Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 31
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 43 of 67
وابا الغازي في الوصول فوصلا في العساكر وامتنعت حلب على العساكر وأظهروا العصيان فسار برسق الى حماة وهي لطغركين فملكها عنوة ونهبها ثلاثا وسألهما الأمير قيرجان صاحب حمص وكان جميع ما يفتحه من البلاد له بأمر السلطان فانتقض الأمراء من ذلك وكسلوا عن الغزو وسار أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص الى انطاكية يستنجدون صاحبها دجيل من الافرنج ثم توادعوا الى انصرام الشتاء ورجع أبو الغازي الى ماردين وطغركين الى دمشق ثم كان في اثر ذلك هزيمة المسلمين واستشهد برسق وأخوه زنكي وقد تقدم خبر هذه الهزيمة في أخبار البرسقي ثم قدم السلطان محمد بغداد فوفد عليه أتابك طغركين صاحب دمشق في ذي القعدة من سنة تسع مستعينا فأعانه وأعاده الى بلده والله سبحانه وتعالى أعلم.
** وفاة رضوان بن تتش صاحب حلب وولاية ابنه البارسلان **
ثم توفي رضوان بن تتش صاحب حلب سنة تسع وخمسمائة وقد كان قتل أخويه أبا طالب وبهرام وكان يستعين بالباطنية في أموره ويداخلهم ولما توفي بايع مولاه لؤلؤ الخادم لابنه البارسلان صبيا مغتلما وكانت في لسانه حبسة فكان يلقب الأخرس وكان لؤلؤ مستبدا عليه لأول ملكه قتل أخويه وكل ملك شاه منهما شقيقه وكانت الباطنية كثيرا في حلب في أيام رضوان حتى خافهم ابن بديع وأعيانها فلما توفي أذن لهم البارسلان في الإيقاع بهم فقبضوا على مقدمهم ابن طاهر الصابغ وجماعة من أصحابهم فقتلوهم وافترق الباقون.
** مهلك لؤلؤ الخادم واستيلاء أبي الغازي ثم مقتل البارسلان وولاية أخيه السلطان شاه **
كان لؤلؤ الخادم قد استولى على قلعة حلب وولى أتابكية البارسلان ابن مولاه رضوان ثم تنكر له فقتله لؤلؤ ونصب في الملك أخاه سلطان شاه واستبد عليه فلما كان سنة احدى عشرة سار الى قلعة جعفر للاجتماع بصاحبها سالم بن مالك فغدر به مماليكه الأتراك وقتلوه عند خرتبرت وأخذوا خزائنه واعترضهم أهل حلب فاستعادوا منهم ما أخذوه وولى أتابكية سلطان شاه بن رضوان شمس الخواص بارقياس وعزل لشهر وولى بعده أبو المعالي بن
الملحي الدمشقي ثم عزل وصدور واضطربت الدولة وخاف أهل حلب من الافرنج فاستدعوا أبا الغازي بن ارتق وحكموه على أنفسهم ولم يجد فيها مالا فصادر جماعة الخدم وصانع بمالهم الافرنج حتى صار الى ماردين بنية العود الى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين تمرتاش وانقرض ملك رضوان بن تتش من حلب والله سبحانه وتعالى أعلم.
** هزيمة طغركين أمام الافرنج **
كان ملك الافرنج بغدوين صاحب القدس قد توفي سنة اثنتي عشرة وقام بملكهم بعده القمص صاحب الرها الذي كان أسره جكرمس وأطلقه جاولى كما تقدم في أخبارهم وبعث الى طغركين في المهادنة وكان قد سار من دمشق لغزوهم فأبى من اجابته وسار الى طبرية فنهبها واجتمع بقواد المصريين في عسقلان وقد أمرهم صاحبهم بالرجوع الى رأي طغركين ثم عاد الى دمشق وقصد الافرنج حصنا من أعماله فاستأمن اليهم أهله وملكوه ثم قصدوا أذرعات فبعث طغركين ابنه بوري لمدافعتهم فتنحوا عن أذرعات الى جبل هناك وحاصرهم بوري وجاء اليه أبو طغركين فراسلوه ليفرج عنهم فأبى طمعا في أخذهم فاستماتوا وحملوا على المسلمين حملة صادقة فهزموهم ونالوا منهم ورجع الفل الى دمشق وسار طغركين الى أبي الغازي بحلب يستنجده فوعده بالنجدة وسار الى ماردين للحشد ورجع طغركين الى دمشق كذلك وتواعدوا للجبال وسبق الافرنج الى حلب وكان بينه وبين أبي الغازي ما نذكره في موضعه من دولة بني ارتق والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق لا رب غيره.
** منازلة الافرنج دمشق **
ثم اجتمع الافرنج سنة عشرين وخمسمائة ملوكهم وقمامصتهم وساروا الى دمشق ونزلوا مرج الصفر وبعث أتابك طغركين بالصريخ الى تركمان بديار بكر وغيرها وخيم قبالة الافرنج واستخلف ابنه بوري على دمشق ثم ناجزهم الحرب آخر السنة فاشتد القتال وصرع طغركين عن فرسه فانهزم المسلمون وركب طغركين واتبعهم ومضت خيالة الافرنج في اتباعهم وبقي رجالة التركمان في المعركة فلما خلص اليهم رجالة الافرنج اجتمعوا واستماتوا وحملوا على رجالة الافرنج فقتلوهم ونهبوا معسكرهم وعادوا غانمين ظافرين الى دمشق ورجعت خيالة الافرنج من اتباعهم منهزمين فوجدوا معسكرهم منهوبا ورجالتهم قتلى وكان ذلك من الصنع الغريب
** وفاة طغركين وولاية ابنه بوري **
ثم توفي أتابك طغركين صاحب دمشق في صفر سنة اثنتين وعشرين وكان من موالي تاج الدولة تتش وكان حسن السيرة مؤثرا للعدل محبا في الجهاد ولقبه ظهير الدين ولما توفي ملك بعده ابنه تاج الدولة بوري أكبر أولاده بعهده اليه بذلك وأقر وزير أبيه أبي علي طاهر بن سعد المزدغاني على وزارته وكان المزدغاني يرى رأي الرافضية الإسماعيلية وكان بهرام ابن أخي إبراهيم الأستراباذي لما قتل عمه إبراهيم ببغداد على هذا المذهب لحق بالشام وملك قلعة بانياس ثم سار الى دمشق وأقام بها خليفة يدعو الى مذهبه ثم فارقها وملك القدموس وغيره من حصون الجبال وقابل البصرية والدرزة بوادي اليتيم [1] من أعمال بعلبك سنة اثنتين وعشرين وغلبهم الضحاك وقتل بهرام وكان المزدغاني قد أقام له خليفة بدمشق يسمى أبا الوفاء فكثر اتباعه وتحكم في البلد وجاء الخبر الى بوري بأن وزيره المزدغاني والإسماعيلية قد راسلوا الافرنج بأن يملكوهم دمشق فجاء اليها وقتل المزدغاني ونادى بقتل الإسماعيلية وبلغ الخبر الى الافرنج فاجتمع صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب طرابلس وسائر ملوك الافرنج وساروا لحصار دمشق واستصرخ تاج الملك بالعرب والتركمان وجاء الافرنج في ذي الحجة من السنة وبثوا سراياهم للنهب والاغارة ومضت منها سرية الى خوارزم فبعث تاج الدولة بوري سرية من المسلمين مع شمس الخواص من أمرائه لمدافعتهم فلقوهم وظفروا بهم واستلحموهم وبلغ الخبر الى الافرنج فأجفلوا منهزمين وأحرقوا مخلفه واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون والله تعالى ولى التوفيق.
** أسر تاج الملك لدبيس بن صدقة وتمكين عماد الدين زنكي منه **
كان بصرخد من أرض الشام [2] أميرا عليها فتوفي سنة خمس وعشرين وخلف سريته واستولت على القلعة وعملت أنه لا يتم لها استيلاؤها الا بتزويج رجل من أهل العصابة فوصف لها دبيس فكتبت اليه تستدعيه وهو على البصرة منابذا للسلطان عند ما
رجع من عند سنجر فاتخذ الأدلاء وسار الى صرخد فضل به الدليل بنواحي دمشق ونزل على قوم من بني كلاب شرقي الغوطة فحملوه الى تاج الملك فحبسه وبعث به الى عماد الدين زنكي يستدعيه ويتهدده على منعه وأطلق سريج بن تاج الملك الملوك والأمراء الذين كانوا مأسورين معه فبعث تاج الملك بدبيس اليه وأشفق على نفسه فلما وصل الى زنكي خالف ظنه وأحسن اليه وسد خلته وبسط أمله وبعث فيه المسترشد أيضا يطلبه وجاء فيه الانباري وسمع في طريقه بإحسان زنكي اليه فرجع ثم أرسل المسترشد يشفع فيه فأطلق.
** وفاة تاج الملوك بوري صاحب دمشق وولاية ابنه شمس الملوك إسماعيل **
كان تاج الملوك بوري قد ثار به جماعة من الباطنية سنة خمس وعشرين وطعنوه فأصابته جراحة واندملت ثم انتقضت عليه في رجب من سنة ست وعشرين لأربع سنين ونصف من إمارته وولى بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل بعهده اليه بذلك وكان عهد بمدينة بعلبك وأعمالها لابنه الآخر شمس الدولة وقام بتدبير أمره الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق وأحسن الى الرعية وبسط العدل فيهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
** استيلاء شمس الملوك على الحصون **
ولما تولى شمس الملوك إسماعيل وسار أخوه محمد الى بعلبك خرج اليها وحاصر أخاه محمدا بها وملك البلد واعتصم محمد بالحصن وسأل الإبقاء فأبقى عليه ورجع الى دمشق ثم سار الى باشاش وقد كان الافرنج الذين بها نقضوا الصلح وأخذوا جماعة من تجار دمشق في بيروت فسار اليها طاويا وجه مذهبه حتى وصلها في صفر سنة سبع وعشرين وقاتلها ونقب أسوارها وملكها عنوة ومثل بالافرنج الذين بها واعتصم فلهم بالقلعة حتى استأمنوا وملكها ورجع الى دمشق ثم بلغه ان المسترشد زحف الى الموصل فطمع هو في حماة وسار آخر رمضان وملكها يوم الفطر من غده فاستأمنوا اليه وملكها واستولى على ما فيها ثم سار الى قلعة شيرز وبها صاحبها من بني منقذ فحاصرها وصانعه صاحبها بمال حمله اليه فأفرج عنه وسار الى دمشق في ذي القعدة من السنة ثم سار في محرم سنة ثمان وعشرين الى حصن شقيق [1] في
الجبل المطل على بيروت وصيدا وبه الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم قد تغلب عليه وامتنع به وتحاماه المسلمون والافرنج يحتمي من كل طائفة بالأخرى فسار اليه وملكه من وقته وعظم ذلك على الافرنج فساروا الى جوران وعاثوا في نواحيها فاحتشد هو واستنجد بالتركمان وسار حتى نزل قبالتهم وجهز العسكر هنالك وخرج في البر وأناخ على طبرية وعكا فاكتسح نواحيها وامتلأت أيدي عسكره بالغنائم والسبي وانتهى الخبر الى الافرنج بمكانهم من بلاد حوران فأجفلوا الى بلادهم وعاد هو الى دمشق وراسله الافرنج في تجديد الهدنة فهادنهم.
** مقتل شمس الملوك وولاية أخيه شهاب الدين محمود **
كان شمس الملوك سيئ السيرة كثير الظلم والعدوان على رعيته مرهف الحد لأهله وأصحابه حتى انه وثب عليه بعض مماليك جده سنة سبع وعشرين وعلاه بالسيف ليقتله فأخذ وضرب فأقر على جماعة داخلوه فقتلهم وقتل معهم أخاه سونج فتنكر الناس له وأشيع عنه بأنه كاتب عماد الدين زنكي ليملكه دمشق واستحثه في الوصول لئلا يسلم البلد الى الافرنج فسار زنكي فصدق الناس الاشاعة وانتقض أصحاب أبيه لذلك وشكو الأمة فأشفقت ثم تقدمت الى غلمانه بقتله فقتلوه في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وقيل انه اتهم أمه بالحاجب يوسف بن فيروز فاعتزم على قتلها فهرب يوسف وقتلته أمه ولما قتل ولى أخوه شهاب الدين محمود من بعده ووصل أتابك زنكي بعد مقتله فحاصر دمشق من ميدان الحصار وجدوا في مدافعته والامتناع عليه وقام في ذلك معين الدين أنز مملوك جده طغراكين مقاما محمودا وجلا في المدافعة والحصار ثم وصل رسول المسترشد أبو بكر بن بهثر الجزري الى أتابك زنكي يأمره بمسالمة صاحب دمشق الملك البارسلان شهاب الدين محمود وصلحه معه فرحل عن دمشق منتصف السنة.
** استيلاء شهاب الدين محمود على حمص **
كانت حمص لقيرجان بن قراجا ولولده من بعده والموالي بها من قبلهما وطالبهم عماد الدين زنكي في تسليمها وضايقهم في نواحيها فراسلوا شهاب الدين صاحب دمشق في أن يملكها ويعوضهم عنها بتدمر فأجاب واستولى على حمص وسار اليها سنة ثلاثين وأقطعها لمملوك جده معين الدين أنز وأنزل معه حامية من عسكره ورجع الى دمشق واستأذنه الحاجب يوسف بن
فيروز في العود من تدمر الى دمشق وقد كان هرب اليها كما قدمناه وكان جماعة من الموالي منحرفين عنه بسبب ما تقدم في مقتل سونج فنكروا ذلك فلاطفهم ابن فيروز واسترضاهم وحلف لهم انه لا يتولى شيئا من الأمور ولما دخل رجع الى حاله فوثبوا عليه وقتلوه وخيموا بظاهر دمشق واشتطوا في الطلب فلم يسعفوا بكلمة فلحقوا بشمس الدولة محمد بن تاج الملوك في بعلبك وبثوا السرايا الى دمشق فعاثت في نواحيها حتى أسعفهم شهاب الدين بكل ما طلبوه فرجعوا الى ظاهر دمشق وخرج لهم شهاب الدين وتحالفوا ودخلوا الى البلد وولى مرواش كبيرهم على العساكر وجعل اليه الحل والعقد في دولته والله أعلم.
** استيلاء عماد الدين زنكي على حمص وغيرها من أعمال دمشق **
ثم سار أتابك زنكي إلى حمص في شعبان سنة إحدى وثلاثين وقدم إليه حاجبه صلاح الدين الباغيسياني وهو أكبر أمرائه مخاطبا واليها معين الدين انز في تسليمها فلم يفعل وحاصرها فامتنعت عليه فرحل عنها آخر شوال من السنة ثم سار سنة اثنتين وثلاثين إلى نواحي بعلبك فملك حصن المحولي على الأمان وهو لصاحب دمشق ثم سار إلى حمص وحاصرها وعاد ملك الروم إلى حلب فاستدعى الفرنج وملك كثيرا من الحصون مثل عين زربة وتل حمدون وحصر أنطاكية ثم رجع وأفرج أتابك زنكي خلال ذلك عن حمص ثم عاود منازلتها بعد مسير الروم وبعث إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه مرد خاتون ابنة جاولي طمعا في الاستيلاء على دمشق فزوجها له ولم يظفر بما أمله من دمشق وسلموا له حمص وقلعتها وحملت إليه خاتون في رمضان من السنة والله أعلم.
** مقتل شهاب الدين محمود وولاية أخيه محمد **
لما قتل شهاب الدين محمود في شوال سنة ثلاث وثلاثين اغتاله ثلاثة من مواليه في مضجعه بخلوته وهربوا فنجا واحد منهم وأصيب الآخران كتب معين الدين أنز إلى أخيه شمس الدين محمد بن بوري صاحب بعلبك بالخبر فسارع ودخل دمشق وتبعه الجند والأعيان وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده وأقطعه بعلبك واستقامت أموره
** استيلاء زنكي على بعلبك وحصاره دمشق **
ولما قتل شهاب الدين محمود وبلغ خبره إلى أمه خاتون زوجة أتابك زنكي بحلب عظم جزعها عليه وأرسلت إلى زنكي بالخبر وكان بالجزيرة وسألت منه الطلب بثأر ابنها فسار الى دمشق واستعدوا للحصار فعدل الى بعلبك وكانت لمعين الدين أنز كما قلناه وكان أتابك زنكي دس إليه الأموال ليمكنه من دمشق فلم يفعل فسار الى بلده بعلبك وجد في حربها ونصب عليها المجانيق حتى استأمنوا إليه وملكها في ذي الحجة آخر سنة ثلاث وثلاثين واعتصم جماعة من الجند بقلعتها ثم استأمنوا فقتلهم وأرهب الناس بهم ثم سار إلى دمشق وبعث إلى صاحبها في تسليمها والنزول عنها على أن يعوضه عنها فلم يجب إلى ذلك فزحف إليها ونزل دار يا منتصف ربيع الأول سنة اربع وثلاثين وبرزت إليه عساكر دمشق فظفر بهم وهزمهم ونزل المصلي وقاتلهم فهزمهم ثانيا ثم أمسك عن قتالهم عشرة أيام وتابع الرسل إليه بأن يعوضه عن دمشق ببعلبك أو حمص أو ما يختاره فمنعه أصحابه فعاد زنكي الى القتال واشتد في الحصار والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
** وفاة جمال الدين محمد بن بوري وولاية ابنه مجير الدين أنز **
ثم توفي جمال الدين محمد بن بوري صاحب دمشق رابع شعبان سنة أربع وثلاثين وزنكي محاصر به وهو معه في مراوضة الصلح وجمع زنكي فيما عساه أن يقع بين الأمراء من الخلاف فاشتد في الزحف فما وهنوا لذلك وولوا من بعد جمال الدين محمدا ابنه مجير الدين أنز وقام بتربيته وتدبير دولته معين الدين أنز مدبر دولته وأرسل إلى الإفرنج يستنجدهم على مدافعة زنكي على أن يحاصر قاشاش فإذا فتحها أعطاهم إياها فأجابوا إلى ذلك حذرا من استطالة زنكي بملك دمشق فسار زنكي للقائهم قبل اتصالهم بعسكر دمشق ونزل حوران في رمضان من السنة فخام الإفرنج عن لقائه وأقاموا ببلادهم فعاد زنكي إلى حصار دمشق في شوال من السنة ثم أحرق قرى المرج والغوطة ورحل عائدا إلى بلده ثم وصل الإفرنج إلى دمشق بعد رحيله فسار معهم معين الدين أنز إلى قاشاش من ولاية زنكي ليفتحها ويعطيها للافرنج كما عاهدهم عليه وقد كان واليها أغار على مدينة صور ولقيه في طريقه صاحب
أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق لإنجاد صاحبها علي زنكي فقتل الوالي ومن معه من العسكر ولجأ الباقون إلى قاشاش وجاء معين الدين أنز أثر ذلك في العساكر فملكها وسلمها للافرنج وبلغ الخبر إلى أتابك زنكي فسار إلى دمشق بعد أن فرق سراياه وبعوثه على حوران وأعمال دمشق وسار هو متجردا إليها فصبحها وخرج العسكر لقتاله فقاتلهم عامة يومه ثم تأخر إلى مرج راهط وانتظر بعثوه حتى وصلوا إليه وقد امتلأت أيديهم بالغنائم ورحل عائدا إلى بلده.
** مسير الإفرنج لحصار دمشق **
كان الإفرنج منذ ملكوا سواحل الشام ومدنه تسير إليهم أمم الإفرنج من كل ناحية من بلادهم مددا لهم على المسلمين لما يرونه من تفرد هؤلاء بالشام بين عدوهم وسار في سنة ثلاث وأربعين ملك الالمان من أمراء الإفرنج من بلاده في جموع عظيمة قاصدا بلاد الإسلام لا يشك في الغلب والاستيلاء لكثرة عساكره وتوفر عدده وأمواله فلما وصل الشام اجتمع عليه عساكر الإفرنج الذين له ممتثلين أمره فأمرهم بالمسير معه إلى دمشق فساروا لذلك سنة ثلاث وأربعين وحاصروها فقام معين الدين أنز في مدافعتهم المقام المحمود ثم قاتلهم الإفرنج سادس ربيع الأول من السنة فنالوا من المسلمين بعد الشدة والمصابرة واستشهد ذلك اليوم الفقيه حجة الدين يوسف العندلاوي المغربي وكان عالما زاهدا وسأله معين الدين يومئذ في الرجوع لضعفه وسنه فقال له قد بعت واشترى مني فلا أقيل ولا أستقيل يشير إلى آية الجهاد وتقدم حتى استشهد عند أسرت على نصف فرسخ من دمشق واستشهد معه خلق وقوي الإفرنج ونزل ملك الألمان الميدان الأخضر وكان عماد الدين زنكي صاحب الموصل قد توفي سنة إحدى وأربعين وولي ابنه سيف الدين غازي الموصل وابنه نور الدين محمود حلب فبعث معين الدين أنز إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده فجاء لإنجاده ومعه أخوه نور الدين وانتهوا إلى مدينة حمص وبعث إلى الإفرنج يتهددهم فاضطروا إلى قتاله وانقسمت مؤنتهم بين الفريقين وأرسل معين الدين إلى الألمان يتهددهم بتسليم البلد إلى ملك المشرق يعني صاحب الموصل وأرسل إلى فرنج الشام يحذرهم من استيلاء ملك الألمان على دمشق فإنه لا يبقى لكم معه مقام في الشام ووعدهم يحصن قاشاش فاجتمعوا إلى ملك الألمان وخوفوه من صاحب الموصل أن يملك دمشق فرحل عن البلد وأعطاهم معين الدين قلعة قاشاش وعاد ملك الألمان إلى بلاده على البحر المحيط في
أقصى الشمال والمغرب ثم توفي معين الدين أنز مدبر دولة أرتق والمتغلب عليه سنة أربع وأربعين لسنة من حصار ملك الألمان والله أعلم.
