Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ١٠
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 61 of 67
وتقبض عليه، وجاء به أسيرا إلى أبيه بمكانه من الغيران، فوبخه أبو حمو على فعاله. ثم أذاقه أليم عقابه ونكاله، وأمر به فقتل أشنع قتلة. وجاءت العيون إلى أبي فارس ابن صاحب المغرب ووزيره ابن علال بمكان أبي حمو واغرابه بالغيران، فنهض الوزير ابن علال في عساكر بني مرين لغزوه، وسار أمامهم سليمان بن ناجي من الأحلاف إحدى بطون المعقل، يدل بهم طريق القفر حتى صبحوه ومن معه من أحياء الخراج في مكان مقامتهم بالغيران. وناوشوهم القتال فلم يطيقوهم لكثرتهم، وولوا منهزمين، وكبا بالسلطان أبي حمو فرسه فسقط وأدركه بعض فرسانهم وعرفه فقتله قعصا بالرماح، وجاءوا برأسه إلى الوزير ابن علال وأبي تاشفين، وجيء بابنه عمير أسيرا. وهم أبو تاشفين أخوه بقتله فمنعوه أياما، ثم أمكنوه منه فقتله، ودخل أبو تاشفين تلمسان أواخر إحدى وتسعين وسبعمائة وخيم الوزير وعساكر بني مرين
بظاهر البلد حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال. ثم قفلوا إلى المغرب وأقام هو بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبي العباس صاحب المغرب ويخطب له على منابره، ويبعث إليه بالضريبة كل سنة كما اشترط على نفسه إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (مسير أبي زيان بن أبي حمو لحصار تلمسان ثم اجفاله عنها ولحاقه بصاحب المغرب) **
كان السلطان أبو حمو قد ولى على الجزائر ابنه أبا زيان لما عاد إلى ملكه بتلمسان، وأخرج منها أبا تاشفين. فلما قتل أبو حمو بالغيران كما قلناه، وخرج أبو زيان من الجزائر ناجيا إلى أحياء حصين يؤمل الكرة بهم والأخذ بثأر أبيه وأخيه، فاشتملوا عليه وأجابوا صريخه. ثم وفد عليه أمراء بني عامر من زغبة يدعونه لملكه، فسار إليهم وقام بدعوته وطاعته شيخهم المسعود بن صغير، ونهضوا جميعا إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فحاصروها أياما، وسرب أبو تاشفين المال في العرب، فافترقوا على أبي زيان، وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة. ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل، وعاود حصار تلمسان في شوال، وبعث أبو تاشفين ابنه صريخا إلى المغرب، فجاءه بمدد من العسكر. ولما انتهى إلى تاوريرت أفرج أبو زيان عن تلمسان، وأجفل إلى الصحراء. ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب فوفد عليه صريخا، فتلقاه وبر مقدمه، ووعده النصر من عدوه، وأقام عنده إلى حين مهلك أبي تاشفين والله تعالى أعلم.
** (وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان) **
لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكا على تلمسان ومقيما فيها لدعوة صاحب المغرب أبي العباس ابن السلطان أبي سالم، ومؤديا للضريبة التي فرضها عليه منذ أول ملكه، وأخوه الأمير أبو زيان مقيم عند صاحب المغرب ينتظر وعده في النصر عليه
حتى تغير السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزغات الملوكية، فأجاب داعي أبي زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان، فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وسبعمائة وانتهى إلى تازي وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به. ثم هلك منه في رمضان من السنة. وكان القائم بدولته أحمد بن العز من صنائعهم، وكان يمت إليه بخؤولة، فولى بعده مكانه صبيا من أبنائه وقام بكفالته، وكان يوسف بن أبي حمو وهو ابن الزابية واليا على الجزائر من قبل أبي تاشفين، فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب، ودخل تلمسان فقتل أحمد بن العز والصبي المكفول ابن أخيه تاشفين. فلما بلغ الخبر إلى السلطان أبي العباس صاحب المغرب، خرج إلى تازى وبعث من هناك ابنه أبا فارس في العساكر، ورد أبا زيان بن أبي حمو إلى فاس ووكل به. وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام فيها دعوة أبيه، وتقدم وزير أبيه صالح بن حمو إلى مليانة فملكها، وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية. واعتصم يوسف ابن الزابية بحصن تاحجموت. وأقام الوزير صالح يحاصره، وانقرضت دعوة بني عبد الواد من المغرب الأوسط، والله غالب على أمره.
** (وفاة أبي العباس صاحب المغرب واستيلاء أبي زيان بن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط) **
كان السلطان أبو العباس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى، وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الذي تقدم لفتح البلاد الشرقية. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حج سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق، وتقدمت إلى السلطان فئة وأخبرته بمحله من قومه، فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجة هدية إلى صاحب المغرب، يطوقه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك.
فلما قدم بها يوسف على السلطان أبي العباس عظم موقعها، وجلس في مجلس جعله لعرضها والمباهاة بها، وشرع في المكافأة عنها بتخير الجياد والبضائع والثياب، حتى استكمل من ذلك ما رضيه، واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي حاملها الأول.
وأنه يرسله من تازى أيام مقامته هناك، فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم
سنة ست وتسعين وسبعمائة واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى، وولوه مكانه، ورجعوا به إلى فاس، وأطلقوا أبا زيان بن أبي حمو من الاعتقال، وبعثوا به إلى تلمسان أميرا عليها، وقائما بعد السلطان أبي فارس فيها، فسار إليها وملكها، وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها، فبعث إليهم أبو زيان عند ما بلغه ذلك وبذل لهم عطاء جزيلا على أن يبعثوا به إليه، فأجابوه إلى ذلك وأسلموه إلى ثقات أبي زيان، وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم، فبادروا بقتله، وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيان فسكنت أحواله، وذهبت الفتنة بذهابه، واستقامت أمور دولته، وهم على ذلك لهذا العهد والله غالب على أمره.
وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية، (وبقي) علينا خبر الرهط الذين تحيزوا منهم إلى بني مرين منذ أول الدولة، وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي، وخبر بني كندور أمرائهم بمراكش، فلنرجع إلى ذكر أخبارهم، وبها نستوفي الكلام في أخبار بني عبد الواد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
** (الخبر عن بني كمي أحد بطون بني القاسم بن عبد الواد وكيف نزعوا إلى بني مرين وما صار لهم بنواحي مراكش وأرض السوس من الرئاسة) **
قد تقدم لنا أول الكلام في بني عبد الواد أن بني كمي هؤلاء من شعوب القاسم، وأنهم بنو كمي بن يمل بن يزكن بن القاسم إخوة طاع الله وبني دلول وبني معطي دلول. وبني معطي بن جوهر بن علي [1] . وذكرنا ما كان بين طاع الله وبين إخوانهم بني كمي من الفتنة، وكيف قتل كندوز بن عبد الله كبير بني كمي زيان بن ثابت بن محمد كبير بني طاع الله، وأن جابر بن يوسف بن محمد القائم بالأمر من بعده ثار منهم بزيان، وقتل كندوزا غيلة أو حربا، وبعث برأسه إلى يغمراسن بن زيان فنصب عليها أهل. بيته القدور شفاية لنفوسهم. واستمر الغلب بعدها على بني كمي، فلحقوا بحضرة تونس وكبيرهم إذ ذاك عبد الله بن كندوز. ونزلوا على الأمير أبي زكريا حتى كان من استيلائه على تلمسان ما قدمنا ذكره. وطمع عبد الله في الاستبداد بتلمسان، فلم يتفق ذلك. ولما هلك مولانا الأمير أبو زكريا، وولي ابنه المنتصر، أقام عبد الله صدرا من دولته. ثم ارتحل هو وقومه إلى المغرب ونزل على يعقوب بن عبد الحق قبل فتح مراكش، فاهتز يعقوب لقدومه وأحله بالمكان الرفيع من دولته. وأنزل قومه بجهات مراكش، وأقطعهم البلاد التي كفتهم مهماتهم.
وجعل السلطان انتجاع إبله وراحلته في أحيائهم. وقدم على رعايتها حسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخاه موسى، وصلا في لفيفه من بلاد المشرق، وكانا عارفين برعاية الإبل والقيام عليها، وأقاموا يتقلبون في تلك البلاد، ويتعدون في نجعتها إلى أرض السوس. وأوفد يعقوب بن عبد الحق عبد الله بن كندوز هذا على المنتصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين وستمائة مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه. والتحم بنو كمي ببني مرين وأصبحوا إحدى بطونهم. وهلك عبد الله بن كندوز، وصارت رياستهم من بعده لابنه عمر بن عبد الله. فلما نهض يوسف بن يعقوب بن عبد الحق
إلى المغرب الأوسط وشغل بحصار تلمسان، وتحدث الناس بما نزل بعبد الواد من بني مرين، أخذت بني كمي الحمية وامتعضوا لقومهم، وأجمعوا الخلاف والخروج على السلطان. ولحقوا بحاجة [1] سنة ثلاث وسبعمائة، واستولوا على بلاد السوس، فخرج إليهم أخو السلطان الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب، فناجزوه الحرب بتادارت وغلبوه، واستمروا على خلافهم. ثم عاود محاربتهم بتامطولت سنة أربع وسبعمائة بعدها، فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم. وقتل عمر بن عبد الله وجماعة من كبرائهم، وفروا أمامه إلى الصحراء، ولحقوا بتلمسان وهدم يعيش بن يعقوب تارودنت قاعدة أرض السوس، وأقام بنو كندوز بعدها بتلمسان نحوا من ستة أشهر. ثم توجسوا الغدر من ولد عثمان بن يغمراسن فرجعوا إلى مراكش. واتبعهم عساكر السلطان وأبلى منهم في القتال عنهم محمد بن أبي بكر بن حمامة بن كندوز، وخلصوا إلى منجاتهم مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان يوسف بن يعقوب. وراجعوا طاعة الملوك بالمغرب فعفوا لهم عما سلف من هذه الجزيرة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية، فأمحضوا النصيحة والمخالصة. وكان أميرهم من بعد عمر ابنه محمد، وأقام في إمارتهم سنين [2] ثم ابنه موسى بن محمد من بعده كذلك.
واستخلصه السلطان أبو الحسن أيام الفتنة بينه وبين أخيه أبي علي، لعهد أبيهما السلطان أبي سعيد ومن بعده، فكانت له في المدافعة عن نواحي مراكش آثار وأيام. ثم هلك موسى بن محمد فولى السلطان أبو الحسن مكانه ابنه يعقوب بن موسى. ولما غلب على تلمسان وأصار بني عبد الواد في خوله وجنوده، تمشت رجالاتهم وساموا أشجانهم حتى إذا كانت واقعة القيروان وتواقف السلطان وبني سليم داخلهم يعقوب بن موسى في أن ينخذل عن السلطان إليهم ببني عبد الواد ومن إليهم من مغراوة وتوجين، وأوعدهم لذلك، ثم مشى في قومه وكافة بني عبد الواد فأجابوه الى ذلك. ولحقوا جميعا ببني سليم، فجروا بذلك الهزيمة على السلطان وكانت نكبة القيروان المشهورة. ولحقوا [3] بعدها بتلمسان، وولوا أمرهم في
بني يغمراسن. وهلك يعقوب بن موسى بإفريقية، ولحق أخوه رحو بالمغرب. وكان السلطان أبو عنان قد استعمل على جماعتهم وعملهم عبو بن يوسف بن محمد. وهو ابن عمهم دنيا، فأقام فيهم كذلك حتى هلك، فولي من بعده ابنه محمد بن عبو وهم على ذلك لهذا العهد، يعسكرون للأمير بمراكش، ويتولون من خدمة السلطان هنالك ما لهم فيه الغناء والكفاية. فكأنهم بمعزل عن بني عبد الواد لاستحكام العداوة بمقتل زيان بن ثابت. والله وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، لا رب غيره ولا معبود سواه
** (الخبر عن بني راشد بن محمد بن يادين وذكر أوليتهم وتصاريف أحوالهم) **
وإنما قدمنا ذكرهم قبل استتمام بطون بني يادين لأنهم لم يزالوا أحلافا لبني عبد الواد ومن جملتهم، فكانت أخبارهم من أخبارهم، وأما راشد أبوهم فهو أخو يادين.
واختص بنوه كما قلنا ببني عبد الواد، وكانت مواطنهم بالصحراء بالجبل المعروف براشد اسم أبيهم. وكانت مواطن مديونة من قبائل البربر قبلة تاسالت وبنو ورنيد من بطون دمر قبلة تلمسان الى قصر سعيد. وكان جبل هوارة موطنا لبني يلوما الذين كان لهم الملك كما قدمنا. ولما اضمحل أمر بني يلوما وذهبت دولتهم، زحف بنو راشد هؤلاء من بطونهم بجبل راشد إلى بسائط مديونة وبني ورنيد، فشنوا عليهم الغارات، وطالت بينهم الحرب إلى أن غلبوهم على مواطنهم وألجئوهم إلى الأوعار، فاستوطن بنو ورنيد الجبل المطل على تلمسان، واستوطن مديونة جبل تاسالت. وملك بنو راشد بسائطهم القبلية. ثم استوطنوا جبلهم المعروف بهم لهذا العهد، وهو بلد بني يفرن الذين كانوا ملوك تلمسان لأول الإسلام، وكان منهم أبو قرة الصفري كما قدمناه.
وكان منهم بعد ذلك يعلى بن محمد الأمير الذي قتله جوهر الصقلي قائد الشيعة كما ذكرناه في أخبارهم. ويعلى هذا هو الذي اختط بهذا الجبل مدينة ايفكان التي هدمها جوهر يوم قتله. فلما ملك بنو راشد هذا الجبل استوطنوه وصار حصنا لهم، ومجالاتهم في ساحة القبلة إلى أن غلبهم العرب عليها لهذا العهد، وألجئوهم إلى الجبل.
وكان غلب بني راشد على هذه الأوطان بين دخول بني عبد الواد إلى المغرب الأوسط، وكانوا شيعة لهم وأحلافا في فتنتهم مع بني توجين وبني مرين، وكانت رياستهم في بيت منهم يعرفون ببني عمران، وكان القائم بها لأول دخولهم إبراهيم بن عمران واستبد عليه أخوه وترمار [1] وقام بأمرهم إلى أن هلك، فولى ابنه مقاتل بن وترمار وقتل عمه إبراهيم وافترقت رياسة بني عمران من يومئذ بين بني إبراهيم وبني وترمار إلا أن رياسة بني إبراهيم أظهر، فولي بعد إبراهيم بن عمران ابنه وترمار وكان معاصرا ليغمراسن بن زيان وطال عمره، ولما هلك لتسعين من المائة السابعة ولي
أمرهم غانم ابن أخيه محمد بن إبراهيم. ثم كان فيهم من بعده موسى بن يحيى بن وترمار، لا أدري معاقبا لغانم أو توسطهما أحد. ولما زحف بنو مرين إلى تلمسان آخر زحفهم، صار بنو راشد هؤلاء إلى طاعة السلطان أبي الحسن، وشيخهم لذلك العهد أبو يحيى موسى بن عبد الرحمن بن وترمار بن إبراهيم. وانحصر بتلمسان بنو عمه كرجون بن وترمار وانقرض أمر بني عبد الواد وأشياعهم. ونقل بنو مرين رءوس زناتة أجمع إلى المغرب الأقصى، فكان بنو وترمار هؤلاء ممن صار إلى المغرب وأوطنوه إلى أن صار الأمر لبني عبد الواد الكرة الثالثة على يد أبي حمو الأخير موسى بن يوسف. وكان شيخ بني راشد لعهده ابن أبي يحيى بن موسى المذكور أقبل إليهم من المغرب من إيالة بني مرين، فاتهمه أبو حمو بمداخلتهم، فتقبض عليه واعتقله مدة بوهران. وفر من معتقله فلحق بالمغرب وارتحل بين أحيائهم مدة. ثم رجع إلى الطاعة واقتضى العهد من السلطان أبي حمو، وولاه على قومه. ثم تقبض عليه واعتقله إلى أن قتله بمحبسه سنة ثمان وستين وسبعمائة، وانقرض أمر بني وترمار بن إبراهيم، وأما بنو وترمار بن عمران فقام بأمرهم بعد مقاتل بن وترمار أخوه أبو زركن [1] بن وترمار، ثم ابنه يوسف بن أبي زركن، ثم آخرون من بعدهم لم تحضرني أسماؤهم إلى أن غلب عليهم بنو وترمار بن إبراهيم. وقد ذهبت لهذا العهد رياسة أولاد عمران جميعا، وصار بنو راشد هؤلاء خولا للسلطان وجباية، وبقيتهم بجبلهم على الحال التي ذكرناها، والله وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
** (الخبر عن بني توجين من شعوب بني يادين من أهل هذه الطبقة الثالثة من زناتة وما كان لهم من الدولة والسلطان بالمغرب الأوسط وأولية ذلك ومصايره) **
كان هذا الحي من أعظم أحياء بني يادين وأوفرهم عددا. وكانت مواطنهم حفافي وادي شلف قبلة جبل وانشريس من أرض السرسو، وهو المسمى لهذا العهد نهر صا [1] وكان بأرض السرسو بجهة الغرب منه بطون من لواتة، وغلبهم عليها بنو وجديجن
ومطماطة. ثم صارت أرض السرسو لبني توجين هؤلاء واستضافوها الى مواطنهم الأولى وصارت مواطنهم ما بين موطن بني راشد وجبل دراك في جانب القبلة. وكانت لهم رياسة أيام صنهاجة لعطية بن دافلتن، وابن عمه لقمان بن المعتز كما ذكره ابن الرقيق. ولما كانت فتنة حماد بن بلكين مع عمه باديس، ونهض إليه باديس من القيروان حتى احتل بوادي شلف، تحيز إليه بنو توجين هؤلاء، وكان لهم في حروب حماد آثار مذكورة. وكان لقمان بن المعتز أظهر من عطية بن دافلتن، وكان قومهم يومئذ زهاء ثلاثة آلاف. وأوفد لقمان ابنه بدرا على باديس قبل اللقاء طاعة له وانحياشا. فلما انهزم حماد رعى لهم باديس انحياشهم إليه، وسوغ لهم ما غنموه، وعقد للقمان على قومه ومواطنه، وعلى ما يفتحه من البلاد بدعوته. ثم انفرد برياستهم بعد حين بنو دافلتن. ويقال إنه دافلتن بن أبي بكر بن الغلب. وكانت رياستهم لعهد الموحدين لعطية بن مناد بن العباس بن دافلتن، وكان يلقب عطية الحيو.
وكانت بينهم لعهده وبين بني عبد الواد حروب، كان متولي كبرها من بني عبد الواد شيخهم لذلك العهد عدوى بن يكنيجن [1] بن القاسم، فلم تزل تلك الفتنة بينهم إلى أن غلبهم بنو عبد الواد آخرا على مواطنهم كما نذكره.
ولما هلك عطية الحيو قام بأمرهم أبو العباس، وكانت له آثار في الإجلاب على ضواحي المغرب الأوسط. ونقض طاعة الموحدين إلى أن هلك سنة سبع وستمائة، دس عامل تلمسان يومئذ أبو زيد بن لوحان [2] من اغتاله فقتله. وقام بأمرهم من بعده ابنه عبد القوي، فانفرد برياستهم وتوارثها عقبه من بعده كما نذكره. وكان من أشهر بطون بني توجين هؤلاء يومئذ بنو يدللتن وبنو قمري [3] وبنو مادون وبنو زنداك وبنو وسيل وبنو قاضي وبنو مامت، ويجمع هؤلاء الستة بنو مدن. ثم بنو تيغرين وبنو يرناتن وبنو منكوش، ويجمع هؤلاء الثلاثة بنو سرغين [4] ، ونسب بني زنداك دخيل فيهم، وإنما هم من بطون مغراوة. وبنو منكوش هؤلاء منهم عبد القوي بن العباس ابن عطية الحيو، هكذا رأيت نسبه لبعض مؤرخي زناتة المنكوشي. وكانت رياسة بني
توجين جميعا عند انقراض أمر بني عبد المؤمن لعبد القوي بن العباس بن عطية الحيو، وأحياؤهم جميعا بتلك المجالات القبلية.
فلما وهن أمر بني عبد المؤمن وتغلب مغراوة على بسائط متيجة، ثم على جبل وانشريس، نازعهم عبد القوي هذا وقومه أمر وانشريس، وغالبوهم إلى أن غلبوهم عليه، واستقر في ملكهم وأوطنه بنو تيغرين وبنو منكوش من أحيائهم. ثم تغلبوا على منداس وأوطنها أحياء بني مدن جميعا. وكان الظهور منهم لبني يدللتن، ورياسة بني يدللتن لبني سلامة. وبقي بنو يرناتن من بطونهم بمواطنهم الأولى قبلة وانشريس. وكان من أحلاف بني عطية الحيو بنو تيغرين منهم خاصة، وأولاد عزيز بن يعقوب، ويعرفون جميعا بالوزراء [1] ولما تغلبوا على الأوطان والتلول، وأزاحوا مغراوة عن المدية ووانشريس وتافركينت، واستأثروا بملكها وملك الأوطان عن غربيها مثل:
منداس والجعبات وتاوغزوت، ورئيسهم لذلك العهد عبد القوي بن العباس، والكل لأمره. فصار له ملك بدوي ولم يفارق فيه سكنى الخيام ولا أبعاد النجعة ولا ائتلاف الرحلتين. ينتابون في مشاتيهم إلى مصاب والزاب، وينزلون في المصايف بلادهم هذه من التل ولم يزل هذا شأن عبد القوي وابنه محمدا، إلى أن تنازع بنوه الأمر من بعده، وقتل بعضهم بعضا. وتغلب بنو عبد الواد على عامة أوطانهم وأحيائهم، واستبد عليهم بنو يرناتن وبنو يدللتن فصاروا إلى بني عبد الواد. وبقي أعقابهم بجبل وانشريس إلى أن انقرضوا على ما نذكره بعد.
