقائهم في صفر سنة ست وثلاثين ولقيه أمم الترك والخطا فهزموه واثخنوا في المسلمين وأسرت زوجة السلطان سنجر ثم أطلقها كوخان بعد ذلك وملك الترك بلاد ما وراء النهر ثم مات كوخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته وماتت قريبا وملكت من بعدها أمها زوجة كوخان وابنه محمد ثم انقرض ملكهم واستولى الخطا على ما وراء النهر الى آن غلبهم عليه خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش كما قدمنا وكانت قد خرجت قبل ذلك خارجة عظيمة من الترك يعرفون بالتتر ونزلوا في حدود الصين وراء تركستان وكان ملكهم كشلى خان ووقع بينه وبين الخطا من العداوة والحروب ما يقع بين الأمم المتجاورة فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بالخطا أرادوا الانتقام منهم وزحف كشلى في أمم التتر الى الخطا لينتهز الفرصة فيهم فبعث الخطا الى خوارزم شاه يتلطفون له ويسألونه النصر من عدوهم قبل أن يستحكم أمرهم وتضيق عنه قدرته وقدرتهم وبعث اليه كشلى يغريه بهم وأن يتركه وإياهم ويحلف له على مسالمة بلاده فسار خوارزم شاه

يوهم كل واحد من الفريقين انه له وأقام منتبذا عنهما حتى تواقعوا وانهزم الخطا فمال مع التتر عليهم واستلحموهم في كل وجه ولم ينج منهم الا القليل فتحصنوا بين جبال في نواحي تركستان وقليل آخرون لحقوا بخوارزم شاه كانوا معه وبعث خوارزم شاه الى كشلى خان ملك التتر يعتد عليه بهزيمة الخطا وانها انما كانت بمظاهرته فأظهر له الاعتراف وشكره ثم نازعه في بلادهم وأملاكهم وسار لحربهم ثم علم انه لا طاقة له بهم فمكث يراوغهم على اللقاء كشلى خان يعذ له في ذلك وهو يغلطه واستولى كشلى خان خلال ذلك على كاشغر وبلاد تركستان وبلاساغون ثم عمد خوارزم شاه الى الشاش وفرغانة واسحان وكاشان وما حولها من المدن التي لم يكن في بلاد الله انزه منها ولا أحسن عمارة فجلا أهلها الى بلاد الإسلام وخرب جميعها خوفا أن يملكها التتر ثم اختلف التتر بعد ذلك وخرج على كشلى طائفة أخرى منهم يعرفون بالمغل وملكهم جنكزخان فشغل كشلى خان بحربهم عن خوارزم شاه فعبر النهر الى خراسان وترك خوارزم شاه الى أن كان من أمره ما نذكره والله تعالى أعلم.

** استيلاء خوارزم شاه على كرمان ومكران والسند **

قد تقدم لنا أنه كان من جملة أمراء خوارزم شاه تكش تاج الدين أبو بكر وانه كان كريا للدواب ثم ترقت به الأحوال الى أن صار سروان لتكش والسروان مقدم الجهاد ثم تقدم عنده لجلده وإماتته وصار أمير وولاه قلعة زوزن ثم تقدم عند علاء الدين محمد بن تكش واختصه فأشار عليه بطلب بلاد كرمان لما كانت مجاورة لوطنه فبعث معه عسكرا وسار الى كرمان سنة اثنتي عشرة وصاحبها يومئذ محمد بن حرب أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر فغلبه على بلاده وملكها ثم سار الى كرمان وملكها كلها الى السند من نواحي كابل وسار الى هرمز من مدن فارس بساحل البحر واسم صاحبها مكيك فأطاعه وخطب لخوارزم شاه وضمن مالا يحمله وخطب له بقلعات وبعض عمان من وراء النهر لانهم كانوا يتقربون الى صاحب هرمز بالطاعة وتسير سفنهم بالتجار الى هرمز لانه المرسي العظيم الذي تسافر اليه التجار من الهند والصين وكان بين صاحب هرمز وصاحب كيش مغاورات وفتن وكل واحد منهما ينهى مراكب بلاده أن ترسي ببلاد الآخر وكان خوارزم شاه يطيف بنواحي سمرقند خشية أن يقصد التتر أصحاب كشلى خان بلاده

** استيلاء خوارزم شاه على غزنة وأعمالها **

ولما استولى خوارزم شاه محمد بن تكش على بلاد خراسان وملك باميان وغيرها وبعث تاج الدين المرز صاحب غزنة وقد تغلب عليها بعد ملوك الغورية وقد تقدم في أخبار دولتهم فبعث اليه في الخطبة له وأشار عليه كبير دولته قطلغ تكين مولى شهاب الدين الغوري وسائر أصحابه بالإجابة الى ذلك فخطب له ونقش السكة باسمه وسار قنصيرا وترك قطلغ تكين بغزنة نائبا عنه فبعث قطلغ تكين لخوارزم شاه يستدعيه فأغذ له السير وملك غزنة وقلعتها وقتل الغورية الذين وجدوا بها خصوصا الأتراك وبلغ الخبر المرز فهرب الى أساون ثم أحضر خوارزم شاه قطلغ ووبخه على قلة وفائه لصاحبه وصادره على ثلاثين حملا من أصناف الأموال والأمتعة وأربعمائة مملوك ثم قتله وعاد الى خوارزم وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة وقيل سنة اثنتي عشرة بعد ان استخلف عليها ابنه جلال الدين منكبرس والله أعلم بغيبه وأحكم.

** استيلاء خوارزم شاه على بلاد الجبل **

كان خوارزم شاه محمد بن تكش قد ملك الرها وهمذان وبلاد الجبل كلها أعوام تسعين وخمسمائة من يد قطلغ آبنايخ [1] بقية أمراء السلجوقية ونازعه فيها ابن القصاب وزير الخليفة الناصر فغلبه خوارزم شاه وقتله كما مر في أخباره ثم شغل عنها تكش الى أن توفي وذلك سنة سبع وتسعين وصار ملكه لابنه علاء الدين محمد بن تكش وتغلب موالي البهلوان على بلاد الجبل واحدا بعد واحد ونصبوا أزبك بن مولاهم البهلوان ثم انتقضوا عليه وخطبوا لخوارزم شاه وكان آخر من ولى منهم أغماش وأقام بها مدة يخطب لعلاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه ثم وثب عليه بعض الباطنية وطمع أزبك بن محمد البهلوان بقية الدولة السلجوقية بآذربيجان واران في الاستيلاء على أعمال أصبهان والري وهمذان وسائر بلاد الجبل وطمع سعد بن زنكي صاحب فارس ويقال سعد بن دكلا في الاستيلاء عليها أيضا كذلك وسار في العساكر فملك أزبك أصبهان بممالأة أهلها وملك سعد الري وقزوين وسمنان وطار الخبر الى خوارزم شاه بأصبهان بسمرقند فسار في العساكر سنة أربع عشرة وستمائة في مائة ألف بعد ان جهز العساكر فيما وراء النهر وبثغور الترك وانتهى الى قومس ففارق العساكر وسار متجردا في اثني عشر ألفا فلما ظفرت مقدمته بأهل الري وسعد مخيم بظاهرها ركب

للقتال بظن انه السلطان ثم تبين الآلة والمركب واستيقن انه السلطان فولت عساكره منهزمة وحصل في أسر السلطان وبلغ الخبر الى أزبك بأصبهان فسار الى همذان ثم عدل عن الطريق في خواصه وركب الاوعار الى أذربيجان وبعث وزيره أبا القاسم بن علي بالاعتذار فبعث اليه في الطاعة فأجابه وحمله الضريبة فاعتذر بقتال الكرج وأما سعد صاحب فارس فبلغ الخبر بأسره الى ابنه نصرة الدين أبي بكر فهاج بخلعان أبيه وأطلق السلطان سعدا على أن يعطيه قلعة إصطخر ويحمل اليه ثلث الخراج وزوجه بعض قرابته وبعث معه من رجال الدولة من يقبض إصطخر فلما وصل الى شيراز وجد ابنه منتقضا فداخله بعض أمراء ابنه وفتح له باب شيراز ودخل على ابنه واستولى على ملكه وخطب لخوارزم شاه واستولى خوارزم شاه على شاورة وقزوين وجرجان وابهر وهمذان وأصبهان وقم وقاشان وسائر بلاد الجبل واستولى عليها كلها من أصحابها واختص الأمير طائيين بهمذان وولى ابنه ركن الدولة ياور شاه عليهم جميعا وجعل معه جمال الدين محمد بن سابق الشاوي وزيرا.

** طلب الخطبة وامتناع الخليفة منها **

ثم بعد ذلك بعث خوارزم شاه محمد بن تكش الى بغداد يطلب الخطبة بها من الخليفة كما كانت لبني سلجوق وذلك سنة أربع عشرة وذلك لما رأي من استفحال أمره واتساع ملكه فامتنع الخليفة من ذلك وبعث في الاعتذار عنه الشيخ شهاب الدين السهروردي فأكبر السلطان مقدمه وقام لتلقيه وأول ما بدأ به الكلام على حديث الخطبة ببغداد وجلس على ركبتيه لاستماعه ثم تكلم وأطال وأجاد وعرض بالموعظة في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم في بني العباس وغيرهم والتعرض لاذايتهم فقال السلطان حاش لله من ذلك وأنا ما آذيت أحدا منهم وأمير المؤمنين كان أولى مني بموعظة الشيخ فقد بلغني أن في محبسه جماعة من بني العباس مخلدين يتناسلون فقال الشيخ الخليفة إذا حبس أحدا للإصلاح لا يعترض عليه فيه فما بويع الا للنظر في المصالح ثم ودعه السلطان ورجع الى بغداد [1] وكان ذلك قبل أن يسير الى العراق [2] فلما استولى على بلاد الجبل وفرغ من أمرها سار الى بغداد وانتهى الى عقبة سراباد وأصابه هنالك ثلج عظيم أهلك الحيوانات وعفن أيدي الرجال وأرجلهم حتى

قطعوها ووصله هنالك شهاب الدين السهروردي ووعظه فندم ورجع عن قصده فدخل الى خوارزم سنة خمس عشرة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق.

** قسمة السلطان خوارزم شاه الملك بين ولده **

ولما استكمل السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش ملكه بالاستيلاء على الري وبلاد الجبل قسم أعمال ملكه بين ولده فجعل خوارزم وخراسان ومازندان لولى عهده قطب الدين أولاغ شاه وانما كان ولى عهده دون ابنه الأكبر جلال الدين منكبرس لأن أم قطب الدين وأم السلطان وهي تركمان خاتون من قبيلة واحدة وهم فياروت من شعوب يمك احدى بطون الخطا فكانت تركمان خاتون متحكمة في ابنها السلطان محمد بن تكش وجعل غزنة وباميان والغور وبست ومكساماد وما من الهند لابنه جلال الدين منكبرس وكرمان وكيس ومكرمان لابنه غياث الدين يتر شاه وبلاد الجبل لابنه ركن الدين غور شاه كما قدمناه وأذن لهم في ضرب النوب الخمس له وهي دبادب صغار تقرع عقب الصلوات الخمس واختص هو بنوبة سماها نوبة ذي القرنين سبع وعشرين دبدبة كانت مصنوعة من الذهب والفضة مرصعة بالجواهر هكذا ذكر الوزير محمد بن أحمد السنوي المنشى كاتب جلال الدين منكبرس في أخباره ابنه علاء الدين محمد بن تكش وعلى كتابه اعتمدت دون غيره لانه أعرف بأخبارهما وكانت كرمان ومكران وكيش لمؤيد الملك قوام الدين وهلك منصرف السلطان من العراق فأقطعها لابنه غياث الدين كما قلناه وكان الملك هذا سوقة فأصبح ملكا وأصل خبره أن أمه كانت داية في دار نصرة الدين محمد بن أبز صاحب زوزن ونشأ في بيته واستخدمه وسفر عنه للسلطان فسعى به أنه من الباطنية ثم رجع فخوفه من السلطان بذلك فانقطع نصرة الدين الى الإسماعيلية وتحصن ببعض قلاع زوزن وكتب قوام الدين بذلك الى السلطان فجعل اليه وزارة زوزن وولاية جبايتها ولم يزل يخادع صاحبه نصرة الدين الى أن راجع فتمكن من السلطان وسمله ثم طمع قوام الدين في ملك كرمان وكان بها أمير من بقية الملك دينار وأمده السلطان بعسكر من خراسان فملك كرمان وحسن موقع ذلك من السلطان فلقبه مؤيد الملك وجعلها في أقطاعه ولما رجع السلطان من العراق وقد نفقت جماله بعث اليه بأربعة آلاف بختي وتوفي أثر ذلك فرد السلطان أعماله الى ابنه غياث الدين كما قلناه وحمل من تركته الى السلطان سبعون حملا من الذهب خلا الأصناف

** أخبار تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش **

كانت تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش من قبيلة بياروت من شعوب الترك يمك من الخطا وهي بنت خان حبكش من ملوكهم تزوجها السلطان خوارزم شاه تكش فولدت له السلطان محمدا فلما ملك لحق بها طوائف يمك ومن جاورهم من الترك واستظهرت بهم وتحكمت في الدولة فلم يملك السلطان معها أمره وكانت تولى في النواحي من جهتها كما يولي السلطان وتحكم بين الناس وتنحف من الظلامات وتقدم على الفتك والقتل وتقيم معاهد الخير والصدقة في البلاد وكان لها سبعة من الموقعين يكتبون عنها وإذا عارض توقيعها لتوقيع السلطان عمل بالمتأخر منهما وكان لقبها خداوند جهان أي صاحبة العالم وتوقيعها في الكتاب عصمة الدنيا والدين اولاغ تركمان ملك نساء العالمين وعلامتها اعتصمت بالله وحده تكتبها بقلم غليظ وتجود كتابتها أن ترور عليها واستورت للسلطان وزيره نظام الملك وكان مستخدما لها فلما عزل السلطان وزيره أشارت عليه بوزارة نظام الملك هذا فوزر له على كره من السلطان وتحكم في الدولة بتحكمها ثم تنكر له السلطان لأمور بلغته عنه وعزله فاستمر على وزارتها وكان شأنه في الدولة أكبر وشكاه اليه بعض الولاة بنواحي خوارزم أنه صادره فأمر بعض خواصه بقتله فمنعته تركمان من ذلك وبقي على حاله وعجز السلطان عن إنفاذ أمره فيه والله يؤيد بنصره من يشاء.

** التتر (خروج التتر وغلبهم على ما وراء النهر وفرار السلطان أمامهم من خراسان **

ولما عاد السلطان من العراق سنة خمس عشرة كما قدمناه واستقر بنيسابور وفدت عليه رسل جنكزخان بهدية من المعدنين ونوافج المسك وحجر البشم والثياب الطائية التي تنسج من وبر الإبل البيض ويخبر أنه ملك الصين وما يليها من بلاد الترك ويسأل الموادعة والاذن للتجار من الجانبين في التردد في متاجرهم وكان في خطابه اطراء السلطان بأنه مثل أعز أولاده فاستنكف السلطان من ذلك واستدعى محمودا الخوارزمي من الرسل واصطنعه ليكون عينا له على جنكزخان واستخبره على ما قاله في كتابه من ملكه الصين واستيلائه على مدينة

طوغاج فصدق ذلك ونكر عليه الخطاب بالولد وسأله عن مقدار العساكر فغشه وقللها وصرفهم السلطان بما طلبوه من الموادعة والاذن للتجار فوصل بعض التجار من بلادهم الى انزار وبها نيال خان ابن خال السلطان في عشرين ألفا من العساكر فشره الى أموالهم وخاطب السلطان بأنهم عيون وليسوا بتجار فأمره بالاحتياط عليهم فقتلهم خفية وأخذ أموالهم وفشا الخبر الى جنكزخان فبعث بالنكير الى السلطان في نقض العهد وان كان فعل نيال افتياتا فبعث اليه يتهدده على ذلك فقتل السلطان الرسل وبلغ الخبر الى جنكزخان فسار في العساكر واعتزم السلطان أن يحصن سمرقند بالاسوار فجبي لذلك خراج سنتين وجبي ثالثة استخدم بها الفرسان وسار الى احياء جنكزخان فكبسهم وهو غائب عنها في محاربة كشلي خان فغنم ورجع واتبعهم ابن جنكزخان فكانت بينهم واقعة عظيمة هلك فيها كثير من الفريقين ولجأ خوارزم شاه الى جيحون فأقام عليه ينتظر شأن التتر ثم عاجله جنكزخان فأجفل وتركها وفرق عساكره في مدن ما وراء النهر انزار وبخارى وسمرقند وترمذ وجند وأنزل آبنايخ من كبراء أمرائه وحجاب دولته في بخارى وجاء جنكزخان الى انزار فحاصرها وملكها غلابا وأسر أميرها نيال خان الذي قتل التجار وأذاب الفضة في أذنيه وعينيه ثم حاصر بخارى وملكها على الأمان وقاتلوا معه القلعة حتى ملكوها ثم غدر بهم وقتلهم وسلبهم وخربها ورحل جنكزخان الى سمرقند ففعلوا فيها مثل ذلك سنة تسع عشرة وستمائة ثم كتب كتبا على لسان الأمراء قرابة أم السلطان يستدعون جنكزخان ويعدها بزيادة خراسان الى خوارزم وبعث من يستخلفه على ذلك وبعث الكتب مع من يتعرض بها للسلطان فلما قرأها ارتاب بأمه وبقرابتها.

