John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ٩

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 60 of 67

لما عقد عثمان بن يغمراسن السلم مع يعقوب بن عبد الحق صرف وجهه إلى الأعمال الشرقية من بلاد توجين ومغراوة وما وراءها من أعمال الموحدين، فتغلب أولا على ضواحي بني توجين ومغراوة وما وراءها، ودوخ قاصيتها، وسار إلى بلاد مغراوة كذلك، ثم إلى متيجة فانتسب نعمها وخطم زرعها. ثم تجاوزها إلى بجاية فحاصرها كما نذكره بعد. وامتنعت عليه فانكف راجعا ومر في طريقه بمازونة، فحاصرها وأطاعته، وذلك سنة ست وثمانين وستمائة ونزل له ثابت بن منديل أمير مغراوة عن

تنس فاستولى عليها وانتظم سائر بلاد مغراوة في إيالته. ثم عطف في سنته على بلاد توجين فاكتسح حبوبها واحتكرها بمازونة استعدادا لما يتوقع من حصار مغراوة إياها.

ثم دلف إلى تافركنيت فحاصرها وأخذ بمخنقها. وداخل قائدها غالبا الخصي من موالي بني محمد بن عبد القوي، كان مولى سيد الناس منهم، فنزل له غالب عنها واستولى عليها، وانكفأ إلى تلمسان. ثم نهض إلى بني توجين سنة سبع وثمانين وستمائة فغلبهم على وانشريس مثوى ملكهم ومنبت عزهم، وفر أمامه أميرهم مولى بني زرارة من ولد محمد بن عبد القوي. وأخذ الحلف منهم فلحق بضواحي المرية في الأعشار وأولاد عزيز من قومه. واتبع عثمان بن يغمراسن آثارهم وشردهم من تلك القاصية، وهلك مولى زرارة في مغرة. وكان عثمان قبل ذلك قد دوخ بلاد بني يدللتين من بني توجين، ونازل رؤساءهم أولاد سلامة بالقلعة المنسوبة إليهم مرات فامتنعوا عليه، ثم أعطوه أيديهم على الطاعة ومفارقة قومهم بني توجين إلى سلطان بني يغمراسن، فنبذوا العهد إلى بني محمد بن عبد القوي أمرائهم منذ العهد الأول. ووصلوا أيديهم بعثمان وألزموا رعاياهم وعمالهم المغارم له إلى أن ملك وانشريس من بعدها كما نذكر ذلك في أخبارهم. وصارت بلاد توجين كلها من عمله، واستعمل الحشم بجبل وانشريس. ثم نهض بعدها إلى المرية وبها أولاد عزيز من توجين فنازلها، وقام بدعوته فيها قبائل من صنهاجة يعرفون بلمدية وإليهم ينسب، فأمكنوه منها سنة ثمان وثمانين وستمائة وبقيت في إيالته سبعة أشهر ثم انتقضت عليه ورجعت إلى ولاية أولاد عزيز [1] وصالحوه عليها، وأعطوه من الطاعة ما كانوا يعطونه محمد بن عبد القوي وبنيه. فاستقام أمره في بني توجين ودانت له سائر أعمالهم. ثم خرج سنة تسع وثمانين وستمائة إلى بلاد مغراوة لما كانوا عليه لبني مرين في إحدى حركاتهم على تلمسان، فدوخها وأنزل ابنه أبا حمو بشلف [2] مركز عملهم، فأقام به وقفل هو إلى الحضرة.

وتحيز فل مغراوة إلى نواحي متيجة، وعليهم ثابت بن منديل أميرهم، فلم يزالوا به.

ونهض عثمان إليهم سنة ثلاث وتسعين وستمائة بعدها فانحجزوا بمدينة برشك، وحاصرهم بها أربعين يوما ثم افتتحها. وخاض ثابت البحر إلى المغرب فنزل على يوسف بن يعقوب كما ذكرناه ونذكره. واستولى عثمان على سائر عمل مغراوة كما

استولى على عمل بني توجين، فانتظم بلاد المغرب الأوسط كلها وبلاد زناتة الأولى.

ثم اشغل بفتنة بني مرين كما نذكر بعد إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن منازلة بجاية وما دعا إليها) **

قد ذكرنا أن المولى أبا زكريا الأوسط ابن المولى أبي إسحاق بن أبي حفص لحق بتلمسان عند فراره من بجاية أمام شيعة الدعي ابن أبي عمارة، ونزل على عثمان بن يغمراسن خير نزل. ثم هلك الدعي ابن أبي عمارة واستقل عمه الأمير أبو حفص بالخلافة، وبعث إليه عثمان بن يغمراسن بطاعته على العادة، وأوفد عليه وجوه قومه، ودس الكثير من أهل بجاية إلى الأمير أبي زكريا يستحثونه للقدوم، ويعدونه إسلام البلد إليه. وفاوض عثمان بن يغمراسن في ذلك فأبي عليه وفاء بحق البيعة لعمه الخليفة بالحضرة فطوى عنه الخبر وتردد في النقض أياما. ثم لحق بأحياء زغبة في مجالاتهم بالقفر، ونزل على داود بن هلال بن عطاف وطلب عثمان بن يغمراسن إسلامه فأبى عليه وارتحل معه إلى أعمال بجاية، ونزلوا على أحياء الزواودة كما قدمناه ثم استولى المولى أبو زكريا بعد ذلك على بجاية في خبر طويل ذكرناه في أخباره.

واستحكمت القطيعة بينه وبين عثمان، وكانت سببا لاستحكام الموالاة بين عثمان وبين الخليفة بتونس. فلما زحف إليه عثمان سنة ست وثمانين وستمائة وتوغل في قاصية المشرق، أعمل الرحلة إلى عمل بجاية، ودوخ سائر أقطارها. ثم نازلها بعد ذلك يروم كيدها بالاعتمال في مرضاة خليفته بتونس، ويسر بذلك حسوا في ارتقاء، فأناخ عليها بعساكره سبعا، ثم أفرج عنها منقلبا إلى المغرب الأوسط، فكان من فتح تافركنيت ومازونة ما قدمناه.

** (الخبر عن معاودة الفتنة مع بني مرين وشأن تلمسان في الحصار الطويل) **

لما هلك يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين على السلم المنعقد بينه وبين بني عبد الواد لشغله بالجهاد، وقام بالأمر من بعده في قومه ابنه يوسف كبير ولده على حين

اتبعهم أنفسهم شأن الجهاد. واسفهم يغمراسن وابنه بممالأة الطاغية وابن الأحمر فعقد يوسف بن يعقوب السلم مع الطاغية لحينه، ونزل لابن الأحمر عن ثغور الأندلس التي كانت لهم، وفرغ لحرب بني عبد الواد، واستتب له ذلك لأربع من مهلك أبيه، دلف إلى تلمسان سنة تسع وثمانين وستمائة ولاذ منه عثمان بالأسوار فنازلها صباحا، وقطع شجرها ونصب عليها المجانيق والآلات ثم أحس بامتناعها فأفرج عنها وانكفأ راجعا. وتقبل عثمان بن يغمراسن مذهب أبيه في مداخلة ابن الأحمر والطاغية، وأوفد رسله عليها فلم يغن ذلك عنه شيئا. وكان مغراوة قد لحقوا بيوسف بن يعقوب بتلمسان فنالوا منه أعظم النيل. فلما أفرجوا عن تلمسان نهض عثمان إلى بلادهم فدوخها وغلبهم عليها، وأنزل ابنه أبا حمو بها كما قدمناه. فلما كانت سنة خمس وتسعين وستمائة نهض يوسف بن يعقوب إلى حركته الثانية فنازل ندرومة، ثم ارتحل عنها إلى ناحية وهران وأطاعه جبل كيدره وتاسكدلت رباط عبد الحميد ابن الفقيه أبي زيد اليرناسي [1] ثم كر راجعا إلى المغرب. وخرج عثمان بن يغمراسن فأثخن في تلك الجبال لطاعتهم عدوه واعتراضهم جنده، واستباح رباط تاسكدلت.

ثم أغزاه يعقوب بن يوسف ثالثة سنة ست وتسعين وستمائة ثم رجع إلى المغرب. ثم أغزاه رابعة سنة سبع وتسعين وستمائة فتأثل [2] تلمسان وأحاط بها معسكره وشرعوا في البناء. ثم أفرج عنها لثلاثة أشهر، ومر في طريقه بوجدة، فأمر بتجديد بنائها وجمع الفعلة عليها. واستعمل أخاه أبا يحيى بن يعقوب على ذلك، وأقام لشأنه، ولحق يوسف بالمغرب. وكان بنو توجين قد نازلوا تلمسان مع يوسف بن يعقوب، وتولى كبر ذلك منهم أولاد سلامة أمراء بني يدللتين، وأصحاب القلعة المنسوبة إليهم. فلما أفرج عنها خرج إليهم عثمان بن يغمراسن فدوخ بلادهم وحاصرهم بالقلعة ونال منهم أضعاف ما نالوا منه، وطال مغيبه في بلادهم، فخالفه أبو يحيى بن يعقوب إلى ندرومة فاقتحمها عنوة بعسكره بمداخلة من قائدها زكريا بن يخلف بن المطغري صاحب توقت [3] . فاستولى بنو مرين على ندرومة وتوقت، وجاء يوسف بن يعقوب على أثرها فوافاهم ودلفوا جميعا إلى تلمسان. وبلغ الخبر إلى عثمان بمكانه من

حصار القلعة فطوى المراحل إلى تلمسان، فسبق إليها يوسف بن يعقوب بعض يوم.

ثم أشرفت طلائع بني مرين عشي ذلك اليوم، فأناخوا بها في شعبان سنة ثمان وتسعين وستمائة وأحاط العسكر بها من جميع جهاتها. وضرب يوسف بن يعقوب عليها سياجا من الأسوار محيطا بها، وفتح فيه أبوابا مداخل لحربها، واختط لنزله إلى جانب الأسوار مدينة سماها المنصورة. وأقام على ذلك سنين يغاديها القتال ويراوحها. وسرح عسكره لافتتاح المغرب الأوسط وثغوره، فملك بلاد مغراوة وبلاد توجين كما ذكرناه في أخباره وجثم هو بمكانه من حصار تلمسان لا يعدوها كالأسد الضاري على فريسته إلى أن هلك عثمان وهلك هو من بعده كما نذكره. وإلى الله المصير سبحانه وتعالى لا رب غيره.

** (الخبر عن مهلك عثمان بن يغمراسن وولاية ابنه أبي زيان وانتهاء الحصار من بعده الى غايته) **

لما أناخ يوسف بن يعقوب بعساكره على تلمسان، انحجز بها عثمان وقومه واستسلموا، والحصار آخذ بمخنقهم. وهلك عثمان لخامسة السنين من حصارهم سنة ثلاث وسبعمائة، وقام بالأمر من بعده ابنه أبو زيان محمد.

(أخبرني) شيخنا العلامة محمد بن إبراهيم الايلي، وكان في صباه قهرمان دارهم قال: هلك عثمان بن يغمراسن بالديماس، وكان قد أعد لشربه لبنا، فلما أخذ منه الديماس وعطش، دعا بالقدح فشرب اللبن ونام فلم يكن بأوشك أن فاضت نفسه. وكنا نرى معشر الصنائع أنه داف فيه السم تفاديا من معرة غلب عدوهم إياهم. قال: وجاء الخادم إلى قعيدة بيته زوجه بنت السلطان أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص صاحب تونس، وخبرها الخبر فجاءت ووقعت عليه واسترجعت وخيمت على الأبواب بسدادها. ثم بعثت إلى أبيه محمد أبي زيان وموسى أبي حمو فعزتهما عن أبيهما. وأحضرا مشيخة بني عبد الواد وعرضوا لهم بمرض السلطان فقال أحدهم مستفهما عن الشأن ومترجما عن القوم:

السلطان معنا آنفا، ولم يمتد الزمن لوقوع المرض، فإن يكن هلك فخبرونا، فقال له أبو حمو: وإذا هلك فما أنت صانع؟ فقال: إنما نخشى من مخالفتك، وإلا فسلطاننا

أخوك الأكبر أبو زيان. فقام أبو حمو من مكانه وأكب على يد أخيه يقبلها، وأعطاه صفقة يمينه واقتدى به المشيخة، فانعقدت بيعته لوقته واشتمل بنو عبد الواد على سلطانهم واجتمعوا إليه، وبرزوا إلى قتال عدوهم على العادة فكأن عثمان لم يمت.

(وبلغ الخبر) إلى يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم فتفجع له، وعجب من صرامة قومه من بعده. واستمر حصاره إياهم إلى ثمانية سنين وثلاثة أشهر من يوم نزوله، نالهم فيها من الجهد ما لم ينله أمة من الأمم، واضطروا إلى أكل الجيف والقطوط والفيران حتى أنهم زعموا أنهم أكلوا فيها أشلاء الموتى من الناس، وخربوا السقف للوقود، وغلت أسعار الأقوات والحبوب وسائر المرافق بما تجاوز حدود العوائد. وعجز وجدهم عنه فكان ثمن مكيال القمح الذي يسمونه البرشالة ويتبايعون به، مقداره اثنا عشر رطلا ونصف مثقالين ونصفا من الذهب العين. وثمن الشخص الواحد من البقر ستين مثقالا، ومن الضأن سبعة مثاقيل ونصفا، وأثمان اللحم من الجيف الرطل من لحم البغال والحمير بثمن المثقال، ومن الخيل بعشرة دراهم صغار من سكتهم، تكون عشر المثقال والرطل من الجلد البقري ميتة أو مذكى بثلاثين درهما، والهر الداجن بمثقال ونصف، والكلب بمثله والفار بعشرة دراهم. والحية بمثله، والدجاجة بثلاثين درهما، والبيض واحدة بستة دراهم، والعصافير كذلك.

والأوقية من الزيت باثني عشر درهما، ومن السمن بمثلها ومن الشحم بعشرين، ومن الفول بمثلها، ومن الملح بعشرة، ومن الحطب كذلك. والأصل الواحد من الكرنب بثلاثة أثمان المثقال. ومن الخس بعشرين درهما ومن اللفت بخمسة عشر درهما، والواحدة من القثاء والفقوس بأربعين درهما، والخيار بثلاثة أثمان الدينار، والبطيخ بثلاثين درهما، والحبة من التين والإجاص بدرهمين. واستهلك الناس أموالهم وموجودهم، وضاقت أحوالهم.

واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارها، واتسعت خطة مدينة المنصور المشيدة عليها. ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق، واستبحرت في العمران بما لم تبلغه مدينة، وخطب الملوك سلمه ووده، ووفدت عليه رسل الموحدين وهداياهم من تونس وبجاية، وكذلك رسل صاحب مصر والشام وهديتهم، واعتز اعتزازا لا كفاء له كما يأتي في أخباره وهلك الجند حامية بني يغمراسن وقبيلتهم وأشرفوا على الهلاك فاعتزموا على الإلقاء باليد والخروج بهم للاستماتة، فكيف الله لهم الصنيع

الغريب. ونفس عن مخنقهم بمهلك السلطان يوسف بن يعقوب على يد خصي من العبيد، فأسخطته بعض النزعات الملوكية فاعتمده في كسر بيته ومخدع نومه، وطعنه بخنجر قطع أمعاءه، وأدرك فسيق إلى وزرائه فمزقوه أشلاء. ولم يبق شيء من بقايا عهدهم كما ذكرناه والأمر لله وحده. وأذهب الله العناء عن آل زيان وقومهم وساكني مدينتهم كأنما نشروا من الأجداث. وكتبوا لها في سكتهم ما أقرب فرج الله استغرابا لحادثتها.

(وحدثني) شيخنا محمد بن إبراهيم الآيلي قال: جلس السلطان أبو زيان صبيحة يوم الفرج وهو يوم الأربعاء في خلوة زوايا قصره، واستدعى ابن حجاف خازن الزرع فسأله كم بقي من الأهراء والمطامير المختومة؟ فقال له: إنما بقي عولة اليوم وغد فاستوصاه بكتمانها. وبينما هم في ذلك دخل عليه أخوه أبو حمو فأخبروه فوجم لها، وجلسوا سكوتا لا ينطقون. وإذا بالخادم دعد قهرمانة القصر من وصائف بنت السلطان أبي إسحاق وحظية أبيهم خرجت من القصر إليهم، فوقفت وحيتهم تحيتها وقالت: تقول لكم حظايا قصركم وبنات زيان حرمكم ما لنا وللبقاء، وقد أحيط بكم وأسف عدوكم لاتهامكم، ولم يبق إلا فواق بكيئة لمصارعكم. فأريحونا من معرة السبي، وأريحوا فينا أنفسكم وقربوا إلى مهالكنا فالحياة في الذل عذاب والوجود بعدكم عدم. فالتفت أبو حمو إلى أخيه وكان من الشفقة بمكان وقال: قد صدقتك الخبر فما تنظر بهن؟ فقال: يا موسى أرجئني ثلاثا لعل الله يجعل بعد عسر يسرا، ولا تشاورني بعدها فيهن، بل سرح اليهود والنصارى إلى قتلهن وتعال إلي نخرج مع قومنا إلى عدونا فنستميت، ويقضي الله ما يشاء. فغضب أبو حمو وأنكر الأرجاء في ذلك، وقال: إنما نحن والله نتربص المعرة بهن وبأنفسنا، وقام عنه مغضبا وجهش السلطان أبو زيان بالبكاء. قال ابن حجاف: وأنا بمكاني بين يديه لا أملك متأخرا ولا متقدما إلى أن غلب عليه النوم فما راعني إلا حرسي الباب يشير إلي أن اذن السلطان بمكان رسول من معسكر بني مرين لسيدة القصر، فلم أطق رجع جوابه إلا بإشارة وانتبه السلطان من خفيف إشارتنا فزعا، فأذنته واستدعاه.

فلما وقف بين يديه قال له: إن يوسف بن يعقوب هلك الساعة، وأنا رسول حافده أبي ثابت إليكم، فاستبشر السلطان واستدعى أخاه وقومه حتى أبلغ الرسول رسالته

بمسمع منهم، وكانت إحدى المغربات في الأيام [1] .

(وكان من خبر هذه الرسالة) أن يعقوب بن يوسف لما هلك تطاول للأمر الأعياص من إخوته وولده وحفدته، وتحيز أبو ثابت حافده إلى بني ورتاجن لخؤولة كانت له فيهم، فاستجاش بهم واعصوصبوا عليه وبعث إلى أولاد عثمان بن يغمراسن أن يعطوه الآلة ويكونوا مفزعا له ومأمنا إن أخفق مسعاه على أنه إن تم أمره قوض عنهم معسكر بني مرين فعاقدوه عليها. ووفى لهم لما تم أمره ونزل لهم عن جميع الأعمال التي كان يوسف بن يعقوب استولى عليها من بلادهم، وجاء بجميع الكتائب التي أنزلها في ثغورهم وقفلوا إلى أعمالهم بالمغرب الأوسط كلها إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن شأن السلطان أبي زيان من بعد الحصار إلى حين مهلكه) **

كان من أول ما افتتح به السلطان أبو زيان أمره بعد الخروج من هون الحصار وتناوله الأعمال من يد بني مرين، أن نهض من تلمسان ومعه أخوه أبو حمو آخر ذي الحجة من سنة ست وسبعمائة، فقصد بلاد مغراوة وشرد من كان هنالك منهم في طاعة بني مرين، واحتاز الثغور من يد عمالهم. ودوخ قاصيتها. ثم عقد عليها المسامح مولاه، ورجع عنها، فنهض إلى السرسو، وكان العرب قد تملكوه أيام الحصار، وغلبوا زناتة عليه من سويد والد يالم ومن إليهم من بني يعقوب بن عامر فأجفلوا أمامه. واتبعوا آثارهم إلى أن أوقع بهم وانكفأ راجعا ومر ببلاد بني توجين، فاقتضى طاعة من كان بقي بالجبل من بني عبد القوى والحشم فأطاعوه، ورياستهم يومئذ لمحمد بن عطية الأصم من بني عبد القوي. وقفل إلى تلمسان لتسعة أشهر من خروجه، وقد ثقف أطراف ملكه، ومسح أعطاف دولته. فنظر في إصلاح قصوره ورياضه، ورم ما تثلم من بلده، وأصابه المرض خلال ذلك فاشتد وجعه سبعا، ثم هلك أخريات شوال من سنة سبع وسبعمائة والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن محو الدعوة الحفصية من منابر تلمسان) **

كانت الدعوة الحفصية بإفريقية قد انقسمت بين أعياصهم في تونس وبجاية وأعمالها، وكان التخم بينهما بلد عجيسة ووشتاتة. وكان الخليفة بتونس الأمير أبو حفص ابن الأمير أبي زكريا الأول منهم، وله الشفوف على صاحب بجاية والثغور الغربية بالحضرة. فكانت بيعة بني زيان له والدعاء على منابرهم باسمه، وكانت لهم مع المولى الأمير أبي زكريا الأوسط صاحب بجاية وصلة لمكان الصهر بينهم وبينه، وكانت الوحشة قد اعترضت ذلك عند ما نزل عثمان بجاية كما قدمناه. ثم تراجعوا إلى وصلتهم واستمروا عليها إلى أن نازل يوسف بن يعقوب تلمسان، والبيعة يومئذ للخليفة بتونس السلطان أبي عصيدة بن الواثق، والدعوة على منابر تلمسان باسمه، وهو حاقد عليهم ولايتهم للأمير أبي زكريا الأوسط صاحب الثغر، فلما نزل يوسف بن يعقوب بأعلى تلمسان وبعث عساكره في قاصية الشرق استجاش عثمان بن يغمراسن بصاحب بجاية، فسرح عسكرا من الموحدين لمدافعتهم عن تلك القاصية، والتقوا معهم بجبل الزاب فانكشف الموحدون بعد معترك صعب واستلحمهم بنو مرين، ويسمى المعترك لهذا العهد بمرسى الرءوس لكثرة ما تساقط في ذلك المجال من الرءوس. واستحكمت المنافرة بين يوسف بن يعقوب وصاحب بجاية فأوفد الخليفة بتونس على يوسف بن يعقوب مشيخة من الموحدين تجديدا لوصلة سلفهم مع سلفه وإغراء بصاحب بجاية وعمله، فجاء موقع ذلك من عثمان بن يغمراسن وأحفظه ممالأة [1] خليفته لعدوه، فعطل منابره من ذكره، وأخرج قومه وإيالته عن دعوته، وكان ذلك آخر المائة السابعة. والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن دولة أبي حمو الأوسط وما كان فيها من الاحداث) **

لما هلك الأمير أبو زيان قام بالأمر بعده أخوه أبو حمو في أخريات سنة سبع كما

قدمناه، وكان صارما يقظا حازما داهية، قوي الشكيمة صعب العريكة، شرس الأخلاق مفرط الدهاء [1] والحدة. وهو أول ملوك زناتة، رتب مراسم الملك وهذب قواعده، وأرهف في ذلك لأهل ملكه حده، وقلب لهم مجن بأسه حتى ذلوا لعز ملكه وتأدبوا بآداب السلطان.

(سمعت) عريف بن يحيى أمير سويد من زغبة وشيخ المجالس الملوكية يقول ويعنيه:

موسى بن عثمان هو معلم السياسة الملوكية لزناتة، وإنما كانوا رؤساء بادية حتى قام فيهم موسى بن عثمان، فحد حدودها، وهذب مراسمها ونقل عنه ذلك أمثاله وأنظاره، فتقبلوا مذهبه واقتدوا بتعليمه انتهى كلامه.