وكان عبد القوي لما غلب مغراوة على جبل وانشريس، اختط حصن مرات، بعد أن كان منديل المغراوي شرع في اختطاطه، فبنى منه القصبة ولم يكمله، فأكمله محمد بن عبد القوي من بعده. ولما استبد بنو أبي حفص بأمر إفريقية، وصارت لهم خلافة الموحدين نهض الأمير أبو زكريا إلى المغرب الأوسط، ودخلت في طاعته قبائل صنهاجة، وفرت زناتة أمامه. وردد إليهم الغزو فأصاب منهم. وتقبض في بعض غزواته على عبد القوي بن العباس أمير بني توجين فاعتقله بالحضرة. ثم من عليه وأطلقه على أن يستألف له قومه، فصاروا شيعة له ولقومه آخر الدهر. ونهض الأمير أبو زكريا بعدها إلى تلمسان، فكان عبد القوي وقومه في جملته حتى إذا ملك
تلمسان، ورجع إلى الحضرة عقد لعبد القوي هذا على قومه ووطنه، وأذن له في اتخاذ الآلة، فكانت أول مراسم الملك لبني توجين هؤلاء. وكانت حالهم مع بني عبد الواد تختلف في السلم والحروب. ولما هلك السعيد على يد يغمراسن وقومه كما ذكرناه، استنفر يغمراسن سائر أحياء زناتة لغزو المغرب، ومسابقة بني مرين إليه، فنفر معه عبد القوي في قومه سنة سبع وأربعين وستمائة وانتهوا إلى تازى، واعترضهم أبو يحيى بن عبد الحق أمير بني مرين في قومه، فنكصوا واتبعهم إلى انكاد فكان اللقاء، وانكشفت جموع بني يادين وكانت الهزيمة التي ذكرناها في أخبار بني عبد الواد. وهلك عبد القوي مرجعه منها في سنته بالموضع المعروف باحمون [1] من مواطنهم. وتصدى للقيام بعده بأمرهم ابنه يوسف، فمكث في تلك الإمارة أسبوعا، ثم قتله على جدث أبيه أخوه محمد بن عبد القوي، وولي عهد أبيه سابع مواراته. وفر ابنه صالح بن يوسف إلى بلاد صنهاجة بجبال المدية، فأقام بها هو وبنوه. واستقل محمد برياسة بني توجين، واستغلظ ملكه، وكان الفحل الذي لا يقرع أنفه. ونازعه يغمراسن أمره ونهض إلى حربه سنة تسع وأربعين وستمائة وعمد إلى حصن تافركينت فنازله، وبه يومئذ حافده علي بن زيان بن محمد في عصابة من قومه، فحاصره أياما وامتنعت عليه فارتحل عنها، ثم تواضعوا أوزار الحرب ودعاه يغمراسن إلى مثل ما دعا إليه أباه من غزو بني مرين في بلادهم فأجاب. ونهضوا سنة سبع وخمسين وستمائة ومعهم مغراوة فانتهوا إلى كلدمان ما بين تازى وأرض الريف. ولقيهم يعقوب بن عبد الحق في جموعه فانكشفوا ورجعوا منهزمين إلى بلادهم كما ذكرناه. وكانت بينه وبين يغمراسن بعد ذلك فتن وحروب، فنازله فيها بجبل وانشريس مرات، وجاس خلال وطنه. ولم يقع بعدها بينهما مراجعة لاستبداد يغمراسن بالملك، وسموه إلى التغلب على زناتة أجمع وبلادهم، وكانوا جميعا منحاشين إلى الدولة [2] الحفصية. وكان محمد بن عبد القوي كثير الطاعة للسلطان المستنصر.
(ولما نزل) النصارى الإفرنجة بساحل تونس سنة ثمان وستين وستمائة وطمعوا في ملك الحضرة، بعث المستنصر إلى ملوك زناتة بالصريخ فصرفوا وجوههم إليه، وخف من بينهم محمد بن عبد القوي في قومه ومن احتشد من أهل وطنه، ونزل على السلطان
بتونس وأبلى في جهاد العدو أحسن البلاء، وكانت له في أيامه معهم مقامات مذكورة، ومواقف مشهورة، وعند الله محتسبة معدودة. ولما ارتحل العدو عن الحضرة وأخذ محمد بن عبد القوي في الانصراف إلى وطنه، أسنى السلطان جائزته، وعم بالإحسان وجوه قومه وعساكره، وأقطعه بلاد مغراوة وأوماش من وطن الزاب، وأحسن منقلبه. ولم يزل بعد ذلك معتقلا بطاعته مستظهرا على عدوه بالانحياش إليه. ولما استغلظ بنو مرين على يغمراسن بعد استيلائهم على أمصار المغرب واستبدادهم بملكه، وصل محمد يده بهم في الاستظهار على يغمراسن، وأوفد ابنه زيان بن محمد عليهم.
ولما نهض يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان سنة سبعين وستمائة وأوقع بيغمراسن في الوقيعة التي هلك فيها ابنه فارس. نهض محمد بن عبد القوي للقائه ومر في طريقه بالبطحاء، وهي يومئذ ثغر لأعمال يغمراسن فهدمها. ولقي يعقوب بن عبد الحق في ساحة تلمسان مباهيا بآلته فأكرم يعقوب وفادته وبر مقدمه. ونازلوها أياما فامتنعت عليهم، وأجمعوا على الإفراج وتأذن لهم يعقوب بن عبد الحق متلوما عليها إلى أن يلحق محمد وقومه ببلادهم، حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ففعل، وملأ حقائبهم باتحافه، وجنب لهم مائة من الجياد العتاق بالمراكب الثقيلة، وأراح عليهم ألف ناقة حلوب، وعمهم بالصلات والخلع الفاخرة، واستكثر لهم من السلاح والفازات والأخبية والحملان وارتحلوا، ولحق محمد بن عبد القوي بمكانه من جبل وانشريس، واتصلت حروبه مع يغمراسن، وكثر اجلابه على وطنه وعيثه في بلاده. وهو مع ذلك مقيم على موالاة يعقوب واتحافه بالعتاق من الخيل والمستجاد من الطرف. حتى أن يعقوب إذا اشترط على يغمراسن في مهادنته جعل سلمهم من سلمه، وحربهم من حربه، وبسببهم كان نهوض يعقوب بن عبد الحق سنة ثمانين وستمائة لما اشترط عليه ذلك، ولج في قبوله، فنهض إليه وأوقع به بخرزوزة. ثم أناخ عليه بتلمسان، ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي فلقيه بالقصاب [1] ، وعاثوا في نواحي تلمسان نهبا وتخريبا. ثم أذن يعقوب لمحمد وقومه في الانطلاق إلى بلادهم، وتلوم هو بمكانه من ضواحي تلمسان مدة منجاتهم إلى مكانهم من وانشريس حذرا عليهم من اعتراض
يغمراسن. ولم يزل شأنهما ذلك إلى أن هلك يغمراسن بسدلونة [1] من بلاد مغراوة خاتمة إحدى وثمانين وستمائة وفي خلال ذلك استغاظ بنو مرين على بني عبد الواد، واستوسق لمحمد هذا ملكه، فتغلب على أوطان صنهاجة بجبال المدية، وأخرج الثعالبة من جبل تيطري بعد أن غدر بمشيختهم وقتلهم، فانزاحوا عنه إلى بسائط متيجة وأوطنوها. واستولى محمد على حصن المدية وهو المسمى بأهله لمدية (بفتح اللام والميم وكسر الدال وتشديد الياء بعدها وهاء النسب في آخرها) . وهم بطن من بطون صنهاجة وكان المختط لها بلكين بن زيري. ولما استولى محمد عليها وعلى ضواحيها انزل أولاد عزيز بن يعقوب من حشمه بها، وجعلها لهم موطنا وولاية. وفر بنو صالح ابن أخيه يوسف بن عبد القوي من مكانهم بين صنهاجة منذ مقتل أبيه يوسف كما ذكرناه. ولحقوا ببلاد الموحدين بإفريقية، فلقوهم مبرة وتكريما. وأقطعوا لهم بضواحي قسنطينة، وكانوا يقولون عليهم أيام حروبهم وفي مواطن قتالهم.
وكان من أظهرهم عمر بن صالح وابناه صالح ويحيى بن عمر، وحافده يحيى بن صالح بن عمر في آخرين مشاهير.
وأعقابهم لهذا العهد بنواحي قسنطينة وفي إيالة الملوك من آل أبي حفص، يعسكرون معهم في غزواتهم ويبلون في حروبهم، ويقومون بوظائف خدمتهم. وكان الوالي من أولاد عزيز على المدية حسن بن يعقوب، وبنوه من بعده يوسف وعلي، وكانت مواطنهم ما بين المدية وموطنهم الأول ماخنون. وكان بنو يدللتن أيضا من بني توجين قد استولوا على حصن الجعبات وقلعة تاوغزوت. ونزل القلعة كبيرهم سلامة بن علي مقيما على طاعة محمد بن عبد القوي وقومه، فاتصل ملك محمد بن عبد القوي في ضواحي المغرب الأوسط ما بين مواطن بني راشد إلى جبال صنهاجة بنواحي المدية، وما في قبلة ذلك من بلاد السرسو وجباله إلى أرض الزاب. وكان يبعد الرحلة في مشتاه فينزل الروسن ومغرة [2] والمسيلة. ولم يزل دأبه ذلك. ولما هلك يغمراسن سنة إحدى وثمانين وستمائة كما ذكرناه استجدت الفتنة بين عثمان ابنه وبين محمد بن عبد القوى على أثر ذلك سنة أربع وثمانين وستمائة وولي من بعده ابنه سيد الناس، فلم تطل مدة ملكه. وقتله أخوه موسى لسنة أو نحوها من بعده مهلك أبيه. وقام موسى بن
محمد في إمارة بني توجين نحوا من عامين. وكان أهل مرات من أشد أهل وطنه شوكة وأقواهم غائلة، فحدثته نفسه أن يستلحم مشيختهم ويريح نفسه من محاذرتهم، فأجمع لذلك ونزلها، ونذروا بشأنه ورأيه فيهم فاستماتوا جميعا وثاروا به فقاتلهم. ثم انهزم مثخنا بالجراحة وألجئوه إلى مهاوي الحصن فتردى منها وهلك. وولي من بعده عمر ابن أخيه إسماعيل بن محمد مدة أربعة أعوام، ثم غدر به أولاد عمه زيان بن محمد فقتلوه وولوا كبيرهم إبراهيم بن زيان وكان حسن الولاية عليهم، يقال: ما ولي بعد محمد فيهم مثله. وفي خلال هذه الولايات استغلظ عليهم بنو عبد الواد واشتدت وطأة عثمان بن يغمراسن عليهم بعد مهلك أبيهم محمد، فنهض إليهم سنة ست وثمانين وستمائة وحاصرهم بجبل وانشريس وعاث في أوطانهم ونقل زروعها إلى مازونة حين غلب عليها مغراوة. ثم نازل حصن تافركينت وملكها بمداخلة القائد بها غالب الخصي مولى سيد الناس بن محمد، وقفل إلى تلمسان. ثم نهض إلى أولاد سلامة بقلعة تاوغزوت، وامتنعوا عليه مرارا، ثم أعطوه اليد على الطاعة ومفارقة بني محمد بن عبد القوي فنبذوا لهم العهد، وصاروا إلى إيالة عثمان بن يغمراسن. وفرضوا لهم المغارم على بني يدللتن. وسلك عثمان بن يغمراسن مسلك التضريب بين قبائل بني توجين وتحريضهم على إبراهيم بن زيان أميرهم، فعدا عليه زكراز [1] بن أعجمي شيخ بني مادون وقتله بالبطحاء في إحدى غزواته لسبعة أشهر من ملكه. وولي بعده موسى بن زرارة بن محمد بن عبد القوي، بايع له بنو تيغرين واختلف سائر بني توجين فأقام بعض سنة. وعثمان بن يغمراسن في خلال هذا يستألف بني توجين شعبا فشعبا إلى أن نهض إلى جبل وانشريس فملكه. وفر أمامه موسى بن زرارة إلى نواحي المدية وهلك في مفره ذلك. ثم نهض عثمان إلى المدية سنة ثمان وثمانين وستمائة بعدها فملكها بمداخلة المدية من قبائل صنهاجة، غدروا بأولاد عزيز وأمكنوه منها. ثم انتقضوا عليه لسبعة أشهر ورجعوا إلى إيالة أولاد عزيز، فصالحوا عثمان بن يوسف على الإتاوة والطاعة كما كانوا مع محمد بن عبد القوي وبنيه، فملك عثمان بن يغمراسن عامة بلاد توجين. ثم شغل بما دهمه من مطالبة بني مرين أيام يوسف بن يعقوب، فولى على بني توجين من بني محمد بن عبد القوي أبو بكر بن إبراهيم بن محمد مدة
عامين، أخاف فيها الناس وأساء السيرة. ثم هلك فنصب بنو تيغرين بعده أخاه عطية المعروف بالأصم، وخالفهم أولاد عزيز وجميع قبائل توجين فبايعوا ليوسف ابن زيان بن محمد. وزحفوا إلى جبل وانشريس فحاصروا به عطية وبني تيغرين عاما أو يزيد. وكان يحيى بن عطية كبير بني تيغرين هو الذي تولى البيعة لعطية الأصم.
فلما اشتد بهم الحصار واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان ورغبه في ملك جبل وانشريس فبعث معه الجيوش لنظر أخيه أبي سرحان، ثم أخيه أبي يحيى. وكان نهوض أبي يحيى سنة إحدى وسبعمائة، فتوغل في ناحية الشرق، ولما رجع صمد إلى جبل وانشريس، فهدم حصونه، وقفل ونهض ثانية إلى بلاد بني توجين فشردهم عنها، وأطاعه أهل تافركينت، ثم انتهى إلى المدية فافتتحها صلحا، واختط قصبتها ورجع إلى أخيه يوسف بن يعقوب، فانتقض أهل تافركينت بعد صدوره عنهم. ثم راجع بنو عبد القوي بصائرهم في التمسك بالطاعة. ووفدوا على يوسف بن يعقوب فتقبل طاعتهم وأعادهم إلى بلادهم، وأقطعهم. وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي، وجعل وزارته ليحيى بن عطية فغلبه على دولته، واستقام ملكه. وهلك خلال ذلك فعقد يوسف بن بن يعقوب مكانه لمحمد بن عطية الأصم، واستقام على طاعته وقتا، ثم انتقض بين يدي مهلكه سنة ست وسبعمائة وحمل قومه على الخلاف. ولما هلك يوسف بن يعقوب وتجافى بنو مرين من بعدها لبني يغمراسن عن جميع الأمصار التي تملكوها بالمغرب الأوسط، استمكن بنو يغمراسن منها ودفعوا المتغلبين عنها. ولحق الفل من أولاد عبد القوي ببلاد الموحدين، فحلوا من دولتهم محل الإيثار والتكرمة. وكان للعباس بن محمد بن عبد القوي مع الملوك من آل أبي حفص مقام الخلة والمصافاة إلى أن هلك، وبقي عقبه في جند السلطان. ولما خلا الجو من هؤلاء المرشحين تغلب على جبل وانشريس من بعدهم كبير بني تيغرين أحمد بن محمد من أعقاب يعلى بن محمد سلطان بني يفرن.
فأقام يحيى بن عطية هذا في رياستهم أياما، ثم هلك، وقام بأمره من بعده أخوه عثمان بن عطية. ثم هلك وولي من بعده ابنه عمر بن عثمان، واستقل مع قومه بجبل وانشريس، واستقل أولاد عزيز بالمدية ونواحيها ورياستهم ليوسف وعلي ابني حسن ابن يعقوب، والكل في طاعة أبي حمو سلطان بني عبد الواد لما غلبهم على أمرهم،
وانتزع الرئاسة من بني عبد القوي [1] أمرائهم إلى أن خرج على السلطان أبي حمو ابن عمه يوسف بن يغمراسن، ولحق بأولاد عزيز فبايعوه وداخلوا في كشانة عمر بن عثمان كبير بني تيغرين وصاحب جبل وانشريس، فأجابهم وأصفق معهم سائر الأعشار ويكوشة [2] وبنو يرناتن. وزحفوا مع محمد بن يوسف إلى السلطان أبي حمو في عسكره بتهل ففضوه، وكان من شأن فتنته معهم ما ذكرناه في أخبار بني عبد الواد إلى أن هلك السلطان أبو حمو وولي ابنه أبو تاشفين، فنهض إليهم في العساكر، وكان عمر بن عثمان قد لحقته الغيرة من مخالصة محمد بن يوسف لأولاد عزيز دون قومه، فداخل السلطان أبا تاشفين في الانحراف عنه، فلما نزل بالجبل، ولحق محمد بن يوسف بحصن توكال ليمتنع له، نزع عنه عمر بن عثمان ولحق بأبي تاشفين ودله على مكامن الحصن، فدلف إليه أبو تاشفين وأخذ بمخنقه. وافترق عن محمد بن يوسف أولياؤه وأشياعه فتقبض عليه، وقيد أسيرا إلى السلطان أبي تاشفين فقتل بين يديه قعصا بالرماح سنة تسع عشرة وسبعمائة وبعث برأسه إلى تلمسان، وصلب شلوه بالحصن الذي امتنع فيه أيام انتزائه. ورجع أمر وانشريس إلى عمر بن عثمان هذا، وحصلت ولايته لأبي تاشفين إلى أن هلك بتلمسان في بعض أيامهم مع بني مرين، أعوام نازلها السلطان أبو الحسن كما ذكرنا في أخبار الحصار.
ثم لما تغلب بنو مرين على المغرب الأوسط استعمل السلطان أبو الحسن ابنه نصر بن عمر على الجبل، وكان خير وال وفاء بالذمة والطاعة [3] وخلوصا في الولاية، وصدقا في الانحياش، وإحسانا للمملكة، وتوفيرا للجباية. ولما كانت نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان، وتطاول الأعياص من زناتة إلى استرجاع ملكهم، انتزى بضواحي المدية من آل عبد القوي عدي بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي، وناغى الخوارج في دعوتهم، واشتمل عليه بنو عزيز هؤلاء وبنو يرناتن جيرانهم، وزحف إلى جبل وانشريس لينال مع الحشم من يلي أمرهم والمداخلين لعدوهم في قطع دابرهم، وكبيرهم يومئذ نصر بن عمر بن عثمان. وبايع نصر المسعود ابن أبي زبد بن خالد بن محمد بن عبد القوي من أعقابهم، ثم خلص إليهم من
جملة عدي بن يوسف حذرا على نفسه من أصحابه. وقاتلهم عدي وقومه فامتنعوا عليه، ودارت بينهم حروب كانت العاقبة فيها والظهور لنصر بن عمر وقومه. ثم دخل عدي في جملة السلطان أبي الحسن لما خلص من تونس إلى الجزائر، وبقي مسعود بينهم وملكه أبو سعيد بن عبد الرحمن لما ملك تلمسان هو وقومه. فلم يزل هنالك الى أن غلبهم السلطان أبو عنان، فسار في جملته بعد أن فر إلى زواوة. واستنزله منها ونقله إلى فاس، وانقضى ملكهم ودولتهم، وانقطع أثر بني محمد بن عبد القوي. وأقام نصر بن عمر في ولاية جبل وانشريس وعقد له السلطان أبو عنان عليه سائر دولته. ولم يزل قائما بدعوة بني مرين من بعده إلى أن غلبهم السلطان أبو حمو الأخير، وهو ابن موسى بن يوسف على الأمر، فأعطاه نصر الطاعة. ثم اضطرمت نار الفتنة بين العرب وبين بني عبد الواد أعوام سبعين وسبعمائة، وقاموا بدعوة أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو، فانحاش نصر بن عمر إليهم، وأخذ بدعوة الأمير أبي زيان حينا. ثم هلك أيام تلك الفتنة وقام بأمرهم من بعده أخوه يوسف بن عمر متقبلا مذاهبه. وهو لهذا العهد وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة صاحب جبل وانشريس، وحاله مع أبي حمو مختلف في الطاعة والخلاف، والله مالك الأمور، لا رب غيره ولا معبود سواه
** (الخبر عن بني سلامة أصحاب قلعة تاوغزوت رؤساء بني يدللتن من بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وأوليتهم ومصايرهم) **
كان بنو يدللتن هؤلاء من شعوب بني توجين وأشدهم شوكة وأوفرهم عددا، وكان لهم ظهور من بين سائر تلك البطون. وكان بنو عبد القوي ملوك بني توجين يعرفون لهم ذلك، ويوجبون لهم حقه. ولما دخلوا إلى التلول بعد انقراض بني يلومي وبني ومانوا نزل بنو قاضي وبنو مادون بأرض منداس، فأوطنوها. وجاء بنو يدللتن على أثرهم، فأوطنوا الجعبات وتاوغزوت ورياستهم يومئذ لنصر بن سلطان بن عيسى. ثم هلك فقام بأمرهم ابنه مناد بن نصر، ثم أخوه علي بن نصر من بعده ثم ابنه إبراهيم بن علي من بعده. ثم هلك وقام بأمرهم أخوه سلامة بن علي على حين استفحل ملك عبد القوي وبنيه، فاستفحل أمره هو في قومه واختط القلعة بتاوغزوت المنسوبة إليه وإلى بنيه، وكانت من قبل رباطا لبعض المنقطعين من عرب سويد. ويزعم بنو سلامة هؤلاء أنهم دخلاء في نسب توجين، وأنهم من العرب من بني سليم بن منصور. وجاء جدهم عيسى أو سلطان نازعا عن قومه لدم أصابه فيهم، فخلطه شيخ بني يدللتن من بني توجين بنسبه، وكفل بنيه من بعده فكانت له سببا في رياسته على بني يدللتن وبنيه من بعده.
ولما هلك سلامة بن علي قام بأمرهم من بعده ابنه يغمراسن بن سلامة، على حين استغلظ بنو عبد الواد على بني توجين من بعد مهلك محمد بن عبد القوي سلطانهم الأكبر. فكان عثمان بن يغمراسن يتردد إلى بلادهم بالغزو، ويطيل فيها العيث.
ونازل في بعض غزواته قلعتهم هذه، وبها يغمراسن فامتنع عليه. وخالفه يوسف بن يعقوب وبنو مرين إلى تلمسان، فأجفل على القلعة وسابق بني مرين إلى دار ملكه.
واتبعه يغمراسن بن سلامة مغيرا في أعقابه، فكر عليه بالمكان المعروف بتليوان.
ودارت بينهم هناك حروب هلك فيها يغمراسن بن سلامة، وقام بالأمر من بعده أخو محمد بن سلامة، فأذعن لطاعة عثمان بن يغمراسن، وخالف بنو عبد القوي وجعل الإتاوة على قومه ووطنه لملوك بني عبد الواد، فلم تزل عليهم لملوك تلمسان. ولحق
اخوه سعد بالمغرب، وجاء في جملة السلطان يوسف بن يعقوب في غزوته التي حاصر فيها تلمسان حصاره الطويل، فرعى لسعد بن سلامة هجرته إليه وولاه على بني يدللتن والقلعة. وفر أخوه محمد بن سلامة فلحق بجبل راشد وأقام هنالك الى أن هلك يوسف بن يعقوب ورجع أمر المغرب الأوسط لبني عبد الواد فوضعوا الإتاوة على بني توجين وأصاروهم الى الجباية. ولم يزل سعد على ولايته إلى أن هلك أبو حمو وولي تاشفين، فسخط سعدا وبعث عن أخيه محمد من جبل راشد، فولاه مكانه.
