John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة 16

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 67 of 67

المثاني والقرآن وعمرت المساجد بالصلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى والشهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسبحان [1] معلنة بشعار الإيمان، وازدان جوها بالقصر فالقصر والإيوان فالإيوان. ونظم دستها بالعزيز، والظاهر، والأمير، والسلطان. فما شئت من ملك يخفق العز في إعلامه، وتتوقد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنته وسهامه، ومن أسرة للعلماء تتناول العلم بوعد الصادق ولو تعلق بأعنان السماء [2] ، وتنير سراجه في جوانب الشبه المدلهمة الظلماء، ومن قضاة يباهون بالعلم والسؤدد عند الانتماء، ويشتملون الفضائل والمناقب اشتمال الصماء [3] ، ويفصلون الخصومات برأي يفرق بين اللبن والماء.

ولا كدولة السلطان الظاهر، والعزيز القاهر، يعسوب [4] العصائب والجماهر، ومطلع أنواع العز الباهر، ومصرف الكتائب تزري بالبحر الزاخر، وتقوم بالحجة للقسي على الأهلة في المفاخر، سيف الله المنتضى على العدو الكافر، ورحمته المتكفلة للعباد باللطف الساتر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والأواوين العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيد بالبيض البواتر، والرماح الشواجر [5] ، والأقلام المرتضعة أخلاف [6] العز في مهود المحابر، والفيض الرباني الذي فاق قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيد الملوك والسلاطين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد أمده الله بالنصر المصاحب، والسعد المؤازر، وعرفه آثار عنايته في الموارد والمصادر، وأراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في الآخر، فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز وحزمه، أصاب شاكلة الرأي عند ما سدد من سهمه، وأوقع الرعايا في ظل من أمنه، وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه، ثم أقام دولته بالأمراء الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشد

بهم أزره في رفع القواعد من بنيانها، من بين مصرف لعنانها، متقدم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها، ورب مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصواب عن مكانها، ومنفذ أحكام يشرق الحق في بيانها، ويضوع العدل من أردانها [1] ونجي [2] خلوة في المهم الأعظم من شأنها، وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل [3] الجرار، فيشفي الغليل بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسعادة والخيرات المبدأة المعادة تابعهم ومتبوعهم.

ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النهار ينصب من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعز بها الإسلام تهتز في دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم والفضائل تمد وشلنا [4] من فراته المغدق، أو لوني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا، وأوسعوا بهمتي [5] إيضاحا، ونكرتي تعريفا، ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدين أيوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التثليث والرفض الخبيث من البلاد، ومطهر القدس الشريف من رجس الكفر بعد أن كانت النواقيس والصلبان فيه بمكان العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبلة يسعى نورها بين يديه في يوم التناد [6] ، فأقامني السلطان- أيده الله- لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدما على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشأن، وإني موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، وأنا أرغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمدوا بالصفح والإغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة [7] ، والاعتراف من اللوم- إن شاء الله- منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في

مدارج القبول أعماله، ويبلغه في الدارين آماله، ويجعل للحسنى والمقر الأسنى، منقلبه ومآله، ويديم على السادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين بانتظام الشمل دولتهم ودولته، ويمد قضاة المسلمين وحكامهم بالعون والتسديد، ويمتعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا اليوم السعيد، بمنه وكرمه.

وانفض ذلك المجلس، وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار، وتناجت النفوس بالأهلية للمناصب، وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه. وخلع علي، وبعث معي من أجلسني بمقعد الحكم في المدرسة الصالحية [1] في رجب ست وثمانين وسبعمائة، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل والمراء ما تقدم ذكره.

وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من اللحاق بي اغتباطا بمكاني، فرغبت من السلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، وكتب إليه بالشفاعة، فركبوا البحر من تونس في السفين، فما هو إلا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندرية، فعصفت بهم الرياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريسا وتأليفا.

ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته [2] بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، وعين لي فيها تدريس المالكية، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التدريس على عادتهم في ذلك ونصها:

«الحمد لله الذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع

عباده، وعرضهم على أمانة التكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده [1] ، ويسر كلا لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغيه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين [2] لصلاحه أو فساده، وعلمه ما لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عما في فؤاده، وجعل منهم أنبياء وملوكا يجاهدون في الله حق جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده، ورفع البيوت المقدسة بسبحات [3] الذكر وأوراده.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد البشر من نسل آدم وأولاده، لا. بل سيد الثقلين [4] في العالم من إنسه وجنه وأرواحه وأجساده، لا. بل سيد الملائكة والنبيين، الذي ختم [الله] كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الذي شرف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده، وفصل له الذكر الحكيم تفصيلا، كذلك ليثبت من فؤاده [5] وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين، ليكون من المنذرين لعباده [6] ، فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده [7] وأنزل عليه النصر العزيز، وكانت ملائكة السماء من إمداده، حتى ظهر نور الله على رغم من رغم [8] . بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد لله غائلة انقطاعه ولا نفاذه، ثم أعد له من الكرامات ما أعد في معاده، وفضله بالمقام المحمود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشفاعة فيمن انتظم في امته، واعتصم بمقاده.

والرضى عن آله وأصحابه، غيوث رحمته، وليوث إنجاده، من ذوي رحمه

الطاهرة وأهل وداده المتزودين بالتقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحق وعنادة، وأراد في الدين بظلمه وإلحاده، حتى استقام الميسم [1] في دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، من عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتصال الخير واعتياده، وتؤهل لاقتناء الثواب وزيادة، وسلم كثيرا، وعن الأئمة الأربعة [2] ، علماء السنة المتبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن إمامنا من بينهم الذي حمل الشريعة وبينها، وحرر مقاصدها الشريفة وعينها، وتعرض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها اللوامه، فزينها. نكتة الهداية إذا حقق مناطها، وشرط التحصيل والدراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الركاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها [3] ، عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النبوة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرفنا بركة الاقتداء بهداه وعرفانه، وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته، وييسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، والرعاية لجمهورهم، على مناهج سنته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التمسك بكلمته. ثم فضلهم بما خولهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدرجات العلى في وفور الأجر ومزيته.

وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، العادل الطاهر، القائم بأمور الإسلام عند ما أعيا حملها الأكتاد [4] ، وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله من

حاشيته الأبدال [1] وأنبت الأوتاد [2] ، ومنفق أسواق العز بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرزق، وظله الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحق، قاصم الجبابرة، والمعفي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال [3] والأساورة [4] ، وحائز قصب السبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوض الأمور بإخلاصه إلى ولي الدنيا والآخرة، مؤيد كلمة الموحدين، ورافع دعائم الدين، وظهير خلافة المؤمنين، سلطان المسلمين أبو سعيد. صدق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النصر ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والعز خدينه [5] ، وكان وليه على القيام بأمور المسلمين ومعينة، وبلغ الأمة في اتصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤملونه. لما قلده الله هذا الأمر الذي استوى له على كرسي الملك، وانتظمت عقود الدول في لبات [6] الأيام، وكانت دولته واسطة السلك، وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان الترك.

وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والترك.

وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرها بمحبه الله [له] شهادة خالصة من الريب، بريئة من الشك. حتى استولى من العز والملك على المقام الذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفس إلى ما عند الله، فصرف قصده إليه وأعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل عليها أجرا ولا يكدرها بالمنة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الأنس والجنة، لا، بل النسم [7] والأجنة [8] . ثم آوى الخلق إلى عدله

تصديقا بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنة، ونافس في اتخاذ المدارس والربط لتعليم الكتاب والسنة، وبناء المساجد المقدسة يبني له بها الله البيوت في الجنة، والله لا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنه.

وإن ما أنتجته قرائح همته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشريف، والهيكل الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السحب ومناولة الشهب مارنه [1] العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السعادة والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء رباني ينشأ في جوه للرحمة والسكينة ظلة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشمس منه ثغر بسام، دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الذي استله من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الذي صقل فرنده [2] بالعز والعزم وأمضاه، وحاكمه المؤيد الذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعز الأعلى جهركس [3] الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الإتقان والإبداع. واختصها من أصناف الفعلة بالماهر الصناع، يتناظرون في إجادة الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكأن العبقري [4] ، يفري- الفري [5] ، أو

العفاريت، قدمت من أماريت [1] . وكأنما حشرت الجن والشياطين، أو نشرت القهارمة [2] من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصخر بالأذواد [3] لا بالواد، واستنزلوا صم الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشوها من الوشي الأزهر، المضاعف الصدف والمرمر، ومائع اللجين الأبيض والذهب الأحمر، بكل مسهم الحواشي حالي الأبراد، وقدروه مساجد للصلوات والأذكار، ومقاعد للسبحات [4] بالعشي والإبكار، ومجالس للتلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتخلي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتعرض للفتوح الربانية والأنوار، ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللجين والنضار، في محك القرائح والأبصار. تتفجر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتح أبواب الجنة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غر السوابق من العلوم والحقائق، في طلق [5] ميدانه، ويصعد الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه.

ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا، ومن شيوخ الحقائق الصوفية فرسانا، تصفح لهم أهل مملكته إنسانا إنسانا، وأشد بقدرهم عناية وإحسانا، ودفعهم إلى وظائفه توسعا في مذاهب الخير وافتنانا. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتسابا لله وقربانا، وتقيلا [6] لمذاهب الملوك من قومه واستنانا، ثم نظمني معهم تطولا وامتنانا، ونعمة عظمت موقعا وجلت شانا، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرا عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالا على هؤلاء الأئمة، فسمحهم يغطي ويلحف، وبمواهب العفو والتجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيده الله- خصت كما عمت، ووسمت أغفال النكرة والإهمال وسمت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمت، وقد ينتظم الدر

مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتيجان، وتراض المسومة [1] العراب [2] على مسابقة الهجان [3] ، والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصته ولفيفه، عن الله وفضله.

ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية [4] ، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف.

ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزود هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطور الى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكة، فقضيت الفرض عامئذ وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيئ ظله.

ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش [5] فولاني إياها بدلا من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصها:

«الحمد لله إجلالا وإعظاما، واعترافا بحقوق النعم والتزاما، واقتباسا للمزيد منها

واغتناما، وشكرا على الذي أحسن وتماما، وسع كل شيء رحمة وإنعاما، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاما، وصرف الكائنات في قبضة قدرته ظهورا وخفاء وإيجادا وإعداما، وأعطى كل شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاما، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصا عنه ولا مراما.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة الهامية غماما [1] والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعا وحطمت أصناما، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاما [2] ، أول النبيين رتبة وآخرهم ختاما، وسيدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرسل إماما، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته وسناما [3] وحربا على عدوه وسماما [4] ، وصلوا في مظاهرته جدا واعتزاما، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما، حتى ملئوا الأرض إيمانا وإسلاما، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا وإرغاما [5] ، فأصبح ثغر الدين بساما ووجه الكفر والباطل عبوسا جهاما. صلى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما، صلاة ترجح القبول ميزانا، وتبوئ عند الله مقاما.

والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتبعة، مصابيح الأمان ومفاتيح السنة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتقين إماما.

أما بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظهور، والعز الخالد على الظهور، وانفساح خطته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة لصيت عالية المقدار، جامعة- بمحاسن آدابه وعزة جنابه- معاني الفخار، منفقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفأخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوله وآخره.

وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع

لواء المعالي والمفاخر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والمجلي في ميدان السابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظله المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العز والسعادة من أفقه السافر، واسطة السلك من هذا النظام، والتاج المحلى في مفارق الدول والأيام، سيد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمة إحسانه الجزيل وأنعامه، وأطال في السعادة والخيرات المبدأة المعادة لياليه وأيامه، لما أوسع الدين والملك نظرا جميلا من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقد الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، عين كلاءته، كما قلده الله رعايته [1] وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافرا عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمنه على سلطانه ودولته، وهو الوفي- والحمد لله- بأمانته، ثم صرف نظره إلى بيوت الله يعنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبث العلم من يؤهله لوظائفها ودروسها، فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفأخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها، فابتهج العالم سرورا بمكانها، واهتزت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفل الرحمن، لمن اعتز به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها.

وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء الترك، خفف الله حسابه وثقل في الميزان- يوم يعرض على الرحمن- كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصدقة الجارية وثوابه، عناية جدد لي لباسها، وإيثارا بالنعمة التي صححت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ بالله وبركة هؤلاء الحضور،

السادة الصدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرة عينه ورضى آماله، ويديم على السادة الأمراء ما خولهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله.

وقد رأيت أن أقرر للقراءة في هذا الدرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه، فإنه من أصول السنن، وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه.

فلنفتتح الكلام بالتعريف بمؤلفه- رضي الله عنه، ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه «الموطأ» من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيي بن يحيي، ونذكر أسانيدي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب.

أما الإمام مالك- رضي الله عنه، فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل المغرب.

قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله.

كان إماما، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري.

وجده أبو عامر بن عمرو بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ويقال حثيل أو خثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم، ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث، وهو ذو أصبح. وذو أصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم معروف، فهو حميري صليبة، وقرشي حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين [1]- فيما

قال ابن بكير [1] ، واربع وتسعين- فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [2] ، ونشأ بالمدينة، وتفقه بها. أخذ عن ربيعة الرأي [3] ، وابن شهاب [4] وعن عمه أبي سهيل [5] ، وعن جماعة ممن عاصرهم من التابعين وتابعين وتابعي التابعين، وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شابا يناهز العشرين، وأقام مفتيا بالمدينة ستين سنة. وأخذ عنه الجم الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة، وأعظم من أخذ عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي [6] ، وابن وهب [7] ، والأوزاعي [8] ، وسفيان الثوري [9] ، وابن المبارك [10]- في أمثال لهم وأنظار. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي [11] : عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون [12] عن ابن

نافع [1] : توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة [2] : كنا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة» إنه مالك بن أنس.

وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك، فشد به يديك، وقال أحمد بن حنبل [3] : إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين.

وقد ألف الناس في فضائله كتبا، وشأنه مشهور.

وأما الذي بعثه على تصنيف «الموطأ» - فيما نقل أبو عمر بن عبد البر- فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون [4] ، عمل كتابا على مثال «الموطأ» ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئا من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا! ولو كنت أنا الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر المنصور [5] ، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس [6] وشدائد ابن عمر [7] ووطئه للناس

توطئة. قال مالك: فلقد علمني التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنفه وسماه «الموطأ» أي المسهل [1] . قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطأة، أي صار وطيئا، ووطأته توطئة، ولا يقال وطيته [2] .

ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ في تصنيف موطآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه الناس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن صنف إلى هلم [3] .

وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم يختلف في ذلك اثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي [4] : ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صوابا، من «موطأ» مالك [5] . وقال يونس بن عبد الأعلى [6] : ما رأيت كتابا الف في العلم أكثر صوابا من «موطأ» مالك.

وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لراويه عنه [7] فمنها موطأ الإمام محمد بن

إدريس الشافعي [1] ، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي [2] ، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري [3] نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم [4] رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي [5] . رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم، وكان فيما أخذ عنه «الموطأ» ، وأدخله الأندلس والمغرب، فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها [6] وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب «الموطأ» وتفاسيرهم، ويشيرون إلى الروايات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها، فهجرت الروايات الأخرى، وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى بن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقا وغربا.

وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن يحيى فعلى ما أصفه:

حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي

الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد- ثلاثة من المحدثين- ابن إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين وسبعمائة من هذه المائة السابعة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويين من فاس، فسمعت عليه بعضا من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدرا من كتاب «الموطأ» ، وأجازني بسائره إجازة أخرى.

ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا كلهم: حدثنا الشيخ المعمر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي [1] ، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي [2] ، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي [3] .

وحدثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي [4] ، عن الإمام شرف الدين

محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات [1] عن أبي الحسن علي بن أحمد الكناني [2] . قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج [3] مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن الصفار قاضي الجماعة بقرطبة.

وحدثني به أيضا شيخنا أبو عبد الله بن جابر عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد ابن الغماز، عن شيخه أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم [4] الكلاعي، عن القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون [5] ، شارح كتاب «الموطأ» ، قال ابن زرقون: حدثنا به أبو عبد الله الخولاني [6] ، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي [7] ، وقال ابن حبيش:

حدثنا به القاضي أبو عبد الله بن أصبغ [8] ويونس بن محمد بن مغيث، قالا: قرأناه على أبي عبد الله محمد بن الطلاع [9] . وقال ابن حبيش أيضا: حدثنا به أبو

القاسم أحمد بن محمد ورد [1] ، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن خلف ابن المرابط [2] ، عن المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الطلمنكي [3] ، قال القاضي أبو الوليد بن مغيث، والقيجاطي، والطلمنكي:

حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى. وقال الطلمنكي: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن حدير البزاز، قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ [4] ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد ابن وضاح [5] ، قال حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، إلا ثلاثة أبواب من آخر كتاب الاعتكاف، أولها خروج المعتكف إلى العيد فإن يحيى شك في سماعها عن مالك، فسمعها من زياد بن عبد الرحمن الملقب شبطون [6] عن مالك.

ولي في هذا الكتاب طرق أخرى لم يحضرني الآن اتصال سندي فيها.

فمنها عن شيخنا أبي محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي كاتب السلطان أبي الحسن، لقيته بتونس عند استيلاء السلطان عليها، وهو في جملته سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وحضرت مجلسه، وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه بعض «الموطأ» ، وأجازني بالإجازة العامة، وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وعن شيخه الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعن أبي القاسم القبتوري، وجماعة من مشيخة أهل سبتة، ويتصل سنده فيه بالقاضي عياض، وأبي العباس العز في صاحب كتاب (الدر المنظم في المولد المعظم) .

ومنها عن شيخنا أبي عبد الله الكوسي خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، سمعت عليه بعضه وأجازني بسائره وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير عن القاضي أبي عبد الله بن بكار، وجماعة من مشيخة أهل الأندلس، ويتصل سنده فيه بالقاضي أبي الوليد الباجي [1] ، والحافظ أبي عمر بن عبد البر بسندهما.

ومنها عن شيخنا المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري شيخ القراءة بتونس، ومعلمي كتاب الله، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع وعرضت عليه قصيدتي الشاطبي [2] في القراءة، وفي الرسم، وعرضت عليه كتاب التقصي لابن عبد البر، وغير ذلك، وأجازني بالإجازة العامة، وفي هذه بالإجازة الخاصة، وهو يروي هذا الكتاب عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد بن الغماز، وعن شيخه أبي العباس أحمد بن موسى البطرني بسندهما.

ومنها عن شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن الصفار المراكشي، شيخ القراءات بالمغرب، سمعت عليه بعض هذا الكتاب بمجلس السلطان أبي عثمان ملك المغرب، وهو يسمعه إياه، وأجازني بسائره، وهو يرويه عن شيخه محدث المغرب أبي عبد الله محمد بن رشيد الفهري السبتي [3] عن مشيخة أهل سبتة، وأهل الأندلس، حسبما ذلك مذكور في كتب رواياتهم وطرق أسانيدهم، إلا أنها لم تحضرني الآن، وفيما ذكرناه كفاية والله يوفقنا أجمعين لطاعته وهذا حين أبتدئ، وبالله أهتدي.

وانفض ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتجلة والوقار العيون، واستشعرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النجي في ذلك الخاصة والجمهور، وأنا أنتاب مجلس السلطان في أكثر الأحيان، لتأدية الواجب من التحية والمشافهة بالدعاء، الى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فأبعده، وأخره عن خطة القضاء في رجب ست وثمانين وسبعمائة، ودعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه فتفاديت من ذلك، وأبي إلا إمضاءه، وخلع علي، وبعث الأمراء

معي إلى مقعد الحكم بمدرسة القضاء، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله وعهده في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع في ذلك ما تقدم ذكره، وكثر شغب أهل الباطل والمراء، فأعفاني السلطان منها لحول من يوم الولاية، وكان تقدمها وصول الخبر بغرق السفين الواصل من تونس إلى الإسكندرية، وتلف الموجود والمولود، وعظم الأسف، وحسن العزاء، والله قادر على ما يشاء.

ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة لقضاء الفرض، وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع، ورافقت المحمل إلى مكة، فقضيت الحج عامئذ، وعدت إلى مصر في البحر كما سافرت أولا. وشغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش، فولاني السلطان إياها بدلا من مدرسته في محرم أحد وتسعين وسبعمائة، ومضيت على حالي من الانقباض، والتدريس، والتأليف، حتى ولاني خانقاه بيبرس، ثم عزلني عنها بعد سنة أو أزيد، بسبب أنا أذكره الآن.

** (ولاية خانقاه بيبرس، والعزل منها) **

لما رجعت من قضاء الفرض سنة تسعين وسبعمائة، ومضيت على حالي من التدريس والتأليف، وتعاهد السلطان باللقاء والتحية والدعاء، وهو ينظر إلي بعين الشفقة، ويحسن المواعيد. وكانت بالقاهرة خانقاه شيدها السلطان بيبرس، ثامن ملوك الترك الذي استبد على الناصر محمد بن قلاون [1] هو ورفيقه سلار [2] وأنف الناصر من استبدادهما، وخرج للصيد، فلما حاذى الكرك امتنع به، وتركهم وشأنهم، فجلس بيبرس على التخت مكانه، وكاتب الناصر أمراء الشام من مماليك أبيه، واستدعوه للقيام معه، وزحف بهم إلى مصر، وعاد إلى سلطانه، وقتل بيبرس

وسلار سنة ثمان وسبعمائة [1] . وشيد بيبرس هذا أيام سلطانه داخل باب النصر [2] من أعظم المصانع وأحفلها، وأوفرها ريعا، وأكثرها أوقافا، وعين مشيختها، ونظرها لمن يستعد له بشرطه في وقفه، فكان رزق النظر فيها والمشيخة واسعا لمن يتولاه، وكان ناظرها يومئذ شرف الدين الأشقر إمام السلطان الظاهر. فتوفي عند منصرفي من قضاء الفرض، فولاني السلطان مكانه توسعة علي، وإحسانا إلي، وأقمت على ذلك إلى أن وقعت فتنة الناصري.