(ولما استقل) بالأمر افتتح شأنه بعقد السلم مع سلطان بني مرين لأول دولته فأوفد كبراء دولته على السلطان أبي ثابت، وعقد له السلم كما رضي. ثم صرف وجهه إلى بني توجين ومغراوة، فردد إليهم العساكر حتى دوخ بلادهم وذلل صعابهم، وشرد محمد بن عطية الأصم عن نواحي وانشريس، وراشد بن محمد عن نواحي شلف، وكان قد لحق بها بعد مهلك يوسف بن يعقوب فأزاحه عنها، واستولى على العملين، واستعمل عليهما، وقفل إلى تلمسان، ثم خرج سنة عشر وسبعمائة في عساكره إلى بلاد بني توجين، ونزل تافركينت وسط بلادهم فشرد الفل من أعقاب محمد بن عبد القوي عن وانشريس، واحتاز رياستهم في بني توجين دونهم. وأدام منهم بالحشم وبني تيغزين [2] . وعقد لكبيرهم يحيى بن عطية على رياسة قومه في جبل وانشريس، وعقد ليوسف بن حسن من أولاد عزيز على المدية وأعمالها، وعقد لسعد من بني سلامة على قومه من بني يد لتين إحدى بطون بني توجين وأهل الناحية الغربية من عملهم. وأخذ من سائر بطون بني توجين الرهن على الطاعة والجباية، واستعمال عليهم جميعا من صنائعه قائده يوسف بن حيون الهواري، وأذن له في اتخاذ الآلة.

وعقد لمولاه مسامح على بلاد مغراوة وأذن له أيضا في اتخاذ الآلة. وعقد لمحمد بن عمه يوسف على مليانة، وأنزله بها وقفل إلى تلمسان. والله أعلم.

** (الخبر عن استنزال زيرم بن حماد من ثغر برشك وما كان قبله [1] ) **

كان هذا الغمر من مشيخة هذا القصر لوفور عشيرته من مكلاته داخله وخارجة، واسمه زيري بالياء، فتصرفت فيه العامة وصار زيرم بالميم. ولما غلب يغمراسن على بلاد مغراوة دخل أهل هذا القصر في طاعته. حتى إذا هلك حدثت هذا الغمر نفسه بالانتزاء والاستبداد بملك برشك ما بين مغراوة وبني عبد الواد، ومدافعة بعضهم ببعض. فاعتزم على ذلك وأمضاه وضبط برشك لنفسه سنة ثلاث وثمانين وستمائة ونهض إليه عثمان بن يغمراسن سنة أربع وثمانين وستمائة بعدها، ونازلة فامتنع. ثم زحف سنة ثلاث وتسعين إلى مغراوة، فلجأ ثابت بن منديل إلى برشك وحاصره عثمان بها أربعين يوما. ثم ركب البحر إلى المغرب كما قلناه. وأخذ زيري بعدها بطاعة عثمان بن يغمراسن دافعه بها، وانتقض عليه، مرجعه إلى تلمسان، وشغل بنو زيان بعدها بما دهمهم من شأن الحصار، فاستبد زيري هذا ببرشك واستفحل شأنه بها.

واتقى بني مرين عند غلبهم على بلاد [2] مغراوة وتردد عساكرهم فيها بإخلاص الطاعة والانقياد، فلما انقشع إيالة بني مرين بمهلك يوسف بن يعقوب، وخرج بنو يغمراسن من الحصار رجع إلى ديدنه من التمريض في الطاعة، ومناولة طرفها على البعد حتى إذا غلب أبو حمو على بلاد مغراوة وتجاوزت طاعته هذا المصر إلى ما وراءه، خشيه زيري على نفسه، وخطب منه الأمان على أن ينزل له عن المصر، فبعث إليه رئيس الفتيا بدولته أبا زيد عبد الرحمن بن محمد الإمام، كان أبوه من أهل برشك، وكان زيري قد قتله لأول ثورته غيلة. وفر ابنه عبد الرحمن هذا وأخوه عيسى، ولحقا بتونس فقرءا بها، ورجعا إلى الجزائر فأوطناها. ثم انتقلا إلى مليانة واستعملهما بنو مرين في خطة القضاء بمليانة. ثم وفدا بعد مهلك يوسف بن يعقوب على أبي زيان وأبي حمو مع عمال بني مرين وقوادهم بمليانة، وكان فيهم منديل بن محمد الكناني صاحب أشغالهم المذكور في أخبارهم. وكانا يقرءان ولده محمدا فأشادا

عند أبي زيان وأبي حو بمكانهما من العلم، ووقع ذلك من أبي حمو أبلغ المواقع حتى إذا استقل بالأمر ابتنى المدرسة بناحية المطهر من تلمسان لطلبة العلم. وابتنى لهما دارين على جانبيها وجعل لهما التدريس فيها في إيوانين معدين لذلك. واختصهما بالفتيا والشورى، فكانت لهما في دولته قدم علية فلما خطب زيري هذا الأمان من أبي حمو وأن يبعث إليه من يأمن معه في الوصول إلى بابه، بعث إليه أبا زيد عبد الرحمن الأكبر منهما، فنهض لذلك بعد أن استأذنه في أن يثأر منه بأبيه إن قدر عليه، فأذن له. فلما احتل ببرشك أقام بها أياما يغاديه فيها زيري ويراوحه بمكان نزله، وهو يعمل الحيلة في اغتياله حتى إذا أمكنته فقتله في بعض تلك الأيام سنة ثمان وسبعمائة، وصار أمر برشك إلى السلطان أبي حمو وانمحى منه أثر المشيخة والاستبداد والأمور بيد الله سبحانه.

** (الخبر عن طاعة الجزائر واستنزال ابن علان منها وذكر أوليته) **

كانت مدينة الجزائر هذه من أعمال صنهاجة، ومختطها بلكين بن زيري ونزلها بنوه من بعده. ثم صارت للموحدين وانتظمها بنو عبد المؤمن في أمصار المغربين وإفريقية، ولما استبد بنو أبي حفص بأمر الموحدين وبلغت دولتهم بلاد زناتة. وكانت تلمسان ثغرا لهم، واستعملوا عليها يغمراسن وبنيه من بعده، وعلى ضواحي مغراوة بني منديل بن عبد الرحمن، وعلى وانشريس وما إليها من عمل توجين محمد بن عبد القوى وبنيه. وبقي ما وراء هذه الأعمال إلى الحضرة لولاية الموحدين أهل دولته، فكان العامل على الجزائر من الموحدين أهل الحضرة.

وفي سنة أربع وستين وستمائة انتقضوا على المستنصر ومكثوا في ذلك الانتقاض سبعا.

ثم أوعز إلى أبي هلال صاحب بجاية بالنهوض إليها في سنة إحدى وسبعين وستمائة فحاصرها أشهرا وأفرج عنها. ثم عاودها بالحصار سنة أربع وسبعين وستمائة أبو الحسن ابن ياسين بعساكر الموحدين فاقتحمها عليهم عنوة واستباحها. وتقبض على مشيختها فلم يزالوا معتقلين إلى أن هلك المستنصر. ولما انقسم أمر بني أبي حفص واستقل الأمير أو زكريا الأوسط بالثغور الغربية وأبوه، بعثوا إليه بالبيعة، وولى عليهم ابن أكمازير،

وكانت ولايتها [1] من قبل، فلم يزل هو واليا عليها إلى أن أسن وهرم. كان ابن علان من مشيخة الجزائر مختصا به، ومنتصبا في أوامره ونواهيه، ومصدرا لإمارته وحصل له بذلك الرئاسة على أهل الجزائر سائر أيامه. فلما هلك ابن أكمازير حدثته نفسه بالاستبداد والانتزاء بمدينته، فبعث عن أهل الشوكة من نظائره ليله هلاك أميره. وضرب أعناقهم وأصبح مناديا بالاستبداد، واتخذ الآلة واستركب واستلحق من الغرباء والثعالبة عرب متيجة، واستكثر من الرجال والرماة. ونازلته عساكر بجاية مرارا فامتنع عليهم. وغلب مليكش على جباية الكثير من بلاد متيجة، ونازلة أبو يحيى بن يعقوب بعساكر بني مرين عند استيلائهم على البلاد الشرقية، وتوغلهم في القاصية، فأخذ بمخنقها وضيق عليها، ومر بابن علان القاضي أبو العباس الغماري رسول الأمير خالد إلى يوسف بن يعقوب، فأودعه الطاعة للسلطان والضراعة إليه في الإبقاء، فأبلغ ذلك عنه وشفع له، فأوعز إلى أبيه يحيى بمسالمته [2] . ثم نازلة الأمير خالد بعد ذلك فامتنع عليه وأقام على ذلك أربع عشرة سنة وعيون الخطوب تحدده [3] ، والأيام تستجمع لحربه. فلما غلب السلطان أبو حمو على بلاد توجين واستعمل يوسف بن حبون الهواري على وانشريس، ومولاه مسامحا على بلاد مغراوة، ورجع إلى تلمسان. ثم نهض سنة اثنتي عشرة وسبعمائة الى بلاد شلف فنزل بها، وقدم مولاه مسامحا في العساكر فدوخ متيجة من سائر نواحيها، وترس بالجزائر، وضيق حصارها حتى مسهم الجهد وسأل ابن علان النزول على أن يشترط لنفسه، فتقبل السلطان اشتراطه، وملك السلطان أبو حمو الجزائر وانتظمها في أعماله. وارتحل ابن علان في جملة مسامح، ولحقوا بالسلطان بمكانه من شلف فانكفأ إلى تلمسان وابن علان في ركابه، فأسكنه هنالك ووفي له بشرطه إلى أن هلك والبقاء لله سبحانه.

** (الخبر عن حركة صاحب المغرب الى تلمسان وأولية ذلك) **

لما خرج عبد الحق بن عثمان من أعياص الملك على السلطان أبي الربيع بفاس،

وبايع له الحسن بن علي بن أبي الطلاق صاحب بني مرين بمداخلة الوزير رحو بن يعقوب كما قدمناه في أخبارهم. وملكوا تازى، زحف إليهم السلطان أبو الربيع فبعثوا وفدهم إلى السلطان أبي حمو صريخا. ثم أعجلهم أبو الربيع وأجهضهم على تازى، فلحقوا بالسلطان أبي حمو ودعوه إلى المظاهرة على المغرب ليكونوا رداء له دون قومهم. وهلك السلطان أبو الربيع خلال ذلك واستقل بملك المغرب أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، فطالب السلطان أبا حمو بإسلام أولئك النازعين إليه، فأبى من إسلامهم وإخفار زمته فيهم وأجازهم البحر إلى العدوة، فأغضى له السلطان أبو سعيد عنها، وعقد له السلم. ثم استراب يعيش بن يعقوب بن عبد الحق بمكانه عند أخيه السلطان أبي سعيد لما سعى فيه عنده، فنزع عنه إلى تلمسان وأجاره السلطان أبو حمو على أخيه فأحفظه ذلك، ونهض إلى تلمسان سنة أربع عشرة وسبعمائة وعقد لابنه الأمير أبي علي وبعثه في مقدمته، وسار هو في الساقة. ودخل أعمال تلمسان على هذه التعبية فاكتسح بسائطها، ونازل وجدة فقاتلها وضيق عليها.

ثم تخطاها إلى تلمسان فنزل بساحتها وانحجر موسى بن عثمان من وراء أسوارها، وغلب على ضواحيها ورعاياها، وسار السلطان أبو سعيد في عساكره يتقرى شعارها وبلادها بالحطم والانتساف والعيث. فلما أحيط به وثقلت وطأة السلطان عليه وحذر المغبة منه ألطف الحيلة في خطاب الوزراء الذين كان يسرب أمواله فيهم ويخادعهم من نصائح سلطانهم حتى اقتضى مراجعتهم في جاره يعيش بن يعقوب وإدالته من أخته. ثم بعث خطوطهم بذلك إلى السلطان أبي سعيد فامتلاء قلبه منها خشية ورهبة، واستراب بالخاصة والأولياء ونهض إلى المغرب على تعبيته. ثم كان خروج ابنه عمر عليه بعد مرجعه، وشغلوا عن تلمسان وأهلها برهة من الدهر حتى جاء أمر الله في ذلك عند وقته، والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن مبدإ حصار بجاية وشرح الداعية اليه) **

لما رجع السلطان أبو سعيد إلى المغرب وشغل عن تلمسان، فزع أبو حمو لأهل

القاصية من عمله. وكان راشد بن محمد بن ثابت بن منديل قد جاء من بلاد زواوة أثناء هذه الغمرة، فاحتل بوطن شلف واجتمع إليه أوشاب قومه، وحين تجلت الغمرة عن السلطان أبي حمو نهض إليه بعد أن استعمل ابنه أبا تاشفين على تلمسان، وجمع له الجموع ففر أمامه ناجيا إلى مثوى اغترابه ببجاية. وأقام بنو سعيد بمعاقلهم من جبال شلف على دعوته، فاحتل السلطان أبو حمو بوادي تمل [1] فخيم به. وجمع أهل أعماله لحصار بني أبي سعيد شيعة راشد بن محمد، واتخذ هنالك قصره المعروف باسمه. وسرح العساكر لتدويخ القاصية ولحق به هنالك الحاجب ابن أبي [2] حين مرجعه من الحج سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فأغراه بملك بجاية ورغبه فيه. وكان قد ثاب له طمع منذ رسالة السلطان مولانا أبي يحيى إليه.

وذلك أنه لما انتقض على أخيه خالد ودعا لنفسه بقسنطينة، ونهض إلى بجاية فانهزم عنها كما قدمنا في أخباره. وأوفد على السلطان أبي حمو بعض رجال دولته مغريا له بابن خلوف وبجاية ثم بعث إليه ابن خلوف أيضا يسأله المظاهرة والمدد فأطمعه ذلك في ملك بجاية.

(ولما هلك) ابن خلوف كما قدمناه، لحق به كاتبه عبد الله بن هلال، فأغراه واستحثه، وشغله عن ذلك شأن الجزائر. فلما استولى على الجزائر، بعث مولاه مسامحا في عسكر مع ابن أبي حي، فبلغوا إلى جبل الزاب وهلك ابن أبي حي ورجع مسامح. ثم شغله عن شأنها زحف، وفرغ من أمر عدوه، ونزل بلد شلف كما ذكرناه آنفا ولحق به عثمان بن سباع بن يحيى بن سباع بن سهل أمير الزواودة، يستحثه لملك الثغور الغربية من عمل الموحدين، فاهتز لذلك وجمع له الجموع، وعقد لمسعود ابن عمه أبي عامر برهوم على عسكر وأمره بحصار بجاية، وعقد لمحمد ابن عمه يوسف قائد مليانة على عسكر، ولمولاه مسامح على عسكر آخر، وسرحهم إلى بجاية وما وراءها لتدويخ البلاد. وعقد لموسى بن علي الكردي على عسكر ضخم، وسرحه مع العرب من الزواودة وزغبة على طريق الصحراء. فانطلقوا إلى وجههم ذلك، وفعلوا الأفاعيل كل فيما يليه وتوغلوا في البلاد الشرقية، حتى انتهوا إلى بلاد بونة. ثم انقلبوا من هنالك ومروا في طريقهم بقسنطينة، ونازلوها أياما.

وصعدوا جبل ابن ثابت المطل عليها فاستباحوه. ثم مروا ببني باورار فاستباحوها وأضرموها، واكتسحوا سائر ما مروا عليه. وحدثت بينهم المناكرة حسدا ومنافسة، فافترقوا ولحقوا بالسلطان ولحق مسعود بن برهوم محاصرا لبجاية وبنى حصنا بأصفون لمقامه. وكان يسرح الجيوش لقتالها فتجول في ساحتها، ثم تراجع إلى الحصن. ولم يزل كذلك حتى بلغه خبر خروج محمد بن يوسف فأجفل عنها على ما نذكره الآن فلم يرجعوا لحصارها إلا بعد مدة والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن خروج محمد بن يوسف ببلاد بني توجين وحروب السلطان معه) **

لما رجع محمد بن يوسف من قاصية الشرق كما قدمناه، وسابقه إلى السلطان موسى بن علي الكردي، وجوانحه تلتهب غيظا وحقدا عليه. وسعى به عند السلطان فعزله عن مليانة، فوجم لها وسأله زيارة ابنه الأمير أبي تاشفين بتلمسان، وهو ابن أخته فأذن له. وأوعز إلى ابنه بالقبض عليه، فأبى من ذلك، وأراد هو الرجوع إلى معسكر السلطان فخلى سبيله. ولما وصل إليه تنكر له وحجبه، فاستراب وملاء قلبه الرعب، وفر من المعسكر ولحق بالمرية [1] ، ونزل على يوسف بن حسن بن عزيز عاملها للسلطان من بني توجين. فيقال انه أوثقه اعتقالا حتى غلبه قومه على بغيته من الخروج معه، لما كان السلطان أبو حمو يوسقهم به من نزاعته، فأخذ له البيعة على قومه ومن إليهم من العرب. وزحفوا إلى السلطان بمعسكره من نهل، فلقيهم في عساكره، فكانت الدبرة على السلطان، ولحق بتلمسان وغلب محمد بن يوسف على بني توجين ومغراوة ونزل مليانة. وخرج السلطان من تلمسان لأيام من دخولها، وقد جمع الجموع وأزاح العلل وأوعز إلى مسعود بن برهوم بمكانه من حصار بجاية بالوصول إليه بالعساكر، ليأخذ بحجزتهم من ورائهم، وخرج محمد بن يوسف على مليانة لاعتراضه، واستعمل على مليانة يوسف بن حسن بن عزيز، فلقيه ببلاد مليكش وانهزم محمد بن يوسف. ولجأ إلى جبل مرصالة [2] وحاصره بها مسعود بن

برهوم أياما، ثم أفرج عنه. ولحق بالسلطان فنازلوا جميعا مليانة. وافتتحها السلطان عنوة وجيء بيوسف بن حسن أسيرا من مكمنه ببعض المسارب فعفا عنه وأطلقه، ثم زحف إلى المرية فملكها وأخذ الرهن من أهل تلك النواحي، وقفل إلى تلمسان.

واستطال محمد بن يوسف على النواحي ففشت دعوته في تلك القاصية. وخاطب مولانا السلطان أبا يحيى بالطاعة فبعث إليه بالهدية والآلة، وسوغه سهام يغمراسن ابن زيان بإفريقية، ووعده بالمظاهرة وغلب سائر بلاد بني توجين. وبايع له بنو تيغرين أهل جبل وانشريس، فاستولى عليه. ثم نهض السلطان إلى الشرق سنة سبع عشرة وسبعمائة وملك المرية واستعمل عليها يوسف بن حسن لمدافعة محمد بن يوسف، واستبلغ في أخذ الرهن منه ومن أهل العمالات وقبائل زناتة والعرب، حتى من قومه بني عبد الواد. ورجع إلى تلمسان وأنزله بالقصبة وهي الغور الفسيح الخطة تماثل بعض الأمصار العظيمة، اتخذها للرهن. وكان يبالغ في ذلك حتى يأخذ الرهن المتعددة من البطن الواحد والفخذ الواحد والرهط. وتجاوز ذلك إلى أهل الأمصار والثغور والمشيخة والسوقة فملأ تلك القصبة من أبنائهم وإخوانهم، وشحنها بالأمم بعد الأمم، وأذن لهم في ابتناء المنازل واتخاذ النساء. واختط لهم المساجد فجمعوا بها لصلاة الجمعة، ونفقت بها الأسواق والصنائع وكان حال هذه البنية من أغرب ما حكي في العصور عن سجن. ولم يزل محمد بن يوسف بمكان خروجه من بلاد توجين إلى أن هلك السلطان، والبقاء لله.

** (الخبر عن مقتل السلطان أبي حمو وولاية ابنه أبي تاشفين من بعده) **

كان السلطان أبو حمو قد اصطفى ابن عمه برهوم وتبناه من بين عشيرته وأولي قرباه لمكان صرامته ودهائه، واختصاص أبيه برهوم المكنى أبا عامر بعثمان بن يغمراسن شقيقه من بين إخوته [1] ، فكان يؤثره على بنيه ويفاوضه في شئونه، ويصله إلى خلواته. وكان دفع إلى ابنه عبد الرحمن أبا تاشفين أترابا له من العلوجين [2] يقومون

بخدمته في مرباه ومنتشئه، كان منهم: هلال المعروف بالقطاني [1] ، ومسامح المسمى بالصغير، وفرج بن عبد الله وظافر ومهدي وعلي بن تاكررت وفرج الملقب شقورة، وكان ألصقهم وأعلقهم بنفسه تلاد له منهم يسمى هلالا، وكان أبو حمو أبوه كثيرا ما يقرعه ويوبخه إرهاقا في اكتساب الخلال، وربما يقذع في تقريعه لما كان عفا الله عنه فحاشا فيحفظه لذلك. وكان مع ذلك شديد السطوة متجاوزا بالعقاب وحدوده في الزجر والأدب، فكان أولئك العلوجين تحت رهب منه، وكانوا يغرون لذلك مولاهم أبا تاشفين بأبيه، ويبعثون غيرته لما يذكرون له من اصطفاء ابن أبي عامر دونه. وقارن ذلك أن مسعود بن أبي عامر أبلى في لقاء محمد ابن يوسف الخارج على أبي حمو البلاء الحسن عند ما رجع من حصار بجاية، فاستحمد له السلطان ذلك، وعير ابنه عبد الرحمن بمكان ابن عمه هذا من النجابة والصرامة يستجد له بذلك خلالا ويغريه بالكمال. وكان عمه أبو عامر إبراهيم بن يغمراسن ثري بما نال من جوائز الملوك في وفاداته، وما أقطع له أبوه وأخوه سائر أيامهما.

ولما هلك سنة ست وتسعين وستمائة أوصى أخاه عثمان بولده فضمهم إليه، ووضع تراثهم بموضع ماله، حتى يأنس منهم الرشد في أحوالهم، حتى إذا كانت غزاة ابنه أبي سرحان هذه، وعلا فيها ذكره وبعد صيته، رأى السلطان أبو حمو أن يدفع إليه تراث أبيه لاستجماع خلاله، فاحتمل إليه من المودع. ونمي الخبر إلى ولده أبي تاشفين وباطنته السوء من العلوجين، فحسبوه مال الدولة قد حمل إليه لبعد عهدهم بما وقع في تراث أبي عامر أبيه، واتهموا السلطان بإيثاره بولاية العهد دون ابنه، فأغروا أبا تاشفين بالتوثب على الأمر وحملوه على الفتك بمشتويه مسعود بن أبي عامر، واعتقال السلطان أبي حمو ليتم له الاستبداد. وتحينوا لذلك قائلة الهاجرة عند منصرف السلطان من مجلسه، وقد اجتمع إليه ببعض حجر القصر خاصته من البطانة وفيهم مسعود بن أبي عامر والوزراء من بني الملاح. وكان بنو الملاح هؤلاء قد استخصهم السلطان بحجابته سائر أيامه، وكان مسمى الحجابة عنده قهرمة الدار والنظر في الدخل والخرج، وهم أهل بيت من قرطبة كانوا يحترفون فيها بسكة الدنانير

والدراهم، وربما دفعوا إلى النظر في ذلك ثقة بأماناتهم، نزل أولهم بتلمسان مع جالية قرطبة فاحترفوا بحرفتهم الأولى وزادوا إليها الفلاحة وتحلوا بخدمة عثمان بن يغمراسن وابنه، وكان لهم في دولة أبي حمو مزيد حظوة وعناية، فولى على حجابته منهم لأول دولته محمد بن ميمون بن الملاح. ثم ابنه محمد الأشقر من بعده. ثم ابنه إبراهيم بن محمد من بعدهما، واشترك معه من قرابته علي بن عبد الله بن الملاح، فكانا يتوليان مهمه بداره ويحضران خلوته مع خاصته، فحضروا يومئذ مع السلطان بعد انقضاض مجلسه كما قلناه، ومعه من القرابة مسعود القتيل وحماموش بن عبد الملك بن حنينة. ومن الموالي معروف الكبير ابن أبي الفتوح بن عنتر من ولد نصر بن علي أمير بني يزيد [1] بن توجين، وكان السلطان قد استوزره.