ولحق سعد بالمغرب، وجاء في جملة السلطان أبي الحسن، ودخل أخوه محمد مع أبي تاشفين فانحصر بتلمسان، وولي سعد بن سلامة مكانه. ثم هلك محمد في بعض أيام الحصار وحروبه. ولما انقرض أمر بني عبد الواد رغب سعد من السلطان تخلية سبيله لقضاء فرضه، فحج وهلك مرجعه من الحج في طريقه. وعهد إلى السلطان أبي الحسن واستوصاه ببنيه على لسان وليه عريف بن يحيى كبير بني سويد. فولى السلطان أبو الحسن ابنه سليمان بن سعد على بني يدللتن والقلعة، وانتقض أمر السلطان أبي الحسن وعاد الأمر إلى أبي سعيد وأبي ثابت ابني عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، فكانت بينه وبينهم ولاية انحراف. وكان أولياؤهم من العرب بني سويد من زغبة لما كانوا جيرانهم في مواطنهم من ناحية القبلة، فطمع وترمار بن عريف شيخهم في التغلب على وطن بني يدللتن، ومانعه دونه سليمان هذا، وبالغ في دفاعه إلى أن ملك السلطان أبو عنان بلاد المغرب الأوسط، ورعى لوترمار وابنه عريف حق انحياشهم إليه وهجرتهم إلى قومه، فأقطع وترمار بن عريف القلعة وما إليها وجباية بني يدللتن أجمع. وألحق سليمان بن سعد بن سلامة في جنده ووجوه عسكره إلى أن هلك السلطان، وعاد الأمر لبني عبد الواد على يد أبي حمو الأخير، فولي سليمان على القلعة وعلى قومه. واستغلظ أمر العرب عليه فاستراب سليمان هذا ونذر بالشر منه، فلحق بأولاد عريف، ثم راجع الطاعة فتقبض عليه واغتاله، وذهب دمه هدرا. ثم غلبه العرب على عامة المغرب الأوسط، وأقطع القلعة وبني يدللتن لأولاد عريف استئلافا لهم. ثم أقطعهم بني مادون ثم منداس، فأصبحت بطون بني توجين كلها خولا لسويد وعبدا لجبايتهم إلا جبل وانشريس فإنه لم يزل لبني تيغرين والوالي عليهم يوسف بن عمر منهم كما قلناه. ونظم أبو حمو أولاد سلامة في جنده وأثبتهم في ديوانه وأقطعهم القصبات من نواحي تلمسان في عطائهم.
وهم على ذلك لهذا العهد. ولله الخلق والأمر، لا رب سواه ولا معبود إلا إياه، له الحكم وإليه ترجعون، وهو نعم المولى ونعم النصير، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
** الخبر عن بني يرناتن إحدى بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وما كان لهم من التقلب والامارة وذكر أوليتهم ومصايره **
كان بنو يرناتن هؤلاء من أوفر قبائل بني توجين وأعزهم جانبا وأكبرهم صيتا. ولما دخل بنو توجين إلى تلول المغرب الأوسط، أقاموا بمواطنهم الأولى ما بين واضون وزمتة [1] . ثم يعودون من القبلة يجولون جانبي نهر واصل من أعلى وادي شلف.
وكانت رياستهم في نصر بن علي بن تميم بن يوسف بن بونوال، وكان شيخهم مهيب ابن نصر منهم، وكان عبد القوي بن العباس وابنه محمد أمراء بني توجين يختصونهم بالإثرة والتجلة لمكانهم من قومهم، وما يؤنسون من عظيم عنائهم. وكان محمد بن عبد القوي في سلطانه يؤثر عليهم من الحشم أولاد عزيز، وكان واليهم لعهده وعهد بنيه عبو بن حسن بن عزيز. وقد كان أصهر مهيب بن نصر إلى عبد القوي في ابنته، فأنكحه إياها وولدت له نصر بن مهيب، فشرفت خؤولته لمحمد بن عبد القوي وعلا كعبه في إمارته. ثم ولي بعده ابنه علي بن نصر، وكان له من الولد نصر وعنتر وآخرون يعرفون بأمهم، واسمها تاسرغينت. وولي بعده ابنه نصر بن علي فطال أمد إمارته في قومه. واختلف بنو عبد القوي وغلبهم بنو عبد الواد على ما بأيديهم، فصرفت ملوك زناتة وجه العناية إليه، فبعد صيته وعرف بنوه من بعده بشهرته، وكان ولودا فيقال: إنه خلف ثلاثة عشر من البنين، ما منهم إلا صاحب حرب أو مقنب. ومن مشاهيرهم عمر الذي قتله السلطان أبو الحسن بمرات حين سعى به أنه داخل في اغتياله، ففر وأدرك فقتل بمرات. ومنهم منديل الذي قتله بنو تيغرين أيام ولوا علي ابن الناصر وقتلوا معه عبو بن حسن بن عزيز، ومنهم عنان ومات قتيلا في حصار تلمسان أيام أبي تاشفين، ومنهم مسعود ومهيب وسعدو وداود وموسى ويعقوب والعباس ويوسف في آخرين معروفين عندهم. هذا شأن أولاد نصر بن علي بن نصر ابن مهيب.
وأما ولد عنتر أخيه فكان منهم أبو الفتوح بن عنتر. ثم من ولده عيسى بن أبي الفتوح، فكان رئيسا على بني أبيه، وكانت إحدى وصائفهم سقطت بدار عثمان بن يغمراسن، وادعت الحمل من سيدها أبي الفتوح، وجاءت بأخ لعيسى يسمى معروفا، ربي بدارهم. واستوزره أبو حمو وابنه من بعده، وبلغ المبالغ في دولتهم وكان يدعى معروفا الكبير. ولحق به أيام رياسته في دولة أبي حمو الأول أخوه عيسى ابن أبي الفتوح مغاضبا لقومه، فسعى له في الولاية على بني راشد وجباية أوطانهم، وأنزله بلد سعيدة، فكانت له بها إمارة، وكان له من الولد أبو بكر وعبو وطاهر ووترمار، وعند ما غلب بنو مرين على بني عبد الواد ولاهم السلطان أبو الحسن على بني يرناتن متداولين وأما ولد تاسرغينت من بني علي بن نصر بن مهيب، فلم يكن لهم ذكر في رياسة قومهم، إلا أن بعض وصائفهم سقطت أيضا إلى دار أبي تاشفين
فولدت غلاما يعرف بعطية بن موسى نشأ في دارهم ينسب إلى بني تاسرغينت هؤلاء.
وتناولته النجابة في خدمتهم، فولوه الأعمال النبيهة، وهو لهذا العهد عامل أبي حمو الأخير على شلف وما إليها. وقد غلب العرب لهذا العهد على وطن بني يرناتن، وملكوا عليهم يعود ماحنون. وبقيت صبابتهم بجبل ورنيد [1] . وعليهم لهذا العهد سعيد بن عمر من ولد نصر بن علي بن نصر بن مهيب، يعطون المغرم للسلطان ويصانعون العرب بالإتاوة. وبيد الله تصاريف الأمور سبحانه لا رب غيره.
** الخبر عن بني مرين وأنسابهم وشعوبهم وما تأثلوا بالمغرب من السلطان والدولة التي استعملت سائر زناتة وانتظمت كراسي الملك بالعدوتين وأولية ذلك ومصايره **
قد ذكرنا أن بني مرين هؤلاء من شعوب بني واسين، وذكرنا نسب واسين في زناتة، وذكرنا أنهم بنو مرين بن ورتاجن بن ماخوخ بن جديج بن فاتن بن يدر بن يخفت ابن عبد الله بن ورتنيص بن المعز بن إبراهيم بن سجيك بن واسين، وأنهم إخوة بني يلومي ومديونة. وربما يشهد بذلك جوار مواطنهم قبل الملك ما بين صا [1] وملوية.
وذكرنا كيف اقتسموا الضاحية والقفر مع إخوانهم بني بادين [2] بن محمد، وكيف اتصلت فتنتهم معهم سائر أيامهم. وكان الغلب أولا لبني بادين بن محمد لكثرة عددهم، فإنهم كما ذكرنا خمسة بطون: بنو عبد الواد وتوجين ومصاب، وبنو زردال وإخوانهم بنو راشد بن محمد. وكانوا أهل تلول المغرب الأوسط دونهم. وبقي هذا الحي من بني مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملوية. وربما يتخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب. ويذكر نسابتهم أن الرئاسة فيهم قبل تلك العصور كانت لمحمد بن ورزين [3] بن فكوس بن كوماط بن مرين، وأنه كان لمحمد إخوة آخرون يعرفون بأمهم تنالفت. وكان بنو عمه ونكاسن بن فكوس. وكان لمحمد من الولد سبعة: شقيقان وهما حمامة وعسكر. وأبناء علات أمهات أولاد، وهم سنكمان وسكميان وسكم ووراغ وقزونت [4] وتسمى هذه الخمسة في لسانهم تيريغين، ومعناه عندهم الجماعة.
يزعمون أن محمدا لما هلك قام بأمره في قومه ابنه حمامة، وكان الأكبر. ثم من بعده أخوه عسكر، وكان له من الولد ثلاثة: نكوم وأبو يكنى، ويلقب المخضب، وعلي ويلقب لاعدر. ولما هلك قام برياسته فيهم ابنه المخضب، فلم يزل أميرا عليهم إلى أن كان أمر الموحدين. وزحف عبد المؤمن إلى تاشفين بن علي بن يوسف، فحاصره
بتلمسان. وسرح الشيخ أبا حفص في العساكر لحرب زناتة بالمغرب الأوسط، وجمع له بنو بادين كلهم وبنو يلومي وبنو مرين ومغراوة، ففض الموحدون جموعهم واستلحموا أكثرهم. ثم راجع بنو يلومي وبنو بادين طاعتهم، وأخلص بنو عبد الواد في خدمتهم ونصيحتهم. ولحق بنو مرين بالقفر، فلما غلب عبد المؤمن على وهران واستولى على أموال لمتونة وبعث ذخيرتهم بتلك الغنائم إلى جبل تين ملل حيث داره، ومن أين كان منبعث الدعوة. وبلغ الخبر إلى بني مرين بمكانهم من الزاب، وشيخهم يومئذ المخضب بن عسكر، فأجمع اعتراضهما بقومه. ولحق العير بوادي تلاغ، فاحتازها من أيدي الموحدين. واستنفر عبد المؤمن لاستنقاذها أولياءه من زناتة، وسرحهم مع الموحدين لذلك، فأبلى بنو عبد الواد فيها بلاء حسنا. وكان اللقاء في فحص مسون، وانكشف بنو مرين، وقتل المخضب بن عسكر، واكتسح بنو عبد الواد حللهم، وذلك سنة أربعين وخمسمائة. فلحق بنو مرين بعدها بصحرائهم ومجالات قفرهم، وقام بأمرهم من بعد المخضب أبو بكر ابن عمه حمامة ابن محمد إلى أن هلك، فقام بأمره ابنه محيو، ولم يزل مطاعا فيهم إلى أن استنفرهم المنصور لغزاة الأركة، فشهدوها وأبلوا البلاء الحسن. وأصابت محيو يومئذ جراحة انتقضت عليه مرجعه منها، فهلك بصحراء الزاب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
وكان من رياسة عبد الحق ابنه من بعده، وبقائها في عقبه ما نذكره إن شاء الله تعالى
** الخبر عن إمارة عبد الحق بن محيو المستقرة في بنيه وإمارة ابنه عثمان من بعده ثم أخيه محمد بن عبد الحق بعدهما وما كان فيها من الأحداث **
لما هلك محيو بن أبي بكر بن حمامة من جراحته كما قلناه، وكان له من الولد عبد الحق ووسناف ويحياتن. وكان عبد الحق أكبرهم، فقام بأمر بني مرين، وكان خير أمير عليهم قياما بمصالحهم وتعففا عما في أيديهم، وتقويما لهم على الجادة ونظرا في العواقب، واستمرت أيامهم. ولما هلك الناصر رابع خلفاء الموحدين بالمغرب سنة عشر وستمائة مرجعه من غزاة العقاب، وقام بأمر الموحدين من بعده ابنه يوسف المستنصر، نصبه الموحدون للأمر غلاما لم يبلغ الحلم. وشغلته أحوال الصبا وجنونه عن القيام بالسياسة وتدبير الملك، فأضاع الحزم وأغفل الأمور. وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه. ونفس عن مخنقهم من قبضة الاستبداد والقهر، فضاعت الثغور وضعفت الحامية. وتهاونوا بأمرهم، وفشلت ريحهم. وكان هذا الحي لذلك العهد بمجالات القفار، من فيكيك الى صا وملوية كما قدمناه من شأنهم. وكانوا يطرقون في صعودهم إلى التلول والأرياف منذ أول دولة الموحدين وما قبلها جهات كرسيف إلى وطاط، ويأنسون بمن هنالك من بقايا زناتة الأولى: مثل مكناسة بجبال تازى، وبني يرنيان من مغراوة الموطنين قصور وطاط من أعالي ملوية. فيتقلبون بتلك الجهات عام المربع والمصيف، وينحدرون إلى مشاتيهم بما امتاروه من الحبوب لأقواتهم. فلما رأوا من اختلال بلاد المغرب ما رأوا انتهزوا فيها الفرصة، وتخطوا إليها القفر، ودخلوا ثناياه، وتفرقوا في جهاته.
وأرجفوا بخيلهم وركابهم على ساكنه، واكتسحوا بالغارة والنهب عامة بسائطهم. ولجأت الرعايا إلى معتصماتهم ومعاقلهم، وكثر شاكيهم. وأظلم الجو بينهم وبين السلطان والدولة، فآذنوهم بالحرب وأجمعوا لغزوهم وقطع دابرهم. وأغرى الخليفة المستنصر عظيم الموحدين أبا علي بن وانودين بجميع العساكر والحشود من مراكش، وسرحه إلى السيد أبي إبراهيم ابن أمير الموحدين يوسف بن عبد المؤمن بمكانه من إمارة فاس. وأوعز إليه أن يخرج لغزو بني مرين، وأمره أن يثخن ولا
يستبقي. واتصل الخبر ببني مرين وهم في جهات الريف وبلاد بطوية، فتركوا أثقالهم بحصن تازوطا، وصمدوا إليهم. والتقى الجمعان بوادي نكور، فكان الظهور لبني مرين والدبرة على الموحدين. وامتلأت الأيدي من أسلابهم وأمتعتهم، ورجعوا إلى تازى وفاس عراة يخصفون عليهم من ورق النبات المعروف عند أهل المغرب بالمشغلة. يوارون به سوءاتهم لكثرة الخصب عامئذ، واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلاء. حتى لقد سميت الواقعة يومئذ بعام المشغلة.
وصمد بنو مرين بعدها إلى تازى، ففلوا حاميتها أخرى. ثم اختلفت بنو محمد رؤساؤهم وانتبذ عنهم من عشائرهم بنو عسكر بن محمد، لمنافسة وجدوها في أنفسهم من استقلال بني عمهم حمامة بن محمد بالرياسة دونهم، بعد أن كان أومض عندهم منها في عسكر، وابنه المخضب إيماض من أخلف بارقه. فحالفوا عبد الحق أميرهم وقومه إلى مظاهرة أولياء الموحدين، وحامية المغرب من قبائل رياح الموطنين بالهبط وأزغار لحديث عهدهم بالتوحش والعز منذ إنزال المنصور إياهم بذلك القطر من إفريقية، فتحيزوا إليهم وكاثروهم على قومهم.
وصمدوا جميعا للقاء بني مرين سنة أربع عشرة وستمائة، ودارت بينهم حرب تولى الصبر مقامها. وهلك فيها أميرهم عبد الحق وكبير بنيه إدريس. وتذامر لمهلكها بنو مرين. وجلى في تلك الحومة حمامة بن يصليتن من بني عسكر، والأمير ابن محيو السكمي. فانكشفت رياح آخرا، وقتل منهم أبطال. وولى بنو مرين عليهم بعد مهلك عبد الحق ابنه عثمان تلو إدريس، وشهرته بينهم أدرغال، ومعناه برطانتهم الأعور. وكان لعبد الحق من الولد عشرة، تسعة ذكور وأختهم ورتطليم: فإدريس وعبد الله ورحو لامرأة من بني علي اسمها سوط النساء، وعثمان ومحمد لامرأة من بني ونكاسن اسمها النوار بنت تصاليت، وأبو بكر لامرأة من بني تنالفت وهي تاغزونت بنت أبي بكر بن حفص، وزيان لامرأة من بني ورتاجن، وأبو عياد لامرأة من بني وللوى إحدى بطون عبد الواد واسمها أم الفرج، ويعقوب لأم اليمن بنت محلى من بطوية. وكان أكبرهم إدريس الهالك مع أبيه عبد الحق، فقام بأمر بني مرين من بعد عبد الحق ابنه عثمان، بايعه لوقته حمامة بن يصليتن ولمير بن محيو ومن إليهما من مشيخة قومهما. واتبعوا منهزمة رياح وأثخنوا فيهم. وثار عثمان بأبيه وأخيه حتى شفا نفسه منهم ولاذوا بالسلم، فسالمهم على أتاوة يؤدونها إليه وإلى قومه كل سنة. ثم
استشرى من بعد ذلك داء بني مرين وأعضل خطبهم، وكثر الثوار بالمغرب، وامتنع عامة الرعايا عن المغرم، وفسدت السابلة. واعتصم الأمراء والعمال من السلطان فمن دونه بالأمصار والمدن، وغلبوا أولئك على الضاحية. وتقلص ظل الحكام عن البدو جملة. وافتقد بنو مرين الحامية دون الوطن والدفاع، فمدوا إلى البلاد يدا. وسار بهم أميرهم أبو سعيد عثمان بن عبد الحق في نواحي المغرب يتقرى مسالكه وشعوبه، ويضع المغارم على أهله حتى دخل أكثرهم في أمره، فبايعه من الظواعن الشاوية والقبائل الآهلة: هوارة وزكارة، ثم تسول ومكناسة، ثم بطوية وقشتالة، ثم سدراتة وبهلولة ومديونة. ففرض عليهم الخراج وألزمهم المغارم، وفرق فيهم العمال. ثم فرض على أمصار المغرب مثل فاس وتازى ومكناسة وقصر كتامة ضريبة معلومة يؤدونها إليه على رأس كل حول، على أن يكف الغارة عنهم ويصلح سابلتهم. ثم غزا ظواعن زناتة سنة عشرين وستمائة، وأثخن فيهم حتى أذعنوا، وقبض أيديهم عما امتدت إليه من الفساد والنهب. وعطف بعدها على رياح أهل أزغار والهبط وأثأر به بأبيه، فأثخن فيهم وأبادهم. ولم يزل دأبه ذلك إلى أن هلك باغتيال علجة سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وقام بأمر بني مرين من بعده أخوه محمد بن عبد الحق، فتقبل سنن أخيه في تدويخ بلاد المغرب وأخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم والوضائع من ظواعنه وبدوه وسائر رعاياه. وبعث الرشيد أبا محمد بن وانودين لحربهم. وعقد له على مكناسة، فدخلها وأجحف بأهلها في المغارم. ثم نزل بنو مرين بمتيجة وغيرها من ضواحيها، فنادى في عساكره وخرج إليهم، فدارت بينهم حرب شديدة هلك فيها خلق من الجانبين. وبارز محمد بن إدريس بن عبد الحق قائدا من الروم، واختلفا ضربتين هلك العلج بإحداهما، وانجرح محمد في وجهه بالأخرى. واندمل جرحه، فصار أثر في وجهه لقب من أجله أبا ضربة. ثم شد بنو مرين على الموحدين، فانكشفوا ورجع ابن وانودين إلى مكناسة مفلولا. وبقي بنو عبد المؤمن أثناء ذلك في مرض من الأيام، وتثاقل عن الحماية. ثم أومضت دولتهم آخرا إيماض الخمود. وذلك أنه لما هلك الرشيد بن المأمون سنة أربعين وستمائة، وولي أخوه علي وتلقب بالسعيد، وبايعه أهل المغرب، انصرفت عزائمه إلى غزو بني مرين، وقطع أطماعهم عما سمت إليه من تملك الوطن، فأغزى عسكر الموحدين لقتالهم، ومعهم قبائل العرب والمصامدة
وجموع الروم. فنهضوا سنة اثنتين وأربعين وستمائة في جيش كثيف يناهز عشرين ألفا فيما زعموا. وزحف إليهم بنو مرين بوادي ياباش، وصبر الفريقان، وهلك الأمير محمد بن عبد الحق في الجولة بيد زعيم من زعماء الروم. وانكشفت بنو مرين واتبعهم الموحدون، ودخلوا تحت الليل، فلحقوا بجبال غياثة من نواحي تازى واعتصموا بها أياما. ثم خرجوا إلى بلاد الصحراء، وولوا عليهم أبا يحيى بن عبد الحق، فقام بأمرهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن دولة الأمير أبي يحيى بن عبد الحق مديل الأمر لقومه بني مرين وفاتح الأمصار ومقيم الرسوم الملوكية من الآلة وغيرها لمن بعده من امرائهم **
لما ولي أبو يحيى بن عبد الحق أمر بني مرين سنة اثنتين وأربعين وستمائة، كان من أول ما ذهب إليه ورآه من النظر لقومه، أن قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين عشائر بني مرين. وأنزل كلا منهم في ناحية تسوغها سائر الأيام طعمة. فاستركبوا الرجل أتباعهم، واستلحقوا من غاشيتهم، وتوفرت عساكرهم. ثم نبضت نار المنافسة بين أحيائهم، وخالف بنو عسكر جماعتهم، وصاروا إلى الموحدين، فحرضوهم على أبي يحيى بن عبد الحق وبني حمامة وأغروهم بهم. وبعثوا الصريخ إلى يغمراسن بن زيان، فوصل في قومه إلى فاس. واجتمعوا جميعا إلى قائد الموحدين. وأعطوا الرهن على صدق البلاء في الأمير أبي يحيى وأتباعه. وصمدوا إليه حتى انتهوا إلى ورغة، ثم إلى كرت [1] . وأعجزهم فانكفوا راجعين إلى فاس. ونذر يغمراسن بغدر الموحدين، فخرج في قومه مع أوليائه بني عسكر. وعارضهم الأمير أبو يحيى بوادي سبو، فلم يطق حربهم. ورجع عنهم عسكر الموحدين بما صرخ في معسكرهم من موت الخليفة السعيد. ثم بعثوا إليهم لملاطفتهم في الفيئة إلى الطاعة ومذاهب الخدمة، القائد عنبر الخصي مولى الخليفة في حصة من الروم والناشبة، فتقبض عليهم بنو عسكر وتمسكوا بهم في رهنهم. وقتلوا كافة النصارى، فأطلق أبناءهم ولحق
يغمراسن وقومه بتلمسان. ثم رجع بنو عسكر إلى ولاية أميرهم أبي يحيى. واجتمع بنو مرين لشأنهم وتملكوا الأعمال. ثم مدوا عينهم إلى تملك الأمصار، فنزل أبو يحيى بجملته جبل زرهون. ودعا أهل مكناسة إلى بيعة الأمير أبي زكريا بن أبي حفص صاحب إفريقية، لما كان يومئذ على دعوته وفي ولايته، فحاصرها وضيق عليها بقطع المرافق وترديد الغارات ومعاودة الحرب، إلى أن أذعنوا لطاعته، فافتتحها صلحا بمداخلة أخيه يعقوب بن عبد الحق لزعيمها أبي الحسن بن أبي العافية.