** إجفال السلطان خوارزم شاه الى خراسان ثم الى طبرستان ومهلكه **

ولما بلغ السلطان استيلاء جنكزخان على انزار وبخارى وسمرقند وجاءه نائب بخارى ناجيا في الفل أجفل حينئذ وعبر جيحون ورجع عنه طوائف الخطا الذين كانوا معه وعلاء الدين صاحب قيدر وتخاذل الناس وسرح جنكزخان العساكر في أثره نحوا من عشرين ألفا يسميهم التتر المغربة لسيرهم نحو غرب خراسان فتوغلوا في البلاد وانتهوا الى بلاد بيجور واكتسحوا كل ما مروا عليه ووصل السلطان الى نيسابور فلم يثبت بها ودخل الى ناحية العراق بعد أن أودع أمواله قال المنشي في كتابه حدثني الأمير تاج الدين البسطامي قال لما انتهى خوارزم شاه في مسيره الى العراق استحضرني وبين يديه عشرة صناديق مملوءة لآلئ لا تعرف قيمتها وقال في

اثنين منها فيهما من الجواهر ما يساوي خراج الأرض بأسرها وأمرني بحملها الى قلعة اردهز من أحصن قلاع الأرض وأخذت خط يد الموالي بوصولها ثم أخذها التتر بعد ذلك حين ملكوا العراق انتهى ولما ارتحل خوارزم شاه من نيسابور قصد مازندران والتتر في أثره ثم انتهى الى أعمال همذان فكبسوه هناك ونجا الى بلاد الجبل وقتل وزيره عماد الملك محمد بن نظام الملك وأقام هو بساحل البحر بقرية عند الفريضة يصلي ويقرأ ويعاهد الله على حسن السيرة ثم كبسه التتر أخرى فركب البحر وخاضوا في أثره فغلبهم الماء ورجعوا ووصلوا الى جزيرة في بحر طبرستان فأقام بها وطرقه المرض فكان جماعة من أهل مازندان يمرضونه ويحمل اليه كثيرا من حاجته فيوقع لحاملها بالولايات والاقطاع وأمضى ابنه جلال الدين بعد ذلك جميعها ثم هلك سنة سبع عشرة وستمائة ودفن بتلك الجزيرة لإحدى وعشرين سنة من ملكه بعد أن عهد لابنه جلال الدين منكبرس وخلع ابنه الأصغر قطب الدين أولاغ شاه ولما بلغ خبر اجفاله الى أمه تركمان خاتون بخوارزم خرجت هاربة بعد أن قتلت نحوا من عشرين من الملوك والأكابر المحبوسين هنالك ولحقت بقلعة ايلان من قلاع مازندان فلما رجع التتر المغربة عن السلطان خوارزم شاه بعد ان خاض بحر طبرستان الى الجزيرة التي مات بها فقصدوا مازندان وملكوا قلاعها على ما فيها من الامتناع ولقد كان فتحها بأخر الى سنة تسعين أيام سليمان بن عبد الملك فملكوها واحدة واحدة وحاصروا تركمان خاتون في قلعة ايلان الى أن ملكوا القلعة صلحا وأسروها وقال ابن الأثير انهم لقوها في طريقها الى مازندان فأحاطوا بها وأسروها ومن كان معها من بنات السلطان وتزوجهن التتر وتزوج دوشي خان بن جنكزخان بإحداهن وبقيت تركمان خاتون أسيرة عندهن في خمول وذل وكانت تحضر سماط جنكزخان كاحداهن وتحمل قوتها منه وكان نظام الملك وزير السلطان مع أمه تركمان خاتون فحصل في قبضة جنكزخان وكان عندهم معظما لما بلغهم من تنكر السلطان له وكانوا يشاورونه في أمر الجباية فلما استولى دوشي خان على خوارزم وجاء بحرم السلطان الذين كانوا بها وفيهن مغنيات فوهب احداهن لبعض خدمه فمنعت نفسها منه ولجأت للوزير نظام الملك فشكاه ذلك الخادم لجنكزخان ورماه بالجارية فأحضره جنكزخان وعدد عليه خيانة استاذه وقتله.

** مسير التتر بعد مهلك خوارزم شاه من العراق الى أذربيجان وما وراءها من البلاد هنالك **

ولما وصل التتر الى الري في طلب خوارزم شاه محمد بن تكش سنة سبع عشرة وستمائة ولم

يحدوه عادوا الى همذان واكتسحوا ما مروا عليه وأخرج اليهم أهل همذان ما حضرهم من الأموال والثياب والدواب فأمنوهم ثم ساروا الى زنجان ففعلوا كذلك ثم الى قزوين فامتنعوا منهم فحاصروها وملكوها عنوة واستباحوها ويقال أن القتلى بقزوين زادوا على أربعين ألفا ثم هجم غليهم الشتاء فساروا الى أذربيجان على شأنهم من القتل والاكتساح وصاحبها يومئذ أزبك بن البهلوان مقيم بتبريز عاكف على لذاته فراسلهم وصانعهم وانصرفوا الى بوقان ليشتوا بالسواحل ومروا الى بلاد الكرج فجمعوا لقتالهم فهزمهم التتر وأثخنوا فيهم فبعثوا الى ازبك صاحب أذربيجان والى الأشرف بن العادل بن أيوب صاحب خلاط والجزيرة يطلبون اتصال أيديهم على مدافعة التتر وانضاف الى التتر اقرش من موالي أزبك واليه [1] جموع من التركمان والأكراد وسار مع التتر الى الكرج واكتسحوا بلادهم وانتهوا الى بلقين [2] وسار اليهم الكرج فلقيهم اقرش أولا ثم لقيهم التتر فانهزم الكرج وقتل منهم ما لا يحصى وذلك في ذي القعدة من سنة سبع عشرة ثم عاد التتر الى مراغة ومروا بتبريز فصانعهم صاحبها كعادته وانتهوا الى مراغة فقاتلوها أياما وبها امرأة تملكها ثم ملكوها في صفر سنة ثماني عشرة واستباحوها ثم رحلوا عنها الى مدينة اربل وبها مظفر الدين بن [3] فاستمد بدر الدين صاحب الموصل فأمده بالعساكر ثم هم بالخروج لحفظ الدروب على بلاده فجاءت كتب الخليفة الناصر اليهم جميعا بالمسير الى دقوقا ليقيموا بها مع عساكره ويدافع عن العراق وبعث معهم بشتمر كبير أمرائه وجعل المقدم على الجميع مظفر الدين صاحب اربل فخاموا عن لقاء التتر وخام التتر عن لقائهم وساروا الى همذان وكان لهم بها شحنة منذ ملكوها أولا فطالبوه بفرض المال على أهلها وكان رئيس همذان شريفا علويا قديم الرئاسة بها فحضهم على ذلك فضجروا وأساءوا الرد عليه وأخرجوا الشحنة وقاتلوا التتر وغضب العلوي فتسلل عنهم الى قلعة بقربها فامتنع وزحف التتر الى البلد فملكوه عنوة واستباحوه واستلحموا أهله ثم عادوا الى أذربيجان فملكوا أردبيل واستباحوها وخربوها وساروا الى تبريز وقد فارقها ازبك بن البهلوان صاحب أذربيجان واران وقصد نقجوان وبعث بأهله وحرمه الى حوى فرارا من التتر لعجزه وانهماكه فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائي وجمع أهل البلد واستعد للحصار فأرسل اليه التتر في المصانعة فصانعهم وساروا الى مدينة سوا

فاستباحوها وخربوها وساروا الى بيلقان فحاصروها وبعثوا الى أهل البلد رجلا من أكابرهم يقرر معهم في المصانعة والصلح فقتلوه فأسرى التتر في حصارهم وملكوا البلد عنوة في رمضان سنة ثمان عشرة واستلحموا أهلها وأفحشوا في القتل والمثلة حتى بقروا البطون على الأجنة واستباحوا جميع الضاحية قتلا ونهبا وتخريبا ثم ساروا الى قاعدة اران وهي كنجة ورأوا امتناعها فطلبوا المصانعة من أهلها فصانعوهم ولما فرغوا من أعمال أذربيجان واران ساروا الى بلاد الكرج وكانوا قد جمعوا لهم واستعدوا ووقعوا في حدود بلادهم فقالتهم التتر فهزموهم الى بلقين قاعدة ملكهم فجمعوا هنالك ثم خاموا عن لقائهم لما رأوا من اقتحامهم المضايق والجبال فعادوا الى بلقين واستولى التتر على نواحيها فخربوها كيف شاءوا ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة الاوعار والدوسرات فعادوا عنها ثم قصدوا درنبر [1] شروان وحاصروا مدينة سماهي [2] وفتكوا في أهلها ووصلوا الى السور فعالوه باشلاء القتلى حتى ساموه [3] واقتحموا البلد فأهلكوا كل من فيه ثم قصدوا الدربند فلم يطيقوا عبوره فأرسلوا الى شروان في الصلح فبعث اليهم رجلا من أصحابه فقتلوا بعضهم واتخذوا الباقين أذلاء فسلكوا بهم دربند شروان وخرجوا الى الأرض الفسيحة وبها أمم القفجاق واللان واللكن وطوائف من الترك مسلمون وكفار فأوقعوا بتلك الطوائف واكتسحوا عامة البسائط وقاتلهم قفجاق واللان ودافعوهم ولم يطق التتر مغالبتهم ورجعوا وبعثوا الى القفجاق وهم واثقون بمسالمتهم فأوقعوا بهم وجر من كان بعيدا منهم الى بلاد الروس واعتصم آخرون بالجبال والغياض واستولى التتر على بلادهم وانتهوا الى مدينتهم الكبرى سراي على بحر نيطش المتصل بخليج القسطنطينية وهي مادتهم وفيها تجارتهم فملكها التتر وافترق أهلها في الجبال وركب بعضهم الى بلاد الروم في ايالة بني قلج ارسلان ثم سار التتر سنة عشر وستمائة من بلاد قفجاق الى بلاد الروم المجاورة لها وهي بلاد فسيحة وأهلها يدينون بالنصرانية فساروا الى مدافعتهم في تخوم بلادهم ومعهم جموع من القفجاق سافروا اليهم فاستطرد لهم التتر مراحل ثم كروا عليه وهم غارون فطاردهم القفجاق والروم أياما ثم انهزموا وأثخن التتر فيهم

قتلا وسبيا ونهبا وركبوا السفن هاربين الى بلاد المسلمين وتركوا بلادهم فاكتسحها التتر ثم عادوا اليها وقصدوا بلغار أواخر السنة واجتمع أهلها وساروا للقائهم بعد أن أكمنوا لهم ثم استطردوا أمامهم وخرج عليهم الكمناء من خلفهم فلم ينج منهم الا القليل وارتحلوا عائدين الى جنكزخان بأرض الطالقان ورجع القفجاق الى بلادهم واستقروا فيها والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء.

** أخبار خراسان بعد مهلك خوارزم شاه **

قد كنا قدمنا مهلك خوارزم شاه ومسير هؤلاء التتر المغربة في طلبه ثم انتهائهم بعد مهلكه الى النواحي التي ذكرناها وكان جنكزخان بعد إجفال خوارزم شاه من جيحون وهو بسمرقند قد بعث عسكرا الى ترمذ فساروا منها الى كلات من أحصن القلاع الى جانب جيحون فاستولوا عليها وأوسعوها نهبا وسير عسكرا آخر الى فرغانة وكذلك عسكرا آخر الى خوارزم وعسكرا آخر الى خوزستان فعبر عسكر خراسان الى بلخ وملكوها على الأمان سنة سبع وستمائة ولم يعرضوا لها بعيث وانزلوا شحنتهم بها ثم ساروا الى زوزن وميمنة وايدخوي وفارياب فملكوها وولوا عليها ولم يعرضوا لأهلها بأذى وانما استنفروهم لقتال البلد معهم ثم ساروا الى الطالقان وهي ولاية متسعة فقصدوا قلعة صوركوه من أمنع بلادها فحاصروها ستة أشهر وامتنعت عليهم فسار اليهم جنكزخان بنفسه وحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى إذا رأى امتناعها أمر بنقل الخشب والتراب حتى اجتمع منه تل مشرف على البلد واستيقن أهل البلد الهلكة واجتمعوا وفتحوا الباب وصدقوا الحملة فنجا الخيالة وتفرقوا في الجبال والشعاب وقتل الرجالة ودخل التتر البلد فاستباحوها ثم بعث جنكزخان صهره قفجاق قوين الى خراسان ومرواسا وقاتلوها فامتنعت عليهم وقتل قفجاق قوين فأقاموا على حصارها وملكوها عنوة واستباحوها وخربوها ويقال قتل فيها أزيد من سبعين ألفا وجمع عددا من الجثث فكان كالتلال العظيمة وكان رؤساؤها بني حمزة بخوارزم منذ ملكها خوارزم شاه تكش فعاد اليها اختيار الدين جنكي بن عمر بن حمزة وبوعمه وضبطوها ثم بعث جنكزخان ابنه في العساكر الى مدينة مرو واستنفر أهل البلاد التي ملكوها قبل مثل بلخ وأخواتها وكان الناجون من هذه الوقائع كلها قد لحقوا بمرو واجتمع بها ما يزيد على مائتي ألف وعسكروا بظاهرها لا يشكون في الغلب فلما قاتلهم التتر صابروهم فوجدوا في مصابرتهم ما لم يحتسبوه فولوا منهزمين وأثخن التتر فيهم ثم حاصروا البلد خمسة أيام وبعثوا الى أميرها يستميلونه للنزول عنها

فاستأمن اليهم وخرج فأكرموه أولا ثم أمروا بإحضار جنده للعرض حتى استكملوا وقبضوا عليهم ثم استكتبوه رؤساء البلد وتجاره وصناعة على طبقاتهم وخرج أهل البلد جميعا وجلس لهم جنكزخان على كرسي من ذهب فقتل الجند في صعيد واحد [1] وقسم العامة رجالا وأطفالا ونساء بين الجند فاقتسموهم وأخذوا أموالهم وامتحنوهم في طلب المال ونبشوا القبور في طلبه ثم أحرقوا البلد وتربة السلطان سنجر ثم استلحم في اليوم الرابع أهل البلد جميعا يقال كانوا سبعمائة ثم ساروا الى نيسابور وحاصروها خمسا ثم اقتحموها عنوة وفعلوا فيها فعلهم في مرو وأشد ثم بعثوا عسكرا الى طوس وفعلوا فيها مثل ذلك وخربوها وخربوا مشهد علي بن موسى الرضا ثم ساروا الى هراة وهي من أمنع البلاد فحاصروها عشرا وملكوها وأمنوا من بقي من أهلها وأنزلوا عندهم شحنة وساروا لقتال جلال الدين بن خوارزم شاه كما يذكر بعد فوثب أهل هراة على الشحنة وقتلوه فلما رجع التتر منهزمين اقتحموا البلد واستباحوه وخربوه وأحرقوه ونهبوا نواحيه اجمع وعادوا الى جنكزخان بالطالقان وهو يرسل السرايا في نواحي خراسان حتى أتوا عليها تخريبا وكان ذلك كله سنة سبع عشرة وبقيت خراسان خرابا وتراجع أهلها بعض الشيء فكانوا فوضى واستبد آخرون في بعض مدنها كما نذكر ذلك في أماكنه والله أعلم.

** أخبار السلطان جلال الدين منكبرس مع التتر بعد مهلك خوارزم شاه واستقراره بغزنة **

ولما توفي السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش بجزيرة بحر طبرستان ركب ولده البحر الى خوارزم يقدمهم كبيرهم جلال الدين منكبرس وقد كان وثب بها بعد منصرف تركمان خاتون أم خوارزم شاه رجل من العيارين فضبطها وأساء السيرة وانطلقت اليها أيدي العيارين ووصل بعض نواب الديوان فأشاعوا موت السلطان ففر العيارون ثم جاء جلال الدين واخوته واجتمع الناس اليهم فكانوا معهم سبعة آلاف من العساكر أكثرهم اليارونية قرابه أم خوارزم شاه فمالوا الى أولاغ شاه وكان ابن أختهم كما مر وشاوروا في الوثوب بجلال الدين وخلعه ونمى الخبر اليه فسار الى خراسان في ثلاثمائة فارس وسلك المفازة الى بلد نسا فلقى هنالك رصدا من التتر فهزمهم ولجأ فلهم الى نسا وكان بها الأسير اختيار زنكي بن محمد بن

عمر بن حمزة قد رجع اليها من خوارزم كما قدمناه وضبطها فاستلحم فل التتر وبلغ وبعث الى جلال الدين بالمدد فسار الى نيسابور ثم وصلت عساكر التتر الى خوارزم بعد ثلاث من مسير جلال الدين فأجفل أولاغ واخوته وساروا في اتباعه ومروا بنسا فسار معهم اختيار الدين صاحبها واتبعتهم عساكر التتر فأدركوهم بنواحي خراسان وكبسوهم فقتل أولاغ شاه وأخوه انشاه واستولى التتر على ما كان معهم من الأموال والذخائر وافترقت في أيدي الجند والفلاحين فبيعت بأبخس الأثمان ورجع اختيار الدين زنكي الى نسا فاستبد بها ولم يسم الى مراسم الملك وكتب له جلال الدين بولايتها فراجع أحوال الملك ثم بلغ الخبر الى جلال الدين بزحف التتر الى نيسابور وأن جنكزخان بالطالقان فسار الى نيسابور ومن نيسابور الى بست واتبعه نائب هراة أمير ملك ابن خال السلطان خوارزم شاه في عشرة آلاف فارس هاربا أمام التتر وقصد سجستان فامتنعت عليه فرجع واستدعاه جلال الدين فسار اليه واجتمعوا فكبسوا التتر وهم محاصرون قلعة قندهار فاستلحموهم ولم يفلت منهم أحد فرجع جلال الدين الى غزنة وكانت قد استولى عليها اختيار الدين قربوشت صاحب الغور عند ما ساروا اليها عن جلال الدين صريخا عن أمس ملك سجستان فخالفه قربوشت اليها وملكها فثار به صلاح الدين النسائي والى قلعتها وقتله وملك غزنة، وكان بها رضا الملك شرف الدين بن أمور ففتك به رضا الملك واستبد بغزنة فلما ظفر جلال الدين بالتتر على قندهار رجع الى غزنة فقتله وأوطنها وذلك سنة ثمان عشرة.