** فتنة الناصري (وسياقه الخبر عنها بعد تقديم كلام في أحوال الدول يليق بهذا الموضع، ويطلعك على أسرار في تنقل أحوال الدول بالتدريج الى الضخامة والاستيلاء، ثم الى الضعف والاضمحلال، والله بالغ أمره) **

وذلك أن الدول الكلية، وهي التي تتعاقب فيها الملوك واحدا بعد واحد، في مدة طويلة، قائمين على ذلك بعصبية النسب أو الولاء، وهذا كان الأصل في استيلائهم وتغلبهم، فلا يزالون كذلك إلى انقراضهم، وغلب مستحقين آخرين ينزعونه من أيديهم بالعصبية التي يقتدرون بها على ذلك، ويحوزون الأعمال التي كانت بأيدي الدولة الأولى، يفضون جبايتها بينهم على تفاضل البأس والرجولة والكثرة في العصابة أو القلة، وهم على حالهم من الخشونة لمعاناة البأس، والإقلال من العيش لاستصحاب حال البداوة، وعدم الثروة من قبل. ثم تنمو الثروة فيهم بنمو الجباية التي ملكوها، ويزين حب الشهوات للاقتدار عليها، فيعظم الترف في الملابس والمطاعم والمساكن والمراكب والممالك، وسائر الأحوال، ويتزايد شيئا فشيئا

بتزايد النعم وتتسع الأحوال أوسع ما تكون، ويقصر الدخل عن الخرج، وتضيق الجباية عن أرزاق الجند وأحوالهم، ويحصل ذلك لكل أحد ممن تحت أيديهم، لأن الناس تبع لملوكهم ودولتهم، ويراجع كل أحد نظره فيما هو فيه من ذلك، فيرجع وراءه، ويطلب كفاء خرجه بدخله.

ثم إن البأس يقل من أهل الدولة بما ذهب لهم من الخشونة، وما صاروا إليه من رقة الحاشية والتنعم، فيتطاول من بقي من رؤساء الدولة إلى الاستبداد بها غيرة عليها من الخلل الواقع بها. ويستعد لذلك بما بقي عنده من الخشونة، ويحملهم على الإقلاع عن الترف، ويستأنف لذلك العصابة بعشيرة أو بمن يدعوه لذلك، فيستولي على الدولة، ويأخذ في دوائها من الخلل الواقع، وهو أحق الناس به، وأقربهم إليه، فيصير الملك له، وفي عشيرة، وتصير كأنها دولة أخرى، تمر عليها الأوقات. ويقع فيها ما وقع في الأولى، فيستولي آخر منهم كذلك إلى أن تنقرض الدولة بأسرها، وتخرج عن القوم الأولين أجمع. وتأتي دولة أخرى مباينة لعصابة هؤلاء في النسب، أو الولاء. سنة الله في عباده.

وكان مبدأ هذه الدولة التركية، أن بني أيوب لما ملكوا مصر والشام، كما قصصناه عليك في أخبارهم واستقل بها كبيرهم صلاح الدين، وشغل بالجهاد وانتزاع القلاع والحصون من أيدي الفرنج الذين ملكوها بالسواحل، وكان قليل العصابة، إنما كان عشيرة من الكرد يعرفون ببني هذان [1] ، وهم قليلون، وإنما كثر منهم جماعة المسلمين، بهمة الجهاد الذي كان صلاح الدين يدعو إليه، فعظمت عصابته بالمسلمين، وأسمع داعيه، ونصر الله الدين على يده. وانتزع السواحل كلها من أيدي نصارى الفرنج، حتى مسجد بيت المقدس، فإنهم كانوا ملكوه وأفحشوا فيه بالقتل والسبي،، فأذهب الله هذه الوصمة على يد صلاح الدين، وانقسم ملك بني أيوب بعده بين ولده وولد أخيه. واستفحل أمرهم، واقتسموا مدن الشام، ومصر بينهم، إلى أن جاء آخرهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر أخي صلاح الدين، وأراد الاستكثار من العصابة لحماية الدولة، وإقامة رسوم الملك، وأن ذلك يحصل باتخاذ المماليك، والإكثار منهم، كما كان

آخرا في الدولة العباسية ببغداد، وأخذ التجار في جلبهم إليه، فاشترى منهم أعدادا، وأقام لتربيتهم أساتيذ [1] معلمين لحرفة الجندية، من الثقافة والرمي، بعد تعليم الآداب الدينية والخلقية إلى أن اجتمع له منهم عدد جم يناهز الألف، وكان مقيما بأحواز دمياط [2] في حماية البلاد من طوارق الفرنج المتغلبين على حصنها دمياط. وكان أبوه قد اتخذ لنزله هنالك قلعة سماها المنصورة [3] ، وبها توفي رحمه الله، فكان نجم الدين نازلا في مدافعة ساكني دمياط من الفرنج، فأصابه هنالك حدث الموت، وكان ابنه المعظم توران شاه نائبا في حصن كيفا [4] من ديار بكر وراء الفرات، فاجتمع الجند على بيعته، وبعثوا عنه، وانتظروا. وتقطن الفرنج لشأنهم، فهجموا عليهم، واقتتلوا فنصر الله المسلمين، وأسر ملك الفرنج ريد إفرنس، فبعثوا به إلى مصر. وحبس بدار لقمان، إلى أن فادوه بدمياط، كما هو مذكور في أخبار بني أيوب. ونصبوا- للملك، ولهذا اللقاء- زوجة الصالح أيوب واسمها شجر الدر [5] ، فكانت تحكم بين الجند، وتكتب على المراسيم [6] ، وركبت يوم لقاء الفرنج، تحت الصناجق [7] ، والجند محدقون بها، حتى أعز الله دينه، وأتم نصره. ثم وصل توران شاه المعظم، فأقاموه في خطة الملك مكان أبيه الصالح

أيوب، ووصل معه مماليك يدلون بمكانهم منه، ولهم به اختصاص، ومنه مكان، وكان رؤساء الترك يومئذ القائمون بالدولة من عهد أبيه وجده. أقطاي الجمدار [1] وأيبك التركماني، وقلاون الصالحي، فأنفوا من تصرفات مماليك توران شاه، واستعلائهم بالحظ من السلطان، وسخطوهم وسخطوه، وأجمعوا قتله. فلما رحل إلى القاهرة اغتالوه في طريقه بفارسكور، وقتلوه، ونصبوا للأمر أيبك التركماني منهم، واستحدثوا هذه الدولة التركية كما شرحناه في أخبارها، وهلك بعد أيبك ابنه علي المنصور، ثم مولاه قطز، ثم الظاهر بيبرس البندقداري [2] . ثم ظهر أمر الططر [3] ، واستفحل ملكهم. وزحف هولاكو بن طولي بن جنكيزخان من خراسان إلى بغداد، فملكها، وقتل الخليفة المستعصم آخر بني العباس. ثم زحف إلى الشام، فملك مدنه وحواضره من أيدي بني أيوب، إلى أن استوعبها. وجاء الخبر بأن بركة صاحب صراي شريكه في نسب جنكزخان، زحف إلى خراسان، فامتعض لذلك، وكر راجعا، وشغل بالفتنة معه إلى إن هلك. وخرج قطز من مصر عند ما شغل هولاكو بفتنة بركة، فملك الشام كله، أمصاره ومدنه، وأصاره للترك موالي بني أيوب. واستفحلت دولة هؤلاء المماليك، واتصلت أيامها واحدا بعد واحد، كما ذكرنا في أخبارهم. ثم جاء قلاون عند ما ملك بيبرس الظاهر منهم، فتظاهر به، وأصهر إليه، والترف يومئذ لم يأخذ منهم، والشدة والشكيمة موجودة فيهم، والبأس والرجولة شعار لهم، وهلك الظاهر بيبرس، وابناه من بعده، كما في أخبارهم. وقام قلاوون بالأمر، فاتسع نطاق ملكه، وطال ذرع سلطانه، وقصرت أيدي الططر عن الشام بمهلك هولاكو، وولاية الأصاغر من ولده، فعظم ملك قلاون، وحسنت آثار سياسته، وأصبح حجة على من بعده، ثم ملك بعده ابناه:

خليل الأشرف، ثم محمد الناصر. وطالت أيامه، وكثرت عصابته من مماليكه،

حتى كمل منهم عدد لم يقع لغيره. ورتب للدولة المراتب، وقدم منهم في كل رتبة الأمراء، وأوسع لهم الأقطاع والولايات، حتى توفرت أرزاقهم واتسعت بالترف أحوالهم. ورحل أرباب البضائع من العلماء والتجار إلى مصر، فأوسعهم حباء وبرا.

وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والربط والخوانق، وأصبحت دولتهم غرة في الزمان، وواسطة في الدول. ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة، فطفق أمراء دولته ينصبون بنيه للملك، واحدا بعد آخر، مستبدين عليهم، متنافسين في الملك، حتى يغلب واحد منهم الآخر، فيقتله، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر، وينصب آخر منهم مكانه، إلى أن انساق الأمر لولده حسن النصر، فقتل مستبده شيخون، وملك أمره. وألقى زمام الدولة بيد مملوكه يلبغا، فقام بها، ونافسه أقرانه، وأغروا به سلطانه، فأجمع قتله. ونمي إليه الخبر وهو في علوفة البرسيم عند خيله المرتبطة لذلك، فاعتزم على الامتناع، واستعد للقاء. واستدعاه سلطانه، فتثاقل عن القدوم. واستشاط السلطان، وركب في خاصته إليه، فركب هو لمصادمته. وهاجم السلطان ففله، ورجع إلى القلعة، وهو في اتباعه، فلم يلفه بقصره، وأغرى به البحث فتقبض عليه، واستصفاه، وقتله، ونصب للملك محمد المنصور بن المظفر حاجي بن الناصر. وقام بالدولة أحسن قيام، وأغرى نفسه بالاستكثار من المماليك، وتهذيبهم بالتربية، وتوفير النعم عندهم بالإقطاع، والولايات، حتى كمل منهم عدد لم تعهده الدولة. ثم خلع المنصور بن المظفر لسنتين، ونصب مكانه للملك شعبان الأشرف بن حسين بن الناصر، فأقام على التخت وهو في كفالته، وهو على أوله في إعزاز الدولة، وإظهار الترف والثروة، حتى ظهرت مخايل العز والنعم، في المساكن والجياد والمماليك والزينة، ثم بطروا النعمة، وكفروا الحقوق، فحنقوا عليه لما كان يتجاوز الحدود بهم في الآداب، فهموا بقتله وخلصوا نجيا لذلك في متصيدهم الشتوي، وقد برزوا له بخيامهم وسلطانهم على عادتهم.

ولما أحس بذلك ركب ناجيا بنفسه إلى القاهرة، فدخلوا على السلطان الأشرف، وجاءوا به على إثره، وأجازوا البحر، فقبضوا عليه عشي يومهم، ثم قتلوه في محبسه عشاء. وانطلقت أيديهم على أهل البلد بمعرات لم يعهدوها من أول دولتهم، من النهب والتخطف وطروق المنازل والحمامات للعبث بالحرم، وإطلاق أعنة الشهوات والبغي في كل ناحية، فمرج أمر الناس، ورفع الأمر إلى السلطان،

وكثر الدعاء واللجأ إلى الله. واجتمع أكابر الأمر إلى السلطان، وفاوضوه في كف عاديتهم، فأمرهم بالركوب، ونادى في جنده ورعيته بانطلاق الأيدي عليهم، والاحتياط بهم في قبضة القهر، فلم يكن إلا كلمح البصر، وإذا بهم في قبضة الأسر. ثم عمرت بهم السجون، وصفدوا وطيف بهم على الجمال ينادي بهم، إبلاغا في الشهرة، ثم وسط [1] أكثرهم، وتتبع البقية بالنفي والحبس بالثغور القصية، ثم أطلقوا بعد ذلك. وكان فيمن أطلق جماعة منهم بحبس الكرك: فيهم برقوق الذي ملك أمرهم بعد ذلك، وبركة الجوباني [2] ، وألطنبغا الجوباني [3] وجهركس الخليلي.