وبعثوا بيعتهم إلى الأمير أبي زكريا، وكانت من إنشاء أبي المطرف بن عميرة، كان قاضيا فيهم يومئذ، فأقطع السلطان ليعقوب ثلث جبايتها، ثم أحس الأمير أبو يحيى بن عبد الحق من نفسه الاستبداد، ومن قبيله الاستيلاء فاتخذ الآلة. وبلغ الخبر إلى السعيد بتغلبه على مكناسة وصرفها إلى دعوة ابن أبي حفص، فوجم لها وفاوض الملأ من أهل دولته في أمره، وأراهم كيف اقتطع الأمر عنهم شيئا فشيئا:
فابن أبي حفص اقتطع إفريقية. ثم يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد اقتطعوا تلمسان والمغرب الأوسط، وأقاموا فيها دعوة ابن أبي حفص، وأطمعوه في الحركة إلى مراكش بمظاهرتهم. وابن هود اقتطع عدوة الأندلس، وأقام فيها دعوة بني العباس، وابن الأحمر في الجانب الآخر مقيم لدعوة ابن أبي حفص. وهؤلاء بنو مرين تغلبوا على ضواحي المغرب، ثم سموا إلى تملك الأمصار. ثم افتتح أميرهم أبو يحيى مكناسة وأظهر فيها دعوة ابن أبي حفص، وجاهر بالاستبداد. ويوشك إن رضينا هذه الدنية، وأغضينا عن هذه الواقعات، أن يختل الأمر أو تنقرض الدعوة. فتذامروا وامتعضوا وتداعوا للصمود إليهم، فجهز السعيد عساكره.
واحتشد عرب المغرب وقبائله، واستنفر الموحدين والمصامدة، ونهض من مراكش سنة خمس وأربعين وستمائة يريد مكناسة: وبني مرين أولا، ثم تلمسان ويغمراسن ثانيا، ثم إفريقية وابن أبي حفص آخرا. واعترض العساكر والحشود بوادي بهت.
ووصل الأمير أبو يحيى إلى معسكره متواريا عنهم عينا لقومه، حتى صدقهم كنه الخبر. وعلم أن لا طاقة له بهم، فأفرج عن البلاد. وتناذر بنو مرين بذلك من أماكنهم، فتلاحقوا به واجتمعوا إليه بتازوطا من بلاد الريف. ونزل سعيد مكناسة، ولاذ أهلها بالطاعة، وسألوا العفو عن الجريرة. واستشفعوا بالمصاحف، برز بها الأولاد على رءوسهم، وانتظموا مع النساء في صعيد حاسرات منكسرات الطرف من
الخشوع ووجوم الذنب والتوسل. فعفا عنهم وتقبل فيئهم، وارتحل إلى تازى في اتباع بني مرين. وأجمع بنو أوطاس الفتك بأبي يحيى بن عبد الحق غيرة ومناسفة، ودس إليه بذلك مهيب من مشيختهم، فترحل عنهم إلى بلاد بني يزناسن، ونزل بعين الصفا.
ثم راجع نظره في مسالمة الموحدين والفيئة إلى أمرهم ومظاهرتهم على عدوهم يغمراسن وقومه من بني عبد الواد، ليكون فيها شفاء نفسه منهم، فأوفد مشيخة قومه عليه بتازى، فأدوا طاعته وفيئته، فتقبلها وصفح لهم عن الجرائر التي أتوها.
وسألوه أن يستكفي بالأمير أبي يحيى في أمر تلمسان ويغمراسن، على أن يمده بالعساكر رامحة وناشبة، فاتهمهم الموحدون وحذروا منهم غائلة العصبية، فأمرهم السعيد بالعسكرة معه، فأمده الأمير أبو يحيى بخمسمائة من قبائل بني مرين. وعقد عليهم لابن عمه أبي عياد بن يحيى بن أبي بكر بن حمامة، وخرجوا تحت رايات السلطان. ونهض من تازى يريد تلمسان وما وراءها، وكان من خبر مهلكه على جبل تامززدكت بيد بني عبد الواد ما ذكرناه في أخبارهم.
ولما هلك وانفضت عساكره متسابقين إلى مراكش، وجمهورهم مجتمعون إلى عبد الله ابن الخليفة السعيد ولي عهده، وتحت رايات أبيه. وطار الخبر بذلك إلى الأمير أبي يحيى بن عبد الحق، وهو بجهات بني يزناسن. وقد خلص إليه هنالك ابن عمه أبو عياد. وبعث بني مرين من تيار تلك الصدمة، فانتهز الفرصة وأرصد لعسكر الموحدين وفلهم بكرسيف، فأوقع بهم وامتلأت أيدي بني مرين من أسلابهم، وانتزعوا الآلة من أيديهم. وأصار إليه كتيبة الروم والناشبة من الغزو، واتخذ الموكب الملوكي. وهلك الأمير عبد الله بن السعيد في جوانب تلك الملحمة، ويئسوا للموحدين بعدها من الكرة. ونهض الأمير أبو يحيى وقومه إلى بلاد المغرب مسابقين إليه يغمراسن بن زيان بما كان ملوك الموحدين، أوجدوهم السبيل إلى ذلك باستجاشة على بني مرين أيام فتنتهم معهم، فكانوا يبيحونه حرم المغرب ويوطئونه عساكر قومه ما بين تازى إلى فاس، إلى القصر مع عساكر الموحدين، فكان ليغمراسن وقومه بذلك طمع فيها لولا ما كبحهم فأس بني مرين وجدع من أنوفهم.
وكان أول ما بدأ به أبو يحيى بن عبد الحق أعمال وطاط، فافتتح حصونهم بملوية
ودوخ جبلهم. ثم رحل إلى فاس، وقد أجمع أمره على انتزاعها من ملكة بني عبد المؤمن، وإقامة الدعوة لابن أبي حفص بها وبسائر نواحيها. والعامل بها يومئذ السيد أبو العباس، فأناخ عليها بركابه. وتلطف في مداخلة أهلها، وضمن لهم جميل النظر وحميد السياسة. وكف الأيدي عنهم، والحماية لهم بحسن المغبة، وصالح العائدة، فأجابوه ووثقوا بعهده وعنائه. وآووا إلى ظله وركنوا إلى طاعته، وانتحال الدعوة الحفصية بأمره. ونبذوا طاعة بني عبد المؤمن يأسا من صريخهم وكثرتهم. وحضر أبو محمد القشتالي، وأشهده الله على الوفاء بما اشترط على نفسه من النظر لهم والذب عنهم، وحسن الملكة والكفالة. وتقبل مذاهب العدل فيهم، فكان حضوره ملاك تلك العقدة والبركة التي يعرف أثرها خلفهم في تلك البيعة. وكانت البيعة بالرابطة خارج باب الفتوح. ودخل إلى قصبة فاس لشهرين اثنين من مهلك السعيد، فاتح ست وأربعين وستمائة. وأخرج السيد أبا العباس من القصبة، وبعث معه خمسين فارسا أجازوه أم ربيع ورجعوا. ثم نهض إلى منازلة تازى، وبها السيد أبو علي، فنازلها أربعة أشهر. ثم نزلوا على حكمه، فقتلهم ومن على آخرين منهم. وسد ثغرها، وثقف أطرافها، وأقطع رباط تازى وحصون ملوية لأخيه يعقوب بن عبد الحق. ورجع إلى فاس، فوفد عليه بها مشيخة أهل مكناسة، وجددوا بيعتهم وعاودوا طاعتهم. ولحق بهم على أثرهم أهل سلا ورباط الفتح، فتملك الأمير أبو يحيى هذه البلاد الأربعة أمهات أمصار المغرب. واستولى على نواحيها إلى وادي أم ربيع، فأقام فيها دعوة ابن أبي حفص، وبعث بها إليه. واستبد بنو مرين بملك المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد بملك المغرب الأوسط، وبنو أبي حفص بإفريقية. وخمد ذبال آل عبد المؤمن، وركدت ريحهم، وآذنت بالانقراض دولتهم، وأشرف على الفناء أمرهم. وإلى الله عاقبة الأمور.
** الخبر عن انتقاض أهل فاس على أبي يحيى بن عبد الحق وظفره بهم بعد إيقاعه بيغمراسن وقومه بايسلى **
لما ملك الأمر أبو يحيى بن عبد الحق بمدينة فاس سنة ست وأربعين وستمائة، استولى على بلاد المغرب بعد مهلك السعيد. وقام بأمر الموحدين بمراكش أبو حفص عمر
المرتضى ابن السيد أبي إبراهيم إسحاق الذي كان قائد عسكر الموحدين في حربهم مع بني مرين عام المشغلة، ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. كان السعيد تركه واليا بقصبة رباط الفتح من سلا، فاستدعاه الموحدون وبايعوه بيعة الخلافة. وقام بأمرهم، فلما تغلب الأمير أبو يحيى على بلاد المغرب وملك مدينة فاس كما ذكرناه، خرج إلى بلاد فازاز والمعدن لفتح بلاد زناتة وتدويخ نواحيها.
واستعمل على فاس مولاه السعود بن خرباش، من جماعة الحشم أخلاف بني مرين وصنائعهم. وكان الأمير أبي يحيى استبقى بها من كان فيها من عسكر الموحدين من غير عيصهم في السبيل التي كانوا عليها من الخدمة. وكان فيهم طائفة من الروم، استخدمهم إلى نظر قائدهم شأنه، وكانوا من حصة السعود هنالك. ووقعت بينهم وبين شيع الموحدين من أهل البلد مداخلة، وفكوا بالسعود عاملهم وقلبوا الدعوة للمرتضى الخليفة بمراكش سكيت الحلبة ومخلف المضمار. وكان المتولي لكبر تلك الثورة ابن حشار المشرف وأخوه وابن أبي طاهر [1] وابنه، اجتمعوا إلى القاضي أبي عبد الرحمن المغيلي، زعيم فئة الشورى بينهم يومئذ وتوامروا فيها. وأغروا قائد الروم بقتل السعود، وعدوا عليه بمقعد حكمه من القصبة، وهاجوه ببعض المحاورات فغضب. ووثب عليه الرومي، فقتله وطاف برأسه الهاتف بسكك المدينة في شوال سنة سبع وأربعين وستمائة. وانتهبت داره، واستبيحت حرمه. ونصبوا قائد الروم لضبط البلد، وبعثوا بيعتهم إلى المرتضى. واتصل الخبر بالأمير أبي يحيى، وهو منازل بلد فازاز، فأفرج عنها. وأغذ السير إلى فاس، فأناخ بعساكره عليها. وشمر لحصارها، وقطع السابلة عنها. وبعثوا إلى المرتضى بالصريخ، فلم يرجع إليهم قولا، ولا ملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا وجه لما نزل بهم وجها. حاشا إنه استجاش بالأمير أبي يحيى يغمراسن بن زيان على أمره، وأغراه بعدوه، وأمله لكشف هذه النازلة عمن انحاش إلى طاعته.
وتعلقت أطماع يغمراسن بطروق بلاد المغرب، فاحتشد لحركته. ونهض من تلمسان للأخذ بحجزة الأمير أبي يحيى عن فاس، وإجابة صريخ الخليفة لذلك. وبلغ الأمير أبا يحيى خبر نهوضه إليه لتسعة أشهر من منازلته البلد، فجمر الكتائب عليها.
صمد إليه قبل وصوله من تخوم بلاده، والتقى الجمعان بايسلى من بسائط وجدة، فتزاحف القوم وأبلوا. وكانوا ملحمة عظيمة، هلك فيها عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بيد إبراهيم بن هشام من بني عبد الواد. ثم انكشف بنو عبد الواد، وهلك يغمراسن بن تاشفين من أكابر مشيختهم، ونجا يغمراسن بن زيان إلى تلمسان.
وانكفأ الأمير أبو يحيى إلى معسكره للأخذ بمخنق فاس، فسقط في أيدي أهلها، ولم يجدوا وليجة من دون طاعته، فسألوا الأمان، وبذله لهم على غرم ما تلف له من المال بداره يوم الثورة، وقدره مائة ألف دينار، فتحملوها. وأمكنوه من قياد البلد، فدخلها في جمادى من سنة ثمان وأربعين وستمائة. وطالبهم بالمال، فعجزوا ونقضوا شرطه، فحق عليهم القول. وتقبض على القاضي أبي عبد الرحمن وابن أبي طاطو وابنه، وابن حشار وأخيه المتولين كبر الفعلة فقتلهم، ورفع على الشرفات رءوسهم.
وأخذ الباقين بغرم المال طوعا أو كرها، فكان ذلك مما عبد رعية فاس وقادهم لأحكام بني مرين. وضرب الرهب على قلوبهم لهذا العهد، فخشعت منهم الأصوات وانقادت الهمم، ولم يحدثوا بعدها أنفسهم بغمس يد في فتنة. والله مالك الأرض ومن عليها.
** الخبر عن تغلب الأمير أبي يحيى على مدينة سلا وارتجاعها من يده وهزيمة المرتضى بعدها **
لما كمل للأمير أبي يحيى فتح مدينة فاس، واستوسق أمر بني مرين بها، رجع إلى ما كان فيه من منازلة بلاد فازاز فافتتحها. ودوخ أوطان زناتة، واقتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين فيها. ثم تخطى إلى مدينة سلا ورباط الفتح سنة تسع وأربعين وستمائة، فملكها وتاخم الموحدين بثغرها. واستعمل عليها ابن أخيه يعقوب بن عبد الله ابن عبد الحق، وعقد له على ذلك الثغر، وضم إليه الأعمال. وبلغ الخبر بذلك إلى المرتضى، فأهمه الشأن. وأحضر الملأ من الموحدين وفاوضهم، واعتزم على حرب بني مرين. وسرح العساكر سنة خمسين وستمائة، فأحاطت بسلا، فافتتحوها وعادت إلى طاعة المرتضى. وعقد عليها لأبي عبد الله بن أبي يعلو من مشيخة الموحدين. وكان المرتضى قد صمد بنفسه سنة تسع وأربعين وستمائة إلى محاربة بني
مرين في جموع الموحدين وعساكر الدولة، صمد بنو مرين للقائه. والتقى الجمعان بايملولين، ففضوا جموعه، وكانت الدبرة عليه والظهور لهم. ثم كان بعدها فتح سلا، وغلب الموحدين عليها. وأجمع المرتضى بعدها على احتشاد أهل سلطانه، ومعاودة الخروج بنفسه إلى غزوهم لما خشي من امتداد أمرهم. وتقلص ملك الموحدين، فعسكر خارج حضرته سنة ثلاث وخمسين وستمائة وبعث الحاشرين في الجهات، فاجتمع إليه أمم الموحدين والعرب والمصامدة. وأغذ السير تلقاءهم، حتى إذا انتهى إلى جبال بهلولة من نواحي فاس، وصمد إليه الأمير أبو يحيى في عساكر بني مرين، ومن اجتمع إليهم من دونهم. والتقى الجمعان هنالك. وصدقهم بنو مرين القتال، فاختل مصاف السلطان، وانهزمت عساكره وأسلمه قومه. ورجع إلى مراكش مفلولا. واستولى القوم على معسكره واستباحوا سرادقه وفساطيطه، وانتهبوا جميع ما وجدوا بها من المال والذخيرة، واستاقوا سائر الكراع والظهر، وامتلأت أيديهم من الغنائم. واعتز أمرهم، وانبسط سلطانهم، وكان يوما له ما بعده. وأغرى أثر هذه الحركة عساكر بني مرين تادلا [1] واستباح بني جابر حاميتها من جشم ببلد أبي نفيس، واستلحم أبطالهم، وألان من حدهم، وخضد من شوكتهم. وفي أثناء هذه الحروب كان مقتل علي بن عثمان بن عبد الحق، وهو ابن أخي الأمير أبي يحيى. شعر منه بفساد الدخلة والاجتماع للتوثب به، فدس لابنه أبي حديد مفتاح بقتله، بجهات مكناسة سنة إحدى وخمسين وستمائة. والله تعالى أعلم.
** (الخبر عن فتح سجلماسة وبلاد القبلة وما كان في ذلك من الاحداث) **
لما يئس بنو عبد المؤمن من غلبهم بني مرين على ما صار في أيديهم من بلاد المغرب وعادوا إلى مدافعتهم عن صمامة الدولة التي تحملت إياها شفافهم لو أطاقوا المدافعة عنها وملك بنو مرين عامة بلاد التلول، اعتزم الأمير أبو يحيى بعدها على الحركة إلى بلاد القبلة ففتح سجلماسة ودرعة وما إليها سنة ثلاث وخمسين وستمائة وافتتحها بمداخلة من ابن القطراني، غدر بعامل الموحدين فتقبض عليه، وأمكن منها الأمير
أبا يحيى فملكها، وما إليها من درعة سائر بلاد القبلة. وعقد لابنه أبي حديد. وبلغ الخبر إلى المرتضى فسرح العساكر سنة أربع وخمسين وستمائة لاستنقاذها، وعقد عليهم لابن عطوش، ففر راجعا إلى مراكش، ثم نهض سنة خمس وخمسين وستمائة إلى محاربة يغمراس وبنيه بأبي سليط، فأوقع بهم واعتزم على اتباعه، فثناه عن رأيه في ذلك أخوه يعقوب بن عبد الحق لعهد تأكد بينه وبين يغمراس فرجع. ولما انتهى إلى المقر مدة هذه، بلغه أن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة من بعض أهلها أطمعته في ملكها، فأغذ السير إليها بجموعه، ودخلها ولصبيحة دخوله وصل يغمراسن لشأنه، فلما علم بمكان أبي يحيى من البلد سقط في يده ويئس من غلابه، ودارت بينهم حرب تكافئوا فيها وهلك سليمان بن عثمان بن عبد الحق ابن أخي الأمير أبي يحيى، وانقلب يغمراسن إلى بلده، وعقد الأمير أبو يحيى على سجلماسة ودرعة وسائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن، واستعمل على الجباية عبد السلام الأوربي وداود بن يوسف، وانكفأ راجعا إلى فاس. والله تعالى أعلم.
** الخبر عن مهلك أبي يحيى وما كان اثر ذلك من الاحداث التي تمحضت عن استبداد أخيه يعقوب بن عبد الحق بالأمر **
لما رجع الأمير أبو يحيى من حرب يغمراسن بسجلماسة، أقام أياما بفاس. ثم نهض إلى سجلماسة متفقدا لثغورها، فانقلب منها عليلا. وهلك حتف أنفه على سرير ملكه في رجب سنة ست وخمسين وستمائة أمضى ما كان عزما، وأطول إلى تناول الملك يدا. اختطفته المنون عن شأنه ودفن بمقبرة باب الفتوح من فاس، ضجيعا للمولى أبي محمد الفشتالي كما عهد لأهل بيته. وتصدى للقيام بأمره ابنه عمر واشتمل عليه عامة قومه. ومالت المشيخة وأهل الحل والعقد إلى عمه يعقوب بن عبد الحق، وكان غائبا عن مهلك أخيه بتازي، فلما بلغه الخبر أسرع اللحاق بفاس وتوجهت إليه وجوه الأكابر. وأحس عمر بصاغية الناس إليه، وحرضه أتباعه على الفتك بعمه [1] ، فاعتصم بالقصبة، وسعى الناس في إصلاح ذات بينهما، فتفادى يعقوب عن الأمر، ودفعه لابن أخيه، على أن تكون له بلاد تازى وبطوية وملوية، ولما لحق
بتازى واجتمع إليه كافة بني مرين، عذلوه فيما كان منه فاستلأم، وحملوه على العودة في الأمر، ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والمؤازرة فأجاب، وبايعوه وصمد إلى فاس، وبرز عمر للقائه فانتهى إلى المسجدين، ولما تراءى الجمعان خذ له جنوده وأسلموه، فرجع إلى فاس مغلولا، ووجه الرغبة إلى عمه أن يقطعه مكناسة وينزل له عن الأمر، فأجابه إلى ذلك، ودخل السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق مدينة فاس فملكها سنة سبع وخمسين وستمائة وتمشت طاعته في بلاد المغرب ما بين ملوية وأم الربيع وسجلماسة وقصر كتامة. واقتصر عمر على إمارة مكناسة فتولاها أياما، ثم اغتاله من عشيرة عمر وإبراهيم ابنا عمه عثمان بن عبد الحق والعباس ابن عمه محمد بن عبد الحق فقتلوه وثأروا منه بدم كانوا يعتدونه عليه. وهلك لعام أو بعد عام من إمارته، فكفى يعقوب شأنه واستقام سلطانه، وذهب التنازع والمشاق عن أمره. وكان يغمراسن بعد مهلك قرنه الأمير أبي يحيى سما له أمل في الاجلاب على المغرب، فجمع لذلك قومه واستجاش بني توجين ومغراوة وأظمعهم في غيل الأسود ونهضوا إلى المغرب حتى انتهوا إلى كلدامان وصمد السلطان يعقوب بن عبد الحق إلى لقائهم فغلبهم ورجعوا الى تفيئته [1] ، ومر يغمراسن ببلاد بطوية فأحرق وانتسف واستباح وأعظم فيها النكاية. ورجع السلطان إلى فاس وتقبل مذاهب أخيه الأمير أبي يحيى في فتح أمصار المغرب وتدويخ أقطاره. وكان مما أكرمه الله به أن فتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدي النصارى، فكان له بها أثر جميل وذكر خالد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن فجأة العدو مدينة سلا واستنقاذها من أيديهم) **
كان يعقوب بن عبد الله [2] قد استعمله عمه الأمير أبو يحيى على مدينة سلا لما ملكها كما ذكرناه. ولما استرجعها الموحدون من يده أقام يتغلب في جهاتها مراصدا لأهلها وحاميتها. ولما بويع عمه يعقوب بن عبد الحق اسقته بعض الأحوال، فذهب
مغاضبا حتى نزل غبولة، وألطف الحيلة في تملك رباط الفتح وسلا ليعتدها ذريعة لما أسر في نفسه، فتمت له الحيلة، وركب عاملها ابن يعلو البحر فارا إلى أزمور.
وخلف أمواله وحرمه فتملك يعقوب بن عبد الله البلد وجاهر بالخلع، وصرف إلى منازعة عمه السلطان أبي يوسف وجوه العزم، وداخل تجار الحرب في الامداد بالسلاح. فتماروا في ذلك وكثر سفر المترددين بينهم، حتى كثروا أهلها وأسملوا فيها غرة عيد الفطر من سنة ثمان وخمسين وستمائة عند شغل الناس بعيدهم. وثاروا بسلا، وسبوا الحرم وانتهبوا الأموال، وضبطوا البلد وامتنع يعقوب بن عبد الله برباط الفتح، وطار الصريخ إلى السلطان أبي يوسف، وكان بتازى مستشرفا لأحوال يغمراسن، فنادى في قومه، وطار بأجنحة الخيول ووصلها ليوم وليلة، وتلاحقت به أمداد المسلمين من أهل الديوان والمطوعة. ونازلها أربع عشرة ليلة، ثم اقتحمها عليهم عنوة، وأثخن فيهم بالقتل. ثم رم بالبناء ما كان متثلما بسورها الغربي حيث أمكنت منه الفرصة في البلد وتناول البناء فيه بيده والله لا يضيع عمل عامل.
وخشي يعقوب بن عبد الله بادرة السلطان، فخرج من رباط الفتح وأسلمه فضبطه السلطان وثقفه. ثم نهض إلى بلاد تامسنا وأنفى، فملكها وضبطها ولحق يعقوب بن عبد الله بحصن علودان من جبال غمارة، فامتنع به وسرح السلطان ابنه أبا مالك عبد الواحد وعلي بن زيان لمنازلته. وسار إلى لقاء يغمراسن لقاء المهادنة، فلقيه بجوحرمان [1] وافترقا على السلم ووضع أوزار الحرب، ورجع السلطان إلى المغرب فخرج عليه أبناء أخيه أولاد إدريس. ولحقوا بقصر كتامة. شايعوا يعقوب ابن عمهم عبد الله على رأيه. واجتمعوا إلى أكبرهم محمد بن إدريس فيمن إليهم من العشير والصنائع، فنهض إليهم واعتصموا بجبال غمارة، ثم استنزلهم واسترضاهم وعقد لعامر ابن إدريس سنة ستين وستمائة على عسكر من ثلاثة آلاف فارس أو يزيدون من المطوعة من بني مرين، وأغزاهم إلى العدوة لجهاد العدو وحملهم، وفرض لهم. وشفع بها عمله في واقعة سلا وهو أول جيش أجاز من بني مرين، فكان لهم في الجهاد والمرابطة مقامات محمودة وذكر خالد تقبل سلفهم فيها خلفهم من بعدهم حسبما نذكره.