** استيلاء التتر على مدينة خوارزم وتخريبها **

قد كنا قدمنا أن جنكزخان بعد ما أجفل خوارزم شاه من جيحون بعث عساكره الى النواحي وبعث الى مدينة خوارزم عسكرا عظيما لعظمها لأنها كرسي الملك وموضع العساكر فسارت عساكر التتر اليها مع ابنه جنطاي واركطاي فحاصروها خمسة أشهر ونصبوا عليها الآلات فامتنعت فاستمدوا عليها جنكزخان فأمدهم بالعساكر متلاحقة فزحفوا اليها وملكوا جانبا منها وما زالوا يملكونها ناحية ناحية الى أن استوعبوها ثم فتحوا السد الذي يمنع ماء جيحون عنها فسار اليها جيحون فغرقها وانقسم أهلها بين السيف والغرق هكذا قال ابن الأثير وقال النسائي الكاتب ان دوشي خان بن جنكزخان عرض عليهم الأمان فخرجوا اليه فقتلهم أجمعين وذلك في محرم سنة سبع عشرة ولما فرغ التتر من خراسان وخوارزم رجعوا الى ملكهم جنكزخان بالطالقان

** خبر آبنايخ نائب بخارى وتغلبه على خراسان ثم فراره أمام التتر الى الري **

كان آبنايخ [1] أمير الأمراء والحجاب أيام خوارزم شاه وولاه ثانيا بخارى فلما ملكها التتر عليه كما قلناه أجفل الى المفازة وخرج منها الى نواحي نسا وراسله اختيار الدين صاحبها يعرضها عليه للدخول عنده فأبى فوصله وأمده وكان رئيس بشخوان من قرى نسا أبو الفتح فداخل التتر فكتب الى شحنة خوارزم بمكان آبنايخ فجرد اليهم عسكرا فهزمه آبنايخ وأثخن فيهم وساروا الى بشخوان فحاصروها وملكوها عنوة وهلك أبو الفتح أيام الحصار ثم ارتحل آبنايخ الى أبيورد وقد تغلب تاج الدين عمر بن مسعود على أبيورد وما بينها وبين مرو فجبى خراجها واجتمع عليه جماعة من أكابر الأمراء وعاد الى نسا وقد توفى نائبها اختيار الدين زنكي وملك بعده ابن عمه عمدة الدين حمزة بن محمد بن حمزة فطلب منه آبنايخ خراج سنة ثمان عشرة وسار الى شروان وقد تغلب عليها ايكجي بهلوان فهزمه وانتزعها من يده ولحق بهلوان بجلال الدين في الهند واستولى آبنايخ خان على عامة خراسان وكان تكين بن بهلوان متغلبا بمرو فعبر جيحون وكبس شحنة التتر ببخارى فهزموه سنة سبع ورجع الى شروان وهم باتباعه ولحقوا بآبنايخ خان على جرجان فهزموه ونجا الى غياث الدين يترشاه بن خوارزم شاه بالري فأقام عنده الى أن هلك كما نذكر ان شاء الله تعالى.

** خبر ركن الدين غور شاه صاحب العراق من ولد خوارزم شاه **

قد كان تقدم لنا أن السلطان لما قسم ممالكه بين أولاده جعل العراق في قسمة غورشاه منهم ولما أجفل السلطان الى ناحية الري لقيه ابنه غورشاه ثم سار الى الري الى كرمان فملكها تسعة أشهر ثم بلغه أن جلال الدين محمد بن آبه القزويني وكان بهمذان أراد أن يملك العراق واجتمع اليه بعض الأمراء وأن مسعود بن صاعد قاضي أصبهان مائل اليه فعاجله ركن الدولة واستولى على أصبهان وهرب القاضي الى الاتابك سعد بن زنكي صاحب فارس فأجاره وبعث ركن الدين العساكر لقتال همذان فتخاذلوا ورجعوا دون قتال ثم مضى الى الري ووجد بها قوما من الإسماعيلية يحاولون إظهار دعوتهم ثم زحف التتر الى ركن الدولة فحاصروه بقلعة رواند واقتحموها فقاتلوه واستأمن اليهم ابن آبه صاحب همذان فأمنوه ودخلوا همذان فولوا عليها علاء الدين الشريف الحسيني عوضا من ابن آبه.

** خبر غياث الدين ثير شاه صاحب كرمان من ولد السلطان خوارزم شاه **

قد كنا قدمنا أن السلطان خوارزم شاه ولى ابنه غياث الدين ثير شاه كرمان وكيش ولم ينفذ اليها أيام أبيه ولما كانت الكبسة على قزوين خلص الى قلعة ماروت من نواحي أصبهان وأقام عند صاحبها ثم رجع الى أصبهان ومر به التتر ذاهبين الى أذربيجان فحاصروه وامتنع عليهم وأقام بها الى آخر سنة عشرين وستمائة فلما جاء أخوه ركن الدين غور شاه من كرمان الى أصبهان لقيه هنالك وحرضه غياث الدين على كرمان فنهض اليها وملكها فلما قتل ركن الدين كما قلناه سار غياث الدين الى العراق وكان ركن الدين لما ولاه أبوه العراق جعل معه الأمير بقاطابستي اتابكين [1] فاستبد عليه فشكاه الى أبيه وأذن له في حبسه فحبسه ركن الدين بقلعة سرجهان فلما قتل ركن الدين كما قلناه أطلقه نائب القلعة أسد الدين حولي فاجتمع عليه الناس وكثير من الأمراء واستماله غياث الدين وأصهر اليه بأخته وماطله في الزفاف يستبرئ ذهاب الوحشة بينهما وكانت أصبهان بعد مقتل ركن الدين غلب عليها أزبك خان واجتمعت عليه العساكر وزحف اليه الأمير بقاطابستي فاستنجد ازبك غياث الدين فانجده بعسكر مع الأمير دولة ملك وعاجله بقاطابستي فهزمه بظاهر أصبهان وقتله وملكها ورجع دولة ملك إلى غياث الدين فزحف غياث الدين إلى أصبهان وأطاعه القاضي والرئيس صدر الدين وبادر بقاطابستي الى طاعته ورضي عنه غياث الدين وزف اليه أخته واستولى غياث الدين على العراق ومازندان وخراسان وأقطع مازندان وأعمالها دولة ملك وبقاطابستي همذان وأعمالها ثم زحف غياث الدين الى آذربيجان وشن الغارة على مراغة وترددت رسل صاحب آذربيجان ازبك بن البهلوان في المهادنة فهادنه وتزوج بأخته صاحب بقحوان وقويت شوكته وعظم فكان بقاطابستي في دولته وتحكم فيها ثم حدثته نفسه بالاستبداد وانتقض وقصد آذربيجان وبها مملوكان منتقضان على ازبك بن البهلوان فاجتمعا معه وزحف اليهم غياث الدين فهزمهم ورجعوا مغلوبين الى آذربيجان ويقال ان [2] الخليفة دس بذلك الى بقاطابستي وأغراه بالخلاف على غياث الدين ثم لحق بغياث الدين آبنايخ خان نائب بخارى مفلتا من واقعته مع التتر بجرجان فأكرمه وقدمه ونافسه خال السلطان دولة ملك وأخوه وسعوا اليها فزجرهما عنه فذهبا مغاضبين ووقع

دولة ملك في عساكر التتر بمرو وزنجان فقتل وهرب ابنه بركة خان الى ازبك بآذربيجان ثم أوقع عساكر التتر بقاطابستي وهزموه ونجا الى الكرم وخلص الفل الى غياث الدين وعاد التتر الى ما وراء جيحون ثم تذكر [1] صاحب فارس سعد الدين بن زنكي وكاتبته أهل أصبهان حين كانوا منهزمين عنه فسار اليه وحاصره في قلعة إصطخر وملكها ثم سار الى شيراز وملكها عليه عنوة ثم سار الى قلعة حرة فحاصرها حتى استأمنوا وتوفى عليها آبنايخ خان ودفن هنالك بشعب سلمان وبعث عسكرا الى كازرون فملكها عنوة واستباحها ثم سار الى ناحية بغداد وجمع الناس الجموع من اربل وبلاد الجزيرة ثم راسل غياث الدين في الصلح فصالحه ورجع الى العراق.

** أخبار السلطان جلال الدين منكبرس وهزيمته أمام التتر ثم عوده الى الهند **

قد كان تقدم لنا أن أباه خوارزم شاه لما قسم البلاد بين ولديه جعل في قسمه غزنة وباميان والغور وبست وهكياباد وما يليها من الهند واستناب عليها أمير ملك وأنزله غزنة فلما انهزم السلطان خوارزم شاه أمام التتر زحف اليه حربوشة والي الغور فملكها من يده وكان من أمره ما قدمناه الى أن استقر بها رضا الملك شرف الدين ولما أجفل جلال الدين من نيسابور الى غزنة واستولى التتر على بلاد خراسان وهرب أمراؤها فلحقوا بجلال الدين فقتل نائب هراة أمين الملك خال السلطان وقد قدمنا محاصرته بسجستان ثم مراجعته طاعة السلطان جلال الدين ولحق به أيضا سيف الدين بقراق البلخي وأعظم ملك من بلخ ومظهر ملك والحسن فزحف كل منهم في ثلاثين ألفا ومع جلال الدين من عسكره مثلها فاجتمعوا وكبسوا التتر المملوكة محاصرين قلعة قندهار كما قلناه واستلحموهم ولحق فلهم بجنكزخان فبعث ابنه طولى خان في العساكر فساروا الى جلال الدين فلقيهم بشروان وهزمهم وقتل طولى خان بن جنكزخان في المعركة وذهب التتر منهزمين واختلف عسكر السلطان جلال الدين على الغنائم وتنازع سيف الدين بقراق مع أمين الملك نائب هراة وتحيز الى العراق وأعظم ملك ومظهر ملك وقاتلوا أمين الملك فقتل أخ لبقراق وانصرف مغاضبا الى الهند وتبعه أصحابه ولاطفهم جلال الدين ووعظهم فلم يرجعوا وبلغ خبر الهزيمة الى جنكزخان فسار في أمم التتر وسار

جلال الدين فلقى مقدمة عساكره فلم يفلت من التتر الا القليل ورجع فنزل على نهر السند وبعث بالصريخ الى الأمراء المنحرفين عنه وعاجله جنكزخان قبل رجوعه فهزمه بعد القتال والمصابرة ثلاثا وقتل أمين الملك قريب أبيه واعترض المنهزمين نهر السند فغرق أكثرهم وأسر ابن جلال الدين فقتل وهو ابن سبع سنين ولما وقف جلال الدين على النهر والتتر في اتباعه فقتل أهله وحرمه جميعا واقتحم النهر بفرسه فخلص الى عدوته وتخلص من عسكره ثلاثمائة فارس وأربعة آلاف راجل وبعض أمرائه ولقوة بعد ثلاث وتخلص بعض خواصه بمركب مشحون بالأقوات والملابس فسد من حاجتهم وتحصن أعظم ملك ببعض القلاع وحاصره جنكزخان وملكها عنوة وقتله ومن معه ثم عاد التتر الى غزنة فملكوها واستباحوها وأحرقوها وخربوها واكتسحوا سائر نواحيها وكان ذلك كله سنة تسع عشرة ولما سمع صاحب جبل جردي من بلاد الهند بجلال الدين جمع للقائه وخام جلال الدين وأصحابه عن اللقاء لما نهكتهم الحرب فرجعوا ادراجهم وأدركهم صاحب جلال الدين صوري فقاتلهم وهزموه وملكوا أمرهم وبعث اليهم نائب ملك الهند فلاطفهم وهاداهم والله تعالى ولي التوفيق.

** أخبار جلال الدين بالهند **

كان جماعة من أصحاب جلال الدين وأهل عسكره لما عبروا اليهم حصلوا عند قباجة ملك الهند منهم بنت أمين الملك خلصت الى مدينة ارجاء من عمله ومنهم شمس الملك وزير جلال الدين حياة أبيه ومنهم قزل خان بن أمين الملك خلص الى مدينة كلور فقتله عاملها وقتل قباجة شمس الملك الوزير لخبر جلال الدين بأموره وبعث أمين الملك ولحق بجلال الدين جماعة من أمراء أخيه غياث الدين فقوى بهم وحاصر مدينة كلور وافتتحها وافتتح مدينة ترنوخ كذلك فجمع قباجة للقائه وسار اليه جلال الدين فخام عن اللقاء وهرب وترك معسكره فغنمه جلال الدين بما فيه وسار الى لهاوون [1] وفيها ابن قباجة ممتنعا عليه فصالحه على مال يحمله ورحل الى تستشان وبها فخر الدين السلاوي نائب قباجة فتلقاه بالطاعة ثم سار الى اوجا وحاصرها فصالحوه على المال ثم سار الى جانس وهي لشمس الدين اليتمشي من ملوك الهند ومن موالي شهاب الدين الغوري فأطاعه أهلها وأقام بها وزحف اليه ايتش في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلاثمائة فيل وزحف جلال الدين في عساكره وفي مقدمته جرجان بهلوان ازبك واختلفت المقدمتان فلم يمكن اللقاء وبعث ايتش في الصلح

فجنح اليه جلال الدين ثم اجتمع قباجة وايتش وسائر ملوك الهند فخام عن لقائهم ورجع لطلب العراق واستخلف جهان بهلوان الملك على ما ملك من الهند وعبر النهر الى غزنة فولى عليها وعلى الغور الأمير وفاملك واسمه الحسن فزلف وسار الى العراق وذلك سنة احدى وعشرين بعد مقدمه لها بسنتين.

** أحوال العراق وخراسان في ايالة غياث الدين **

كان غياث الدين بعد مسير جلال الدين الى الهند اجتمع اليه شراد [2] العساكر بكرمان وسار بهم الى العراق فملك خراسان ومازندان كما تقدم وأقام منهمكا في لذاته واستبد الأمراء بالنواحي فاستولى قائم الدين على نيسابور وتغلب يقز بن ايلجي بهلوان على شروان وتملك ينال خطا بهاتر ونظام الملك أسفراين ونصرة الدين بن محمد مستبد بنسا كما مر واستولى تاج الدين عمر بن مسعود التركماني على أبيورد وغياث الدين مع ذلك منهمك في لذاته وسارت اليه عساكر التتر فخرج لهم عن العراق الى بلاد الجبل واكتسحوا سائر جهاته واشتط عليه الجند وزادهم في الاقطاع والإحسان فلم يشبعهم وأظهروا الفساد وعاثوا في الرعايا وتحكمت أم السلطان غياث الدين في الدولة لاغفاله أمرها واقتفت طريقة تركمان خاتون أم السلطان خوارزم شاه وتلقبت بلقبها خداوند جهان الى أن جاء السلطان جلال الدين فغلب عليه كما قلناه.

** وصول جلال الدين من الهند الى كرمان وأخباره بفارس والعراق مع أخيه غياث الدين **

ولما فارق جلال الدين الهند كما قلناه سنة احدى وعشرين وسار الى المفازة وخلص منها الى كرمان بعد أن لقي بها من المتاعب والمشاق ما لا يعبر عنه وخرج معه أربعة آلاف راكب على الحمير والبقر ووجد بكرمان براق الحاجب نائب أخيه غياث الدين وكان من خبر براق هذا أنه كان حاجبا لكوخان ملك الخطا وسفر عنه الى خوارزم شاه فأقام عنده ثم ظفر خوارزم شاه بالخطا وولاه حجابته ثم صار الى خدمة ابنه غياث الدين ترشه بمكران فأكرمه ولما سار جلال الدين الى الهند ورجع عنه التتر سار غياث الدين لطلب العراق فاستناب براق في

كرمان فلما جاء جلال الدين من الهند اتهمه وهم بالقبض عليه فنهاه عن ذلك وزيره شرف الملك فخر الدين علي بن أبي القاسم الجندي خواجا جهان أن يستوحش الناس لذلك ثم سار جلال الدين الى شيراز وأطاعه صاحبها برد الاتابك وأهدى له وكان أتابك فارس سعد بن زنكي قد استوحش من غياث الدين فاصطلحه جلال الدين وأصهر اليه في ابنته ثم سار الى أصبهان فأطاعه القاضي ركن الدين مسعود يستعطفه وأهدى له سلب طولي خان بن جنكزخان الذي قتل في حرب بزوان كما مر وفرسه وسيفه ودس الى الأمراء الذين معه بالاستمالة فمالوا اليه ووعدوه بالمظاهرة ونمى الخبر الى غياث الدين فقبض على بعضهم ولحق الآخرون بجلال الدين فجاءوا به الى المخيم فمال اليه أصحاب غياث الدين وعساكره واستولى على مخيمه وذخائره وأمه ولحق غياث الدين بقلعة سلوقان وعاتب جلال الدين أمه في فراره فاستدعته وأصلحت بينهما ووقف غياث الدين موقف الخدمة لأخيه السلطان جلال الدين وجاء المتغلبون بخراسان والعراق وأذعنوا الى الطاعة وكانوا من قبل مستبدين على غياث الدين فاختبر السلطان طاعتهم وعمل فيها على شاكلتها والله أعلم.

** استيلاء ابن آبنايخ على نسا **

كان نصرة الدين بن محمد قد استولى على نسا بعد ابن عمه اختيار الدين كما مر واستناب في أموره محمد بن أحمد النسائي المنشي صاحب التاريخ المعتمد عليه في نقل أخبار خوارزم شاه وبنيه فأقام فيها تسع عشرة سنة مستندا على غياث الدين ثم انتقض عليه وقطع الخطبة له فسرح اليه غياث الدين العساكر مع طوطي بن آبنايخ وأنجده بأرسلان وكاتب المتغلبين بمساعدته فراجع نصرة الدين محمد بن حمزة نفسه وبعث نائبة محمد بن أحمد المنشي الى غياث الدين بمال صالحه عليه فبلغه الخبر في طريقه بوصول جلال الدين واستيلائه على غياث الدين فأقام بأصبهان ينتظر صلاح السابلة وزوال الثلج ثم سار الى همذان فوجد السلطان غائبا في غزو الاتابك بقطابستي وكان من خبره أنه صهر الى غياث الدين على أخته كما قدمنا فهرب بعد خلعه الى آذربيجان واتفق هو والاتابك سعد وسار اليهما جلال الدين فخالفه الأمير ايغان طائسي الى همذان وسار الى جلال الدين وكبسه هنالك فأخذه ثم أمنه وعاد الى مخيمه ولقيه وافد نصرة الدين على بلاد نسا وما يتاخمها وبعث الى ابن آبنايخ بالافراج عن نسا ثم بلغ الخبر بعد يومين بهلاك نصرة الدين واستيلاء ابن آبنايخ على نسا.

** مسير السلطان جلال الدين الى خوزستان ونواحي بغداد **

ولما استولى السلطان جلال الدين على أخيه غياث الدين واستقامت أموره سار الى خوزستان شاتيا وحاصر قاعدتها مظفر الدين وجه السبع مولى الخليفة الناصر وانتهت سراياه في الجهات الى بادرايا والى البصرة فأوقع بهم تلكين [1] نائب البصرة وجاءت عساكر الناصر مع مولاه جلال الدين قشتمر وخاموا عن اللقاء وأوفد ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود السوي العارض على الخليفة ببغداد عاتبا وكان في مقدمته جهان بهلوان فلقي في طريقه جمعا من العرب وعساكر الخليفة فرجع وأوقع بهم ورجعوا الى بغداد وجيء بأسرى منهم الى السلطان فأطلقهم واستعد أهل بغداد للحصار وسار السلطان الى يعقوبا على سبع فراسخ من بغداد ثم الى دقوقا فملكها عنوة وخربها وقاتلت بعوثه عسكر تكريت وترددت الرسل بينه وبين مظفر الدين صاحب اربل حتى اصطلحوا واضطربت البلد بسبب ذلك وأفسد العرب السابلة وأقام ضياء الملك ببغداد الى أن ملك السلطان مراغة والله تعالى أعلم.