** استيلاء نور الدين محمود العادل على دمشق وانقراض دولة بني تتش من الشام **
كان سيف الدين غازي بن زنكي صاحب الموصل قد توفي سنة أربع وأربعين وملك أخوه قطب الدين وانفرد أخوه الآخر نور الدين محمود بحلب وما يليها وتجرد لطلب دمشق ولجهاد الإفرنج واتفق أن الإفرنج سنة ثمان وأربعين ملكوا عسقلان من يد خلفاء العلوية لضعفهم كما مر في أخبار دولتهم ولم يجد نور الدين سبيلا إلى ارتجاعها منهم لاعتراض دمشق بينه وبينهم ثم طمعوا في ملك دمشق بعد عسقلان وكان أهل دمشق يؤدون إليهم الضريبة فيدخلون لقبضها ويتحكمون فيهم ويطلقون من أسرى الإفرنج الذين بها كل من أراد الرجوع إلى أهله فخشي نور الدين عليها من الافرنج ورأى أنه أن قصدها استنصر صاحبها عليه بالإفرنج فراسل صاحبها مجير الدين واستماله بالهدايا حتى وثق به فكان يغريه بأمرائه الذين يجد بهم القوة على المدافعة واحدا واحدا ويقول له أن فلانا كاتبني بتسليم دمشق فيقتله مجير الدين حتى كان آخرهم عطاء بن حافظ السلمي الخادم وكان شديدا في مدافعة نور الدين فأرسل إلى مجير الدين بمثلها فيه فقبض عليه وقتله فسار حينئذ نور الدين الى دمشق بعد أن كاتب الأحداث الذين بها واستمالهم فوعدوه وأرسل مجير الدين الى الإفرنج يستنجده من نور الدين على أن يعطيهم بعلبك فأجابوه وشرعوا في الحشد وسبقهم نور الدين الى دمشق فثار الأحداث الذين كاتبهم وفتحوا له الباب الشرقي فدخل منه وملكها واعتصم مجير الدين بالقلعة فراسله في النزول عنها وعوضه مدينة حمص فسار إليها ثم عوضه عن حمص بالس فلم يرضها وسار إلى بغداد واختط بها دارا قرب النظامية وتوفي بها واستولى نور الدين على دمشق وأعمالها واستضافها إلى ملكه فجلب وانقرض ملك بني تتش من الشام والبلاد الفارسية أجمع والبقاء لله وحده والله مالك الملك لا رب غيره سبحانه وتعالى
** الخبر عن دولة قطلمش وبنيه ملوك قونية وبلاد الروم من السلجوقية ومبادئ أمورهم وتصاريف أحوالهم **
كان قطلمش هذا من عظماء أهل هذا البيت ونسبه فيهم مختلف فقيل قطلمش بن بيقو وابن الأثير تارة يقول قطلمش ابن عم طغرلبك وتارة يقول قطلمش بن إسرائيل من سلجوق ولعله بيان ذلك الاجمال ولما انتشر السلجوقية في البلاد طالبين للملك دخل قطلمش هذا إلى بلاد الروم وملك قونية وأقصرا ونواحيها وبعثه السلطان طغرلبك بالعساكر مع قريش بن
بدران صاحب الموصل في طلب دبيس بن مزيد عند ما أظهر الدولة العلوية في الحلة وأعمالها فهزمهم دبيس والبساسيري كما تقدم في أخبارهم ثم عصى على السلطان البارسلان بعد طغرلبك وقصد الري ليملكه وقاتله البارسلان سنة ست وخمسين فانهزم عسكر قطلمش ووجد بين القتلى فتجمع له البارسلان وقعد للعزاء فيه كما تقدم في أخبارهم وقام بأمره ابنه سليمان وملك قونية وأقصرا وغيرهما من الولاية التي كانت بيد أبيه وافتتح أنطاكية من يد الروم سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقد كانوا ملكوها منذ خمس وخمسين وأربعمائة فأخذها منهم وأضافها إلى ملكه وقد تقدم خبر ملكه إياها في دولتهم وكان لمسلم بن قريش صاحب الموصل ضريبة على الروم بأنطاكية فطالب بها سليمان بن قطلمش فامتعض لذلك وأنف منه فجمع مسلم العرب والتركمان لحصار أنطاكية ومعه جق أمير التركمان والتقيا سنة ثمان وسبعين وانحاز جق إلى سليمان فانهزم العرب وسار سليمان بن قطلمش لحصار حلب فامتنعت عليه وسألوه الإمهال حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودسوا إلى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعونه فأغذ السير واعترضه سليمان بن قطلمش على تعبية فانهزم وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وملك بعده ابنه قلج أرسلان وأقام في سلطانه ولما زحف الإفرنج إلى سواحل الشام سنة تسعين وأربعمائة جعلوا طريقهم على القسطنطينية فمنعهم من ذلك ملك الروم حتى شرط عليهم أن يعطوه أنطاكية إذا ملكوها فأجابوا لذلك وعبروا خليج القسطنطينية ومروا ببلاد قلج أرسلان بن سليمان بن قطلمش فلقيهم في جموعه قريبا من قونية فهزموه وانتهوا الى بلاد ابن ليون الارمني فمروا منها الى أنطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فاستعد للحصار وأمر بحفر الخندق فعمل فيه المسلمون يوما ثم عمل فيه النصارى الذين كانوا بالبلد من الغد فلما جاءوا للدخول منعهم وقال أنا لكم في مخلفكم حتى ينصرف هؤلاء الإفرنج وزحفوا إليه فحاصروه تسعة أشهر ثم عدا بعض الحامية من سور البلد عليهم فادخلوهم من بعض مسارب الوادي وأصبحوا في البلد فاستباحوه وركب بغيسيان للصلح فهرب ولقيه حطاب من الأرمن فجاء برأسه إلى الإفرنج وولي عليها بمشد من زعماء الإفرنج وكان صاحب حلب وصاحب دمشق قد عزما على النفير إلى أنطاكية لمدافعتهم فكاتبهم بالمسالمة وأنهم لا يعرضون لغير أنطاكية فأوهن ذلك من عزائمهم وأقصروا عن انجاد باغيسيان وكان التركمان قد انتشروا في نواحي العراق وكان كمشتكين بن طبلق المعروف أبوه بالدانشمند ومعناه المعلم عندهم قد ملك سيواس من بلاد الروم مما يلي أنطاكية وكان بملطية مما يجاورها متغلب آخر من التركمان وبينه وبين الوانشمند حروب
فاستنجد صاحب ملطية عليه الإفرنج وجاء بيضل من أنطاكية سنة ثلاث وتسعين في خمسة آلاف فلقيه ابن الوانشمند وهزمه وأخذه أسيرا وجاء الإفرنج لتخليصه فنازلوا قلعة أنكورية وهي أنقرة فأخذوها عنوة ثم ساروا إلى أخرى فيها إسماعيل بن الوانشمند وحاصروها فجمع ابن الوانشمند وقاتلهم وأكمن لهم وكانوا في عدد كثير فلما قاتلهم استطرد لهم حتى خرج عليهم الكمين وكر عليهم فلم يفلت منهم أحد وسار إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها وجاءه الإفرنج من أنطاكية فهزمهم.
** استيلاء قليج أرسلان على الموصل **
كانت الموصل وديار بكر والجزيرة بيد جكرمش من قواد السلجوقية فمنع الحمل وهم بالانتقاض فأقطع السلطان الموصل وما معها لجاولي سقاوو والكل من قوادهم وأمرهم بالمسير لقتال الإفرنج فسار جاولي وبلغ الخبر لجكرمش فسار من الموصل إلى أربل وتعاقد مع أبي الهيجاء بن موشك الكردي الهدباي صاحب أربل وانتهى إلى البوازيج فعبر إليه جكرمش دجلة وقاتله فانهزمت عساكر جكرمش وبقي جكرمش واقفا لفالج كان به فأسره جاولي ولحق الفل بالموصل فنصبوا مكانه ابنه زنكي صبيا صغيرا وأقام بأمره غزغلي مولى أبيه وكانت القلعة بيده وفرق الأموال والخيول واستعد لمدافعة جاولي وكاتب صدقة بن مزيد والبرسقي شحنة بغداد وقلج أرسلان صاحب بلاد الروم يستنجدهم ويعد كلا منهم بملك الموصل إذا دافعوا عنه جاولي فأعرض صدقة عنه ولم يحتفل بذلك ثم سار جاولي إلى الموصل وحاصرها وعرض جكرمش للقتل أو يسلموا إليه البلد فامتنعوا وأصبح جكرمش في بعض أيام حصارها [1] وسمع جاولي بأن قلج أرسلان سار في عساكره إلى نصيبين فأفرج عن الموصل وسار إلى سنجار وسبق البرسقي إليها بعد رحيل جاولي وأرسل إلى أهلها فلم يجيبوه بشيء وعاد إلى بغداد واستدعى رضوان صاحب دمشق جاولي سقاوو لمدافعة الإفرنج عنه فساروا إليه وخرج من الموصل عسكر جكرمش إلى قلج أرسلان بنصيبين فتحالفوا معه وجاءوا به إلى الموصل فملكها آخر رجب من سنة خمسمائة وخرج إليه ابن جكرمش وأصحابه وملك القلعة من غزغلي وجلس على التخت وخطب لنفسه بعد الخليفة وأحسن الى العسكر وسار في الناس بالعدل وكان في جملته إبراهيم بن نيال التركماني صاحب آمد
ومحمد بن جق التركماني صاحب حصن زياد وهو خرت برت وكان إبراهيم بن نيال قد ولى تتش على آمد حين ولي ديار بكر وكانت بيده وأما خرت برت فكانت بيد القلادروس ترجمان الروم والرها وأنطاكية من أعماله فملك سليمان بن قطلمش أنطاكية وملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر فضعف القلادروس وملك جق خرت برت من يده وأسلم القلادروس على يد السلطان ملك شاه وأمره على الرها فأقام بها حتى مات وملكها جق هي وما جاورها من الحصون وأورثها ابنه محمدا بعد موته والله تعالى ولي التوفيق.
** الحرب بين قليج أرسلان وبين الإفرنج **
كان سمند صاحب أنطاكية من الإفرنج قد وقعت بينه وبين ملك الروم بالقسطنطينية وحشة واستحكمت وسار سمند فنهب بلاد الروم وعزم على قصد أنطاكية فاستنجد ملك الروم بقليج أرسلان فأمده بعساكره وسار مع ذلك الروم فهزموا الإفرنج وأسروهم ورجع الفل إلى بلادهم بالشام فاعتزموا على قصد قليج أرسلان بالجزيرة فأتاهم خبر مقتله فاقصروا والله تعالى ولي التوفيق.
** مقتل قليج أرسلان وولاية ابنه مسعود **
قد تقدم لنا استيلاء قليج أرسلان على الموصل وديار بكر وأعمالها وجلوسه على التخت وإن جاولي سكاوو سار إلى سنجار ثم سار منها إلى الرحبة وكان قلج أرسلان خطب له بها صاحبها محمد بن السباق من بني شيبان بعد مهلك دقاق وانتفاضة على أبيه فلما حاصرها جاولي بعث إليه رضوان بن تتش صاحب حلب في النجدة على الإفرنج لما ساروا إلى بلاده فوعده لانقضاء الحصار وجاء رضوان فحضر عنده واشتد الحصار على أهل الرحبة وغدر بعضهم فأدخل أصحاب جاولي ليلا ونهبوها إلى الظهر وخرج إليه صاحبها محمد الشيباني فأطاعه ورجع عنه وبلغ الخبر إلى قلج أرسلان فسار من الموصل لحرب جاولي واستخلف عليها ابنه ملك شاه صبيا صغيرا مع أمير يدبره فلما انتهى إلى الخابور هرب عنه إبراهيم بن نيال صاحب آمد ولحق ببلده واعتزم قلج أرسلان على المطاولة واستدعى عسكره الذين أنجدهم ملك الروم على الإفرنج فجاءوا إليه واغتنم جاولي قلة عسكره فلقيه آخر ذي القعدة من السنة واشتدت الحرب وحمل قليج أرسلان على جاولي بنفسه وصرع صاحب الراية وضرب جاولي بسيفه ثم حمل أصحاب جاولي عليه فهزموه وألقى نفسه في الخابور فغرق
وسار جاولي إلى الموصل فملكها وأعاد خطبة السلطان محمد وبعث إليه ملك شاه بن قلج [1] أرسلان وولي مكان قليج أرسلان في قونية وأقصرا وسائر بلاد الروم ابنه مسعود واستقام له ملكها.
** استيلاء مسعود بن قليج أرسلان على ملطية وأعمالها **
كانت ملطية وأعمالها وسيواس لابن الوانشمند من التركمان كما مر وكانت بينه وبينهم حروب وهلك كمستكين بن الوانشمند وولي مكانه ابنه محمد واتصلت حروبه مع الإفرنج كما كان أبوه معهم ثم هلك سنة سبع وثلاثين فاستولى مسعود بن قليج أرسلان على الكثير منها وبقي الباقي بيد أخيه باغي أرسلان بن محمد.
** وفاة مسعود بن قليج وولاية ابنه قليج أرسلان **
ثم توفي مسعود بن قليج أرسلان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وملك مكانه ابنه قليج أرسلان فكانت بينه وبين باغي أرسلان ابن الوانشمند وصاحب ملطية وما جاورها من ملك الروم وحروب بسبب أن قليج تزوج بنت الملك طليق بن علي بن أبي القاسم فزوجها إليه بجهاز عظيم وأغار عليه باغي أرسلان صاحب ملطية فأخذها بما معها وزوجها بابن أخيه ذي النون بن محمد بن الوانشمند بعد أن أشار عليها بالردة لينفسخ النكاح ثم عادت إلى الإسلام وزوجها بابن أخيه فجمع قليج أرسلان عساكره وسار إلى باغي أرسلان بن الوانشمند فهزمه باغي أرسلان واستنجد ملك الروم فأمده بعسكر وسار باغي أرسلان خلال ذلك وولي إبراهيم ابن أخيه محمد وملك قليج أرسلان بعض بلاده واستولى أخوه ذو النون بن محمد الوانشمند على قيسارية وانفرد شاه بن مسعود أخو قليج أرسلان بمدينة أنكورية وهي انقرة واستقرت الحال على ذلك ثم وقعت الفتنة بين قليج أرسلان وبين نور الدين محمود بن زنكي وتراجعوا للحرب وكتب الصالح بن زربك المتغلب على العلوي بمصر إلى قليج أرسلان ينهاه عن ذلك ثم هلك إبراهيم بن محمد بن الوانشمند وملك مكانه أخوه ذو النون وانتقض قليج أرسلان عليه وملك ملطية من يده والله تعالى أعلم.
** مسير نور الدين العادل إلى بلاد قليج أرسلان **
ثم سار نور الدين محمود بن زنكي سنة ثمان وستين إلى ولاية أرسلان بن قليج أرسلان بن مسعود
ببلاد الروم وهي ملطية وسيواس وأقصرا فجاءه قليج أرسلان متنصلا معتذرا فأكرمه وثني عزمه عن قصد بلاده ثم أرسل إليه شفيعا في ذي النون بن الوانشمند [1] يرد عليه بلاده فلم يشفعه فسار إليه وملك مرعش ونهسنا [2] وما بينهما في ذي القعدة من السنة وبعث عسكرا إلى سيواس فملكوها فمال قليج أرسلان إلى الصلح وبعث إلى نور الدين يستعطفه وقد بلغه عن الفرنج ما أزعجه فأجابه على أن يمده بالعساكر للغزو وعلى أن يبقى سيواس بيد نواب نور الدين وهي لذي النون بن الوانشمند ثم جاءه كتاب الخليفة باقطاع البلاد ومن جملتها بلاد قليج أرسلان وخلاط وديار بكر ولما مات نور الدين عادت سيواس لقليج أرسلان وطرد عنها نواب ذي النون.
** مسير صلاح الدين لحرب قليج أرسلان **
كان قليج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم قد زوج بنته من نور الدين محمود بن قليج أرسلان بن داود بن سقمان صاحب حصن كيفا وغيره من ديار بكر وأعطاه عدة حصون فلم يحسن عشرتها وتزوج عليها وهجر مضجعها وامتعض أبوها قليج أرسلان لذلك واعتزم على غزو نور الدين في ديار بكر وأخذ بلاده فاستجار نور الدين بصلاح الدين بن أيوب واستشفع به فلم يشفعه وتعلل بطلب البلاد التي أعطاه عند المصاهرة فامتعض صلاح الدين لذلك وكان يحارب الإفرنج بالشام فصالحهم وسار في عساكره إلى بلاد الروم وكان الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بالشام فعدل عنه ومر على تل ناشر إلى زغبان ولقي بها نور الدين محمود صاحب كيفا وبعث إليه قليج أرسلان رسولا يقرر غدره بابنته فاغتاظ على الرسول وتوعده بأخذ بلادهم فتلطف له الرسول وخلص معه نجيا فقبح له ما ارتكبه من أجل هذه المرأة من ترك الغزو ومصالحة العدو وجمع العساكر وخسارة وأن بنت قليج أرسلان لو بعث إليه بعد وفاة أبيها تسأل منه النصفة بينها وبين زوجها لكان أحق ما تقصده فامتنعت وعلم أن على نفسه الحق فأمر الرسول أن يصلح بينهم ويكون هو عونا له على ذلك فداخلهم ذلك الرسول في الصلح على أن يطلق هذه المرأة بعد سنة ويعقد بينهم ذلك ورجع كل الى بلده ووفى نور الدين بما عقد على نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم.
** قسمة قليج أرسلان أعماله بين ولده وتغلبهم عليه **
ثم قسم قليج أرسلان سنة سبع وثمانين أعماله بين ولده فأعطى قونية بأعمالها لغياث الدين كسنجر وأقصرا وسيواس لقطب الدين ودوقاط لركن الدين سليمان وأنقرة وهي أنكورية لمحيي الدين وملطية لعز الدين قيصر شاه و [1] لغيث الدين وقيسارية لنور الدين محمود وأعطى تكسار وأماسا لابني أخيه وتغلب عليه ابنه قطب الدين وحمله على انتزاع ملطية من يد قيصر شاه فانتزعها ولحق قيصر شاه بصلاح الدين بن أيوب مستشفعا به فأكرمه وزوجه ابنة أخيه العادل وشفع له عند أبيه وأخيه فشفعوه وردوا عليه ملطية ثم زاد تغلب ركن الدين وحجر عليه وقتل دائبة في مدينته [2] وهو اختيار الدين حسن فخرج سائر بنيه عن طاعته وأخذ قطب الدين أباه وسار به إلى قيسارية ليملكها من أخيه فهرب قليج أرسلان ودخل قيسارية وعاد قطب الدين إلى قونية وأقصرا فملكها وبقي أرسلان ينتقل بين ولده من واحد إلى آخر وهم معرضون عنه حتى استنجد بغياث الدين كسنجر صاحب [3] منهم فأنجده وسار معه إلى قونية فملكها ثم سار إلى أقصرا وحاصرها ثم مرض قليج أرسلان وعاد إلى قونية فتوفي فيها وقبل إنما اختلف ولده عليه لأنه ندم على قسمة أعماله بينهم وأراد إيثار ابنه قطب الدين بجميعها وانتقضوا عليه لذلك وخرجوا عن طاعته وبقي يتردد بينهم وقصد كسنجر وصاحب قونية فأطاعه وخرج معه بالعساكر لحصار محمود أخيه في قيسارية وتوفي قليج أرسلان وهو محاصر لقيسارية ورجع غياث الدين إلى قونية.
** وفاة قليج أرسلان وولاية ابنه غياث الدين **
ثم توفي قليج أرسلان بمدينة قونية أو على قيسارية كما مر من الخلاف منتصف ثمان وثمانين لسبع وعشرين سنة من ملكه وكان مهيبا عادلا حسن السياسة كثير الجهاد ولما توفي واستقل ابنه غياث الدين كسنجر بقونية وما إليها وكان قطب الدين أخوه صاحب أقصرا وسيواس وكان كلما سار من إحداهما إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية وبها أخوه نور الدين محمود
يتلقاه بظاهرها حتى استنام إليه مدة فغدر به وقتله وامتنع أصحابه بقيسارية كبيرهم حسن فقتله مع أخيه ثم أطاعوه وأمكنوه من البلد ومات قطب الدين أثر ذلك.
** استيلاء ركن الدين سليمان على قونية وأكثر بلاد الروم وفرار غياث الدين **
ولما توفي قليج أرسلان وولي بعده في قونية ابنه غياث الدين كسنجر وبنوه يومئذ على حالتهم في ولايتهم التي قسمها بينهم أبوهم وملك قطب الدين منهم قيسارية بعد أن غدر بأخيه محمود صاحبها ومات قطب الدين أثر ذلك فسار ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى التغلب على أعمال سلفه ببلاد الروم فسار إلى سيواس وأقصرا وقيسارية أعمال قطب الدين فملكها ثم سار إلى قونية فحاصر بها غياث الدين وملكها ولحق غياث الدين بالشام كما يأتي خبره ثم سار إلى نكسار وأماسا فملكهما وسار إلى ملطية سنة سبع وتسعين فملكها من يد معز الدين قيصر شاه ولحق معز الدين بالعادل أبي بكر بن أيوب ثم سار إلى أرزن الروم وكانت لولد الملك محمد بن حليق من بيت قديم وخرج إليه صاحبها ليقرر معه صلحا فقبض عليه وملك البلد فاجتمع لركن الدين سائر أعمال إخوته ما عدا أنقرة لحصانتها فجمر عليها الكتائب وحاصرها ثلاثا ثم دس من قتل أخاه وملك البلد سنة إحدى وستمائة وتوفي هو عقب ذلك والله تعالى أعلم.
** وفاة ركن الدين وولاية ابنه قليج أرسلان **
ثم توفي ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان أوائل ذي القعدة من تمام سنة إحدى وستمائة وولي بعده ابنه قليج أرسلان فلم تطل مدته وكان ركن الدين ملكا حازما شديدا على الأعداء إلا أنه ينسب إلى التزين بالفلسفة والله تعالى أعلم.
** استيلاء غياث الدين كسنجر على بلاد الروم من أخيه ركن الدين **
كان غياث الدين كسنجر بن قليج أرسلان لما ملك أخوه ركن الدين قونية من يده لحق بحلب وفيها الظاهر غازي بن صلاح الدين فلم يجد عنده قبولا فسار إلى القسطنطينية وأكرمه
ملك الروم وأصهر إليه بعض البطارقة في ابنته وكانت له قرية حصينة في أعمال قسطنطينية فلما استولى الإفرنج على القسطنطينية سنة ستمائة لحق غياث الدين بقلعة صهره البطريق وبلغ إليه خبر أخيه تلك السنة وبعث بعض الأمراء من قونية يستدعيه فسار إليه واجتمعوا على حصار قونية وخرجت إليهم العساكر منها فهزموه ولحق ببعض البلاد فتحصن بها ثم قام أهل اقصرا بدعوته وطردوا واليهم وبلغ الخبر إلى أهل قونية فثاروا بقليج أرسلان بن ركن الدين وقبضوا عليه واستدعوا غياث الدين فملكوه وأمكنوه من ابن أخيه وكان أخوه قيصر شاه قد لحق بصهره العادل أبي بكر بن أيوب فاستنصر به على أخيه ركن الدين عند ما ملك ملطية من يده فأمر له بالرها واستفحل ملك غياث الدين وقصده علي بن يوسف صاحب شميشاط ونظام الدين بن أرسلان صاحب خرت برت وغيرهما وعظم شأنه إلى أن قتله أشكر صاحب قسطنطينية سنة سبع وستمائة والله تعالى ولي التوفيق.
** مقتل غياث الدين كسنجر وولاية ابنه كيكاوس **
ولما قتل غياث الدين كسنجر وولي بعده ابنه كيكاوس ولقبوه الغالب بالله وكان عمه طغرك شاه بن قليج أرسلان صاحب أرزن الروم طلب الأمر لنفسه وسار إلى قتال كيكاوس ابن أخيه وحاصره في سيواس وقصد أخوه كيغباد بن كسنجر بلد انكوريه من اعماله فاستولى عليها وبعث كيكاوس صريخه إلى الملك العادل صاحب دمشق فأنفذ إليه العساكر وأفرج طغرك عن سيواس قبل وصولهم فسار كيكاوس إلى أنكورية وملكها من يد أخيه كيغباد وحبسه وقتل أمراءه وسار إلى عمه طغرك في أرزن الروم فظفر به سنة عشر وقتله وملك بلاده.