وأقام يعقوب بن عبد الله خارجا بالنواحي مثقلا في الجهات إلى أن قتله طلحة بن على
بساقيه غبولة من ناحية سلا سنة ثمان وستين وستمائة فكفى السلطان شأنه. وكان المرتضى مذ توالت عليهم الوقائع واستمر الظهور لبني مرين انحجر في جدرانه وتوارى بالأسوار عن عدوه، فلم يسم إلى لقاء زحف ولا حدث نفسه بشهود حرب، واستأسد بنو مرين على الدولة وشرهوا إلى التهام البقية، وأسفوا إلى منازلة مراكش دار الخلافة، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
** الخبر عن منازلة السلطان أبي يوسف حضرة مراكش دار الخلافة وعنصر الدولة وما كان أثر ذلك من نزوع أبي دبوس إليه وكيف نصبه للامر وكان مهلك المرتضى على يده ثم انتقض عليه **
لما فرغ السلطان من شأن الخوارج عليه من عشيرة، استجمع لمنازلة المرتضى والموحدين في دارهم، ورأى أنه أوهن لدولتهم وأقوى لأمره عليهم. وبعث قومه واحتشد أهل ممالكه، واستكمل تعبيته وسار حتى انتهى إلى ايكليز [1] واعتزم على ذلك سنة ستين وستمائة وشارف دار الخلافة. ثم نزل بقعرها وأخذ بمخنقها. وعقد المرتضى لحربهم للسيد أبي العلاء إدريس المكنى بأبي دبوس ابن السيد أبي عبد الله ابن السيد أبي حفص بن عبد المؤمن، فعبى كتائبه ورتب مصافه، وبرز لمدافعتهم ظاهر الحضرة، فكانت بينهم حروب بعد العهد بمثلها، استشهد فيها الأمير عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق، وكانوا يسمونه برطانتهم المعجوب [2] ففت مهلكه في عضدهم، وارتحلوا عنها إلى أعمالهم، واعترضهم عساكر الموحدين بوادي أم الربيع، وعليهم يحيى بن عبد الله بن وانودين، فاقتتلوا في بطن الوادي وانهزمت عساكر الموحدين. وكان في مسيل الوادي كدي تحسر عنها غمر الماء تبدو كأنها أرجل، فسميت الواقعة بها أم الرجلين. ثم سعى سماسرة الفتن عند الخليفة المرتضى في ابن عمه وقائد حربه السيد أبي دبوس بطلبه الأمر لنفسه، وشعر بالسعاية فخشي
بادرة المرتضى ولحق بالسلطان أبي يوسف مدخله إلى فاس من منازلته آخر سنة إحدى وستين وستمائة نازعا إليه، فأقام عنده مليا. ثم سأل منه الإعانة على أمره بعسكر يمده وآلة يتخذها لملكه، ومال يصرفه في ضروراته على أن يشركه في القسمة والفتح والسلطان، فأمده بخمسة آلاف من بني مرين، وبالكفاية من المال والمستجاد من الآلة وأهاب له بالعرب والقبائل من أهل مملكته ومن سواهم أن يكونوا يدا معه. وسار في الكتائب حتى شارف الحضرة، ودس إلى أشياعه ومن يداخله من الموحدين في أمره، فثاروا بالمرتضى وأخفضوه [1] عنها، فلحق بأزمور مستجيشا بصهره ابن عطوش. ودخل أبو دبوس الحضرة في المحرم فاتح خمس وستين وستمائة وتقبض ابن عطوش عامل أزمور على المرتضى واقتاده أسيرا إلى أبي دبوس، فبعث مولاه مزاحما فاحتز رأسه في طريقه، واستقل بالخلافة صبابه آل عبد المؤمن. ثم بعث إليه السلطان في الوفاء بالمشارطة، فاستنكف، وعثا ونقض العهد وأساء الخطاب، فنهض إليه في جموع بني مرين وعساكر المغرب، فخام عن اللقاء وانحجز بمراكش. ونازلة السلطان أياما تباعا ثم سار في الجهات والنواحي يحطم الزرع وينسف الأقوات. وعجز أبو دبوس عن دفاعه، فاستجاش عليه بيغمراسن بن زيان ليفت في عضده ويشغله عما وراءه، ويأخذ بحجزته عن التهامه على ما نذكر لو أمهلته الأيام، وانفسح له الأجل.
** الخبر عن وقيعة تلاغ بين السلطان يعقوب بن عبد الحق ويغمراسن بن زيان بإغراء أبي دبوس وتضريبه **
لما نازل السلطان أبو يوسف حضرة مراكش وقعد على ترائبه للتوثب عليها، لم يجد أبو دبوس وليجة من دون قصده إلا استجاشته بيغمراسن وقومه عليه، ليأخذوا بحجزته عنه، ويشغلوه من ورائه. فبعث إليه الصريخ في كشف بلواه ومدافعة عدوه. وأكد العهد وأسنى الهدية، فشمر يغمراسن لاستنقاذه وجذب عدوه من ورائه، وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرم نارا فأهاج عليه وعلى قومه من السلطان يعقوب ليثا عاديا، وأرهف منه عزما ماضيا، وأفرج يعقوب على مراكش بعزم النهوض إلى
تلمسان، ونزل بفاس، فتلوم بها أياما حتى أخذ أهبة الحرب، وأكمل استعدادها ورحل فاتح ست وستين وستمائة وسلك على كرسيف، ثم على تافرطا، وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ، وعبى كل منهم كتائبه ورتب مصافه، وبرز النساء سافرات الوجوه على سبيل التحريض لحسن وسعد بن ويرغين [1] ولما فاء الفيء ومال النهار، وكثرت حشود المغرب وجموع بني عبد الواد ومن إليهم، انكشفوا ومنحوا العدو أكتافهم. وهلك أبو حفص عمر كبير ولد يغمراسن وولي عهده في جماعة من عشيرة، ذكرناهم في أخباره. وأخذ يغمراسن بأعقاب قومه، فكان لهم ردءا إلى أن خلصوا من المعترك ووصلوا إلى بلادهم في جمادى من سنتهم، وعاد السلطان أبو يوسف إلى مكانه من حصار مراكش والله أعلم.
** الخبر عن السفارة والمهاداة التي وقعت بين السلطان يعقوب ابن عبد الحق وبين المستنصر الخليفة بتونس لن آل أبي حفص **
كان الأمير أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص منذ دعا لنفسه بتونس سنة خمس وعشرين وستمائة طموحا إلى ملك مراكش مقر الدعوة ومنبعث الدولة وأصل الخلافة. وكان يؤمل لذلك زناتة، وإلا فما دونه من خضد شوكة آل عبد المؤمن، وتقليم أظافر بأسهم، وردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه، وتغلب على تلمسان سنة أربعين وستمائة ودخل يغمراسن بن زيان في دعوته وصار فيئة له وتبعه على عدوه كما ذكرناه، فوصل به جناحة للمدافعة. وناغاه بنو مرين في مراسلة ابن أبي حفص ومخاطبته، والتخفيض عليه فيما يهمه من شأن عدوه، وحمل ما يفتحون من بلاد المغرب على البيعة له والطاعة مثل: فاس ومكناسة والقصر. وكان هو يلاطفهم بالتحف والهدايا، ويريهم البر في الكتاب والخطاب والمعاملة والتكريم للوفد غير سبيل آل عبد المؤمن، فكانوا يجنحون بذلك إلى مراسلته، وإيفاد قرابتهم عليه.
وولي ابنه المستنصر بعده سنة سبع وأربعين وستمائة فتقبل مذاهب أبيه وأوفى عليه بالإيعاز إليهم بمنازلة مراكش، وضمان الإنفاق عليهم فيها، فكان يبث لذلك أحمالا
من المال والسلاح وأعدادا وافرة من الخيل بمراكبها للحملان، ولم يزل ذلك دأبه معهم. ولما فعل أبو دبوس فعلته في نقض العهد واستجمع السلطان لمنازلته، قدم بين يدي عمله مراسلة الخليفة المستنصر يخبره الخبر ويتلطف له في استنزال المدد، فأوفد عليه ابن أخيه عامر بن إدريس بن عبد الحق، وأصحبه عبد الله بن كندوز لعبد الواد كبير بني كمي، وقريع يغمراسن الذي ثأر يغمراسن من أبيه كندوز بأبيه زيان كما ذكرناه في أخبارهم. وكان خلص إليه من حضرة المستنصر فلقاه مبرة وتكريما، وأوفد معهم الكاتب أبا عبد الله محمد الكناني من صنائع دولة آل عبد المؤمن، كان نزع إلى أخيه الأمير أبي يحيى لما رأى من اختلال الدولة، وأنزله مكناسة وآثره بالصحبة والخلة، فجمع له يعقوب بن عبد الحق في هذا الوفد من الأشراف من يحسن الرئاسة، ويعرب عما في ضمائر الناس، ويدله على شرف مرسلة. فوفدوا على المستنصر سنة خمس وستين وستمائة وأدوا رسالتهم وحركوا له جوار المظاهرة على صاحب مراكش وكبح عنانه، فحن واهتز سرورا من أعواده، ولقاهم مبرة التكريم وإحسان النزل، ورد الأمير عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز لوقتهما. وتمسك بالكناني من بينهم لمصاحبة وفده، فطال مقامه عنده إلى أن كان من فتح مراكش ما نذكره.
ثم أوفد المستنصر على السلطان يعقوب بن عبد الحق آخر سنة تسع وستين وستمائة بعدها شيخ الجماعة من الموحدين لعهده أبا زكريا يحيى بن صالح الهنتاني مع جماعة من مشيخة الموحدين في مرافقة محمد الكناني، وبعث معهم إلى السلطان هدية سنية يلاطفه بها ويتاحفه، انتخب فيها من الجياد والسلاح وأصناف الثياب الغريبة العمل ما انتقاه. ووفق رضاه وهمته على الاستكثار منه، فحسن موقعها وتحدث وانقلب وفده أحسن منقلب بعد أن تلطف محمد الكناني في ذكر الخليفة المستنصر على منبر مراكش، فتم له، وشهد له وفد الموحدين فعظم سرورهم وانقلبوا محبورين مسرورين، واتصلت بعد ذلك مهاداة المستنصر ليعقوب بن عبد الحق إلى أن هلك، وحذا ابنه الواثق من بعده على سننه، فبعث إليه سنة سبع وسبعين وستمائة هدية حافلة، بعث بها القاضي أبا العباس الغماري قاضي بجاية فعظم موقعها، وكان لأبي العباس الغماري بالمغرب ذكر تحدث به الناس والله أعلم
** (الخبر عن فتح مراكش ومهلك أبي دبوس وانقراض دولة الموحدين من المغرب) **
لما رجع السلطان أبو يوسف من حرب يغمراسن ورأى أن قد كفى عدوه وكف غربة ورد من كيده وكيد أبي دبوس صريخه، صرف حينئذ عزائمه إلى غزو مراكش، والعودة إلى مضايقتها كما كان لأول أمره، ونهض لغزاته من فاس في شعبان من سنته. ولما جاوزوا أم الربيع، بث السرايا وسرح الغارات، وأطلق الأيدي والأعنة للنهب والعيث، فحطموا زروعها وانتسفوا آثارها، وتقرى نواحيها كذلك بقية عامة.
ثم غزا عرب الخلط من جشم بتادلا، فأثخن فيهم واستباحهم. ثم نزل وادي العبيد، ثم غزا بلاد صنهاجة، ولم يزل ينقل ركابه بأنحاء البلاد المراكشية وأحوازها حتى حضرت صدور بني عبد المؤمن وقومه، وأغزاهم أولياء الدولة من عرب جشم بنهوض الخليفة لمدافعة عدوه، فجمع لذلك وبرز في جيوش ضخمة وجموع وافرة، واستجره أبو يوسف بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ، فيستمكن منه حتى نزل عفو. ثم كر إليه والتحم القتال فاختل مصافه وفرت عساكره. وانهزم يريد مراكش فأدركوه دون أمله. واعتاقه أجله، فطعن في مفره وخر صريعا لليدين وللفم واجتز رأسه. وهلك بمهلكه وزيره عمران وكاتبه علي بن عبد الله المغيلي. وارتحل السلطان أبو يوسف إلى مراكش وفر من كان بها من الموحدين، فلحقوا بجبل تين ملل، وبايعوا إسحاق أخا المرتضى، فبقي ذبالة هنالك سنين. ثم تقبض عليه سنة أربع وسبعين وستمائة، وسيق إلى السلطان هو وأبو سعيد ابن عمه السيد أبي الربيع والقبائلي وأولاده فقتلوا جميعا. وانقرض أمر بني عبد المؤمن. والله وارث الأرض ومن عليها.
وخرج الملاء وأهل الشورى من الحضرة إلى السلطان فأمنهم ووصلهم. ودخل مراكش في بروز فخم فاتح سنة ثمان وستين وستمائة وورث ملك آل عبد المؤمن وتولاه. واستوسق أمره بالمغرب، وتطامن الناس لبأسه، وسكنوا لظل سلطانه. وأقام بمراكش إلى رمضان من سنته، وأغزى ابنه الأمير أبا مالك إلى بلاد السوس فافتتحها وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها، ثم خرج بنفسه إلى بلاد درعة فأوقع بهم
الوقيعة المشهورة التي خضدت من شوكتهم، ورجع لشهرين من غزاته، ثم أجمع الرحلة إلى داره بفاس فعقد على مراكش وأعمالها لمحمد بن علي بن يحيى من كبار أوليائهم ومن أهل خؤولته، وكان من طبقة الوزراء حسبما يأتي التعريف به وبعشيرته، وأنزله بقصبة مراكش، وجعل المسالح في أعمالها لنظره، وعهد إليه بتدويخ الأقطار ومحو آثار بني عبد المؤمن، وفصل إلى حضرته في شوال وأراح بسلا، فكان من خبر عهده لابنه ما نذكره ان شاء الله تعالى.
** الخبر عن عهد السلطان لابنه أبي مالك وما كان عقب ذلك من خروج القرابة عليه أولاد أخيه إدريس واجازتهم الى الأندلس **
لما تلوم السلطان بسلا منصرفه من رباط الفتح وأراح بها ركائبه عرض له طائف من المرض ووعك وعكا شديدا. فلما أبل جمع قومه وعهد لابنه فيهم أبي مالك عبد الواحد كبير ولده، لما علم من أهليته لذلك. وأخذ له البيعة عليهم، فأعطوها طواعية، وأسف القرابة من ولد أخويه عبد الله وإدريس لأمهما سوط النساء، ووجدوا في أنفسهم لما يرون أن عبد الله وإدريس أكابر ولد عبد الحق، ولهما التقدم على من بعدهما من ولده، وأنهما أحق بالأمر، فرجعت هنت إلى أذنابها [1] ، ونفسوا عن ابن السلطان لما أخذ له من البيعة والعهد. ونزعوا عنه إلى جبل علودان من جبال غمارة عش خلافهم. ومدرج فتنتهم، وذلك سنة تسع وستين وستمائة ورياستهم يومئذ لمحمد بن إدريس وموسى بن رحو بن عبد الله، وخرج معهم ولد أبي عياد بن عبد الحق وأغزاهم السلطان ولده أبا يعقوب يوسف في خمسة آلاف من عسكره، فأحاط بهم وأخذ بمخنقهم، ولحق به أخوه أبو مالك في عسكره، ومعه مسعود بن كانون شيخ سفيان. ثم خرج في أثرهم السلطان أبو يوسف واجتمع معسكرهم بتافركا ونازلوهم ثلاثا. وهلك في حروبهم منديل بن ورتطليم. ولما رأوا أن أحيط بهم سألوا الأمان، فبذله وأنزلهم. واستل سخائمهم ومسح ما في صدورهم، ووصل بهم إلى
حضرته. وسألوا منه الاذن في اللحاق بتلمسان حياء من كبر ما ارتكبوه، فأذن لهم، وأجازوا البحر إلى الأندلس، وخالفهم عامر بن إدريس لما أنس من صاغية السلطان إليه، فتخلف عنهم بتلمسان حتى توثق لنفسه بالعهد وعاد الى قومه بعد منازلة السلطان بتلمسان كما نذكره الآن.
واحتل بنو إدريس وعبد الله وابن عمهم أبو عياد بأندلس على حين أقفر من الحامية جوها، واستأسد العدو على ثغرها. وغلبت شفاههم فاحتلوها أسودا ضارية، وسيوفا ماضية، معودين لقاء الأبطال وقراع الحتوف والنزال. مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة العز وبسالة التوحش فعظمت نكايتهم في العدو واعترضوا شجي في صدره دون الوطن الذي كان طعمه له في ظنه، وارتدوه على عقبه، ونشطوا من همم المسلمين المستضعفين وراء البحر وبسطوا من آمالهم لمدافعة طاغيتهم. وزاحموا أمير الأندلس في رياستها بمنكب، فتجافى لهم عن خطة الحرب ورياسة الغزاة من أهل العدوة من أعياصهم وقبائلهم ومن سواهم من أمم البرابرة، وتناقلوه وساهموه في الجباية لفرط العطاء والديوان، فبذله لهم واستمدوا على العدو [1] وحسن أثرهم فيها كما نذكره بعد في أخبار القرابة. ثم أعمل السلطان نظره في غزو تلمسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن حركة السلطان أبي يوسف الى تلمسان وواقعيته على يغمراسن وقومه بايسيلى **
لما غلب السلطان أبو يوسف على بني عبد المؤمن وفتح مراكش واستولى على ملكهم سنة ثمان وستين وستمائة وعاد إلى فاس كما ذكرناه، تحرك ما كان في نفسه من ضغائن يغمراسن وبني عبد الواد، وما أسفوا به من تخذيل عزائمه ومجادلته [2] عن قصده.
ورأى أن واقعة تلاغ لم تشف صدره، ولا أطفأت نار موجدته، فأجمع أمره على غزوهم. واقتدر بما صار إليه من الملك والسلطان على حشد أهل المغرب لحربهم وقطع دابرهم، فعسكر بفاس، وسرح ولده وولي عهده أبا مالك إلى مراكش في
خواصه ووزرائه حاشدين في مدائنها وضواحيها وقبائل العرب والمصامدة وبني ورا وغمرة وصنهاجة، وبقايا عساكر الموحدين بالحضرة، وحامية الأمصار من جند الروم وناشبة الغزو فاستكثر من أعدادهم واستوفى حشدهم. واحتفل السلطان بحركته وارتحل عن فاس سنة سبعين وستمائة وتلوم بملوية إلى أن لحقته الحشود وتوافت إليه أمداد العرب من قبائل جشم أهل تامسنا الذين هم سفيان والخلط والعاصم، وبنو جابر ومن معهم من الأثبج، وقبائل ذوي حسان والشبانات من المعقل أهل السوس الأقصى، وقبائل رياح أهل أزغار والهبط. فاعترض هنالك عساكر وعبى مواكبه، فيقال بلغت ثلاثين ألفا. وارتحل يريد تلمسان، ولما انتهى إلى أنكاد [1] وافته رسل ابن الأحمر هنالك ووفد المسلمين بالأندلس صريخا على العدو يستجيشون بإخوانهم المسلمين ويسألونهم الإعانة، فتحركت همته للجهاد ونصر المسلمين من عدوهم. ونظر في صرف الشواغل عن ذلك، وجنح إلى السلم مع يغمراسن، وصوب الملاء في ذلك رأيه لما كانوا عليه من إيثار الجهاد. وانتدب جماعة من المشيخة إلى السعي في صلاح ذات بينهما، وانكفأ من غرب عدوتهما.
وساروا إلى يغمراسن فوافوه بظاهر تلمسان وقد أخذ أهبته واستعد للقاء. واحتشد زناتة أهل ممالكه بالشرق من بني عبد الواد وبني راشد ومغراوة وأحلافهم من العرب زغبة. فلج في ذلك واستكبر وصم عن إسعافهم. وزحف في جموعه، والتقى الجمعان بوادي ايسيلي من بسائط وجدة، والسلطان أبو يوسف قد عبى كتائبه، ورتب مصافه وجعل ولديه الأميرين أبا مالك وأبا يعقوب في الجناحين، وسار في القلب، فدارت بينهم حرب شديدة انجلت عن هلاك فارس بن يغمراسن، وجماعة من بني عبد الواد. وكاثرهم حشود المغرب الأقصى وقبائله، وعساكر الموحدين والبلاد المراكشية، فولوا الأدبار. وهلك عامة عسكر الروم لثباتهم بثبات السلطان فطحنتهم رحى الحرب. وتقبض على قائدهم بيرنيس. ونجا يغمراسن بن زيان في فله مدافعا دون أهله إلى تلمسان. ومر بفساطيطه، فأضرمها نارا، وانتهب معسكره، واستبيحت حرمه. وأقام السلطان أبو يوسف على وجدة حتى خربها وأصرع بالتراب
أسوارها، وألصق بالرغام جدرانها. ثم نهض إلى تلمسان فحاصرها أياما وأطلق الأيدي في ساحتها بالنهب والعيث، وشن الغارات على البسائط، فاكتسحها سبيا ونسفها نسفا.
وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساي، وكان من علية وزرائه وحماة ميدانه له في ذلك أخبار مذكورة. وكان مهلكه في شوال من هذه السنة. ووصله بمثواه من حصارها محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، ومستصرخه على بني عبد الواد لما نال منه يغمراسن من طبخ القهر وذل الغلب والتحيف في كافة قبيلة مباهيا بآلته، فأكرم السلطان أبو يوسف وفادته واستركب الناس للقائه وبرور مقدمه. واتخاذ رتبة السلاح لمباهاته، وأقام محاصرا لتلمسان معه أياما حتى وقع اليأس وامتنع البلد، واشتد شوكة حاميته ثم أجمع السلطان أبو يوسف على الإفراج عنها وأشار على الأمير محمد بن عبد القوي وقومه بالقفول قبل قفوله، وان يغذوا السير إلى بلادهم.
وملاء حقائبهم باتحافه وجنب لهم من المائة من المقربات بمراكبها، وأراح عليهم ألف ناقة حلوب. وعمهم بالخلع مع الصلات والخلع الفاخرة. واستكثر لهم من السلاح والفازات والفساطيط، وحملهم على الظهر، وارتحلوا وتلوم السلطان أياما لمنجاتهم إلى مقرهم من جبل وانشريس حذرا من غائلة يغمراسن من انتهاز الفرصة فيهم.