** أولية الوزير شرف الدين **

هذا الوزير هو فخر الدين علي بن القاسم خواجه جهان ويلقب شرف الملك أصله من أصفهان وكان أول أمره ينوب عن صاحب الديوان بها وكان نحيب الدين الشهرستاني وزير السلطان وابنه بهاء الملك وزير الجند وفخر الدين هذا يخدمه بها ثم تمكن من منصب الإفتاء وطمح الى مغالبة نجيب الدين على الوزارة وسعى عند السلطان بأنه تناول من جبايتها مائتي ألف دينار فسامحه بها السلطان ولم يعرض له ثم سعى بفخر الدين ثانية فولى وزارة الجند وأقام بها أربع سنين حتى عبر السلطان الى بخارى فكثرت به الشكايات فأمر بالقبض عليه فاختفى ولحق بالطالقان الى أن اتصل بجلال الدين حين كان بغزنة بعد مهلك ابنه فرتبه في الحجابة الى أن أجاز بحر السند وكان وزيره شهاب الدين الهروي فقتله قباجة ملك الهند كما مر واستوزر جلال الدين مكانة فخر الدين هذا ولقبه شرف الملك ورفع رتبته على الوزراء وموقفه وسائر آدابه وأحواله.

** عود التتر الى الري وهمذان وبلاد الجبل **

وبعد رجوع التتر المغربة من أذربيجان وبلاد قفجاق وسروان كما قدمناه وخراسان يومئذ فوضى ليس بها ولاة الا متغلبون من بعض أهلها بعد الخراب الأول والنهب فعمروها فبعث جنكزخان عسكرا آخر من التتر اليها فنهبوها ثانيا وخربوها وفعلوا في ساوة وقاشان وقم مثل ذلك ولم يكن التتر أولا أصابوا منها ثم ساروا الى همذان فاجفل أهلها وأوسعوها نهبا وتخريبا وساروا في اتباع أهلها الى أذربيجان وكبسوهم في حدودها فأجفلوا وبعضهم قصد تبريز فسار التتر في اتباعهم وراسلوا صاحبها ازبك بن البلهوان في إسلام من عنده فبعث بهم بعد ان قتل جماعة منهم وبعث برءوسهم وصانعهم بما أرضاهم فرجعوا عن بلاده والله تعالى أعلم.

** وقائع أذربيجان قبل مسير جلال الدين اليها **

لما رجع التتر من بلاد قفجاق والروس وكانت طائفة من قفجاق لما افترقوا وفروا أمام التتر ساروا الى درنبر شروان واسم ملكه يومئذ رشيد وسألوه المقام في بلاده وأعطوه الرهن على الطاعة فلم يجبهم ريبة بهم فسألوه الميرة فأذن لهم فيها فكانوا يأتون اليها زرافات وتنصح له بعضهم بأنهم يرومون الغدر به وطلب منه الانجاد بعسكره وسار في أثرهم فأوقع بهم وهم باخلون بالطاعة فرجع ذلك القفجاقي بالعسكر ثم بلغه انهم رحلوا من مواضعهم فاتبعهم ثانيا بالعساكر حتى أوقع بهم ورجع الى رشيد ومعه جماعة منهم مستأمنين وقد اختفى فيهم كبير من مقدميهم وتلاحق به جماعة منهم فاعتزموا على الوثوب فهرب خائفا ولحق ببلاد شروان واستولت طائفة القفجاق على القلعة وعلى مخلف رشيد فيها من المال والسلاح واستدعوا أصحابهم فلحقوا بهم واعتزموا وقصدوا قلعة الكرج فحاصروها وخالفهم رشيد الى القلعة فملكها وقتل من وجد بها منهم فعادوا من حصار تلك المدينة الى درنبر وامتنعت عليهم القلعة فرجعوا الى تلك المدينة فاكتسحوا نواحيها وساروا الى كنجة من بلاد اران وفيها مولى لازبك صاحب أذربيجان فراسلوه بطاعة ازبك فلم يجبهم اليها وعدد عليهم ما بدر منهم في الغدر ونهب البلاد واعتذروا بأنهم انما غدروا شروان لانه منعهم الجواز الى صاحب أذربيجان وعرضوا عليه الرهن فجاءهم بنفسه ولقوة في عدد قليل فعدا عن محال التهمة فبعث بطاعتهم الى سلطانه وبعث بذلك الى أزبك وجاء بهم الى كنجة فأفاض فيهم الخلع والأموال وأصهر اليهم وأنزلهم بجبل كيكلون وجمع لهم الكرج فآواهم الى كنجة ثم

سار اليهم أمير من أمراء قفجاق ونال منهم فرجعوا الى جبل كيكلون وسار القفجاق الذين كبسوهم الى بلاد الكرج فاكتسحوها وعادوا فاتبعهم الكرج واستنقذوا الغنائم منهم وقتلوا ونهبوا فرحل القفجاق الى بردعة وبعثوا الى أمير كنجة في المدد على الكرج فلم يحبهم فطلبوا رهنهم فلم يعطهم فمدوا أيديهم في المسلمين واسترهنوا أضعاف رهنهم وثار بهم المسلمون من كل جانب فلحقوا بشروان وتخطفهم المسلمون والكرج وغيرهم فافنوهم وبيع سبيهم وأسراهم بأبخس ثمن وذلك كله سنة تسع عشرة وكانت مدينة فيلقان من بلاد اران فأخر بها التتر كما قدمناه وساروا عنها الى بلاد قفجاق فعاد اليها أهلها وعمروها وسار الكرج في رمضان من هذه السنة اليها فملكوها وقتلوا أهلها وخربوها واستفحل الكرج ثم كانت بينهم وبين صاحب خلاط غازي بن العادل بن أيوب واقعة هزمهم فيها وأثخن فيهم كما يأتي في دولة بني أيوب ثم انتقض على شروان شاه ابنه وملك البلاد من يده فسار الى الكرج واستصرخ بهم وساروا معه فبرز ابنه اليهم فهزمهم واثخن فيهم فتشاءم الكرج بشروان شاه فطردوه عن بلادهم واستقر ابنه في الملك واغتبط الناس بولايته وذلك سنة اثنتين وعشرين ثم سار الكرج من تفليس الى أذربيجان وأتوها من الاوعار والمضايق يظنون صعوبتها على المسلمين فسار المسلمون وولجوا المضايق اليهم فركب بعضهم بعضا منهزمين ونال المسلمون منهم أعظم النيل وبينما هم يتجهزون لاخذهم الثأر من المسلمين وصلهم الخبر بوصول جلال الدين الى مراغة فرجعوا الى مراسلة ازبك صاحب أذربيجان في الاتفاق على مدافعته وعاجلهم جلال الدين عن ذلك كما نذكره ان شاء الله تعالى.

** استيلاء جلال الدين على أذربيجان وغزو الكرج **

قد تقدم لنا مسير جلال الدين في نواحي بغداد وما ملك منها وما وقع بينه وبين صاحب اربل من الموافقة والصلح ولما فرغ من ذلك سار الى أذربيجان سنة اثنتين وعشرين وقصد مراغة أولا فملكها وأقام بها وأخذ في عمارتها وكان بغان طابش [1] حال أخيه غياث الدين مقيما بأذربيجان كما مر فجمع عساكره ونهب البلد وسار الى ساحل اران فشتى هنالك ولما عاث جلال الدين في نواحي بغداد كما قدمناه بعث الخليفة الناصر الى بغان طابش وأغراه بجلال الدين وأمره بقصد همذان واقطعه أياما وما يفتحه من البلاد فعاجله جلال الدين وصبحه بنواحي همذان على غرة وعاين الجند فسقط في يده وأرسل زوجته أخت

السلطان جلال الدين فاستأمنته له فآمنه وجرد العساكر عنه وعاد الى مراغة وكان ازبك بن البهلوان قد فارق تبريز كرسي ملكه الى كنجة فأرسل جلال الدين الى أهل تبريز يأمرهم بميرة عسكره فأجابوا الى ذلك وترددت عساكره اليها فتجمع الناس وشكا أهل تبريز الى جلال الدين ذلك فأرسل اليهم شحنة يقيم عندهم للنصفة بين الناس وكانت زوجة ازبك بنت السلطان طغرلبك بن ارسلان وقد تقدم ذكرها في أخبار سلفها مقيمة بتبريز حاكمة في دولة زوجها ازبك ثم ضجر أهل تبريز من الشحنة فسار جلال الدين اليها وحاصرها خمسا واشتد القتال وعابهم بما كان من إسلام أصحابه الى التتر فاعتذروا بأن الأمر في ذلك لغيرهم والذنب لهم ثم استأمنوا فآمنهم وأمر ببنت السلطان طغرل وأبقى لها مدينة طغرل الى خوي كما كانت وجمع ما كان لها من المال والاقطاع وملك تبريز منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وبعث بنت السلطان طغرل الى خوي مع خادميه فليح وهلال وولى على تبريز ربيبها نظام الدين ابن أخي شمس الدين الطغرائي وكان هو الذي داخله في فتحها وأفاض العدل في أهلها وأوصلهم اليها وبالغ في الإحسان اليهم ثم بلغه آثار الكرج في أذربيجان واران وأرمينية ودرنبر شروان وما فعلوه بالمسلمين فاعتزم على غزوهم وبلغه اجتماعهم برون فسار اليهم وعلى مقدمته جهان بهلوان الكعبي فلما تراءى الجمعان وكان الكرج على جبل لم يستهلوه فتسنمت اليهم العساكر الاوعار فانهزموا وقتل منهم أربعة آلاف أو يزيدون وأسر بعض ملوكهم واعتصم ملك آخر منهم ببعض قلاعهم فجهز جلال الدين عليها عسكرا لحصارها وبعث عساكره في البلاد فعاثوا فيها واستباحوها.

** فتح السلطان مدينة كنجة ونكاحه زوجة ازبك **

لما فرغ السلطان من أمر الكرج واستولى على بلادهم وكان قد ترك وزيره شرف الدين بتبريز للنظر في المسالح وولى عليها نظام الملك الطغرائي فقصد الوزير به وكتب الى السلطان بأنه وعمه شمس الدين داخلوا أهل البلد في الانتقاض واعادة ازبك لشغل السلطان بالكرج فلما بلغ ذلك الى السلطان أسره حتى فرغ من أمر الكرج وترك أخاه غياث الدين نائبا على ما ملك منها وآمره بتدويخ بلادهم وتخريبها وعاد الى تبريز فقبض على نظام الملك الطغرائي وأصحابه فقتلهم وصادر شمس الدين على مائة ألف وحبسه بمراغة ففر منها الى ازبك ثم لحق ببغداد وحج سنة خمس وعشرين وبلغ السلطان تنصله في المطاف ودعاؤه على نفسه أن كان فعل شيئا من ذلك فأعاده الى تبريز ورد عليه أملاكه ثم بعثت اليه زوجة ازبك في

الخطبة وأن ازبك حنث فيها بالطلاق فحكم قاضي تبريز عز الدين القزويني بحلها للنكاح فتزوجها السلطان جلال الدين وسار اليها فدخل في خوي ومات ازبك لما لحقه من الغم بذلك ثم عاد السلطان الى تبريز فأقام بها مدة ثم بعث العساكر مع ارخان الى كنجة من أعمال نقجوان وكان بها ازبك ففارقها وترك بها جلال الدين القمي نائبا فملكها عليه ارخان واستولى على أعمالها مثل وشمكور وبردعة وشنة وانطلقت أيدي عساكره في النهب فشكا ازبك الى جلال الدين فكتب الى ارخان بالمنع من ذلك وكان مع ارخان نائب الوزير الى السلطان فعزل ارخان وذهب مغاضبا الى أن قتلته الإسماعيلية وفي آخر رمضان من سنة اثنتين وعشرين توفي الخليفة الناصر لسبع وأربعين سنة من خلافته واستخلف بعده ابنه الظاهر أبو نصر محمد بعهده اليه بذلك كما مر في أخبار الخلفاء.

** استيلاء جلال الدين على تفليس من الكرج بعد هزيمته إياهم **

كان هؤلاء الكرج اخوة الأرمن وقد تقدم نسبة الأرمن الى إبراهيم عليه السلام وكان لهم استطالة بعد الدولة السلجوقية وكانوا من أهل دين النصرانية فكان صاحب أرمن الروم يخشاهم ويدين لهم بعض الشيء حتى ان ملك الكرج كان يخلع عليه فيلبس خلعته وكان شروان صاحب الدربند يخشاهم وكذلك ملكوا مدينة أرجيش من بلاد ارمينية ومدينة فارس وغيرها وحاصروا مدينة خلاط قاعدتها فأسر بها مقدمهم ايواي وفادوه بالرحيل عنهم بعد ان اشترطوا عليه متابعته لهم في قلعة خلاط فبنوها وكذلك هزموا ركن الدولة فليحا ارسلان صاحب بلاد الروم لما زحف لأخيه طغرل شاه بارزن الروم استنجدهم طغرل فأنجدوه وحزموا ركن الدين أعظم ما كان ملكا واستفحالا وكانوا يجوسون خلال أذربيجان ويعيثون في نواحيها وكان ثغر تفليس من أعظم الثغور طرزا على من يجاوره منذ عهد الفرس وملكه الكرج سنة خمس عشرة وخمسمائة أيام محمود بن ملك شاه ودولة السلجوقية يومئذ أفحل ما كانت وأوسع ايالة وأعمالا فلم يطق ارتجاعه من أيديهم واستولى ايلدكز بعد ذلك وابنه البهلوان على بلاد الجبل والري وأذربيجان وأران وارمينية وخلاط وجاورهم بكرسيه ومع ذلك لم يطلق ارتجاعه منهم فلما جاء السلطان جلال الدين الى أذربيجان وملكها زحف الى الكرج وهزمهم سنة اثنتين وعشرين وعاد الى تبريز في مهمه كما قدمناه فلما فرغ من مهمه ذلك وكان قد ترك العساكر ببلاد الكرج مع أخيه غياث الدين ووزيره شرف الدين فأغذ

السير اليه غازيا من تبريز وقد جمع الكرج واحتشدوا وأمدهم القفجاق واللكز وساروا للقاء فلما التقى الفريقان انهزم الكرج وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب ولم يبقوا على أحد حتى استلحموهم وافنوهم ثم قصد جلال الدين تفليس في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين ونزل قريبا منها وركب يوما لاستكشاف أموالها وترتيب مقاعد القتال عليها وأكمن الكمائن حولها واطلع عليهم في خف من العسكر فطمعوا فيه وخرجوا فاستطرد لهم حتى تورطوا والتفت عليهم الكمائن فهربوا الى البلد والقوم في اتباعهم ونادى المسلمون من داخلها بشعار الإسلام وهتفوا باسم جلال الدين فالقى الكرج بأيديهم وملك المسلمون البلد وقتلوا كل من فيها الا من اعتصم بالإسلام واستباحوا البلد وامتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى والسبايا وكان ذلك من أعظم الفتوحات هذه سياقة ابن الأثير في فتح تفليس وقال النسائي الكاتب أن السلطان جلال الدين سار نحو الكرج فلما وصل نهر أرس مرض واشتد الثلج ومر بتفليس فبرز أهلها للقتال فهزمهم العساكر وأعجلوهم عن دخولها فملكوها واستباحوها وقتلوا من كان فيها من الكرج والأرمن واعتصم أهلها بالقلعة حتى صالحوا على أموال عظيمة فحملوها وتركوهم.

** انتقاض صاحب كرمان ومسير السلطان اليه **

ولما اشتغل السلطان جلال الدين بشأن الكرج وتفليس طمع براق الحاجب في الانتقاض بكرمان والاستيلاء على البلاد وقد كنا قدمنا خبره وان غياث الدين استخلفه على كرمان عند مسيره الى العراق وان جلال الدين لما رجع من الهند ارتاب به وهم بالقبض عليه ثم تركه وأقره على كرمان فلما انتقض الآن وبلغ خبره الى السلطان وهو معتزم على قصد خلاط فتركها وأغذ السير اليه واستصحب أخاه غياث الدين ووعده بكرمان وترك مخلفه بكيكلون وترك وزيره شرف الدين بتفليس وأمره باكتساح بلاد الكرج وقدم الى صاحب كرمان بالخلع والمقاربة والوعد فارتاب بذلك ولم يطمئن وقصد بعض قلاعه فاعتصم بها ورجع الرسول الى جلال الدين فلما علم أن المكيدة لم تتم عليه أقام بأصبهان وبعث اليه وأقره على ولايته وعاد وكان الوزير شرف الدين بتفليس كما قلناه وضاق الحل به من الكرج وأرجف عند الأمراء بكيكلون أن الكرج حاصروه بتفليس فسار ارخان منهم في العساكر الى تفليس ثم وصل البشير من نقجوان برجوع السلطان من العراق فأعطاه الوزير أربعة آلاف دينار ثم افترقت العساكر في بلاد الكرج وبها ايواني مقدمهم مع بعض أعيانهم وبعث عسكرا آخر

الى مدينة فرس واشتد عليها الحصار ثم جمر العساكر عليها وعاد الى تفليس.

** مسير جلال الدين الى حصار خلاط **

كانت خلاط في ولاية الأشرف بن العادل بن أيوب وكان نائبة بها حسام الدين علي الموصلي وكان الوزير شرف الدين حين أقام بتفليس عند مسير جلال الدين الى كرمان ضاقت على عساكره الميرة فبعث عسكرا منهم الى أعمال أرزن الروم فاكتسحوا نواحيها ورجعوا فمروا بخلاط فخرج نائبها حسام الدين واعترضهم واستنقذ ما معهم من الغنائم وكتب الوزير شرف الدين بذلك الى جلال الدين وهو بكرمان فلما عاد جلال الدين من كرمان وحاصر مدينة اني استقر حسام الدين نائب خلاط للامتناع منه فارتحل هو الى بلاد انحاز ليأتيه على غرة ورحل جلال الدين من انحاز فسار الى خلاط وحاصر مدينة ملاذ كرد في ذي القعدة من السنة وانتقل منها الى مدينة خلاط وحاصرها وضيق مخنقها وقاتلها مرارا واشتد أهل البلد في مدافعته لما يعملون من سيرة الخوارزمية الالوائية وكانوا متغلبين على الكثير من بسائط ارمينية وأذربيجان فبلغه أنهم أفسدوا البلاد وقطعوا السابلة وأخذوا الضريبة من أهل خوي وخربوا سائر النواحي وكتب اليه بذلك نوابه وبنت السلطان طغرل زوجته فلما رحل عن خلاط قصدهم على غرة قبل أن يصعدوا الى حصونهم بجبالهم الشاهقة فأحاطت بهم العساكر واستباحوهم واقتسموهم بين القتل والغنيمة وعاد الى تبريز.

** دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقها **

ولما عاد السلطان من خلاط وغزو التركمان فرق عساكره للمشتى وكان الأمراء أساءوا السيرة الى تفليس وهرب العسكر الذين بها واستلحموا بقيتهم وخربوا البلاد وحرقوها لعجزهم عن حمايتها من جلال الدين وذلك في ربيع سنة أربع وعشرين وستمائة وعند النسائي الكاتب أن استيلاء الفرنج على تفليس وإحراقهم إياها كان والسلطان جلال الدين على خلاط وانه لما بلغه ذلك رجع وأغار على التركمان في طريقه لما بلغه من افسادهم فنهب أموالهم وساق مواشيهم الى موقان وكان خمسها ثلاثين ألفا ثم سار الى خوي لملاقاة بنت طغرل ثم سار الى كنجة فبلغه الخبر بانصراف الكرج على تفليس بعد إحراقها قال ولما وصل كنجة قدم عليه هنالك خاموش بن الاتابك ازبك بن البهلوان مؤديا منطقة بلخش قدر الكف مصنوعا عليه منقوشا اسم كيكاوس وجماعة من ملوك الفرس فغير السلطان صناعتها ونقشها على اسمه

وكان يلبس تلك المنطقة في الأعياد وأخذها التتر يوم كبسوه وحملت الى الخان الأعظم ابن جنكزخان بقراقرم وأقام خاموش في خدمة السلطان الى أن صرعة الفقر ولحق بعلاء الملك ملك الإسماعيلية فتوفي عنده انتهى كلام النسائي.

** أخبار السلطان جلال الدين مع الإسماعيلية **

كان السلطان جلال الدين بعد وصوله من الهند ولى ارخان على نيسابور وأعمالها وكان وعده بذلك بالهند فاستخلف عليها وأقام مع السلطان وكان نائبة بها يتعرض لبلاد الإسماعيلية المتاخمة له بهستان وغيرها بالنهب والقتل فأوفدوا على السلطان وهو بخوي وقد أمنهم يشكون من نائب ارخان وأساء عليهم ارخان في المجاورة ولما عاد السلطان الى كنجة وكان قد أقطعها وأعمالها لارخان فلما خيم بظاهرها وثب ثلاثة من الباطنية ويسمون الفداوية لانهم يقتلون من أمرهم أميرهم بقتله ويأخذون فديتهم منه وقد فرغوا عن أنفسهم فوثبوا به فقتلوه وقتلتهم العامة وكانت الإسماعيلية قد استولوا على الدامغان أيام الفتنة ووصل رسولهم بعد هذه الواقعة الى السلطان وهو ببيلقان فطالبهم بالنزول على الدامغان فطلبوا ضمانها بثلاثين ألف دينار وقررت عليهم وكان الرسول الوافد في خدمة الوزير وهم راجعون الى أذربيجان فاستخفه الطرب ليلة وأحضر له خمسة من الفداوية معه بالعسكر وبلغ خبرهم السلطان فأمره بإحراقهم انتهى كلام النسائي وقال ابن الأثير أن السلطان بعد مقتل ارخان سار في العساكر الى بلاد الإسماعيلية من الموت الى كردكوه فاكتسحها وخربها وانتقم منهم وكانوا بعد واقعته قد طمعوا في بلاد الإسلام فكف عاديتهم وقطع اطماعهم وعاد فبلغه أن طائفة من التتر بلغوا الدامغان قريبا من الري فسار اليهم وهزمهم وأثخن فيهم ثم جاء الخبر بأن جموع التتر متلاحقة لحربه فأقام في انتظارهم في الري انتهى.

** استيلاء حسام الدين نائب خلاط على مدينة خوى **

قد تقدم لنا أن بنت السلطان طغرل زوجة ازبك بن البهلوان لما ملك السلطان جلال الدين تبريز من يدها أقطعها مدينة خوى ثم تزوجها بعد ذلك كما قدمناه وتركها لما هو فيه من أشغال ملكه فوجدت لذلك ما فقدته من العز والتحكم قال النسائي الكاتب وأضاف لها السلطان مدينتي سلماس وارمينية وعين رجلا لقبض أقطاعها فتنكر لها وأغرى بها الوزير فكاتب السلطان بأنها تداخل الاتابك ازبك وتكاتبه ثم وصل الوزير الى خوى فنزل بدارها

واستصفى وكانت مقيمة بقلعة طلع فحاصرها وسألت المضي الى السلطان فأبى الا نزولها على حكمه انتهى وكان أهل خوى مع ذلك قد ضجروا من ملكة جلال الدين وجوره وتسلط عساكره فاتفقت الملكة معهم وكاتبوا حسام الدين الحاجب النائب عن الأشرف بخلاط فسار اليهم في مغيب السلطان جلال الدين بالعراق واستولى على مدينة خوى وأعمالها وما يحاورها من الحصون وكاتبه أهل نقجوان وسلموها له وعاد الى خلاط واحتمل الملكة بنت طغرل زوجة جلال الدين الى خلاط الى أن كان ما نذكره.

** واقعة السلطان مع التتر على أصبهان **

ثم بلغ الخبر الى السلطان بأن التتر زحفوا من بلادهم فيما وراء النهر الى العراق فسار من تبريز للقائهم وجرد أربعة آلاف فارس الى الري والدامغان طليعة فرجعوا وأخبروه بوصولهم الى أصبهان فنهض للقائهم واستخلف العساكر على الاستماتة وأمر القاضي بأصبهان باستنفار العامة وبعث التتر عسكرا الى الري فبعث السلطان عسكرا لاعتراضهم فأوقعوا بالتتر فنالوا منهم ثم التقي الفريقان في رمضان سنة خمس وعشرين لرابعة وصولهم الى أصبهان وانتقض عنه أخوه غياث الدين وجهان بهلوان الكجي في طائفة من العسكر وانهزمت مسيرة التتر والسلطان في اتباعهم وكانوا قد أكمنوا له فخرجوا من ورائه وثبت واستشهد جماعة من الأمراء وأسر آخرون وفيهم علاء الدولة صاحب يزد ثم صدق السلطان عليهم الحملة فأفرجوا له وسار على وجهه وانهزمت العساكر فبلغوا فارس وكرمان ورجعت ميمنة السلطان من قاشان فوجدوه قد انهزم فتفرقوا أشتاتا وفقد السلطان ثمانية من فرقه وكان بقاطابستي مقيما بأصبهان فاعتزم أهل أصبهان على بيعته ثم وصل السلطان فاقصروا عن ذلك وتراجع بعض العسكر وسار السلطان فيهم الى الري وكان التتر قد حاصروا أصبهان بعد الهزيمة فلما وصل السلطان خرج معه أهل أصبهان فقاتلوا التتر وهزموهم وسار السلطان في اتباعهم الى الري وبعث العساكر وراءهم الى خراسان وعند ابن الأثير أن صاحب بلاد فارس وهو ابن الاتابك سعد الذي ملك بعد أبيه حضر مع السلطان في هذه الواقعة وأن التتر انهزموا أولا فاتبعهم صاحب فارس حتى إذا أبعدوا انفرد عن العسكر ورجع عنهم فوجد جلال الدين قد انهزم لانحراف أخيه غياث الدين وأمرائه عنه ومضى الى شهرم تلك الأيام ثم عاد الى أصبهان كما ذكرناه

** الوحشة بين السلطان جلال الدين وأخيه غياث الدين **

كان ابتداؤها أن الحسن بن حرميل نائب الغوية بهراة لما قتلته عساكر خوارزم شاه محمد بن تكش وحاصروا وزيره الممتنع بها حتى اقتحموها عليه عنوة وقتلوه، هرب محمد بن الحسن بن حرميل الى بلاد الهند فلما سار السلطان جلال الدين وحظي لديه وأقامه شحنة بأصبهان فلما سار السلطان الى أصبهان للقاء التتر انحرف جماعة من غلمان غياث الدين عنه فصاروا الى نصرة الدين بن حرميل واسترجعهم منه غياث الدين في بيته وطعنه فأشواه ومات لليال وأحفظ ذلك السلطان وأقام غياث الدين مستوحشا فلما كان يوم اللقاء انحرف عن أخيه ولحق بخوزستان وخاطب الخليفة فبعث اليه بثلاثين ألف دينار وسار من هنالك الى قلعة الموت عند صلاح الدين شيخ الإسماعيلية فلما رجع السلطان من وقعة التتر الى الري سار الى قلعة الموت وحاصرها فاستأمن علاء الدين الى السلطان لغياث الدين فأمنه وبعث من يأتيه به فامتنع غياث الدين وفارق القلعة واعترضه عساكر السلطان بنواحي همذان وأوقعوا به وأسروا جماعة من أصحابه ونجا الى براق الحاجب بكرمان فتزوج بأمه كرها ونمي اليه أنها تحاول سمه فقتلها وقتل معها جهان بهلوان الكجي وحبس غياث الدين ببعض القلاع ثم قتله بمحبسه ويقال بل هرب من محبسه ولحق بأصبهان وقتل بأمر السلطان قال النسائي وقفت على كتاب براق الحاجب الى الوزير شرف الملك والسلطان بتبريز وهو يعدد سوابقه فعد منها قتله أعدى عدو السلطان والله تعالى ولى التوفيق.

** انتقاض البهلوانية **

لما ارتحل السلطان والوزير شرف الملك معه وانتهى الى همذان بلغه أن الأمراء البهلوانية اجتمعوا بظاهر تبريز يرومون الانتقاض واتبعه خاموش بن الاتابك ازبك من قلعة قوطور وكان مقيما بها فرجع السلطان اليهم وقدم بين يديه الوزير شرف الملك فلقيهم قريبا من تبريز وهزمهم وقبض على الذين تولوا أكبر الفتنة منهم ودخل تبريز قصبتهم وقبض على القاضي المعزول فصادمه قوام الدين الحرادي ابن أخت الطغرائي وصادره وسار السلطان للقاء التتر وأقام الوزير نائبا للبلاد.

** إيقاع نائب خلاط بالوزير **

ولما كان ما ذكرناه من مسير حسام الدين نائب خلاط الى أذربيجان واحتماله زوجة السلطان جلال الدين إلى خلاط امتعض الوزير لذلك فسار الى موقان من بلاد أران وجمع التركمان وفرق العمال للجباية وطلب الحمل من شروان شاه وهو خمسون ألف دينار فتوقف وأغار على بلاده فلم يظفر بشيء ورجع إلى أذربيجان وكانت بنت الأتابك بهلوان في بقجان فارقها مولانا ايدغمش وجاء الى الوزير فأطمعه فيها وصار الوزير مضمرا الغدر بها وامتنعت عليه ونزل بالمرج فأكرمته وقربته ورحل الى حورس من أعمالها وكانت للأشرف صاحب خلاط أيام أزبك فانتشرت أيدي العسكر في تلك الضياع وقاتلها الوزير وجاء الحاجب صاحب خلاط في عساكره فانهزم الوزير ترك أثقاله وذلك سنة أربع وعشرين وكان مع الحاجب فخر الدين سام صاحب حلب وهشام الدين خضر صاحب تبريز برم وكان الوزير [1] وتكاليفه فظهر الآن بمخلفه وخلص الوزير الى أران وسار الحاجب على في اتباعه ثم عاد الى تبريز ومر بخوي فنهبها ثم سار الى بقجان فملكها ثم الى تدمر كذلك وأقام الوزير بتبريز وكان بها الاتابك ازبك متنسكا منعه أهل تبريز من الدخول وحملوا اليه النفقة ثم جاء الخبر برجوع السلطان الى أصبهان بعد الهزيمة كما مر فسار الوزير الى أذربيجان ولقي ثلاثة من الأمراء جاءوا مددا له من عند السلطان وأمره بحصار خوى فسار اليها وبها نائب الحاجب حسام الدين صاحب خلاط وهو بدر الدين بن صرهنك والحاجب حسام الدين على منوشهر فنهض اليه الوزير من خوى فتأخر الى تركري والتقيا هنالك فانهزم الحاجب ودخل تركري فاعتصم بها وحاصره الوزير وطلب الصلح فلم يسعفه ورجع الأمراء الذين كانوا معه بعساكرهم الى أذربيجان وأفرج الوزير عن حصار تركري ومر بخوي وقد فارقها ابن صرهنك الى قلعة قوطور واستأمن للسلطان من بعد ذلك ودخل الوزير مدينة خوى وصادر أهلها وسار الى ترمذ ونقجوان ففعل فيهما مثل ذلك وانقطعت ايالة الحاجب صاحب خلاط والله أعلم.

** فتوحات الوزير بآذربيجان واران **

ولما تخلف الوزير عن السلطان صرف همته الى تمهيد البلاد ومدافعة صاحب خلاط وارتجاع البلاد التي ملك من آذربيجان واران وفتح القلاع العاصية فكان بينه وبين الحاجب حسام الدين صاحب خلاط ما ذكرناه وهو خلال ذلك يستميل أصحاب القلاع ويفيض فيهم الأموال والخلع حتى أجاب أكثرهم ثم قبض على ناصر الدين محمد من أمراء البهلوانية وكان معتزلا عند نصرة الدين محمد بن سبكتكين فصادره على مال وتسلم من نائبة قلعة كانت بيده ثم مات نائب السلطان بكنجة آقسنقر الاتابكي فنهض اليها وقبض على نائبة شمس الدين كرشاسف وصادره وتسلم منه قلعة هردوجاربرد من أعمال اران ثم جر العساكر لحصار قلعة زونين وبها زوجة السلطان خاموش فأطال حصارها وعرضت عليه نكاحها فأبى ولما رجع السلطان من العراق تزوجها وولى خادمه سعد الدين على القلعة فأساء اليها وانتزع أملاكها فأخرجوه وعادوا الى الانتقاض ولما خلص الوزير من واقعته مع الحاجب نائب خلاط قصد أران فجبى الأموال وجمع واحتشد وقصد قلعة مردانقين وكانت لصهر الوزير ركبة الدين فصانعه بأربعة آلاف دينار حملها اليه ثم سار الى قلعة حاجين وبها جلال الدولة ابن أخت أبواني أمير الكرج فصالحه على عشرين ألف دينار وسبعمائة أسير من المسلمين ثم كانت فتنة البهلوانية فسكنها وسرح الجند عنها وشرح الخبر عنها أن بعض مماليك أتابك ازبك كان قد أفحش في قتل الخوارزمية بأذربيجان عند زحفهم اليها أيام فرارهم من التتر فلما ملك السلطان جلال الدين أذربيجان ومحاملك البهلوانية منها لحق الأمير مقدي هذا بالأشرف بن العادل بن أيوب صاحب الشام وأقام عنده فلما بلغه انهزام الوزير شرف الملك أمام الحاجب حسام الدين نائب الأشرف بخلاط فر من الشام الى آذربيجان ليقيم مع الاتابكية ومر بالحاجب في خوى فاتبعه وعبر النهر وخاطب من عدوته معتذرا فرجع عنه ودخل مقدي بلاد قبار وفيها قلاع استولى عليها المنتقضون والعصاة فراسلهم في اقامة الدعوة الاتابكية والبيعة لابن خاموش بن ازبك يستدعونه من قلعة قوطور واتصل ذلك بالوزير فأقلقه ثم جاء خبر هزيمة السلطان بأصبهان فازداد قلقا وسار الأمير مقدي الى نصرة الدين محمد بن سبكتكين يدعوه لذلك فلاطفه في القول وكتب للوزير بالخبر فأجابه بأن يضمن لمقدي ما أحب في مراجعة الطاعة ففعل وجاء به الى الوزير فأكرمه وخلع عليه وعلى من جاء معه وعاهده على العفو عن دماء الخوارزمية وجاء الخبر

برجوع السلطان من أصبهان فارتحل الوزير للقائه ومعه الأمير مقدي وابن سبكتكين وأكرمهما السلطان.

** أخبار الوزير بخراسان **

كان صفي الدين محمد الطغرائي وزيرا بخراسان وأصل خبره انه كان قرية من كلاجرد وأبوه رئيسها وكان هو حسن الخط ورتبة الأطوار ثم لحق بالسلطان في الهند وخدم الوزير شرف الملك فلما عادوا الى العراق ولاه الطغرائي ولما ملك السلطان تفليس من يد الكرج ولى عليها آقسنقر مملوك الاتابك ازبك وأقام صفي الدين في وزارتها فلما حاصرها الكرج هرب آقسنقر وأقام صفي الدين فحاصروه أياما ثم أفرجوا ووقع ذلك من السلطان أحسن المواقع وولاه وزارة خراسان فأقام بها سنة وضجر منه أهلها فلما جاء السلطان الى الري وأقام بها كثرت به الشكايات ونكبه السلطان واستصفي أمواله وقبض على مواليه وحاشيته وقيدت خيله الى مرابط السلطان وكانت ثلاثمائة وخلص من مواليه على الكرماني الى قلعة كان حصنها فامتنع بها واستوزر السلطان مكانه تاج الدين البلخي المستوفي وسلم اليه الصفي ليستصفيه ويقلع القلعة من مولاه وشدد في امتحانه وكان عدوه فلم يظفر منه بشيء وكان لما نكب طالبه خاتون السلطان بإحضار الجواهر وما ساقه لخدمة الوزير وغيره فاحضر أربعة آلاف دينار وسبعين فصا من ياقوت وبلخش واستأثر الخازن بها الظنة أنه مقتول ثم كاتب الصفي أرباب الدولة ووعدهم بالأموال فشفعوا فيه وخلصوه وكتب السلطان بخطه بسراحه فجاء واستخلص ماله من الخازن الا الفصوص فأنه تعذر عليه ردها وولى السلطان على وزارة نسا محمد بن مودود النسوي العارض من بيت رياسة بها ورمت به الحادثة الى غزنة فلما جاء السلطان من الهند ولاه الإنشاء والحبس وعظم أمره وغص به الوزير شرف الملك فلما ورد أحمد بن محمد المنشي الكاتب رسولا عن نصرة الدين محمد بن حمزة صاحب نسا كما مر ولاه السلطان الإنشاء فارتمض لذلك ضياء الدين وطلب وزارة نسا فولاه السلطان إياها وأقطع له عشرة آلاف دينار في السنة زيادة على أرزاق الوزارة وذهب اليها لإقامة وظيفته واستناب في ديوان العرض مجد الملك النيسابورى ثم قطع الحمل فعزله السلطان وولي مكانه الكاتب أحمد بن محمد المنشئ وتعرض للسعاية فيه فطرده السلطان وهلك في طرده.