وكان طشتمر [4] ، دوادار يلبغا [5] ، قد لطف محله عند السلطان الأشرف، وولي الدوادارية له، وكان يؤمل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا، فكان يحتال في ذلك يجمع هؤلاء المماليك اليلبغاوية من حيث سقطوا، يريد بذلك اجتماعهم عصبة له على هواه، ويغري السلطان بها شفاها ورسالة، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب السلطان الأشرف، وجعلهم في خدمة ابنه علي ولي عهده. فلما كثروا، وأخذتهم أريحية العز بعصبيتهم، صاروا يشتطون على السلطان في المطالب، ويعتزون بعصبية اليلبغاوية.

واعتزم السلطان الأشرف عام سبعة وسبعين وسبعمائة على قضاء الفرض، فخرج لذلك خروجا فخما، واستناب ابنه عليا على قلعته وملكه في كفالة قرطاي [6] من أكابر اليلبغاوية، وأخرج معه الخليفة والقضاة، فلما بلغ العقبة [7] اشتط المماليك في

طلب جرايتهم من العلوفة والزاد، واشتط الذين بمصر كذلك في طلب أرزاقهم من المتولين للجباية. وصار الذين مع السلطان إلى المكاشفة في ذلك بالأقوال والأفعال، وطشتمر الدوادار يغضي عنهم يحسب وقت استبداده قد أزف، إلى أن راغمهم السلطان بالزجر، فركبوا عليه هنالك، وركب من خيامه مع لفيف من خاصته، فنضحوه بالنبل، ورجع إلى خيامه، ثم ركب الهجن مساء، وسار فصبح القاهرة، وعرس هو ولفيفه بقبة النصر.

وكان قرطاي كافل ابنه علي المنصور، حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي مكالمة عند مغيب السلطان أحقدته. وجاشت بما كان في نفسه، فأغرى عليا المنصور بن السلطان بالتوثب على الملك، فارتاح لذلك وأجابه، وأصبح يوم ثورة المماليك بالعقبة، وقد أجلس عليا مكفوله بباب الإسطبل، وعقد له الراية بالنداء على جلوسه بالتخت، وبينما هم في ذلك، صبحهم الخبر بوصول السلطان الأشرف إلى قبة النصر ليلتئذ، فطاروا إليه زرافات ووحدانا، فوجدوا أصحابه نياما هنالك، وقد تسلل من بينهم هو وبلبغا الناصري [1] من أكابر اليلبغاوية، فقطوا رءوسهم جميعا، ورجعوا بها تسيل دما. ووجموا لفقدان الأشرف، وتابعوا النداء عليه، وإذا بامرأة قد دلتهم عليه في مكان عرفته، فتسابقوا إليه، وجاءوا به فقتلوه لوقته بخلع أكتافه، وانعقدت بيعة ابنه المنصور. وجاء طشتمر الدوادار من الغد بمن بقي بالعقبة من الحرم، ومخلف السلطان، واعتزم على قتالهم طمعا في الاستبداد الذي في نفسه، فدافعوه وغلبوه وحصل في قبضتهم، فخلعوا عليه بنيابة الشام، وصرفوه لذلك، وأقاموا في سلطانهم. وكان أينبك أميرا آخر من اليلبغاوية [2] قد ساهم قرطاي في هذا الحادث، وأصهر إليه في بعض حرمه، فاستنام له قرطاي، وطمع هو في الاستيلاء. وكان قرطاي مواصلا صبوحه بغبوقه، ويستغرق في ذلك، فركب في بعض أيامه، وأركب معه السلطان عليا، واحتاز الأمر من يد قرطاي،

وصيره إلى صفد [1] ، واستقل بالدولة، ثم انتقض طشتمر بالشام مع سائر أمرائه، فخرج أينبك في العساكر، وسرح المقدمة مع جماعة من الأمراء، وكان منهم برقوق وبركة المستوليان عقب ذلك، وخرج هو والسلطان في الساقة [2] ، فلما انتهوا إلى بلبيس، ثار الأمراء الذين في المقدمة عليه، ورجع إليه أخوه منهزما، فرجع إلى القلعة. ثم اختلف عليه الأمراء، وطالبوه بالحرب في قبة النصر، فسرح العساكر لذلك، فلما فصلوا فر هو هاربا، وقبض عليه وثقف بالإسكندرية. واجتمع أمراء اليلبغاوية يقدمهم قطلقتمر العلائي، ويلبغا الناصري ودمرداش اليوسفي وبركة وبرقوق، فتصدى دمرداش ويلبغا وبركة وبرقوق، إلى الاستقلال بالأمر وتغلبوا على سائر الأمراء، واعتقلوهم بالإسكندرية. وفوضوا الأمر إلى يلبغا الناصري، وهم يرونه غير خبير، فأشاروا باستدعاء طشتمر، وبعثوا إليه، وانتظروا. فلما جاءه الخبر بذلك ظنها منية نفسه، وسار إلى مصر، فدفعوا الأمر إليه، وجعلوا له التولية والعزل وأخذ برقوق، وبركة يستكثران من المماليك، بالاستخدام والجاه، وتوفير الاقطاع، إكثافا لعصبيتهما، فانصرفت الوجوه عن سواهما، وارتاب طشتمر بنفسه، وأغراه أصحابه بالتوثب، ولما كان الأضحى في سنة تسع وسبعين وسبعمائة استعجل أصحابه على غير روية، وركبوا وبعثوا إليه فأحجم، وقاتلوا فانهزموا. وتقبض على طشتمر، وحبس بالإسكندرية، وبعث معه يلبغا الناصري، وخلت الدولة للأميرين برقوق وبركة من المنازعين، وعمروا المراتب بأصحابهما. ثم كثر شغب التركمان والعرب بنواحي الشام، فدفعوا يلبغا الناصري إلى النيابة بحلب ليستكفوا به في تلك الناحية.

ثم تنافس برقوق وبركة في الاستقلال، وأضمر كل واحد منهما لصاحبه، وخشي منه، فقبض برقوق على بطانة بركة من عصابته ليخص بذلك جناحه، فارتاع لذلك بركة، وخرج بعصابته إلى قبة النصر ليواضع برقوقا وأصحابه الحرب هنالك، ورجا أن تكون الدائرة له. وأقام برقوق بمكانه من الاسطبل، وسرب أصحابه في جموعهم إلى مجاولة أولئك. وأقاموا كذلك أياما يغادونهم ويراوحونهم ثلاثا، إلى أن عضت بركة وأصحابه الحرب، فانفضوا عنه، وجيء ببركة، وبعث به إلى

الإسكندرية، فحبس هنالك إلى أن قتله ابن عرام نائب الإسكندرية. وارتفع أصحابه إلى برقوق شاكين، فثأرهم منه بإطلاق أيديهم في النصفة، فانتصفوا منه بقتله في ساحة القلعة، بعد أن سمر، وحمل على جمل عقابا له، ولم يقنعهم ذلك، فأطلق أيديهم فيما شاءوا منه، ففعلوا ما فعلوا. وانفرد برقوق- بعد ذلك- بحمل الدولة ينظر في أعطافها [1] بالتهديد، والتسديد، والمقاربة [2] ، والحرص على مكافأة الدخل بالخرج. ونقص ما أفاض فيه بنو قلاون من الإمعان في الترف، والسرف في العوائد والنفقات، حتى صار الكيل في الخرج بالمكيال الراجح، وعجزت الدولة عن تمشية أحوالها، وراقب ذلك كله برقوق، ونظر في سد خلل الدولة منه، وإصلاحها من مفاسده، يعتد ذلك ذريعة للجلوس على التخت، وحيازة اسم السلطان من أولاد قلاون، بما أفسد الترف منهم، وأحال الدولة بسببهم، إلى أن حصل من ذلك على البغية، ورضي به أصحابه وعصابته، فجلس على التخت في تاسع عشر رمضان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وتلقب بالظاهر. ورتب أهل عصابته في مراتب الدولة، فقام وقاموا بها أحسن قيام، وانقلبت الدولة من آل قلاون إلى برقوق الظاهر وبنيه. واستمر الحال على ذلك، ونافسه اليلبغاوية- رفقاؤه في ولاء يلبغا- فيما صار إليه من الأمر، وخصوصا يلبغا نائب حلب، فاعتزم على الانتقاض. وشعر به الظاهر فبعث باستدعائه، فجاء وحبسه مدة، ثم رجعه إلى نيابة حلب، وقد وغر صدره من هذه المعاملة. وارتاب به الظاهر، فبعث سنة تسعين وسبعمائة دواداره للقبض عليه، ويستعين في ذلك بالحاجب. وانتقض، واستدعى نائب ملطية [3] ، وهو منطاش من أمراء اليلبغاوية، وكان قد انتقض قبله، ودعا نواب الشام إلى المسير إلى مصر إلبا على الظاهر، فأجابوه، وساروا في جملته، وتحت لوائه، وبلغ الخبر إلى الظاهر برقوق، فأخرج عساكره مع أمراء اليلبغاوية من أصحابه: وهم الدوادار الأكبر يونس [4] ،

وجهركس الخليلي أمير الاسطبل، والأتابكي أيتمش، وأيدكار حاجب الحجاب [1] وأحمد بن يلبغا أستاذهم [2] . وخرج الناصري من حلب في عسكره، واستنفر العرب والتركمان وأمراء الشام، ولما تراءى الجمعان بناحية دمشق، نزع كثير من عسكر السلطان إليهم، وصدقوا الحملة على من بقي فانفضوا. ونجا ايتمش إلى قلعة دمشق، فدخلها، وقتل جهركس، ويونس، ودخل الناصري دمشق، ثم أجمع المسير إلى مصر، وعميت أنباؤهم حتى أطلوا على مصر.

وفي خلال ذلك أطلق السلطان الخليفة من محبسه كان بعض الغواة أنمى عنه، أنه داخله شيطان من شياطين الجند، يعرف بقرط [3] في قتل السلطان يوم ركوبه إلى الميدان قبل ملكه بسنين، فلما صح الخبر أمر بقتله، وحبس الخليفة سبعا إلى تلك السنة، فأطلقه عند هذا الواقع، ولما وصل إلى قيطا اجتمعت العساكر، ووقف السلطان أمام القلعة يومه حتى غشيه الليل، ثم دخل إلى بيته وخرج متنكرا، وتسرب في غيابات المدينة، وباكر الناصري وأصحابه القلعة، وأمير حاج ابن الأشرف، فأعادوه إلى التخت ولقبوه المنصور. وبعثوا عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وكان فيهم ألطنبغا الجوباني الذي كان أمير مجلس [4] ، وقبض السلطان الظاهر عليه، وحبسه أياما، ثم أطلقه وبعثه نائبا على دمشق، ثم ارتفعت عنه الأقوال بأنه يروم الانتقاض، وداخل الناصري نائب حلب في ذلك، وأكد ذلك عند السلطان ما كان بينه وبين الناصري من المصافاة والمخالصة، فبعث عنه.