ثم دخل إلى فاس ودخلها مفتتح إحدى وسبعين وستمائة وهلك ولده الأمير أبو مالك ولي عهده لأيام من مقدمه، فأسف لمهلكه. ثم تعزى بالصبر الجميل عن فقده، ورجع إلى حاله في افتتاح بلاد المغرب. وكان في غزوته هذه ملك حصن تاونت، وهو معقل مطغرة، وشحنه بالأقوات لما رآه ثغرا مجاورا لعدوه. وأسلمه لنظر هارون ابن شيخ مطغرة. ثم ملك حصن مليلة بساحل الريف مرجعه من غزاته هذه. وأقام هارون بحصن تاونت، ودعا لنفسه. ولم يزل يغمراسن يردد الغزو إليه حتى فر من الحصن واستلمه سنة خمس وسبعين وستمائة ولحق بالسلطان أبي يوسف كما ذكرناه في أخباره، عند ذكر قبيلة مطغرة وكان من شأنه ما ذكرناه.
** الخبر عن افتتاح مدينة طنجة وطاعة أهل سبتة وفرض الاتاوة عليهم وما قارن ذلك من الاحداث **
كانت هاتان المدينتان سبتة وطنجة من أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر
ممالكهم بما كانت ثغر العدوة ومرفأ الأساطيل، ودارا لإنشاء الآلات التجرية [1] ، وفرضة الجواز إلى الجهاد. فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بني عبد المؤمن.
وقد ذكرنا أن الرشيد كان عقد علي أعمالها لأبي علي بن خلاص من أهل بلنسية، وأنه بعد استفحال الأمير أبي زكريا بإفريقية ومهلك الرشيد، صرف الدعوة إليه سنة أربعين وستمائة وبعث إليه بالمال والبيعة مع ابنه أبي القاسم. وولى على طنجة يوسف ابن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني المعروف بابن الأمير قائدا على الرجل الأندلسيين، وضابطا للقصبة. وعقد الأمير أبو زكريا على سبتة لأبي يحيى بن أبي زكريا، ابن عمه أبي يحيى الشهيد ابن الشيخ أبي حفص فنزل بها واستراب أبو علي ابن خلاص من العواقب عند مهلك ابنه الوافد على السلطان غريقا في البحر، فرحل بجملته إلى تونس في السفن، وأراح ببجاية، فكان فيها هلاكه سنة ست وأربعين وستمائة ويقال هلك في سفينته ودفن بجاية، ولما هلك الأمير أبو زكريا سنة سبع وأربعين وستمائة بعدها انتقض أهل سبتة على ابنه المستنصر وطردوا ابن الشهيد، وقتلوا العمال الذين كانوا معه، وصرفوا الدعوة للمرتضى. وتولى ذلك حجفون [2] الرنداحي بمداخلة أبي القاسم العزفي كبير المشيخة بسبتة، وأعظمهم تجلة، نشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبي العباس أحمد مكنوفا بالجلالة مغذوا بالعلم والدين، لما كان له فيها قدم إلى أن هلك، فأوجب أهل البلد لابنه ما عرفوه من حقه وحق أبيه من قبله، وكانوا يفزعون إليه في المهمات ويسلمون له في الشورى، فأغرى الرنداحي بهذه الفعلة ففعلها وعقد المرتضى لأبي القاسم العزفي على سبتة مستقلا من غير إشراف أحد من السادة، ولا من الموحدين. واكتفى بغنائه في ذلك الثغر وعقد لحجبون الرنداحي على قيادة الأساطيل بالمغرب، فورثها عنه بنوه إلى أن زاحمهم العزفي بمناكب رياسته، فقوضوا عن سبتة فمنهم من نزل بمالقة على ابن الأحمر ومنهم من نزل بجاية على أبي حفص، ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم. واستقل الفقيه أبو القاسم العزفي برياسة سبتة، وأورثها بنيه من بعده على ما نذكره بعد.
وكانت طنجة تالية سبتة في سائر الأحوال وتبعا لها، فاتبع ابن الأمير صاحبها إمارة
الفقيه أبي القاسم. ثم انتقض عليه لسنة واستبد وخطب لابن أبي حفص، ثم للعباسي، ثم لنفسه، وسلك فيها مسلك العزفي في سبتة، ولبثوا كذلك ما شاء الله، حتى إذا ملك بنو مرين المغرب وانبثوا في شعابه، ومدوا اليد في ممالكه فتناولوها، ونزلوا معاقلة وحصونه فافتتحوها، وهلك الأمير أبو يحيى عبد الحق وابنه عمر من بعده. وتحيز بنوه في ذويهم وأتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا، فأوطنوا ضاحيتها وأفسدوا سابلتها وضيقوا على ساكنها، واكتسحوا ما حواليها، وشارطهم ابن الأمير على خراج معلوم على أن يكفوا الأذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة.
فاتصلت يده بيدهم، وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم. ثم مكروا وأضمروا الغدر ودخلوا في بعض أيامهم متأبطين السلاح، وفتكوا بابن الأمير غيلة، فثارت بهم العامة لحينهم واستلحموا في مصرع واحد سنة خمس وستين وستمائة واجتمعوا إلى ولده وبقيت في ملكته خمسة أشهر. ثم استولى عليها العزفي فنهض إليها بعساكره من الرجل برا وبحرا، واستولى عليها، وفر ابن الأمير ولحق بتونس ونزل على المستنصر واستقرت طنجة في إيالة العزفي فضبطها وقام بأمرها، وولى عليها من قبله. وأشرك الملاء من أشرافها في الشورى. ونازلها الأمير أبو مالك سنة ست وستين وستمائة فامتنعت عليه وأقامت على ذلك ستا، حتى إذا انتظم السلطان أبو يوسف ببلاد المغرب في ملكته، واستولى على حضرة مراكش ومحا دولة بني عبد المؤمن، وفرغ من أمر عدوه يغمراسن، وهم بتلك الناحية واستضافة عملها، فأجمع الحركة إليها ونازل طنجة مفتتح سنة اثنتين وسبعين بما كانت في البسيط من دون سبتة، وأقام عليها أياما. ثم اعتزم على الإفراج عنها، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وافترق بينهم. وتنادى في بعض الناشية من السور بشعاب بني مرين، فبادر سرعان أناس إلى تسور حيطانها فملكوها عليهم، وقاتلوا أهل البلد ظلام ليلتهم، ثم دخلوا البلد من صبيحتها عنوة، ونادى منادي السلطان في الناس بالأمان والعفو عن أهل البلد، فسكن روعهم ومهد وفرغ من شأن طنجة. ثم بعث ولده الأمير أبا يعقوب في عساكر ضخمة لمنازلة العزفي في سبتة وارغامه على الطاعة، فنازلها أياما، ثم لاذ بالطاعة على المنعة. واشترط على نفسه خراجا يؤديه كل سنة، فتقبل السلطان منه، وأفرجت عساكره عنهم، وقفل إلى حضرته. وصرف نظره إلى فتح سجلماسة وإزعاج بني عبد الواد المتغلبين عليها، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن فتح سجلماسة الثاني ودخولها عنوة على بني عبد الواد والمنبات من عرب المعقل **
قد ذكرنا ما كان من تغلب الأمير أبي يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وبلاد درعة، وأنه عقد عليها وعلى سائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن، وأنزل معه ابنه مفتاحا المكنى بأبي حديد في مشيخته لحياطتها. وأن المرتضى سرح وزيره ابن عطوش سنة أربع وخمسين وستمائة في العساكر لارتجاعها، فنهض الأمير أبو يحيى إليه وشرده عنها ورجعه على عقبه. وأن يغمراسن بن زيان من بعد واقعة أبي سليط سنة خمس وخمسين وستمائة، قصدها لعورة دل عليها، وغرة أمل إصابتها، فسابقه إليها الأمير أبو يحيى ومالقة من دونها ورجع عنها خائب المسعى مفلول الحامية. وكان الأمير أبو يحيى من بعد أن عقد عليها ليوسف بن يزكاسن عقد عليها من بعده لسنة ونصف من ولايته ليحيى بن أبي منديل كبير بني عسكرا قتالهم، ومقاسميهم نسب محمد بن وطيص [1] ثم عقد عليها لشهرين لمحمد بن عمران ابن عبلة من بني يرنيان صنائع دولتهم. واستعمل معه على الجباية أبا طالب الحبشي [2] وجعل مسلحة الجند بها لنظر أبي يحيى القطراني، وملكه قيادتهم. وأقاموا على ذلك سنتين اثنتين.
ولما هلك الأمير أبو يحيى وشغل السلطان أبو يوسف بحرب يغمراسن ومنازلة مراكش، سما للقطراني أمل في الاستبداد بها، وداخل في ذلك بعض أهل الفتن وظاهره يوسف بن الغزي [3] وفتكوا بعمار الورند غزاني شيخ الجماعة بالبلد. وائتمروا بمحمد بن عمران بن عبلة، فخرج ولحق بالسلطان، واستبد القطراني بها. ثم ثار به أهل البلد سنة ثمان وخمسين وستمائة لسنة ونصف من لدن استبداده وقتلوه.
وصرفوا بيعتهم إلى الخليفة المرتضى بمراكش. وتولى كبر ذلك القاضي ابن حجاج وعلي بن عمر، فعقد له المرتضى عليها وأقام بها أميرا. ونازلتهم عساكر بني مرين والسلطان أبو يوسف سنة ستين وستمائة ونصب عليها آلات الحصار فأحرقوها وامتنعوا،
وأفرج عنهم. وأقام علي بن عمر في سلطانه ذلك ثلاث سنين، ثم هلك. وكان الأمير يغمراسن بن زيان منذ غلب الموحدين على تلمسان والمغرب الأوسط، وصار في ملكته، تحيز إليه من عرب المعقل قبيل المنبات من ذوي منصور، بما كانت مجالات المعقل مجاورة لمجالات بني يادين في القفر. وإنما ارتحلوا عنها من بعد ما جأجأ يغمراسن من بني عامر بمجالاتهم من مصاب ببلاد بني يزيد، فزاحموا المعقل بالمناكب عن مجالاتهم ببلاد فيكيك وصا. ورحلوهم إلى ملوية وما وراءها من بلاد سجلماسة، فملكوا تلك المجالات.
ونبذ يغمراسن العهد إلى ذوي عبيد الله منهم واستخلص المنبات هؤلاء، فكانوا له حلفاء وشيعة ولقومه ودعوته خالصة. وكانت سجلماسة في مجالاتهم منقلب ظعنهم وناجعتهم، ولهم فيها طاعة معروفة. فلما هلك علي بن عمر آثروا يغمراسن بملكها، فحملوا أهل البلد على القيام بطاعته، وخاطبوه وجأجئوا به، فغشيها بعساكره وملكها وضبطها. وعقد عليها لعبد الملك بن محمد بن علي بن قاسم بن درع من ولد محمد بن زكراز بن يندوكس [1] ويعرف بابن حنينة نسبه إلى أم أبيه أخت يغمراسن ومعه يغمراسن بن حمامة. وأنزل معهما ولده الأمير يحيى لإقامة الرسم الملوكي. ثم أداله بأخيه من السنة الأخرى، وكذا كان شأنه في كل سنة. ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب وانتظم أمصاره ومعاقلة في طاعته، وغلب بني عبد المؤمن على دار خلافتهم، ومحا رسمهم، وافتتح طنجة وطوع سبتة مرفأ الجواز إلى العدوة، وثغر المغرب، سما أمله إلى بلاد القبلة فوجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة من أيدي بني عبد الواد المتغلبين عليها وإدالة دعوته فيها من دعوتهم، فنهض إليها في العساكر والحشود في رجب من سنة اثنتين وسبعين وستمائة فنازلها وقد حشد إليها أهل المغرب أجمع، من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر، ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات، وهندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانه أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة باريها. فأقام عليها حولا كريتا يغاديها القتال ويراوحها، إلى أن سقطت ذات يوم على حين غفلة طائفة من سورها بإلحاح الحجارة من المنجنيق عليها، فبادروا إلى اقتحام البلد، فدخلوها عنوة من
تلك الفرجة في صفر من سنة ثلاث وسبعين وستمائة فقتلوا المقاتلة والحامية وسبوا الذرية [1] ، وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة، ومن كان معهم من بني عبد الواد وأمراء المنبات، وكمل فتح بلاد المغرب للسلطان أبي يوسف، وتمشت طاعته في أقطاره. فلم يبق فيه معقل يدين بغير دعوته، ولا جماعة تتحيز إلى غير فيئته ولا أمل ينصرف إلى سواه، ولما كملت له نعم الله في استيساق ملكه وتمهيد أمره، انصرف أمله إلى الغزو وإيثار طاعة الله بجهاد أعدائه، واستنقاذ المستضعفين من وراء البحر من عباده على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ولما انكفأ راجعا من سجلماسة، قصد مراكش من حيث جاء، ثم وقف إلى سلا فأراح بها أياما ونظر في شئونها، وسد ثغورها. وبلغه الخبر بوفادة أبي طالب صاحب سبتة الفقيه أبي القاسم العزفي على فاس، فأغذ السير إلى حضرته، وأكرم وفادته وأحسن منقلبه إلى أبيه مملوء الحقائب ببره، رطب اللسان بشكره. ثم شرع في إجازة ولده كما نذكره الآن إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن شأن الجهاد وظهور السلطان أبي يوسف على النصارى وقتل زعيمهم ذننه وما قارن ذلك **
كانت عدوة الأندلس منذ أول الفتح ثغرا للمسلمين، فيه جهادهم ورباطهم ومدارج شهادتهم وسبيل سعادتهم. وكانت مواطنهم فيه على مثل الرضف، وبين الظفر والناب من اسود الكفر لتوقر أممهم جوارها [2] وإحاطتهم بها من جميع جهاتها، وحجز البحر بينهم وبين إخوانهم المسلمين وقد كان عمر بن عبد العزيز رأى أن يخرج المسلمين منها لانقطاعهم عن قومهم وأهل دينهم، وبعدهم عن الصريخ.
وشاور في ذلك كبار التابعين وأشراف العرب فرأوه رأيا. واعتزم عليه لولا ما عاقه من المنية وعلى ذلك، فكان للإسلام فيه اعتزاز على من جاورهم من أهل الكفر، بطول دولة العرب من قريش ومضر واليمن. وكانت نهاية عزهم وسورة غلبهم أيام بني أمية
بها، الطائرة الذكر الباسطة جناحها على العدوتين منذ ثلاث مئات من السنين أو ما يقاربها.
حتى انتثر سلكها بعد المائة الرابعة من الهجرة، وافترقت الجماعة طوائف وفشلت ريح المسلمين وراء البحر بفناء دولة العرب. واعتز البربر بالمغرب واستفحل شأنهم وجاءت دولة المرابطين فجمعت ما كان مفترقا بالمغرب من كلمة الإسلام. وتمسكوا بالسنة وتشوقوا إلى الجهاد، واستدعاهم إخوانهم من وراء البحر للمدافعة عنهم، فأجازوا إليهم وأبلوا في جهاد العدو أحسن البلاء، وأوقعوا بالطاغية ابن أدفوش يوم الزلاقة وغيرها. وفتحوا حصونا واسترجعوا أخرى واستنزلوا الثوار ملوك الطوائف، وجمعوا الكلمة بالعدوتين. وجاء على أثرهم الموحدون سالكين أحسن مذاهبهم، فكان لهم في الجهاد آثار على الطاغية أيام، منها يوم الأرك ليعقوب بن المنصور وغيره من الأيام، حتى إذا فشلت ريح الموحدين وافترقت كلمتهم وتنازع الأمر سادة بني عبد المؤمن الأمراء بالأندلس، وتحاربوا على الخلافة واستجاشوا بالطاغية وأمكنوه من كثير من حصون المسلمين طعمة على الاستظهار، فخشي أهل الأندلس على أنفسهم وثاروا بالموحدين وأخرجوهم وتولى ذلك ابن هود بمرسية وشرق الأندلس، وعم بدعوته سائر أقطارها، وأقام الدعوة فيها للعباسيين، وخاطبهم ببغداد كما ذكرناه في أخبارهم. واستوفينا كلا بما وضعناه في مكانه. ثم انحجز ابن هود على الغريبة [1] لبعدها عنه، وفقده للعصابة المتناولة لها، وأنه لم تكن صنعته في الملك مستحكمة وتكالب الطاغية على الأندلس من كل جهة، وكثر اختلاف المسلمين بينهم. وشغل بنو عبد المؤمن بما دهمهم من المغرب من شأن بني مرين وزناتة. فتلافى محمد بن يوسف بن الأحمر أمر الغربية، وثار بحصنه أرجونة وكان شجاعا قدما ثبتا في الحروب، فتلقف الكرة من يد ابن هود خلع الدعوة العباسية، ودعا للأمير أبي زكريا بن أبي حفص سنة تسع وعشرين وستمائة فلم يزل في فتنة ابن هود يجاذبه الحبل ويقارعه على عمالات الأندلس واحدة بعد أخرى إلى أن هلك ابن هود سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وتكالب العدو خلال ذلك على جزيرة الأندلس من كل جانب ووفر له ابن هود
الجزية وبلغ بها أربعمائة ألف من الدنانير في كل سنة. ونزل له على اثنتين [1] من حصون المسلمين. وخشي ابن الأحمر أن يستغلظ عليه بالطاغية فجنح هو إليه وتمسك بعروته، ونفر في جملته إلى منازلة إشبيلية نكاية لأهلها. ولما هلك الأمير أبو زكريا نبذ الدعوة الحفصية، واستبد لنفسه، وتسمى بأمير المسلمين، ونازعه بالشرق أعقاب ابن هود وبني مردنيش، ودعاه الأمر إلى النزول للطاغية من بلاد الفرنتيرة، فنزل عليها بأسرها. وكانت هذه المدة من سنة اثنتين وعشرين إلى سنة سبعين، فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم، والتهم العدو بلادهم وأموالهم نهبا في الحروب، ووضيعة ومداراة في السلم. واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها فملك ابن أدفوش قرطبة سنة ست وثلاثين، وجيان سنة أربع وأربعين، وإشبيلية سنة ست وأربعين.
وتملك قمط برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين إلى ما بينهما من الحصون والمعاقل التي لا تعد ولا تحصى، وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرد ابن الأحمر بغرب الأندلس، وضاق نطاقه على الممانعة دون البسائط الفيح من الفرنتيرة وما قاربها، ورأى أن التمسك بها مع قلة العدد وضعف الشوكة مما يوهن أمره ويطمع فيه عدوه، فعقد السلم مع الطاغية على النزول عنها أجمع. ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره من عدوهم. واختار لنزله مدينة غرناطة، وابتنى بها لسكناه حصن الحمراء حسبما شرحنا ذلك كله في مواضعه. وفي أثناء هذا كله لم يزل صريخه ينادي بالمسلمين من وراء البحر والملأ من أهل الأندلس يفدون على أمير المسلمين أبي يوسف للإعانة ونصر الملة، واستنقاذ الحرم والولدان من أنياب العدو فلا يجد مفزعا إلى ذلك بما كان فيه من مجاذبة الحبل مع الموحدين، ثم مع يغمراسن. ثم شغله بفتح بلاد المغرب وتدويخ أقطاره إلى أن هلك السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن الأحمر المعروف بالشيخ، وأبي دبوس، لقبين كانا له على حين استكمال أمير المسلمين فتح المغرب وفراغه من شأن عدوه سنة إحدى وسبعين وستمائة على أن بني مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه وفي نفوسهم جنوح إليه وصاغية.
ولما استوحش بنو إدريس بن عبد الحق وخرجوا سنة إحدى وستين وستمائة على
السلطان يعقوب بن عبد الحق واسترضاهم واستصلحهم انتدب الكثير منهم للغزو وإجازة البحر لصريخ المسلمين بالأندلس، واجتمع إليهم من مطوعة بني مرين عسكر ضخم من الغزاة ثلاثة آلاف أو يزيدون وعقد السلطان على ذلك العسكر لعامر بن إدريس فوصلوا إلى الأندلس فكان لهم فيها ذكر ونكاية في العدو، وكان الشيخ ابن الأحمر عهد إلى ولده القائم بالأمر بعده محمد، الشهير بالفقيه، لانتحاله طلب العلم أيام أبيه. وأوصاه أن يتمسك بعروة أمير المسلمين ويخطب نصره، ويدرأ به ويقدمه عن نفسه وعن المسلمين تكالب الطاغية. فبادر لذلك لحين مواراة أبيه وأوفد مشيخة الأندلس كافة عليه، ولقيه وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة خاتم الفتوح بالثغور المغربية وملاذ العز ومقاد الملك. وتبادروا للإسلام [1] وألقوا إليه كنه الخبر عن كلب العدو على المسلمين، وثقل وطأته، فحيا وفدهم ورؤساءهم، وبادر لإجابة داعي الله واستئثار الجنة. وكان أمير المسلمين منذ أول أمره مؤثرا أعمال الجهاد كلفا به مختارا له حتى أعطي الخيار سائر آماله، حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الأندلس أيام أخيه الأمير أبي يحيى وطلب إذنه في ذلك عند ما ملكوا مكناسة سنة ثلاث وأربعين وستمائة فلم يأذن له وفصل إلى الغزو في حشمه وذويه ومن أطاعه من عشيرته. وأوعز الأمير أبو يحيى لصاحب الأمر بسبتة لذلك العهد أبي علي بن خلاص بأن يمنعه الإجازة، ويقطع عنه أسبابها. ولما انتهى إلى قصر الجواز، ثنى عزمه عن ذلك الولي يعقوب بن هارون الخبري، ووعده بالجهاد أميرا مستنفرا للمسلمين ظاهرا على العدو، فكان في نفسه من ذلك شغل وإليه صاغية.
فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزائمه وذكروا همته، فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير. ونهض من فاس شهر شوال من سنة ثلاث وسبعين وستمائة إلى فرضة المجاز من طنجة. وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم وعقد عليهم لابنه منديل وأعطاه الراية. واستدعى من الغد صاحب سبتة في السفن لإجازتهم فوافاه بقصر الجواز عشرون من الأساطيل، فأجاز العسكر ونزل بطريف، وأراح ثلاثا، ودخل دار الحرب وتوغل فيها، وأجلب على ثغورها وبسائطها. وامتلأت أيديهم من المغانم وأثخنوا بالقتل والأسر وتخريب العمران ونسف الآثار، حتى نزل
بساحة شريس، فخام حاميتها عن اللقاء وانحجروا في البلد، وقفل عنها إلى الجزيرة وقد امتلأت أيديهم من الأموال وحقائبهم من السبي وركائبهم من الكراع والسلاح.
ورأى أهل الأندلس قد ثاروا بعام العقاب حتى جاءت بعدها الطاعة الكبرى على أهل الكفر، واتصل الخبر بأمير المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه، وخشي على ثغور بلاده من عادية يغمراسن في الفتنة، فبعث حافده تاشفين بن عبد الواحد في وفد من بني مرين لعقد السلم مع يغمراسن والرجوع للاتفاق والموادعة. ووضع أوزار الحرب بين المسلمين للقيام بوظيفة الجهاد فأكرم موصله وموصل قومه. وبادر إلى الإجابة والألفة، وأوفد مشيخة بني عبد الواد على السلطان لعقد السلم. وبعث معهم الرسل وأسنى الهدية وجمع الله كلمة الإسلام، وعظم موقع هذا السلم من أمير المسلمين لما كان في نفسه من الصاغية إلى الجهاد، وإيثاره مبرورات الأعمال. وبث الصدقات يشكر الله على ما منحه من التفرغ لذلك. ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع، ودعا المسلمين إلى الجهاد. وخاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة وجميع قبائل البرابرة وأهل المغرب من المرتزقة والمطوعة. وأهاب بهم وشرع في إجازة البحر، فأجازه من فرضة طنجة لصفر من سنة أربع وسبعين وستمائة واحتل بساحة طريف.