** خبر بلبان صاحب خلخال **

كان من أتابكية ازبك ولما كانت فتنة التتر وخلاء خراسان واستيلاء السلطان جلال الدين

على آذربيجان لحق بمدينة خلخال فاستولى عليها وعلى قلاعها وشغل عنه السلطان بأمر العراق وصاحب خلاط فلما انصرف المسلمون من واقعة التتر بالعراق حاصروه بقلعة فيروزاباذ حتى استأمن وملكها السلطان وولى عليها حسام الدين بكتاش مولى سعد أتابك فارس ثم خلف السلطان أثقاله بموقان وتجرد لخلاط وعاقه البردبار جيش فنهب بعض قلاع وكان عز الدين الخلخالي في كفر طاب قريبا من أرجيش فلحق بخلاط وجهزه الحاجب الى آذربيجان يشغلهم باثارة الفتنة فيها فلم يتم قصده من ذلك فلحق بجبال زنجان وأقام يخيف السابلة وكتب له السلطان بالأمان ونزل الى أصبهان فبعث نائبها شرف الدولة برأسه الى السلطان ثم رجع السلطان من كفر طاب الى خرت برت فنهبها وخربها ووصله خلال ذلك الخبر بوفاة الخليفة الظاهر منتصف ثلاث وعشرين وولاية ابنه المنتصر وجاءه كتابه بأخذ البيعة وأن يبعث اليه بالخلع والله تعالى ولى التوفيق لا رب غيره.

** تنكر السلطان للوزير شرف الملك **

لما رجعت العساكر الى موقان وأقام السلطان بخوي شكا اليه أهلها بكثرة مصادرة الوزير لهم واطلع على إساءته للملكة بنت طغرل واستصفائه مالها مع براءتها مما نسب اليها ثم جاء الى تبريز فبلغه عنه أكثر من ذلك وهو بقرية كورتان من أعمالها فافتقد رئيسها وكان يخدمه فقيل أن الوزير صادره على ألف دينار لمملوكين له فلما وصل الى تبريز حبس من أخذها حتى ردها على صاحبها وأسقط عن أهل تبريز خراج ثلاث سنين وكتب لهم بذلك وكثرت الشناعات على الوزير بما فعله في مغيب السلطان هذا مع ما كان منه في محاربة الإسماعيلية بأن السلطان كاتبه من بغداد بأن يفتش فلول الشام من أجل رسول من عند التتر بعثوه الى الشام وقصد بذلك معاتبة الخليفة إن عثر على الرسول فمر به فل الإسماعيلية فقتلهم واستولى على أموالهم فلما عاد السلطان الى آذربيجان وصله رسول علاء الدين ملك الإسماعيلية يعاتبه على ذلك ويطلب المال فنكر السلطان على الوزير ما فعله ووكل به أميرين حتى رد ما أخذ من أموالهم وكانت ثلاثين ألف دينار وعشرة أفراس فانطوى السلطان للوزير من ذلك كله على سخط وأعرض عن خطابه وكان يكاتب فلا يجاب وعجزت تبريز عن علوفة السلطان فأمر بفتح اهراء الوزير والتصرف فيها ورجع السلطان الى موقان فلم يغير عليه شيئا ووقع له بتناول عشر الخاص فكان يأخذ من عشر العراق سبعين ألف دينار في كل سنة والله أعلم

** وصول القفجاق لخدمة السلطان **

كان للقفجاق على قديم العهد هوى مع قوم هذا السلطان وأهل بيته وكانوا يصهرون اليهم غالبا ببناتهم ومن أجل ذلك استأصلهم جنكزخان واشتد في طلبهم فلما عاد السلطان من واقعة أصبهان وقد هاله أمر التتر رأى أن يستظهر عليهم بقبائل قفجاق وكان في جملته سبيرجنكش منهم فبعثه اليهم يدعوهم لذلك ويرغبهم فيه فأجابوا وجاءت قبائلهم إرسالا وركب البحر كوركان من ملوكهم في ثلاثمائة من قرابته ووصل الى الوزير بموقان فشتى بها ثم جاء السلطان فخلع عليه ورده بوعد جميل في فتح دربند وهو باب الأبواب ثم أرسل السلطان لصاحب دربند وكان طفلا وأتابكه يلقب بالأسد يدبر أمره فقدم على السلطان فخلع عليه وأقطع له وملكه العمل على أن يفتح له الدربند وجهز عساكر وأمراء فلما فصلوا من عنده قبضوا على الأسد وشنوا الغارة على نواحي الباب واعمل الأسد الحيلة وتخلص من أيديهم وتعذر عليهم ما أرادوه.

** استيلاء السلطان على أعمال كستاسفى **

كان علم الوزير يشكر أن السلطان أراد أن ينتصح له ببعض مذاهب الخدمة فسار في العساكر وعبر نهر زاس [1] فاستولى على أعمال كستاسفي من يد شروان شاه فلما عاد السلطان الى موقان أقطعها لجلال الدين سلطان شاه بن شروان شاه وكان أسيرا عند الكرج أسلمه أبوه اليهم على أن يزوجوه بنت الملك رسودان بنت تاماد فلما فتح السلطان بلاد الكرج استخلصه من الأسر ورباه وبقي عنده وأقطعه الآن كستاسفي وكان أيضا عند الكرج ابن صاحب ارزن الروم وكان تنصر فزوجوه رسودان بنت تاماد فأخرجه السلطان لما فتح بلاد الكرج ثم رجع الى ردنة ولحق بالكرج فوجد رسودان قد تزوجت.

** قدوم شروان شاه **

كان السلطان ملك شاه بن البارسلان لما ملك اران أطلق الغارة على بلاد شروان فوفد عليه ملكها أفريدون بن فرتبريز وضمن حمل مائة ألف دينار في السنة فلما ملك السلطان جلال الدين اران سنة اثنتين وعشرين وستمائة طلب شروان شاه أفريدون بالحمل فاعتل بتغلب

الكرج وضعف البلاد فأسقط عنه نصف الحمل فلما عاد الآن قدم عليه شروان شاه وأهدى له خمسمائة فرس وللوزير خمسين فاستقلها وأشار على السلطان بحبسه فلم يقبل إشارته ورده بالخلع والتشريف وأسقط عنه من الحمل عشرين ألفا فبقي ثلاثون قال النسائي الكاتب وأعطاني في التوقيع ألف دينار والله تعالى أعلم.

** مسير السلطان الى بلاد الكرج وحصاره قلاع بهرام **

لما كان السلطان مقيما بموقان منصرفه من آذربيجان بعث عساكره مع ايلك خان فأغار على بلاد الكرج واكتسحها ومر ببحيرة بتاج فكبسه الكرج وأوقعوا به وفقد اريطاني وامتعض السلطان لما وقع بعسكره وارتحل لوقته وقد جمع له الكرج فهزمت مقدمته مقدمتهم وجيء بالأسرى منهم فقتلهم وسار في اتباعهم ونازل كوري وطالبهم بإطلاق أسرى البحيرة فأطلقوهم وأخبر أن اريطاني خلص تلك الليلة الى آذربيجان ثم وجده السلطان في نقجوان ثم سار الى بهران الكرجي وقد كان أغار على نواحي كنجة فعاث في أعماله وحاصر قلعة سكان ففتحها عنوة وكذلك قلعة عليا ثم حاصر قلعة كاك وبعث الوزير لحصار كوزاني فحاصرها ثلاثة أشهر حتى طلبوا الصلح على مال حملوه فرحل عنهم الى خلاط والله أعلم.

** مسير السلطان الى خلاط وحصارها **

ولما فرغ السلطان من شأن الكرج قدم أثقاله الى خلاط على طريق قاقروان وسار هو الى نقجوان وصبح الكرج واستاق مواشيهم ثم أقام أياما وقضى أشغال أهل خراسان والعراق ليفرغ لحصار خلاط قال النسائي الكاتب وحصل لي منهم تلك الأيام ألف دينار ثم ارتحل الى خلاط ولحق بعساكره ولقيه رسول من عز الدين أيبك نائب الأشرف بخلاط وقد كان الأشرف بعثه وأمره بالقبض على نائبها حسام الدين علي بن حماد فقبض عليه ثم قتله غيلة وبعث الى السلطان يستخدم اليه بذلك وان سلطانه الأشرف أمره بطاعة السلطان جلال الدين وبالغ في الملاطفة فأبي السلطان الا إمضاء ما عزم عليه وقال ان كان هذا حقا فابعث الي بالحاجب فلما سمع هذا الجواب قتله وسار السلطان الى خلاط ونزل عليها بعد عيد الفطر من سنة ست وعشرين وجاءه ركن الدين جهان بن طغرل صاحب ارزن الروم فكان معه وحاصرها ونصب عليها المجانيق وأخذ بمخنقها حتى فر أهلها عنها من الجوع وتفرقوا في البلاد

ثم داخله بعض أهلها في أن يمكنهم من بقيتها على أن يؤمنوه ويقطعوه في آذربيجان فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياع هنالك وأصعد الرجال ليلا الى الأسوار فقاتلوا الجند بالمدينة وهزموهم وملكوها وأسروا من كان بها وأسروا النصارى وأسد بن عبد الله وتحصن النائب عز الدين أيبك بالقلعة فآمنه وحبسه بقلعة درقان فلما وقعت المراسلة في الصلح قفل لئلا يشترط وقال ابن الأثير إن مولى من موالي حسام الدين كان هرب الى السلطان فلما ملك خلاط طلب أن يثأر منه بمولاه فدفعه اليه وقتله ونهب البلد ثلاثا وسرح السلطان صاحب ارزن وهرب القمهري من محبسه فقتل أسد بن عبد الله المهراني بجزيرته وأقطع السلطان خلاط للامراء وعاد والله تعالى ولى التوفيق.

** واقعة السلطان جلال الدين مع الأشرف وكيقباد وانهزامه أمامهما **

ولما استولى السلطان جلال الدين على خلاط تجهز الأشرف من دمشق وقد كان ملكها وسار لقتال السلطان جلال الدين في عساكر الجزيرة والشام وذلك في سنة تسع وعشرين ولقيه علاء الدين كيقباد صاحب بلاد الروم على سيراس وكان كيقباد قد خشي من اتصال جهان شاه ابن عمه طغرل صاحب ارزن الروم بالسلطان جلال الدين لما بينهما من العداوة فسار الأشرف وكيقباد من سيراس وفي مقدمة الأشرف عز الدين عمر بن علي من أمراء حلب من الأكراد الهكارية وله صيت في الشجاعة وجاء السلطان علاء الدين للقائهم فلما تراءى الجمعان حمل عز الدين صاحب المقدمة عليهم فهزمهم وعاد السلطان الى خلاط وكان الوزير على ملازكرد يحاصرها فلحق به وارتحلوا جميعا الى آذربيجان وأسر ركن الدين جهان شاه بن طغرل وجيء به الى ابن عمه علاء الدين كيقباد فجاء به الى ارزن فسلمها وسائر أعمالها ووصل الأشرف الى خلاط فوجدها خاوية ولما رجع السلطان الى آذربيجان ترك العساكر مع الوزير سكمان وأقام بخوي وخلص الترك في الهزيمة الى موقان وتردد شمس الدين التكريتي رسول الأشرف بينه وبين السلطان جلال الدين في الصلح بينهم ودخل فيه علاء الدين صاحب الروم وانعقد بينهم جميعا وسلم لهم السلطان سرمن رأى مع خلاط والله تعالى أعلم

** الحوادث أيام حصار خلاط **

منها وفادة نصر الدين اصبهبد صاحب الجبل مع ارخا من أمراء السلطان يصهره على أخيه فقبض السلطان عليه الى أن عاد من بلاد الروم منهزما فأقطعه وأعاده الى بلاده ومنها رسالة أخت السلطان وكانت عند دوشي خان أخذها من العيال الذين جاءوا معه وتركمان خاتون من خوارزم وأولدها وكانت تكاتب أخاها بالاخبار فبعثت اليه الآن في الصلح مع خاقان والمصاهرة وأن يسلم له فيما وراء جيحون فلم يجبها ومنها وفادة ركن الدين شاه بن طغرل صاحب ارزن الروم وكان في طاعة الأشرف ومظاهرا للحاجب نائب خلاط على عداوة السلطان منافرة لابن عمه علاء الدين كيقباد بن كنخسرو صاحب الروم وكان قتل رسول السلطان منقلبا من الروم ومنع الميرة عن العسكر فلما طال حصار السلطان بخلاط استأمن وقدم عليه السلطان فاحتفل لقدومه واركب الوزير للقائه ثم خلع عليه ورده الى بلاده واستدعى منه آلات الحصار فبعث بها ثم حضر بعد ذلك واقعة الأشرف مع السلطان كما مر ومنها وصول سعد الدين الحاجب برسالة الخليفة الى السلطان بالخطبة في أعمالها وان لا يتعرض لمظفر الدين كوكبرون صاحب اربل ولا للمولد صاحب الموصل ولا لشهاب الدين سليمان شاه ملك [1] ولا لعماد الدين بهلوان بن هراست ملك الجبال ويعدهم في أولياء الديوان فامتثل مراسله وبعث نائب العراق شرف الدين على بأن ملك العراق لا يتم إلا بطاعة ملك الجبال عماد الدين بهلوان وملك [1] سليمان شاه فبعث اليهما السلطان من لاطفهما حتى كانت طاعتهما اختيارا منهما وبعث السلطان الحاجب بدر الدين طوطو بن ابنايخ خان فأحسن في تأدية رسالته وجاء بهدية حافلة من عند الخليفة خلعتان للسلطان إحداهما جبة وعمامة وسيف هندي مرصع الحلية والأخرى قنع وكمة وفرجية وسيف محلى بالذهب وقلادة مرصعة ثمينة وفرسان رائعان بعدتين كاملتين ونعال لكل واحدة من أربعمائة دينار وترس ذهب مرصع بالجوهر وفيه أحد وأربعون فصا من الياقوت وبندخستاني في وسطه فيروزجة كبيرة وثلاثون فرسا عربية مجللة بالاطلس الرومي المبطن بالاطلس البغدادي بمقاود الحرير ونعال الذهب لكل واحدة منها ستون دينارا وعشرون مملوكا بالعدة والمركوب وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب وعشرة صقور بالأكمام

الملكة ومائة وخمسون بقجة في كل واحدة عشرة ثياب وخمس أكر من العنبر مضلعة بالذهب وشجرة من العود الهندي طولها خمسة أذرع وأربع عشرة خلعة نسوانية للخانات من خوالص الذهب وكنائس للخيل تفليسية وللامراء ثلاثمائة خلعة لكل أمير خلعة قباء وكمة وللوزير عمامة سوداء وقباء وفرجية وسيف هندي واكرتان من العنبر وخمسون ثوبا وبغلة ولأصحاب الديوان عشرون خلعة في كل خلعة جبة وعمامة وعشرون ثوبا أكثرها اطلس رومي وبغدادي وعشرون بغلة شهباء ورفعت للسلطان خباء فدخلها ولبس الخلعتين وشفع الرسول في أهل خلاط فاعتذر له السلطان ومنها وصول هدية من صاحب الروم ثلاثون بغلا مجللة بثياب الأطلس الخطائي وفرو القندسي والسمور وثلاثون مملوكا بالخيل والعدة ومائة فرس وخمسون بغلا ولما مروا بآذربيجان اعترضهم ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب ارزن وكان في طاعة الأشرف فأمسك الهدية عنده الى أن وفد على السلطان بطاعته فأحضرها ومنها اسار وزير المورخا جاء الى الجبل المطل على قزوين لحصاد الحشيش على عادته وكان السلطان قد تغير على علاء الدين صاحبهم بسبب أخيه غياث الدين ولحاقه بهم في الموت فسار مقطع ساوة الى ذلك الجبل وأكمن لهم وأسر الوزير وبعث به الى السلطان وهو يحاصر خلاط فحبسه بقلعة رزمان وهلك لاشهر قلائل ثم بعث السلطان كاتبه محمد بن أحمد النسائي الى علاء الدين صاحب قلعة الموت بطلب الخوارج وطلب الخطبة فامتنع منها أولا واحتج عليه بأن أباه جلال الدين الحسن خطب لخوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش والد السلطان فأنكر والتزم أن يبعث الى الديوان مائة ألف في كل سنة.