** مسير كيكاوس إلى حلب واستيلاؤه على بعض أعمالها ثم هزيمته وارتجاع البلد من يده **
كان الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب قد توفي وملك بعده ابنه طفلا صغيرا وكان بعض أهل حلب قد لحق بكيكاوس فرارا من الظاهر وأغراه بملك حلب وهون عليه أمرها وملك ما بعدها ولما مات الظاهر قوي عزمه وطمعه في ذلك واستدعى الأفضل بن صلاح الدين بن شميشاط للمسير معه على أن تكون الخطبة لكيكاوس والولاية للأفضل في جميع ما يفتحونه من حلب وأعمالها فإذا افتحوا بلاد الجزيرة مثل حران والرها من يد الأشرف تكون ولايتها لكيكاوس وتعاقدوا على ذلك وساروا سنة خمس عشرة فملكوا قلعة
رغبان وتسلمها الأفضل على الشرط ثم ملكوا قلعة تل ناشر فاستأثر بها كيكاوس وارتاب الأفضل ثم بعث ابن الظاهر صاحب حلب إلى الأشرف بن العادل صاحب الجزيرة وخلاط يستنجده على أن يخطب له بحلب وينقش اسمه على السكة فسار لإنجاده ومعه أحياء طيئ من العرب فنزل بظاهر حلب وسار كيكاوس والأفضل إلى منبج ولقيت طليعتهم طليعة الظاهر فاقتتلوا وعاد عسكر كيكاوس منهزمين إليه فأجفل وسار الأشرف إلى رغبان وتل ناشر وبهما أصحاب كيكاوس فغلبهم عليهما وأطلقهم إلى صاحبهم فأحرقهم بالنار وسلم الأشرف الحصنين إلى شهاب الدين بن الظاهر صاحب حلب وبلغه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل بمصر فرجع عن قصد بلاد الروم.
** وفاة كيكاوس وملك أخيه كيغباد **
كان كيكاوس بعد الواقعة بينه وبين الأشرف قد اعتزم على قصد بلاد الأشرف بالجزيرة واتفق مع صاحب آمد وصاحب أربل على ذلك وكانا يخطبان له ثم سار إلى ملطية يشغل الأشرف عن الموصل حتى ينال منها صاحب أربل ومرض في طريقه فعاد ومات سنة ست عشرة وخلف بنيه صغارا وكان أخوه كيغباد محبوسا منذ أخذه من أنكورية فأخرجه الجند من محبسه وملكوه وقيل بل أخرجه هو من محبسه وعهد إليه ولما ملك خالف عليه عمه صاحب أرزن الروم فوصل يده بالأشرف وعقد معه صلحا.
** الفتنة بين كيغباد وصاحب آمد من بني أرتق وفتح عدة من حصونه **
كانت الفتنة قد حدثت بين الأشرف صاحب الجزيرة والمعظم صاحب دمشق وجاء جلال الدين خوارزم من الهند سنة ثلاث وعشرين بعد هروبه أمام التتر فملك أذربيجان واعتضد به المعظم صاحب دمشق على الأشرف وظاهرهما الملك مسعود صاحب آمد من بني أرتق فأرسل الأشرف إلى كيغباد ملك الروم يستنجده على صاحب آمد والأشرف يومئذ محاصر لماردين فسار كيغباد وأقام على ملطية وجهز العساكر من هناك إلى آمد ففتح حصونا عدة وعاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف فكتب إلى كيغباد أن يرد عليه ما أخذه فامتنع فبعث عساكره إلى صاحب آمد مددا على كيغباد وكان محاصرا لقلعة الكحنا فلقيهم وهزمهم وأثخن فيهم وعاد ففتح القلعة والله أعلم
** استيلاء كيغباد على مدينة أرزنكان **
كان صاحب ارزنكان هذه بهرام شاه من بني الأحدب بيت قديم في الملك وملكها ستين سنة ولم يزل في طاعة قليج أرسلان وولده وتوفي بعده ابنه علاء الدين داود شاه وأرسل عنه كيغباد سنة خمس وعشرين ليعسكر معه إليه وقبض عليه وملك مدينة ارزنكان وكان من حصونه كماح فامتنع نائبة فيه وتهدد داود شاه فبعث إلى نائبة فسلم له الحصن ثم قصد ارزن الروم وبها ابن عمر طغرك شاه بن قليج أرسلان فبعث ابن طغرك شاه بطاعته إلى الأشرف واستنجد نائبة بخلاط حسام الدين علي فسار إليه فخام كيغباد عن لقائه وعاد من ارزنكان إلى بلاده فوجد العدو من الإفرنج قد ملك قلعة منها تسمى صنوبا مطلة على بحر الخزر فحاصرها برا وبحرا وارتجعها المسلمون والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
** فتنة كيغباد مع جلال الدين **
كان صاحب أرزن الروم وهو ابن عم كيغباد صار إلى طاعة جلال الدين خوارزم شاه وحاصر معه خلاط وفيها أيبك مولى فملكها جلال الدين وقتل أيبك كما يأتي في أخباره فخافهما كيغباد صاحب الروم فاستنجد الملك الكامل وهو بحران فأمده بأخيه الأشرف من دمشق فجمع عساكر الجزيرة والشام وسار إلى كيغباد فلقيه بسيواس واجتمعوا في خمسة وعشرين ألفا وساروا من سيواس إلى خلاط فلقيهم جلال الدين في نواحي ارزنكان فهاله منظرهم ومضى منهزما إلى خلاط ثم سار منها إلى أذربيجان فنزلوا عند خوي وسار الأشرف إلى خلاط فوجد جلال الدين قد خربها فعادوا إلى بلادهم وترددت الرسل إلى الصلح فاصطلحوا.
** مسير بني أيوب إلى كيغباد وهزيمتهم **
كان علاء الدين كيغباد قد استفحل ملكه ببلاد الروم ومد يده إلى ما يجاوره من البلاد فملك خلاط بعد أن دافع عنها مع الأشرف بن العادل جلال الدين خوارزم شاه فنازعه الأشرف في ذلك واستصرخ بأخيه الكامل فسار في العساكر من مصر سنة إحدى وثلاثين وسار معه الملوك من أهل بيته وانتهى إلى النهر الأزرق من تخوم الروم وبعث في مقدمته المظفر صاحب حماة من أهل بيته فلقيه كيغباد وهزمه وحصره في خرت برت وكانت لبني أرتق ورجع
الكامل بالعساكر إلى مصر سنة اثنتين وثلاثين وكيغباد في أتباعهم ثم سار إلى حران والرها فملكهما من يد نواب الكامل وولى عليهما من قبله وسار الكامل سنة ثلاث وثلاثين فارتجعهما.
** وفاة كيغباد وملك ابنه كنجسرو [1] **
ثم توفي علاء الدين كيغباد سنة أربع وثلاثين وستمائة وملك بعده ابنه غياث الدين كنجسرو وقارن ذلك انقراض الدولة السلجوقية من ممالك الإسلام واختلال دولة بني خوارزم شاه وخروج التتر من مفازة الترك وراء النهر واستيلاء جنكزخان سلطانهم على الممالك وانتزاعها من يد بني خوارزم شاه وفر جلال الدين آخرهم إلى الهند ثم رجع واستولى على أذربيجان وعراق العجم وكان بنو أيوب يومئذ بممالك الشام وأرمينية كما نذكر ذلك كله في أماكنه إن شاء الله تعالى وانتشر التتر في سائر النواحي وعاثوا فيها وتغلبوا عليها واستفحل ملكهم فسارت منهم طوائف إلى بلاد الروم سنة إحدى وأربعين فبعث غياث الدين كنجسرو بالصريخ إلى بني أيوب وغيرهم من الترك في جواره وجاء المدد من كل جانب فسار للقائهم ولقيتهم المقدمة على قشمير زنجان فانهزمت المقدمة ووصلوا إليه فانهزم ونجا بعياله وذخيرته الى مدينة على مسيرة شهر من المعترك ونهبوا سواده ومخلفه وانتشروا في نواحي بلاد الروم وعاثوا فيها وتحصن غياث الدين بهذه المدينة واستولى التتر على خلاط وآمد ثم استأمن لهم غياث الدين ودخل في طاعتهم واستقامت أموره معهم إلى أن مات قريبا من رجوعه وملك التتر قيسارية والله أعلم.
** وفاة غياث الدين وولاية ابنه كيغباد **
ثم توفي غياث الدين كنجسرو سنة أربع وخمسين وترك ثلاثا من الولد أكبرهم علاء الدين كيغباد وعز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وولى علاء الدين كيغباد بعهده إليه وكان يخطب لهم جميعا وأمرهم واحد وكان جنكزخان ملك التتر قد ملك وكان كرسي سلطانهم بقراقرم وولي مكانه ابنه طلو خان وجلس على كرسيه وهو الخان الأعظم عندهم وحكمه ماض في ملوك الشمال والعراق من أهل بيته وسائر عشيرته ثم هلك طلو خان وولي مكانه في كرسيه ابنه منكوفان فبعث أخاه هلاكو لفتح العراق وبلاد الإسماعيلية سنة
خمسين وستمائة فسار لذلك وملك العراقين وبغداد ثم جرد الخان الأعظم منكوفان إلى بلاد الروم سنة أربع وخمسين أميرا من أمراء المغل اسمه بيكوفي العساكر فسار الى أرزن الروم وبها سنان الدين ياقوت موسى السلطان علاء الدين فحاصرها شهرين ونصب عليها المجانيق ثم ملكها عنوة وأسر ياقوت واستلحم الجند بأسرهم واستبقى الباعة والصناع ثم سار الى بلاد الروم فملك قيسارية ومسيرة شهر معها ورجع ثم عاد سنة خمس وخمسين وعاث في البلاد واستولى على أكثر من الأولى والله تعالى أعلم.
** وفاة كيغباد وملك أخيه كيكاوس **
ولما كثر عيث التتر الذين مع بيكوفي مملكة علاء الدين كيغباد واعتزم على المسير إلى الخان الأعظم منكوفان يؤكد الدخول في طاعته ويقتضي مراسمه الى بيكو ومن معه من المغل بالكف عن البلاد سار من قونية سنة خمس وخمسين ومعه سيف الدين طرنطاي من موالي أبيه واحتمل معه الأموال والهدايا وسار ووثب أخوه عز الدين كيكاوس على أخيه الآخر قليج أرسلان فاعتقله بقونية واستولى على الملك وكتب في أثر أخيه إلى سيف الدين طرنطاي مع بعض الأكابر من أصحابه أن يمكنوه من الهدايا التي معهم يتوجه بها إلى الخان ويردوا علاء الدين فلم يدركوه حتى دخل بلاد الخان ونزل على بعض أمرائه فسعى ذلك الرسول في علاء الدين وطرنطاي بأن معهم سما فكبسهم الأمير فوجد شيئا من المحمودة فعرض عليهم أكلها فامتنعوا فتخيل تحقيق السعاية فسألوه احضار الأطباء فأزالوا عنه الشك وبعث بهم إلى الخان ومات علاء الدين أثناء طريقه ولما اجتمعوا عند الخان اتفقوا على ولاية عز الدين كيكاوس وأنه أكبر وعقدوا له الصلح مع الخان فكتب له وخلع عليهم ثم كتب بيكو إلى الخان بأن أهل بلاد الروم قاتلوه ومنعوه العبور فأحضر الرسل وعرفهم الخبر فقالوا إذا بلغناهم كتاب السلطان أذعنوا فكتب الخان بتشريك الأميرين عز الدين كيكاوس وأخيه ركن الدين قليج أرسلان على أن تكون البلاد قسمة بينهما فمن سيواس إلى القسطنطينية غربا لعز الدين ومن سيواس إلى أرزن الروم شرقا المتصلة ببلاد التتر ركن الدين وعلى الطاعة وحمل الإتاوة لمنكو خان ملكهم صاحب الكرسي بقراقرم ورجعوا إلى بلاد الروم وحملوا معه شاه وكيغباد إلى أن دفنوه
** استيلاء التتر على قونية **
ثم سار في عساكر المغل إلى بلاد الروم ثالثة فبعث عز الدين كيكاوس العساكر للقائه مع أرسلان آيدغمش من أمرائه فهزمه بيكو وجاء في إتباعه إلى قونية فهرب عز الدين كيكاوس إلى العلايا بساحل البحر فنزل بيكو على قونية وحاصرها حتى استأمنوا إليه على يد خطيبهم ولما حضر إليه أكرمه ورفع منزلته وأسلمت امرأته على يده وأمن أهل البلد ثم سار هلاكو إلى بغداد سنة خمس وستين وبعث عن بيكو وعساكره من بلاد الروم بالحضور معه فاعتذر بالأكراد الذين في طريقه من الفراسلية والياروقية فبعث إليهم هلاكو العساكر فأجفلوا وانتهت العساكر إلى أذربيجان وقد أجفل أهلها أمام الأكراد فاستولوا عليها ورجعوا صحبة بيكو إلى هلاكو فحضر معه فتح بغداد وقد مر خبرها في أخبار الخلفاء ويأتي في أخبار هلاكو ونيال أن بيكو لما بعث عنه هلاكو لم يحضر معه فتح بغداد واستمر على غدره فلما انقضى أمر بغداد بعث إليه هلاكو من سقاه السم فمات لأنه اتهمه بالاستبداد ثم سار هلاكو بعد فتح بغداد إلى الشام سنة ثمان وخمسين وحاصر حلب وبعث عن عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وعن معين الدين سليمان البر نواه صاحب دولتهم وكان من خبره أن أباه مهذب الدين علي كان من الديلم وطلب العلم ونبغ فيه ثم تعرض للوزير سعد الدين المستوفي أيام علاء الدين كيغباد يسأله إجراء رزقه وكان وصافا فاستحسنه وزوجه ابنته فولدت سليمان ونشأ في الدولة ومات سعد الدين المستوفي فرقي السلطان مهذب الدين إلى الوزارة وألقى إليه بالمقاليد وتوفي مهذب الدين وترقي ابنه سليمان مهذب الدولة وكان يلقب معين الدين وترقي في الرتب إلى أن ولي الحجابة وكان يدعي البرنواه ومعناه الحاجب بلغتهم وكان مختصا بركن الدين فلما حضر معهما عند هلاكو كما قلناه حلا بعينه وقال لركن الدين لا يأتني في أموركم إلا هذا فرقت حاله الى أن ملك بلاد الروم أجمع.
** الفتنة بين عز الدين كيكاوس وأخيه قليج أرسلان واستيلاء قليج أرسلان على الملك **
ثم وقعت الفتنة سنة تسع وخمسين بين عز الدين كيكاوس وأخيه ركن الدين قليج أرسلان وسار ركن الدين ومعه البرنواه إلى هلاكو يستمده على أخيه فأمده بالعساكر وحارب أخاه فهزمه عز الدين أولا ثم أمده هلاكو فانهزم عز الدين ولحق بالقسطنطينية واستولى ركن الدين
على سائر الأعمال وهرب التركمان إلى أطراف الجبال والثغور والسواحل وبعثوا إلى هلاكو يطلبون الولاية منه على أحيائهم فولاهم وأذن لهم في اتخاذ الآلة فصاروا ملوكا من حينئذ وكان محمد بك أميرهم وأخوه علي بك رديفه فاستدعى علي هلاكو محمدا بك فلم يأته فأمر قليج أرسلان وعساكر التتر الذين معه بقتاله فساروا وقاتلوه فانهزم ثم استأمن إلى السلطان ركن الدين فأمنه وجاء به إلى قونية فقتله واستقر علي بك أميرا على التركمان وأورثها بنيه واستولى التتر على البلاد إلى.
** خبر عز الدين كيكاوس **
ولما انهزم عز الدين كيكاوس ولحق بالقسطنطينية أحسن إليه مخاييل الشكري صاحب قسطنطينية وأجرى عليه الرزق وكان معه جماعة من الروم أخواله فحدثتهم أنفسهم بالثورة وتملك القسطنطينية ونمى ذلك عنهم فقبض الشكري عليه وعلى من معه واعتقله ببعض القلاع ثم وقعت بين الشكري وبين منكوتمر بن طغان ملك الشمال من بني دوشي خان بن جنكزخان فتنة وغزا منكوتمر القسطنطينية وعاث في نواحيها فهرب إليه كيكاوس من محبسه فمضى معه إلى كرسيه بصراي فمات هنالك سنة سبع وسبعين وخلف ابنه مسعودا وخطب منكوتمر ملك صراي أمه فمنعها وهرب عنه ولحق بابق بن هلاكو ملك العراق فأحسن إليه وأقطعه سيواس وارزن الروم وارزنكان فاستقر بها.
** مقتل ركن الدين قليج أرسلان وولاية ابنه كنجسرو **
كان معين الدين سليمان البرنواه قد استبد على ركن الدين قليج أرسلان ثم تنكر له ركن الدين فخاف سليمان البرنواه على مكان أخيه عز الدين كيكاوس بالقسطنطينية أن يحدث فيه أمرا فلما بلغه خبر كيكاوس واعتقاله بالقسطنطينية أحكم تدبيره في ركن الدولة فقتله غيلة ونصب للملك ابنه غياث الدين في كفالته وتحت حجره واستقل بملك بلاد الروم واستقامت أموره والله سبحانه وتعالى أعلم.
** استيلاء الظاهر ملك مصر على قيسارية ومقتل البرنواه **
كان هلاكو قد زحف إلى الشام سنة ثمان وخمسين مرارا وزحف ابنه إبقا كذلك وقاتلهم الملك الظاهر صاحب مصر والشام وكان كثيرا ما يخالفهم إلى بلادهم فدخل سنة خمس
وسبعين إلى بلاد الروم وأميرها يومئذ من التتر طغا وأمده إبقا بأميرين من التتر وهما كداون وترقو لحماية بلاد الروم من الظاهر فزحفوا إلى الشام وسار إليهم الظاهر من مصر في مقدمته سقر الأسقر فلقيت مقدمته مقدمتهم على كوكصو فانهزم التتر وتبعهم الظاهر والتقى الجمعان على إبليش فانهزموا ثانية وأثخن فيهم الظاهر بالقتل والأسر إلى قيسارية فملكها وكان البرنواه قد دس إليه واستحثه للوصول إلى بلاده فأقام الظاهر على قيسارية ينتظره وبلغ ملك التتر إبقا خبر الواقعة فزحف في جموع المغل إلى قيسارية بعد منصرف الظاهر إلى بلاده فلما وقف على مصارع قومه وجد على البرنواه وصدقت عنه السعاية فيه وأنه الذي استحث الظاهر لأنه لم ير في المعركة مصرع أحد من بلاد الروم ورجع إلى معسكره ومعه سليمان البرنواه واستبد بملكه والله تعالى ولي التوفيق وهو نعم الرفيق لا رب سواه ولا معبود إلا إياه سبحانه.
** خلع كنجسرو ثم مقتله وولاية مسعود ابن عمه كيكاوس **
كان قنطغرطاي بن هلاكو مقيما ببلاد الروم مع غياث الدين كنجسرو ملك بلاد الروم وصار أمير المغل بها منذ عهد أبقا ولما ولي أحمد تكرار بن هلاكو بعد أخيه أبقا بعث عن أخيه قنطغرطاي فامتنع من الوصول إليه خشية على نفسه ثم حمله غياث الدين على إجابة أخيه وسار معه فقتل تكرار أخاه قنطغرطاي واتهم المغل غياث الدين بأنه علم برأي تكرار فيه واعتمد فلما ولي أرغون بن إبقا بعد تكرار عزل غياث الدين عن بلاد الروم وحبسه بارزنكاي وولي مكانه على المغل ببلاد الروم أولاكو وذلك سنة اثنتين وثمانين وأقام مسعود ملكا ببلاد الروم سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأصابه الفقر وانحل أمره وبقي الملك بها للتتر ثم فشل أمرهم واضمحلت دولتهم لا بقايا بسيواس من بني أرثا مملوك دمرداش بن جومان واستولى التركمان على تلك البلاد أجمع وأصبح ملكها لهم والله غالب على أمره يؤتي الملك من يشاء وهو العزيز الحكيم
ملوك قونية من بلاد الروم وملكها من أيديهم التتر
** الخبر عن بني سكمان موالي السلجوقية ملوك خلاط وبلاد أرمينية ومصير الملك الى مواليهم من بعدهم ومبادي أمرهم وتصاريف أحوالهم **
كان صاحب مزيد من أذربيجان إسماعيل بن ياقوتي بن داود أخو البارسلان وداود أخو طغرلبك كما مر ولقب إسماعيل قطب الدولة وكان له مولى تركي اسمه سكمان بالكاف والقاف وكان ينسب اليه فيقال سكمان القطبي وكان شهما عادلا في أحكامه وكانت خلاط وارمينية لبني مروان ملوك ديار بكر وكانوا في آخر دولتهم قد اشتد عسفهم وظلمهم وساء حال أهل البلد معهم فاجتمع أهل خلاط وكاتبوا سكمان واستدعوه ليملكوه عليهم فسار اليهم سنة اثنتين وخمسمائة الى ميافارقين من ديار، بكر فحاصرها حتى استأمنوا اليه وملكها ثم أمر السلطان محمد شاه بن ملك شاه الأمير مودود بن زيد بن صدقة صاحب الموصل بغزو الافرنج وانتزاع البلاد من أيديهم وأمر أمراء الثغور بالمسير معه فسار معه برسق صاحب همذان وأحمد بك صاحب مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل وأبو الغازي صاحب ماردين وسقمان القطبي صاحب ديار بكر فساروا لذلك وفتحوا عدة حصون وحاصروا الرها فامتنعت عليهم ثم تل ناشر كذلك واستدعاهم رضوان بن تتش صاحب حلب [1] فلما ساروا اليه امتنع من لقائهم ومرض سكمان القطبي هنالك فرجع عنهم وتوفي في طريقه ببالس وافترقت العساكر وملك خلاط وبلاد ارمينية بعد مهلكه ابنه ظهير الدين إبراهيم وسار فيهم بسيرة أبيه الى أن هلك سنة احدى وعشرين وملك بعده أخوه أحمد بن سكمان عشرة أشهر ثم توفي فنصب أصحابه للملك بارمينية وخلاط شاه أرمن سكمان ابن أخيه إبراهيم بن سكمان صبيا دارجا واستبدت عليه جدته أم إبراهيم ثم أزمعت قتله فقتلها أهل الدولة وعمد سنة ثمان وعشرين واستبد شاه أرمن وكانت بينه وبين الكرج وقائع وساروا سنة ست وخمسمائة الى مدينة اني من اعمال اران فاستباحوها وسار اليهم في العساكر فهزموه ونالوا منه وكانت عنده أخت طليق بن علي صاحب ارزن الروم ووقعت بينه وبين الكرج حرب فانهزم طليق وأسر وبعث شاه ارمن الى ملك الكرج وفادى طليقا ورده الى ملكه
بارزن ثم استولى صلاح الدين بن أيوب على مصر والشام واستفحل ملكه وكاتبه مظفر الدين كوكبري وأغراه بملك الجزيرة ووعده بخمسين ألف دينار وسار صلاح الدين الى سنجار فحاصرها وهو مجمع المسير الى الموصل وبها يومئذ عز الدين مودود بن زنكي فاستنجد بشاه ارمن صاحب خلاط فبعث شاه ارمن مولاه مكتمر [1] الى صلاح الدين شفيعا في صاحب الموصل ووفد عليه وهو محاصر لسنجار ولم يشفعه صلاح الدين فرجع عنه مغاضبا وسار شاه ارمن لقتاله واستدعى قطب الدين نجم الدين الى صاحب ماردين وهو ابن أخيه وابن خال عز الدين وحضر معه دولة شاه بن طغرك شاه بن قليج ارسلان صاحب [2] وسار سنة ثمان وسبعين وقد ملك صلاح الدين سنجار وافترقت العساكر فلما بلغه مسيرهم بعث عن تقي الدين ابن أخيه شاه من حماة فوافاه سريعا ورحل الى رأس عين وافترقت جموعهم وسار صلاح الدين الى ماردين فعاث في نواحيها ورجع ثم سار الى الموصل آخر احدى وثلاثين وعبر الى الجزيرة وانتهى الى حران ولقيه مظفر الدين كوكبري بن زين الدين ولم يف له بالخمسين ألفا التي وعده بها وأخذ منه حران والرها ثم أطلقه بما نفذه من مكاتبته وأعاد عليه بلدته وسار من حران فحضر عنده عساكر الحصن ودارا ولقيه سنجر شاه صاحب الجزيرة ابن أخي عز الدين مودود مفارقا لطاعة عمه وسار معه الى الموصل ولما انتهى الى مدينة بله بعث اليه عز الدين ابن عمه نور الدين محمود وجماعة من أعيان الدولة راغبين في الصلح فأكرمهم واستشار أصحابه من أعيان الدولة فأشار علي بن أحمد المشطوب كبير الهكارية بالامتناع من ذلك فردهم صلاح الدين واعتذر وسار فنزل على فرسخين من الموصل واشتدوا في مدافعته فامتنعوا عليه فندم على عدم الصلح ورجع على علي المشطوب ومن وافقه باللائمة وخاطبه القاضي الفاضل البيساني من مصر وعزله في ذلك وجاء زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب اربل وأخوه مظفر الدين كوكبري فتلقاهما بالتكرمة وأنزلهما مع الحشود الوافدة بالجانب الشرقي وبعث علي بن أحمد المشطوب الهكاري الى قلعة الجزيرة من بلاد الهكارية فحاصرها واجتمع عليه الأكراد ولم يزل محاصرا لها حتى عاد صلاح الدين من الموصل وأقام صلاح الدين على حصارها مدة وبلغ عز الدين أن نائبة بالقلعة يكاتبه فمنعه من الصعود اليها وكان يقتدى برأي مجاهد الدين وبعثه في الصلح فسعى فيه الى أن تحمله ووصل صلاح الدين الى ميافارقين.