وكان لما استصرخه السلطان ابن الأحمر وأوفد عليه مشايخ الأندلس اشترط عليه النزول عن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره، فتجافى له عن رندة وطريف. ولما احتل بطنجة بادر إليه ابن هشام الثائر بالجزيرة الخضراء، وأجاز البحر إليه. ولقيه بظاهر طنجة فأدى له طاعته وأمكنه من قياد بلده. وكان الرئيس أبو محمد بن أشقيلولة وأخوه أبو إسحاق صهر السلطان ابن الأحمر تبعا له في أمره ومؤازرا له على شأنه كله. وأبوهما أبو الحسن هو الذي تولى كبر الثورة على ابن هود ومداخلة أهل إشبيلية في الفتك بابن الباجي. فلما استوت قدمه في ملكه وغلب الثوار على أمره فسد ما بينهما بعد أن كان ولى أبا محمد على مقاله وأبا إسحاق على وادي آش [1] ، فامتنع أبو محمد بن أشقيلولة بمالقة واستأثر بها وبغربيتها دونه. ومع ذلك فكانوا على
الصاغية فيئة ولحمة. ولما أحس أبو محمد بإجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق، قدم إليه الوفد من أهل مالقة ببيعتهم وصريخهم، وانحاش إلى جانب السلطان وولايته، وأمحضه المخالصة والنصيحة. فلما احتل السلطان بناحية طريف ملأت كتائبه ساحة الأرض ما بينهما وبين الجزيرة وتسابق السلطان ابن الأحمر، وهو الفقيه أبو محمد ابن الشيخ أبي دبوس صاحب غرناطة والرئيس أبو محمد بن أشقيلولة صاحب مالقة والغربية، وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش إلى لقاء السلطان وتناغوا في برور مقدمه والإذعان له، ففاوضهما في أمور الجهاد، وأرجعهما لحينه إلى بلديهما. وانصرف ابن الأحمر مغاضبا لبعض النزعات أحفظته وأغذ السير إلى الفرنتيرة، وعقد لولده الأمير أبي يعقوب على خمسة آلاف من عسكره. وسرح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل تنسف الزرع وتحطم الغروس وتخرب العمران وتنتهب الأموال وتكتسح السرح وتقتل المقاتلة وتسبي النساء والذرية، حتى انتهى إلى المدور وتالسة [1] وأبدة [2] واقتحم حصن بلمة عنوة. وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها. وقفل والأرض تموج سبيا إلى أن عرس بأستجة من تخوم دار الحرب. وجاء النذير باتباع العدو وآثارهم لاستنقاذ أسراهم وارتجاع أموالهم. وأن زعيم الروم وعظيمهم ذنته [3] خرج في طلبهم بأمم بلاد النصرانية من المحتلم فما فوقه. فقدم السلطان الغنائم بين يديه وسرح ألفا من الفرسان أمامها، وسار يقتفيها، حتى إذا طلت رايات العدو من ورائهم كان الزحف، ورتب المصاف وحرض وذكر. وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها، وأبلت في طاعة ربها والذب عن دينها. وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها في مقاماتها ومواقفها.
ولم يكن إلا كلا ولا، حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشفت جموع النصرانية، وقتل الزعيم ذننه والكثير من جموع الكفر. ومنح الله المسلمين أكتافهم، واستمر القتل فيهم. وأحصي القتلى في المعركة فكانوا ستة آلاف، واستشهد من المسلمين ما يناهز الثلاثين أكرمهم الله بالشهادة وآثرهم بما عنده. ونصر الله حزبه
وأعز أولياءه ونصر دينه. وبدا للعدو ما لم يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملة وقيامها بنصر الكلمة. وبعث أمير المسلمين برأس الزعيم ذننه إلى ابن الأحمر فرده زعموا سرا إلى قومه بعد أن طيبه وأكرمه، ولاية أخلصها لهم، مداراة وانحرافا عن أمير المسلمين، ظهرت شواهده عليه بعد حين كما نذكره، وقفل أمير المسلمين من غزاته إلى الجزيرة منتصف ربيع من سنته، فقسم في المجاهدين الغنائم وما نفلوه من أموال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم، بعد الاستئثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنة ليصرفه في مصارفه. ويقال: كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة مائة ألف من البقر وأربعة وعشرين ألفا، ومن الأسارى سبعة آلاف وثمان مائة وثلاثين، ومن الكراع أربعة عشر ألفا وستمائة، وأما الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة، حتى لقد زعموا بيعت الشاة في الجزيرة بدرهم واحد، وكذلك السلاح. وأقام أمير المسلمين بالجزيرة أياما ثم خرج لجمادى غازيا إلى إشبيلية فجاس خلالها وتقرى نواحيها وأقطارها، وأثخن بالقتل والنهب في جهاتها وعمرانها. وارتحل إلى شريش فأذاقها وبال العيث والاكتساح. ورجع إلى الجزيرة لشهرين من غزاته، ونظر في اختطاط مدينة بفرضة المجاز من العدوة لنزل عسكره منتبذا عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العسكر وجفائهم. وتحيز لها مكانا لصق الجزيرة، فأوعز ببناء المدينة المشهورة بالبنية وجعل ذلك لنظر من يثق به من ذويه [1] . ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب من سنة أربع وسبعين وستمائة فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر، واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على بادس مرفأ الجواز ببلاد غمارة. وتولى ذلك إبراهيم بن عيسى كبير بني وسناف بن محيو. ثم رحل إلى فاس فدخلها في شعبان، وصرف النظر إلى أحوال دولته، واختطاط البلد الجديد لنزله ونزل حاشيته، واستنزال الثوار عليه بالمغرب على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن اختطاط البلد الجديد بفاس وما كان على بقية ذلك من الأحداث) **
لما قفل السلطان أمير المسلمين من غزاتة الجهادية، وتم صنع الله لديه في ظهور
الإسلام على يديه، واعتزاز أهل الأندلس بفيئته، راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته، شفعت مواهب السعادة، وأجملت [1] عوائد الصنع، وذلك أن صبابة بني عبد المؤمن وفلهم، لما فروا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تين ملل جرثومة أمرهم، ومنبعث دعوتهم. وملاحد خلفائهم، وحضرة سلفهم، ودار إمامهم، ومسجد مهديهم. كانوا يعكفون عليه متيمنين بطيره، ملتمسين بركة زيارته، ويقدمون ذلك أمام غزواتهم قرية بين يدي أعمالهم يعتدونها من صالح مساعيهم. فلما خلص الفل إليه اعتصموا بمعقله وآووا إلى ركونه، ونصبوا للقيام بأمرهم عيصا من أعياص خلفاء بني عبد المؤمن ضعيف المنبه [2] خاسر الصفقة من مواهب الحظ، وهو إسحاق أخو المرتضى. وبايعوه سنة تسع وستين وستمائة يرجون منه رجع الكرة، وإدالة الدولة، وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطوش.
ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن علي بن محلى على أعمال مراكش، لم يقدم عملا على محاربتهم، وتخذيل الناس عنهم، واستمالة أشياعهم. وجمعوا له سنة أربع وسبعين وستمائة على غرة ظنوها، فأوقع بهم وفل من غربهم. ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتض عذرته وفض ختامه، واقتحمه عليهم عنوة بعد مطاولة النزال والحرب. وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة، وتقبض على خليفته المستضعف. وابن عمه أبي سعيد ابن السيد أبي الربيع ومن معهما من الأولياء. وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة بمراكش، فضربت أعناقهم وصلبت أشلاؤهم. وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده، وعاثت العساكر في جبل تينما [3] واكتسحت أمواله. وبعثرت قبور خلفاء بني عبد المؤمن. واستخرج شلو يوسف وابنه يعقوب المنصور، فقطعت رءوسهم. وتولى كبر ذلك أبو علي الملياني النازع إلى السلطان أبي يوسف من مليانة عش غوايته ومواطن انتزائه كما قدمناه وكان السلطان أقطعه بلاد أغوات إكراما لوفادته، فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر
وراى أن قد شفى نفسه بإخراج هؤلاء الخلائق من أرماسهم، والعيث بأشلائهم لما نقم منه الموحدون. وأزعجوه من قراره، فنكرها السلطان لجلاله. وتجاوز عنها للملياني تأنيسا لقربته وجواره، وعدها من هناته.
ولما وصل أمير المسلمين إلى حضرته من غزاة الجهاد، ترادفت عليه أخبار هذه الملحمة، وقطع دابر بني عبد المؤمن، فتظاهر السرور لديه، وارتفعت إلى الله كلمات الشكر طيبة منه. ولما سكن غرب الثوار، وتمهد أمر المغرب، ورأى أمير المسلمين أن أمره قد استفحل، وملكه قد استوسق، واتسع نطاق دولته، وعظمت غاشيته وكثر وافده، رأى أن يختط بلدا يتميز بسكناه في حاشيته وأهل خدمته وأوليائه الحاملين سرير ملكه. فأمر ببناء البلد الجديد لصق فاس، بساحة الوادي المخترق وسطها من أعلاه، وشرع في تأسيسها لثالث من شوال في سنة أربع وسبعين وستمائة هذه.
وجمع الأيدي عليها، وحشد الصناع والفعلة لبنائها. وأحضر لها الحزى والمعدلين لحركات الكواكب، فاعتاموا في الطوالع النجومية مما يرضون أثره، ورصدوا أوانه.
وكان فيهم الإمامان أبو الحسن بن القطان وأبو عبد الله بن الحباك، المقدمان في الصناعة، فكمل تشييد هذه المدينة على ما رسم وكما رضي. ونزلها بحاشيته، وذويه سنة أربع وسبعين وستمائة كما ذكرناه. واختطوا بها الدور والمنازل، وأجرى فيها المياه إلى قصوره، وكانت من أعظم آثار هذه الدولة وأبقاها على الأيام. ثم أوعز بعد ذلك ببناء قصبة مدينة مكناسة، فشرع في بنائها من سنته، وكان لحين إجازته البحر قافلا من غزاته لحق طلحة بن محلى بجبل أزرو [1] نازعا إلى قبائل زناتة من صنهاجة، فاغذ إليه السلطان بعساكره وأناخ عليه. واستنزله لشهر على ما سأل من الأمان والرتبة. وحسم الداء من خروجه. واستوزر صنيعته فتح الله السدراتي، وأجرى له رزق الوزارة على عوائدهم. ثم بعث إلى يغمراسن كفاء هديته التي أتحفه بها بين يدي غزاته. وكان شغله عنها أمر الجهاد، فبعث له فسطاطا رائقا كان صنع له بمراكش، وحكمات مموهة بالذهب والفضة، وثلاثين من البغال الفارهة ذكورا وإناثا بمراكبها الفارسية من السروج، والنسوانية من الولايا، وأحمالا من الأديم المعروف دباغة بالشركسي، إلى غير ذلك مما يباهي به ملوك المغرب وينافسون فيه.
وفي سنة خمس وسبعين وستمائة من بعدها أهدى له محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، وصاحب جبل وانشريش أربعة من الجياد انتقاها من خيل المغرب كافة، ورأى أنها على قلة عددها أحفل هدية. وفي نفسه أثناء هذا كله من الجهاد شغل شاغل يتخطى إليه سائر أعماله حسبما نذكر.
** (الخبر عن إجازة أمير المسلمين ثانية وما كان فيها من الغزوات) **
لما قفل أمير المسلمين من غزاته الأولى، واستنزل الخوارج وثقف الثغور، وهادي الملوك واختط المدينة لنزله كما ذكرنا ذلك كله. ثم خرج فاتح سنة ست وسبعين وستمائة إلى جهة مراكش لسد ثغوره، وتثقيف أطرافه. وتوغل في أرض السوس، وبعث وزيره فتح الله السدراتي بالعساكر فجاس خلاله، ثم انكفأ راجعا. وخاطب قبائل المغرب كافة بالنفير إلى الجهاد، فتباطئوا واستمر على تحريضهم، ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة فثبطوا، فخف هو واحتل بطريف آخر محرم.
ثم ارتحل إلى الجزيرة، ثم إلى رندة. ووافاه هنالك الرئيسان أبو إسحاق بن أشقيلولة صاحب قمارش، وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه. وارتحلوا إلى منازلة إشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوي. وكان بها ملك الجلالقة ابن أدفونش، فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محاميا عن أهلها. ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الأمير أبا يعقوب في المقدمة، وزحف في التعبية فأحجروا العدو في البلد، واقتحموا أثرهم الوادي وأثخنوا فيهم. وباتت العساكر ليلتهم يجادون في متون الخيل وقد أضرموا النيران بساحتها. وارتحل من الغد إلى أرض الشرط، وبث السرايا والغوازي في سائر النواحي. وأناخ بجمهور العسكر عليها، فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها. ودخل حصن قطيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة، وأثخن في القتل والسبي. ثم ارتحل بالغنائم والأثقال [1] إلى الجزيرة لسرار شهره، فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين. ثم خرج غازيا إلى شريش منتصف ربيع الآخر
فنازلها وأذاقها نكال الحرب. وأقفر نواحيها، وقطع أشجارها وأباد خضراءها وحرق ديارها، ونسف آثارها، وأثخن فيها بالقتل والأسر. وبعث ولده الأمير أبي يعقوب في سرية من معسكره للغوار على اشبيلية وحصون الواد [1] ، فبالغ في النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطير [2] . ثم صبح إشبيلية بمقارة فاكتسحها وانفكأ إلى أمير المسلمين، فقفلوا جميعا إلى الجزيرة. وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم. ثم ندب إلى غزو قرطبة، ورغبهم في عمرانها وثروة مساكنها، وخطب بلادها، فانعطفوا إلى إجابته، وخاطب ابن الأحمر يستنفره. وخرج لأول جمادى من الجزيرة، ووافاهم ابن الأحمر بناحية أرشدونة، فأكرم وصوله وشكر حفوفه الى الجهاد وبداره. ونازلوا حصن بني بشير فدخلته عنوة، وقتلت المقاتلة وسبيت النساء، ونفلت الأموال وخرب الحصن. ثم بث السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلأت الأيدي وأثرى العسكر. وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها، وانحجرت حامية العدو من وراء الأسوار وانبثت بعوث المسلمين وسراياهم في نواحيها، فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها. وترددوا على جهاتها، ودخل حصن بركونة عنوة، ثم أرجونة كذلك، وقدم بعثا إلى حيانة [3] قاسمها حظها من الخسف والدمار. وخام الطاغية عن اللقاء وأيقن بخراب عمرانها. وإتلاف بلده. فجنح إلى السلم وخطبه من أمير المسلمين، فدفعه إلى ابن الأحمر وجعل الأمر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه، وأجابهم ابن الأحمر إليه بعد عرضه على أمير المسلمين والتماس إذنه فيه لما فيه من المصلحة وجنوح أهل الأندلس إليه منذ المدد الطويلة، فانعقد السلم. وقفل أمير المسلمين من غزاته وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان ابن الأحمر وخرج له عن الغنائم كلها، فاحتوى عليها. ودخل أمير المسلمين الى الجزيرة في أول رجب من عامئذ، فأراح ونظر في ترتيب المسالح على الثغور، وتملك مالقة كما نذكره.
** (الخبر عن تملك السلطان مدينة مالقة من يد ابن اشقيلولة) **
كان بنو اشقيلولة هؤلاء من رؤساء الأندلس المؤملين لمدافعة العدو، وكانوا نظراء لابن الأحمر في الرئاسة، وهما أبو محمد عبد الله وأبوا إسحاق إبراهيم ابنا أبي الحسن بن أشقيلولة. وكان أبو محمد منهم صهرا له على ابنته فكانوا له بذلك خاصة فأشركهم في أمره واعتضد بعصابتهم وبأبيهم من قبل على مقاومة ابن هود وسائر الثوار حتى إذا استمكن من فرصته واستوى على كرسيه استبد دونهم وأنزلهم الى مقامات الوزراء.
وعقد لأبي محمد صهره على ابنته على مدينة مالقة والغربية، وعقد لأبي الحسن صهره على أخته على وادي آش وما إليها، وعقد لابنه أبي إسحاق إبراهيم بن علي على قمارش وما إلى ذلك. ووجدوا في أنفسهم، واستمر الحال على ذلك. ولما هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة وولي ابنه الفقيه محمد، سموا إلى منازعته. وأوفد أبو محمد صاحب مالقة ابنه أبا سعيد على السلطان يعقوب بن عبد الحق، وهو منازل طنجة. ووفد معه أبو محمد إلى السلطان بطاعته وبيعته أهل مالقة سنة ثلاث وسبعين وستمائة وعقد له عليها. ونزع ابنه أبو سعيد فرج إلى دار الحرب، ثم رجع لسنته فقتل بمالقة. ولما أجاز السلطان إلى الأندلس إجازته الأولى سنة أربع وسبعين وستمائة تلقاه أبو محمد بالجزيرة مع ابن الأحمر وفاوضهما السلطان في أمر الجهاد وردهما إلى أعمالها. ولما أجاز إجازته الثانية سنة ست وسبعين وستمائة لقيه بالجزيرة الرئيسان ابنا أشقيلولة: أبو محمد صاحب مالقة، وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش وقمارش، فشهدا معه الغزاة. ولما قفل اعتل أبو محمد صاحب مالقة، ثم هلك غرة جمادى من سنته فلحق ابنه محمد بالسلطان آخر شهر رمضان. وهو متلوم بالجزيرة، منصرفه عن الغزو كما ذكرناه، فنزل له عن البلد ودعاه إلى احتيازها، فعقد عليها لابنه أبي زيان منديل، فسار إليها في بعث، وكان ابن أشقيلولة لحين فصوله إلى لقاء السلطان، أمر ابن عمه محمد الأزرق بن أبي الحجاج يوسف بن الزرقاء بإخلاء منازل السلطان بالقصبة واعدادها، فتم ذلك لثلاث ليال، واضطرب الأمير أبو زيان معسكره بخارجها، وأنفذ محمد بن عمران بن عيلة في
رهط من رجال بني مرين إلى القصبة فنزلها وملك أمر البلد. وكان السلطان ابن الأحمر لما بلغه وفاة أبي محمد بن أشقيلولة سما أمله إلى الاستيلاء على مالقة وأن ابن أخته شيعة له. وبعث لذلك وزيره أبا سلطان عزيز الداني، فوافى معسكر الأمير أبي زيان بساحتها. ورجا أن يتجافى عنها لسلطانه، فأعرض عن ذلك وتجهم له.
ودخل إليها لثلاث بقين من رمضان. وانقلب الداني عنها بخفي حنين، ولما قضى السلطان بالجزيرة صومه ونسكه، خرج إلى مالقة فوافاها سادس شوال، وبرز إليه أهلها في يوم مشهود، واحتفلوا له احتفال أيام الزينة سرورا بمقدم السلطان، ودخولهم في إيالته. وأقام فيهم إلى خاتم سنته. ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلى من صنائع دولتهم. وأنزل معه المسالح وزيان بن أبي عياد بن عبد الحق في طائفة لنظره من أبطال بني مرين. واستوصاه بمحمد بن أشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة. ثم أجاز إلى المغرب سنة سبع وسبعين وستمائة وقد اهتزت الدنيا لقدومه وامتلأت القلوب سرورا بما كيفه الله من نصر المسلمين بالعدوة، وعلو راية السلطان على كل راية.