(فلما علم) أبو تاشفين باجتماعهم هجم ببطانته عليهم وغلبوا الحاجب على بابه حتى ولجوه متسايلين بعد أن استمسكوا من اغلاقه، حتى إذا توسطوا الدار اعتوروا السلطان بأسيافهم فقتلوه. وحام أبو تاشفين عنها، فلم يفرجوا عليه ولاذ أبو سرحان منهم ببعض زوايا الدار، واستمكن من غلقها دونهم، فكسروا الباب وقتلوه، واستلحموا من كان هنالك من البطانة، فلم يفلت إلا الأقل. وهلك الوزراء بنو الملاح واستبيحت منازلهم. وطاف الهاتف بسكك المدينة بأن أبا سرحان غدر بالسلطان، وأن ابنه أبا تاشفين ثأر منه، فلم يخف على الناس الشأن. وكان موسى ابن علي الكردي قائد العساكر قد سمع الصيحة فركب إلى القصر، فوجده مغلقا دونه، فظن الظنون فخشي استيلاء مسعود على الأمر فبعث إلى العباس بن يغمراسن كبير القرابة، فأحضره عند باب القصر حتى إذا مر بهم الهاتف واستيقن مهلك أبي سرحان، رد العباس على عقبه إلى منزله. ودخل إلى السلطان أبي تاشفين، وقد أدركه الدهش من المواقعة فثبته ونشطه فحفه، وأجلسه بمجلس أبيه وتولى له عقد البيعة على قومه خاصة وعلى الناس عامة، وذلك آخر جمادى الأولى من تلك السنة.

وجهز السلطان إلى مدفنه بمقبرة سلفه من القصر القديم، وأصبح مثلا في الآخرين والبقاء لله.

وأشخص السلطان لأول ولايته سائر القرابة الذين كانوا بتلمسان من ولد يغمراسن،

وأجازهم إلى العدوة حذرا من مغبة ترشيحهم، وما يتوقع من الفتن على الدولة من قبلهم وقلد حجابته مولاه هلالا فاضطلع بأعبائها، واستبد بالعقد والحل والإبرام والنقض صدرا من دولته، إلى أن نكبه حسبما نذكره. وعقد ليحيى بن موسى السنوسي من صنائع دولتهم على شلف وسائر أعمال مغراوة، وعقد لمحمد بن سلامة بن علي على عمله من بلاد بني يدللتن من توجين، وعزل أخاه سعدا، فلحق بالمغرب.

وعقد لموسى بن علي الكردي على قاصية المشرق، وجعل إليه حصار بجاية، وأغرى دولته بتشييد القصور واتخاذ الرياض والبساتين، فاستكمل ما شرع فيه أبوه من ذلك أربى عليه، فاحتفلت القصور والمصانع في الحسن ما شاءت، واتسعت أخباره على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن نهوض السلطان أبي تاشفين لمحمد بن يوسف بجبل وانشريس واستيلاؤه عليه **

كان محمد بن يوسف بعد مرجع السلطان أبي حمو كما ذكرناه قد تغلب على جبل وانشريس ونواحيه واجتمع إليه الفل من مغراوة فاستفحل أمره، واشتدت في تلك النواحي شوكته. وأهم أبا تاشفين أمره فاعتزم على النهوض إليه، وجمع لذلك وأزاح العلل. وخرج من تلمسان سنة تسع عشرة وسبعمائة واحتشد سائر القبائل من زناتة والعرب، وأناخ على وانشريس وقد اجتمع به بنو توجين ومغراوة مع محمد بن يوسف. وكان يتغرين من بني توجين بطانة ابن عبد القوي يرجعون في رياستهم إلى عمر بن عثمان بن عطية حسبما نذكره. وكان قد استخلص سواه من بني توجين دونه فأسفه بذلك، وداخل السلطان أبا تاشفين وواعده أن يتحرك [1] عنه، فاقتحم السلطان عليهم الجبل وانحجزوا جميعا إلى حصن توكال، فخالفهم عمر بن عثمان في قومه إلى السلطان بعد أن حاصرهم ثمانيا، فتخرم الجمع واختل الأمر وانفض الناس فاقتحم الحصن، وتقبض على محمد بن يوسف وجيء به إلى السلطان أسيرا وهو في مركبه فعدد عليه، ثم وخزه برمحه، وتناوله الموالي برماحهم فأقعصوه، وحمل رأسه

على القناة إلى تلمسان، فنصب بشرفات البلد، وعقد لعمر بن عثمان على جبل وانشريس وأعمال بني عبد القوي، ولسعيد العربي من مواليه على عمل المرية.

وزحف إلى الشرق فأغار على أحياء رياح وهم بوادي الجنان حيث الثنية المفضية من بلاد حمزة إلى القبلة، وصبح أحياءهم فاكتسح أموالهم ومضى في وجهه إلى بجاية، فعرس بساحتها ثلاثا وبها يومئذ الحاجب يعقوب بن عمر فامتنعت عليه، فظهر له وجه المعذرة لأوليائهم في استحصانها لهم. وقفل إلى تلمسان إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن حصار بجاية والفتنة الطويلة مع الموحدين التي كان فيها حتفه وذهاب سلطانه وانقراض الأمر عن قومه برهة من الدهر **

لما رجع السلطان أبو تاشفين من حصار بجاية سنة تسع عشرة وسبعمائة اعتمل في ترديد البعوث إلى قاصية الشرق، والإلحاح بالغزو إلى بلاد الموحدين، فأغزاها جيوشه سنة عشرين وسبعمائة فدوخوا ضواحي بجاية وقفلوا. ثم غزاهم ثانية سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وعليهم موسى بن علي الكردي فانتهى إلى قسنطينة وحاصرها فامتنعت عليه فأفرج عنها، وابتنى حصن بكر لأول مضيق الوادي، وادي بجاية، وأنزل به العساكر لنظر يحيى بن موسى قائد شلف وقفل إلى تلمسان. ثم نهض موسى بن علي ثالثة سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة فدوخ نواحي بجاية ونازلها أياما وامتنعت عليه فأفرج عنها. ووفد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة على السلطان حمزة بن عمر بن أبي الليل كبير البدو بإفريقية صريخا على صاحب إفريقية مولانا السلطان أبي يحيى، فبعث معهم العساكر من زناتة وعامتهم من بني توجين وبني راشد، وأمر عليهم القواد وجعلهم لنظر قائده موسى بن علي الكردي، ففصلوا إلى إفريقية، وخرج السلطان للقائهم، فانهزموا بنواحي مرماجنة، وتخطفتهم الأيدي فاستلحموا، وقتل مسامح مولاه، ورجع موسى بن علي، فاتهمه السلطان بالادهان وكان من نكبته ما نذكره في أخباره وسرح العساكر سنة أربع وعشرين وسبعمائة فدوخت نواحي بجاية، ولقيهم ابن سيد الناس فهزموهم، ونجا إلى البلد.

ووفد على السلطان سنة خمس وعشرين وسبعمائة مشيخة سليم حمزة بن عمر بن

أبي الليل وطالب بن مهلهل، الغملان المتزاحمان في رياسة الكعوب. ومحمد بن مسكين من بني القوس كبراء حكيم، فاستحثوه للحركة واستصرخوه على إفريقية، وبعث معهم العساكر لنظر قائده موسى بن علي ونصب لهم إبراهيم بن أبي بكر الشهيد من أعياص الحفصيين. وخرج مولانا السلطان أبو يحيى من تونس للقائهم وخشيهم على قسنطينة فسابقهم إليها، فأقام موسى بن علي بعساكره على قسنطينة، وتقدم إبراهيم بن أبي بكر الشهيد في أحياء سليم إلى تونس فملكها كما ذكرناه في أخبارهم. وامتنعت قسنطينة على موسى بن علي فأقلع [1] عنها لخمس عشرة ليلة من حصارها وعاد إلى تلمسان. ثم أغزاه السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة في الجيوش وعهد إليه بتدويخ الضاحية ومحاصرة الثغور، فنازل قسنطينة وأفسد نواحيها. ثم رجع إلى بجاية فحاصرها، ثم عزم على الإقلاع ورأى أن حصن بكر غير صالح لتجهيز الكتائب إليها لبعده، وارتاد للبناء عليها ما هو أقرب منه، فاختط بمكان سوق الخميس بوادي بجاية مدينة لتجهيز الكتائب لها على بجاية، وجمع الأيدي على بنائها من الفعلة والعساكر، فتمت لأربعين يوما وسموها تامزيزدكت باسم الحصن القديم الذي كان لبني عبد الواد قبل الملك بالجبل قبلة وجدة، وأنزل بها عساكر تناهز ثلاثة آلاف، وأوعز السلطان إلى جميع عماله ببلاد المغرب الأوسط بنقل الحبوب إليها حيث كانت، والأدم وسائر المرافق حتى الملح، وأخذ الرهن من سائر القبائل على الطاعة واستوفوا جبايتهم. فثقلت وطأتهم على بجاية واشتد حصارها وغلت أسعارها.

(وبعث) مولانا السلطان أبو يحيى جيوشه وقواده سنة سبع وعشرين وسبعمائة فسلكوا إلى بجاية على جبل بني عبد الجبار، وخرج بهم قائدها أبو عبد الله بن سيد الناس إلى ذلك الحصن. وقد كان موسى بن علي عند بلوغ خبرهم إليه استنفر الجنود من ورائه، وبعث إلى القواد قبله بالبراز فالتقى الجمعان بضاحية تامزيزدكت، فانكشف ابن سيد الناس ومات ظافر الكبير مقدم الموالي من العلوجين بباب السلطان واستبيح معسكرهم. ولما سخط السلطان قائده موسى بن علي ونكبه كما نذكره في أخباره أغزى يحيى بن موسى السنوسي في العساكر إلى إفريقية ومعه القواد، فعاثوا في

نواحي قسنطينة وانتهوا إلى بلد بونة ورجعوا. وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة بعدها وفد حمزة بن عمر على السلطان أبي تاشفين صريخا، ووفد معه أو بعده عبد الحق ابن عثمان، فحل الشول من بني مرين. وكان قد نزل على مولانا السلطان أبي يحيى منذ سنين، فسخط بعض أحواله ولحق بتلمسان، فبعث السلطان معهم جميع قواده بجيوشه لنظر يحيى بن موسى. ونصب عليهم محمد بن أبي بكر بن عمران من أعياص الحفصيين، ولقيهم مولانا السلطان أبو يحيى بالدياس [1] من نواحي بلاد هوارة، وانخزل عنه أحياء العرب من أولاد مهلهل الذين كانوا معه، وانكشفت جموعه واستولى على ظعائنه بما فيها من الحرم، وعلى ولديه أحمد وعمر، فبعثوا بهم إلى تلمسان، ولحق مولانا المنصور أبو يحيى بقسنطينة وقد أصابه بعض الجراحة في حومة الحرب، وسار يحيى بن موسى وابن أبي عمران إلى تونس، واستولوا عليها ورجع يحيى بن موسى عنهم بجموع زناتة لأربعين يوما من دخولها، فقفل إلى تلمسان وبلغ الخبر إلى مولانا السلطان أبي يحيى بقفول زناتة عنهم، فنهض إلى تونس وأجهض عنها ابن أبي عمران بعد أن كان أوفد من بجاية ابنه أبا زكريا يحيى ومعه محمد بن تافراكين من مشيخة الموحدين صريخا على أبي تاشفين، فكان ذلك داعية إلى انتقاض ملكه كما نذكره بعد. وداخل السلطان أبا تاشفين بعض أهل بجاية، ودلوه على عورتها، واستقدموه فنهض إليها وحذر بذلك الحاجب ابن سيد الناس فسابقه إليها، ودخل يوم نزوله عليها، وقتل من اتهمه بالمداخلة فانحسم الداء.

وأقلع السلطان أبو تاشفين عنها، وولى عيسى بن مزروع من مشيخة بني عبد الواد على الجيش الذي بتامزيزدكت، وأوعز إليه ببناء حصن أقرب إلى بجاية من تامزيزدكت فبناه بالياقونه من أعلى واد قبالة بجاية. فأخذ بمخنقها واشتد الحصار إلى أن أخذ السلطان أبو الحسن بحجزتهم، فأجفلوا جميعا إلى تلمسان، ونفس مخنق الحصار عن بجاية. ونهض مولانا السلطان أبو يحيى بجيوشه من تونس إلى تامزيزدكت سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فخربها في ساعة من نهار كأن لم تغن بالأمس، حسبما ذكرنا ذلك في أخباره. والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن معاودة الفتنة بين بني مرين وحصارهم تلمسان ومقتل السلطان أبي تاشفين ومصائر ذلك) **

كان السلطان أبو تاشفين قد عقد السلم لأول دولته مع السلطان أبي سعيد ملك المغرب، فلما انتقض عليه ابنه أبو علي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بعد المهادنة الطويلة من لدن استبداده بسجلماسة، بعث ابنه القعقاع إلى أبي تاشفين في الأخذ بحجزة أبيه عنه، ونهض هو إلى مراكش فدخلها. وزحف إليه السلطان أبو سعيد فبعث أبو تاشفين قائده موسى بن علي في العساكر إلى نواحي تازى، فاستباح عمل كارث، واكتسح زروعه وقفل. واعتدها عليه السلطان أبو سعيد، وبعث أبو تاشفين وزيره داود بن علي بن مكن رسولا إلى السلطان أبي علي بسجلماسة، فرجع عنه مغاضبا وجنح أبو تاشفين بعدها إلى التمسك بسلم السلطان أبي سعيد، فعقد لهم ذلك وأقاموا عليها مدة. فلما نفر ابن مولانا السلطان أبي يحيى على السلطان أبي سعيد ملك المغرب، وانعقد الصهر بينهم كما ذكرناه في أخبارهم، وهلك السلطان أبو سعيد، نهض السلطان أبو الحسن إلى تلمسان بعد أن قدم رسله إلى السلطان أبي تاشفين في أن يقلع بجيوشه عن حصار بجاية، ويتجافى للموحدين عن عمل تنس [1] فأبى وأساء الرد، وأسمع الرسل بمجلسه هجر القول. وأفزع لهم الموالي في الشتم لمرسلهم بمسمع من أبي تاشفين، فأحفظ ذلك السلطان أبو الحسن ونهض في جيوشه سنة اثنتين وثلاثين إلى تلمسان فتخطاها إلى تاسالت وضرب بها معسكره، وأطال المقام وبعث المدد إلى بجاية مع الحسن البطوي من صنائعه، وركبوا في أساطيله من سواحل وهران ووافاهم مولانا السلطان أبو يحيى ببجاية وقد جمع لحرب بني عبد الواد وهدم تامزيزدكت وجاء لموعد السلطان أبي الحسن معه أن يجتمعا بعساكرهما لحصار تلمسان، فنهض من بجاية إلى تامزيزدكت وقد أجفل منها عساكر بني عبد الواد وتركوها قفرا [2] . ولحقت بها عساكر الموحدين، فعاثوا فيها تخريبا ونهبا.

وألصقت جدرانها بالأرض وتنفس مخنق بجاية من الحصار، وانكمش بنو عبد الواد

إلى ما وراء تخومهم.

وفي خلال ذلك انتقض أبو علي ابن السلطان أبي سعيد على أخيه، وصمد من مقره بسجلماسة إلى درعة، وفتك بالعامل وأقام فيها دعوته كما نذكر ذلك بعد. وطار الخبر إلى السلطان أبي الحسن بمحلته بتاسالت، فنهض [1] راجعا إلى المغرب لحسم دائه، وراجع السلطان أبو تاشفين عزه وانبسطت عساكره في ضواحي عمله، وكتب الكتائب وبعث بها مددا للسلطان أبي علي. ثم استنفر قبائل زناتة وزحف إلى تخوم المغرب سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ليأخذ بحجزة السلطان أبي الحسن عن أخيه، وانتهى إلى الثغر من تاوريرت ولقيه هناك تاشفين ابن السلطان أبي الحسن في كتيبة جهزها أبوه معه هنالك لسد الثغور، ومعه منديل بن حمامة شيخ بني تيريفين من بني مرين في قومه. فلما برزوا إليه انكشف ورجع إلى تلمسان. ولما تغلب السلطان أبو الحسن على أخيه وقتله سنة أربع وثلاثين وسبعمائة جمع لغزو تلمسان وحصارها ونهض إليها سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وقد استنفذ وسعه في الاحتفال لذلك واضطربت بها عساكره وضرب عليها سياج الأسوار وسرادقات الحفائر أطيفت [2] عليهم، حتى لا يكاد الطيف يخلص منهم ولا إليهم. وسرح كتائبه إلى القاصية من كل جهة، فتغلب على الضواحي وافتتح الأمصار جميعا، وخرب وجدة كما يأتي ذكر ذلك كله. وألح عليها بالقتال يغاديها ويراوحها، ونصب المجانيق وانحجز بها مع السلطان أبي تاشفين زعماء زناتة من بني توجين وبني عبد الواد وكان عليهم في بعض أيامها اليوم المشهور الذي استلحمت فيه أبطالهم وهلك أمراؤهم. وذلك أن السلطان أبا الحسن كان يباكرهم في الأسحار فيطوف من وراء أسواره التي ضربها عليهم شوطا يرتب المقاتلة ويثقف الأطراف ويسد الفروج ويصلح الخلل، وأبو تاشفين يبعث العيون في ارتصاد فرصه فيه، وأطاف في بعض الأيام منتبذا عن الجملة فكمنوا له حتى إذا سلك ما بين الجبل والبلد انقضوا عليه يحسبونها فرصة قد وجدوها، وضايقوه حتى كاد السرعان من الناس أن يصلوا إليه، وأحس أهل المعسكر بذلك فركبوا زرافات ووحدانا، وركب ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك جناحا عسكره، وعقابا جحافله وتهاوت إليهم صقور بني مرين من كل جو، فانكشفت عساكر البلد ورجعوا

القهقرى، ثم ولوا الأدبار منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد، واعترضهم مهوى الخندق فتطارحوا فيه وتهافتوا على ردمه، فكان الهالك يومئذ بالردم أكثر من الهالك بالقتل. وهلك من بني توجين يومئذ كبير الحشم وعامل جبل وانشريس، ومحمد بن سلامة بن علي أمير بني يدللتن وصاحب قلعة تاوغزوت [1] وما إليها من عملهم، وهما ما هما في زناتة إلى أشباه لهما وأمثال استلحموا في هذه الوقعة فحط [2] هذا اليوم جناح الدولة وحطم منها، واستمرت منازلة السلطان أبي الحسن إياها إلى آخر رمضان من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فاقتحمها يوم السابع والعشرين منه غلابا. ولجأ السلطان أبو تاشفين إلى باب قصره في لمة من أصحابه، ومعه ولداه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي وعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من أعياص بني مرين، وهو الذي لحق بهم من تونس كما ذكرناه، وسيأتي ذكره وخبره. ومعه يومئذ ابنا أخيه أبو زيان وأبو ثابت فمانعوا دون القصر مستميتين إلى أن استلحموا ورفعت رءوسهم على عصي الرماح، فطيف بها، وغصت سكك البلد من خارجها وداخلها بالعساكر، وكظت أبوابها بالزحام، حتى لقد كب الناس على أذقانهم وتواقعوا فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم ما بين البابين حتى ضاق المذهب ما بين السقف ومسلك الباب وانطلقت الأيدي على المنازل نهبا واكتساحا، وخلص السلطان إلى المسجد الجامع، واستدعى رؤساء الفتيا والشورى أبا زيد عبد الرحمن وأبا موسى عيسى ابني الإمام، قدمهما من أعماله لمكان معتقده في أهل العلم، فحضروه ورفعوا إليه أمر الناس وما نالهم من معرة العسكر ووعظوه فأناب ونادى مناديه برفع الأيدي عن ذلك، فسكن الاضطراب وأقصر العيث. وانتظم السلطان أبو الحسن أمصار المغرب الأوسط وعمله إلى سائر أعماله. وتاخم الموحدين بثغوره وطمس رسم الملك لآل زيان ومعالمه، واستتبع زناتة عصبا تحت لوائه من بني عبد الواد وتوجين ومغراوة وأقطعهم ببلاد المغرب سهاما أدالهم بها من تراثهم من أعمال تلمسان، فانقرض ملك آل يغمراسن برهة من الدهر إلى أن أعاده منهم أعياص سموا إليه بعد حين عند نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان كما نذكره، فأومض بارقه، وهبت ريحه، والله يؤتي ملكه من يشاء.

** (الخبر عن رجال دولته وهم موسى بن علي ويحيى بن موسى ومولاه هلال وأوليتهم ومصاير أمورهم واختصاصهم بالذكر لما صار من شهرتهم وارتفاع صيتهم) **

فأما موسى بن علي الحاجب الهالك مع السلطان، فأصله من قبيلة الكرد من أعاجم المشرق، وقد أشرنا الى الخلاف في نسبهم بين الأمم. وذكر المسعودي منهم أصنافا سماهم في كتابه من الشاهجان والبرسان والكيكان إلى آخرين منهم، وأن مواطنهم ببلاد أذربيجان والشام والموصل، وأن منهم نصارى على رأي اليعقوبية وخوارج على رأي البراءة من عثمان وعلي انتهى كلامه.

(وكان) منهم طوائف بجبل شهرزور من عراق العجم وعامتهم يتقلبون في الرحلة.

وينتجعون لسائمتهم مواقع الغيث، ويتخذون الخيام لسكناهم من اللبود، وجل مكاسبهم الشاء والبقر من الأنعام، وكانت لهم عزة وامتناع بالكثرة ورياسات ببغداد أيام تغلب الأعاجم على الدولة واستبدادهم بالرياسة. ولما طمس ملك بني العباس وغلب التتر على بغداد سنة ست وخمسين وستمائة، وقتل ملكهم هلاون آخر خلفاء العباسيين، وهو المستعصم. ثم ساروا في ممالك العراق وأعماله، فاستولوا عليها وعبر الكثير من الكرد نهر الفرات فرارا أمام التتر لما كانوا يدينون بدين المجوسية وصاروا في إيالة الترك، فاستنكف أشرافهم وبيوتاتهم من المقام تحت سلطانهم. وجاز منهم إلى المغرب عشيرتان تعرفان ببني لوين وبني بابير [1] فيمن إليهم من الأتباع ودخلوا المغرب لآخر دولة الموحدين ونزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن تلقيهم وأكرم مثواهم، وأسنى لهم الجراية والأقطاع وأحلهم بالمحل الرفيع من الدولة.

(ولما انتقض) أمر الموحدين بحدثان وصولهم صاروا إلى ملكة بني مرين، ولحق بعضهم بيغمراسن بن زيان، ونزع المستنصر إلى إفريقية يومئذ بيت من بني بابير لا أعرفهم، كان منهم محمد بن عبد العزيز المعروف بالمزوار، صاحب مولانا السلطان أبي يحيى وآخرون غيره منهم ركان [2] من أشهر من بقي في إيالة بني مرين منهم. ثم

من بني بابير علي بن حسن بن صاف وأخوه سلمان، ومن بني لوين الخضر بن محمد، ثم بنو حمور، ثم بنو بوصة. وكانت رياسة بني بابير لسلمان وعلي، ورياسة لوين لخضر بن محمد. وكادت تكون الفتنة بينهم كما كانت في مواطنهم الاولى، فإذا اتعدوا للحرب توافت إليهم أشياعهم من تلمسان، وكان نضالهم بالسهام وكانت القسي سلاحهم. وكان من أشهر الوقائع بينهم وقيعه بفاس سنة أربع وسبعين وستمائة، جمع لها خضر رئيس بني لوين وسلمان وعلي رئيسا بني بابير، واقتتلوا خارج باب الفتوح. وتركهم يعقوب بن عبد الحق لشأنهم من الفتنة حياء منهم، فلم يعرض لهم. وكان مهلك سلمان منهم بعد ذلك مرابطا بثغر طريف عام تسعين وستمائة، وكان لعلي بن حسن ابنه موسى اصطفاه السلطان يوسف بن يعقوب، وكشف له الحجاب عن داره، وربى بين حرمه فتمكنت له دالة سخط بسببها بعض الأحوال مما لم يرضه، فذهب مغاضبا ودخل إلى تلمسان أيام كان يوسف بن يعقوب محاصرا لها، فتلقاه عثمان بن يغمراسن من التكرمة والترحيب بما يناسب محله من قومه ومنزلته من اصطناع السلطان. وأشار يوسف بن يعقوب على أبيه باستمالته فلقيه في حومة القتال وحادثة واعتذر له بكرامة القوم إياه، فحضه على الوفاء لهم، ورجع إلى السلطان فخبره الخبر فلم ينكر عليه. وأقام هو بتلمسان وهلك أبوه علي بالمغرب سنة سبع وسبعمائة.