** وفاة شاه ارمن سكمان وولاية مكتمر مولى أبيه **
ثم توفي شاه أرمن سقمان بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط سنة ست وسبعين وكان مكتمر مولى أبيه بميافارقين فأسرع الوصول بمن معه من المماليك واستولى على كرسي بني سكمان وولى على ميافارقين أسد الدين برتقش من موالي شاه ارمن وكان البهلوان بن ايلدكز صاحب أذربيجان وهمذان مر بقائد ملوك السلجوقية وقد زوج ابنته من شاه ارمن طمعا في ملك خلاط فلما توفي شاه ارمن سار اليها في عساكره فكاتب أهل خلاط صلاح الدين بن أيوب ودافعوا كلا منهما بالآخر وسار صلاح الدين في مقدمته ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه ومظفر الدين بن زين الدين وغيرهما ونزلوا قريبا من خلاط فتردد الرسل من صلاح الدين ومن شمس الدين البهلوان الى أهل خلاط وهم يدافعون الفريقين وكان قد بلغه صاحبها قطب الدين وان برتقش نصب ابنه طفلا صغيرا واستبد عليه فسار صلاح الدين اليها وحاصرها حتى تسلمها على الأمان وأقام مكتمر أميرا بخلاط وطالت مدته وجرت بينه وبين صلاح الدين فتن وحروب الى أن توفي صلاح الدين سنة تسع وثمانين فأظهر الشماتة به وتسمى عبد العزيز وتلقب سيف الدين وتوفى أثر ذلك والله تعالى أعلم.
** وفاة مكتمر وولاية آقسنقر **
كان مكتمر لأول ولايته قد اختص آقسنقر من موالي شاه ارمن وتلقب هزار ديناري وزوجه بنته وجعله اتابكه فأقام على ذلك مدة ثم استوحش من مكتمر وتربص به حتى إذا توفى صلاح الدين تجهز مكتمر من ميافارقين فأمكنته فيه الفرصة فقتله لعشر سنين من ولايته وذلك بعد وفاة صلاح الدين بشهرين واستبد بملك خلاط وارمينية واعتقل ابن مكتمر وأمه في بعض القلاع والله سبحانه وتعالى أعلم.
** وفاة آقسنقر وولاية محمد بن مكتمر **
ثم هلك آقسنقر صاحب خلاط وارمينية سنة أربع وتسعين لخمس سنين من ملكه وقام بملك خلاط بعده حجر اشتد قطلغ الارمني ولم يرضه أهل خلاط فوثبوا به لسبعة أيام من ولايته وقتلوه واستدعوا محمد بن مكتمر من محبسه وملكوه ولقبوه الملك المنصور وقام بدولته
شجاع الدين قطلغ القفجاقي دوادار شاه ارمن وأقام تحت استبداده الى سنة ثلاث وستمائة ثم دبر الدوادار وقبض عليه وكان حسن السيرة فاستوحش لذلك الجند والعامة وعكف بعد نكبة الدوادار على لذاته فاجتمع أهل خلاط والجند وكبيرهم بلبان مملوك شاه ارمن وكتبوا الى ارتق بن أبي الغازي بن البي صاحب ماردين يستدعونه للملك بما كان ابن أخت شاه ارمن وجاهر بلبان بالعصيان الى ملازكرد واجتمع الجند عليه.
** نكبة ابن مكتمر واستيلاء بلبان على خلاط وأعمالها **
ولما ملك بلبان مدينة ملازكرد وأعمالها واجتمع عليه الجند وسار يريد خلاط ووصل ارتق بن أبي الغازي صاحب ماردين لموعدهم ونزل قريبا من خلاط فبعث اليه بلبان أن الجند والرعية اتهموني فيك فارجع وإذا ملكت البلد سلمته إليك فتنحى قليلا فبعث اليه يتوعده على مقالته وبطئه فعاد الى ماردين وكان الأشرف موسى بن العادل بن أيوب صاحب الجزيرة وحران لما سمع بمسير ارتق الى خلاط طمع فيها لنفسه وخشي أن يزداد بملكها قوة عليهم فخالفه الى ماردين وأقام بتدليس وجبى ديار بكر حتى استوعبها وعاد الى حران ثم جمع بلبان العساكر وسار الى خلاط فحاصرها وبرز ابن مكتمر فيمن عنده فانهزم بلبان وعاد الى ولايته بملازكرد وارجيش وغيرها ثم جمع ورجع الى خلاط فحاصرها وضيق عليها وابن مكتمر عاكف على لذاته فلما جهدهم الحصار ثاروا به وقبضوه ومكنوا بلبان منه ودخل الى خلاط واستولى عليها وعلى سائر أعمالها وحبس ابن مكتمر في قلعة هناك واستبد بملكها وكان الأوحد نجم الدين أيوب بن العادل بن أيوب قد ولى على ميافارقين من قبل أبيه الى خلاط سنة أربع وستمائة وقصد مدينة سيواس وحاصرها وملك ما يجاورها وعجز بلبان عنه ثم ملك سوس وقصد خلاط فبرز له بلبان وهزمه فعاد الى ميافارقين وجمع واستمد أباه العادل فأمده بالعساكر ونهض الى خلاط فبرز له بلبان ثانية وهزمه الأوحد وحاصره في خلاط فبعث بلبان الى طغرك يستنجده فانهزم الأوحد امامهما وسار بلبان مع طغرك الى مراش فحاصراها وغدر به طغرك هناك وقتله وسار الى خلاط فمنعه أهلها فسار الى ملازكرد فمنعوه كذلك فعاد الى ارزن وأرسل أهل خلاط بطاعتهم الى الأوحد نجم الدين فجاء وملك خلاط واستولى على أعمالها وزحف الكرج فأغاروا على خلاط وعاثوا في نواحيها والأوحد مقيم بخلاط لم يفارقها وانتقض عليه جماعة من العسكر بحصن رام وساروا الى مدينة ارجيش فملكوها واجتمع اليهم المفسدون وبعث نجم الدين الى أبيه العادل يستنجده
فأمده بابنه الآخر شرف الدين موسى فحاصر حصن رام حتى استأمن اليه من كان به من الجند ورجع الأشرف الى عمله بحران والرها واستقر نجم الدين بخلاط ثم سار الى ملازكرد ليطالع أمورها ويمهدها فثار أهل خلاط بعسكره فأخرجوهم وحصروا أصحاب نجم الدين بالقلعة ونادوا بشعار شاه ارمن وقومه فرجع الأوحد ولاقاه عسكر الجزيرة وحاصر خلاط ثم اختلف أهلها فدخلها عليهم عنوة واستباحها ونقل جماعة من أعيانها الى ميافارقين وقتل كثيرا منهم هنالك واستكان أهل خلاط بعدها وانمحى منها حكم المماليك بعد أن كانوا مستحكمين فيها يولون ملوكها ويخلعونهم وانقرضت دولة بني سكمان من خلاط وصارت لبني أيوب والبقاء لله وحده والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين واليه المرجع.
آخر دولة السلجوقية بخلاط وأرمينية وملكها منهم بنو أيوب
** أخبار الإفرنج فيما ملكوه من سواحل الشام وثغوره وكيف تغلبوا عليه وبداية أمرهم في ذلك ومصايره **
قد تقدم لنا أول الكتاب الكلام في أنساب هذه الأمة عند ذكر أنساب الأمم وأنهم من ولد يافث بن نوح ثم من ولد ريفات بن كومر بن يافث إخوة الصقالبة والخزر والترك وقال هروشيوش أنهم من عصرما بن غومر وأما مواطنهم من بلاد المعمور فإنهم في شمال البحر الرومي من خليج رومة إلى ما وراء النهر غربا وشمالا وكانوا أولا يدينون لليونان والروم بالطاعة عند استفحال أمرهم فلما انقرضت دولة أولئك استقل هؤلاء الإفرنج بملكهم وافترقوا دولا مثل دولة القوط بالأندلس والجلالقة بعدهم وملك اللمانيين بالتفخيم من جزيرة إنكلطرة بالبحر المحيط الغربي الشمالي وما يحاذيه ويقابله من المعمور ومثل ملوك إفرنسة وهو عندهم اسم إفرنجة بعينه والجيم ينطقون بها سينا وهم ما وراء خليج رومة غربا إلى الثنايا المفضية إلى جزيرة الأندلس في الجبل المحيط بها من شرقيها وتسمى تلك الثنايا البردت وكانت دولة هؤلاء الإفرنس منهم من أعظم دولهم واستفحل أمرهم بعد الروم وصدرا من دولة الإسلام العربية فسموا إلى ملك بلاد المشرق من ناحيتها وتغلبوا على جزر البحر الرومي في آخر المائة الخامسة وكان ملكهم لذلك العهد بردويل فبعث رجالا من ملوكهم إلى صقلية وملكها من يد المسلمين سنة ثمانين وأربعمائة ثم سموا إلى ملك ما وراء النهر من إفريقية وبلاد الشام والاستيلاء على بيت المقدس وطال ترددهم في ذلك ثم استحثهم وحرضهم عليه فيما يقال خلفاء العبيديين بمصر لما استفحل ملك السلجوقية وانتزعوا الشام من أيديهم وحاصروهم في مصر فيقال أن المستنصر منهم دس إلى الإفرنج بالخروج وتسهيل أمرهم عليه ليحولوا بين السلجوقية وبين مرامهم فتجهز الإفرنج لذلك وجعلوا طريقهم في البر على القسطنطينية ومنعهم ملك الروم من العبور عليه من الخليج حتى شرط عليهم أن يسلموا له أنطاكية لكون المسلمين كانوا أخذوها من مماليكهم فقبلوا شرطه وسهل العبور في خليجه فأجازوا سنة تسعين وأربعمائة في العدد والعدة وانتهوا إلى بلاد قليج أرسلان وجمع للقائهم فهزموه وفر [1] بلاد ابن اليون الأرمني ووصلوا أنطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فحاصروه بها وخذلوا صاحب حلب ودمشق على صريخه بأن لا يقصوا غير أنطاكية
فأسلموه حتى ضاق به الحصار وغدر به بعض الحامية فملك الإفرنج البلاد وهرب باغيسيان فقتل وحمل إليهم رأسه وكان ملوكهم الحاضرون لذلك خمسة بردويل وصنجيل وكبريري والقمص وإسمند وهو مقدم العساكر فردوا إليه أمر أنطاكية وبلغ الخبر إلى المسلمين فسافروا إليهم شرقا وغربا وسار قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل وجمع عساكر الشام وسار إلى دمشق فخرج إليهم دقاق بن تتش وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان [1] صاحب سنجار وسكمان أرتق وغيرهم من الأمراء وزحفوا إلى أنطاكية فحاصروها ثلاثة عشر يوما ووهن الإفرنج واشتد عليهم الحصار لما جاءهم على غير استعداد وطلبوا الخروج على الأمان فلم يسعفوا ثم اضطرب أمر عساكر المسلمين وأساء كربوقا السيرة فيهم وأزمعوا من استكثاره عليهم [2] فخرج الإفرنج إليهم واستماتوا فتخاذل المسلمون وانهزموا من غير قتال حتى ظنها الإفرنج مكيدة فتقاعدوا عن إتباعهم واستشهد من المسلمين ألوف والله تعالى أعلم.
** استيلاء الإفرنج على معرة النعمان ثم على بيت المقدس **
ولما حصلت الإفرنج هذه النكاية في المسلمين طمعوا في البلدا وساروا الى معرة النعمان وحاصروها واشتد القتال في أسوارها حتى داخل أهلها الجزع فتحصنوا بالدور وتركوا السور فملكه الإفرنج ودخلوا عليهم فاستباحوها ثلاثا وأقاموا بها أربعين يوما ثم ساروا إلى غزة وحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم فصالحهم ابن منقذ عليها وساروا إلى حمص وحاصروها فصالحهم عليها جناح الدولة وساروا إلى عكا فامتنعت عليهم وكان بيت المقدس قد ملكه السلجوقية وصار لتاج الدولة تتش وأقطعه لسكمان بن أرتق من التركمان فلما كانت واقعة الإفرنج بأنطاكية طمع أهل مصر فيهم وسار الأفضل بن بدر الجمال المستولى على العلويين بمصر إلى بيت المقدس وبها سكمان وأبو الغازي ابنا أرتق وابن عمهما سوع وابن أخيهما ياقوتي فحاصروه نيفا وأربعين يوما ونصبوا عليه نيفا وأربعين منجنيقا وملكوه بالأمان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وأحسن الأفضل إلى سكمان وأبي الغازي وأصحابهما وسرحهم إلى دمشق وعبروا الفرات وأقام سكمان بالرها وسار أبو الغازي إلى العراق واستناب الأفضل عليها افتخار الدولة الذي كان بدمشق فقصده الإفرنج بعد أن حاصروا عكا وامتنعت عليهم
فحاصروه أربعين ليلة وافترقوا على جوانب البلد فملكوها من الجانب الشمالي آخر شعبان من السنة واستباحوها وأقاموا فيها أسبوعا واعتصم بعض المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه ثلاثا حتى استأمنوا ولحقوا بعسقلان وأحصى القتلى من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد المجاورين بالمسجد فكانوا سبعين ألفا ويزيدون وأخذ من المناور المعلقة عند الصخرة أربعون قنديلا من الفضة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة وستون درهما من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامي ومائة وخمسون قنديلا من الصغار وما لا يحصى من غير ذلك وجاء الصريخ إلى بغداد صحبة القاضي أبي سعيد الهروي ووصف في الديوان صورة الواقعة فكثر البكاء والأسف ووسم الخليفة بمسير جماعة من الأعيان والعلماء فيهم القاضي أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشي وأبو ألوفا بن عقيل إلى السلطان بركيارق يستصرخونه للإسلام فساروا إلى حلوان وبلغهم اضطراب الدولة السلجوقية وقتل محمد الملك البارسلان المتحكم في الدولة واختلاف السلاطين فعادوا وتمكن الإفرنج من البلاد وولوا على بيت المقدس كندفري من ملوكهم.
** عساكر مصر وحرب الإفرنج مسبر العساكر من مصر لحرب الإفرنج **
لما بلغ خبر الواقعة إلى مصر جمع الأفضل الجيوش والعساكر واحتشد وسار إلى عسقلان وأرسل إلى الإفرنج بالنكير والتهديد فأعادوا الجواب ورحلوا مسرعين فكبسوه بعسقلان على غير أهبة فهزموه واستلحموا المسلمين ونهبوا سوادهم ودخل الأفضل عسقلان وافترق المنهزمون واستبدوا بخر الحمير [1] ووصل الأفضل من عسقلان إلى مصر ونازلها الإفرنج حتى صانع أهلها الإفرنج بعشرين ألف دينار وعادوا إلى القدس.
** إيقاع ابن الدانشمند بالإفرنج **
كان كمستكين بن الدانشمند من التركمان ويعرف بطابوا ومعنى الدانشمند المعلم كان أبوه يعلم التركمان وتقلبت به الأحوال حتى ملك سيواس وغيرها وكان صاحب ملطية يعاديه فاستنجد عليه إسمند صاحب أنطاكية فجاءه في خمسة آلاف وسار إليه ابن الدانشمند وأسره ثم جاء الإفرنج الى قلعة أنكورية فملكوها وقتلوا من بها من المسلمين ثم حاصروا إسماعيل بن
الدانشمند فلقيهم كمستكين وهزمهم واستلحمهم وكانوا ثلاثمائة ألف ثم ساروا إلى ملطية فملكوها وأسروا صاحبها وزحف إليه إسمند من أنطاكية في الإفرنج فهم بهم ابن الدانشمند فأتاح الله للمسلمين على يده هذا الظهور في مدد متقاربة حتى خلص إسمند من الأسر وجاء إلى أنطاكية والإفرنج بها وبعث إلى قيس العواصم وما جاورها يطلب الإمارة فامتعض المسلمون لذلك وقلدوه بعد العهد الذي التزمه.
** حصار الإفرنج قلعة جبلة **
كانت جبلة من أعمال طرابلس وكان الروم قد ملكوها وولوا على المسلمين بها ابن رئيسهم منصور بن صليحة يحكم بينهم فلما صارت للمسلمين رجع أمرها لجمال الملك أبي الحسن علي بن عمار المستبد بطرابلس وبقي منصور بن صليحة على عادته فيها ثم توفي منصور فقام إليه أبو محمد عبد الله مقامه وأظهر الشماتة فارتاب به ابن عمار وأراد القبض عليه فعصى هو في جبلة وأقام بها الخطبة العباسية واستنجد عليه ابن عمار دقاق بن تتش فجاءه أتابك طغركين فامتنع عليهم ورجعوا ثم جاء الإفرنج فحاصروها فامتنعت عليهم أيضا وشاع أن بركيارق جاء إلى الشام فرحلوا ثم عادوا وأظهروا أن المصريين جاءوا لإنجاده فرحلوا ثم عادوا فتقدم للنصارى الذين عنده أن يدخلوا الإفرنج في نقب البلد من بعض أسواره فجهزوا إليهم ثلاثمائة من أعيانهم فرفعهم بالحبال واحدا بعد واحد وهو قاعد على السور حتى قتلهم أجمعين فرحلوا عنه ثم عادوا إليه فهزمهم وأسر ملكهم كبرانيطل وفادى نفسه منه بمال عظيم ثم [1] ابن صليحة وجهده الحصار فأرسل إلى طغركين صاحب دمشق وبعث ابن عمار في طلبه إلى الملك دقاق على أن يدفعه إليه بنفسه دون ماله ويعطيه ثلاثين ألف دينار فلم يفعل وسار ابن صليحة إلى بغداد فوعده إلى وصول رحلة من الأنبار فبعث الوزير من استولى عليها فوجد فيها ما لا يحصى من الملابس والعمائم والمتاع وانتزع ذلك كله ولما ملك تاج الملوك جبلة أساء فيها السيرة فراسلوا فخر الملك أبا علي بن عمار صاحب طرابلس واستدعوه لملكها فبعث إليهم عسكرا وقاتلوا تاج الملك ومن معه فهزموه وأخذوه أسيرا
وملكوا جبلة بدعوة ابن عمار وحملوا تاج الملك إلى ابن عمار فأحسن إليه وبعث إلى أبيه بدمشق واعتذر له بأنه خاف على جبلة من الإفرنج.
** استيلاء الإفرنج على سروج وقيسارية وغيرهما **
ثم سار كبر يرى ملك الإفرنج من بيت المقدس سنة أربع وتسعين لحصارها فأصابه منهم سهم فقتله فسار أخوه بغدوين في خمسمائة فارس إلى القدس ونهض دقاق صاحب دمشق ومعه جناح الدولة صاحب حمص لاعتراضه فهزموا الإفرنج وأثخنوا فيهم ثم كاتب أهل مدينة الإفرنج وكان أكبرهم ودخل في طاعتهم وكان سقمان بن أرتو صاحب سروج جمع جموعه من التركمان وسار إلى الرها فلقيه الإفرنج وهزموه في ربيع سنة أربع وتسعين وساروا إلى سروج فحاصروهم حتى ملكوها عنوة واستباحوها ثم ملكوا حصن كيفا بقرب عكا عنوة وملكوا أرسوف بالأمان ثم ساروا في رحب إلى قيسارية فملكوها عنوة واستباحوها والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.
** حصار الإفرنج طرابلس وغيرها **
كان صنجيل من ملوك الإفرنج المذكورين قبل قد لازم حصار طرابلس وزحف إليه قليج أرسلان صاحب بلاد الروم فظفر به وعاد صنجيل مهزوما فأرسل الدولة بن عمار صاحب طرابلس إلى أمير آخر نائب جناح الدولة بحمص إلى دقاق بن تتش يدعوه إلى معالجته فجاء تاج الدولة بنفسه وجاء العسكر مددا من عند دقائق واجتمعوا على طرابلس وفرق صنجيل الفل الذين معه على قتالهم فانهزموا كلهم وفتك هو في أهل طرابلس وشد حصارها وأعانه أهل الجبل والنصارى من أهل سوادها ثم صالحوه على مال وخيل ورحل عنهم إلى طرسوس من أعمال طرابلس فحاصرها وملكها عنوة واستباحها إلى حصن الطومار ومقدمه ابن العريض فامتنع عليهم وقاتلهم صنجيل فهزموا عسكره وأسروا زعيما من زعماء الإفرنج بدل صنجيل فيه عشرة آلاف دينار وألف أسير ولم يعاوده وذلك كله سنة خمس وتسعين وأربعمائة ثم سار صنجيل إلى حصن الأكراد وحاصره [1] جناح الدولة لغزوه فوثب عليه
باطني بالمسجد وقتله ويقال أن رضوان بن تتش وضعه عليه فسار صنجيل إلى حمص وحاصرها وملك أعمالها ثم نزل القمص على عكا في جمادى الأخيرة من السنة فنفر المسلمون من جميع السواحل لقتاله وهزموه وأحرقوا أهله والمنجنيقات التي نصبت للحرب ثم سار القمص صاحب الرها الى السروج وحاصرها فامتنعت عليه وزحف عساكر مصر إلى عسقلان للمدافعة عن سواحلهم فزحف إليهم بردويل صاحب القدس فهزمه المسلمون ونجا إلى الرملة وهم في أتباعه فحاصروه وخلص إلى يافا وفشا القتل والأسر في الإفرنج والله تعالى ولي التوفيق.