وعظمت لذلك موجدة ابن الأحمر، ونشأت الفتنة كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن تظاهر ابن الأحمر والطاغية على منع السلطان أبي يوسف من إجازة ابن الأحمر واصفاق يغمراسن بن زيان معهم من وراء البحر على الأخذ بحجزته عنهم وواقعة السلطان على يغمراسن بخرزوزة **
لما أجاز أمير المسلمين إلى العدوة إجازته الأولى، ولقي العدو بأستجة، وقتل الله ذننه بأيدي عسكره. وصنع له من الظهور والعز ما لا كفاء له، ارتاب ابن الأحمر بمكانه، فبدا له ما لم يكن يحتسب، وظن بأمير المسلمين الظنون، واعترض ذكره شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد سلطان الأندلس. وأكد ذلك عنده جنوح الرؤساء من بني أشقيلولة وغيرهم إليه وانقيادهم لأمره، فشرق بمكانه وحذر غوائله. وتكدر الجو بينهما وأجاز الإجازة الثانية، فانقبض ابن الأحمر عن لقائه، ودارت بينهما مخاطبات شعرية في معنى العتاب على ألسنة كتابهما نسردها الآن،
(فمن ذلك قصيدة كتبها إليه ابن الأحمر سنة أربع وسبعين وستمائة بعد واقعة ذننه واعتزامه على الرجوع إلى المغرب، فخاطبه بها ليلة الإقامة بالجزيرة حذرا من غائلة العدو، وينحو فيها منحى الاستعطاف وهي من نظم كاتبه أبي عمر بن المرابط:
هل من معيني في الهوى أو منجدي ... من متهم في الأرض أو من منجد
هذا الهوى داع فهل من مسعف ... بإجابة وإنابة أو مسعد
هذا سبيل الرشد قد وضحت فهل ... بالعدوتين من امرئ مسترشد
يرجو النجاة بجنة الفردوس أو ... يخشى المصير إلى الجحيم الموقد
يا آمل النصر العزيز على العدا ... أجب الهدى تسعد به وتؤيد
سر النجاة إلى النجاة مشمرا ... إن الهدى لهو النجاة لمن هدي
يا من يقول غدا أتوب ولا غد ... ألديك علم أن تعيش إلى غد
لا تغترر بنسيئة الأجل الذي ... إن لم يحن لك نقده فكأن قد
سفر عليك طويلة أيامه ... لم تستعدا لطوله فاستعدد
أو ما علمت بأنه لا بد من ... زاد لكل مسافر فتزود
هذا الجهاد رئيس أعمال التقى ... خذمنه زادك لارتحالك تسعد
هذا الرباط بأرض أندلس فرح ... منه لما يرضي إلهك واغتدي
سودت وجهك بالمعاصي فالتمس ... وجها للقيا الله غير مسود
وامح الخطايا بالدموع فربما ... محت الدموع خطيئة المتعمد
من ذا يتوب لربه من ذنبه ... أو يقتدي بنبيه أو يهتدي
وتعوضت منهم بكل معاند ... مستكبر قد كان لم يتشهد
كم من أسير عندهم وأسيرة ... فكلاهما يبغي الفداء فما فدي
كم من عقيلة معشر معقولة ... فيهم تود لو انها في ملحد
كم من وليد بينهم قد ود من ... ولداه ودا أنه لم يولد
كم من تقي في السلاسل موثق ... يبكي لآخر في الكبول مقيد
وشهيد معترك توزعه الردى ... ما بين حدي ذابل ومهند
ضجت ملائكة السماء لحالهم ... ورثى لهم من قلبه كالجلمد
أفلا تذوب قلوبكم إخواننا ... مما دهانا من ردى أو من ردي
أفلا تراعون الأذمة بيننا ... من حرمة ومحبة وتودد
أكذا يعيث الروم في إخوانكم ... وسيوفكم للثأر لم تتقلد
يا حسرتى لحمية الإسلام قد ... خمدت وكانت قبل ذا تتوقد
أين العزائم ما لها لا تقتضي [1] ... هل يقطع الهندي غير مجرد
أبني مرين أنتم جيراننا ... وأحق من في صرخة بهم ابتدي
فالجار كان به يوصي المصطفى ... جبريل حقا في الصحيح المسند
أبني مرين والقبائل كلها ... في المغرب الأدنى لنا والأبعد
كتب الجهاد عليكم فتبادروا ... منه إلى الفرض الأحق الأوكد
وارضوا بإحدى الحسنيين وأقرضوا ... حسنا تفوزوا بالحسان الخرد
هذي الجنان تفتحت أبوابها ... والحور قاعدة لكم بالمرصد
هل من بايع [2] من ربه من مشتر ... منه الحصول على النعيم السرمد
لله في نصر الخليفة [3] موعد ... صدق فثوروا لانتجاز الموعد
هذي الثغور بكم إليكم تشتكي ... شكوى العديم إلى الغني الأوجد
ما بال شمل المسلمين مبدد ... فيها وشمل الكفر غير مبدد
أنتم جيوش الله ملء فضائه ... تأسون للدين الغريب المفرد
ماذا اعتذاركم غدا لنبيكم ... وطريق هذا العذر غير ممهد
إن قال لم فرطتم في أمتي؟ ... وتركتموهم للعدو المعتدي؟
تالله لو أن العقوبة لم تخف ... لكفى الحياء من وجه ذاك السيد
إخواننا صلوا عليه وسلموا ... وسلوا الشفاعة منه يوم المشهد
واسعوا لنصرة دينه يسقيكم ... من حوضه في الحشر أعذب مورد
وصدر جوابها من نظم عبد العزيز شاعر السلطان يعقوب بن عبد الحق بما نصه:
لبيك لا تخش اعتداء المعتدي إلخ وكذلك أجاب عنها أيضا مالك بن المرحل بقوله:
شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي إلخ فأجابهما أبو عمرو بن المرابط كاتب ابن الأحمر بقوله:
قل للبغاة وللعداة الحسد إلخ ولما أجاز السلطان يعقوب بن عبد الحق الإجازة الثانية سنة ست وسبعين وستمائة كما نذكره، صار ابن الأحمر إلى الاستعتاب والرضا ولقي يعقوب بن عبد الحق فأنشد كاتبه أبو عمرو بن المرابط يوم اجتماعهما قوله بشرى لحزب الله والإيمان إلخ ولما انقضى المجلس أمر السلطان شاعره عبد العزيز بمساجلة قصيدته، وأنشدها ثاني المجلس بحضرة ابن الأحمر ونصها اليوم كن في غبطة وأمان إلخ ثم كان أثناء ذلك ما وقع من استيلاء السلطان يعقوب بن عبد الحق على مدينة مالقة والغربية، جل عمله بعد مهلك صاحبها أبي محمد عبد الله بن أشقيلولة، فبرم لذلك وخيل عليه، ففزع الى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده بيده، وان يعود إلى مكان أبيه من ولايته ليدافع به السلطان وقومه عن أرضه، ويأمن معه من زوال سلطانه، لما كانت كلمة الإسلام حجزا دونه. فاهتبل الطاغية غرتها، ونكث عهد أمير المسلمين، ونقض السلم، ونبذ إليه العهد. واغزى أساطيله الجزيرة الخضراء حيث مسالح السلطان وعساكره. وأرست بالزقاق حيث فراض الجواز. هنا وانقطع المسلمون من جنود السلطان وقومه وراء البحر ويئسوا من صريخه. وانتبذ عمر ابن يحيى بن محلى عن قومه بمكان إمارته مالقة، وكان بنو محلى هؤلاء من كبار قومهم بطوية وكانوا حلفاء لبني حمامة بن محمد منذ دخولهم المغرب. وأصهر عبد الحق أبو الأملاك إلى أبيهم محلى في ابنته أم اليمن، فكان من ولدها السلطان يعقوب بن عبد الحق. وكانت امرأة صالحة خرجت إلى الحج سنة ثلاث وأربعين وستمائة فقضت فريضة الله عليها وعادت إلى المغرب رابعة من السنين سنة سبع وأربعين وستمائة ثم خرجت ثانية سنة اثنتين وخمسين وستمائة فتطوعت بحجة أخرى وهلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة ثلاث وخمسين وستمائة فكان لبني محلى أبيها مكان من الدولة ودالة على السلطان لخؤولتهم ووشايج قرابتهم وغنائهم في قومهم ولما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش، عقد لمحمد بن علي بن محلى على جميع أعمالها، فكانت له بالاضطلاع بها مقاما محمودة. واتصلت ولايته عليها من لدن سنة ثمان وستين إلى سنة سبع وثمانين وستمائة ثم كان مهلكه أيام يوسف بن يعقوب كما نذكر. ولما نزع محمد بن أشقيلولة إلى السلطان بالجزيرة سنة ست وسبعين وستمائة
متجافيا له عن ولاية مالقة بعد وفاة أبيه الرئيس أبي محمد، واستولى السلطان عليها، واعتزم على الإجازة كما قدمناه، وعقد على مالقة والغربية وسائر ثغورها وأعمالها لعمر بن يحيى بن محلى. وكان أخوه طلحة بن يحيى ذا بأس وصرامة وقوة شكيمة، واعتزاز على السلطان بمكان الخئولة، وهو الذي قتل يعقوب بن عبد الحق بغبولة سنة ثمان وستين وستمائة كما قلناه، وظاهر فتح الله الهدراي [1] مولى السلطان ووزيره على قتال أبي العلاء بن أبي طلحة بن أبي قريش، عامل المغرب بكدية العرايش بظاهر فاس سنة اثنتين وستين وستمائة ونزع سنة أربع وسبعين وستمائة إلى جبل آزروا عند مرجع السلطان من إجازته الأولى، فاستنزله ورجعه إلى مجلسه من جملته. ثم نزع من الجزيرة إلى غرناطة سنة ست وسبعين وستمائة عند مرجع السلطان من أمر مالقة، وأجاز البحر إلى بلاد الريف. ثم رجع إلى القبلة وأقام بين بني توجين. ثم أجازا إلى الأندلس سنة سبع وسبعين وستمائة عند ما أضرم نار هذه الفتنة بين هذا السلطان وبين ابن الأحمر والطاغية، واحتل أسطول النصارى بالزقاق، وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر. وأحس أخوه عمر صاحب مالقة باظلام الجو بينه وبين السلطان بما كان من أمر أخيه طلحة من قبل فلاطفه ابن الأحمر عند استقراره بغرناطة في مداخلة أخيه عمر في النزول عن مالقة، والاعتياض عنها بشلوبانية [2] والمنكب طعمة. وخاطبه في ذلك أخوه طلحة فأجاب وخرج ابن الأحمر بعساكره إلى مالقة، وتقبض عمر بن محلى على زيان بن بو عياد قائد بني مرين ومحمد بن أشقيلولة. وأمكن ابن الأحمر من البلد فداخلها آخر رمضان من سنته.
وأنزل ابن محلى بشلوبانية واحتمل ذخيرته وما كان السلطان ائتمنه عليه من المال والعدد الجهادية. واتصلت يد ابن الأحمر بيد الطاغية على منع أمير المسلمين من الإجازة، وراسلوا يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم في مشاقة السلطان وإفساد ثغوره وإنزال العوائق به المانعة من حركته، والأخذ بأذياله عن النهوض إلى الجهاد. وأسنوا فيما بينهما الإتحاف والمهاداة. وجنب يغمراسن إلى ابن الأحمر ثلاثين
من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف، وبعث إليه ابن الأحمر صحبة ابن مروان التجاني كفء ذلك عشرة آلاف دينار، فلم يرض بالمال في هديته ورده.
وأصفقت أيديهم جميعا على السلطان، ورأوا أن قد بلغوا في إحكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم، واتصل الخبر بأمير المسلمين وهو بمراكش. كان صمد إليها مرجعه من الغزو في شهر المحرم فاتح سبع وسبعين وستمائة لما كان من عيث العرب جشم بتامسنا وإفسادهم السابلة. فنقف أطرافها وحسم أدواءها. ولما بلغه خبر ابن محلى ومالقة ومنازلة الطاغية للجزيرة، نهض لثالثة من شوال يريد طنجة. ولما انتهى إلى تامسنا، وافاه الخبر بنزول الطاغية على الجزيرة، وإحاطة عساكره بها سادس شوال، بعد أن كانت أساطيله منازلتها منذ ربيع، وأنه مشرف على التهامها. وبعثوا إليه يستعدونه فاعتزم على الرحيل.
ثم اتصل به الخبر بخروج مسعود بن كانون أمير سفيان من جشم ببلاد نفيس من المصامدة خامس ذي القعدة. وأن الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم. فكر إليه راجعا وقدم بين يديه حافده تاشفين بن أبي مالك، ووزيره يحيى حازم، وجاء على ساقتهم وفروا أمام جيوشه، وانتهب معسكرهم وحللهم، واستباح عرب الحرث ابن سفيان. ولحق مسعود بمعقل السكسيوي، ونازلة السلطان بعساكره أياما.
وسرح ابنه الأمير أبا زيان منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها، فأوغل في ديارها وقفل إلى أبيه خاتم سنته. واتصل بالسلطان ما نال أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال وإعواز الأقوات، وأنهم قتلوا الأصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر، فأهمه ذلك وأعمل النظر فيه، وعقد لولي عهده ابنه الأمير أبي يعقوب من مراكش على الغزو إليها. وأغزى الأساطيل في البحر إلى جهاد عدوهم، فوصل إلى طنجة لصفر من سنة ثمان وسبعين وستمائة وأوعز إلى البلاد البحرية لاعداد الأساطيل بسبتة وطنجة وسلا، وقسم الأعطيات وتوفرت همم المسلمين على الجهاد، وصدقت عزائمهم على الموت. وأبلى الفقيه أبو حاتم العزفي صاحب سبتة لما بلغه خطاب أمير المسلمين في ذلك البلاء الحسن، وقام فيه المقام المحمود. واستقر كافة أهل بلده فركبوا البحر أجمعين من المحتلم فما فوقه.
ورأى ابن الأحمر ما نزل بالمسلمين في الجزيرة، وإشراف الطاغية على أخذها، فندم في ممالأته ونبذ عهده، وأعد أساطيل سواحله من المنكب والمرية ومالقة مددا
للمسلمين. واجتمعت الأساطيل بمرفإ سبتة تناهز السبعين، قد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زي وأحسن قوة وأكمل عدة وأوفر عدد، وعقد عليهم الأمير أبو يعقوب رايته، وأقلعوا عن طنجة ثامن ربيع الأول. وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه، وباتوا ليلة المولد الكريم بمرقى الجبل، وصبحوا العدوة وأساطيلهم تناهز أربعمائة، فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من شكتهم، وأخلصوا لله عزائمهم، وصدقوا مع الله نياتهم، وتنادوا بالجنة شعارهم. ووعظ وذكر خطباؤهم، والتحم القتال ونزل الصبر. ولم يكن إلا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل، فانكشفوا وتساقطوا في العباب. فاستلحمهم السيف وغشيهم اليم، وملك المسلمون أساطيلهم ودخلوا مرقى الجزيرة وفرضتها عنوة، فاختل معسكر الطاغية. وداخلهم الرعب من إجازة الأمير أبي يعقوب ومن معه من الحامية، فأفرج لحينه عن البلد، وانتشرت النساء والصبيان بساحته، وغلبت المقاتلة كثيرا من العسكر على مخلفهم، فغنموا من الحنطة والأدم والفواكه ما ملأ أسواق البلد أياما، حتى وصلتها الميرة من النواحي.
وأجاز الأمير أبو يعقوب من حينه فأرهب العدو في كل ناحية، وصده عن الغزو شأن الفتنة مع ابن الأحمر، فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما، ويصل به لمنازلة غرناطة يدا. وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسه، وموجدة على ابن الأحمر في مدد أهل الجزيرة. وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الأمير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها، ونكر على ابنه. وزوى عنه وجه رضاه، ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي. وأجاز أبو يعقوب ابن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة، فلقوا السلطان بمكانه من بلاد السوس. وولى عليهم ابنه أبا زيان فنزل بالجزيرة، وأحكم العقدة مع الطاغية، ونازل المريلة [1] من طاعة ابن الأحمر برا وبحرا فامتنعت عليه. وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذرا من الطاغية فتقبلهم. ثم جاءه المدد من المغرب، ونازل رندة فامتنعت. والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الأندلس. ونازل ابن الأحمر بغرناطة مع بني أشقيلولة وابن الدليل. ثم راجع ابن الأحمر مسالمة بني مرين، وبعث لأبي زيان ابن السلطان بالصلح، واجتمع معه بأحواز مريلة كما نذكر بعد.
ولما ارتحل السلطان من معسكره إلى جبل السكسيوي يريد السوس، ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه الى مراكش حتى إذا انقضت غزاة البربر رجع إلى فاس، وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفرا للجهاد. وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين وستمائة حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة، وما جرت إليه فتنة ابن الأحمر من اعتزاز الطاغية، وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الأندلسية ومن فيها. وظاهره على ابن الأحمر منافسوه في رياسته بنو أشقيلولة، فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبي إسحاق صاحب وادي آش، ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين وستمائة خمسة عشر يوما ثم أفرجوا، ولقيتهم عساكر غرناطة من زناتة بعد ذلك من سنتهم. وغلبهم [1] طلحة بن محلى وتاشفين بن معطي كبير تيربيغين بحصن المسلى، فأظهرهم الله عليهم. وهلك من النصارى ما يناهز سبعمائة من فرسانهم. واستشهد فيها من أعياص بني مرين عثمان بن محمد بن عبد الحق. واستجر الطاغية سنة ثمانين وستمائة بعدها الرئيس أبو محمد عبد الله أخو صاحب وادي آش إلى منازلة غرناطة، فنازلها الطاغية وأقام عليها أياما. ثم ارتحل وقد اعتز عليهم، وأشفق السلطان على المسلمين وعلى ما نال ابن الأحمر من خسف الطاغية، فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة وشرط عليه النزول عن مالقة، فرجع السلطان إلى إزالة العوائق عن شأنه من الجهاد، وكان من أعظمها فتنة يغمراسن.
واستيقن ما دار بينه وبين ابن الأحمر والطاغية ابن أخي أدفونش من الاتصال والاصفاق في تجديد الصلح والاتفاق، فلج وكشف الوجه في العناد وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة مسلمهم وكافرهم من الوصلة، وأنه معتزم على طي [2] بلاد المغرب. فصرف أمير المسلمين عزمه إلى غزو يغمراسن. وقفل إلى فاس لثلاثة أشهر من نزوله طنجة، فدخلها آخر شوال وأعاد الرسل إلى يغمراسن لإقامة الحجة عليه، والتجأ بمسالمة بني توجين والتجافي عنهم لموالاتهم أمير المسلمين. فقام يغمراسن في ركائبه وقعد ولج في طغيانه. وارتحل أمير المسلمين من فاس سنة تسع وسبعين وستمائة وقدم ابنه أبا يعقوب في العساكر وأدركه بتازى. ولما انتهى إلى ملوية تلوم في انتظار
العساكر ثم ارتحل إلى تاسة ثم تاقيا [1] وصمد إليه يغمراسن بحشود زناتة والعرب بحللهم وكافة ناجعتهم، والتقت عيون القوم، فكانت بينهم حرب. وركب على آثارهما العسكران والتحم القتال، وكان الزحف بخرزوزة من ملعب تيفني [2] ، ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل كتيبته وكتيبة ابنه الأمير أبي يعقوب جناحين للعسكر. واشتد القتال سائر النهار، وانكشف بنو عبد الواد عند ما أراح القوم، وانتهب جميع مخلفهم وما كان في معسكرهم من المتاع والكراع والسلاح والفساطيط، وبات عسكر أمير المسلمين ليلتهم في صهوات خيلهم، واتبعوا من الغد آثار عدوهم. واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن، وامتلأت أيدي بني مرين من نعمهم وشائهم. ودخلوا بلاد يغمراسن وزناتة. ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، لقيه بناحية القصبات، وعاثوا جميعا في بلاده نهبا وتخريبا ثم أذن لبني توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان متلوما لوصول محمد بن عبد القوي وقومه إلى منجاتهم من جبل ونشريس حذرا عليهم من غائلة يغمراسن. ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب ودخل فاس شهر رمضان من سنة ثمانين وستمائة ثم نهض إلى مراكش فاحتل بها فاتح إحدى وثمانين وستمائة بعدها، وسرح ابنه الأمير أبا يعقوب إلى السوس لتدويخ أقطاره، ووافاه بمراكش صريخ الطاغية على ابنه شانجة الخارج عليه، فاغتنم الفرصة في فساد بينهم لقضاء أربه من الجهاد، وارتحل مبادرا بالإجازة إلى الأندلس. والله تعالى أعلم.
** الخبر عن اجازة السلطان أبي يوسف صريخا للطاغية لخروج ابنه شانجة عليه وافتراق كلمة النصرانية وما كان في هذه الأخبار من الغزوات **
لما رجع السلطان من غزاة تلمسان إلى فاس، وارتحل إلى مراكش وافاه بها وفد الطاغية من بطارقته وزعماء دولته، وقواميس ملته صريخا على ابنه شانجة. خرج عليه في طائفة من النصارى وغلبوه على أمره، فانتصر أمير المسلمين ودعاه لحربهم
وأمله لاسترجاع ملكه من أيديهم، فأجاب أمير المسلمين داعية رجاء للكرة بافتراقهم، وارتحل حتى انتهى إلى قصر المجاز، وأوعز إلى الناس بالنفير إلى الجهاد، وأجاز إلى الخضراء فاحتل بها لربيع الثاني من سنة إحدى وثمانين وستمائة واجتمعت عليه مسالح الثغور بالأندلس وسار حتى نزل صخرة عباد [1] ، فوافاه بها الطاغية ذليلا لعز الإسلام مؤملا صريخ السلطان، فأكبر وفادته وأكرم موصله وعظم قدره وأمده لنفقاته بمائة ألف من مال المسلمين استرهن فيها التاج الذخيرة عند سلفه، وبقي بدارهم فخرا للأعقاب لهذا العهد. ودخل معه دار الحرب غازيا حتى ينازل قرطبة، وبها شانجة ابن الطاغية الخارج عليه مع طائفة، فقاتلها أياما ثم أفرج عنها.
وتنقل في جهاتها ونواحيها وارتحل إلى طليطلة فعاث في جهاتها، وخرب عمرانها حتى انتهى إلى حصن مجريط من أقصى الثغر، فامتلأت أيدي المسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم التي استاقوها. وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها لشعبان من سنته، وكان عمر بن محلى نزع إلى طاعة السلطان فهم به ابن الأحمر، ونبذ إليه عهده. وارتجع المنكب من يده ونازلة بعساكره فاتح هذه السنة، فجهز السلطان إليه لوصوله الجزيرة أسطوله. وأفرج ابن الأحمر عنه، فبادر إلى السلطان بطاعته، ووصل بيعة شلوبانية فأبقاه فيها بدعوته. ثم راجع طاعة ابن الأحمر في شوال من سنته، فتقبل فيئته وأعاضه عنها بالمنكب [2] إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
** الخبر عن شأن السلم مع ابن الأحمر وتجافي السلطان له عن مالقة ثم تجدد الغزو بعد ذلك **
لما اتصلت يد السلطان بيد الطاغية، خشي ابن الأحمر غائلته، فجنح إلى موالاة شانجة الخارج عن أبيه. ووصل يده بيده، وأكد له العقد على نفسه وأضرمت له الأندلس نارا وفتنة. ولم تغن شانجة عن ابن الأحمر شيئا ورجع السلطان من غزاته مع الطاغية، وقد ظهر على ابنه فأجمع على منازلة مالقة، ونهض إليها من الجزيرة فاتح اثنتين وثمانين وستمائة فتغلب على الحصون الغربية كلها. ثم أسعف إلى مالقة
فأناخ عليها بعساكره. وضاق النطاق على ابن الأحمر وبدا له سوء المغبة في شأن مالقة ومداخلة ابن محلى في الغدر بها، وأعمل نظره في الخلاص من ورطتها. ولم ير لها إلا ولي عهد السلطان ابنه أبا يوسف، فخاطبه بمكانه من المغرب مستصرخا لرقع هذا الخرق، وجمع كلمة المسلمين على عدوهم، فأجابه واغتنم المثوبة في مسعاه.
وأجاز لشهر صفر، فوافى أمير المسلمين بمعسكره على مالقة. ورغب منه السلم لابن الأحمر عن شأن مالقة والتجافي له عنها، فأسعف رغبة ابنه لما يؤمل في ذلك من رضى الله في جهاد عدوه وإعلاء كلمته. وانعقد السلم وانبسط أمل ابن الأحمر، وتجددت عزائم المسلمين، وقفل السلطان إلى الجزيرة وبث السرايا في دار الحرب فأوغلوا وأثخنوا. ثم استأنف الغزو بنفسه إلى طليطلة فخرج من الجزيرة غازيا غرة ربيع الثاني من سنة اثنتين وثمانين وستمائة حتى انتهى إلى قرطبة، فأثخن وغنم وخرب العمران وافتتح الحصون. ثم ارتحل نحو البرت وخلف معسكره بظاهر بياسة [1] وأغذ السير في أرض قفر لليلتين انتهى إلى البرت من نواحي طليطلة [2] ، فسرح الخيل في البسائط حتى تقرى جميع ما فيها. ولم ينته إلى طليطلة لتثاقل الناس بكثرة الغنائم، وأثخن في القتل، وقفل على غير طريقه فأثخن وخرب وانتهى إلى أبدة. ووقف بساحتها والعدو منحجزون، ثم رجع إلى معسكره بساسة وأراح ثلاثا ينسف آثارها ويقتلع أشجارها. وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها شهر رجب وقسم الغنائم ونفل من الخمس. وولى على الجزيرة حافده عيسى ابن الأمير أبي مالك ابنه، فهلك شهيدا بالمعترك لشهرين من ولايته، وأجاز السلطان غرة شعبان إلى المغرب، ومعه ابنه أبو زيان منديل، وأراح بطنجة ثلاثا. وأغذ السير إلى فاس فاحتل بها آخر شعبان، ولما قضى صيامه ونسكه، ارتحل إلى مراكش لتمهيدها. وتفقد أحوالها. وقسم من نظره لنواحي سلا وأزدرد [3] فأقام برباط الفتح شهرين اثنين، واحتل مراكش فاتح ثلاث وثمانين وستمائة وبلغه مهلك الطاغية ابن أدفونش واجتماع النصرانية على ابنه شانجة الخارج عليه، فتحركت إلى الجهاد عزائمه وسرح الأمير أبا يعقوب ولي عهده