** وصول جهان بهلوان ازبك من الهند **

كان السلطان لما فصل من الهند بقصد العراق واستخلف على البلاد التي ملكها هنالك جهان بهلوان ازبك فأقام هنالك الى أن قصده عسكر شمس الدين ايتماش صاحب لهاوون ففارق مكانه وسار الى بلاد قشمير فزاحموه وطردوه عن البلاد فقصد العراق وتخلف عنه أصحابه وعادوا الى ايتماش وفيهم الحسن برلق الملقب رجا ملك وكاتب جهان عليها ملك العراق بوصوله في سبعمائة فارس فأجاب الحسن رأي السلطان فيه وبعث اليه بعشرة آلاف دينار للنفقة ووصل توقيع السلطان بأن تحمل اليه عشرون ألفا وأن يشتى بالعراق يستريح بها من التعب فصادف عود السلطان من بلاد الروم وزحف السلطان الى آذربيجان فحال قدر الله بينه وبين مرامه وقتل هناك سنة ثمان وعشرين

** وصول التتر الى آذربيجان **

كان التتر عند ما ملكوا ما وراء النهر وزحفوا الى خراسان فضعضعوا ملك بني خوارزم شاه وانتهوا الى قاصية البلاد وخربوا ما مروا عليه واكتسحوا ونهبوا وقتلوا ثم استقر ملكهم بما وراء النهر وعمروا تلك البلاد واختطوا قرب خوارزم مدينة عظيمة تعوض منها وبقيت خراسان خالية واستبد بالمدن فيها أمراء شبه الملوك يعطون الطاعة للسلطان جلال الدين لما جاء من الهند وانفرد جلال الدين بملك العراق وفارس وكرمان وآذربيجان واران وما وراء ذلك وبقيت خراسان مجالات لغارات التتر وحروبهم ثم سارت طائفة منهم سنة خمس وعشرين فكان بينهم وبين جلال الدين لما جاء من الهند المواقعة على أصبهان كما مر ثم كان بين جلال الدين وبين الأشرف صاحب الشام وعلاء الدين كيقباد صاحب الروم المواقعة سنة سبع وعشرين كما مر وأوهنت من جلال الدين وحلت عرى ملكه وكان علاء الدين مقدم الإسماعيلية في قلعة الموت فعادى جلال الدين لما أثخن في بلاده وقرر عليه وظائف الأموال فبعث الى التتر يخبرهم بالهزيمة الكائنة عليه وانها أوهنته ويحثهم على قصده فساروا الى أذربيجان أول سنة ثمان وعشرين وبلغ الخبر الى السلطان بمسيرهم فبعث بوغر من أمرائه طليعة لاستكشاف خبرهم فلقي مقدمتهم فانهزم ولم ينج من أصحابه غيره وجاء بالخبر فرحل من تبريز الى موقان وخلف عياله بتبريز لنظر الوزير وأعجله الحال عن أن يبعثهم الى بعض الحصون ثم ورد كتاب من حدود زنجان بأن المقدمة التي لقيها بوغر باهر أقاموا بمرج الخان وانهم سبعمائة فارس فظن السلطان أنهم لا يجاوزونهما فسرى عنه ورحل الى موقان فأقام بها وبعث في احشاد العساكر الأميرين بغان شحنة خراسان وأوسمان بهلوان شحنة مازندان وشغل بالصيد وبينما هو كذلك كبسه التتر بمكانه ونهبوا معسكره وخلص الى نهر أوس ثم وري بقصد كنجة وعطف الى أذربيجان فتنكر لماهان وكان عز الدين صاحب قلعة شاهن غاضبا منذ سنين لاغارة الوزير على بلده فلما نزل السلطان ماهان كان يخدمه بالميرة وباخبار التتر ثم أنذره آخر الشتاء بمسير التتر اليه من أرجان وأشار عليه بالعود الى اران لكثرة ما فيها من العساكر وأجناد التركمان متحصنين بها فلما فارقها وكان الوزير فوق بيوت السلطان وخزائنه في قلاع حسام الدين منهم ارسلان كبير أمراء التركمان باران وكان قد عمر هنالك قلعة سنك سراخ من أحصن القلاع فأنزل عياله بها وكان مستوحشا من السلطان فجاهر بالعصيان وكانت وحشته من السلطان لأمور منها تبذير أمواله في العطاء والنفقة ومنها أنه ظن

أن السلطان مجفل الى الهند فكاتب الأشرف صاحب الشام وكيقباد صاحب الروم فوعدهم من نفسه الطاعة وهما عدوا السلطان ومنها أنه كاتب قلج ارسلان التركماني فأمره بحفظ حرم السلطان وخزائنه ولا يسلمها اليه وبعث في الكتاب له والكباس قبله ليغزو الروم فلما مر السلطان بقلعته بعث اليه يستدعيه فوصل وحمل كفنه في يده فلاطفه السلطان وكايده فظنها مخالصة فاطمأن والله تعالى ولى التوفيق.

** استيلاء التتر على تبريز وكنجة **

ولما اجفل السلطان بعد الكبسة من موقان الى اران بلغ الخبر الى أهل تبريز فثاروا بالخوارزمية وأرادوا قتلهم ووافقهم بهاء الدين محمد بن بشير فاربك الوزير بعد الطغرياني وكان الطغرياني رئيس البلد كما مر فمنعهم من ذلك وعدوا على واحد من الخوارزمية وقتلوه فقتل به اثنين من العامة واجتهد في تحصين تبريز وحراستها وشحنها بالرجال ولم تنقطع كتبه عن السلطان ثم هلك فسلمها العوام الى التتر ثم ثار أهل كنجة وسلموا بلدهم للتتر وكذا أهل ببلغازة والله أعلم.

** نكبة الوزير ومقتله **

لما وصل السلطان الى قلعة جاربرد بلغه استيحاش الوزير وخشي أن يفر الى بعض الجهات فركب الى القلعة موريا بالنظر في أحوالها والوزير معه وأسر الى والي القلعة أن يمسك الوزير ويقيده هنالك ففعل ونزل السلطان فجمع مماليك الوزير وكبيرهم الناصر قشتمر وضمهم الى أوترخان ثم نمي الى والي القلعة أن السلطان مستبدل منه فاستوحش وبعث بخاتم الوزير الى قشتمر كبير المماليك يقول نحن وصاحبكم متوازرون فمن أحب خدمته فليأت القلعة فسقط في يد السلطان وكان ابن الوالي في جملته وحاشيته فأمره السلطان أن يكاتب أباه ويعاتبه ففعل وأجابه بالتنصل من ذلك فقال له السلطان فليبعث الي برأس الوزير فبعث به وكان الوزير مكرما للعلماء والأدباء مواصلا لهم كثير الخشية والبكاء متواضعا منبسطا في العطاء حتى استغرق أموال الديوان لولا أن السلطان جذب من عنانه وكان فصيحا في لغة الترك وكانت عمالته على التواقيع السلطانية الحمد لله العظيم وعلى التواقيع الديوانية يعتمد ذلك وعلى تواقيعه الى بلاده أبو المكارم على بن أبي القاسم خالصة أمير المؤمنين

** ارتجاع السلطان كنجة **

لما ثار أهل كنجة بالخوارزمية كان القائم بأمرهم رجل منهم اسمه بندار وبعث السلطان اليهم رسوله يدعوهم الى الطاعة فوصلوا قريبا منه وأقاموا وخرج اليهم الرئيس جمال الدين القمي بأولاده وامتنع الباقون ثم وصل السلطان وردد اليهم فلم تغن وبرزوا بعض الأيام للقتال ورموا على خيمته فركب وحمل عليهم فانهزموا وازدحموا في الباب فمنعهم الزحام من اغلاقه فاقتحم السلطان المدينة وقبض على ثلاثين من أهل الفتنة فقتلهم وجيء ببندار وكان بالغا في الفساد وكسر سرير الملك الذي نصبه بها محمد بن ملك شاه فمثل به وفصل أعضاءه بين يديه وأقام السلطان بكنجة نحوا من شهر ثم سار الى خلاط مستمدا للأشرف فارتحل الأشرف الى مصر وعلل بالمواعيد ووصل السلطان في وجهته الى قلعة شمس وبها أراك بن ايوان الكرجي فخرج وقبل الأرض على البعد ثم بعث الى السلطان ما أمري وبعث السلطان الى جيرانه من الملوك مثل صاحب حلب وآمد وماردين يستنجدهم بعد يأسه من الأشرف وجرد عسكرا الى خرت برت وملطية وآذربيجان فأغاروا في تلك النواحي واستاقوا نعمها لما بين ملكها كيقباد وبين الأشرف من الموالاة فاستوحش جميعهم من ذلك وقعدوا عن نصرته والله تعالى ولى التوفيق.

** واقعة التتر على السلطان بآمد ومهلكه **

كان السلطان بلغه وهو بخلاط أن التتر ساروا اليه فبعث السلطان الأمير أوترخان في أربعة آلاف فارس طليعة فرجع وأخبر أن التتر رجعوا من حدود ملازكرد وكان الأمراء أشاروا على السلطان [1] الانتقال بديار بكر وينجرون الى أصبهان ثم جاءه رسول صاحب آمد وزين له له قصد بلاد الروم وأطعمه في الاستيلاء عليها ليتصل بالقفجاق ويستظهر بهم على التتر وأنه يمده بنفسه في أربعة آلاف فارس وكان صاحب آمد يروم الانتقام من صاحب الروم بما ملك من قلاعه فجنح السلطان الى كلامه وعدل عن أصبهان الى آمد

فنزل بها وبعث اليه التركمان بالنذير وانهم رأوا نيران التتر بالمنزل الذي كانوا به أمس فاتهم خبرهم وصبحه التتر على آمد وأحاطوا بخيمته قبل أن يركب فحمل عليهم اوترخان حتى كشفهم عن الحركات وركب السلطان وركض وأسلم زوجته بنت الاتابك سعد الى أميرين يحملانها الى حيث تنتهي الجفلة ثم رد أو ترخان العساكر عنه ليتوارى بانفراده عن عين العدو وسار أو ترخان في أربعة آلاف فارس فخلص الى أصبهان واستولى عليها الى أن ملكها التتر عليه سنة تسع وثلاثين وذهب السلطان مستخفيا الى باشورة آمد والناس يظنون أن عسكره غدروا به فوقفوا يردونهم فذهب الى حدود الدربندات وقد ملئت المضايق بالمفسدين فأشار عليه أوترخان بالرجوع فرجع وانتهى الى قرية من قرى ميافارقين فنزل في بيدرها وفارقه أوترخان الى شهاب الدين غازي صاحب حلب لمكاتبات كانت بينهما فحبسه ثم طلبه الكامل فبعث به اليه محبوسا ثم سقط من سطح فمات وهجم التتر على السلطان بالبيدر فهرب وقتل الذين كانوا معه وأخبر التتر أنه السلطان فاتبعوه وأدركه اثنان منهم فقتلهما ويئس منه الباقون فرجعوا عنه وصعد جبل الأكراد فوجدهم مترصدين في الطرق للنهب فسلبوه وهموا بقتله وأسر الى بعضهم أنه السلطان فمضى به الى بيته ليخلصه الى بعض النواحي ودخل البيت في غيبه بعض سفلتهم وبيده حربة وهو يطلب الثأر من الخوارزمية بأخ له قتل بخلاط فقتله ولم يغن عنه البيت وكانت الوقعة منتصف شوال سنة ثمان وعشرين هذه سياقة الخبر من كتاب النسائي كاتب السلطان جلال الدين وأما ابن الأثير فذكر الواقعة وأنه فقد فيها وبقوا أياما في انتظار خبره ولم يذكر مقتله وانتهى به التأليف ولم يزد على ذلك قال النسائي وكان السلطان جلال الدين أسمر قصيرا تركيا شجاعا حليما وقورا لا يضحك الا تبسما ولا يكثر الكلام مؤثرا للعدل الا أنه مغلوب من أجل الفتنة وكان يكتب للخليفة والوحشة قائمة بينهما كما كان أبوه يكتب خادمه المطواع فلان فلما بعث اليه بالخلع عن خلاط كما مر كتب اليه عبده فلان والخطاب بعد ذلك سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وأمام المسلمين وخليفة رب العالمين قدوة المشارق والمغارب المنيف على الذروة العليا ابن لؤي بن غالب ويكتب لملوك الروم ومصر والشام السلطان فلان بن فلان ليس معها أخوه ولا محبه وعلامته على تواقيعه النصرة من الله وحده وعلامته لصاحب الموصل بأحسن خط وشق القلم شقين ليغلظ ولما وصل من الهند كاتبه الخليفة الجناب الرفيع الخاقاني فطلب الخطاب بالسلطان فأجيب بأنه لم تجر به عادة مع أكابر الملوك فألح في ذلك حين حملت له الخلع فخوطب بالجناب العالي الشاهستاني ثم انتشر التتر بعد هذه الواقعة في سواد آمد وأرزن وميافارقين

وسائر ديار بكر فاكتسحوها وخربوها وملكوا مدينة اسعرد عنوة فاستباحوها بعد حصار خمسة أيام ومروا بماردين فامتنعت ثم وصلوا الى نصيبين فاكتسحوا نواحيها ثم الى سنجار وجبالها والخابور ثم ساروا الى تدليس فأحرقوها ثم الى أعمال خلاط فاستباحوا أباكري وارتجيس وجاءت طائفة أخرى من أذربيجان الى أعمال اربل ومروا في طريقهم بالتركمان الاموامية والأكراد الجوزقان فنهبوا وقتلوا وخرج مظفر الدين صاحب اربل بعد ان استمد صاحب الموصل فلم يدركهم وعادوا وبقيت البلاد قاعا صفصفا والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وافترق عسكر جلال الدين منكبرس وساروا الى كيقباد ملك الروم

فأثبتهم في ديوانه واستخدمهم ثم هلك سنة أربع وثلاثين وولى ابنه غياث الدين كنخسرو فارتاب بهم وقبض على كبيرهم وفر الباقون واكتسحوا ما مروا به وأقاموا مستبدين بأطراف البلاد ثم استمالهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل وكان نائبا لأبيه بالبلاد الشرقية حران وكيفا وآمد واستأذن أباه في استخدامهم فأذن له كما يأتي في أخباره والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وفضله.

** الخبر عن دولة بني تتش بن البارسلان ببلاد الشام دمشق وحلب وأعمالهما وكيف تناوبوا فيها القيام بالدعوة العباسية والدعوة العلوية الى حين انقراض أمرهم **

قد تقدم لنا استيلاء السلجوقية على الشام لأول دولتهم وكيف سار أتسز بن ارتق الخوارزمي من أمراء السلطان ملك شاه الى فلسطين ففتح الرملة وبيت المقدس وأقام فيهما الدعوة العباسية ومحا الدعوة العلوية ثم حاصر دمشق وذلك سنة ثلاث وستين وأربعمائة ثم أقام يردد الحصار على دمشق حتى ملكها سنة ثمان وستين وسار الى مصر سنة تسع وستين وحاصرها وعاد منها وولى السلطان ملك شاه بعد أبيه البارسلان سنة خمس وستين فأقطع أخاه تتش بلاد الشام وما يفتحه من تلك النواحي سنة سبعين وأربعمائة فسار الى حلب وحاصرها وكان أمير الجيوش بدر الجمالي قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها أتسز فبعث بالصريخ الى تاج الدولة تتش فسار لنصرته وأجفلت عساكر مصر وخرج أتسز لتلقيه فتعلل عليه ببطئه عن تلقيه وقتله واستولى على دمشق وقد تقدم ذلك كله ثم استولى سليمان بن قطلمش على انطاكية وقتل مسلم بن قريش وسار الى حلب فملكها وسمع بذلك تتش فسار اليها واقتتلا سنة تسع وسبعين وقتل سليمان بن قطلمش في الحرب وسار السلطان ملك شاه الى حلب فملكها وولى عليها قسيم الدولة آقسنقر جد نور الدين العادل ثم جاء السلطان الى بغداد سنة أربع وثمانين وسار اليه أخوه تاج الدين تتش من دمشق وقسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب وبوزان صاحب الرها وحضروا معه صنيع المولد النبوي ببغداد فلما وعدوه العود الى بلادهم أمر قسيم الدولة وبوزان بأن يسيرا بعسكرهما مع تاج الدولة تتش لفتح البلاد بساحل الشام وفتح مصر من يد المستنصر العلوي ومحو الدولة العلوية منها فساروا لذلك وملك تتش حمص من يد ابن ملاعب وغزة عنوة وأماسية من يد خادم العلوي بالأمان وحاصر طرابلس وبها جلال الدين بن عمار فداخل قسيم الدولة آقسنقر وصانعه بالمال في أن يشفع له عند تتش فلم

يشفعه فرحل مغاضبا وأجفلوا الى جبلة وانتقض أمرهم وهلك السلطان ملك شاه سنة خمس وثمانين ببغداد وقد كان سار الى بغداد وسار تتش أخوه من دمشق للقائه وبلغه في طريقه خبر وفاته وتنازع ولده محمود وبركيارق الملك فاعتزم على طلب الأمر لنفسه ورجع الى دمشق فجمع العساكر وقسم العطاء وسار الى حلب فأعطاه آقسنقر الطاعة لصغر أولاد ملك شاه والتنازع الذي بينهم وحمل صاحب انطاكية وبوزان صاحب الرها وحران على طاعته وساروا جميعا في محرم سنة ست وثمانين فحاصروا الرحبة وملكوها وخطب فيها تتش لنفسه ثم ملك نصيبين عنوة واستباحها وأقطعها لمحمد بن مسلم بن قريش ثم سار الى الموصل وبها إبراهيم بن قريش بن بدران وبعث اليه في الخطبة على منابرة فامتنع وبرز للقائه في ثلاثين ألفا وكان تتش في عشرة آلاف والتقوا بالمضيع من نواحي الموصل فانهزم إبراهيم وقتل واستبيحت أحياء العرب وقتل أمراؤهم وأرسل الى بغداد في طلب الخطبة فلم يسعف الا بالوعد ثم سار الى ديار بكر فملكها في ربيع الآخر وسار منها الى أذربيجان وكان بركيارق بن ملك شاه قد استولى على الري وهمذان وكثير من بلاد الجبل فسار في العساكر لمدافعته فلما تقاربا نزع آقسنقر وبوزان الى بركيارق وعاد تتش منهزما الى الشام وجمع العساكر واستوعب في الحشد وسارا الى آقسنقر في حلب فبرز اليه ومعه بوزان صاحب الرها وكربوقا الذي ملك الموصل فيما بعد ولقيهم تتش على ستة فراسخ من حلب فانهزموا وجيء بأقسنقر أسيرا فقتله صبرا ولحق كربوقا وبوزان بحلب فحاصرها تتش وملكها وأخذهما أسيرين وبعث الى حران والرها في الطاعة فامتنعوا فقتل بوزان وملكهما وحبس كربوقا بحمص ثم سار الى الجزيرة فملكها جميعا ثم الى ديار بكر وخلاط ثم آذربيجان ثم همذان وبعث الى بغداد في الخطبة وكان بركيارق يومئذ بنصيبين فعبر دجلة الى اربل ثم منها الى بلد سرحاب بن بدر وسار الأمير يعقوب بن ارتق من عسكر تتش فكبسه وهزمه ونجا الى أصبهان فكان من خبره ما تقدم وبعث تتش يوسف ابن ارتق التركماني شحنة الى بغداد فمنع منها فعاث في نواحيها ثم بلغه مهلك تتش فعاد الى حلب وهذه الاخبار كلها قد تقدمت في أول دولة السلجوقية وانما ذكرناها هنا توطئة لدولة بني تتش بدمشق وحلب والله أعلم.

** مقتل تتش **

ولما انهزم بركيارق أمام عمه تتش لحق بأصبهان وبها محمود وأهل دولته فأدخلوه وتشاوروا في قتله ثم أبقوه الى إبلال محمود من مرضه فقدر هلاك محمود وبايعوا لبركيارق فبادر الى

أصبهان وقدم أميرا آخر بين يديه لاعداد الزاد والعلوفة وسار هو الى أصبهان ورجع تتش الى الري وأرسل الى الأمراء بأصبهان يدعوهم ويرغبهم فأجابوه باستبراء أمر بركيارق ثم إبل بركيارق من مرضه وسار في العساكر الى الري فانهزم تتش وانهزم عسكره وثبت هو فقتله بعض أصحاب آقسنقر بثأر صاحبه واستقام الأمر لبركيارق والله تعالى أعلم.