ولما جاء حبسه بالإسكندرية، فلما ملك الناصري مصر، وأجلس أمير حاج بن

الأشرف [1] على التخت، بعث عنه ليستعين به على أمره، وارتابوا لغيبة الظاهر، وبالغوا في البحث عنه، فاستدعى الجوباني واستنام له، واستحلفه على الأمان، فحلف له، وجاء به إلى القلعة بعد أن ساور صاحبه الناصري في المضي إليه وتأمينه. وحبسوه في بعض قصور الملك، وتشاوروا في أمره، فأشار أمراء اليلبغاوية كلهم بقتله، وبالغ في ذلك منطاش، ووصل نعير أمير بني مهنا [2] بالشام للصحابة بينه وبين الناصري، فحضهم على قتله، ومنع الجوباني من ذلك وفاء بيمينه، فغلت صدورهم منه. واعتزموا على بعثه إلى الكرك [3] ، ودافعوا منطاشا بأنهم يبعثونه إلى الإسكندرية، فيعترضه عند البحر بما شاء من رأيه. ووثق بذلك، فقعد له عند المرساة، وخالفوا به الطريق إلى الكرك، وولوا عليها نائبا وأوصوه به، فأخفق مسعى منطاش، ودبر في اغتيال الدولة، وتمارض في بيته. وجاءه الجوباني عائذا فقبض عليه، وحبسه بالإسكندرية، وركب منتقضا، ووقف عند مدرسة الناصر حسن يحاصر الناصري بالقلعة. واستجاش هو بأمراء اليلبغاوية، فداهنوا في إجابته، ووقفوا بالرميلة أمام القلعة. ولم يزل ذلك بينهم أياما حتى انفض جمع الناصري، وخرج هاربا، فاعترضه أصحاب الطريق بفارسكور، وردوه، فحبسه منطاش بالإسكندرية مع صاحبه، واستقل بأمر الملك. وبعث إلى الكرك بقتل الظاهر، فامتنع النائب، واعتذر بوقوفه على خط السلطان والخليفة والقضاة. وبث الظاهر عطاءه في عامة أهل الكرك، فانتدبت طائفة منهم لقتل البريدي الذي جاء في ذلك، فقتلوه، وأخرجوا الظاهر من محبسه فأصحروا. واستألف أفاريق من العرب، واتصل به بعض مماليكه، وسار إلى الشام. واعترضه ابن باكيش [4] نائب

غزة [1] ، فأوقع به الظاهر، وسار إلى دمشق، وأخرج منطاش العساكر مع سلطانه أمير حاج، وسار على التعبئة ليمانع الظاهر عن دمشق. وسبقه الظاهر فمنعه جنتمر نائب دمشق [2] ، فواقعه، وأقام محاصرا له. ووصل إليه كمشبغا [3] الحموي نائب حلب، وكان قد أظهر دعوته في عمله، وتجهز للقائه بعسكره، فلقيه وأزال علله، فأقام له أبهة الملك. وبيناهم في الحصار إذ جاء الخبر بوصول منطاش بسلطانه وعساكره لقتالهم، فلقيهم الظاهر بشقحب [4] ، فلما تراءى الجمعان، حمل الظاهر على السلطان أمير حاج وعساكره ففضهم، وانهزم كمشبغا إلى حلب. وسار منطاش في إتباعه، فهجم الظاهر على تعبئة أمير حاج، ففضها، واحتاز السلطان، والخليفة والقضاة، ووكل بهم. واختلط الفريقان، وصاروا في عمياء من أمرهم، وفر منطاش إلى دمشق. واضطرب الظاهر أخبيته [5] ، ونزل على دمشق محاصرا لها. وخرج إليه منطاش من الغد فهزمه، وجمع القضاة والخليفة، فشهدوا على أمير حاج بالخلع، وعلى الخليفة بإعادة الظاهر إلى ملكه. ورحل إلى مصر فلقيه بالطريق خبر القلعة بمصر، وتغلب مماليكه عليها، وذلك أن القلعة لما خلت من السلطان ومنطاش والحامية، وكان مماليك السلطان محبوسين هنالك في مطبق أعد لهم، فتناجوا في التسور منه إلى ظاهره، والتوثب على القلعة والملك، فخرجوا، وهرب دوادار منطاش الذي كان هنالك بمن كان معه من الحاشية. وملك مماليك الظاهر القلعة، ورأسهم مملوكه بطا [6] وساس أمرهم، وانتظر خبر سلطانه، فلما وصل الخبر بذلك الى الظاهر، أغذ السير إلى مصر. وتلقاه الناس فرحين مسرورين بعوده وجبره. ودخل منتصف صفر من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وولى بطا دوادارا، وبعث عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وأعتبهم، وأعادهم إلى

مراتبهم. وبعث الجوباني إلى دمشق، والناصري إلى حلب كما كانا، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه. وولى سودون على نيابته، وكان ناظرا بالخانقاه التي كنت فيها، وكان ينقم علي أحوالا من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء أزمان كنت عليه، ومن تصرفات دواداره بالخانقاه، وكان يستنيبه عليها، فوغر صدره من ذلك، وكان الظاهر ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى [1] استدعاها منا منطاش، وأكرهنا على كتابها، فكتبناها، وورينا فيها بما قدرنا عليه. ولم يقبل السلطان ذلك، وعتب عليه، وخصوصا علي، فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عني، فولى فيها غيري وعزلني عنها. وكتبت إلى الجوباني بأبيات اعتذر عن ذلك ليطالعه بها، فتغافل عنها، وأعرض عني مدة، ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه، ونص الأبيات:

سيدي والظنون فيك جميلة ... وأياديك بالأماني كفيلة

لا تحل عن جميل رأيك إني ... ما لي اليوم غير رأيك حيلة

واصطنعني كما اصطنعت بإسداء ... يد من شفاعة أو وسيلة

لا تضعني فلست منك مضيعا ... ذمة الحب، والأيادي الجميلة

وأجرني فالخطب عض بنابيه ... وأجرى الى حماي خيوله

ولو أني دعا بنصري داع ... كنت لي خير معشر وفصيلة

أنه أمري الى الذي جعل الله ... أمور الدنيا له مكفولة

وأراه في ملكه الآية ... الكبرى فولاه ثم كان مديله

أشهدته عناية الله في التمحيص ... أن كان عونه ومنيله

العزيز السلطان والملك الظاهر ... فخر الدنيا وعز القبيلة

ومجير الإسلام من كل خطب ... كاد زلزال بأسه أن يزيله

ومديل العدو بالطعنة النجلا ... وتفري ماذيه ونصوله [1]

وشكور لأنعم الله يفني ... في رضاه غدوه وأصيله

وتلطف في وصف حالي وشكوى ... خلتي [2] يا صفية وخليله

قل له والمقال يكرم من مثلك ... في محفل العلا أن يقوله

يا خوند الملوك يا معد الدهر ... إذا عدل [3] الزمان فصوله

لا تقصر في جبر كسرى فما ... زلت أرجيك للأياد الطويلة

أنا جار لكم منعتم حماه ... ونهجتم الى المعالي سبيله

وغريب أنستموه على الوحشة ... والحزن بالرضى والسهولة

وجمعتم من شمله فقضى الله ... فراقا وما قضى مأموله

غاله الدهر في البنين وفي الأهل ... وما كان ظنه أن يغوله [4]

ورمته النوى [5] فقيدا قد ... اجتاحت عليه فروعه وأصوله

فجذبتم بضبعه [6] وأنلتم ... كل ما شاءت العلا أن تنيله

ورفعتم من قدره قبل أن ... إليكم عياءه وخموله

وفرضتم له حقيقة ود ... حاش لله أن ترى مستحيلة

همة ما عرفتها لسواكم ... وأنا من خبرت دهري وجيله

والعدا نمقوا أحاديث إفك ... كلها في طرائق معلولة

روجوا في شأني غرائب زور ... نصبوها لأمرهم أحبولة

ورموا بالذي أرادوا من ... البهتان ظنا بأنها مقبولة

زعموا انني أتيت من الأقوال ... ما لا يظن بي أن أقوله

كيف لي أغمط الحقوق وأني ... شكر نعماكم علي الجزيلة؟

كيف لي أنكر الأيادي التي ... تعرفها الشمس والظلال الظليلة؟

إن يكن ذا فقد برئت من ... الله تعالى وخنت جهرا رسوله

طوقونا أمر الكتاب فكانت ... لقداح الظنون فينا مجيلة [1]

لا ورب الكتاب أنزله الله ... على قلب من وعى تنزيله

ما رضينا بذاك فعلا ولا جئناه ... طوعا ولا اقتفينا دليله

إنما سامنا الكتاب ظلوم ... لا يرجى دفاعه بالحيلة

سخط ناجز وحلم بطيء ... وسلاح [2] للوخز فينا صقلية

ودعوني ولست من منصب الحكم ... ولا ساحبا لديهم ذيوله

غير أني وشى بذكري واش ... يتقصى أوتاره وذحوله [3]

فكتبنا معولين على حلمك ... تمحو الإصار عنا الثقيلة

ما أشرنا به لزيد ولا عمرو ... ولا عينوا لنا تفصيله

إنما يذكرون عمن وفيمن ... مبهمات أحكامها منقولة

ويظنن أن ذاك على ما ... أضمروا من شناعة أو رذيلة

وهو ظن عن الصواب بعيد ... وظلام لم يحسنوا تأويله

وجناب السلطان نزهه الله ... عن العاب [4] بالهدى والفضيلة

وأجل الملوك قدرا صفوح ... يرتجي ذنب دهره ليقيله

فاقبلوا العذر إننا اليوم نرجو ... بحياة السلطان منكم قبوله

وأعينوا على الزمان غريبا ... يشتكي جدب عيشه ومحوله

جاركم ضيفكم نزيل حماكم ... لا يضيع الكريم يوما نزيله

جددوا عنده رسوم رضاكم ... فرسوم الكرام غير محيلة

داركوه برحمة فلقد أمست ... عقود اصطباره محلولة

وانحلوه جبرا فليس يرجي ... غير إحسانكم لهذي النحيلة

يا حميد الآثار في الدهر يا ... ألطنبغا يا روض العلا ومقيله

كيف بالخانقاه ينقل عني ... لا لذنب أو جنحة منقولة

بل تقلدتها شغورا بمرسوم ... شريف وخلعة مسدولة

ولقد كنت آملا لسواها ... وسواها بوعده ان ينيله

وتوثقت للزمان علييها ... بعقود ما خلتها محلولة

أبلغن قصتي فمثلك من يقصد ... فعل الحسنى بمن ينتمي له

واغنموا من مثوبتي ودعائي ... قربة عند ربكم مقبولة

وفي التعريض بسفره إلى الشام:

واصحب العز ظافرا بالأماني ... واترك العصبة العدا مفلولة

واعتمل في سعادة الملك الظاهر ... أن تمحو الأذى وتزيله

وتعيد الدنيا لأحسن شمل ... حين تضحي بسعده مشمولة

واطلب النصر من سعادته يصحبك ... دأبا في الظعن والحيلولة

وارتقب ما يحله بالأعادي ... في جمادى أو زد عليه قليله

وخذوه فألا بحسن قبول ... صدق الله في الزمان مقولة

فلقد كان يحسن الفال عند ... المصطفى دائما ويرضى جميلة

** (السعاية في المهاداة والإتحاف بين ملوك المغرب والملك الظاهر) **

كثيرا ما يتعاهد الملوك المتجاورون بعضهم بعضا بالاتحاف بطرف أوطانهم،

للمواصلة والإعانة متى دعا إليها داع. وكان صلاح الدين بن أيوب هادي يعقوب المنصور ملك المغرب من بني عبد المؤمن، واستجاش به بأسطوله في قطع مدد الفرنج عن سواحل الشام حين كان معنيا بإرجاعهم عنها، وبعث في ذلك رسوله عبد الكريم بن منقذ [1] من أمراء شيزر [2] ، فأكرم المنصور رسوله، وقعد عن إجابته في الأسطول لما كان في الكتاب إليه [3] من العدول عن تخطيطه [4] بأمير المؤمنين، فوجدها غصة في صدره منعته من إجابته إلى سؤاله، وكان المانع لصلاح الدين من ذلك كاتبه الفاضل عبد الرحيم البيساني [5] بما كان يشاوره في أموره، وكان مقيما لدعوة الخليفة العباسي بمصر، فرأى الفاضل أن الخلافة لا تنعقد لاثنين في الملة كما هو المشهور، وإن اعتمد أهل المغرب سوى ذلك، لما يرون أن، الخلافة ليست لقبا فقط، وإنما هي لصاحب العصبية القائم عليها بالشدة والحماية، والخلاف في ذلك معروف بين أهل الحق. فلما انقرضت دولة الموحدين، وجاءت دولة بني مرين من بعدهم، وصار كبراؤهم ورؤساؤهم يتعاهدون قضاء فرضهم لهذه البلاد الشرقية، فيتعاهدهم ملوكها بالإحسان إليهم، وتسهيل طريقهم، فحسن في مكارم الأخلاق انتحال البر والمواصلة، بالاتحاف والاستطراف والمكافأة في ذلك بالهمم الملوكية، فسنت لذلك طرائق وأخبار مشهورة، من حقها أن تذكر، وكان يوسف ابن يعقوب بن عبد الحق ثالث ملوك بني مرين، أهدى لصاحب مصر عام سبعمائة [6] ، وهو يومئذ الناصر بن محمد بن قلاون، هدية ضخمة، أصحبها كريمة

من كرائم داره، احتفل فيها ما شاء من أنواع الطرف، وأصناف الذخائر، وخصوصا الخيل والبغال.

أخبرني الفقيه ابو إسحاق الحسناوي، كاتب الموحدين بتونس، أنه عاين تلك الهدية عند مرورها بتونس، قال: وعددت من صنف البغال الفارهة فيها أربعمائة، وسكت عما سوى ذلك. وكان مع هذه الهدية من فقهاء المغرب، أبو الحسن التنسي كبير أهل الفتيا بتلمسان. ثم كافأ الناصر عن هذه الهدية بأعلى منها وأحفل [1] مع أميرين من أمراء دولته، أدركا يوسف بن يعقوب وهو يحاصر تلمسان، فبعثهما إلى مراكش للنزاهة [2] في محاسنها، وأدركه الموت في مغيبهما، ورجعا من مراكش، فجهزهما حافده أبو ثابت المالك بعده، وشيعهما الى مصر، فاعترضتهما قبائل حصين ونهبوهما [3] ، ودخلا بجاية، ثم مضيا إلى تونس، ووصلا من هنالك إلى مصر.

ولما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان، اقترحت عليه جارية أبيه أبي سعيد، وكانت لها عليه تربية، فأرادت الحج في أيامه وبعنايته، فأذن لها في ذلك، وبعث في خدمتها وليه عريف بن يحيى من أمراء سويد، وجماعة من أمرائه وبطانته، واستصحبوا هدية منه للملك الناصر احتفل فيها ما شاء. وانتقى من الخيل العتاق، والمطايا الفرة وقماش الحرير والكتان، والصوف ومدبوغ الجلود الناعمة، والأواني المتخذة من النحاس والفخار المخصوص كل مصر من المغرب بأصناف من صنائعها، متشابهة الأشكال والأنواع، حتى لقد زعموا أنه كان فيها مكيلة من اللآلئ والفصوص، وكان ذلك وقر خمس مائة بعير، وكانت عتاق الخيل فيها خمس مائة فرس، بالسروج الذهبية المرصعة بالجواهر، واللجم المذهبة، والسيوف المحلاة بالذهب واللآلئ، كانت قيمة المركب الأول منها عشرة آلاف دينار،

وتدرجت على الولاء إلى آخر الخمس مائة، فكانت قيمته مائة دينار. تحدث الناس بهذه الهدية دهرا، وعرضت بين يدي الملك الناصر، فأشار إلى خاسكيته بانتهابها فنهبت بين يديه، وبولغ في كرامة أولئك الضيوف، في إنزالهم وقراهم وإزوادهم إلى الحجاز وإلى بلادهم، وبقي شأن الهدية حديثا يتجاراه الناس في مجالسهم وأسمارهم، وكان ذلك عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ولما فصل أرسال [1] ملك المغرب، وقد قضوا فرضهم، بعث الملك الناصر معهم هدية كفاء هديتهم، وكانت أصنافها حمل القماش من ثياب الحرير والقماش المصنوعة بالإسكندرية، تحمل كل عام إلى دار السلطان، قيمة ذلك الحمل خمسون ألف دينار، وخيمة من خيام السلطان المصنوعة بالشام على مثال القصور، تشتمل على بيوت للمراقد، وأواوين للجلوس والطبخ، وأبراج للإشراف على الطرقات، وأبراج أحدها لجلوس السلطان للعرض، وفيها تمثال مسجد بمحرابه، وعمده، ومئذنته، حوائطها كلها من خرق الكتان الموصولة بحبك الخياطة مفصلة على الأشكال التي يقترحها المتخذون لها.

وكان فيها خيمة أخرى مستديرة الشكل، عالية السمك، مخروطة الرأس، رحبة الفناء، تظل خمس مائة فارس أو أكثر، وعشرة من عتاق الخيل بالمراكب الذهبية الصقيلة، ولجمها كذلك، ومرت هذه الهدية بتونس، ومعها الخدام القائمون بنصب الأبنية، فعرضوها على السلطان بتونس. وعاينت يومئذ أصناف تلك الهدية، وتوجهوا بها إلى سلطانهم، وبقي التعجب منها دهرا على الألسنة. وكان ملوك تونس من الموحدين، يتعاهدون ملوك مصر بالهدية في الأوقات.

ولما وصلت إلى مصر، واتصلت بالملك الظاهر، وغمرني بنعمه وكرامته، كاتبت السلطان بتونس يومئذ، وأخبرته بما عند الملك الظاهر من التشوف إلى جياد الخيل، وخصوصا من المغرب، لما فيها [من تحمل] الشدة والصبر على المتاعب، وكان يقول لي مثل ذلك، وأن خيل مصر قصرت بها الراحة والتنعم، عن الصبر على التعب، فحضضت السلطان بتونس على إتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرائعة، فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه، وحملها في البحر في السفين الواصل بأهلي وولدي، فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في

ذلك السفين، وكل شيء بقدر.

ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة شيخ الأعراب: المعقل بالمغرب، يوسف ابن علي بن غانم، كبير أولاد حسين ناجيا من سخط السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم، من ملوك بني مرين بفاس، يروم قضاء فرضه، ويتوسل بذلك لرضى سلطانه، فوجد السلطان غائبا بالشام في فتنة منطاش، فعرضته لصاحب المحمل. فلما عاد من قضاء فرضه، وكان السلطان قد عاد من الشام، فوصلته به، وحضر بين يديه، وشكا بثه، فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب، وحمله مع ذلك هدية إليه من قماش وطيب وقسي، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب، وانصرف، فقبل سلطانه فيه شفاعة الظاهر، وأعاده إلى منزلته. وانتقى الخيول الرائعة لمهاداة الملك الظاهر، وأحسن في انتقاء أصناف الهدية، فعاجلته المنية دون ذلك، وولي ابنه أبو فارس، وبقي أياما ثم هلك، وولي أخوه أبو عامر، فاستكمل الهدية، وبعثها صحبة يوسف بن علي الوارد الأول.

وكان السلطان الملك الظاهر، لما أبطأ عليه وصول الخيل من المغرب، أراد أن يبعث من أمرائه من ينتقي له ما يشاء بالشراء، فعين لذلك مملوكا من مماليكه منسوبا إلى تربية الخليلي، اسمه قطلوبغا [1] ، وبعث عني، فحضرت بين يديه، وشاورني في ذلك فوافقته، وسألني كيف يكون طريقه، فأشرت بالكتاب في ذلك الى سلطان تونس من الموحدين [2] ، وسلطان تلمسان من بني عبد الواد، وسلطان فاس والمغرب من بني مرين، وحمله لكل واحد منهم هدية خفيفة من القماش والطيب والقسي، وانصرف عام تسعة وتسعين وسبعمائة إلى المغرب، وشيعه كل واحد من ملوكه إلى مأمنه، وبالغ في إكرامه بما يتعين. ووصل إلى فاس، فوجد الهدية قد استكملت، ويوسف بن علي على المسير بها عن سلطانه أبي عامر من ولد السلطان أبي العباس المخاطب أولا. وأظلهم عيد الأضحى بفاس، وخرجوا متوجهين إلى مصر، وقد أفاض السلطان من إحسانه وعطائه، على الرسول قطلوبغا ومن في جملته بما أقر عيونهم، وأطلق بالشكر ألسنتهم، وملأ بالثناء ضمائرهم، ومروا بتلمسان، وبها

يومئذ أبو زيان، ابن السلطان أبي حمو من آل يغمراسن بن زيان، فبعث معهم هدية أخرى من الجياد بمراكبها، وكان يحوك الشعر، فامتدح الملك الظاهر بقصيدة بعثها مع هديته، ونصها من أولها الى آخرها:

لمن الركائب سيرهن دميل [1] ... والصبر- إلا بعدهن- جميل

يا أيها الحادي رويدك [2] إنها ... ظعن [3] يميل القلب حيث تميل

رفقا بمن حملته فوق ظهورها ... فالحسن فوق ظهورها محمول

لله آية أنجم: شفافة ... تنجاب عنها للظلام سدول

شهب بآفاق الصدور طلوعها ... ولها بأستار الجدول أفول

في الهودج المزرور منها غادة ... تزع الدجى بجبينها فيحول

فكأنها قمر على غصن على ... متني كثيب والكثيب مهيل

ثارت مطايا فثار بي الهوى ... واعتاد قلبي زفرة وغليل

أومت لتوديعي فغالب عبرتي ... نظر تخالسه العيون كليل

دمع أغيض منه خوف رقيبها ... طورا ويغلبني الأسى فيسيل

ويح المحب وشت به عبراته ... فكأنها قال عليه وقيل

صان الهوى وجفونه يوم النوى ... لمصون جوهر دمعهن تذيل

وتهابه أسد السرى في خيسها [4] ... ويروعه ظبي الحمى المكحول

تأبى النفوس الضيم إلا في الهوى ... فالحر عبد والعزيز ذليل

يا بانة الوادي ويا أهل الحمى ... هل ساعة تصغين لي فأقول

ما لي إذا هب النسيم من الحمى ... أرتاح شوقا للحمى وأميل

خلوا الصبا يخلص إلي نسيمها ... إن الصبا لصبابتي تعليل

ما لي أحلا عن ورود محله ... وأذاد عنه وورده منهول [5]