ولما هلك عثمان بن يغمراسن بن زيان زاده بنوه اصطناعا ومداخلة، وخلطوه بأنفسهم وعقدوا له على العساكر لمحاربة أعدائهم. وولوه الأعمال الجليلة والرتب الرفيعة من الوزارة والحجابة. ولما هلك السلطان أبو حمو وقام بأمره ابنه أبو تاشفين، وكان هو الذي تولى له أخذ البيعة على الناس، وغص بمكانه مولاه هلال فلما استبد عليه وكان كثيرا ما ينافس موسى بن علي ويناقشه، فخشيه على نفسه، وأجمع على إجازة البحر للمرابطة بالأندلس، فبادره هلال وتقبض عليه وغربه إلى العدوة ونزل بغرناطة، وانتظم في الغزاة المجاهدين وأمسك عن جراية السلطان فلم يمد إليها يدا أيام مقامه، وكانت من أنزه ما جاء به وتحدث به الناس فأغربوا، واتقدت لها جوانح هلال حسدا وعداوة، فأغرى سلطانه فخاطب ابن الأحمر في استقدامه، فأسلمه إليه. واستعمله السلطان في حروبه على قاصيته حتى كان من نهوضه بالعساكر إلى إفريقية للقاء مولانا السلطان أبي يحيى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. وكانت الدبرة

عليه واستلحمت زناتة، ورجع في الفل فأغرى هلال السلطان وألقى في نفسه التهمة به. ونمي ذلك إليه فلحق بالعرب الزواودة، وعقد مكانه على محاصرة بجاية ليحيى ابن موسى صاحب شلف، ونزل هو على سليمان ويحيى بن علي بن سباع بن يحيى من أمراء الزواودة في أحيائهم [1] فلقوه مبرة وتعظيما، وأقام بين أحيائهم مدة، ثم استقدمه السلطان ورجع إلى محله من مجلسه. ثم تقبض عليه لأشهر، وأشخصه إلى الجزائر فاعتقله بها وضيق عليه محبسه ذهابا مع أغراض منافسة هلال، حتى إذا أسخط هلالا استدعاه من محبسه أضيق ما كان، فانطلق إليه. فلما تقبض على هلال قلد موسى بن علي حجابته، فلم يزل مقيما لرسمها إلى يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان، فهلك مع أبي تاشفين وبنيه في ساحة قصرهم كما قلناه. وانقضى أمره والبقاء لله.

وانتظم بنوه بعد مهلكه في جملة السلطان أبي الحسن وكان كبيرهم سعيد قد خلص من بين القتلى في تلك الملحمة بباب القصر بعد هدو من الليل مثخنا بالجراح، وكانت حياته بعدها تعد من الغرائب، ودخل في عفو السلطان إلى أن عادت دولة بني عبد الواد، فكان له في سوقها نفاق حسبما نذكره والله غالب على أمره.

(وأما يحيى بن موسى) فأصله من بني سنوس إحدى بطون كومية، ولهم ولاء في بني كمين [2] بالاصطناع والتربية. ولما فصل بنو كمين إلى المغرب قعدوا عنهم واتصلوا ببني يغمراسن واصطنعوهم، ونشأ يحيى بن موسى في خدمة عثمان وبنيه واصطناعهم. (ولما كان) الحصار ولاه أبو حمو مهمة من التطواف بالليل على الحرس بمقاعدهم من الأسوار، وقسم القوت على المقاتلة بالمقدار، وضبط الأبواب والتقدم في حومة الميدان [3] ، وكان له أعوان على ذلك من خدامه قد لزموا الكون معه في البكر والآصال. والليل والنهار، وكان يحيى هذا منهم فعرفوا له خدمته وذهبوا إلى اصطناعه وكان من أول ترشيحه ترديد أبي يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم: فيما يدور بينهم من المضاربة، فكان يجلي في ذلك ويوفي من عرض مرسلة [4] ، ولما خرجوا من الحصار أربوا به على رتب الاصطناع والتنويه.

(ولما ملك أبو تاشفين) استعمله بشلف مستبدا بها وأذن له في اتخاذ الآلة. ثم لما عزل موسى بن علي عن حرب الموحدين وقاصية الشرق عزله به، وكانت المرية وتنس من عمله. فلما نازل السلطان أبو الحسن تلمسان راسله بالطاعة والكون معه، فتقبله وجاء به [1] من مكان عمله، فقدم عليه بمخيمه على تلمسان، فاختصه بإقباله ورفع مجلسه من بساط، ولم يزل عنده بتلك الحال إلى أن هلك بعد افتتاح تلمسان والله مصرف الأقدار.

(وأما هلال) فأصله من سبي النصارى القطلونيين أهداه السلطان ابن الأحمر الى عثمان بن يغمراسن، وصار إلى السلطان أبي حمو فأعطاه إلى ولده أبي تاشفين فيما أعطاه من الموالي المعلوجين، ونشأ عنده وتربى، وكان مختصا عنده بالراحلة والدالة، وتولى كبر تلك الفعلة التي فعلوا بالسلطان أبي حمو. ولما ولي بعده ابنه أبو تاشفين ولاه على حجابته، وكان مهيبا فظا غليظا، فقعد مقعد الفصل ببابه وأرف للناس سطوه [2] ، وزحزح المرشحين عن رتب المماثلة إلى التعلق بأهدابه، فاستولى على الأمر واستبد على السلطان. ثم حذر مغبة الملك وسوء العواقب، فاستأذن السلطان في الحج وركب إليه من هنين بعض السفن اشتراها بماله وشحنها بالعديد والعدة والأقوات والمقاتلة، وأقام كاتبه الحاج محمد بن حواتة [3] بباب السلطان على رسم النيابة عنه، وأقلع سنة أربع وعشرين وسبعمائة فنزل بالإسكندرية وصحب الحاج من مصرفي جملة الأمير عليهم، ولقي في طريقه سلطان السودان من آل منسي موسى، واستحكمت بينهما المودة. ثم رجع بعد قضاء فرضه إلى تلمسان. فلم يجد مكانه من السلطان ولم يزل من بعد ذلك يتنكر له وهو يسايسه بالمداراة والاستجداء إلى أن سخطه، فتقبض عليه سنة تسع وعشرين وسبعمائة وأودعه سجنه، فلم يزل معتقلا إلى أن هلك من وجع أصابه قبيل فتح تلمسان، ومهلك السلطان بأيام، فكانت آية عجبا في تقارب مهلكهما واقتران سعادتهما ونحوسهما. وقد كان السلطان أبو الحسن يتبع الموالي الذين شهدوا مقتل السلطان أبي حمو، وأفلت هلال هذا من عقابه بموته. والله بالغ حكمه.

** الخبر عن انتزاء عثمان بن جرار على ملك تلمسان بعد نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان وعود الملك بذلك لبني زيان **

كان بنو جرار هؤلاء من فضائل نيدوكسن [1] بن طاع الله وهم بنو جرار بن يعلى بن نيدوكسن، وكان بنو محمد بن زكراز يفضون إليهم من أول الأمر، حتى صار الملك إليهم واستبدوا به، فجروا على جميع الفصائل من عشائرهم ذيل الاحتقار. ونشأ عثمان بن يحيى بن محمد بن جرار هذا من بينهم مرموقا بعين التجلة والرئاسة، وسعى عند السلطان أبي تاشفين بأن في نفسه تطاولا للرئاسة فاعتقله مدة. وفر من محبسه فلحق بملك المغرب السلطان سعيد فآثر محله وأكرم منزله، واستقر بمثواه فنسك وزهد. واستأذن السلطان عند تغلبه على تلمسان في الحج بالناس فأذن له. وكان قائد الركب من المغرب إلى مكة سائر أيامه حتى استولى السلطان أبو الحسن على أعمال الموحدين، وحشد أهل المغرب من زناتة والمغرب لدخول إفريقية اندرج عثمان هذا في جملته، واستأذنه قبيل القيروان في الرجوع إلى المغرب فأذن له ولحق بتلمسان فنزل على أميرها من ولد الأمير أبي عنان، كان قد عقد له على عملها، ورشحه لولاية العهد بولايتها، فازدلف إليه بما بثه من الخبر عن أحوال أبيه، وتلطف فيما أودع سمعه من تورط أبيه في مهالك إفريقية، وإياسه من خلاصه، ووعده بمصير الأمر إليه على ألسنة الخبراء والكهان. وكان يظن فيه أن لديه من ذلك علما، وعلى تفيئة ذلك كانت نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان. وظهر مصداق ظنه وإصابة قياسه فأغراه بالتوثب على ملك أبيه بتلمسان، والبدار إلى فاس لغلب منصور ابن أخيه أبي مالك عليها، كان استعمله جده أبو الحسن هنالك وأراه آية سلطانه وشواهد ملكه، وتحيل عليه في إشاعة مهلك السلطان أبي الحسن وإلقائه على الألسنة حتى أوهم صدقه. وتصدى الأمير أبو عنان للأمر، وتسايل إليه الفل من عساكر بني مرين، فاستلحق وبث العطاء وأعلن بابا لدعاء نفسه في ربيع سنة تسع وأربعين وسبعمائة وعسكر خارج تلمسان للنهوض إلى المغرب كما نذكره في أخبارهم ولما فصل دعا عثمان لنفسه وانتزى على كرسيه واتخذ الآلة وأعاد من ملك بني عبد الواد رسما لم

يكن لآل جرار، واستبد أشهرا قلائل إلى أن خلص إليه من آل زيان من ولد عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن من طمس معالمه، وخسف به وبداره، وأعاد أمر بني عبد الواد في نصابه حسبما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.

** (الخبر عن دولة أبي سعيد وأبي ثابت من آل يغمراسن وما فيها من الأحداث) **

كان الأمير أبو يحيى جدهما من أكبر ولد يغمراسن بن زيان، وكان ولي عهده بعد مهلك أخيه عمر الأكبر. ولما تغلب يغمراسن على سجلماسة سنة إحدى وستين وستمائة استعمله عليها، فأقام بها حولا وولد له هناك ابنه عبد الرحمن. ثم رجع إلى تلمسان فهلك بها ونشأ عبد الرحمن بسجلماسة، ولحق بتلمسان بعد أمه [1] ، فأقام مع بني أبيه إلى أن غص السلطان بمكانه وغربه إلى الأندلس، فمكث بها حينا، وهلك في مرابطته بثغر قرمونة في بعض أيام الجهاد. وكان له بنون أربعة يوسف وعثمان والزعيم وإبراهيم، فرجعوا إلى تلمسان وأوطنوها أعواما حتى إذا استولى السلطان أبو الحسن على ملكهم، وأضاف إلى دولته دولتهم نقلهم من تلمسان إلى المغرب في جملة أعياصهم. ثم سألوا إذنه في المرابطة بثغور الأندلس التي في عمله، فأذن لهم وفرض لهم العطاء وأنزلهم بالجزيرة فكانت لهم بالجهاد مواقف مذكورة ومواطن معروفة. ولما استنفر السلطان أبو الحسن زناتة لغزو إفريقية سنة ثمان وأربعين وسبعمائة كانوا في جملته مع قومهم بني عبد الواد وفي رايتهم، ومكانهم معلوم بينهم. فلما اضطرب أمر السلطان أبي الحسن وتألب عليه الكعوب من بني سليم أعراب إفريقية، وواضعوه الحرب بالقيروان، كان بنو عبد الواد أول النازعين عنه إليهم. فكانت النكبة وانحجز بالقيروان وانطلقت أيدي الأعراب على الضواحي وانتقض المغرب من سائر أعماله، أذنوا لبني عبد الواد في اللحاق بقطرهم ومكان عملهم، فمروا بتونس وأقاموا بها أياما، وخلص الملاء منهم نجيا في شأن أمرهم ومن يقدمون عليهم فأصفقوا بعد الشورى على عثمان بن عبد الرحمن واجتمعوا إليه لعهده بهم يومئذ، وقد خرجوا به

إلى الصحراء وأجلسوه بباب مصلى العيد من تونس على درقة. ثم ازدحموا عليه بحيث توارى شخصه عن الناس، يسلمون عليه بالإمارة ويعطونه الصفقة على الطاعة والبيعة حتى استهلوا [1] جميعا. ثم انطلقوا به إلى رحالهم. واجتمع مغراوة أيضا إلى أميرهم علي بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل الذي ذكرناه من قبل، وتعاهدوا على الصحابة إلى أعمالهم والمهادنة آخر الأيام واستئثار كل بسلطانه وتراث سلفه، وارتحلوا على تفيئة ذلك الى المغرب. وشنت البوادي عليهم الغارات في كل وجه، فلم يظفروا منهم بقلامة ظفر: مثل ونيفن ونونة وأهل جبل بني ثابت. ولما مروا ببجاية وكان بها فل من مغراوة وتوجين، نزلوا بها منذ غلبوا على أعمالهم، وصاروا في جند السلطان فارتحلوا معهم. واعترضهم بجبل الزاب برابرة زواوة، فأوقعوا بهم وظهر من نجدتهم وبلائهم في الحروب ما هو معروف لأوليهم. ثم لحقوا بشلف فتلقتهم قبائل مغراوة، وبايعوا لسلطانهم علي بن راشد فاستوسق ملكه.

وانصرف بنو عبد الواد والأميران أبو سعيد وأبو ثابت بعد أن أحكموا العقد [2] وأبرموا الوثاق مع علي بن راشد وقومه. وكان في طريقهم بالبطحاء أحياء سويد ومن معهم من أحلافهم قد نزلوا هناك مع شيخهم وترمار بن عريف، منهزمهم من تاسالت أمام جيوش السلطان أبي عنان فأجفلوا من هنالك، ونزل بنو عبد الواد مكانهم، وكان في جملتهم جماعة من بني جرار بن نيدوكسن كبيرهم عمران بن موسى، ففر ابن عثمان بن يحيى بن جرار إلى تلمسان فعقد له على حرب أبي سعيد وأصحابه، فنزل الجند الذين خرجوا معه إلى السلطان أبي سعيد. وانقلب هو الى تلمسان والقوم في أثره، فأدرك بطريقة وقتل. ومر السلطان إلى البلد فثارت العامة بعثمان بن جرار فاستأمن لنفسه من السلطان فأمنه ودخل إلى قصر الملك آخر جمادى الأخيرة من سنة تسع وأربعين وستمائة فاقتعد أريكته وأصدر أوامره واستوزر واستكتب، وعقد لأخيه أبي ثابت الزعيم على ما وراء بابه من متون [3] ملكهما، وعلى القبيل والحروب، واقتصر هو على ألقاب الملك وأسمائه ولزم الدعة. وتقبض لأول دخوله على عثمان بن يحيى بن جرار فأودعه المطبق إلى أن مات في رمضان من سنته، ويقال قتيلا. وكان

من أول غزوات السلطان أبي ثابت غزاته إلى كومية، وذلك أن كبيرهم إبراهيم بن عبد الملك كان شيخا عليهم منذ حين من الدهر، وكان ينتسب في بني عابد، وهم قوم عبد المؤمن بن علي من بطون كومية. فلما وقع الهرج بتلمسان حسب أنه لا ينجلي غمامه [1] وحدثته نفسه بالانتزاء فدعا لنفسه، وأضرم بلاد كومية وما إليها من السواحل نارا وفتنة. فجمع له السلطان أبو ثابت ونهض إلى كومية فاستباحهم قتلا وسبيا واقتحم هنين، ثم ندرومة بعدها. وتقبض على إبراهيم بن عبد الملك الخارج فجاء به معتقلا إلى تلمسان وأودعه السجن، فلم يزل به إلى أن قتل بعد أشهر.

وكانت أمصار المغرب الأوسط وثغوره لم تزل على طاعة السلطان أبي الحسن والقيام بدعوته، وبها حاميته وعماله وأقربها إلى تلمسان مدينة وهران، كان بها القائد عبد بن سعيد بن جانا من صنائع بني مرين، وقد ضبطها وثقفها وملأها أقواتا ورجلا وسلاحا، وملأ مرساها أساطيل، فكان أول ما قدموه من أعمالهم النهوض إليه فنهض السلطان أبو ثابت بعد أن جمع قبائل زناتة والعرب ونزل على وهران وحاصرها أياما.

وكان في قلوب بني راشد أحلافهم مرض فداخلوا قائد البلد في الانقضاض على السلطان أبي ثابت ووعدوه الوفاء بذلك عند المناجزة، فبرز وناجزهم الحرب فانهزم بنو راشد وجروا الهزيمة على من معهم وقتل محمد بن يوسف بن عنان بن فارس أخي يغمراسن بن زيان من أكابر القرابة، وانتهب المعسكر ونجا السلطان أبو ثابت إلى تلمسان إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن لقاء أبي ثابت مع الناصر ابن السلطان أبي الحسن وفتح وهران بعدها) **

كان السلطان أبو الحسن بعد وقعة القيروان قد لحق بتونس، فأقام بها والعرب محاصرون له ينصبون الأعياص من الموحدين لطلب تونس واحدا بعد آخر كما ذكرناه في أخبارهم. وبينما هو مؤمل الكرة ووصول المدد من المغرب الأقصى إذ بلغه الخبر بانتثار السكك أجمع، وبانتقاض ابنه وحافده، ثم استيلاء بني عنان على المغرب

كله، ورجوع بني عبد الواد ومغراوة وتوجين إلى ملكهم بالمغرب الأوسط ووفد عليه يعقوب بن علي أمير الزواودة، فاتفق مع عريف بن يحيى، أمير سويد وكبير مجلس السلطان، على أن يغرياه ببعث ابنه الناصر إلى المغرب الأوسط. للدعوة التي كانت قائمة بأمصاره في الجزائر ووهران وجبل وانشريس، وكان به نصر بن عمر بن عثمان ابن عطية قائما بدعوته، وأن يكون عريف بن يحيى في جملة الناصر لمكانه من السلطان ومكان قومه من الولاية. وكان ذلك من عريف تفاديا من المقام بتونس فأجاب إليه السلطان وبعثهم جميعا، ولحق الناصر ببلاد حصين فأعطوه الطاعة وارتحلوا معه، ولقيه العطاف والديالم وسويد فاجتمعوا إليه وتألبوا معه، وارتحلوا يريدون منداس. وبينما الأمير أبو ثابت يريد معاودة الغزو إلى وهران إذ فجأه الخبر بذلك، فطير به إلى السلطان أبي عنان وجاءه العسكر من بني مرين مددا صحبة أبي زيان ابن أخيه أبي سعيد، كان مستقرا [1] بالمغرب منذ نهوضهم إلى القيروان وبعث عنه أبوه فجاء مع المدد من العساكر والمال، ونهض أبو ثابت من تلمسان أول المحرم سنة خمسين وسبعمائة وبعث إلى مغراوة بالخبر فقعدوا عن مناصرته، ولحق ببلاد العطاف فلقيه الناصر هنالك في جموعه بوادي ورك آخر شهر ربيع الأول، فانكشفت جموع العرب وانهزموا، ولحق الناصر بالزاب فنزل على أبي مزني ببسكرة إلى أن أصحبه من رجالات سليم من أوصله إلى أبيه بتونس. ولحق عريف بن يحيى بالمغرب الأقصى، واحتل عند السلطان أبي عنان بمكانه من مجلسهم، فحصل على البغية ورجع العرب كلهم إلى طاعة أبي ثابت وخدمته، واستراب بصغير بن عامر بن إبراهيم فتقبض عليه وأشخصه معتقلا مع البريد إلى تلمسان، فاعتقل بها إلى أن أطلق بعد حين. وقفل أبو ثابت إلى تلمسان فتلوم بها أياما، ثم نهض إلى وهران في جمادى من سنته، فحاصرها أياما، ثم افتتحها عنوة وعفا عن علي بن جانا [2] القائم بعد مهلك أخيه عبو وعلى من معه، وأطلق سبيلهم واستولى على ضواحي وهران وما إليها، ورجع إلى تلمسان وقد استحكمت العداوة بينه وبين مغراوة، وكان قد استجرها ما قدمناه من قعودهم عن نصره، فنهض إليهم في شوال

من سنته والتقوا في عدوة وادي زهير [1] فاقتتلوا مليا. ثم انكشفت مغراوة ولحقوا بمعاقلهم واستولى أبو ثابت على معسكرهم وملك مازونة، وبعث ببيعتها إلى أخيه السلطان أبي سعيد. وكان على أثر ذلك وصول السلطان أبي الحسن من تونس، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.

** الخبر عن وصول السلطان أبي الحسن من تونس ونزوله بالجزائر وما دار بينه وبين أبي ثابت من الحروب ولحوقه بعد الهزيمة بالمغرب **

كان السلطان أبو الحسن بعد واقعة القيروان طال مقامه بتونس وحصار العرب إياه، واستدعاه أهل المغرب الأقصى وانتقض عليه أهل الجريد وبايعوا للفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى، فأجمع الرحلة إلى المغرب وركب السفن من تونس أيام الفطر من سنة خمسين وسبعمائة فعصفت به الريح وأدركه الغرق، فغرق أسطوله على ساحل بجاية ونجا بدمائه إلى بعض الجزائر هنالك، حتى لحقه أسطول من أساطيله، فنجا فيه إلى الجزائر وبها حمو بن يحيى بن العسري قائده وصنيعة أبيه، فنزل عليه.

وبادر إليه أهل ضاحيتها من مليكش والثعالبة، فاستخدمهم وبث فيهم العطاء.

واتصل خبره بونزمار بن عريف وهو في أحياء سويد، فوفد عليه في مشيخة من قومه، ووفد معه نصر بن عمر بن عثمان صاحب جبل وانشريس من بني تيغرين، وعدي بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي الثائر بنواحي المرية من ولد عبد القوى، فأعطوه الطاعة واستحثوه للخروج معهم، فردهم للحشد، فجمعوا من إليهم من قبائل العرب وزناتة. وبينما الأمير أبو ثابت ببلاد مغراوة محاصرا لهم في معاقلهم إذ بلغه الخبر بذلك في ربيع سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فعقد السلم معهم ورجع إلى قتال هؤلاء، فأخذ على منداس وخرج إلى السرسو قبلة وانشريس.

وأجفل أمامه ونزمار وجموع العرب الذين معه، ولحق به هنالك مدد السلطان أبي عنان قائدهم يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي، فاتبع آثار العرب وشردهم.