** حصار الإفرنج عسقلان وحروبهم مع عساكر مصر **
لما طمع الإفرنج في عسقلان واستفحل أمرهم بالشام جهز الأفضل أمير الجيوش عساكره من مصر لحربهم سنة ست وتسعين مع سعد الدولة القواسي مولى أبيه وزحف بغدوين [1] ملك الإفرنج من القدس فلقيهم بين الرملة ويافا وهزمهم ومات سعد الدولة مترديا عن فرسه واستولى الإفرنج على سواده وبعث الأفضل بعده ابنه شرف المعالي فلقيهم في العساكر على بازور قرب الرملة فهزمهم ونال منهم ونجا كثير من أعيانهم إلى بعض الحصون هنالك فحاصرهم شرف المعالي خمس عشرة ليلة وملك الحصن فقتل وأسر ونجا بقدوين إلى يافا ثم إلى القدس فصادف وصول جمع كثير من الإفرنج لزيارة القدس فندبهم للغزو فساروا إلى عسقلان وبها شرف المعالي فامتنعت ورجعوا وبعث شرف المعالي إلى أبيه فبعث العساكر في البر مع تاج العجم مولى أبيه والأسطول في البحر لحصار يافا مع القاضي ابن دقاوس فلما وصل الأسطول إلى يافا بعث عن تاج العجم ليأتيه بالعساكر فامتنع فأرسل الأفضل من قبض عليه وولي العساكر وعلى عسقلان جمال الملك من مواليهم فانصرمت السنة وبيد الإفرنج بيت المقدس غير عسقلان ولهم أيضا من الشام يافا وأرسوف وقيسارية وصيفا وطبرية والأردن واللاذبية وانطاكية ولهم بالجزيرة الرها وسروج وصنجيل محاصر فخر الملك بن عمار بمدينة طرابلس وهو يرسل أسطوله للإغارة على بلاد الإفرنج في كل ناحية ثم دخلت سنة سبع وتسعين فخرج الإفرنج الذين بالرها فأغاروا على الرقة وقلعة جعفر واكتسحوا نواحيها وكانت لسالم بن مالك بن بدران بن المقلد منذ ملكه السلطان ملك شاه إياها سنة تسع وسبعين كما مر والله أعلم.
** استيلاء الإفرنج على جبيل وعكا **
وفي سنة سبع وتسعين وصلت مراكب من بلاد الإفرنج تحمل خلقا كثيرا من التجار والحجاج فاستعان بهم صنجيل على حصار طرابلس فحاصرها حتى يئسوا منها فارتحلوا إلى جبيل وملكوها بالأمان ثم غدروا بأهلها وأفحشوا في استباحتها ثم استنجدهم بقدوين ملك القدس على حصار عكا فحاصروها برا وبحرا وفيها بهاء الدولة الجيوشي من قبل ملك الجيوش الأفضل صاحب مصر فدافعهم حتى عجزوا وهرب عنها إلى دمشق وملك الإفرنج عكا عنوة وأفحشوا في استباحتها والله تعالى أعلم.
** غزو أمراء السلجوقية بالجزيرة الفرنج **
كان المسلمون أيام تغلب الإفرنج على الشام في فتنة واختلاف تمكن بها الإفرنج واستطالوا وكانت حران وحمص لمولى من موالي ملك شاه اسمه قراجا والموصل لجكرمش وحصن كيفا لسقمان بن أرتق وعصى في حران على قراجا بأمته فيها فاغتاله جاولي مولى من موالي الترك وقتله فطمع الإفرنج في حران وحاصروها وكان بين جكرمش وسقمان فتنة وحرب فوضعوا أوزارها لتلافي حران واجتمعا على الخابور وتحالفا ومع سقمان سبعة آلاف من قومه التركمان ومع جكرمش ثلاثة آلاف من قومه الترك ومن العرب والأكراد وسار إليهم الإفرنج من حران فاقتتلوا واستطرد لهم [1] المسلمون بعيدا ثم كروا عليهم فأثخنوا فيهم واستباحوا أموالهم وكان إسمند صاحب انطاكية وشكري [2] صاحب الساحل قد أكمنوا للمسلمين وراء الجبل فلم يظهر لهم أنهم أصحابهم وأقاموا هنالك إلى الليل ثم هربوا وشعر بهم المسلمون فاتبعوهم وأثخنوا فيهم وأسر في تلك الواقعة القمص بردويل صاحب الرها أسره بعض التركمان من أصحاب سقمان فشق ذلك على أصحاب جكرمش لكثرة ما امتاز به التركمان من الغنائم وحسنوا له أخذ القمص من [3] سقمان فأخذه وأراد التركمان محاربة جكرمش وأصحابه عليه فمنعهم سقمان حذرا من اختلاف المسلمين وسار مفارقا لهم وكان يمر
بحصون الإفرنج فيخرجون إليه ظنا بنصر أصحابهم فملكها عليهم وسار جكرمش إلى حران فملكها وولي عليها من قبله ثم سار إلى الرها وحاصرها أياما وعاد إلى الموصل وفادى القمص بردوبل بخمسة وثلاثين ألف دينار ومائة وستين أسيرا والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.
** حرب الإفرنج مع رضوان بن تتش صاحب حلب **
ثم سار شكري صاحب أنطاكية من الإفرنج سنة ثمان وتسعين إلى حصن أريام من حصون رضوان صاحب حلب فضاقت حالهم واستنجدوا برضوان فسار إليهم وخرج الإفرنج للقائه ثم طلب الصلح من رضوان فمنعه أصبهبد صباوو من أمراء السلجوقية كان نزع إليه بعد قتل صاحبه أياز ولقيهم الإفرنج فانهزموا أولا ثم استماتوا وكروا على المسلمين فهزموهم وأفحشوا في قتلهم وقتل الرجالة الذين دخلوا عسكرهم في الحملة الأولى ونجا رضوان وأصحابه إلى حلب ولحق صباوو بطغركين أتابك دمشق ورجع الإفرنج إلى حصار الحصن فهرب أهله إلى حلب وملكه الإفرنج والله تعالى ولي التوفيق.
** حرب الإفرنج مع عساكر مصر **
كان الأفضل صاحب مصر قد بعث سنة ثمان وتسعين ابنه شرف المعالي في العساكر إلى الرملة فملكها وقهر الإفرنج ثم اختلف العسكر في ادعاء الظفر وكادوا يقتتلون وأغار عليهم الإفرنج فعاد شرف المعالي إلى مصر فبعث الأفضل ابنه الآخر سناء الملك حسينا مكانه في العساكر وخرج معه جمال الدين صاحب عسقلان واستمدوا طغركين أتابك دمشق فجهز إليهم أصبهبد صباوو من أمراء السلجوقية وقصدهم بقدوين صاحب القدس وعكا فاقتتلوا وكثرت بينهم القتلى واستشهد جمال الملك نائب عسقلان وتحاجزوا وعاد كل إلى بلده وكان مع الإفرنج جماعة من المسلمين منهم بكباش بن تتش ذهب مغاضبا عن دمشق لما عدل عنه طغركين الأتابك بالملك إلى ابن أخيه دقاق وأقام عند الإفرنج والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه.
** حرب الإفرنج مع طغركين **
كان قمص من قمامصة الإفرنج بالقرب من دمشق وكان كثيرا ما يغير عليها ويحارب عساكرها
فسار إليه طغركين في العساكر وجاء بقدوين ملك القدس لإنجاده على المسلمين فرده ذلك القمص ثقة بكفائه فرجع إلى عكا وسار طغركين إلى الإفرنج فقاتلهم وحجزهم في حصنهم ثم خرب الحصن وألقى حجارته في الوادي وأسر الحامية الذين به وقتل من سواهم من أهله وعاد إلى دمشق ظافرا ثم سار بعد أسبوع إلى [1] وبه ابن أخت صنجيل فملكه وقتل حاميته.
** استيلاء الإفرنج على حصن أفامية **
كان خلف بن ملاعب الكلابي متغلبا على حمص وملكها منه تتش كما مر وانتقلت الأحوال إلى مصر ثم أن رضوان صاحب حلب انتفض عليه وإليه بحصن أفامية وكان من الرافضة فبعث بطاعته إلى صاحب مصر واستدعى منهم واليا فبعثوا خلف بن ملاعب لايثاره الجهاد وأخذوا رهنه فعبى [2] في افامية واستبد بها واجتمع عليه المفسدون ثم ملك الإفرنج [3] من أعمال حلب وأهله رافضة ولحق قاضيها بابن ملاعب في أفامية ثم اعمل التدبير عليه وبعث إلى أبي طاهر الصائغ من أصحاب رضوان وأعيان الرافضة ودعاتهم وداخله في الفتك بابن ملاعب وتسليم الحصن إلى رضوان وشعر بذلك ابنا ابن ملاعب وحذرا أباهما من تدبير القاضي عليه وجاء القاضي فحلف له على كذبه وصدقه وعاد القاضي إلى مداخلة أبي طاهر ورضوان في ذلك التدبير وبعثوا جماعة من أهل سرمين بخيول وسلاح يقصدون الخدمة عند ابن ملاعب فأنزلهم بربض أفامية حتى تم التدبير وأصعدهم القاضي وأصحابه ليلا إلى القلعة فملكوها وقتلوا ابن ملاعب وهرب ابناه فلحق أحدهما بأبي الحسن بن منقذ صاحب شيرز وقتل الآخر وجاء أبو طاهر الصائغ إلى القاضي يعتقد ان الحصن له فلم يمكنه القاضي وأقام عنده وكان بعض بني خلف بن ملاعب عند طغركين بدمشق مغاضبا لأبيه فولاه حصنا من حصونه فأظهر الفساد والعيث فطلبه طغركين فهرب إلى الإفرنج واستحثهم لملك أفامية فحاصروه حتى جهد أهله الجوع وقتلوا القاضي المتغلب فيه والصائغ وذلك سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
** خبر الإفرنج في حصار طرابلس **
كان صنجيل من ملوك الإفرنج ملازما لحصار طرابلس وملك جبلة من يد ابن أبي صليحة وبنى على طرابلس حصنا وأقام عليها ثم هلك وحمل إلى القدس ودفن وأمر ملك الروم أهل اللاذقية أن يحملوا الميرة إلى الإفرنج المحاصرين طرابلس فحملوها في السفن وظفر أصحاب ابن عمار ببعضها فقتلوا وأسروا واستمر الحصن خمس سنين فعدمت الأقوات واستنفد أهل الثروة مكسوبهم في الإنفاق وضاقت أحوالهم وجاءتهم سنة خمسمائة ميرة في البحر من جزيرة قبرص وأنطاكية وجزائر البنادقة فحفظت أرماقهم ثم بلغ ابن عمار انتظام الأمر للسلطان محمد بن ملك شاه بعد أخيه بركيارق فارتحل إليه صريخا واستخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب في طرابلس وخيم ابن عمار على دمشق وأكرمه طغركين ثم سار إلى بغداد فأكرمه السلطان محمد وأمر بتبليغه والاحتفال لقدومه ووعده بالإنجاد ولما رحل عن بغداد أحضره عنده بالنهروان وأمر الأمير حسين بن أتابك قطلغتكين بالمسير معه وأن يستصحب العساكر التي بعثها مع الأمير مودود إلى الموصل لقتال جاولي سكاوو وأمره بإصلاح جاولي والمسير مع ابن عمار حسبما مر في أخبارهم ثم وقعت الحرب بين السلطان محمد وبين صدقة بن مزيد واصطلحوا وودعه ابن عمار بعد أن خلع عليه وسار معه الأمير حسين فلم يصل إلى قصده من عساكر الموصل [1] مودود والانتقاض فعاد فخر الدين بن عمار إلى دمشق في محرم سنة اثنتين وخمسمائة وسار منها إلى [1] فملكها وبعث أهل طرابلس إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر يستمدونه ويسألون الوالي عليهم فبعث إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب بالمدد والأقوات والسلاح وعدة الحصار واستولى على ذخائر ابن عمار وقبض على جماعة من أهله وحمل الجميع في البحر إلى مصر.
** خبر القمص صاحب الرها مع جاولي ومع صاحب أنطاكية **
كان جاولي قد ملك الموصل من يد أصحاب جكرمش ثم انتقض فبعث السلطان إليه مودود في العساكر فسار جاولي عن الموصل وحمل معه القمص بردويل صاحب الرها الذي كان
أسره سقمان وأخذه منه جكرمش وأصحابه وترك الموصل ثم أطلق جاولي هذا القمص في سنة ثلاث وخمسمائة بعد خمس سنين من أسره على مال قرره عليه وأسرى من المسلمين عنده يطلقهم وعلى أن يمده بنفسه وعساكره وماله متى أحتاج إلى ذلك ولما انبرم العقد بينهما بعث يوالي سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاءه هناك ابن خاله جوسكين تل ناشر [1] فأقام رهينة مكانه ثم أطلقه جاولي ورهن مكانه أخا زوجته وزوجة القمص فلما وصل جوسكين إلى منبج أغار عليها ونهبها وسبى جماعة من أصحاب جاولي الى الغدر فاعتذر بأن هذه البلاد ليست لكم ولما أطلق القمص سار إلى أنطاكية ليسترد الرها من يد شكري لأنه أخذها بعد أسره فلم يردها وأعطاه ثلاثين ألف دينار ثم سار القمص إلى تل ناشر وقدم عليه أخوه جوسكين الذي وضعه رهينة عند جاولي وسار شكري صاحب أنطاكية لحربهما قبل أن يستفحل أمرهما وينجدهما جاولي فقاتلوه ورجع إلى أنطاكية وأطلق القمص مائة وستين من أسرى المسلمين ثم سار القمص وأخوه جوسكين وأغاروا على حصون أنطاكية وأمدهم صاحب زغبان وكيسوم [2] وغيرهما من القلاع شمال حلب وهو من الأرمن بألف فارس وألقى راجل وخرج إليهم شكري وتراجعوا للحرب ثم حملهم الترك على الصلح وحكم على شكري برد الرها على القمص صاحبها بعد أن شهد عنده جماعة من البطارقة والأساقفة بأن اسمند خال شكري لما انصرف إلى بلاده أوصاه برد الرها على صاحبها إذا خلص من الأسر فردها شكري على القمص في صفر سنة ثلاث ووفى القمص لجاولي بما كان بينهما ثم قصد جاولي الشام ليملكه وتنقل في نواحيه كما مر في أخباره وكتب رضوان صاحب حلب إلى شكري صاحب أنطاكية يحذره من جاولي ويستنجده عليه فأجابه وبرز من أنطاكية وبعث إليه رضوان بالعساكر واستنجد جاولي القمص صاحب الرها فأنجده بنفسه ولحق به على منبج وجاءه الخبر هنالك باستيلاء عسكر السلطان على بلده الموصل وعلى خزائنه بها وفارقه كثير من أصحابه منهم زنكي بن آق سنقر فنزل جاولي تل ناشر وتزاحف مع شكري [3] هنالك
واشتد القتال واستمر أصحاب أنطاكية فتخاذل أصحاب جاولي وانهزموا وذهب الإفرنج بسوادهم فجاء القمص وجوسكين إلى تل ناشر والله تعالى أعلم.
** حروب الإفرنج مع طغركين **
كان طغركين قد سار إلى طبرية سنة ثنتين وخمسمائة فسار إليه ابن أخت بقدوين ملك القدس واقتتلوا فانكشف المسلمون ثم استماتوا وهزموا الإفرنج وأسروا ابن أخت الملك فقتله طغركين بيده بعد أن فادى نفسه بثلاثين ألف دينار وخمسمائة أسير فلم يقبل منه إلا الإسلام أو القتل ثم اصطلح طغركين وبقدوين لمدة أربع سنين وكان حصن غزية من أعمال طرابلس بيد مولى ابن عمار فعصى عليه وانقطعت عنه الميرة بعيث الإفرنج في نواحيه فأرسل إلى طغركين بطاعته فبعث إسرائيل من أصحابه ليمتلك الحصن ونزل منه مولى ابن عمار فرماه إسرائيل في الزحام بسهم فقتله حذرا أن يطلع الأتابك على مخلفه وقصد طغركين الحصن لمشارفة أحواله فمنعه نزول الثلج حتى إذا انقشع وانجلى سار في أربعة آلاف فارس وفتح حصونا للإفرنج منها حصن الأكمة وكان السرداني من الإفرنج يحاصر طرابلس فسار للقائه فلما أشرف عليه انهزم طغركين وأصحابه إلى حمص وملك السرداني حصن غزية بالأمان ووصل طغركين إلى دمشق فبعث إليه بقدوين من القدس بالبقاء على الصلح وذلك في شعبان سنة اثنتين.
** استيلاء الإفرنج على طرابلس وبيروت وصيدا وجبيل وبانياس **
ولما عادت طرابلس إلى صاحب مصر من يد ابن عمار وولي عليها نائبة والإفرنج يحاصرونها وزعيمهم السرداني ابن أخت صنجيل فلما كانت سنة ثلاث وخمسمائة في شعبان ووصل القمص والد صنجيل وليس صنجيل الأول وإنما هو قمص آخر بمراكب عديدة مشحونة بالرجال والسلاح والميرة وجرت بينه وبين السرداني فتنة واقتتلوا وجاء شكري صاحب أنطاكية مددا للسرداني ثم جاء بقدوين ملك القدس وأصلح بينهم وحاصروا طرابلس ونصبوا عليها الأبراج فاشتد بهم الحصار وعدموا القوت لتأخر الأسطول المصري بالميرة ثم زحفوا إلى قتالها بالأبراج وملكوها عنوة ثاني الأضحى واستباحوها وأثخنوا فيها وكان النائب
بها قد استأمن إلى الإفرنج قبل ذلك بليال وملكها بالأمان ونزل على مدينة جبيل وبها فخر الملك بن عمار فاستأمنوا إلى شكري وملكها ولحق ابن عمار بشيرز فنزل على صاحبها سلطان بن علي بن منقذ الكناني ولحق منها بدمشق فأكرمه طغركين وأقطعه الزبداني من أعمال دمشق في محرم سنة أربع ووصل أسطول مصر بالميرة بعد أخذ طرابلس بثمانية أيام فأرسى بساحل صور وفرقت الغلال في جهاتها في صور وصيدا وبيروت ثم استولى الإفرنج على صيدا في ربيع الآخر سنة أربع وخمسمائة وذلك أنه وصل أسطول للإفرنج من ستين مركبا مشحونة بالرجال والذخائر وبها ملوكهم بقصد الحج والغزو فاجتمع مع بقدوين صاحب القدس ونازلوا صيدا برا وبحرا وأسطول مصر يعجز عن انجادهم ثم زحفوا إلى صور في أبراج الخشب المصفحة فضعفت نفوسهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت فاستأمنوا فأمنهم الإفرنج في جمادى الأولى ولحقوا بدمشق بعد سبعة وأربعين يوما من الحصار وأقام بالبلد خلق كثير تحت الأمان وعاد بقدوين إلى القدس.
** استيلاء أهل مصر على عسقلان **
كانت عسقلان لخلفاء العلوية بمصر وقد ذكرنا حروب الإفرنج مع عساكرهم عليها وآخر من استشهد منهم جمال الملك نائبها كما مر آنفا وولي عليها شمس الخلافة فراسل بقدوين ملك القدس وهاداه ليمتنع به من الخليفة بمصر وبعث الأفضل ابن أمير الجيوش العساكر إليه سنة أربع وخمسمائة مع قائد من قوادهم موريا بالغزو وأسر إليه بالقبض على شمس الخلافة والولاية مكانه بعسقلان وشعر شمس الخلافة بذلك فجاهر بالعصيان فخشي أن يملكها الإفرنج فراسله وأقره على عمله وعزل شمس الخلافة جند عسقلان واستنجد جماعة من الأرمن فاستوحش منه أهل البلد ووثبوا به فقتلوه وبعثوا إلى الأمير الأفضل صاحب مصر المستولي عليها بطاعتهم فجاءهم الوالي من قبله واستقامت أمورهم.
** استيلاء الإفرنج على حصن الأثارب وغيره **
ثم جمع شكري صاحب أنطاكية واحتشد وسار إلى حصن الأقارب [1] على ثلاثة فراسخ من حلب فحاصره وملكه عنوة وأثخن فيهم بالقتل والسبي ثم سار إلى حصن وزدناد [2]
ففعل فيه مثل ذلك وهرب أهله منه ومارس على بلديهما [1] ثم سار عسكر من الإفرنج إلى مدينة صيدا فملكوها على الأمان وأشفق المسلمون من استيلاء الإفرنج على الشام وراسلوهم في الهدنة فامتنعوا الا على الضريبة فصالحهم رضوان صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار وعدة من الخيول والثياب وصاحب صور على سبعة آلاف دينار وابن منقذ صاحب شيرز [2] على أربعة آلاف دينار وعلي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار ومدة الهدنة إلى حصاد الشعير ثم اعترضت مراكب الإفرنج مراكب التجار من مصر فأخذوها وأسروهم وسار جماعة من أهل حلب إلى بغداد للنفير فدخلوها مستغيثين ومعهم خلق من الفقهاء والغوغاء وقصدوا جامع السلطان يوم الجمعة فمنعوا الناس من الصلاة بضجيجهم وكسروا المنبر فوعدهم السلطان بإنفاذ العساكر للجهاد وبعث من دار الخلافة منبرا للجامع ثم قصدوا في الجمعة الثانية جامع القصر في مثل جمعهم ومنعهم صاحب الباب فدفعوا ودخلوا الجامع وكسروا شبابيك المقصورة والمنبر وبطلت الجمعة وأرسل الخليفة إلى السلطان في رفع هذا الحزن فأمر الأمراء بالتجهز للجهاد وأرسل ابنه الملك مسعودا مع الأمير مودود صاحب الموصل ليلحق به الأمراء ويسيروا جميعا إلى قتال الإفرنج.
** مسير الأمراء السلجوقية إلى قتال الإفرنج **
ولما سار مسعود ابن السلطان مع الأمير مودود إلى الموصل اجتمع معهم الأمراء سقمان القطبي صاحب ديار بكر وابنا برسق إبلتكي وزنكي أصحاب همذان والأمير أحمد بك صاحب مراغة وأبو الهيجاء صاحب أربل وأياز بن أبي الغازي بعثه أخوه صاحب ماردين وساروا جميعا إلى سنجار وفتحوا عدة حصون للإفرنج ونزلوا على مدينة الرها وحاصروا واجتمعوا مع الإفرنج على الفرات وخام الطائفتان عن اللقاء وتأخر المسلمون إلى حران يستطردون للإفرنج لعلهم يعبرون الفرات فخالفهم الإفرنج إلى الرها وشحنوها أقواتا وعدة وأخرجوا الضعفاء منها ثم عبروا الفرات إلى نواحي حلب لأن الملك رضوان صاحبها لما عبروا إلى الجزيرة ارتجع بعض الحصون التي كان الإفرنج أخذوها بأعمال حلب فطرقوها الآن فاكتسحوا نواحيها وجاءت عساكر السلطان إلى الرها وقاتلوها فامتنعت عليهم فعبروا الفرات وحاصروا قلعة تل
ناشر شهرا ونصفا فامتنعت فرحلوا الى حلب فقعد الملك رضوان عن لقائهم ومرض هنالك سقمان القطبي ورجعوا فتوفي في بالس وحمل شلوه إلى بلده ونزلت العساكر السلطانية على معرة النعمان فخرج طغركين صاحب دمشق إلى مودود ونزل عليه ثم ارتاب لما رأى من الأمراء في حقه فدس للإفرنج بالمهادنة ثم افترقت العساكر كما ذكرنا في أخبارهم وبقي مودود مع طغركين على نهر العاصي وطمع الإفرنج بافتراقهم فساروا إلى افامية وخرج سلطان بن منقذ صاحب شيرز إلى مودود طغركين فرحل بهم إلى شيرز وهون عليهم أمر الإفرنج وضاقت الميرة على الإفرنج فرحلوا وأتبعهم المسلمون يتخطفون من أعقابهم أبعدوا والله تعالى أعلم.