والباب ليس بمرتج [1] عن مرتج [2] ... والظن في المولى الجميل جميل

من لي بزورة روضة الهادي الذي ... ما مثله في المرسلين رسول

هو أحمد ومحمد والمصطفى ... والمجتبى وله انتهى التفضيل

يا خير من أهدى الهدى وأجل من ... أثنى عليه الوحي والتنزيل

وحي من الرحمن يلقيه على ... قلب النبي محمد جبريل

مدحتك آيات الكتاب وبشرت ... بقدومك التوراة والإنجيل

صلة الصلاة عليك تحلو في فمي ... مهما تكرر ذكرك المعسول

فور بعك المأهول إن بأضلعي ... قلبا بحبك ربعه مأهول

هل من سبيل للسرى حتى أرى ... خير الورى فهو المنى والسول

حتام تمطلني الليالي وعدها ... إن الزمان بوعده لبخيل

ما عاقني إلا عظيم جرائمي ... إن الجرائم حملهن ثقيل

أنا مغرم فتعطفوا انا مذنب ... فتحاوزوا أنا عاثر فأقيلوا

وأنا البعيد فقربوا والمستجير ... فأمنوا والمرتجى فأنيلوا

يا سائقا نحو الحجاز حمولة [3] ... والقلب بين حمولة [4] محمول

لمحمد بلغ سلام سميه ... فذمامه بمحمد موصول

وسل الإله له اغتفار ذنوبه ... يسمع هناك دعاؤك المقبول

وعن المليك أبي سعيد فلتنب ... فلكم له نحو الرسول رسول

متحمل لله كسوة بيته ... يا حبذاك المحمل المحمول

سعد المليك أبي سعيد إنه ... سيف على أعدائه مسلول

ملك يحج المغرب الأقصى به ... فلهم به نحو الرسول وصول [5]

ملك به نام الأنام وأمنت ... سبل المخاف [1] فلا يخاف سبيل

فالملك ضخم والجناب مؤمل ... والفضل جم والعطاء جزيل

والصنع أجمل والفخار مؤثل ... والمجد أكمل والوفاء أصيل

يا مالك البحرين بلغت المنى ... قد عاد مصر على العراق يصول

يا خادم الحرمين حق لك الهنا ... فعليك من روح [2] الإله قبول

يا متحفي ومفاتحي برسالة ... سلسالة يزهى بها الترسيل

أهديتها حسناء بكرا ما لها ... غيري، وإن كثر الرجال، كفيل

ضاء المداد من الوداد بصحفها ... حتى اضمحل عبوسه المجبول [3]

جمعت وحاملها بحضرتنا كما ... جمعت بثينة في الهوى وجميل [4]

وتأكدت بهدية ودية ... هي للإخاء المرتضى تكميل

أطلعت فيها للقسي أهلة ... يرتد عنها الطرف وهو كليل

وحسام نصر زاهيا بنضاره ... راق العيون فرنده المعسول

ماضي الشبا [5] لمصابه تعنو الظبا ... فيه تصول على العدا وتطول

وبدائع الحلل اليمانية التي ... روى معاطفها بمصر النيل

فأجلت فيها ناظري فرأيتها ... حفا يجول الحسن حيث تجول

جلت محاسنها فأهوى نحوها ... بفم القبول اللثم والتقبيل

يا مسعدي وأخي العزيز ومنجدي ... ومن القلوب إلى هواه تميل

إن كان رسم الود منك مذيلا ... بالبر وهو بذيله موصول

فنظيره عندي وليس يضيره ... بمعارض وهم ولا تخييل

ود «يزيد» و «ثابت» شهدا به ... و «لخالد» بخلوده تذييل

وإليكها تنبيك صدق مودتي ... صح الدليل ووافق المدلول

فإذا بذاك المجلس السامي سمت ... فلديك إقبال لها وقبول

دام الوداد على البعاد موصلا ... بين القلوب وحبله موصول

وبقيت في نعم لديك مزيدها ... وعليك يضفو ظلها المسدول

ثم مروا بعدها بتونس، فبعث سلطان تونس أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي العباس من ملوك الموحدين، هدية ثالثة انتقى لها جياد الخيل، وعزز بها هدية السلطانين وراءه، مع رسوله من كبار الموحدين أبي عبد الله بن تافراكين، ووصلت الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظاهر في آخر السنة، وعرضت بين يدي السلطان، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسيوف والبسط ومراكب الخيل، وحمل كثيرا منهم على كثير من تلك الجياد وارتبط الباقيات.

وكانت هدية صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج واللجم الذهبية، والسيوف المحلاة، وخمسة وثلاثين حملا من أقمشة الحرير والكتان والصوف والجلد، منتقاة من أحسن هذه الأصناف.

وهدية صاحب تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموهة، وأحمالا من الأقمشة.

وهدية صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشاة ببراقع الثياب من غير مراكب، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه، وجلس السلطان يوم عرضها جلوسا فخما في إيوانه، وحضر الرسل، وأدوا ما يجب عن ملوكهم. وعاملهم السلطان بالبر والقبول، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة، والأحوال الضخمة. ثم حضر وقت خروج الحاج، فأستأذنوا في الحج مع محمل السلطان، فأذن لهم، وأرغد أزودتهم. وقضوا حجهم، ورجعوا إلى حضرة السلطان ومعهود مبرته. ثم انصرفوا إلى مواطنهم، وشيعهم من بر السلطان وإحسانه، ما ملأ حقائبهم، وأسنى ذخيرتهم، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الباقية على الأبد، فحمدت الله على ذلك.

** (ولاية القضاء الثانية بمصر) **

ما زلت، منذ العزل عن القضاء الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة، مكبا على

الاشتغال بالعلم، تأليفا وتدريسا، والسلطان يولي في الوظيفة من يراه أهلا متى دعاه إلى ذلك داع، من موت القائم بالوظيفة، أو عزله، وكان يراني الأولى بذلك، لولا وجود الذين شغبوا من قبل في شأني، من أمراء دولته، وكبار حاشيته، حتى انقرضوا. واتفقت وفاة قاضي المالكية إذ ذاك ناصر الدين بن التنسي [1] ، وكنت مقيما بالفيوم لضم زرعي هنالك، فبعث عني، وقلدني وظيفة القضاء في منتصف رمضان من سنة إحدى وثمانمائة، فجريت على السنن المعروف مني، من القيام بما يجب للوظيفة شرعا وعادة، وكان رحمه الله يرضى بما يسمع عني في ذلك. ثم أدركته الوفاة في منتصف شوال بعدها، وأحضر الخليفة والقضاة والأمراء، وعهد إلى كبير أبنائه فرج، ولإخوته من بعده واحدا واحدا، وأشهدهم على وصيته بما أراد. وجعل القائم [2] بأمر ابنه في سلطانه إلى أتابكه ايتمش [3] ، وقضى رحمة الله عليه، وترتبت الأمور من بعده كما عهد لهم، وكان النائب بالشام يومئذ أمير من خاسكية السلطان يعرف بتنم [4] ، وسمع بالواقعات بعد السلطان فغص أن لم يكن هو كافل ابن الظاهر بعده، ويكون زمام الدولة بيده. وطفق سماسرة الفتن يغرونه بذلك، وبينما هم في ذلك إذ وقعت فتنة الأتابك [5] أيتمش، وذلك أنه كان للأتابك دوادار غر يتطاول إلى الرئاسة، ويترفع على أكابر الدولة بحظه من أستاذه، وما له من الكفالة على السلطان، فنقموا حالهم مع هذا الدوادار، وما يسومهم به من الترفع عليهم، والتعرض لإهمال نصائحهم، فأغروا السلطان

بالخروج من ربقة الحجر، وأطاعهم في ذلك، وأحضر القضاة بمجلسه للدعوى على الأتابك باستغنائه عن الكافل، بما علم من قيامه بأمره وحسن تصرفاته. وشهد بذلك في المجلس أمراء أبيه كافة، وأهل المراتب والوظائف منهم، شهادة قبلها القضاة. وأعذروا إلى الأتابك فيهم فلم يدفع في شيء من شهادتهم، ونفذ الحكم يومئذ برفع الحجر عن السلطان في تصرفاته وسياسة ملكه، وانفض الجمع، ونزل الأتابك من الإسطبل إلى بيت سكناه. ثم عاود الكثير من الأمراء نظرهم فيما أتوه من ذلك، فلم يروه صوابا، وحملوا الأتابك على نقضه، والقيام بما جعل له السلطان من كفالة ابنه في سلطانه. وركب، وركبوا معه في آخر شهر المولد النبوي، وقاتلهم أولياء السلطان فرج عشي يومهم وليلتها، فهزموهم، وساروا إلى الشام مستصرخين بالنائب تنم، وقد وقر في نفسه ما وقر من قبل، فبر وفادتهم، وأجاب صريخهم. واعتزموا على المضي إلى مصر. وكان السلطان لما انفضت جموع الأتابك، وسار إلى الشام، اعتمله في الحركة والسفر لخضد شوكتهم، وتفريق جماعتهم، وخرج في جمادى حتى انتهى إلى غزة، فجاءه الخبر بأن نائب الشام تنم، والأتابك، والأمراء الذين معه، خرجوا من الشام زاحفين للقاء السلطان، وقد احتشدوا وأوعبوا، وانتهوا قريبا من الرملة [1] ، فراسلهم السلطان مع قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي [2] ، وناصر الدين الرماح، أحد المعلمين لثقافة الرماح، يعذر إليهم، ويحملهم على اجتماع الكلمة، وترك الفتنة، وإجابتهم إلى ما يطلبون من مصالحهم، فاشتطوا في المطالب، وصمموا على ما هم فيه. ووصل الرسولان بخبرهم، فركب السلطان من الغد، وعبى عساكره، وصمم لمعاجلتهم، فلقيهم أثناء طريقه، وهاجمهم فهاجموه، ثم ولوا الأدبار منهزمين.

وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه، فما غشيهم الليل إلا وهم مصفدون في الحديد، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام وأكابرهم كلهم. ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق، فآوى إليها، واعتقله نائب القلعة. وسار السلطان إلى دمشق، فدخلها على التعبئة في يوم أغر، وأقام بها أياما، وقتل هؤلاء

الأمراء المعتقلين، وكبيرهم الأتابك ذبحا، وقتل تنم من بينهم خنقا، ثم ارتحل راجعا إلى مصر.

وكنت استأذنت في التقدم إلى مصر بين يدي السلطان لزيارة بيت المقدس، فأذن لي في ذلك. ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد، وتبركت بزيارته والصلاة فيه، وتعففت عن الدخول إلى القمامة [1] لما فيها من الإشادة بتكذيب القرآن، إذ هو بناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه.

وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب، وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه السلام. ومررت في طريقي إليه ببيت لحم، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح، شيدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصخور، منجدة مصطفة، مرقوما على رءوسها صور ملوك القياصرة، وتواريخ دولهم، ميسرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتراجمة العارفين لأوضاعها، ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم. ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزة، وارتحلت منها، فوافيت السلطان بظاهر مصر، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنين وثمانمائة. وكان بمصر فقيه من المالكية يعرف بنور الدين بن الخلال [2] ، ينوب أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية، فحرضه بعض أصحابه على السعي في المنصب، وبذل ما تيسر من موجودة لبعض بطانة السلطان الساعين له في ذلك، فتمت سعايته في ذلك، ولبس منتصف المحرم سنة ثلاث وثمانمائة، ورجعت أنا للاشتغال بما كنت مشتغلا به من تدريس العلم وتأليفه، إلى أن كان السفر لمدافعة تمر عن الشام.