ولحقت أحياء حصين بمعاقلهم من جبل تيطرى، ثم عطف على المرية ففتحها وعقد

عليها لعمر بن موسى الجلولي من صنائعهم. ثم نهض إلى حصين فاقتحم عليهم الجبل فلاذوا بالطاعة وأعطوا أبناءهم رهنا عليها، فتجاوزهم إلى وطاء حمزة فدوخها، واستخدم قبائلها من العرب والبربر، والسلطان أثناء ذلك مقيم بالجزائر. ثم قفل أبو ثابت إلى تلمسان وقد كان استراب بيحيى بن رحو وعسكره من بني مرين. وأنهم داخلوا السلطان أبا الحسن وبعث فيه إلى السلطان أبي عنان، فأداله بعيسى بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب فبعثه قائدا على الحصة المرينية، فتقبض على يحيى بن رحو ولحقوا مع أبي ثابت بتلمسان. ثم أجاز إلى المغرب وأوعز السلطان أبو الحسن إلى ابنه الناصر مع أوليائه من زناتة والعرب فاستولى على المرية وقتل عثمان بن موسى الجلولي. ثم تقدم إلى مليانة فملكها، وإلى تيمزوغت كذلك.

وجاء على أثره السلطان أبو الحسن أبوه، وقد اجتمعت إليه الجموع من زغبة ومن زناتة ومن عرب إفريقية سليم ورباح مثل: محمد بن طالب بن مهلهل، ورجال من عشيرته، وعمر بن علي بن أحمد الزواودي، وأخيه أبي دينار، ورجالات من قومهما. وزحف على هذه التعبية وابنه الناصر أمامه، فأجفل عليه بن راشد وقومه مغراوة عن بلادهم إلى البطحاء، وطير الخبر إلى أبي ثابت فوافاه في قومه وحشوده، وزحفوا جميعا إلى السلطان أبي الحسن وقومه، فالتقى الجمعان بتيمغزين من شلف. وصابروا مليا، ثم انكشف السلطان أبو الحسن وقومه، وطعن ولده الناصر بعض فرسان مغراوة وهلك آخر يومه. وقتل محمد بن علي بن العربي قائد أساطيله وابن البواق والقبائلي كاتباه. واستبيح معسكره وما فيه من متاع وحرم، وخلص بناته إلى وانشريس، وبعث بهن أبو ثابت إلى السلطان أبي عنان بعد استيلائه على الجبل. وخلص السلطان أبو الحسن إلى أحياء سويد، بالصحراء فنجا به ونزمار بن عريف إلى سجلماسة كما يأتي ذكره في أخباره، ودوخ أبو ثابت بلاد بني توجين وقفل إلى تلمسان والله تعالى أعلم.

** الخبر عن حروبهم مع مغراوة واستيلاء أبي ثابت على بلادهم ثم على الجزائر ومقتل علي بن راشد بتنس على أثر ذلك **

كان بين هذين الحيين من عبد الواد ومعراوة فتن قديمة سائر أيامهم، قد ذكرنا الكثير

منها في أخبارهم. وكان بنو عبد الواد قد غلبوهم على أوطانهم حتى قتل راشد بن محمد في جلائه أمامهم بين زواوة. ولما اجتمعوا بعد نكبة القيروان على أميرهم علي بن راشد وجاءوه من إفريقية إلى أوطانهم مع بني عبد الواد، ولم يطيعوهم حينئذ أن يغلبوهم رجعوا حينئذ إلى توثيق العهد وتأكيد العقد [1] فأبرموه وقاموا على الموادعة والتظاهر على عدوهم، وعروق الفتنة تنبسط من كل منهم [2] . ولما جاء الناصر من إفريقية وزحف إليه أبو ثابت، قعد عنه علي بن راشد وقومه، فاعتدها عليهم وأسرها في نفسه. ثم اجتمع بعد ذلك للقاء السلطان أبي الحسن حتى انهزم ومضى إلى المغرب. فلما رأى أبو ثابت أنه قد كفى عدوه الأكبر وفرغ إلى عدوه الأصغر نظر في الانتقاض عليهم. فبينما هو يروم أسباب ذلك إذ بلغه الخبر أن بعض رجالات بني كمين [3] من مغراوة جاء إلى تلمسان فاغتالوه فحمى له أنفه وأجمع لحربهم.

وخرج من تلمسان فاتحة اثنتين وخمسين وسبعمائة وبعث في أحياء زغبة من بني عامر وسويد، فجاءوه بفارسهم وراجلهم وظعائنهم، وزحف إلى مغراوة فخافوا من لقائه، وتحصنوا بالجبل المطل على تنس، فحاصرهم فيه أياما اتصلت فيها الحروب وتعددت الوقائع. ثم ارتحل عنهم فجال في نواحي البلد، ودوخ أقطارها، وأطاعته مليانة والمرية وبرشك وشرشال. ثم تقدم بجموعه إلى الجزائر فأحاط بها وفيها فل بني مرين وعبد الله بن السلطان أبي الحسن، تركه هناك صغيرا في كفالة علي بن سعيد ابن جانا، فغلبهم على البلد وأشخصهم في البحر إلى المغرب، وأطاعته الثعالبة ومليكش وقبائل حصين. وعقد على الجزائر لسعيد بن موسى بن علي الكردي، ورجع إلى مغراوة فحاصرهم بمعقلهم الأول بعد أن انصرفت العرب إلى مشاتيها، فاشتد الحصار على مغراوة وأصاب مواشيهم العطش، فانحطت دفعة واحدة من الجبل تطلب المورد فأصابهم الدهش. ونجا ساعتئذ علي بن راشد إلى تنس، فأحاط به أبو ثابت أياما. ثم اقتحمها عليه غلابا منتصف شعبان من سنته، فاستعجل المنية وتحامل على نفسه فذبح نفسه، وافترقت مغراوة من بعده وصارت أوزاعا في القبائل

وقفل أبو ثابت إلى تلمسان إلى أن كان من حركة السلطان أبي عنان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن استيلاء السلطان أبي عنان على تلمسان وانقراض أمر بني عبد الواد ثانية **

لما لحق السلطان أبو الحسن بالمغرب، وكان من شأنه مع ابنه أبي عنان إلى أن هلك بجبل هنتاتة على ما نذكره في أخبارهم. فاستوسق ملك المغرب للسلطان أبي عنان وفرغ لعدوه وسما لاسترجاع الممالك التي ابتزها أبوه وانتزعها ممن توثب عليه، وكان قد بعث إليه علي بن راشد من مكان امتناعه من جبل تنس يسأل منه الشفاعة، ونذر بذلك أبو سعيد وأخوه، فخرج أبو ثابت وحشد القبائل من زناتة والعرب منتصف ذي القعدة، ونزل بوادي شلف. واجتمع الناس إليه وواصلته هناك بيعة تدلس في ربيع من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. غلب عليها الموحدون جانا الخراساني [1] من صنائعه، وبلغه من مكانه ذلك زحف السلطان أبي عنان فرجع إلى تلمسان، ثم خرج إلى المغرب. وجاء على أثره أخوه السلطان أبو سعيد في العساكر من زناتة ومعه بنو عامر من زغبة والفل من سويد، إذ كان جمهورهم قد لحقوا بالمغرب لمكان عريف بن يحيى وابنه من ولاية بني مرين، فزحفوا على هذه التعبية وزحف السلطان أبو عنان في أمم المغرب من زناتة والعرب المعقل والمصامدة وسائر طبقات الجنود والحشد، وانتهوا جميعا إلى انكاد من بسيط وجدة، فكان اللقاء هنالك آخر ربيع الثاني من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة واجتمع بنو عبد الواد على صدمة العساكر وقت القائلة، وبعد ضرب الأبنية وسقاء الركاب وافتراق أهل المعسكر في حاجاتهم، فأعجلوهم عن ترتيب المصاف. وركب السلطان أبو الحسن لتلافي الأمر، فاجتمع إليه أوشاب من الناس وانفض [2] سائر المعسكر ثم زحف إليهم فيمن حضره وصدقوهم القتال، فاختل مصافهم ومنحوا أكتافهم وخاضوا بحر الظلماء.

واتبع بنو مرين آثارهم وتقبض على أبي سعيد ليلتئذ مقيدا أسيرا إلى السلطان أبي

عنان، فأحضره بمشهد الملأ ووبخه. ثم نقل إلى محبسه وقتل لتاسعة من ليالي اعتقاله. وارتحل السلطان أبو عنان إلى تلمسان، ونجا الزعيم أبو ثابت بمن معه من فل بني عبد الواد ومن خلص إليه منهم ذاهبا إلى بجاية ليجد في إيالة الموحدين وليجة من عدوه، فبيته زواوة في طريقه وألد عن أصحابه وأرجل عن فرسه [1] وذهب راجلا عاريا ومعه رفقاء من قومه منهم أبو زيان محمد ابن أخيه السلطان أبي سعيد، وأبو حمو وموسى ابن أخيهم يوسف ابن أخيه، ووزيرهم يحيى بن داود بن فكن [2] وكان السلطان أبو عنان أوعز إلى صاحب بجاية يومئذ المولى أبي عبيد الله حافد مولانا السلطان أبي بكر بأن يأخذ عليهم الطرق، ويذكي في طلبهم العيون، فعثر عليهم بساحة البلد وتقبض على الأمير أبي ثابت الزعيم وابن أخيه محمد بن أبي سعيد ووزيرهم يحيى بن داود وأدخلوا إلى بجاية. ثم خرج صاحبها الأمير أبو عبد الله إلى لقاء السلطان أبي عنان، واقتادهم في قبضة أسره فلقيه بمعسكره من ظاهر المرية [3] ، فأكرم وفادته وشكر صنيعه، وانكفأ راجعا إلى تلمسان فدخلها في يوم مشهود. وحمل يومئذ أبو ثابت ووزيره يحيى على جملين يتهاديان بهما بين سماطي ذلك المحمل، فكان شأنهما عجبا. ثم سيقا ثاني يومهما الى مصرعهما بصحراء البلد، فقتلا قعصا بالرماح وانقرض ملك آل زيان، وذهب ما أعاده لهم بنو عبد الرحمن هؤلاء من الدولة بتلمسان إلى أن كانت لهم الكرة الثالثة على يد أبي حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن المتولي لهذا العهد على ما سنذكره ونستوفي من أخباره إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن دولة السلطان أبى حمو الأخير مديل الدولة بتلمسان في الكرة الثالثة لقومه وشرح ما كان فيها من الأحداث لهذا العهد **

كان يوسف بن عبد الرحمن هذا في إيالة أخيه السلطان أبي سعيد بتلمسان هو

أخوه [1] أبو حمو موسى، وكان متكاسلا عن طلب الظهور، متجافيا عن التهالك في طلب العز جانحا إلى السكون ومذاهب أهل الخير، حتى إذا عصفت بدولتهم رياح بني مرين، وتغلب السلطان أبو عنان عليهم وابتزهم ما كان بيدهم من الملك، وخلص ابنه أبو حمو موسى مع عمه أبي ثابت إلى الشرق، وقذفت النوى بيوسف مع أشراف قومه إلى المغرب فاستقر به. ولما تقبض على أبي ثابت بوطن بجاية أغفل أمر أبي حمو من بينهم ونبت عنه العيون، فنجا إلى تونس ونزل بها على الحاجب أبي محمد بن تافراكين، فأكرم نزله وأحله بمكان أعياص الملك من مجلس سلطانه، ووفر جرايته، ونظم معه آخرين من فل قومه، وأوعز السلطان أبو عنان إليه بإزعاجهم عن قرارهم في دولته، فحمى لها أنفه وأبى عن الهضيمة لسلطانه، فأغرى ذلك أبا عنان بمطالبته، وكانت حركته إلى بلاد إفريقية ومنابذة العرب من رياح وسليم لعهده ونقضهم لطاعته كما نستوفي أخباره.

ولما كانت سنة تسع وخمسين وسبعمائة قبل مهلكه اجتمع أمر الزواودة من رياح إلى الحاجب أبي محمد بن تافراكين، ورغبوه في لحاق أبي حمو موسى بن يوسف بالعرب من زغبة، وأنهم ركابه لذلك ليجلب على نواحي تلمسان، ويجعل السلطان أبي عنا شغلا عنهم. وسألوه أن يجهز عليه بعض آلة السلطان. ووافق ذلك رغبة صغير بن عامر أمير زغبة في هذا الشأن، وكان يومئذ في أحياء يعقوب بن علي وجواره، فأصلح الموحدون شأنه بما قدروا عليه ودفعوه إلى مصاحبة صغير وقومه من بني عامر، وارتحل معهم من الزواودة عثمان بن سباع ومن أحلافهم بنو سعيد دعار بن عيسى بن رحاب وقومه ونهضوا بجموعهم يريدون تلمسان وأخذوا على القفر ولقيهم أثناء طريقهم الخبر عن مهلك السلطان أبي عنان فقويت عزائمهم على ارتجاع ملكهم، ورجع عنهم صولة بن يعقوب. وأغذ السير إلى تلمسان وبها الكتائب المجمهرة من بني مرين، واتصل خبر أبي حمو بالوزير الحسن بن عمر القائم بالدولة من بعد مهلك السلطان أبي عنان، والمتغلب على ولده السعيد من بعده، فجهز المدد إلى تلمسان من الحامية والأموال، ونهض أولياء الدولة من أولاد عريف بن يحيى أمراء البدو من المغرب في قومهم من سويد ومن إليهم من العرب لموافقة

السلطان أبي حمو وأشياعه، فانفض جمعهم وغلبوا على تلك المواطن واحتل السلطان أبو حمو وجموعه بساحة تلمسان، وأناخوا ركابهم عليها، ونازلوها ثلاثا، ثم اقتحموها في صبيحة الرابع، وخرج ابن السلطان أبي عنان الذي كان أميرا عليها في لمة من قومه، فنزل على صغير بن عامر أمير القوم، فأحسن تجلته وأصحبه من عشيرته إلى حضرة أخيه [1] ، ودخل السلطان أبو حمو تلمسان لثمان خلون من الربيع الأول سنة ستين وسبعمائة واحتل منها بقصر ملكه، واقتعد أريكته، وبويع بيعة الخلافة، ورجع إلى النظر في تمهيد قواعد ملكه وإخراج بني مرين من أمصار مملكته. والله أعلم.

** (الخبر عن إجفال أبي حمو عن تلمسان أمام عساكر المغرب ثم عوده إليها) **

كان القائم بأمر المغرب بعد السلطان أبي عنان وزيره الحسن بن عمر كافل ابنه السعيد الذي أخذ له البيعة على الناس، فاستبد عليه وملك أمره، وجرى على سياسة السلطان الهالك واقتفى أثره في الممالك الدانية والقاصية في الحماية والنظر لهم وعليهم. ولما اتصل به خبر تلمسان وتغلب أبي حمو عليها قام في ركائبه وشاور الملأ في النهوض. إليه، فأشاروا عليه بالقعود وتسريح الجنود والعساكر، فسرح لها ابن عمه مسعود بن رحو بن علي بن عيسى بن ماساي بن فودود [2] وحكمه في اختيار الرجال واستجادة السلاح وبذل الأموال واتخاذ الآلة، فزحف إلى تلمسان واتصل الخبر بالسلطان أبي حمو وأشياعه من بني عامر، فأفرج عنها ولحق بالصحراء. ودخل الوزير مسعود بن رحو تلمسان وخالفه السلطان أبي حمو إلى المغرب، فنزل بسيط أنكاد. وسرح إليهم الوزير مسعود بن رحو ابن عمه عامر بن عبد بن ماساي في عسكر من كتائبه ووجوه قومه، فأوقع بهم العرب وأبو حمو ومن معهم واستباحوهم.

وطار الخبر إلى تلمسان واختلفت أهواء من كان بها من بني مرين، وبدا ما كان في قلوبهم من المرض لتغلب الحسن بن عمر على سلطانهم، ودولتهم فتحيزوا زرافات

لمبايعة بعض الأعياص من آل عبد الحق. وفطن الوزير مسعود بن رحو لما دبروه، وكان في قلبه مرض من ذلك فاغتنمها وبايع لمنصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق كبير الأعياص المنفرد بالتجلة. وارتحل به وبقومه من بني مرين إلى المغرب، وتجافى عن تلمسان وشأنها واعترضه عرب المعقل في طريقهم إلى المغرب، فأوقع بهم بنو مرين وصمموا لصليهم، ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان، واستقر بحضرته ودار ملكه، ولحق به عبد الله بن مسلم فاستوزره وأسام إليه فاشتد به أزره وغلب على دولته كما نذكره إلى أن هلك، والبقاء لله وحده.

** الخبر عن مقدم عبد الله بن مسلم من مكان عمله بدرعة ونزوله من ايالة بني مرين إلى أبي حمو وتقليده إياه الوزارة وذكر أوليته ومصاير أموره **

كان عبد الله بن مسلم من وجوه بني زردال من بني بادين إخوة بني عبد الواد وتوجين ومصاب، إلا أن بني زردال اندرجوا في بني عبد الواد لقلتهم واختلطوا بنسبهم، ونشأ عبد الله بن مسلم في كفالة موسى بن علي لعهد السلطان أبي تاشفين مشهورا بالبسالة والإقدام، طار له بها ذكر وحسن بلاؤه في حصار تلمسان. ولما تغلب السلطان أبو الحسن علي بني عبد الواد وابتزهم ملكهم استخدمهم، وكان ينتقي أولي الشجاعة والإقدام منهم، فيرمي بهم ثغور المغرب، ولما اعترض بنو عبد الواد ومر به عبد الله هذا ذكر له شأنه ونعت ببأسه، فبعثه إلى درعة واستوصى عامله به، فكان له عنه غناء في مواقفه مع خوارج العرب وبلاء حسن، جذب ذلك بضبعه، ورقى عند السلطان منزلته، وعرفه على قومه.

ولما كانت نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان ومرج أمر المغرب، وتوثب أبو عنان على الأمر، وبويع بتلمسان واستجمع حافده منصور بن أبي مالك عبد الواحد لمدافعته، وحشد حامية الثغور للقائه، وانفضت جموعه بتازى وخلص إلى البلد الجديد ونازلة، وكان عبد الله بن مسلم في جملته. ولما نازلة السلطان أبو عنان واتصلت الحرب بينهم أياما، كان له فيها ذكر. ولما رأى أنه أحيط بهم، سابق الناس إلى السلطان أبي عنان فرأى سابقيته وقلده عمل درعة، فاضطلع بها مدة

خلافته وتأكدت له أيام ولايته مع عرب المعقل وصلة وعهد ضرب بهما في مواخاتهم بسهم. وكان السلطان أبو عنان عند خروج أخيه أبي الفضل عليه لحقه بجبل ابن حميدي من معاقل درعة، أوعز إليه بأن يعمل الحيلة في القبض عليه، فداخل ابن حميدي ووعده وبذل له فأجاب وأسلمه. وقاده عبد الله بن مسلم أسيرا إلى أخيه السلطان أبي عنان فقتله. ولما استولى السلطان أبو سالم رفيق أبي الفضل في منوي اغترابهما بالأندلس على بلاد المغرب من بعد مهلك السلطان أبي عنان، وما كان أثره من الخطوب، وذلك آخر سنة ستين وسبعمائة خشيه ابن مسلم على نفسه، ففارق ولايته ومكان عمله وداخل أولاد حسين أمراء المعقل في النجاة به إلى تلمسان فأجابوه، ولحق بالسلطان أبي حمو في ثروة من المال وعصبة من العشيرة وأولياء من العرب، فسر بمقدمه وقلده لحينه وزارته وشد به أواخي سلطانه، وفوض إليه تدبير ملكه، فاستقام أمره وجمع القلوب على طاعته وجاء بالمعقل من مواطنهم الغريبة، فأقبلوا عليه وعكفوا على خدمته. وأقطعهم مواطن تلمسان وآخى بينهم وبين زغبة، فعلا كعبه واستفحل أمره، واستقامت رياسته إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.

** الخبر عن استيلاء السلطان أبي سالم على تلمسان ورجوعه الى المغرب بعد أن ولى عليها أبو زيان حافد السلطان أبي تاشفين وما آل أمره **

لما استوسق للسلطان أبي سالم ملك المغرب ومحا أثر الخوارج على الدولة، سما إلى امتداد ظله إلى أقصى تخوم زناتة كما كان لأبيه وأخيه، وحركه إلى ذلك ما كان من فرار عبد الله بن مسلم إلى تلمسان بحيالة [1] عمله، فأجمع أمره على النهوض إلى تلمسان وعسكر بظاهر فاس منتصف إحدى وستين وسبعمائة وبعث في الحشود فتوافت ببابه واكتملت. ثم ارتحل إليها، وبلغ الخبر الى السلطان أبي حمو ووزيره عبد الله ابن مسلم فنادوا في العرب من زغبة والمعقل كافة فأجابوهم إلا شرذمة قليلة من

الأحلاف، وخرجوا بهم إلى الصحراء ونازل حللهم بعسكره. ولما دخل السلطان أبو سالم وبنو مرين تلمسان خالفوهم إلى المغرب فنازلوا وطاط وبلاد ملوية وكرسف، وحطموا زروعها وانتسفوا أقواتها وخربوا عمرانها. وبلغ السلطان أبا سالم ما كان من صنيعهم، فأهمه أمر المغرب وأجلاب المفسدين عليه. وكان في جملته من آل يغمراسن محمد بن عثمان ابن السلطان أبي تاشفين ويكنى بأبي زيان، ويعرف بالفنز [1] ومعناه العظيم الرأس فدفعه للأمر وأعطاه الآلة وكتب له كتيبة من توجين ومغراوة كانوا في جملته، ودفع إليه أعطياتهم وأنزله بقصر أبيه بتلمسان وانكفأ راجعا إلى حضرته، فأجفلت العرب والسلطان أبو حمو أمامه وخالفوه إلى تلمسان فأجفل عنها أبو زيان وتحيز إلى بني مرين بأمصار الشرق من البطحاء ومليانة ووهران وأوليائهم من بني توجين وسويد من قبائل زغبة ودخل السلطان أبو حمو ووزيره عبد الله بن مسلم إلى تلمسان، وكان مقير [2] بن عامر هلك في مذهبهم ذلك. ثم خرجوا فيمن إليهم من كافة عرب المعقل وزغبة في أتباع أبي زيان ونازلوه بجبل وانشريس فيمن معه إلى أن غلبوا عليه وانفض جمعه، ولحق بمكانه من إيالة بني مرين بفاس.