** حصار الإفرنج مدينة صور **
ولما افترقت العساكر السلطانية خرج بقدوين ملك القدس وجمع الافرنج ونزلوا على مدينة صور في جمادى الاولى من سنة خمس وهي للأمير الأفضل صاحب مصر ونائبة بها عز الملك الاغر ونصبوا عليها الأبراج والمجانيق وانتدب بعض الشجعان من أهل طرابلس كان عندهم في ألف رجل وصدقوا الحملة حتى وصلوا البرج المتصل بالسور فأحرقوه ورموا الآخرين بالنفط فأحرقوهم واشتد القتال بينهم وبعث أهل صور الى طغركين صاحب دمشق يستنجدونه على أن يمكنوه من البلد فجاء الى بانياس وبعث اليهم بمائتي فرس واشتد القتال وبعث نائب البلد الى طغركين بالاستحثاث للوصول ليمكنه من البلد وكان طغركين يغير على أعمال الافرنج في نواحيها وملك لهم حصنا من أعمال دمشق وقطع الميرة عنهم فساروا يحملونها في البحر ثم سار الى صيدا وأغار عليها ونال منها ثم أزهت الثمرة وخشي الافرنج من طغركين على بلادهم فأفرجوا عن صور الى عكا وجاء طغركين الى صور فأعطى [1] الأموال واشتغلوا بإصلاح سورهم وخندقهم والله أعلم.
** أخبار مودود مع الإفرنج ومقتله ووفاة صاحب انطاكية **
ثم سار الأمير مودود صاحب الموصل سنة ست الى سروج وعاث في نواحيها فخرج جكرمش صاحب تل ناشر وأغار على دوابهم فاستاقها من راعيها وقتل كثيرا من العسكر
ورجع ثم توفي الأمير الارمني صاحب الدروب ببلاد ابن كاور فسار شكري صاحب انطاكية من الافرنج الى بلاده ليملكها فمرض وعاد الى انطاكية ومات منتصف سنة ست وملكها بعده ابن أخته سرجان واستقام أمره ثم جمع الأمير مودود صاحب الموصل العساكر واحتشد وجاءه تميرك صاحب سنجار وأياز بن أبي الغازي صاحب ماردين وطغركين صاحب دمشق ودخلوا في محرم سنة سبع الى بلاد الافرنج وخرج بقدوين ملك القدس وجوسكين صاحب القدس يغير على دمشق فعبروا الفرات وقصدوا القدس ونزلوا على الأردن والافرنج عدوتهم واقتتلوا منتصف المحرم فانهزم الافرنج وهلك منهم كثير في بحيرة طبرية والأردن وغنم المسلمون سوادهم وساروا منهزمين فلقيهم عسكر طرابلس وانطاكية فشردوا معهم وأقاموا على جبل طبرية وحاصرهم المسلمون نحوا من شهر فلم يظفروا بهم فتركوهم وانساحوا [1] في بلاد الافرنج ما بين عكا والقدس واكتسحوها ثم انقطعت المواد عنهم للبعد عن بلادهم فعادوا الى مرج الصفر على نية العود للغزاة في فصل الربيع وأذنوا للعساكر في الانطلاق ودخل مودود الى دمشق يقيم بها الى أوان اجتماعهم فطعنه باطني في الجامع منصرفه من صلاة الجمعة آخر ربيع الأول من السنة ومات من يومه وأتهم طغركين بقتله والله تعالى أعلم.
** أخبار البرسقي مع الافرنج **
ولما قتل مودود بعث السلطان محمد مكانه آقسنقر البرسقي ومعه ابنه السلطان مسعود في العساكر لقتال الافرنج وبعث الى الأمراء بطاعته فجاءه عماد الدين زنكي بن آقسنقر وتميرك صاحب سنجار وسار الى جزيرة ابن عمر وملكها من يد نائب مودود ثم سار الى ماردين فحاصرها الى أن أذعن أبو الغازي صاحبها وبعث معه ابنه ايازا في العساكر فساروا الى الرها وحاصروها في ذي الحجة سنة ثمان مدة سبعين يوما فامتنعت وضاقت الميرة على المسلمين فرحلوا الى شمشاط وسروج وعاثوا في تلك النواحي وهلك في خلال ذلك بكواسيل صاحب مرعش وكيسوم وزغبان من الافرنج وملكت زوجته بعده وامتنعت من الافرنج وأرسلت الى البرسقي على الرها بطاعته فبعث اليها صاحب الخابور فردته بالأموال والهدايا وبطاعتها فعاد من كان عندها من الافرنج الى انطاكية والله أعلم.
** الحرب بين العساكر السلطانية والفرنج **
كان السلطان محمد قد تنكر لطغركين صاحب دمشق لاتهامه إياه بقتل مودود فعصى وأظهر الخلاف وتابعه أبو الغازي صاحب ماردين لما كان بينه وبين البرسقي فاهتم السلطان شأنهما وشأن الافرنج وقوتهم وجهز العساكر مع الأمير برسق صاحب همذان وبعث معه الأمير حيوس بك والأمير كسقري وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم بغزو الافرنج بعد الفراغ من شأن أبي الغازي وطغركين فساروا في رمضان سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرميلة وجاءوا الى حلب وبها لؤلؤ الخادم بعد رضوان ومقدم العساكر شمس الخواص وعرضوا عليهما كتب السلطان بتسليم البلد فدافعا بالجواب واستنجدا أبا الغازي وطغركين فوصلا اليهما في ألفي فارس وامتعا بها على العسكر فسار الأمير برسق الى حماة من أعمال طغركين فملكها عنوة ونهبها ثلاثا وسلمها للأمير قرجان صاحب حمص بأمر السلطان بذلك في كل بلد يفتحونه فنفس عليه الأمراء ذلك وفسدت ضمائرهم وكان أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص قد ساروا الى انطاكية مستنجدين بصاحبها روميل على مدافعتهم عن حماة فبلغهم فتحها ووصل اليهم بأنطاكية بقدوين ملك القدس وطرابلس وغيره من شياطين الافرنج واجتمعوا على افامية واتفقوا على مطاولة المسلمين الى فصل الشتاء ليتفرقوا فلما أظل الشتاء والمسلمون مقيمون عاد أبو الغازي الى ماردين وطغركين الى دمشق والافرنج الى بلادهم وقصد المسلمون كفرطاب وكانت هي وافامية للافرنج فملكوها عنوة وفتكوا بالافرنج فيها وأسروا صاحبها ثم ساروا الى قلعة افامية فاستعصت عليهم فعادوا الى المعرة وهي للافرنج وفارقهم الأمير حيوس بك الى وادي مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة الى حلب وأثقالهم ودوابهم وهم متلاصقون فوصلت مقدمتهم الى الشام وخربوا الابنية وكان روميل صاحب انطاكية قد سار في خمسمائة فارس وألفي راجل للمدافعة عن كفر طاب وأظل على خيام المسلمين قبل وصولهم فقتل من وجد بها من السوقة والغلمان وأقام الافرنج بين الخيام يقتلون كل من لحق بها حتى وصل الأمير برسق وأخوه زنكي فصعدا ربوة هناك وأحاط الفل من المسلمين به وعزم برسق على الاستماتة ثم غلبه اخوه زنكي على النجاة فنجا فيمن معه واتبعهم الافرنج فرسخا ورجعوا عنه وافترقت العساكر الإسلامية منهزمة الى بلادها وأشفق أهل حلب وغيرها من بلاد الشام من الافرنج بعد هذه الواقعة وسار الافرنج الى رميلة من أعمال دمشق فملكوها وبالغوا في تحصينها واعتزم طغركين على تخريب بلاد الافرنج ثم بلغه الخبر عن خلو رميلة من
الحامية فبادر اليها سنة تسع وملكها عنوة وقاتل وأسر وغنم وعاد الى دمشق ولم تزل رميلة بين المسلمين الى أن حاصرها الافرنج سنة عشرين وخمسمائة وملكوها والله أعلم.
** وفاة ملك الافرنج وأخبارهم بعده مع المسلمين **
ثم توفى بقدوين ملك الافرنج بالقدس آخر سنة احدى عشرة وخمسمائة وكان قد زحف الى ديار بكر طامعا في ملكها فانتهى الى تنيس وشج في الليل فانتقض عليه جرحه وعاد الى القدس فمات وعاد القمص صاحب الرها الذي كان أسره جكرمش وأطلقه جاولي وكان حاضرا عنده لزيارة قمامة وكان أتابك طغركين قد سار لقتال الافرنج ونزل اليرموك فبعث اليه قمص في المهادنة فاشترط طغركين ترك المناصفة من جبل عردة الى الغور فلم يقبل القمص فسار طغركين الى طبرية ونهب نواحيها وسار منها الى عسقلان ولقي سبعة آلاف من عساكر مصر قد جاءوا في أثر بقدوين عند ما ارتحل عن ديار بكر فاعلموا أن صاحبهم تقدم اليهم بالوقوف عند أمر طغركين فشكر لهم ذلك وعاد الى دمشق وأتاه الخبر بأن الافرنج قصدوا أذرعات ونهبوها بعد ان ملكوا حصنا من أعماله فأرسل اليهم تاج الملك بوري في أثرهم فحاصرهم في جبل هناك حتى يئسوا من أنفسهم وصدقوا الحملة عليهم فهزموهم وأفحشوا في القتل وعاد الفل الى دمشق وسار طغركين الى حلب يستنجد أبا الغازي فوعده بالمسير معه ثم جاء الخبر بأن الافرنج قصدوا أعمال دمشق فنهبوا حوران واكتسحوها فرجع طغركين الى دمشق وأبو الغازي الى ماردين الى حشد العساكر وقصدوا الاجتماع على حرب الافرنج ثم سار الافرنج سنة ثلاثة عشر الى نواحي حلب فملكوا مراغة ونازلوا المدينة فصانعهم أهلها بمقاسمتهم أملاكهم وزحف أبو الغازي من ماردين في عشرين ألفا من العساكر والمتطوعة ومعه أسامة بن مالك بن شيرز الكاني والأمير طغان ارسلان بن افتكين ابن جناح صاحب ارزن وسار الافرنج الى صنبيل عرمس [1] قرب الاثارب فنزلوا به في موضع منقطع المسالك وعزموا على المطاولة فناجزهم أبو الغازي وسار اليهم ودخل عليهم في مجتمعهم وقاتلوه أشد القتال فلم يقاوموه وفتك فيهم فتكة شنعاء وقتل فيهم سرحان صاحب انطاكية وأسر سبعون من زعمائهم وذلك منتصف ربيع من السنة ثم اجتمع فل [2] الأفرنج
وعادوا الحرب فهزمهم أبو الغازي وملك عليهم حصن آلات رب وزدناد [1] وجاء الى حلب فأصلح أحوالها وعاد الى ماردين ثم سار جوسكين صاحب تل ناشر في مائتين من الافرنج ليكبس حلة من احياء طيئ يعرفون ببني خالد فأغار عليهم وغنم أموالهم ودلوه على بقية قومهم من بني ربيعة فيما بين دمشق وطبرية فبعث أصحابه اليهم وسار هو من طريق آخر فضل عن الطريق ووصل أصحابه اليهم وأميرهم مر من ربيعة فقاتلهم وغلبهم وقتل منهم سبعين وأسر اثني عشر ففاداهم بمال جزيل وأصناف عدتهم من الأسرى وبلغ الى جوسكين في طريقه فعاد الى طرابلس وجمع جمعا وأغار على عسقلان فهزمه المسلمون وعاد مفلولا والله أعلم.
** ارتجاع الرها من الافرنج **
ثم سار بهرام أخو أبي الغازي الى مدينة الرها وحاصرها مدة فلم يظفر بها فرحل عنها ولقيه النذير بأن جوسكين صاحب الرها وسروج قد سار لاعتراضه وقد تفرق عن مالك أصحابه فاستجاب لما وصل اليه الافرنج ودفعهم لأرض سنجة فوصلت فيها خيولهم فلم يفلت منهم أحد وأسر جوسكين وخاط عليه جلد جمل وفادى نفسه بأموال جليلة فأبى مالك من فديته الا أن يسلم حصن الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت ومعه كلمام ابن خالته وكان من شياطينهم وجماعة من زعمائهم والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
** استيلاء الافرنج على خرت برت وارتجاعها منهم **
كان مالك بن بهرام صاحب خرت برت وكان في جواره الافرنج في قلعة كركر فحاصرهم بها وسار بقدوين اليه في جموعه فلقيه في صفر سنة سبعة عشر فهزم الافرنج وأسر ملكهم وجماعة من زعمائهم وحبسهم مالك في قلعة خرت برت مع جوسكين صاحب الرها وأصحابه وسار مالك الى حران في ربيع الأول وملكها ولما غاب من خرت برت تحيل الافرنج وخرجوا من محبسهم بمداخلة بعض الجند وسار بقدوين الى بلده وملك الآخرون القلعة فعاد مالك اليهم وحاصرها وارتجعها من أيديهم ورتب فيها الحامية والله تعالى ولي التوفيق.
** استيلاء الإفرنج على مدينة صور **
كانت مدينة صور لخلفاء العلوية بمصر وكان بها عز الملك من قبل الأفضل ابن أمير الجيوش المستبد على الأمر بمصر وتجهز الإفرنج لحصارها سنة ست فاستمدوا طغركين صاحب دمشق فأمدهم بعسكر ومال مع وال من قبله اسمه مسعود فجاء إليها ولم يغير دعوة العلوية بها في خطبة ولا سكة وكتب إلى الأفضل بذلك وسأله تردد الأسطول إليه بالمدد فأجابه وشكره ثم قتل الأفضل وجاء الأسطول إليها من مصر على عادته وقد أمر مقدمه أن يعمل الحيلة في القبض على مسعود الوالي بصور من قبل طغركين لشكوى أهل مصر منه فقبض عليه مقدم الأسطول وحمله إلى مصر وبعثوا به إلى دمشق وأقام الوالي من قبل أهل مصر في مدينة صور وكتب إلى طغركين بالعذر عن القبض على مسعود واليه وكان ذلك سنة ستة عشر ولما بلغ الإفرنج انصراف مسعود عن صور قوى طمعهم فيها وتجهزوا لحصارها وبعث الوالي الأمير بذلك وبعجزه عن مقاومة حصارهم لها وسار طغركين إلى بانياس ليكون قريبا من صريخها [1] وبعث إلى أهل مصر يستنجدهم فراسل الإفرنج في تسليم البلد وخروج من فيها فدخلها الإفرنج آخر جمادى الأولى من السنة بعد أن حمل أهلها ما أطاقوا وتركوا ما عجزوا عنه والله سبحانه وتعالى أعلم.
** فتح البرسقي كفرطاب وانهزامه من الإفرنج **
ثم جمع البرسقي عساكره وسار سنة تسعة عشر إلى كفرطاب [2] وحاصرها فملكها من الإفرنج ثم سار إلى قلعة أعزاز شمالي حلب وبها جوسكين فحاصرها واجتمع الإفرنج وساروا لمدافعته فلقيهم وقاتلهم شديدا فحص الله المسلمين وانهزموا وفتك النصارى فيهم ولحق البرسقي بحلب بها ابنه مسعودا وعبر الفرات إلى الموصل ليستمد العساكر ويعود لغزوهم فقضى الله بمقتله وولى ابنه عز الدين بعده قليلا ثم مات سنة إحدى وعشرين وولى السلطان محمود عماد الدين زنكي بن آقسنقر مكانه على الموصل والجزيرة وديار بكر كما مر في أخبار دولة السلجوقية ثم استولى منها على الشام وأورث ملكها بنيه فكانت لهم دولة عظيمة بهذه
الأعمال نذكرها أن شاء الله تعالى ونشأت عن دولتهم دولة بني أيوب وتفرعت منها كما نذكره ونحن الآن نترك من أخبار الإفرنج هنا جميع ما يتعلق بدولة بني زنكي وبني أيوب حتى نوردها في أخبار تينك الدولتين لئلا تتكرر الأخبار ونذكر في هذا الموضع من أخبار الإفرنج ما ليس له تعلق بالدولتين فإذا طالعة المتأمل علم كيف يرد كل خبر إلى مكانه بجودة قريحته وحسن تأنيه.
** الحرب بين طغركين والإفرنج **
ثم اجتمعت الإفرنج سنة عشرين وخمسمائة وساروا إلى دمشق ونزلوا مرج الصفر واستنجد طغركين صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها فجاءوا إليه وكان هو قد سار إلى جهة الإفرنج آخر سنة عشرين وقاتلهم وسقط في المعترك فظن أصحابه أنه قتل فانهزموا وركب فرسه وسار معهم منهزما والإفرنج في إتباعهم وقد أثخنوا في رجاله التركمان فلما أتبعوا المنهزمين خالف الرجالة إلى معسكرهم فنهبوا سوادهم وقتلوا من وجدوا فيه ولحقوا بدمشق ورجع الإفرنج عن المنهزمين فوجدوا خيامهم منهوبة فساروا منهزمين ثم كان سنة ثلاث وعشرين واقعة المزدغاني والإسماعيلية بدمشق بعد أن طمع الإفرنج في ملكها فأسف ملوك الإفرنج على قتله وسار صاحب القدس وصاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من القمامصة ومن وصل في البحر للتجارة أو الزيارة وساروا إلى دمشق في ألفي فارس ومن الرجال ما لا يحصى وجمع طغركين من العرب والتركمان ثمانية آلاف فارس وجاء الإفرنج آخر السنة ونازلوا دمشق وبثوا سراياهم للإغارة بالنواحي وجمع الميرة وسمع تاج الملك بسرية في حوران فبعث شمس الخواص من أمرائه ولقوا سرية الإفرنج وظفروا بهم وغنموا ما معهم وجاءوا إلى دمشق وبلغ الخبر إلى الإفرنج فأجفلوا عن دمشق بعد أن أحرقوا ما تعذر عليهم حمله وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثم أن إسمند صاحب أنطاكية سار إلى حصن القدموس وملكه والله تعالى يؤيد من يشاء.
** هزيمة صاحب طرابلس **
ثم اجتمع سنة سبع وعشرين جمع كبير من تركمان الجزيرة وأغاروا على بلاد طرابلس وقتلوا وغنموا فخرج إليهم القمص صاحبها فاستطردوا له ثم كروا عليه فهزموه ونالوا منه ونجا إلى
قلعة بقوين [1] فتحصن بها وحاصره التركمان فيها فخرج من القلعة ليلا في عشرين من أعيان أصحابه ونجا إلى طرابلس واستصرخ الإفرنج من كل ناحية وسار بهم إلى بقوين لمدافعة التركمان فقاتلهم حتى أشرف الإفرنج على الهزيمة ثم تحيزوا إلى أرمينية وتعذر على التركمان أتباعهم فرجعوا عنهم انتهى.
** فتح صاحب دمشق بانياس **
كان بوري بن طغركين صاحب دمشق لما توفي سنة ست وعشرين وخمسمائة وولي مكانه ابنه شمس الملوك إسماعيل فاستضعفه الإفرنج وتعرضوا لنقض الهدنة ودخل بعض تجار المسلمين إلى سروب فأخذوا أموالهم وراسلهم شمس الملوك في ردها عليهم فلم يفعلوا فتجهز وسار إلى بانياس في صفر سنة سبع وعشرين فنازلها وشدد حصارها ونقب المسلمون سورها وملكوها عنوة واستلحموا [2] الإفرنج بها واعتصم فلهم بالقلعة حتى استأمنوا بعد يومين وكان الإفرنج قد جمعوا لمدافعة شمس الملوك فجاءهم خبر فتحها فأقصروا.
** استيلاء شمس الملوك على الشقيف **
ثم سار شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق إلى شقيف بيروت وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم وهو ممتنع به وقد تحاماه المسلمون والإفرنج وهو يحتمي من كل منهما بالآخر فسار إليه شمس الملوك وملكه في المحرم سنة ثمان وعشرين وعظم ذلك على الإفرنج وخافوا شمس الملوك فساروا إلى بلد حوران وعاثوا في جهاتها ونهض شمس الملوك ببعض عساكره وجمر الباقي قبالة الإفرنج وقصد طبرية والناصرة وعكا فاكتسح نواحيها وجاء الخبر إلى الإفرنج فاجفلوا إلى بلادهم وعظم عليهم خرابها وراسلوا شمس الملوك في تجديد الهدنة فجددها لهم انتهى والله أعلم.
** استيلاء الإفرنج على جزيرة جربة من إفريقية **
كانت جزيرة جربة من أعمال إفريقية ما بين طرابلس وقابس وكان أهلها من قبائل البربر قد
استبدوا بجزيرتهم عند ما دخل العرب الهلاليون إفريقية ومزقوا ملك صنهاجة بها وقارن ذلك استفحال ملك الإفرنج برومة وما اليها من البلاد الشمالية وتطاولوا إلى ملك بلاد المسلمين فسار ملكهم بردويل فيمن معه من زعمائهم وأقماصهم إلى الشام فملكوا مدنه وحصونه كما ذكرناه آنفا وكان من ملوكهم القمص رجار بن نيغر بن خميرة وكان كرسيه مدينة ميلكوا مقابل جزيرة صقلية ولما ضعف أمر المسلمين بها وانقرضت دولة بني أبي الحسين الكلبي منها سما رجار هذا إلى ملكها وأغراه المتغلبون بها على بعض نواحيها فأجاز إليها عساكره في الأسطول في سبيل التضريب بينهم ثم ملكها من أيديهم معقلا معقلا إلى أن كان آخرها فتخاطر إبنة وما زرعة من يد عبد الله بن الجواس أحد الثوار بها فملكها من يده صلحا سنة أربع وستين وأربعمائة وانقطعت كلمة الإسلام بها ثم مات رجار سنة أربع وتسعين فولي ابنه رجار مكانه وطالت أيامه واستفحل ملكه وذلك عند ما هبت ريح الإفرنج بالشام وجاسوا خلالها وصاروا يتغلبون على ما يقدرون عليه من بلاد المسلمين وكان رجار يتعاهد سواحل إفريقية بالغزو فبعث سنة ثلاث وخمسين أسطول صقلية إلى جزيرة جربة وقد تقلص عنها ظل الدولة الصنهاجية فأحاطوا بها واشتد القتال ثم اقتحموا الجزيرة عليهم عنوة وغنموا وسبوا واستأمن الباقون وأقرهم الإفرنج في جزيرتهم على جزية وملكوا عليهم أمرهم والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
** فتح صاحب دمشق بعض حصون الإفرنج **
ثم بعث شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق عساكره مع الأمير خزواش سنة إحدى وثلاثين إلى طرابلس الشام ومعه جمع كثير من التركمان والمتطوعة وسار إليه القمص صاحب طرابلس فقاتلوه وهزموه وأثخنوا في عساكره وأحجزه بطرابلس وعاثوا في أعماله وفتحوا حصن وادي ابن الأحمر من حصونه عنوة واستباحوه واستلحموا من فيه من الإفرنج ثم سار الإفرنج سنة خمس وثلاثين الى عسقلان [1] وأغاروا في نواحيها وخرج إليهم عسكر مصر الذين بها فهزموا الإفرنج وظفروا بهم وعادوا منهزمين وكفى الله شرهم بمنه وكرمه.