** استيلاء رضوان بن تتش على حلب **

كان تتش لما انفصل من حلب استخلف عليها أبا القاسم الحسن بن علي الخوارزمي وأمكنه من القلعة ثم أوصى أصحابه قبل المصاف بطاعة ابنه رضوان وكتب اليه بالمسير الى بغداد ونزول دار السلطنة فسار لذلك وسار معه أبو الغازي بن ارتق وكان أبوه تتش تركه عنده وسار معه و [1] معه محمد بن صالح بن مرداس وغيرهما وبلغه مقتل أبيه عند هيت فعاد الى حلب ومعه الأميران الصغيران أبو طالب وبهرام وأمه وزوجها جناح الدولة الحسن بن افتكين لحق بهم من المعركة فلما انتهوا الى حلب امتنع أبو القاسم بالقلعة ومعه جماعة من المغاربة وهم أكثر جندها فاستمالهم جناح الدولة فثاروا بالقلعة من الليل ونادوا بشعار الملك رضوان واحتاطوا على أبي القاسم فبعث اليه رضوان بالأمان وخطب له على منابر حلب وأعمالها وأقام بتدبير دولته جناح الدولة وأحسن السيرة وخالف عليهم الأمير باغيسيان بن محمد بن ابه التركماني صاحب انطاكية ثم أطاع وأشار على رضوان بقصد ديار بكر وسار معه لذلك وجاءهم أمراء الاطراف الذين كان تتش رأسهم فيها وقصدوا سروح فسبقهم اليها سلمان بن ارتق وملكها فساروا الى الرها وبها الفارقليط من الروم كان يضمن البلاد من بوزان فتحصن بالقلعة ودافعهم ثم غلبوه عليها وملكها رضوان وطلبها منه باغيسيان وخشي جناح الدولة على نفسه فلحق بحلب ورجع رضوان والأمراء على أثره فسار باغيسيان فأقطعها له ثم سار الى حران وأميرها قراجا فدس اليهم بعض أهلها بالطاعة واتهم قراجا بذلك ابن المعني من أعيانها كان تتش يعتمد عليه في حفظ البلد فقتله وقتل بني أخيه ثم فسد ما بين جناح الدولة وباغيسيان وخشي جناح الدولة على نفسه فلحق بحلب ورجع رضوان والأمراء على أثره فسار باغيسيان الى بلده انطاكية وسار معه أبو القاسم الخوارزمي ودخل رضوان الى حلب دار ملكه وكان من أهل دولته

يوسف ابن ارتق الخوارزمي الذي بعثه تتش الى بغداد شحنة وكان [1] من الفتيان بحلب وكان قنوعا وكان يعادي يوسف بن اتق فجاء الى جناح الدولة القائم بأمر من رضوان ورمى يوسف بن ارتق عنده بأنه يكاتب باغيسيان ويداخله في الثورة واستأذنه في قتله فأذن له وأمده بجماعة من الجند وكبس يوسف في داره فقتله ونهب فيها واستطال على الدولة وطمع في الاستبداد على رضوان ودس لجناح الدولة أن رضوان أمره بقتله فهرب الى حمص وكانت اقطاعا له واستبد على رضوان ثم تنكر له رضوان سنة تسع وثماني وأمر بالقبض عليه فاختفى ونهبت دوره وأمواله ودوابه ثم قبض عليه فامتحن وقتل هو وأولاده.

** استيلاء دقاق بن تتش على دمشق **

كان تتش قد بعث ابنه دقاقا الى أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فأقام هنالك الى أن توفي ملك شاه فسار معه ابنه محمود وأمه خاتون الجلالية الى أصبهان ثم ذهب عنهم سرا الى بركيارق ثم لحق بأبيه وحضر معه الواقعة التي قتل فيها ولما قتل تتش أبوه سار به مولاه تكين الى حلب فأقام عند أخيه رضوان وكان بقلعة من قلاعها ساوتكين الخادم من موالي تتش ولاه عليها قبل موته فبعث الى دقاق يستدعيه للملك فسار اليه وبعث رضوان في طلبه فلم يدركه ووصل دمشق وكتب اليه باغيسيان صاحب انطاكية يشير عليه بالاستبداد بدمشق على أخيه رضوان ووصل معتمد الدولة طغتكين مع جماعة من خواص تتش وكان قد حضر المعركة وأسر فخلص الآن من الاسار وجاء الى دمشق فلقيه دقاق ومال اليه وحكمه في أمره وداخله في مثل ساوتكين الخادم فقتلوه ووفد عليهم باغيسيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فأكرمهما واستوزر الخوارزمي وحكمه في دولته.

** الفتنة بين دقاق وأخيه رضوان **

ثم سار رضوان الى دمشق سنة تسعين وأربعمائة قاصدا انتزاعها من يد دقاق فامتنعت عليه فعاد الى مالس وقصد الورس فامتنعت عليه فعاد الى حلب وفارقه باغيسيان صاحب انطاكية الى أخيه دقاق وحض على المسير الى أخيه بحلب فسار لذلك واستنجد رضوان

سكمان من سروج في أمم من التركمان ثم كان اللقاء بقنسرين فانهزمت عساكر دقاق ونهب سوادهم وعاد رضوان الى حلب ثم سعى بينهما في الصلح على أن يخطب لرضوان بدمشق وانطاكية قبل دقاق فانعقد ذلك بينهما ثم لحق جناح الدولة بحمص عند ما عظمت فيه سعاية المجن كما ذكرناه وكان باغيسيان منافرا له فلما فصل من حلب جاء باغيسيان الى رضوان وصالحه ثم بعث الى رضوان المستعلي خليفة العلويين بمصر يعده بالامداد على أخيه على أن يخطب له على منابره وزين له بعض أصحابه صحة مذهبهم فخطب له في جميع أعماله سوى انطاكية والمعرة وقلعة حلب ثم وفد عليه بعد شهرين من هذه الخطبة سكمان بن ارتق صاحب سروج وباغيسيان صاحب انطاكية فلم يقم بها غير ثلاث حتى وصل الفرنج فحاصروه وغلبوه على انطاكية وقتلوه كما مر في خبره.

** استيلاء دقاق على الرحبة **

كانت الرحبة بيد كربوقا صاحب الموصل فلما قتل كما مر في خبره استولى عليها قانمار من موالي السلطان البارسلان فسار دقاق بن تتش ملك دمشق وأتابكه طغركين اليها سنة خمس وتسعين وحاصروها فامتنعت عليهم فعادوا عنها وتوفى قانمار صاحبها في صفر سنة ست وتسعين وقام بأمرها حسن من موالي الأتراك فطمع في الاستبداد وقتل جماعة من أعيان البلد وحبس آخرين واستخدم جماعة من الجند وطرد آخرين وخطب لنفسه فسار دقاق اليه وحاصره في القلعة حتى استأمن وخرج اليه وأقطعه بالشام اقطاعات كثيرة وملك الرحبة وأحسن الى أهلها وولى عليهم ورجع الى دمشق والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق لا رب غيره.

** وفاة دقاق وولاية أخيه تلتاش ثم خلعه **

ثم توفي دقاق صاحب دمشق سنة سبع وتسعين واستقل أتابكه طغركين بالملك وخطب لنفسه سنة ثم قطع خطبته وخطب لتلتاش أخي دقاق صبيا مراهقا وخوفته أمه من طغركين بزواجه أم دقاق وأنه يميل الى ابن دقاق من أجل جدته فاستوحش وفارق دمشق الى بعلبك في صفر سنة ثمان وتسعين ولحقه ايتكين الحلبي صاحب بصرى وكان ممن حسن له لذلك فعاث في نواحي خوارزم ولحق به أهل الفساد وراسلا هدويل ملك الفرنج فأجابهما بالوعد ولم يوف لهما فسار الى الرحبة واستولى عليها تلتاش وقيل ان تلتاش لما استوحش منه طغركين

من دخول البلد مضى الى حصون له وأقام بها ونصب طغركين الطفل ابن دقاق وخطب له واستبد عليه وأحسن الى الناس واستقام أمره والله تعالى ولي التوفيق وهو نعم الرفيق.

** الحرب بين طغركين والفرنج أشهرا **

كان قمص من قمامصة الفرنج على مرحلتين من دمشق فلج بالغارات على دمشق فجمع طغركين العساكر وسار اليه وجاء معرون ملك القدس وعكا من الفرنج بانجاد القمص فأظهر الغنية [1] عليه وعاد الى عكا وقاتل طغركين [2] القمص فهزمه وأحجزه بحصنه ثم حاصره حتى ملك الحصن عنوة وقتل أهله وأسر جماعته وعاد الى دمشق ظافرا غانما ثم سار الى حصن رمسة من حصون الشام وقد ملكه الفرنج وبه ابن أخت سميل المقيم على طرابلس يحاصرها فحاصر طغركين حصن رمسة حتى ملكه وقتل أهله من الفرنج وخربه والله أعلم.

** مسير رضوان صاحب حلب لحصار نصيبين **

ثم ان رضوان صاحب حلب اعتزم غزو الفرنج واستدعى الأمراء من النواحي لذلك فجاءه أبو الغازي بن ارتق الذي كان شحنة ببغداد وأصبهان وصباوو والبي بن ارسلان ماش صاحب سنجار وهو صهر جكرمش صاحب الموصل وأشار أبو الغازي بالمسير الى بلاد جكرمش للاستكثار بعسكرها وأموالها ووافقه البي وساروا الى نصيبين في رمضان سنة تسع وتسعين وأربعمائة فحاصروها وفيها أميران من قبل جكرمش واشتد الحصار وجرح البي بن ارسلان بسهم أصابه فعاد الى سنجار وأجفل أهل السواد الى الموصل وعسكر جكرمش بظاهرها معتزما على الحرب ثم كاتب أعيان العسكر وحثهم على رضوان وأمر أصحابه بنصيبين بإظهار طاعته وطلب الصلح معه وبعث الى رضوان بذلك والامداد بما يشاؤه على أن يقبض على أبي الغازي فمال الى ذلك واستدعى أبا الغازي فخبره أن المصلحة في صلح

جكرمش ليستعينوا به في غزو الفرنج وجمع شمل المسلمين فجاوبه أبو الغازي بالمنع من ذلك ثم قبض عليه وقيده فانتقض التركمان ولجئوا الى سور المدينة وقاتلوا رضوان وبعث رضوان بأبي الغازي الى نصيبين فخرجت منها العساكر لإمداده فافترق منها التركمان ونهبوا ما قدروا عليه ورحل رضوان من وقته الى حلب وانتهى الخبر الى جكرمش بتل أعفر وهو قاصد حرب القوم فرحل عند ذلك الى سنجار وبعث اليه رضوان في الوفاء بما وعده من النجدة فلم يف له ونازل صهره البي بن ارسلان بسنجار وهو جريح من السهم الذي أصابه على نصيبين فخرج اليه البي محمولا واعتذر اليه فأعتبه وأعاده الى بلده فمات وامتنع أصحابه بسنجار رمضان وشوالا ثم خرج اليه [1] عم البي وصالح جكرمش وعاد الى الموصل والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه.

** استيلاء الفرنج على افامية **

كان خلف بن ملاعب الكلابي في حمص وملكها منه تاج الدولة تتش فسار الى مصر وأقام بها ثم بعث صاحب افامية من جهة رضوان بن تتش بطاعته الى صاحب مصر العلوي فبعث اليها ابن ملاعب وملكها وخلع طاعة العلوية وأقام يخيف السبيل كما كان في حمص فلما ملك الافرنج سرمين لحق به قاضيها وكان على مذهب الرافضة فكتب الى ابن الطاهر الصانع من أكابر الغلاة ومن أصحاب رضوان وداخلهم في الفتك بابن ملاعب ونمى الخبر إليه من أولاده فحلف له القاضي بما اطمأن اليه وتحيل مع ابن الصانع في جند من قبلهم يستأمنون الى ابن ملاعب ويعطونه خيلهم وسلاحهم ويقيمون للجهاد معه ففعلوا وأنزلهم بربض افامية ثم بيته القاضي ليلا بمن معه من أهل سرمين ورفع أولئك الجند من الربض بالحبال وقتلوا ابن ملاعب في بيته وقتلوا معه ابنه وفر الآخر الى أبي الحسن بن منقذ صاحب شيزر وجاء الصانع من حلب الى القاضي فطرده واستبد بأفامية وكان بعض أولاد ابن ملاعب عند طغركين وولاه حماية بعض الحصون فعظم ضرره فطلب طغركين فهرب الى الافرنج وأغراهم بأفامية ودلهم على عورتها وعدم الأقوات فيها فحاصروها شهرا وملكوها عنوة وقتلوا القاضي والصانع وذلك سنة تسع وتسعين وقد ذكرنا قبل أن الصانع قتله ابن بديع أيام تتش صاحب حلب إثر مهلك رضوان فالله أعلم أيهما الصحيح ثم ملك صاحب

انطاكية من الافرنج حصن الامارة بعد حصار طويل فملكه عنوة واستلحم أهله وفعل في ذريته مثل ذلك ورحل أهل منبج وبالس وتركوهما خاويين وملكوا حيد بالأمان وطلب الفرنج من أهل الحصون الإسلامية الجزية فأعطوهم ذلك على ضريبة فرضوها عليهم فكان على رضوان في حلب وأعمالها ثلاثون ألف دينار وعلى صور سبعة آلاف وعلى ابن منقذ في شيزر أربعة آلاف وعلى حماة ألفا دينار وذلك سنة خمس وخمسمائة.

** استيلاء طغركين على بصرى **

قد تقدم لنا سنة سبع وتسعين حال تلتاش بن تتش والخطبة له بعد أخيه دقاق وخروجه من دمشق واستنجاده الفرنج وان الذي تولى كبر ذلك كله اسكين الحملي صاحب بصرى فسار طغركين سنة المائة الخامسة الى بصرى وحاصرها حتى أذعنوا وضربوا له أجلا للفرنج فعاد الى دمشق حتى انقضى الأجل فآتوه طاعتهم وملك البلد وأحسن اليهم والله تعالى ولي التوفيق لا رب غيره.

** غزو طغركين وهزيمته **

ثم سار طغركين سنة اثنتين وخمسمائة الى طبرية ووصل اليها ابن أخت بغدوين ملك القدس [1] من الفرنج فاقتتلوا فانهزم المسلمون أولا فنزل طغركين ونادى بالمسلمين فكروا وانهزم الفرنج وأسر ابن أخت بغدوين وعرض طغركين عليه الإسلام فامتنع فقتله بيده وبعث بالأسرى الى بغداد ثم انعقد الصلح بين طغركين [2] وبغدوين بعد أربع سنين وسار بعدها طغركين الى حصن غزة في شعبان من السنة وكان ليد مولى القاضي فخر الملك بن علي ابن عمار صاحب طرابلس فعصى عليه وحاصره الافرنج وانقطعت عنه الميرة فأرسل طغركين صاحب دمشق أن يمكنه من الحصن فأرسل اليه إسرائيل من أصحابه فملك الحصن وقتل صاحبه مولى بن عمار غيلة ليستأثر بمخلفه فانتظر طغركين دخول الشتاء وسار الى الحصن لينظر في أمره وكان السرداني من الافرنج يحاصر طرابلس فلما سمع بوصول طغركين حصن الاكمة أغذ السير اليه فهزمه وغنم سواده ولحق طغركين بحمص ونازل السرداني غرة فاستأمنوا اليه وملكها وقبض على إسرائيل فادى به أسيرا كان لهم بدمشق منذ سبع سنين ووصل طغركين

الى دمشق ثم قصد ملك الافرنج رمسة من أعماله دمشق فملكها وشحنها بالأقوات والحامية فقصدها طغركين بعد أن نمى اليه الخبر بضعف الحامية الذين بها فكبسها عنوة وأسر الافرنج الذين بها والله سبحانه وتعالى أعلم.

** انتقاض طغركين على السلطان محمد **

كان السلطان محمد بن ملك شاه قد أمر مودود بن بوشكين صاحب الموصل بالمسير لغزو الافرنج لأن ملك القدس تابع الغارات على دمشق سنة ست وخمسمائة واستصرخ طغركين بمودود فجمع العساكر وسار سنة تسع ولقيه طغركين بسهلة وقصدوا القدس وانتهوا الى الانحوانة على الأردن وجاء بغدوين فنزل قبالتهما على النهر ومعه جوسكين صاحب جيشه واقتتلوا منتصف محرم سنة عشر على بحيرة طبرية فانهزم الافرنج وقتل منهم كثير وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الأردن ولقيتهم عساكر طرابلس وانطاكية فاشتدوا وأقاموا بجبل قرب طبرية وحاصرهم المسلمون فيه ثم يئسوا من الظفر به فساحوا في بلادهم واكتسحوها وخربوها ونزلوا مرج الصفر وأذن مودود للعساكر في العود والراحة ليتهيأوا للغزو. وسلخ الشتاء ودخل دمشق آخر ربيع من سنة [1] ليقيم عند طغركين تلك المدة وصلى معه أول جمعة ووثب عليه باطني بعد الصلاة فطعنه ومات آخر يومه واتهم طغركين بقتله وولى السلطان مكانه على الموصل آقسنقر البرسقي فقبض على أياز بن أبي الغازي وأبيه صاحب حصن كيفا فسار بنو أرتق الى البرسقي وهزموه وتخلص أياز من أسره فلحق أبو الغازي أبوه بطغركين صاحب دمشق وأقام عنده وكان مستوحشا من السلطان محمد لاتهامه بقتل مودود فبعث الى صاحب انطاكية من الفرنج وتحالفوا على المظاهرة وقصد أبو الغازي ديار بكر فظفر به قيرجان بن قراجا صاحب حمص وأسره وجاء طغركين لاستنفاذه فحلف قيرجان ليقتلنه ان لم يرجع طغركين الى بلاده وانتظر وصول العساكر من بغداد تحمله فأبطأت فأجاب طغركين الى إطلاقه ثم بعث السلطان محمد العساكر لجهاد الافرنج والبداءة بقتال طغركين وأبي الغازي فساروا في رمضان سنة ثمان وخمسمائة ومقدمهم برسق بن برسق صاحب همذان وانتهوا الى حلب وبعثوا الى متوليها لؤلؤ الخادم ومقدم عسكرها شمس الخواص يأمرونهما بالنزول عنها وعرضوا عليهما كتب السلطان بذلك فدافعا بالوعد واستحثا طغركين

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com