ورجع السلطان أبو حمو إلى معاقل وطنه يستنقذها من ملكة بني مرين، فافتتح كثيرها وغلب على مليانة والبطحاء. ثم نهض إلى وهران ونازلها أياما واقتحمها غلابا، واستلحم بها من بني مرين عددا. ثم غلب على المرية والجزائر، وأزعج عنها بني مرين فلحقوا بأوطانهم. وبعث رسله إلى السلطان أبي سالم فعقد معه المهادنة [3] ووضعوا أوزار الحرب. ثم كان مهلك السلطان أبي سالم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وقام بالأمر من بعده عمر بن عبد الله بن علي من أبناء وزرائهم مبايعا لولد السلطان أبي الحسن واحدا بعد آخر كما نذكره عند ذكر أخبارهم إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن قدوم أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد من المغرب لطلب ملكه وما كان من أحواله **

كان أبو زيان هذا، وهو محمد ابن السلطان أبي سعيد عثمان بن عبد

الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، لما تقبض عليه مع عمه أبي ثابت ووزيرهم يحيى بن داود بجاية من أعمال الموحدين، وسيقوا إلى السلطان أبي عنان، فقتل أبا ثابت ووزيره واستبقى محمدا هذا وأودعه السجن سائر أيامه، حتى إذا هلك واستوسق أمر المغرب لأخيه أبي سالم من بعد خطوب وأهوال يأتي ذكرها، امتن عليه السلطان أبو سالم وأطلقه من الاعتقال ونظمه بمجلس ملكه في مراتب الأعياص وأعده لمزاحمة ابن عمه. وجرت بينه وبين السلطان أبي حمو سنة اثنتين وستين وسبعمائة بين يدي مهلكه نكراء بعد مرجعه من تلمسان، ومرجع أبي زيان حافد السلطان أبي تاشفين من بعده، تحقق السعي فيما نصبه له، فسما له أمل في أبي زيان هذا أن يستأثر بملك أبيه، ورأى أن يحسن الصنيع فيه فيكون فيئة له، فأعطاه الآلة ونصبه للملك، وبعثه إلى وطن تلمسان، وأتى إلى تازى ولحقه هنالك الخبر بمهلك السلطان أبي سالم. ثم كانت فتن وأحداث نذكرها في محلها وأجلب عبد الحليم ابن السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد بن يعقوب بن عبد الحق على فاس، واجتمع إليه بنو مرين ونازلوا البلد الجديد. ثم انفض جمعهم ولحق عبد الحليم بتازى كما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ورجا من السلطان أبي حمو المظاهرة على أمره فراسله في ذلك واشترط عليه كبح ابن عمه أبي زيان فاعتقله مرضاة له، ثم ارتحل إلى سجلماسة كما نذكره بعد ونازلة في طريقه أولاد حسين من المعقل بحللهم وأحيائهم فاستغفل أبو زيان ذات يوم الموكلين به، ووثب على فرس قائم حذاءه وركضه من معسكر عبد الحليم إلى حلة أولاد حسين مستجيرا بهم، فأجاروه. ولحق ببني عامر على حين غفلة، وجفوة كانت بين السلطان أبي حمو وبين خالد بن عامر أميرهم ذهب لها مغاضبا، فأجلب به على تلمسان. وسرح إليهم السلطان أبو حمو عسكرا فشردهم عن تلمسان. ثم بذل المال لخالد بن عامر على أن يقصيه إلى بلاد رياح، ففعل وأوصله إلى الزواودة فأقام فيهم. ثم دعاه أبو الليل بن موسى شيخ بني يزيد وصاحب وطن حمزة وبني حسن وما إليه، ونصبه للأمر مشاقة [1] وعنادا للسلطان أبي حمو. ونهض إليه الوزير عبد الله بن مسلم في عساكر بني عبد الواد وحشود العرب وزناتة فأيقن أبو الليل بالغلب

وبذل له الوزير المال وشرط له التجافي عن وطنه على أن يرجع عن طاعة أبي زيان ففعل، وانصرف إلى بجاية ونزل بها على المولى أبي إسحاق ابن مولانا السلطان أبي يحيى أكرم نزل، ثم وقعت المراسلة بينه وبين السلطان أبي حمو وتمت المهادنة وانعقد السلم على إقصاء أبي زيان عن بجاية المتاخمة لوطنه، فارتحل إلى حضرة تونس. وتلقاه الحاجب أبو محمد بن تافراكين، قيوم دولة الحفصيين لذلك العهد من المبرة والترحيب وإسناء الجراية له، وترفيع المنزلة بما لم يعهد لمثله من الأعياص.

ثم لم تزل حاله على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى.

** الخبر عن قدوم أبي زيان حافد السلطان أبي تاشفين ثانية من المغرب الى تلمسان لطلب ملكها وما كان من أحواله **

كان العرب من سويد إحدى بطون زغبة فيئة لبني مرين وشيعة من عهد عريف بن يحيى مع السلطان أبي الحسن وابنه أبي عنان، فكانوا عند بني عبد الواد في عداد عدوهم من بني مرين مع طاغية [1] الدولة لبني عامر أقتالهم، فكانوا منابذين لبني عبد الواد آخر الأيام، وكان كبيرهم ونزمار بن عريف أوطن كرسف في جوار بني مرين، مذ مهلك السلطان أبي عنان، وكان مرموقا بعين التجلة يرجعون إلى رأيه ويستمعون إلى قوله. وأهمه شأن إخوانه في موطنهم ومع أقتالهم بني عامر، فاعتزم على نقض الدولة من قواعدها، وحمل صاحب المغرب عمر بن عبد الله على أن يسرح محمد بن عثمان حافد أبي تاشفين لمعاودة الطلب لملكه، ووافق ذلك نفرة استحكمت بين السلطان أبي حمو وأحمد بن رحو بن غانم كبير أولاد حسن من المعقل بعد أن كانوا فيئة له ولوزيره عبد الله بن مسلم، فاغتنمها عمر بن عبد الله وخرج أبو زيان محمد بن عثمان سنة خمس وستين وسبعمائة فنزل في حلل المعقل بملوية. ثم نهضوا به إلى وطن تلمسان وارتاب السلطان أبو حمو بخالد بن عمر أمير بني عامر فتقبض عليه وأودعه المطبق [2] ، ثم سرح وزيره عبد الله بن مسلم في عساكر بني عبد الواد

والعرب، فأحسن دفاعهم وانفضت جموعهم ورحلهم إلى ناحية الشرق، وهو في اتباعهم إلى أن نزلوا المسيلة من وطن رياح، وصاروا في جوار الزواودة. ثم نزل بالوزير عبد الله بن مسلم داء الطاعون الذي عاود أهل العمران عامئذ من بعد ما أهلكهم سنة تسع وأربعين وسبعمائة قبلها، فانكفأ به ولده وعشيرته راجعين، وهلك في طريقه وأرسلوا شلوه إلى تلمسان فدفن بها. وخرج السلطان أبو حمو إلى مدافعة عدوه وقد فت مهلك عبد الله في عضده. ولما انتهى إلى البطحاء وعسكر بها، ناجزته جموع السلطان أبي زيان الحرب وأطلت راياته على المعسكر فداخلهم الرعب وانفضوا، وأعجلهم الأمر عن أبنيتهم وأزوادهم، فتركوها وانفضوا وتسلل أبو حمو يبغي النجاة إلى تلمسان واضطرب أبو زيان فسطاطه بمكان معسكره، وسابقه أحمد بن رحو أمير المعقل إلى منجاته فلحقه بسيك وكر إليه السلطان أبو حمو فيمن معه من خاصته، وصدقوه الدفاع فكبا به فرسه وقطع رأسه. ولحق السلطان أبو حمو بحضرته وارتحل أبو زيان والعرب في اتباعه إلى أن نازلوه بتلمسان أياما. وحدثت المنافسة بين أهل المعقل وزغبة، واسف زغبة استبداد المعقل عليهم وانفراد أولاد حسين برأي السلطان دونهم، فاغتنمها أبو حمو وأطلق أميرهم عامر بن خالد من محبسه، وأخذ عليه الموثق من الله ليخذلن الناس عنه ما استطاع، وليرجعن بقومه عن طاعة أبي زيان وليفرقن جموعه، فوفى له بذلك العهد ونفس عليه المخنق وتفرقت أحزابهم ورجع أبو زيان إلى مكانه من إيالة بني مرين واستقام أمر السلطان أبي حمو وصلحت دولته بعد الالتياث، إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن حركة السلطان أبي حمو على ثغور المغرب) **

كان ونزمار بن عريف متولي كبر هذه الفتن على أبي حمو، وبعث الأعياص عليه واحدا بعد واحد، لما كان بينهم من العداوة المتصلة كما قدمناه. وكان منزله كرسيف من ثغور المغرب. وكان جاره محمد بن زكراز [1] كبير بني علي من بني ونكاسن

الموطنين بجبل دبدو، وكانت أيديهما عليه واحدة فلما سكن غرب الثوار عنه وأزاحهم عن وطنه إلى المغرب، وانعقد سلمه معهم، رأى أن يعتور هذين الأميرين في ثغورهما، فاعتمل الحركة إلى المغرب فاتح سنة ست وستين وسبعمائة وانتهى إلى دبدو وكرسيف، وأجفل ونزمار وامتنع بمعاقل الجبال، فانتهب أبو حمو الزروع وشمل بالتخريب والعيث سائر النواحي. وقصد محمد بن زكراز أيضا في معقل دبدو فامتنع بحصنه الذي اتخذه هناك، وعاج عليه أبو حمو بركابه، وجاس خلال وطنه، وشمل بالتخريب والعيث نواحي بلده، وانكفأ راجعا إلى حضرته، وقد عظمت في تخوم بني مرين وثغورهم نكايته، وثقلت عليهم وطأته، وانعقدت بينهما بعد بدء المهادنة والسلم. فانصرفت عزائمه إلى بلاد إفريقية، فكانت حركته إلى بجاية من العام المقبل ونكبته عليها كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن حركة السلطان أبي حمو إلى بجاية ونكبته عليها) **

كان صاحب بجاية المولى الأمير أبو عبد الله لما استولى عليها وعادت إليه العودة الثانية سنة خمس وستين وسبعمائة كما ذكرناه في أخباره، زحف إلى تدلس، فغلب عليها بني عبد الواد، وأنزل بها عامله وحاميته. ثم أظلم الجو بينه وبين صاحب قسنطينة السلطان أبي العباس ابن عمه الأمير أبي عبد الله لما جرته بينهما المتاخمة في العمالات، فنشأت بينهما فتن وحروب شغل بها عن حماية تدلس، وألحت عليها عسكر بني عبد الواد بالحصار. وأحيط بها فأوفد رسله على السلطان أبي حمو صاحب تلمسان في المهادنة على النزول له عن تدلس، فتسلمها أبو حمو وأنزل بها حاميته. وعقد معه السلم وأصهر إليه في ابنته فأجابه، وزفها إليه فتلقاها قبلة زواوة بآخر عملهم من حدود بجاية. وفرغ صاحب بجاية لشأنه، وكان أثناء الفتنة معه قد بعث إلى تونس عن أبي زيان ابن عمه السلطان أبي سعيد لينزله بتدلس، ويشغل به السلطان أبا حمو عن فتنته.

وكان من خبر أبي زيان هذا أنه أقام بتونس بعد مهلك الحاجب أبي محمد بن تافراكين كما ذكرناه إلى أن دس إليه مرضى القلوب من مشيخة بني عبد الواد

بتلمسان بالإجلاب على السلطان أبي حمو. ووعدوه عن أنفسهم الجنوح معه، فصغى إليها واعتدها وارتحل يريد تخوم تلمسان وعمل بجاية. ومر بقسنطينة فتجافى عن الدخول إليها، وتنكر لصاحبها، وبلغ خبره السلطان أبا العباس صاحبها يومئذ فأجمع أمره على صده عن وجهه، وحبسه بقسنطينة واتصلت الفتنة بينه وبين ابن عمه صاحب بجاية، وكان شديد الوطأة على أهل بلده مرهف الحد لهم بالعقاب الشديد، حتى لقد ضرب أعناق خمسين منهم قبل أن يبلغ سنتين في ملكه، فاستحكمت النفرة وساءت الملكة، وعضل الداء وفزع أهل البلد إلى مداخلة السلطان أبي العباس باستنفاذهم من ملكة العسف والهلاك، بما كان أتيح له من الظهور على أميرهم، فنهض إليها آخر سنة سبع وستين وسبعمائة وبرز الأمير أبو عبد الله للقائه وعسكر بنامروا [1] الجبل المطل على تاكردت [2] وصبحه السلطان أبو العباس بمعسكره هنالك، فاستولى عليه وركض هو فرسه ناجيا بنفسه. ومرت الخيل [3] تعادي في أثره حتى أدركوه، فأحاطوا به وقتلوا قعصا بالرماح عفا الله عنه. وأجاز السلطان أبو العباس إلى البلد فدخلها منتصف يوم العشرين من شعبان، ولاذ الناس به من دهش الواقعة وتمسكوا بدعوته، وآتوه طاعتهم، فانجلت القيامة واستقام الأمر، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي حمو فأظهر الامتعاض لمهلكه والقيام بثأره وسير من ذلك حشوده في ارتقاء ونهض يجر الأمم إلى بجاية من العرب وزناتة والحشد حتى أناخ بها وملأت مخيماته [4] الجهات بساحتها، وجنح السلطان الى مبارزته، فتمهد به أهل البلد ولاذوا بمقامه فأسعفهم وطير البريد الى قسنطينة، فأطلق أبا زيان من الاعتقال وسوغه الملابس والمراكب والآلة، وزحف به مولاه بشير في عسكر إلى أن نزل حذاء معسكر أبي حمو واضطربوا محلهم بسفح جبل بني عبد الجبار وشنوا الغارات على معسكر أبي حمو صباحا ومساء لما كان نمي إليهم من مرض قلوب جنده والعرب الذين معه. وبدا للسلطان أبي حمو ما لم يحتسب من امتناعها، وكان تقدم إليه بعض سماسرة الفتن بوعد على لسان المشيخة من أهل البلد أطمعه فيها، ووثق بأن ذلك يغنيه عن الاستعداد، فاستبق إليها وأغفل الحزم فيما دونها، فلما امتنعت عليه

انطبق الجو على معسكره وفسدت السابلة على العير للميرة، واستجم الزبون في احياء معسكره بظهور العدو المساهم في الملك. وتفادت رجالات العرب من سوء المغبة وسطوة السلطان، فتمشوا بينهم في الانفضاض وتحينوا لذلك وقت المناوشة، وكان السلطان لما كذبه وعد المشيخة أجمع قتالهم، واضطرب الفساطيط مضايقة للأسوار، متسنمة وعرا من الجبل لم يرضه أهل الرأي. وخرج رجل الجبل على حين غفلة فجاولوا من كان بتلك الأخبية من المقاتلة فانهزموا أمامهم وتركوها بأيديهم فمزقوها بالسيوف. وعاين العرب على البعد انتهاب الفساطيط فأجفلوا وانفض المعسكر بأجمعه. وحمل السلطان أبو حمو أثقاله للرحلة فأجهضوه عنها فتركها، وانتهب مخلفه أجمع. وتصايح الناس بهم من كل حدب، وضاقت المسالك من ورائهم وأمامهم، وكظت بزحامهم، وتواقعوا لجنوبهم، فهلك الكثير منهم وكانت من غرائب الواقعات، تحدث الناس بها زمانا وسيقت حظاياه إلى بجاية، واستأثر الأمير أبو زيان منهن بحظيته الشهيرة ابنة يحيى الزابي، ينسب إلى عبد المؤمن بن علي. وكان أصهر فيها إلى أبيها أيام تقلبه في سبيل الاغتراب ببلاد الموحدين كما سبق، وكانت أعلق بقلبه من سواها، فخرجت في مغانم الأمير أبي زيان. وتحرج عن مواقعتها حتى أوجده أهل الفتيا السبيل إلى ذلك لحنث زعموا وقع من السلطان أبي حمو في نسائه. وخلص السلطان أبو حمو من هوة ذلك العصب بعد غصة الريق، ونجا إلى الجزائر لا يكاد يرد النفس من شناعة ذلك الهول. ثم خرج منها ولحق بتلمسان، واقتعد سرير ملكه واشتدت شوكة أبي زيان ابن عمه، وتغلب على القاصية واجتمعت إليه العرب، وكثر تابعه. وزاحم السلطان أبا حمو بتلك الناحية الشرقية سنين تباعا نذكر الآن أخبارها، إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن خروج أبي زيان بالقاصية الشرقية من بلاد حصين وتغلبه على المرية والجزائر ومليانة وما كان من الحروب معه) **

لما انهزم السلطان أبو حمو بساحة بجاية عشي يومه من أوائل ذي الحجة، خاتم سنة سبع وستين وسبعمائة قرع الأمير أبو زيان طبوله واتبع أثره، وانتهى إلى بلاد حصين

من زغبة. وكانوا سائمين من الهضيمة والعسف إذا كانت الدول تجريهم مجرى الرعايا المعبدة في المغرم، وتعدل بهم عن سبيل إخوانهم من زغبة أمامهم ووراءهم لبغية الغزو فبايعوه على الموت الأحمر ووقفوا بمعتصم [1] من جبل تيطري إلى أن دهمتهم عساكر السلطان. ثم أجلبوا على المرية [2] وكان بها عسكر ضخم للسلطان أبي حمو لنظر وزرائه: عمران بن موسى بن يوسف، وموسى بن برغوث، ووادفل ابن عبو بن حماد، ونازلوهم أياما ثم غلبوهم على البلد. وملكها الأمير أبو زيان ومن على الوزراء ومشيخة بني عبد الواد وترك سبيلهم إلى سلطانهم، وسلك سبيلهم الثعالبة في التجافي عن ذل المغرم، فأعطوه يد الطاعة والانقياد للأمير أبي زيان، وكانت في نفوس أهل الجزائر نفرة من جور العمال عليهم، فاستمالهم بها سالم بن إبراهيم بن نصر أمير الثعالبة إلى طاعة الأمير أبي زيان. ثم دعا أبو زيان أهل مليانة إلى مثلها فأجابوه. واعتمل السلطان أبو حمو نظره في الحركة الحاسمة لدائهم [3] ، فبعث في العرب وبذل المال، وأقطع البلاد على أشطاط منهم في الطلب. وتحرك إلى بلاد توجين ونزل قلعة بني سلامة سنة ثمان وستين وسبعمائة يحاول طاعة أبي بكر بن عريف أمير سويد. فلم يلبث عنه خالد بن عامر ولحق بأبي بكر بن عريف، واجتمعا على الخلاف عليه ونقض طاعته. وشنوا الغارة على معسكره، فاضطرب وأجفلوا وانتهبت محلاته وأثقاله، ورجع إلى تلمسان. ثم نهض إلى مليانة فافتتحها، وبعث إلى رياح على حين صاغية [4] إليه من يعقوب بن علي بن أحمد وعثمان بن يوسف بن سليمان بن علي أميري الزواودة لما كان وقع بينهما وبين السلطان مولانا أبي العباس من النفرة، فاستنظره للحركة على الأمير أبي زيان وبعدها إلى بجاية.

وضمنوا له طاعة البدو من رياح، وبعثوا إليه رهنهم على ذلك فردها وثوقا بهم، ونهض من تلمسان وقد اجتمع إليه الكثير من عرب زغبة. ولم يزل أولاد عريف بن يحيى وخالد بن عامر في أحيائهما منحرفين عنه بالصحراء. وصمم إليهم فاجفلوا أمامه، وقصد المخالفين من حصين والأمير أبا زيان إلى معتصمهم بجبل تيطري.

وأغذ إليه السير يعقوب بن علي وعثمان بن يوسف بمن معهم من جموع رياح حتى نزلوا بالقلعة حذاءهم. وبدر أولاد عريف وخالد بن عامر إلى الزواودة ليشردوهم عن البلاد قبل أن تتصل يد السلطان بيدهم، فصبحوهم يوم الخميس أخريات ذي القعدة من سنة تسع وستين وسبعمائة ودارت بينهم حرب شديدة، وأجفلت الزواودة أولا، ثم كان الظهور لهم آخرا. وقتل في المعركة من زغبة عدد، ويئسوا من صدهم عما جاءوا إليه، فانعطفوا إلى حصين والأمير أبي زيان، وصعدوا إليهم بناجعتهم، وصاروا لهم مددا على السلطان أبي حمو، وشنوا الغارة على معسكره، فصمدوا نحوه وصدقوه القتال، فاختل مصافه، وانهزمت عساكره، ونجا بنفسه إلى تلمسان على طريق الصحراء. وأجفل الزواودة إلى وطنهم، وتحيز كافة العرب من زغبة إلى الأمير أبي زيان، واتبع آثار المنهزمين، ونزل بسيرات. وخرج السلطان أبو حمو في قومه ومن بقي معه من بني عامر. وتقدم خالد إلى مصادمته ففله السلطان وأجفل القوم من ورائه. ثم تلطف في مراسلته وبذل المال له وأوسع له في الاشتراط فنزع إليه والتبس بخدمته، ورجع الأمير أبو زيان إلى أوليائه من حصين متمسكا بولاية أولاد عريف.

ثم نزع محمد بن عريف إلى طاعة السلطان، وضمن له العدول بأخيه عن مذاهب الخلاف عليه، وطال سعيه في ذلك فاتهمه السلطان وحمله خالد بن عامر عدوه على نكبته، فتقبض عليه وأودعه السجن. واستحكمت نفرة أخيه أبي بكر، ونهض السلطان بقومه وكافة بني عامر إليه سنة سبعين وسبعمائة واستغلظ أمر أبي بكر فجمع الحرث بن أبي مالك ومن وراءهم من حصين، واعتصموا بالجبال من دراك وتيطري، ونزل السلطان بجموعه لعود بلاد الديالمة من الحرث، فانتسفها والتمعها وحطم زروعها ونهب مداثرها. وامتنع عليه أبو بكر ومن معه من الحرث وحصين والأمير أبي زيان بينهم، فارتحل عنهم وعطف على بلاد أولاد عريف وقومهم من سويد فملأها عيثا، وخرب قلعة ابن سلامة لما كانت أحسن أوطانهم. ورجع عليهم إلى تلمسان وهو يرى ان كان قد شفا نفسه في أولاد عريف، وغلبهم على أوطانهم، ورجع عليهم منزلة عدوهم، فكان من لحاق أبي بكر بالمغرب وحركة بني مرين ما نذكره

** (الخبر عن حركة السلطان عبد العزيز على تلمسان واستيلائه عليها ونكبة أبي حمو وبني عامر بالدوس من بلاد الزاب وخروج أبي زيان من تيطري الى أحياء رياح) **

لما تقبض أبو حمو على محمد بن عريف وفرق شمل قومه سويد، وعاث في بلادهم أجمع، رأى أخيه الأكبر الصريخ بملك المغرب. فارتحل إليه بناجعته من بني مالك أجمع من أحياء سويد والديالم والعطاف حتى احتل بسائط ملوية من تخوم المغرب.

وسار إلى أخيه الأكبر ونزمار بمقره من قصر مرادة الذي اختطه بإرجاع وادي ملوية في ظل دولة بني مرين وتحت جوارهم لما كان ملاك أمرهم بيده، ومصادرهم عن آرائه خطة ورثها عن أبيه عريف بن يحيى مع السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن وابنه أبي عنان. فتقبل ملوك المغرب مذاهب سلفهم فيه، وتيمنوا برأيه واستأمنوا إلى نصيحته. فلما قدم عليه أخوه أبو بكر مستحفيا بملك المغرب، وأخبر باعتقال أخيه الآخر محمد، قدح عزائمه، وأوفد أخاه أبا بكر ومشيخة قومهم من بني مالك على السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن منصرفه من افتتاح جبل هنتاتة، وظفر بعامر بن محمد بن علي النازع إلى الشقاق في معتصمه، فلقوه في طريقه ولقاهم مبرة وتكرمة واستصرخوه لاستنقاذ أخيهم فأجاب صريخهم، ورغبوه في ملك تلمسان وما وراءها، فوافق صاغيته لذلك بما كان في نفسه من الموجدة على السلطان أبي حمو لقبوله كل من ينزع إليه من عربان المعقل أشياع الدولة وبدوها، وما كان بعث إليه في ذلك، وصرف عن استماعه، فاعتزم على الحركة إلى تلمسان، وألقى زمامه بيد ونزمار وعسكر بساحة فاس. وبعث الحاشدين في الثغور والنواحي من المغرب، فتواقف الحاشدون ببابه، وارتحل بعد قضاء النسك من الأضحى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة واتصل الخبر بالسلطان أبي حمو وكان معسكرا بالبطحاء، فانكفأ راجعا إلى تلمسان، وبعث في أوليائه عبيد الله والأحلاف من عرب المعقل، فصموا عن إجابته ونزعوا إلى ملك المغرب، فأجمع رأيه إلى التحيز إلى بني عامر وأجفل غرة المحرم سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة واحتل السلطان عبد العزيز تلمسان في يوم عاشوراء بعدها.