** استيلاء الإفرنج على طرابلس الغرب **
كان أهل طرابلس الغرب لما انحل نظام الدولة الصنهاجية بإفريقية وتقلص ظلها عنهم قد استبدوا بأنفسهم وكان بالمهدية آخر الملوك من بني باديس وهو الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز فاستبد لعهده في طرابلس أبو يحيى بن مطروح ورفضوا دعوة الحسن وقومه وذلك عند ما تكالب الإفرنج على الجهات فطمع رجار في ملكها وبعث أسطوله في البحر فنازلها آخر سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فنقبوا سورها واستنجد أهلها بالعرب فأنجدوهم وخرجوا إلى الإفرنج فهزموهم وغنموا أسلحتهم ودوابهم ورجع الإفرنج إلى صقلية فتجهزوا إلى المغرب وطرقوا جيجيل من سواحل بجاية وهرب أهلها الى الجبل ودخلوها فنهبوها وخربوا القصر الذي بناه يحيى بن العزيز بن حماد ويسمى النزهة ورجعوا إلى بلادهم ثم بعث رجار أسطوله إلى طرابلس سنة إحدى وأربعين فأرسى عليها ونزل المقاتلة وأحاطوا بها برا وبحرا وقاتلوها ثلاثا وكان أهل البلد قد اختلفوا قبل وصول الإفرنج وأخرجوا بني مطروح وولوا عليهم رجلا من أمراء لمتونة قام حاجا في قومه فولوه أمرهم فلما شغل أهل البلد بقتال الإفرنج اجتمعت شيعة بني مطروح وأدخلوهم للبلد ووقع بينهم القتال فلما شعر الإفرنج بأمرهم بادروا إلى الأسوار فنصبوا عليها السلالم وتسنموها وفتحوا البلد عنوة وأفحشوا في القتل والسبي والنهب ونجا كثير من أهلها إلى البربر والعرب في نواحيها ثم رفعوا السيف ونادوا بالأمان فتراجع المسلمون إلى البلد وأقروهم على الجزية وأقاموا بها ستة أشهر حتى أصلحوا أسوارها وفنادقها وولوا عليها ابن مطروح وأخذوا رهنه على الطاعة ونادوا في صقلية بالمسير إلى طرابلس فسار إليها الناس وحسنت عمارتها.
** استيلاء الإفرنج على المهدية **
كانت قابس عند ما اختل نظام الدولة الصنهاجية واستبد بها [1] ابن كامل بن جامع من قبائل رياح إحدى بطون هلال الذين بعثهم الجرجرائي وزير المستنصر بمصر على المعز بن باديس وقومه فأضرعوا الدولة وأفسدوا نظامها وملكوا بعض أعمالها واستبد آخرون من أهل البلاد بمواضعهم فكانت قابس هذه في قسمة بني دهمان هؤلاء وكان لهذا العهد
رشيد أميرا بها كما ذكرنا ذلك في أخبار الدولة الصنهاجية من أخبار البربر وتوفي رشيد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ونصب مولاه يوسف ابنه الصغير محمد بن رشيد وأخرج ابنه الكبير معمرا واستبد على محمد وتعرض لحرمة سرا وكان فيهن امرأة رشيد وساروا إلى التمحض بصاحب المهدية يشكون فعله وكاتبه الحسن في ذلك فلم يجبه وتهدده بإدخال الإفرنج إلى قابس فجهز إليه العساكر وبعث يوسف إلى رجار صاحب طرابلس بطاعته وأن يوليه على قابس كما ولي ابن مطروح على طرابلس وشعر أهل البلد بمداخلته للإفرنج فلما وصل عساكر الحسن ثاروا به معهم وتحصن يوسف بالقصر فملكوه عنوة وأخذ يوسف أسيرا وملك معمر قابس مكان أخيه محمد وامتحن يوسف بأنواع العذاب إلى أن هلك وأخذ بنو قرة أختهم ولحق عيسى أخو يوسف وولد يوسف برجار صاحب صقلية واستجاروا به وكان الغلاء قد اشتد بإفريقية سنة سبع وثلاثين ولحق أكثر أهلها بصقلية وأكل بعضهم بعضا وكثر الموتان فاغتنم رجار الفرصة ونقض الصلح الذي كان بينه وبين الحسن بن علي صاحب المهدية [1] لسنين وجهز أسطوله مائتين وخمسين من الشواني وشحنها بالمقاتلة والسلاح ومقدم الأسطول جرجي بن ميخاييل أصله من المنتصرة وقد ذكرنا خبره في أخبار صنهاجة والموحدين فقصد قوصرة وصادف بها مركبا من المهدية فغنمه ووجد عندهم حمام البطاقة فبعث الخبر إلى المهدية على أجنحتها بأن أسطول الإفرنج أقلع إلى القسطنطينية ثم أقلع فأصبح قريبا من المرسي في ثامن صفر سنة ثلاث وأربعين وقد بعث الله الريح فعاقتهم عن دخول المرسي ففاته غرضه وكتب إلى الحسن بأنه باق على الصلح وإنما جاء طالبا بثأر محمد بن رشيد ورده إلى بلده قابس فجمع الحسن الناس واستشارهم فأشاروا بالقتال فخام عنه واعتذر بقلة الأقوات وارتحل من البلد وقد حمل ما خف حمله وخرج الناس بأهاليهم وما خف من أموالهم واختفى كثير من المسلمين في الكنائس ثم ساعد الريح أسطول الإفرنج ووصلوا إلى المرسي ونزلوا إلى البلد من غير مدافع ودخل جرجي القصر فوجده على حاله مملوءا بالذخائر النفسية التي يعز وجود مثلها وبعث بالأمان إلى كل من شرد من أهلها فرجعوا وأقرهم على الجزية وسار الحسن بأهله وولده إلى المعلقة وبها محرز بن زياد من أمراء الهلاليين ولقيه في طريقه حسن بن ثعلب من أمراء الهلاليين بمال انكسر له في ديوانه فأخذ ابنه يحيى رهينة به ولما وصل محرز بن زياد أكرم لقاءه وبر مقدمه جزاء بما كان يؤثره على العرب ويرفع محله وأقام عنده شهرا ثم عزم على المسير إلى مصر وبها يومئذ الحافظ فأرصد له جرجي الشواني في البحر
فرجع عن ذلك واعتزم على قصد عبد المؤمن من ملوك الموحدين بالمغرب وفي طريقه يحيى بن عبد العزيز ببجاية من بني عمه حماد فأرسل إليه أبناءه يحيى وتميما وعليا يستأذنه في الوصول فأذن له وبعث إليه من أوصله إلى جزائر بني مذغنة ووكل به وبولده حتى ملك عبد المؤمن بجاية سنة أربع وأربعين وخبرهم مشروع هنالك ثم جهز جرجي أسطولا آخر إلى صفاقس وجاء العرب لإنجادهم فلما توافوا للقتال استطرد لهم الإفرنج غير بعيد فهزموهم ومضى العرب عنهم وملك الإفرنج المدينة عنوة ثالث عشري صفر وفتكوا فيها ثم أمنوهم وفادوا وأسراهم وأقروهم على الجزية وكذا أهل سوسة [1] وكتب رجار صاحب صقلية إلى أهل سواحل إفريقية بالأمان والمواعد ثم سار جرجي إلى إقليبية من سواحل تونس واجتمع إليها العرب فقاتلوا الإفرنج وهزموهم ورجعوا خائبين إلى المهدية وحدثت الفتنة بين رجار صاحب صقلية وبين ملك الروم بالقسطنطينية فشغل رجار بها عن إفريقة وكان متولي كبرها جرجي بن ميخاييل صاحب المهدية ثم مات سنة ست وأربعين فسكنت تلك الفتنة ولم يقم لرجار بعده أحد مقامه والله تعالى أعلم [2] .
** استيلاء الإفرنج على بونة ووفاة رجار صاحب صقلية وملك ابنه غليالم **
ثم سار أسطول رجار من صقلية سنة ثمان وأربعين إلى مدينة بونة وقائد الأسطول بها وقتات المهدوي فحاصرها واستعان عليها بالعرب فملكها واستباحها وأغضى عن جماعة من أهل
العلم والدين فخرجوا بأموالهم وأهاليهم إلى القرى وأقام بها عشرا ورجع إلى المهدية ثم إلى صقلية فنكر عليه رجار رفقه بالمسلمين في بونة وحبسه ثم اتهم في دينه فاجتمع الأساقفة والقسوس وأحرقوه ومات رجار آخر هذه السنة لعشرين سنة من ملكه وولى ابنه غليالم مكانه وكان حسن السيرة واستوزر مائق البرقياني فأساء التدبير واختلف عليه حصون من صقلية وبلاد قلورية [1] وتعدى الأمراء على إفريقية على ما سيأتي إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم [2] .
** استيلاء الإفرنج على عسقلان **
كانت عسقلان في طاعة الظافر العلوي ومن جملة ممالكه وكان الإفرنج يتعاهدونها بالحصار مرة بعد مرة وكان الوزراء يمدونها بالأموال والرجال والأسلحة وكان لهم التحكم في الدولة على الخلفاء العلوية فلما قتل ابن السلار سنة ثمان وأربعين اضطرب الحال بمصر حتى ولي عباس الوزارة فسار الإفرنج خلال ذلك من بلادهم بالشام وحاصروا عسقلان وامتنعت عليهم ثم اختلف أهل البلد وآل أمرهم إلى القتال فاغتنم الإفرنج الفرصة وملكوا البلد وعاثوا فيها والله يؤيد بنصره من يشاء من عباده [1] .
** ثورة المسلمين بسواحل إفريقية على الإفرنج المتغلبين فيها **
قد تقدم لنا وفاة رجار وملك ابنه غليالم وإنه ساء تدبير وزيره فاختلف عليه الناس وبلغ ذلك المسلمين الذين تغلبوا عليهم بإفريقية وكان رجار قد ولى على المسلمين بمدينة صفاقس
لما تغلب عليها أبو الحسين الفرياني منهم وكان من أهل العلم والدين ثم عجز عن ذلك وطلب ولاية ابنه عمر فولاه رجار وحمل أبا الحسين إلى صقلية رهينة وأوصى ابنه عمرو قال يا بني أنا كبير السن وقد قرب أجلي فمتى أمكنتك الفرصة في إنقاذ المسلمين من ملكة العدو فأفعل ولا تخش علي وأحسبني قدمت فلما اختل أمر غليالم دعا عمر أهل صفاقس إلى الثورة بالإفرنج فثاروا بهم وقتلوهم سنة إحدى وخمسين وأتبعه أبو يحيى بن مطروح بطرابلس ومحمد بن رشيد بقابس وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وذهب حكم الإفرنج عن إفريقية ما عدا المهدية وسوسة وأرسل عمر الفرياني إلى زويلة [1] قريبا من المهدية يغريهم بالوثوب على الإفرنج الذين معهم فوثبوا وأعانهم أهل ضاحيتهم وقاتلوا الإفرنج بالمهدية وقطعوا الميرة عنهم وبلغ الخبر إلى غليالم فبعث إلى عمر الفرياني بصفاقس وأعذر إليه في أبيه فأظهر للرسول جنازة ودفنها وقال هذا قد دفنته فلما رجع الرسول بذلك صلب أبا الحسين ومات شهيدا رحمه الله تعالى وسار أهل صفاقس والعرب إلى زويلة واجتمعوا مع أهلها على حصار المهدية وأمدهم غليالم بالأقوات والأسلحة وصانعوا العرب بالمال على أن يخذلوا أصحابهم ثم خرجوا للقتال فانهزم العرب وركب أهل صفاقس البحر إلى بلدهم أيضا وأتبعهم الإفرنج فعاجلوهم عن زويلة وقتلوهم ثم اقتحموا البلد فقتلوا مخلفهم بها واستباحوهم.
** ارتجاع عبد المؤمن المهدية من يد الإفرنج **
ولما وقع بأهل زويلة من الإفرنج ما وقع لحقوا بعبد المؤمن ملك المغرب يستصرخونه فأجاب صريخهم ووعدهم وأقاموا في نزله وكرامته وتجهز للمسير وتقدم إلى ولاته وعماله بتحصيل الغلات وحفر الآبار ثم سار في صفر سنة اربع وخمسين في مائة ألف مقاتل وفي مقدمته الحسن بن علي صاحب المهدية ونازل تونس منتصف السنة وبها صاحبها أحمد بن خراسان من بقية دولة صنهاجة وجاء أسطول عبد المؤمن فحاصرها من البحر ثم نزل إليه من سورها عشرة رجال من أعيانها في السلالم مستأمنين لأهل البلد ولأنفسهم فأمنهم على مقاسمتهم في أموالهم وعلى أن يخرج إليه ابن خراسان فتم ذلك كله وسار عنها إلى المهدية وأسطوله محاذية في البحر فوصلها منتصف رجب من السنة وبها أولاد الملوك والزعماء من الإفرنج وقد أخلوا
زويلة وهي على غلوة من المهدية فعمرها عبد المؤمن لوقتها وامتلأ فضاء المهدية بالعساكر وحاصرها أياما وضاق موضع القتال من البر لاستدارة البحر عليها لأنها صورة يد في البحر وذراعها في البر وآحاط الأسطول بها في البحر وركب عبد المؤمن البحر في الشواني [1] ومعه الحسن بن علي فرأى حصانتها في البحر وأخذ في المطاولة وجمع الأقوات حتى كانت في ساحة معسكره كالتلال وبعث إليه أهل صفاقس وطرابلس وجبال نفوسة بطاعتهم وبعث عسكر إلى قابس فملكها عنوة وبعث ابنه عبد الله ففتح كثيرا من البلاد ثم وفد عليه يحيى بن تميم بن المقر بن الرند صاحب قفصة [2] في جماعة من أعيانها فبذل طاعته ووصله عبد المؤمن بألف دينار ولما كان آخر شعبان وصل أسطول صقلية في مائة وخمسين من الشواني غير الطرائد كان في جزيرة يابسة فاستباحها وبعث إليه صاحب صقلية بقصد المهدية فلما أشرفوا على المرسي قذفت إليهم أساطيل عبد المؤمن ووقف عسكره على جانب البر وعبد المؤمن ساجد يعفر وجهه بالتراب ويجأر بالدعاء فانهزم أسطول الإفرنج وأقلعوا إلى بلادهم وعاد اسطول المسلمين ظافرا وأيس أهل المهدية من الأنجاد ثم صابروا إلى آخر السنة حتى جهدهم الحصار ثم استأمنوا إلى عبد المؤمن فعرض عليهم الإسلام فأبوا ولم يزالوا يخضعون له بالقول حتى أمنهم وأعطاهم السفن فركبوا فيها وكان فصل شتاء فمال عليهم البحر وغرقوا ولم يفلت منهم إلى الأقل ودخل عبد المؤمن المهدية في محرم سنة خمس وخمسين لثنتي عشرة سنة من ملك الإفرنج وأقام بها عشرين يوما فأصلح أمورها وشحنها بالحامية والأقوات واستعمل عليها بعض أصحابه وأنزل معه الحسن بن علي وأقطعه بأرضها له ولأولاده وأمر الوالي أن يقتدي برأيه ورجع إلى المغرب والله أعلم.
** حصار الإفرنج أسد الدين شيركوه في بلبيس **
كان أسد الدين شيركوه بن شادي عم صلاح الدين قد بعثه نور الدين العادل سنة تسع وخمسمائة منجدا لشاور وزير العاضد صاحب مصر على قريعة الضرغام كما سيأتي في أخبارهم إن شاء الله تعالى وسار نور الدين من دمشق في عساكره إلى بلاد الإفرنج ليشغلهم عن أسد الدين شيركوه وخرج ناصر الدين أخو الضرغام في عساكر مصر فهزمه أسد الدين
على تنيس [1] وأتبعه إلى القاهرة ونزلها منتصف السنة وأعاد شاور إلى الوزارة ونقض ما بينه وبين أسد الدين وتأخر إلى تنيس وخشي منه ودس إلى الإفرنج يغريهم به وبذل لهم المال فطمعوا بذلك في ملك الديار المصرية وسار ملك القدس في عساكر الإفرنج واجتمعت معه عساكر المسلمين وساروا إلى أسد الدين فحاصروه في بلبيس [2] ثلاثة ولم يظفروا منه بشيء ثم جاءهم الخبر بأن نور الدين العادل هزم أصحابهم على خارد وفتحها ثم سار إلى بانياس فسقط في أيديهم وطلبوا الصلح من أسد الدين ليعودوا إلى بلادهم لذلك وخرج من بلبيس سائرا إلى الشام ثم عاد إلى مصر سنة ثنتين وستين وعبر النيل من أطفج ونزل الجزيرة واستمد شاور الإفرنج فساروا إليه بجموعهم وكان أسد الدين قد سار إلى الصعيد وانتهى إلى [3] فسار الإفرنج والعساكر المصرية في أثره فأدركوه منتصف السنة واستشار أصحابه فاتفقوا على القتال وأدركته عساكر الإفرنج ومصر وهو على تعبيته وقد أقام مقامه في القلب راشد حذرا من حملة الإفرنج وانحاز فيمن يثق به من شجعان أصحابه إلى الميمنة فحمل الإفرنج على القلب فهزموهم وأتبعوهم وخالفهم أسد الدين إلى من تركوا وراءهم من العساكر فهزمهم وأثخن فيهم ورجع الإفرنج من أثناء القلب فانهزموا وانهزم أصحابهم ولحقوا بمصر ولحق أسد الدين بالإسكندرية فملكها صلحا وأنزل بها صلاح الدين ابن أخيه وحاصرته عساكر الإفرنج ومصر وزحف إليهم عمه أسد الدين من الصعيد فبعثوا إليه في الصلح فأجابهم على خمسين ألف دينار يعطونها إياه ولا يقيم في البلد أحد من الإفرنج ولا يملكون منها شيئا فقبلوا ذلك وعادوا إلى الشام وملك أهل مصر الإسكندرية واستقر بينهم وبين الإفرنج أن ينزلوا بالقاهرة شحنة وأن يكون أبوابها في غلقها وفتحها بأيديهم وأن لهم من خراج مصر مائة ألف دينار في كل سنة ولم [4] ذلك منه وعاد الإفرنج إلى بلادهم بالسواحل الشامية والله تعالى أعلم [5] .
** حصار الإفرنج القاهرة **
ثم كان مسير أسد الدين إلى مصر وقتله شاور سنة أربع وستين باستدعاء العاضد لما رأى من تغلب الإفرنج كما نذكر في أخبار أسد الدين وأرسل إلى الإفرنج أصحابهم الذين بالقاهرة
يستدعونهم لملكها ويهونونها عليهم وملك الإفرنج يومئذ بالشام مري ولم يكن ظهر فيهم مثله شجاعة ورأيا فأشار بأن جبايتها لنا خير من ملكها وقد يضطرون فيملكون نور الدين منها وأن ملكها قبلنا احتاج إلى مصانعتنا [1] فأبوا عليه وقالوا إنما نزداد بها قوة فرجع إلى رأيهم وساروا جميعا إلى مصر وانتهوا إلى تنيس في صفر سنة أربع وستين فملكوها عنوة واستباحوها ثم ساروا إلى القاهرة وحاصروها وأمر شاور بإحراق مصر وانتقال أهلها إلى القاهرة فنهبت المدينة ونهب أموال أهلها وبغتهم قبل نزول الإفرنج عليهم بيوم فلم تخمد النار مدة شهرين وبعث العاضد بالصريخ إلى نور الدين واشتد عليه الحصار وبعث شاور إلى ملك الإفرنج يشير بالصلح على ألف دينار مصرية ويهدده بعساكر نور الدين فأجابوا إلى ذلك ودفع إليهم مائة ألف دينار وتأخروا قريبا حتى يصل إليهم بقية المال وعجز عن تحصيله والإفرنج يستحثونه فبعثوا خلال ذلك إلى نور الدين يستنجدونه على الإفرنج بأن يرسل إليهم أسد الدين شير كوه في عسكر يقيمون عندهم على أن لنور الدين ثلث بلاد مصر ولأسد الدين إقطاعه وعطاء العساكر فاستدعى أسد الدين من حمص وكانت إقطاعه وأمره بالتجهز إلى مصر وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الدواب والأسلحة وحكمه في العساكر والخزائن وما يحتاج إليه وسار في ستة آلاف وأزاح علل جنده وأعانهم أسد الدين بعشرين دينارا لكل فارس وبعث معه جماعة من الأمراء منهم خرديك مولاه وعز الدين قليج وشرف الدين بن بخش وعين الدولة الياروقي وقطب الدين نيال بن حسان وصلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب وسار إلى مصر فلما قاربها ارتحل الإفرنج راجعين إلى بلادهم ودخل هو إليها منتصف السنة وخلع عليه العاضد [2] وأجرى عليه وعلى عسكره الجرايات الوافرة ثم شرع شاور في مماطلة أسد الدين
بما وقع اتفاقهم معه عليه وحدث نفسه بالقبض عليه واستخدام جنده لمدافعة الإفرنج ولم يتم له ذلك وشعر به أسد الدين فاعترضه صلاح الدين ابن أخيه وعز الدين خرديك مولاه عند قبر الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وقتلاه وفوض العاضد أمور دولته إلى أسد الدين وتقاصر الإفرنج عنها ومات أسد الدين واستولى صلاح الدين بعد ذلك على البلاد وارتجع البلاد الإسلامية من يد الإفرنج كما نذكر في أخبار دولته والله أعلم [1] .
** حصار الافرنج دمياط **
ولما ملك أسد الدين شيركوه مصر خشيه الافرنج على ما بأيديهم من مدن الشام وسواحله وكاتبوا أهل ملتهم ونسبهم بصقلية وافرنسة يستنجدونهم على مصر ليملكوها وبعثوا الأقسة والرهبان من بيت المقدس يستنفرونهم لحمايتها وواعدوهم بدمياط طمعا في أن يملكوها ويتخذوها ركابا للاستيلاء على مصر فاجتمعوا عليها وحاصروها لأول أيام صلاح الدين وأمدهم صلاح الدين بالعساكر والأموال وجاء بنفسه وبعث الى نور الدين يستنجده ويخوفه على مصر فتابع اليه الامداد وسار بنفسه الى بلاد الافرنج بالشام واكتسحها وخربها
فعاد الفرنج الى دمياط بعد حصار خمسين يوما نفس الله عليهم [1] ومن هذه القصة بقية أخبار الافرنج متعلقة بالدولتين دولة بني زنكي بالشام ودولة بني أيوب بمصر فأخرت بقية أخبارهم الى أن نسردها في الدولتين على مواقعها في مواضعها حسبما تراه ولم يبق الا استيلاؤهم على القسطنطينية من يد الروم فأوردناه هاهنا.