وأشار ونزمار بن عريف بتسريح العساكر في اتباعه، فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن

غازي بن السكاء [1] حتى انتهى إلى البطحاء. ثم لحق به هنالك ونزمار وقد حشد العرب كافة، وأغذ السير في اتباع السلطان أبي حمو وبني عامر، وكانوا قد أبعدوا المذهب، ونزلوا على الزواودة وسرح إليهم السلطان يومئذ عبد العزيز يحملهم على طاعته، والعدول بهم عن صحابة بني عامر وسلطانهم. وسرح فرج بن عيسى بن عريف إلى حصين لاقتضاء طاعتهم واستدعاء أبي زيان إلى حضرته، ونبذهم عهده، وانتهيا جميعا إلى أبي زيان مقدمة أوليائه [2] ، ولحق بأولاد يحيى بن علي ابن سباع من الزواودة، وانتهيت أنا إليهم فخفظت عليهم الشأن في جواره لما كانت مرضاة السلطان، وحذرتهم شأن أبي حمو وبني عامر، وأوفدت مشيختهم على ونزمار والوزير أبي بكر بن غازي فدلوهما على طريقه، فأغذوا السير وبيتوهم بمنزلهم على الدوس آخر عمل الزاب من جانب المغرب ففضوا جموعهم، وانتهبوا جميع معسكر السلطان أبي حمو بأموالهم وأمتعته وظهره. ولحق فلهم بمصاب ورجعت العساكر من هنالك، فسلكت على قصور بني عامر بالصحراء قبلة جبل راشد التي منها ربا ولون ساعون [3] إليها فأنتهبوها وخربوها وعاثوا فيها وانكفؤا راجعين إلى تلمسان. وفرق السلطان عماله في بلاد المغرب الأوسط من وهران ومليانة والجزائر والمرية وجبل وانشريس. واستوسق به ملكه ونزع عنه عدوه، ولم يبق به يومئذ إلا ضرمة من نار الفتنة ببلاد مغراوة بوعد من ولد علي بن راشد، سخط خالد في الديوان ولحق بجبل بني سعيد. واعتصم به فجهز السلطان الكتائب لحصاره، وسرح وزيره عمر بن مسعود لذلك كما ذكرناه في أخبار مغراوة. واحتقر شأنه. وأوفدت أنا عليه يومئذ مشيخة الزواودة، فأوسعهم حباء وكرامة، وصدروا مملوءة حقائبهم خالصة قلوبهم منطلقة بالشكر ألسنتهم. واستمر الحال إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان الى تيطري واجلاب أبي حمو على تلمسان ثم انهزامهما وتشريدهما على سائر النواحي) **

كان بنو عامر من زغبة شيعة خالصة لبني عبد الواد من أول أمرهم، وخلص سويد لبني مرين كما قدمناه، فكان من شأن عريف وبنيه عند السلطان أبي الحسن وبنيه ما هو معروف. فلما استبيحت أحياؤهم بالدوس مع أبي حمو، ذهبوا في القفر إشفاقا ويأسا من قبول بني مرين عليهم لما كان ونزمار بن عريف وإخوانه من الدولة، فحدبوا على سلطانهم أبي حمو يتقلبون معه في القفار. ثم نزع إليهم رحو بن منصور فيمن أطاعه من قومه عبيد الله من المعقل، وأجلبوا على وجدة فاضطرم النفاق على الدولة نارا، وخشي حصين مغبة أمرهم من السلطان بما تسموا به من الشقاق والعناد، فمدوا أيديهم إلى سلطانهم أبي زيان، وأوفد مشيختهم لاستدعائه من حلة أولاد يحيى بن علي فاحتل بينهم وأجلبوا به على المرية فملكوا نواحيها، وامتنع عليهم مصرها، واستمر الحال على ذلك واضطرب المغرب الأوسط على السلطان، وانتقضت به طاعته وسرح الجيوش والعساكر إلى قتال مغراوة وحصين، فأجمع أبو حمو وبنو عامر على قصده بتلمسان حتى إذا احتلوا قريبا منها دس السلطان عبد العزيز بعض شيعته إلى خالد بن عامر وزغبة في المال والحظ منه، وكان أبو حمو قد آسفه بمخالطة بعض عشيرة وتعقب رأيه برأي من لم يسم إلى خطته. ولم يرتض كفاءته فجنح إلى ملك المغرب، ونزع يده من عهد أبي حمو، وسرح السلطان عبد العزيز عسكره إلى خالد فأوقع بأبي حمو ومن كان من العرب عبيد الله وبني عامر، وانتهب معسكره وأمواله، واحتقبت حرمه وحظاياه إلى قصر السلطان، وتقبض على مولاه عطية، فمن عليه السلطان وأصاره في حاشيته ووزرائه، وأصفقت زغبة على خدمة ملك المغرب وافق هذا الفتح عند السلطان فتح بلاد مغراوة، وتغلب وزيره أبو بكر بن غازي على جبل بني سعيد، وتقبض على حمزة بن علي بن راشد في لمة من أصحابه، فضرب أعناقهم وبعث بها إلى سدة السلطان، وصلب أشلاءهم بساحة مليانة معظم الفتح واكتمل الظهور. وأوعز السلطان إلى وزيره أبي بكر بن غازي بالنهوض إلى

حصين، فنهض إليهم وخاطبني وأنا مقيم ببسكرة في دعايته بأن احتشد أولياءه من الزواودة ورياح، والتقى الوزير والعساكر على حصن تيطري، فنازلناه أشهرا. ثم انفض جمعهم وفروا من حصنهم، وتمزقوا كل ممزق، وذهب أبو زيان على وجهه، فلحق ببلد واركلا قبلة الزاب لبعدها عن منال الجيوش والعساكر، فأجاروه وأكرموا نزله. وضرب الوزير على قبائل حصين والثعالبة المغارم الثقيلة، فأعطوها عن يد وجهضهم باقتضائها، ودوخ قاصية الثغور ورجع إلى تلمسان عالي الكعب عزيز السلطان ظاهر اليد. وقعد له السلطان بمجلسه يوم وصوله قعودا فخما، وصل فيه إليه، وأوصل من صحبه من وفود العرب والقبائل فقسم فيهم بره وعنايته وقبوله على شاكلته. واقتضى من أمراء العرب زغبة أبناءهم الأعزة رهنا على الطاعة، وسرحهم لغزو أبي حمو بمنتبذه من تيكورارين فانطلقوا لذلك، وهلك السلطان عبد العزيز لليال قلائل من مقدم وزيره، وعساكره أواخر شهر ربيع الآخر من سنة أربع وسبعين وسبعمائة لمرض مزمن كان يتفادى بالكتمان والصبر من ظهوره. وانكفأ بنو مرين راجعين إلى ممالكهم بالمغرب بعد أن بايعوا لولده دراجا حماسيا، ولقبوه بالسعيد وجعلوا أمره إلى الوزير أبي بكر بن غازي، فملك أمرهم عليهم واستمرت حاله كما نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن عود السلطان أبي حمو الأخير الى تلمسان الكرة الثالثة لبني عبد الواد في الملك) **

لما هلك السلطان عبد العزيز ورجع بنو مرين إلى المغرب، نصبوا من أعياص بني يغمراسن لمدافعة أبي حمو من بعدهم عن تلمسان، إبراهيم بن السلطان أبي تاشفين، كان ناشئا بدولتهم مذ هلك [1] أبوه. وتسلل من جملتهم عطية بن موسى مولى السلطان أبي حمو وخالفهم إلى البلد غداة رحيلهم، فقام بدعوة مولاه ودافع إبراهيم بن تاشفين عن مرامه، وبلغ الخبر أولياء السلطان أبي حمو من عرب المعقل أولاد يغمور بن عبيد الله، فطيروا إليه النحيب على حين غلب عليه اليأس. وأجمع الرحلة إلى بلاد السودان لما بلغه من اجتماع العرب للحركة عليه كما قلناه، فأغذ السير

من مطرح اغترابه. وسابقه ابنه ولي عهده في قومه عبد الرحمن أبو تاشفين مع ظهيرهم عبد الله بن صغير فدخلوا البلد، وتلاهم السلطان لرابعة دخولهم، وعاود سلطانه واقتعد أريكته، وكانت إحدى الغرائب وتقبض ساعتئذ على وزرائه، اتهمهم بمداخلة خالد بن عامر فيما نقض من عهده وظاهر عليه عدوه، فأودعهم السجن وذبحهم ليومهم حنقا عليهم. واستحكم لها نفرة خالد وعشيرته، وحصلت ولاية أولاد عريف بن يحيى لمنافرة بني عامر إياه، وإقبال السلطان عبد العزيز عليه، ووثق بمكان ونزمار كبيرهم في تسكين عادية ملوك المغرب عليه [1] . ورجع إلى تمهيد وطنه، وكان بنو مرين عند انفضاضهم إلى مغربهم قد نصبوا من اقتال مغراوة، ثم بني منديل علي بن هارون بن ثابت بن منديل وبعثوه إلى شلف مزاحمة للسلطان أبي حمو، ونقضا لأطراف ملكه. وأجلب أبو زيان ابن عمه على بلاد حصين، فكان من خبره معهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن رجوع أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد إلى بلاد حصين ثم خروجه عنها) **

كان الأمير أبو زيان ابن السلطان أبي سعيد، لما هلك السلطان عبد العزيز وبلغه الخبر بمنجاته من واركلا، نهض منها إلى التلول، واسف إلى الناحية التي كان منتزيا بها مساهما لأبي حمو فيها، فاقتطعت لدعوته كما كانت، ورجع أهلها إلى ما عرفوا من طاعته، فنهض السلطان أبو حمو لتمهيد نواحيه وتثقيف أطراف ملكه، ودفع الخوارج عن ممالكه، وظاهره على ذلك أمير البدو من زغبة أبو بكر ومحمد ابنا عريف بن يحيى، دس إليهما بذلك كبيرهما ونزمار، وأخذهما بمناصحة السلطان ومخالصته، فركبا من ذلك أوضح طريق وأسهل مركب. ونبذ السلطان العهد إلى خالد وعشيرة، فضاقت عليهم الأرض ولحقوا بالمغرب لسابقة نزوعهم إلى السلطان عبد العزيز. وابتدأ السلطان بما يليه، فأزعج بمظاهرتهما علي بن هارون عن أرض شلف سنة خمس وسبعين وسبعمائة بعد حروب هلك في بعضها أخوه رحمون بن

هارون. وخلص إلى بجاية، فركب منها السفن إلى المغرب، ثم تخطى السلطان أبو حمو إلى ما وراء شلف. وسفر محمد بن عريف بينه وبين ابن عمه بعد أن نزع إليه الكثير من أوليائه حصين والثعالبة بما بذل لهم من الأموال، وبما سئموا من طول الفتنة، فشارطه على الخروج من وطنه إلى جيرانهم من رياح على أتاوة وتحمل اليه، فقبل ووضع أوزار الحرب، وفارق مكان ثورته، وكان لمحمد بن عريف فيها أثر محمود، واستألف سالم بن إبراهيم كبير الثعالبة المتغلب على بسيط متيجة وبلد الجزائر، بعد أن كان خب في الفتنة، وأوضع فاقتضى له من السلطان عهده من الأمان والولاية على قومه وعمله. وقلد السلطان أبناءه ثغور أعماله. فأنزل ابنه بالجزائر لنظر سالم بن إبراهيم من تحت استبداده، وابنه أبا زيان بالمدية، وانقلب السلطان إلى حضرته بتلمسان بعد أن دوخ قاصيته، وثقف أطراف عمله، وأصلح قلوب أوليائه واستألف شيعة عدوه، فكان فتحا لا كفاء له من بعد ما خلع من ربقة الملك، ونزع من شرع [1] السلطان وانتبذ من قومه وممالكه إلى قاصية الأرض، ونزل في جوار من لا ينفذ أمره ولا يقوم بطاعته. والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء.

** (الخبر عن اجلاب عبد الله بن صغير وانتقاض أبي بكر بن عريف وبيعتهما للأمير أبي زيان ورجوع أبي بكر الى الطاعة) **

كانت خالد بن عامر وابن أخيه عبد الله بن صغير وسائر إخوانهم من ولد عامر بن إبراهيم قد لحقوا بالمغرب صرخى ببني مرين لما وقع بينهم وبين أبي حمو من الفعلة التي فعل خالد معه. ويئس عبد الله بن صغير من صريخهم بما عقد ونزمار بن عريف من السلم بين صاحب المغرب وصاحب تلمسان، فخاض القفر بمن معه من قومه ولحق بوطن زغبة، وأجلب على جبل راشد وبه العمور أحلاف سويد من بني هلال.

فاعترضتهم سويد ودارت بينهم حرب شديدة، كان الظهور فيها لسويد عليهم. وفي خلال ذلك فسد ما بين السلطان وبين أبي بكر بن عريف بسبب صاحب جبل

وانشريس يوسف بن عمر [1] بن عثمان، أراده السلطان على النزول عن عمله، فغضب له أبو بكر لقديم الصداقة بين سلفهما، ووصل يده بعبد الله بن صغير بعد الواقعة. ودعاه إلى بيعة أبي زيان فأجابه وأوفدوا رجالاتهم عليه بمكانه من مجالات رياح، فوصلوه معهم ونصبوه للأمر، وتحيز محمد بن عريف إلى السلطان في جموع سويد. ونهض السلطان من تلمسان سنة سبع وسبعين وسبعمائة فيمن معه من قبائل بني عبد الواد وعرب المعقل وزغبة، ودس إلى أولياء أبي زيان يرغبهم في المواعد.

وحكم أبا بكر في الاشتراط عليه ففاء إلى الطاعة والمخالصة. ورجع أبو زيان إلى مكانه من حلل الزواودة، وأغذ السلطان السير إلى حضرته فتملى أريكته، وحدث بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن وصول خالد بن عامر من المغرب والحرب التي دارت بينه وبين سويد وأبي تاشفين هلك فيها عبد الله بن صغير وإخوانه) **

لما بلغ خالد بن عامر بمكانه من المغرب خبر عبد الله ابن أخيه صغير، قفل من المغرب يئسا من مظاهرة بني مرين فخفق السعي في صريخه بهم لما كانوا عليه من افتراق الأمر كما ذكرناه قبل. ووصل معه ساسي بن سليم في قومه بني يعقوب، وتظاهر الحيان على العيث في بلاد أبي حمو. واجتمع إليهم أبناء الفتنة من كل أوب، فأجلبوا على الأطراف وشنوا الغارة في البلاد، وجمع أولاد عريف لحربهم قومهم من سويد وأحلافهم من العطاف، وبعثوا بالصريخ إلى السلطان فسير لحرب عدوه وعدوهم ابنه أبا تاشفين ولي عهده في قومه، وبرز لذلك في العساكر والجنود. ولما انتهى إلى بلاد هوارة، واضطرب عسكره بها، أعجله صريخ أوليائه عن مناخ الركاب، فاستعجل الرحلة ولحق بأوليائه أولاد عريف ومن معهم من أشياع الدولة من زغبة.

وأغذوا السير إلى واد هناك شرقي القلعة، فتلاقى [2] الجمعان وتواقفوا للقاء سائر

يومهم. واستضاءوا بإضرام النيران مخافة البيات، وأصبحوا على التعبية. وتمشت الرجالات في مواضعة الحرب، فأعجبهم مناشبة القوم، وتزاحفت الصفوف، وأعلم الكماة، وكشفت الحرب عن ساقها، وحمي الوطيس، وهبت الريح المبشرة، فخفقت لها رايات الأمير وهدرت طبوله، ودارت رحى الحرب وصمدت إليها كتائب العرب، فبرئ [1] فيها الأبطال منهم وانكشفوا، وأجلت المعركة عن عبد الله ابن صغير صريعا، فأمر أبو تاشفين فاحتز رأسه وطير به البريد إلى أبيه. ثم عثرت المواكب بأخيه ملوك بن صغير مع العباس ابن عمه موسى بن عامر، ومحمد بن زيان من وجوه عشيرتهم متواقعين بجنودهم متضاجعين في مراقدهم كأنما أقعدوا للردي، فوطأتهم سنابك الخيل وغشيهم قتام المراكب. وأطلقت العساكر أعنتها في اتباع القوم فاستاقوا نعمهم وأموالهم. وكثرت يومئذ الأنفال، وغشيهم الليل فتستروا بجناحه. ولحقهم فلهم بجبل راشد، وأطرب أبو تاشفين أباه بمشتهى ظهوره وأملاه السرور بما صنع الله على يده، وما كان له ولقومه من الأثر في مظاهرة أوليائه. وطار له بها ذكر على الأيام، ورجع إلى أبيه بالحضرة مملوء الحقائب بالأنفال والجوانح بالسرور والأيام بالذكر عنه وعن قومه، ومضى خالد لوجهه في فل من قومه. ولحق بجبل راشد إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن انتقاض سالم بن إبراهيم ومظاهرته خالد بن عامر على الخلاف وبيعتهما للأمير أبي زيان ثم مهلك خالد ومراجعة سالم الطاعة وخروج أبي زيان الى بلاد الجريد) **

كان سالم بن إبراهيم هذا كبير الثعالبة المتغلبين على حصن متيجة منذ انقراض مليكش، وكانت الرئاسة فيهم لأهل بيته حسبما ذكرناه في أخبارهم عند ذكر المعقل. ولما كانت فتنة أبي زيان بعد نكبة أبي حمو على بجاية، وهبت ريح العرب واستغلظ أمرهم، وكان سالم هذا أول من غمس يده في تلك الفتنة، ومكر بعلي بن غالب من بيوتات الجزائر، كان مغربا عنها منذ تغلب بني مرين على المغرب الأوسط

أيام بني عثمان [1] ولحق بها عند ما أظلم الجو بالفتنة، واستحكمت نفرة أهل الجزائر عن أبي حمو، فأظهر بها الاستبداد واجتمع بها إليه الأوشاب والطغام. ونكره سالم أمير الضاحية أطمعه في الاستيلاء على الجزائر، فداخل في شأنه الملأ من أهل المدينة، وحذرهم منه أنه يروم الدعوة للسلطان أبي حمو، فاستشاطوا نفرة وثاروا به، حتى إذا رأى سالم أنه قد أحيط به خلصه من أيديهم وأخرجه إلى حيه. وأبلغه [2] هنالك. وحول دعوة الجزائر إلى الأمير أبي زيان تحت استبداده، حتى إذا كان من أمر بني مرين وحلول السلطان عبد العزيز بتلمسان كما قدمناه، أقام دعوتهم في الجزائر إلى حين مهلكه ورجوع أبي حمو إلى تلمسان. وأقبل جيش أبي زيان إلى تيطري، فأقام سالم هذا دعوته في أحيائه وفي بلد الجزائر، خشية على نفسه من السلطان أبي حمو، لما كان يعتمد عليه في الادالة من أمره بالجزائر بأمر ابن عمه. ولما كان من خروج أبي زيان إلى أحياء رياح على يد محمد بن عريف ما قدمناه. واقتضى سالم عهده من السلطان، وولي سالم على الجزائر، أقام سالم على أمره من الاستبداد بتلك الأعمال واستضافة جبايتها لنفسه، وأوعز السلطان إلى سائر عماله باستيفاء جبايتها، فاستراب وبقي في أمره على المداهنة.

وحدثت إثر ذلك فتنة خالد بن عامر، فتربص دوائرها رجاء أن يكون الغلب له، فيشغل السلطان عنه. ثم بدا له ما لم يحتسب، وكان الغلب للسلطان ولأوليائه. وكان قد حدثت بينه وبين بني عريف عداوة خشي أن يحمل السلطان على النهوض إليه، فبادر إلى الانتقاض على أبي حمو، واستقدم الأمير أبو زيان فقدم عليه وجأجأ بخالد بن عامر من المخالفين معه من العرب، فوصلوا إليه أول سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وعقد بينهم حلفا مؤكدا، وأقام الدعوة للأمير أبي زيان بالجزائر. ثم زحفوا إلى حصار مليانة وبها حامية السلطان فامتنعت عليهم، ورجعوا إلى الجزائر فهلك خالد بن عامر على فراشه ودفن بها، وولي أمر قومه من بعده المسعود ابن أخيه صغير، ونهض إليهم السلطان أبو حمو من تلمسان في قومه وأوليائه من العرب، فامتنعوا بجبال حصين وناوشتهم جيوش السلطان القتال بأسافل الجبل فغلبوهم عليها، وانفضت الناجعة عنهم من الديالم والعطاف وبني عامر، فلحقوا بالقفر.

ورأى سالم أصحابه أن قد أحيط بهم فلاذ بالطاعة، وحمل عليها أصحابه. وعقد لهم السلطان من ذلك ما أرادوه على أن يفارقوا الأمير أبا زيان ففعلوا. وارتحل عنهم فلحق ببلاد المغرب ريغ، ثم أجازها إلى نفطة من بلاد الجريد، ثم إلى توزر، فنزل على مقدمها يحيى بن يملول، فأكرم نزله وأوسع قراره إلى أن كان من أمره ما نذكر.

ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان وفي نفسه من سالم حرارة لكثرة اضطرابه ومراجعته الفتن، حتى توسط فصل الشتاء، وأبعدت العرب في مشاتيها، فنهض من تلمسان في جيوش زناتة، وأغذ السير فصبح بحصن متيجة بالغارة الشعواء. وأجفلت الثعالبة فلحقوا برءوس الجبال وامتنع سالم بجبل بني خليل. وبعثوا ابنه وأولياءه إلى الجزائر فامتنعوا بها وحاصروه أياما. ثم غلبوه على مكامنه. فانتقل إلى بني ميسرة من جبال صنهاجة. وخلف أهله ومتاعه، وصار الكثير من الثعالبة إلى الطاعة، وابتهلوا بأمان السلطان وعهده إلى فحص متيجة، وبعث هو أخاه ثانيا إلى السلطان بانتقاضه العهد [1] ، ونزل من رأس ذلك الشاهق إلى ابنه أبي تاشفين فأوصله إلى السلطان إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان، فأخفر عهده وذمة ابنه، وتقبض عليه صبيحة ليلته. وبعث قائده إلى الجزائر فاستولى عليها وأقام دعوته بها، وأوفد عليه مشيختها فتقبض عليهم، وعقد على الجزائر لوزيره موسى بن مرعوت [2] ، ورجع إلى تلمسان فقضى بها عيد النحر، ثم أخرج سالم بن إبراهيم من محبسه إلى خارج البلد، وقتل قعصا بالرماح، ونصب شلوه وأصبح مثلا للآخرين، ولله البقاء.

وعهد السلطان لابنه المنتصر على مليانة وأعمالها، ولابنه أبي زيان على وهران.

وراسله ابن يملول صاحب توزر، وصهره ابن قرى صاحب بسكرة وأولياؤهما من الكعوب والزواودة لما أهمهم أمر السلطان أبي العباس، وخافوه على أمصارهم فراسلوا أبا حمو يضمنون له مسالمة أبي زيان على أن يوفي لهم بما اشترط له من المال، وعلى أن يشب نار الفتنة من قبله على بلاد الموحدين ليشغل السلطان أبا العباس عنهم على حين عجزه [3] وضعف الدولة عنه. فأوهمهم من نفسه القدرة وأطمعهم في ذلك.

وما زال يراجعهم ويراجعونه بالمقاربة والوعد إلى أن أحيط بابن يملول، واستولى السلطان على بلده فلحق ببسكرة وهلك بها لسنة من خروجه آخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة وبقي ابن مزني من بعده متعللا بتلك الأماني الكاذبة إلى أن ظهر أمره وتبين عجزه، فراجع طاعة السلطان أبي العباس واستقام على الموادعة، ولحق الأمير أبو زيان بحضرة السلطان بتونس فنزل بها أكرم نزل مؤملا منه المظاهرة على عدوه.

والحال بالمغرب الأوسط لهذا العهد على ما شرحناه مرارا من تغلب العرب على الضواحي والكثير من الأمصار. وتقلص ظل الدولة عن القاصية وارتدادها على عقبها إلى مراكزها بسيف البحر، وتضاؤل قدرتها على قدرتهم، وإعطاء اليد في مغالبتهم ببذل رغائب الأموال. وإقطاع البلاد والنزول عن الكثير من الأمصار، والقنوع بالتغريب بينهم وإغراء بعضهم ببعض والله ولي الأمور.

** (قسمة السلطان للأعمال بين ولده وما حدث بينهم من التنافس) **

كان لهذا السلطان أبي حمو جماعة من الولد كبيرهم أبو تاشفين عبد الرحمن. ثم بعده أربعة لأم واحدة، كان تزوجها بميلة من أعمال قسنطينة أيام جولته في بلاد الموحدين، كبيرهم المنتصر. ثم أبو زيان محمد، عمر ويلقب عميرا، ثم بعد ولد كثيرون أبناء علات. وكان أبو تاشفين ولي عهده، وقد رفعه على الباقين وأشركه في رأيه [1] ، وأوجب له الحق على وزراء دولته، فكان لذلك رديفه في ملكه ومظهر سلطانه. وكان مع ذلك يتعاهد أولئك الإخوة الأشقاء بحنوه، ويقسم لهم من ترشيحه والنجاء في خلوته، فتنغص أبو تاشفين منهم، فلما استفحل أمر السلطان وانمحت من دولته آثار الخوارج [2] ، أعمل نظره في قسمة الأعمال بين ولده وترشيحهم للإمارة والبعد بهم عن أخيهم أبي تاشفين، أن يصيبهم بمكروه عند إيناس الغيرة منهم، فولى المنتصر كبيرهم على مليانة وأعمالها، وأنفذه إليها ومعه أخوه عمر الأصغر في كفالته، وولى أخاهما الأوسط أبا زيان على المرية وما إليها من بلاد

حصين. وولى ابنه يوسف ابن الزابية على تدلس وما إليها من آخر أعماله. واستقر أمرهم على ذلك. ثم كان من انتقاض سالم الثعلبي بالجزائر ما قدمناه، فنمي إلى السلطان أن ابنه أبا زيان داخله في الخلاف، فلما فرغ من أمر سالم كما مر وطرد أبا زيان ابن عمه عن أعماله إلى الجريد، أعمل نظره في نقل ابنه أبي زيان من المرية إلى ولاية وهران وأعمالها بعدا له عن العرب المجلبين في الفتن، وأنزل معه بعض وزرائه عينا عليه، وأقام واليا عليها والله أعلم.

** (وثبة أبي تاشفين بيحيى بن خلدون كاتب أبيه) **

كان أول شيء حدث من منافسة أبي تاشفين لإخوته، أن السلطان لما ولى ابنه أبا زيان على وهران وأعمالها طلبه أبو تاشفين في ولايتها لنفسه فأسعفه ظاهرا، وعهد إلى كاتبه يحيى بن خلدون بمماطلته في كتابها حتى يرى المخلص من ذلك، فأقام الكاتب يطاوله. وكان في الدولة لئيم من سفلة الشرط يدعى بموسى بن يخلف، صحبهم أيام الاغتراب بتيكورارين أيام ملك تلمسان عليهم السلطان عبد العزيز بن السلطان أبي الحسن كما مر. وخلاله وجه السلطان أبي حمو وابنه، فتقرب إليه بخدمته ورعاها له. فلما رجع السلطان إلى تلمسان بعد مهلك عبد العزيز قدمه وآثره واستخلصه، فكان من أخلص بطانته. وكان أبو تاشفين أيضا استخلصه وجعله عينا على أبيه.

وكان هو أيضا يغص بابن خلدون كاتب السلطان، ويغار من تقدمه عنده ويغري به أبا تاشفين جهده، فدس إليه أثناء هذه المطاولة أن الكاتب ابن خلدون إنما مطله بالكتاب خدمة لأبي زيان أخيه وإيثارا له عليه، فاستشاط له أبو تاشفين، وترصد له منصرفه من القصر إلى بيته بعد التراويح في احدى ليالي رمضان سنة ثمانين وسبعمائة في رهط من الأوغاد، كان يطوف بهم في سكك المدينة، ويطرق معهم بيوت أهل السر والحشمة في سبيل الفساد، فعرضوا له وطعنوه بالخناجر حتى سقط عن دابته ميتا. وغدا الخبر على السلطان صبيحة تلك الليلة فقام في ركائبه وبث الطلب عن أولئك الرهط في جوانب المدينة. ثم بلغه أن ابنه أبا تاشفين صاحب الفعلة، فأغضى وطوى عليها جوانحه، وأقطع أبا تاشفين مدينة وهران كما وعده. وبعث ابنه أبا زيان

على بلاد حصين والمرية كما كان. ثم طلب أبو تاشفين من أبيه أن تكون الجزائر خالصة له فأقطعه إياها، وأنزل بها من إخوته يوسف ابن الزابية بما كان شيعة له من بينهم وفيئة في صحبته ومخالصته، فأقام واليا عليها، والله أعلم.

** (حركة أبي حمو على ثغور المغرب الأوسط ودخول ابنه أبي تاشفين الى جهات مكناسة) **

كان أبو العباس بن السلطان أبي سالم ملك بني مرين بالمغرب الأقصى قد نهض في عساكره سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة [1] الى مراكش، وبها الأمير عبد الرحمن بن يفلوس ابن السلطان أبي علي مقاسمة في نسبه وملكه. وكان قد سوغ له مراكش وأعمالها عند ما أجلب معه على البلد الجريد سنة خمس وسبعين وسبعمائة كما في أخبارهم. واستقر الأمير عبد الرحمن بمراكش. ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أحمد، ونهض إليه من فاس فحاصره أولا وثانيا يفرج فيهما عنه. ثم نهض إليه سنة أربع وثمانين وسبعمائة فحاصره وأخذ بمخنقه وأطال حصاره. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير المعقل من العرب منتقضا على السلطان وقد بعث السلطان العساكر إلى أحيائه، فهزموه وخربوا بيوته وبساتينه بسجلماسة ورجعوا. وأقام هو بصحرائه منتقضا. فلما جهد الحصار الأمير عبد الرحمن بمراكش، بعث أبا العشائر ابن عمه منصور بن السلطان أبي علي إلى يوسف بن علي بن غانم، ليجلب به على فاس وبلاد المغرب، فيأخذ بحجزة السلطان عنه وينفس من مخنقه، فسار يوسف بن على مع أبي العشائر إلى السلطان أبي حمو بتلمسان يستنجده على هذا الغرض لقدرته عليه دون العرب، بما له من العساكر والأبهة، فأنجده على ذلك. وقدم ابنه أبا تاشفين معهم، وخرج هو في أثرهم، فساروا إلى المغرب. ونزل يوسف بن علي بقومه قريبا من مكناسة، ومعه الأميران أبو العشائر وأبو تاشفين. وجاء أبو حمو من خلفهم فحصر تازى سبعا، وخرب قصر تازروت المعد هنالك لنزل السلطان.

وكان السلطان قد استخلف على فاس في مغيبه علي بن مهدي العسكري من عمال

دولته ووجوه قبيله، وكان هنالك عرب المنبأة [1] من المعقل قد أخذوا الميرة، فأهاب بهم ونزمار بن عريف ولي الدولة من عرب سويد، وهو نازل بقصر مرادة من جوار [2] تازى، فاستألفهم لمدافعة أبي حمو وابنه. وخرج بهم علي بن مهدي. ثم وصل الخبر باستيلاء السلطان على مراكش منتصف خمس وثمانين وسبعمائة فأجفل أبو تاشفين وأبو العشائر ومن معهما من العرب، واتبعهم علي بن مهدي بمن معه من المنباة. وأجفل أبو حمو على تازى ومر بمرادة على قصر ونزمار فهدمه وعاث فيه، وانكفأ راجعا إلى تلمسان. وفارق ابنه أبو تاشفين أصحابه أبا العشائر والعرب ولحق بأبيه إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (نهوض السلطان أبي العباس صاحب المغرب إلى تلمسان واستيلاؤه عليها واعتصام أبي حمو بجبل تاحجموت [3] ) **

لما استولى السلطان أبو العباس على مراكش كما قلناه، رجع إلى دار ملكه بفاس وقد آسفه السلطان أبو حمو باجلابه على وطنه هو وابنه أبو تاشفين مع العرب أيام مغيبه بمراكش، فأجمع الرحلة إلى تلمسان، وخرج في عساكره. وراجع يوسف بن علي الطاعة ورحل معه في جموعه. وبلغ الخبر إلى السلطان أبي حمو فتردد بين الحصار بتلمسان أو مفارقتها. وكان بينه وبين ابن الأحمر صاحب الأندلس مواصلة، ولابن الأحمر دالة على السلطان أبي العباس كما مر. فكان يحفظ له الشأن في قصد تلمسان ويلبثه عنها فيعطيه المقادة في ذلك، فيعلل هو السلطان أبا حمو بأن السلطان أبا العباس لا يصل إليه. ثم أجمع السلطان أبو العباس أمره، ونهض على حين غفلة مغذا إلى تلمسان. وتقدم الخبر إلى أبي حمو فأجمع مفارقة تلمسان بعد أن أظهر لأوليائه وأهل دولته أنه على الحصار. ثم خرج حين غشية الليل الى معسكره بالصفيف، وافتقده أهل بلده من صبيحتهم، فتبادر أكثرهم إليه متعلقين بأذياله خوفا من معرة العدو، ثم ارتحل يطوي المراحل إلى البطحاء، ودخل السلطان أبو

العباس تلمسان واستولى عليها، وجهز العساكر لاتباع أبي حمو وقومه، فأجفل من البطحاء ولحق بتاحجموت فاعتصم بمعقلها ولحق به ابنه المنتصر من مليانة بما كان معه من الذخيرة، فاستمد بها وأقام هناك عازما على الامتناع والله تعالى أعلم.

** (رجوع السلطان أبي العباس الى المغرب واختلال دولته ورجوع السلطان أبي حمو الى ملكه بتلمسان) **

كان السلطان أبو العباس لما استولى على مملكة تلمسان، طير كتبه ورسله بفتحها إلى ابن الأحمر صاحب الأندلس، ويعتذر إليه من مخالفة رأيه في الحركة إليها. وقد كان ابن الأحمر آسفه ذلك إلى ما انتظم إليه من النزعات الملوكية التي يؤسف بها بعضهم بعضا، وهو يطوي جوانحه عليها، واطلع على فساد طاقة السلطان أبي العباس في أهل دولته وفقد [1] ضمائرهم له، فأزعج لوقته موسى ابن السلطان أبي عنان من أعياص ملكهم، كان عنده بالأندلس، وجهزه بما يحتاج إليه وبعث في خدمته مسعود بن رحو بن ماسالي [2] وزيرهم المشهور، وأركبه السفن إلى سبتة، فنزلوا بساحتها أول ربيع سنة ست وثمانين وسبعمائة واستولوا عليها. ثم تقدموا إلى فاس فنازلوا دار الملك أياما وبها محمد بن حسن كاتب محمد بن عنان القائم بدولة السلطان أبي العباس والمستبد عليه، واشتدوا في حصارها وتوافت إليهم الأمداد والحشود فداخله الخور وألقي بيده، وداخل السلطان موسى إلى دار الملك تاسع عشر ربيع الأول من السنة، وجلس على أريكته، وآتاه الناس طاعتهم. وطار الخبر إلى السلطان أبي العباس بتلمسان وقد تجهز لاتباع أبي حمو، ونزل على مرحلة من تلمسان بعد أن أغراه ونزمار بن عريف أمير سويد بتخريب قصور الملك بتلمسان، وكانت لا يعبر عن حسنها، اختطها السلطان أبو حمو الأول وابنه أبو تاشفين، واستدعى لها الصناع والفعلة من الأندلس لحضارتها وبداوة دولتهم يومئذ بتلمسان، فبعث إليهما السلطان أبو الوليد صاحب الأندلس بالمهرة والحذاق من أهل صناعة البناء بالأندلس، فاستجادوا لهم القصور والمنازل والبساتين بما أعيا على الناس بعدهم أن يأتوا بمثله،

فأشار ونزمار على السلطان أبي العباس بتخريب هذه القصور وأسوار تلمسان انتقاما بزعمه من أبي حمو، وأخذا بالثأر منه فيما أعتمده من تخريب قصر الملك بتازى، وتخريب قصره هو بمرادة، فأتى عليها الخراب أسرع من لمح البصر. وبينما هو في ذلك وهو يروم السفر لاتباع أبي حمو، إذ جاءه الخبر بأن السلطان موسى ابن عمه السلطان أبي عنان قد استولى على دار ملكهم بفاس، واقتعد أريكتهم، فكر راجعا إلى المغرب لا يلوي على شيء، وترك تلمسان لشأنها، وكان من أمره ما يأتي ذكره في أخبارهم، وطار الخبر إلى السلطان أبي حمو بمكانه من تاحجموت، فاغذ السير إلى تلمسان ودخلها، وعاد إلى ملكه بها، وتفجع لتلك القصور بما ذهب من رونق حسنها، وراجع دولته بني عبد الواد وسلطانهم بتلمسان والله سبحانه وتعالى أعلم.

** (تجدد المنافسة بين أولاد السلطان أبي حمو ومجاهرة أبي تاشفين بذلك لهم ولأبيه) **

كان التنافس بين هؤلاء الأولاد خفيا على الناس بما كان السلطان أبوهم يؤامل بينهم ويداري بعضهم عن بعض. فلما خرجوا أمام بني مرين وعادوا إلى تلمسان صار تنافسهم إلى العداوة. واتهم أبو تاشفين أباه بممالأة إخوته عليه، فشمر لعقوقه وعداوته! وشعر السلطان بذلك فأعمل الحركة إلى ناحية البطحاء موريا بإصلاح العرب، ومعتزما على لقاء ابنه المنتصر بمليانة جناحه، ويتخطى إلى الجزائر فيجعلها دار ملكه بعد أن استخلف بتلمسان ابنه أبا تاشفين وحالفه على المناصحة. واطلع موسى بن يخلف على خبيئة السلطان بذلك، فدس بها إلى أبي تاشفين على عادته، فطار به الأسف كل مطار وأغذ السير من تلمسان فيمن معه من العسكر، وصبح أباه بأسافل البطحاء قبل أن يتصل بالمنتصر، وكشف القناع عن التكبر والتسخط على ما بلغه، فحلف له السلطان على ذلك وأرضاه بالرجوع معه إلى تلمسان فرجعا جميعا.

** (خلع السلطان أبي حمو واستبداد ابنه أبي تاشفين بالملك واعتقاله إياه) **

ولما رجع السلطان من البطحاء وبطل ما كان يؤمله من الاتصال بالمنتصر، دس إليه

مع خالصة من أهل دولته يعرف بعلي بن عبد الرحمن بن الكليب بأحمال من المال يودعها إلى أن يجد السبيل لحاجة نفسه. وكتب له بولاية الجزائر ليقيم بها حتى يخلص إليه. واطلع موسى على ذلك فأطلع أبا تاشفين على الخبر، فبعث في أثره من حاشيته من اغتال ابن الكليب وجاء إليه بالمال والكتب، فاطلع منها على حقيقة أمرهم وأنهم متربصون به، فاستشاط وجاهر أباه وغدا عليه بالقصر، فأوقفه على الكتاب وبالغ في عذله. وتحيز موسى بن يخلف إلى أبي تاشفين، وهجر باب السلطان وأغرى به ابنه فغدا على أبيه بالقصر بعد أيام وخلعه، وأسكنه بعض حجر القصر، ووكل به، واستخلص ما كان معه من الأموال والذخيرة. ثم بعث به إلى قصبة وهران فاعتقله بها، واعتقل من حضر بتلمسان من إخوته، وذلك آخر ثمان وثمانين وسبعمائة وبلغ الخبر إلى المنتصر بمليانة وأبي زيان وعمير، فلحقوا بقبائل حصين واستذموا بهم، فأذموهم وأنزلوهم عندهم بجبل تيطري. وجمع أبو تاشفين العساكر واستألف العرب من سويد وبني عامر، وخرج في طلب المنتصر وإخوته، ومر بمليانة فملكها. ثم تقدم إلى جبل تيطري وأقام في حصارهم به، وهم ممتنعون عليه. والله تعالى أعلم.

** (خروج السلطان أبي حمو من الاعتقال ثم القبض عليه وتغريبه الى المشرق) **

لما طال مقام أبي تاشفين على تيطري لحصار إخوته، ارتاب بأمر أبيه وطول مغيبه عنه. وشاور أصحابه في شأنه، فأشاروا بقتله واتفقوا على ذلك، فبعث أبو تاشفين ابنه أبا زيان في لمة من حاشيته فيهم ابن الوزير عمران بن موسى، وعبد الله ابن الخراساني، فقتلوا من كان معتقلا بتلمسان من أبناء السلطان، وتقدموا إلى وهران وسمع أبو حمو بقدومهم، فأوجس الخيفة منهم واطلع من جدران القصبة ينادي بالصريخ في أهل البلد، فتبادروا إليه من كل جهة، وتدلى لهم بحبل وصله من عمامته التي كان متعمما بها، فشالوه حتى استقر بالأرض واجتمعوا إليه. وكان الرهط الذين جاءوا والقتلة بباب القصر، وقد أغلقه دونهم. فلما سمعوا الهيعة واستيقنوا الأمر، طلبوا

النجاة بدمائهم. واجتمع أهل البلد على السلطان، وتولى كبر ذلك خطيبهم، وجددوا له البيعة وارتحل من حينه إلى تلمسان، فدخلها أوائل تسع وثمانين وسبعمائة وهي يومئذ عورة بما كان بنو مرين هدموا من أسوارها وأزالوا حصنها. وبعث فيمن كان مخلفا بأحياء بني عامر من أكابرهم ووجوههم، فقدموا عليه. وطار الخبر إلى أبي تاشفين بمكانه من حصار تيطري، فانكفأ راجعا إلى تلمسان فيمن معه من العساكر والعرب، وبادره قبل أن يستكمل أمره فأحيط به. ونجا إلى مئذنة الجامع فاعتصم بها، ودخل أبو تاشفين القصر، وبعث في طلبه. وأخبر بمكانه فجاء إليه بنفسه واستنزله من المئذنة، وأدركته الرقة، فجهش بالبكاء وقبل يده، وغدا به إلى القصر واعتقله ببعض الحجر هنالك، ورغب إليه أبوه في تسريحه إلى المشرق لقضاء فرضه، فشارط بعض تجار النصارى المترددين إلى تلمسان من القيطلان على حمله إلى الإسكندرية، وأركبه السفن معهم بأهله من فرضة وهران ذاهبا لطيبة موكلا به، وأقبل أبو تاشفين على القيام بدولته، والله تعالى أعلم.

** (نزول السلطان أبي حمو ببجاية من السفين واستيلاؤه على تلمسان ولحاق أبي تاشفين بالمغرب) **

لما ركب السلطان أبو حمو السفين ذاهبا إلى الإسكندرية، وفارق أعمال تلمسان وحاذى بجاية، داخل صاحب السفينة في أن ينزله ببجاية، فأسعفه بذلك. فخرج من الطارمة التي كان بها معتقلا، وصار الموكلون به في طاعته. وبعث إلى محمد بن أبي مهدي قائم الأسطول ببجاية المستبد على أميرها من ولد السلطان أبي العباس بن أبي حفص. وكان محمد خالصة المستنصر بن أبي حمو من ناحية دولتهم. قد خلص إلى بجاية من تيطري بعد ما تنفس لحصار عنهم فبعثه ابن أبي مهدي إلى السلطان أبي حمو بالإجابة إلى ما سأل. وأنزله ببجاية آخر تسع وثمانين وسبعمائة وأسكنه بستان الملك المسمى بالرفيع، وطير بالخبر إلى السلطان بتونس، فشكر له ما آتاه من ذلك، وأمره بالاستبلاغ في تكريمه، وأن يخرج عساكر بجاية في خدمته إلى حدود عمله متى احتاج إليها. ثم خرج السلطان أبو حمو من بجاية ونزل متيجة واستنفر طوائف العرب من كل ناحية فاجتمعوا إليه ونهض يريد تلمسان واعصوصب

قومه بنو عبد الواد على أبي تاشفين بما بذل فيهم من العطاء وقسم من الأموال، فنابذوا السلطان أبا حمو واستصعب عليه أمرهم. وخرج إلى الصحراء وخلف ابنه أبا زيان في جبال شلف مقيما لدعوته. وبلغ إلى تاسة [1] من ناحية المغرب. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فبعث عسكرا إلى شلف مع ابنه أبي زيان ووزيره محمد بن عبد الله ابن مسلم، فتواقفوا مع أبي زيان ابن السلطان أبي حمو فهزمهم. وقتل أبو زيان بن أبي تاشفين ووزيره ابن مسلم، وجماعة من بني عبد الواد. وكان أبو تاشفين لما بلغه وصول أبيه إلى تاسة، سار إليه من تلمسان في جموعه، فأجفل أبو حمو إلى وادي صا [2] واستجاش بالأحلاف من عرب المعقل هنالك، فجاءوا لنصره، ورعوا زمامه فنزلها، وأقام أبو تاشفين قبالته وبلغه هنالك هزيمة ابنه ومقتله، فولى منهزما إلى تلمسان وأبو حمو في اتباعه. ثم سرح أبو تاشفين مولاه سعادة في طائفة من العسكر لمحاولة العرب في التخلي عن أبي حمو، فانتهز فيه الفرصة وهزمه وقبض عليه، وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين بتلمسان، وكان يؤمل النجاح عند سعادة فيما توجه فيه، فأخفق سعيه، وانفض عنه بنو عبد الواد والعرب الذين معه، وخرج هاربا من تلمسان مع أوليائه من سويد إلى مشاتيهم بالصحراء. ودخل السلطان أبو حمو تلمسان في رجب سنة تسعين وسبعمائة وقدم عليه أبناؤه فأقاموا معه بتلمسان، فطرق المنتصر ابنه المرض فهلك بها لأيام من دخوله تلمسان، واستقر الأمر على ذلك، والله أعلم.

** (نهوض أبي تاشفين بعساكر بني مرين ومقتل السلطان أبي حمو) **

لما خرج أبو تاشفين من تلمسان أمام أبيه، واتصل بأحياء سويد، أجمعوا رأيهم على الاستنجاد بصاحب المغرب، فوفد أبو تاشفين ومعه محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العباس صاحب فاس، وسلطان بني مرين صريخين على شأنهما، فقبل وفادتهما ووعدهما بالنصر من عدوهما. وأقام أبو تاشفين عنده ينتظر إنجاز وعده،

وكان بين أبي حمو وابن الأحمر صاحب الأندلس وشيجة ود وعقيدة وصلة، ولابن الأحمر دالة وتحكم في دولة أبي العباس صاحب المغرب بما سلف من مظاهرته على أمره منذ أول دولته، فبعث أبو حمو في الدفاع عنه من إجازة أبي تاشفين من المغرب إليه، فلم يجبه صاحب المغرب وفاء بذمته وعلله بالقعود عن نصره. وألح عليه ابن الأحمر في ذلك، فتعلل بالمعاذير. وكان أبو تاشفين قد عقد لأول قدومه مع وزير الدولة محمد بن يوسف بن علال حلفا اعتقد الوفاء به، فكان هواه في إنجاده ونصره من عدوه، فلم يزل يفتل لسلطانه في الذروة والغارب، ويلوي عن ابن الأحمر المواعيد حتى أجابه السلطان إلى غرضه.

وسرح ابنه الأمير أبا فارس والوزير محمد بن يوسف بن علال في العساكر لمصارخة أبي تاشفين. وفصلوا عن فاس أواخر إحدى وتسعين وسبعمائة وانتهوا إلى تازى. وبلغ خبرهم إلى السلطان أبي حمو فخرج من تلمسان وجمع أشياعه من بني عامر والخراج [1] بن عبيد الله وقطع جبل بني ورنيد المطل على تلمسان، وأقام بالغيران من جهاته. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فقدم إلى تلمسان فجدد المكر والخديعة وشيطان الفتنة والشر موسى بن يخلف، فاستولى عليها وأقام دعوة أبي تاشفين فيها، فطير الخبر إلى أبي حمو ابنه عمير، فصبحه بها لليلة من مسيرة، فأسلمه أهل البلد.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com