** استيلاء الافرنج على القسطنطينية **
كان هؤلاء الافرنج بعد ما ملكوه من بلاد الشام اختلف أحوالهم في الفتنة والمهادنة مع الروم بالقسطنطينية لاستيلائهم على الثغور من بلاد المسلمين التي تجاور الروم التي كانت بأيديهم من قبل وظاهرهم الروم على المسلمين في بعض المرات ثم غلبوا عليهم آخرا وملكوا القسطنطينية من أيديهم فأقامت في أيديهم مدة ثم ارتجعها الروم على يد شكري من بطارقتهم وكيفية الخبر عن ذلك أن ملوك الروم أصهروا الى ملوك الافرنج وتزوجوا منهم بنتا لملك الروم فولدت ذكرا خاله الافرنسيس وثب عليه أخوه فانتزع الملك من يده وحبسه ولحق الولد بملك الافرنج خاله مستصرخا به فوصل اليه وقد تجهز الافرنج لاستنقاذ القدس من يد المسلمين وكان صلاح الدين قد ارتجعها منهم كما يأتي في أخباره ان شاء الله تعالى وانتدب لذلك ثلاثة من ملوكهم دموس البنادقة وهو صاحب الاسطول الذي ركبوا فيه وكان
شيخا أعمى لا يركب ولا يمشي الا بقائد ومقدم الفرنسيس ويسمى المركيش والثالث يسمى كبد إقليد [1] وهو أكثرهم عددا فجعل الملك ابن أخته معهم وأوصاهم بمظاهرته على ملكه بالقسطنطينية ووصلوا اليه في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة فخرج عم الصبي وقاتلهم واضرم شيعة الصبي النار في نواحي البلاد فاضطرب العسكر ورجعوا وفتح شيعة الصبي باب المدينة وأدخلوا الافرنج وخرج عمه هاربا ونصب الافرنج الصبي في الملك وأطلقوا أباه من السجن واستبدوا بالحكم وصادروا الناس وأخذوا مال البيع وما على الصلبان من الذهب وما على تماثيل المسيح والحواريين وما على الإنجيل فعظم ذلك على الروم ووثبوا بالصبي فقتلوه وأخرجوا الافرنج من البلد وذلك منتصف سنة ستمائة وأقام الافرنج بظاهرها محاصرين لهم وبعث الروم صريخا الى صاحب قونية ركن الدين سليمان بن قليج ارسلان فلم ينهض لذلك وكان بالمدينة متخلفون من الافرنج يناهزون ثلاثين ألفا فثاروا بالبلد عند شغل الروم بقتال أصحابهم وأضرموا النار ثانيا فاقتحم الافرنج وأفحشوا في النهب والقتل ونجا كثير من الروم الى الكنائس وأعظمها كنيسة سوميا فلم تغن عنهم وخرج القسيسون والأساقفة في أيديهم الإنجيل والصلبان فقتلوهم ثم تنازع الملوك الثلاثة على الملك بها وتقارعوا فخرجت القرعة على كبداقليد فملكها على أن يكون لدموس البنادقة الجزائر البحرية اقريطش ورودس وغيرهما ويكون لمركيش الافرنسيس شرقي الخليج ولم يحصل أحد منهم شيئا الا ملك القسطنطينية كبداقليد وتغلب على شرقي الخليج بطريق من بطارقة الروم اسمه شكري فلم يزل بيده الى أن مات ثم غلب بعد ذلك على القسطنطينية وملكها من يد الافرنج والله غالب على أمره [2] .
** الخبر عن دولة بني ارتق وملكهم لماردين وديار بكر ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم **
كان ارتق بن اكسك ويقال اكست والأول أصح كلمة أولها همزة ثم كافان الاولى ساكنة بينهما سين من مماليك السلطان ملك شاه بن البارسلان ملك السلجوقية وله مقام محمود في
دولتهم وكان على حلوان وما اليها من أعمال العراق ولما بعث السلطان ملك شاه عساكره الى حصار الموصل مع فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة أردفه بعسكر آخر مع أرتق فهزمه مسلم بن قريش فحاصره بآمد ثم داخلة في الخروج من هذا الحصار على مال اشترطه ونجا الى الرقة ثم خشي ارتق من فعلته تلك فلحق بتتش حتى سار الى حلب طامعا في ملكها فلقيه تتش وهزمه وكان لارتق في تلك الواقعة المقام المحمود ثم سار تتش الى حلب وملكها واستجار مقدمها ابن الحسين بأرتق فأجاره من السلطان تتش ثم هلك ارتق سنة ثلاث وثمانين بالقدس وملكه من بعد ارتق ابناه أبو الغازي وسقمان وكان لهما معه الرها [1] وسروج [2] ولما ملك الافرنج انطاكية سنة احدى وتسعين وأربعمائة اجتمعت الأمراء بالشام والجزيرة وديار بكر [3] وحاصروها وكان لسقمان في ذلك المقام المحمود ثم تخاذلوا وافترقوا وطمع أهل مصر في ارتجاع القدس منهم وسار اليها الملك الأفضل المستولى على دولتهم فحاصرها أربعين يوما وملكها بالأمان وخرج سقمان وأبو الغازي ابنا ارتق وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج وأحسن اليهم الأفضل وولى على بيت المقدس ورجع الى مصر وجاء الافرنج فملكوها كما تقدم في أخبار الدولة السلجوقية ولحق أبو الغازي بالعراق فولى شحنة بغداد وسار سقمان الى الرها فأقام بها وكان بينه وبين كربوقا صاحب الموصل فتن وحروب أسر في بعضها ياقوتي ابن أخيه ثم توفي كربوقا سنة خمس وتسعين وولى الموصل بعده موسى التركماني وكان نائبا بحصن كيفا فزحف اليه جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وحاصره بالموصل واستنجد موسى سقمان على أن يعطيه حصن كيفا [4] فأنجده وسار اليه وأفرج عنه جكرمس وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه غدرا ورجع سقمان الى حصن كيفا فملكه ثم كانت الفتنة بين أبي الغازي وكمستكين القيصري لما بعثه بركيارق شحنة على بغداد وكان هو شحنة من قبل السلطان محمد فمنع القيصري من الدخول واستنجد أخاه سقمان فجاء اليه
من حصن كيفا في عساكره ونهب تكريت [1] وخرج اليه أبو الغازي واجتمع معهم صدقة بن مزيد صاحب الحلة وعاثوا في نواحي بغداد وفتكوا بنفر من أهل البلد وبعث اليهم الخليفة في الصلح على أن يسير القيصري الى واسط [2] فسار اليها ودخل أبو الغازي بغداد ورجع سقمان الى بلده وقد مر ذلك في أخبارهم ثم استولى مالك بن بهرام أخى سقمان على عامة الخرمية سنة سبع وتسعين وكان له مدينة سروج فملكها منه الافرنج وسار الى غانة فملكها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط واستصرخوا بصدقة بن مزيد وارتجعها لهم منه وعاد الى الحلة فعاد مالك فملكها واستقرت في ملكه ثم اجتمع سقمان وجكرمس صاحب الموصل على جهاد الافرنج سنة سبع وتسعين وهم محاصرون حران [3] فتركوا المنافسة بينهم وقصدوهم وسقمان في سبعة آلاف من التركمان فهزموا الافرنج وأسروا القمص بردويل صاحب الرها أسره أصحاب سقمان فتغلب عليهم أصحاب جكرمس وأخذوه وافترقوا بسبب ذلك وعادوا الى ما كان بينهم من الفتن والله أعلم.
** استيلاء سقمان بن ارتق على ماردين **
كان هذا الحصن ماردين [4] من ديار بكر وأقطعه السلطان بركيارق بجميع أعماله لمغن كان عنده وكان في ولاية الموصل وكان ينجر اليه خلق كثير من الأكراد يفسدون السابلة واتفق ان كربوقا صاحب الموصل سار لحصار آمد [5] وهي لبعض التركمان فاستنجد صاحبها بسقمان فسار لانجاده وقاتل كربوقا قتالا شديدا ثم هزمه وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق وحبسه بقلعة
ماردين عند المغنى فبقي محبوسا مدة طويلة وكثر ضرر الأكراد فبعث ياقوتي الى المغنى صاحب الحصن في أن يطلقه ويقيم عنده بالربض لدفاع الأكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحي الى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة معه فلا يهيجهم ثم حدثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الأيام مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم على القتل ان لم يفتحوا له ففتحها أهلوهم وملكها وجمع الجموع وسار الى نصيبين [1] وأغار على جزيرة ابن عمر وهي لجكرمس فكبسه جكرمس وأصحابه في الحرب بينهم فقتله وبكاه جكرمس وكان تحت ياقوتي ابنة عمه سقمان فمضت الى أبيها وجمعت التركمان وجاء سقمان بهم الى نصيبين فترك طلب الثار فبعث اليه جكرمس ما أرضاه من المال في ديته ورجع وقدم بماردين بعد ياقوتي أخوه على بطاعة جكرمس وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبة بها الى عمه سقمان بأنه يملك ماردين لجكرمس فسار اليها سقمان وعوض عليا ابن أخته جبل جور وأقامت ماردين في ملكه مع حصن كيفا واستضاف اليهما نصيبين والله أعلم.
** وفاة سقمان بن ارتق وولاية أخيه أبي الغازي مكانه بماردين **
ثم بعث فخر الدين بن عمار صاحب طرابلس يستنجد سقمان بن ارتق على الافرنج وكان استبد بها على الخلفاء العلويين أهل مصر ونازلة الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام فبعث بالصريخ الى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين وأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغركين صاحب دمشق المستبد بها من موالي بني تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الافرنج فأسرع المسير اليه معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى الى القريتين [2] وندم طغركين على استدعائه وجعل يدبر الرأي مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقدس فكفاهم الله أمره وقد كان أصحابه عند ما أشفي على الموت أشاروا عليه بالرجوع الى كيفا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لي ثواب شهيد فلما مات حمله ابنه إبراهيم الى
حصن كيفا فدفنه بها وكان أبو الغازي بن ارتق شحنة بغداد كما قدمناه ولاه السلطان محمد أيام الفتنة بينه وبين أخيه بركيارق فلما اصطلح بركيارق وأخوه سنة تسع وتسعين على أن تكون بغداد له وممالك أخرى من الممالك الإسلامية ومن جملتها حلوان وهي أقطاع أبي الغازي فبادر وخطب لبركيارق ببغداد فنكر عليه ذلك صدقة بن مزيد وكان من شيعة السلطان محمد فجاء الى بغداد ليزعج [1] أبا الغازي عنها ففارقها الى يعقوب وبعث الى صدقة يعتذر بأنه صار في ولاية بركيارق ويحكم الصلح في اقطاعه وولايته فلم يمكنه غير ذلك ومات بركيارق على اثر ذلك فخطب أبو الغازي لابنه ملك شاه فنكر ذلك السلطان محمد منه فلما استولى على الأمر عز له عن شحنة بغداد فلحق بالشام وحمل رضوان بن تتش صاحب حلب على حصار نصيبين من بلاد جكرمس فحاصروها وبعث جكرمس الى رضوان وأغراه بأبي الغازي ففسد ما بينهما ورحلوا مفترقين على نصيبين وسار أبو الغازي الى ماردين وقد مات أخوه سقمان كما قلناه فاستولى عليها والله تعالى أعلم.
** اضطراب أبي الغازي في طاعته وأسره ثم خلاصه **
لما ولى السلطان محمد على الموصل والجزيرة وديار بكر سنة اثنتين وخمسمائة مودود بن افتكين مكان جاولي سكاوو الذي ملكها من يد جكرمس كما مر في أخبارهم فوصل مودود الى الموصل وسار جاولي الى نصيبين وهي يومئذ لابي الغازي وراسله في المظاهرة والانجاد فوصل اليه بماردين على حين غفلة مستنجدا به فلم يسعه الا اسعافه وسار معه الى سنجار والرحبة وحاصرهما وشق عليهما فلما نزل الخابور هرب أبو الغازي راجعا الى نصيبين ثم الى بلده وبقي مضطربا ثم بعث السلطان محمد سنة خمس وخمسمائة الى الأمير مودود بالمسير الى قتال الافرنج وأن يسير الأمراء معه من كل جهة مثل سقمان القطبي صاحب ديار بكر وأحمد بك صاحب مراغة وأبي الهيجاء صاحب اربل وأبي الغازي صاحب ماردين فحضروا كلهم الا أبا الغازي فإنه بعث ولده أياز في عسكر فسارت العساكر الى الرها وحاصروها وامتنعت عليهم ثم ساروا سنة ست وخمسمائة الى سروج كذلك ثم ساروا سنة سبع الى بلاد الافرنج فهزموهم على طبرية ودوخوا بلادهم وعاد مودود الى دمشق وافترقت العساكر ودخل دمشق ليشتي بها عند طغركين صاحبها فقتل غيلة بها واتهم طغركين في أمره وبعث السلطان مكانه
على العساكر والموصل آقسنقر البرسقي وأمره بقصد الافرنج وقتالهم وكتب الى الأمراء بطاعته وبعث ابنه الملك مسعودا في عسكر كثيف ليكونوا معه فسار آقسنقر سنة ثمان وخمسمائة وفر أبو الغازي وحاصره بماردين حتى استقام وبعث معه ابنه أياز في عسكر فحاصروا الرها وعاثوا في نواحيها ثم سروج وشمشاط وأطاعه صاحب مرعش وكيسوم ورجع فقبض على أياز بن أبي الغازي ونهب سواد ماردين فسار أبو الغازي من وقته الى ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان وهو بحصن كيفا مستنجدا به فأنجده وساروا الى البرسقي آخر ثمان وخمسمائة فهزموهم وخلصوا ابنه أياز من الأسر وأرسل السلطان الى أبي الغازي يتهدده فلحق بطغركين صاحب دمشق صريخا وكان طغركين مستوحشا لاتهامه بأمر مودود فاتفقا على الاستنجاد وبعثا بذلك الى صاحب انطاكية فجاء اليهما قرب حمص وتحالفا وعاد الى انطاكية وسار أبو الغازي الى ديار بكر في خف من أصحابه فاعترضه قيرجان صاحب حمص فظفر به وأسره وبعث الى السلطان بخبره وأبطأ عليه وصول جوابه فيه وجاء طغركين الى حمص فدخل على قيرجان وألح عليه بقتل أبي الغازي ثم أطلقه قيرجان وأخذ عليه وسار أبو الغازي الى حلب وبعث السلطان العساكر مع يوسف بن برسق صاحب همذان وغيره من الأمراء لقتال أبي الغازي وقتال الافرنج بعده فساروا الى حلب وبها لؤلؤ الخادم مولى رضوان بن تتش كفل ابنه البارسلان بعد موته ومعه مقدم العساكر شمس الخواص فطالبوهما بتسليم حلب بكتاب السلطان اليهما في ذلك وبادر أبو الغازي وطغركين فدخلا اليهما فامتنعت عليهما فساروا الى حماة من أعمال طغركين وبها ذخائره ففتحوها عنوة ونهبوها وسلموها الى الأمير قيرجان صاحب حمص فأعطاهم أياز بن أبي الغازي وكان أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص ساروا الى روجيل صاحب انطاكية يستنجدونه على حفظ حماة وجاءهم هنالك بقدوين صاحب القدس والقمص صاحب طرابلس وغيرهما واتفقوا على مطاولة العساكر ليتفرقوا عند هجوم الشتاء واجتمعوا عند قلعة افامية فلم تبرح العساكر مكانها فافترقوا وعاد طغركين الى دمشق وأبو الغازي الى ماردين والافرنج الى بلادهم ثم كان اثر ذلك فتح كفرطاب على المسلمين واعتزموا على معاودة حلب فاعترضهم روجيل صاحب انطاكية وقد جاء في خمسمائة فارس مددا للافرنج في كفرطاب فانهزم المسلمون وكان تمحيصهم ورجع برسق أمير العساكر وأخوه منهزمين الى بلادهم وكان أياز بن أبي الغازي أسيرا عندهم فقتله الموكلون به يوم المعركة سنة تسع وخمسمائة والله تعالى أعلم.
** استيلاء أبي الغازي على حلب **
كان رضوان بن تتش صاحب حلب لما توفي سنة سبع وخمسمائة قام بأمر دولته لؤلؤ الخادم ونصب ابنه البارسلان في ملكه ثم استوحش منه ونصب مكانه أخاه سلطان شاه واستبد عليه ثم سار لؤلؤ الخادم الى قلعة جعفر سنة احدى عشرة [1] بينه وبين مالك ابن سالم بن مالك بن بدران فغدر به مماليك الأتراك وقتلوه عند خرت برت واستولوا على خزائنه واعترضهم أهل حلب واستنقذوا منهم ما أخذوه وولى شمس الخواص أتابك مكان لؤلؤ ثم عزل لشهر وولى أبو المعالي بن الملحي الدمشقي ثم عزل وصودر واضطربت الدولة وخشي أهل حلب على بلدهم من الافرنج فاستدعوا أبا الغازي بن ارتق من ماردين وسلموا له البلد وانقرض ملك آل رضوان بن تتش منها فلم يملكها بعد واحد منهم ولما ملكها لم يجد فيها مالا فصادر جماعة من الخدم وصانع الافرنج بما لهم ثم سار الى ماردين بنية العود الى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين تمرتاش.
** واقعة أبي الغازي مع الافرنج **
ولما استولى أبو الغازي على حلب وسار عنها طمع فيها الافرنج وساروا اليها فملكوا مراغة وغيرها من أعمالها وحاصروها فلم يكن لأهلها بد من مدافعتهم بقتال أو بمال فقاسموهم أملاكهم التي بضاحيتها في سبيل المصانعة وبعثوا الى بغداد يستغيثون فلم يغاثوا وجمع أبو الغازي من العساكر والمتطوعة نحوا من عشرين ألفا وسار بهم الى الشام سنة ثلاث عشرة ومعه أسامة بن مبارك بن منقذ الكناني وطغان ارسلان بن اسكين بن جناح صاحب ارزن الروم ونزل الافرنج قريبا من حصون الاماري في ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل ونزلوا في تل عفرين حيث كان مقتل مسلم بن قريش وتحصنوا بالجبال من كل جهة الا ثلاث مسارب فقصدهم أبو الغازي ودخل عليهم من تلك المسارب وهم غارون فركبوا وصدقوا الحملة فلقوا عساكر المسلمين متتابعة فولوا منهزمين وأخذهم السيف من كل جهة فلم يفلت الا القليل وأسر من زعمائهم سبعون فاداهم أهل حلب بثلاثمائة ألف دينار وقتل سرجان صاحب انطاكية ونجافلهم من المعركة فاجتمع جماعة من الافرنج وعاودوا اللقاء
فهزمهم أبو الغازي وفتح حصن الاربات ورزدنا وعاد الى حلب فأصلح أمورها وعبر الفرات الى ماردين وولى على حلب ابنه سليمان ثم وصل دبيس بن صدقة الى أبي الغازي مستجيرا به فكتب اليه المسترشد مع سرير الدولة عبد أبي الغازي [1] بابعاد دبيس ثم وقع بينه وبين السلطان محمود الاتفاق ورهن ولده على الطاعة ورجع وسار أبو الغازي الى الافرنج عقب ذلك سنة أربع عشرة فقاتلهم بأعمال حلب وظفر بهم ثم سار هو وطغركين صاحب دمشق فحاصروا الافرنج بالمثيرة وخشوا من استماتتهم فأفرج لهم أبو الغازي حتى خرجوا من الحصن وكان لا يطيل المقام بدار الحرب لأن أكثر الغزاة معه التركمان يأتون بجراب دقيق وقديد شاه فيستعجل العودان فنيت ازوادهم والله أعلم.
** انتقاض سليمان بن أبي الغازي بحلب **
كان أبو الغازي قد ولى على حلب ابنه سليمان فحمله بطانته على الخلاف على أبيه وسار اليه أبوه [2] تلقاه ابنه سليمان بالمعاذير فأمسك عنه وقبض على بطانته الذين داخلوه في ذلك وكان متولي كبرها أمير كان لقيطا لأبيه ونشأ في بيته فسمله وقطع لسانه وكان منهم آخر من أهل حماه قدمه أبو الغازي على أهل حلب فقطعه وسمله فمات وأراد قتل ابنه ثم ثنته الشفقة عليه وهرب الى دمشق وشفع فيه طغركين فلم يشفعه ثم استخلف على حلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار ولقبه بدر الدولة وعاد الى ماردين وذلك سنة خمس عشرة ثم ابنه حسام الدين تمرتاش مع القاضي بهاء الدولة أبي الحسن الشهرزوري شافعا في دبيس وضامنا في طاعته فلم يتم ذلك فلما انصرف تمرتاش الى أبيه أقطع السلطان أباه أبا الغازي مدينة ميافارقين وكانت لسقمان القطبي صاحب خلاط فتسلمها أبو الغازي ولم تزل في يده الى أن ملكها صلاح الدين بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة والله تعالى أعلم.
** واقعة مالك بن بهرام مع جوسكين صاحب الرها **
قد تقدم لنا أن جوسكين من الافرنج كان صاحب الرها وسروج وأن مالك بن بهرام كان قد
ملك مدينة غانة فسار سنة خمس عشرة الى الرها وحاصرها أياما فامتنعت عليه وسار جوسكين في اتباعه بعد أن جمع الافرنج وقد تفرق عن مالك أصحابه ولم يبق معه الا اربعمائة فلحقوه في أرض رخوة قد نضب عنها الماء فوحلت فيها خيولهم ولم يقدروا على التخلص فظفر بهم أصحاب مالك وأسروهم وجعل جوسكين في إهاب جمل وخيط عليه وطلبوا منه تسليم الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت بعد أن بذل في فديته أموالا فلم يفادوه والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
** وفاة أبي الغازي [1] وملك بنيه من بعده **
ثم توفي أبو الغازي بن ارتق صاحب ماردين في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة فولى بعده بماردين ابنه حسام الدين تمرتاش وملك سليمان ميافارقين وكان بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار فاستولى عليها ثم سار مالك بن بهرام بن ارتق الى مدينة حران فحاصرها وملكها وبلغه ان سليمان ابن عمه بعد الجبار صاحب حلب قد عجز عن مدافعة الافرنج وأعطاهم حصن الاماري فطمع في ملك بلاده وسار اليها في ربيع سنة ست عشرة وملكها من يده على الأمان ثم سار سنة ثمان عشرة الى منبج وحاصرها وملك المدينة وحبس صاحبها حسان التغلبي وامتنع أهلها بالقلعة فحاصرها وسمع الافرنج بذلك فساروا اليه فترك على القلعة من يحاصرها ونهض اليهم فهزمهم وأثخن فيهم وعاد الى منبج فحاصرها وأصابه بعض الأيام سهم غرب فقتله فاضطرب العسكر وافترقوا وخلص حسان من محبسه وكان تمرتاش بن أبي الغازي صاحب ماردين معه على منبج فلما قتل حمل شلوه الى حلب ودفنه بها واستولى عليها ثم استخلف عليها وعاد الى ماردين وجاء الافرنج الى مدينة صور فملكوها وطمعوا في غيرها من بلاد المسلمين ولحق بهم دبيس بن صدقة ناجيا من واقعته مع المسترشد فأطمعهم في ملك حلب وساروا معه فحاصروها وبنوا عليها المساكن وطال الحصار وقلت الأقوات واضطرب أهل البلد وظهر لهم العجز من صاحبهم ولم يكن في الوقت أظهر من البرسقي صاحب الموصل ولا أكثر قوة وجمعا منه فاستدعوه ليدافع عنهم ويملكوه وشرط عليهم أن يمكنوه من القلعة قبل وصوله ونزل فيها بوابه وسار فلما أشرف على الافرنج ارتحلوا عائدين الى بلادهم وخرج أهل حلب فتلقوا البرسقي فدخل واستولى على حلب وأعمالها ولم تزل بيده الى ان هلك وملكها ابنه عز الدين ثم هلك فولى السلطان محمود عليها أتابك زنكي حسبما يأتي
في أخبار دولته ورجع تمرتاش الى ماردين واستمر ملكه بها وكان مستوليا على كثير من قلاع ديار بكر ثم استولى سنة اثنتين وثلاثين على قلعة الساج من ديار بكر وكانت بيد بعض بني مروان من بقايا ملوك الأولين وكان هذا آخرهم بهذه القلعة وكان ملك ميافارقين قد سار لحسام الدين تمرتاش وملكها من يد أخيه سليمان ولم يزل تمرتاش ملكا بماردين الى أن هلك سنة سبع وأربعين وخمسمائة لإحدى وثلاثين سنة من ملكه والله تعالى ولى التوفيق.
** وفاة تمرتاش وولاية ابنه البي بعده **
ثم توفي حسام الدين تمرتاش سنة سبع وأربعين وخمسمائة كما قلناه فملك بعده ابنه بماردين البي بن تمرتاش وبقي ملكا عليها الى أن مات وولى بعده ابنه أبو الغازي بن البي الى أن مات ولم يذكر ابن الأثير تاريخ وفاتهما وقال مؤرخ حماة لم يقع الي تاريخ وفاتهما.
** ولاية حسام الدين بولق ارسلان بن أبي الغازي بن البي **