** (سفر السلطان الى الشام لمدافعة الططر عن بلاده) **

هؤلاء الططر من شعوب الترك، وقد اتفق النسابة والمؤرخون على أن أكثر أمم العالم فرقتان، وهما: العرب والترك، وليس في العالم أمة أوفر منهما عددا، هؤلاء في

جنوب الأرض، وهؤلاء في شمالها، وما زالوا يتناوبون الملك في العالم، فتارة يملك العرب ويزحلون [1] الأعاجم إلى آخر الشمال، وأخرى يزحلهم الأعاجم والترك إلى طرف الجنوب، سنة الله في عباده.

فلنذكر كيف انساق الملك لهؤلاء الططر [2] ، واستقرت الدول الإسلامية فيهم لهذا العهد فنقول: إن الله سبحانه خلق هذا العالم واعتمره بأصناف البشر على وجه الأرض، في وسط البقعة التي انكشفت من الماء فيه، وهي عند أهل الجغرافيا مقدار الربع منه، وقسموا هذا المعمور بسبعة أجزاء يسمونها الأقاليم، مبتدأة من خط الاستواء بين المشرق والمغرب، وهو الخط الذي تسامت الشمس فيه رءوس السكان، إلى تمام السبعة أقاليم. وهذا الخط في جنوب المعمور، وتنتهي السبعة الأقاليم في شماله. وليس في جنوب خط الاستواء عمارة إلى آخر الربع المنكشف، لإفراط الحر فيه، وهو يمنع من التكوين، وكذلك ليس بعد الأقاليم السبعة في جهة الشمال عمارة، لإفراط البرد فيها، وهو مانع من التكوين أيضا. ودخل الماء المحيط بالأرض من جهة الشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة، في مدخل فسيح، وانساح مع خط الاستواء مغربا، فمر بالصين، والهند والسند واليمن، في جنوبها كلها. وانتهى إلى وسط الأرض، عند باب المندب [3] ، وهو البحر الهندي والصيني، ثم انحرف من طرفه الغربي في خليج عند باب المندب، ومر في جهة الشمال مغربا باليمن وتهامة والحجاز ومدين [4] وأيلة [5] وفاران [6] ، وانتهى إلى

مدينة القلزم [1] ، ويسمى بحر السويس، وفي شرقيه بلاد الصعيد إلى عيذاب [2] ، وبلاد البجاة [3] ، وخرج من هذا البحر الهندي من وسطه خليج آخر يسمى الخليج الأخضر [4] ، ومر شمالا إلى الأبلة [5] ، ويسمى بحر فارس [6] ، وعليه في شرقيه بلاد فارس [7] ، وكرمان [8] ، والسند [9] ، ودخل الماء أيضا، من جهة الغرب في خليج متضايق في الإقليم الرابع، ويسمى بحر الزقاق [10] ، تكون سعته هنالك ثمانية عشر ميلا. ويمر مشرقا ببلاد البربر، من المغرب الأقصى والأوسط وأرض إفريقية والإسكندرية وأرض التيه [11] وفلسطين والشام، وعليه في الغرب بلاد الإفرنج كلها، وخرج منه في الشمال خليجان: الشرقي منهما خليج القسطنطينية [12] والغربي خليج البنادقة [13] ، ويسمى هذا البحر البحر الروسي، والشامي.

ثم إن هذه السبعة الأقاليم المعمورة، تنقسم من شرقيها وغربيها بنصفين: فنصفها

الغربي في وسطه البحر الرومي، وفي النصف الشرقي من جانبه الجنوبي البحر الهندي، وكان هذا النصف الغربي أقل عمارة من النصف الشرقي، لأن البحر الرومي المتوسط فيه، انفسح في انسياحه، فغمر الكثير من أرضه. والجانب الجنوبي منه قليل العمارة لشدة الحر، فالعمران فيه من جانب الشمال فقط، والنصف الشرقي عمرانه أكثر بكثير، لأنه لا بحر في وسطه يزاحم. وجانبه الجنوبي فيه البحر الهندي، وهو متسع جدا، فلطف الهواء فيه بمجاورة الماء، وعدل مزاجه للتكوين، فصارت أقاليمه كلها قابلة للعمارة، فكثر عمرانه. وكان مبدأ هذا العمران في العالم، من لدن آدم صلوات الله عليه، وتناسل ولده أولا في ذلك النصف الشرقي، وبادت تلك الأمم ما بينه وبين نوح، ولم نعلم شيئا من أخبارها، لأن الكتب الإلهية لم يرد علينا فيها إلا أخبار نوح وبنيه، وأما ما قبل نوح فلم نعرف شيئا من أخباره، وأقدم الكتب المنزلة المتداولة بين أيدينا التوراة، وليس فيها من أخبار تلك الأجيال شيء، ولا سبيل إلى اتصال الأخبار القديمة إلا بالوحي، وأما الأخبار فهي تدرس بدروس أهلها.

واتفق النسابون على أن النسل كله منحصر في بني نوح، وفي ثلاثة من ولده، وهم سام، وحام، ويافث، فمن سام: العرب، والعبرانيون، والسبائيون [1] ، ومن حام: القبط، والكنعانيون، والبربر، والسودان، ومن يافث: الترك، والروم، والخزر [2] ، والفرس، والديلم، والجيل.

ولا أدري كيف صح انحصار النسب في هؤلاء الثلاثة عند النسابين، أمن النقل؟ وهو بعيد كما قدمناه، أو هو رأي تفرع لهم من انقسام جماعة المعمور، فجعلوا شعوب كل جهة لأهل نسب واحد يشتركون فيه، فجعلوا الجنوب لبني سام، والمغرب لبني حام، والشمال لبني يافث. إلا أنه المتناقل بين النسابة في العالم، كما قلناه، فلنعتمده ونقول: أول من ملك الأرض من نسل نوح عليه السلام، النمرود بن كنعان بن كوش بن حام ووقع ذكره في التوراة. وملك بعده عابر بن شالخ الذي ينسب إليه

العبرانيون، والسريانيون، وهم النبط، وكانت لهم الدولة العظيمة، وهم ملوك بابل، من نبيط بن أشور بن سام، وقيل نبيط بن ماش بن إرم، وهم ملوك الأرض بعد الطوفان على ما قاله المسعودي. وغلبهم الفرس على بابل، وما كان في أيديهم من الأرض، وكانت يومئذ في العالم دولتان عظيمتان، لملوك بابل هؤلاء، وللقبط بمصر: هذه في المغرب، والأخرى في المشرق، وكانوا ينتحلون الأعمال السحرية، ويعولون عليها في كثير من أعمالهم، وبرابي مصر [1] ، وفلاحة ابن وحشية، يشهدان بذلك. فلما غلب الفرس على بابل، استقل لهم ملك المشرق، وجاء موسى- صلوات الله عليه- بالشريعة الأولية، وحرم السحر وطرقه، وغلب الله له القبط بإغراق فرعون وقومه، ثم ملك بنو إسرائيل الشام، واختطوا بيت المقدس، وظهر الروم في ناحية الشمال والمغرب، فغلبوا الفرس الأولى على ملكهم. وملك ذو القرنين الإسكندر ما كان بأيديهم، ثم صار ملك الفرس بالمشرق إلى ملوكهم الساسانية، وملك بني يونان بالشام والمغرب إلى القياصرة، كما ذكرنا ذلك كله من قبل. وأصبحت الدولتان عظيمتين، وانتظمتا العالم بما فيه. ونازع الترك ملوك فارس في خراسان [2] ، وما وراء النهر [3] ، وكانت بينهم حروب مشهورة، واستقر ملكهم في بني أفراسياب، ثم ظهر خاتم الأنبياء محمد صلوات الله عليه، وجمع العرب على كلمة الإسلام، فاجتمعوا له، «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم» [4] ، وقبضه الله اليه، وقد أمر بالجهاد، ووعد عن الله بأن الأرض لأمته، فزحفوا إلى كسرى، وقيصر بعد سنتين من وفاته، فانتزعوا الملك من أيديهما، وتجاوزوا الفرس إلى الترك، والروم إلى البربر والمغرب، وأصبح العالم كله منتظما في دعوة الإسلام. ثم اختلف أهل الدين من بعده في رجوعهم إلى من ينظم أمرهم، وتشيع قوم من العرب فزعموا أنه

أوصى بذلك لابن عمه علي، وامتنع الجماعة من قبول ذلك، وأبوا إلا الاجتهاد في تعيينه، فمضى على ذلك السلف في دولة بني أمية التي استفحل الملك والإسلام فيها، وتناقل التشيع بتشعب المذاهب، في استحقاق بني علي، وأيهم يتعين له ذلك، حتى انساق مذهب من مذاهبهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس [1] ، فظهرت شيعته بخراسان، وملكوا تلك الأرض كلها، والعراق بأسره.

ثم غلبوا على بني أمية، وانتزعوا الملك من أيديهم، واستفحل ملكهم، والإسلام باستفحاله، وتعدد خلفاؤهم. ثم خامر الدولة ما يخامر الدول من الترف والراحة، ففشلوا. وكثر المنازعون لهم من بني علي وغيرهم، فظهرت دولة لبني جعفر الصادق بالمغرب، وهم العبيديون [2] بنو عبيد الله المهدي بن محمد، قام بها كتامة وقبائل البربر، واستولوا على المغرب ومصر، ودولة بني العلوي بطبرستان، قام بها الديلم وإخوانهم الجيل، ودولة بني أمية النائية بالأندلس، لأن بني العباس لما غلبوهم بالمشرق، وأكثروا القتل فيهم، هرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ونجا إلى المغرب. ثم ركب البحر إلى الأندلس، فاجتمع عليه من كان هنالك من العرب وموالي بني أمية، فاستحدث هنالك ملكا آخر لهم، وانقسمت الملة الإسلامية بين هذه الدول الأربع إلى المائة الرابعة. ثم انقرض ملك العلوية من طبرستان [3] ، وانتقل إلى الديلم، فاقتسموا خراسان وفارس والعراق، وغلبوا على بغداد، وحجر الخليفة بها بنو بويه منهم [4] . وكان بنو سامان- من أتباع بني طاهر- قد تقلدوا عمالات ما وراء النهر، فلما فشل أمر الخلافة استبدوا بتلك النواحي، وأصاروا لهم فيها ملكا ضخما [5] ، وكان آخرهم محمود بن سبكتكين من مواليهم، فاستبد عليهم، وملك خراسان، وما وراء النهر إلى الشاش، ثم

غزنة [1] ، وما وراءها جنوبا إلى الهند. وأجاز إلى بلاد الهند، فافتتح منها كثيرا، واستخرج من كنوزها ذخائر لم يعثر عليها أحد قبله. وأقامت الملة على هذا النمط إلى انقضاء المائة الرابعة، وكان الترك منذ تعبدوا للعرب، وأسلموا على ما بأيديهم وراء النهر، من كاشغر [2] ، والصاغون إلى فرغانة [3] ، وولاهم الخلفاء عليها، فاستحدثوا بها ملكا، وكانت بوادي الترك في تلك النواحي منتجعة أمطار السماء، وعشب الأرض، وكان الظهور فيهم لقبيلة الغز من شعوبهم، وهم الخوز، إلا أن استعمال العرب لها عرب خاءها المعجمة غينا، وأدغمت واوها في الزاي الثانية، فصارت زايا واحدة مشددة. وكانت رياسة الغز هؤلاء في بني سلجوق بن ميكائيل، وكانوا يستخدمون لملوك الترك بتركستان تارة، ولملوك بني سامان في بخارى أخرى.

وتحدث بينهما الفتنة، فيتألفون من شاءوا منهما [4] ، ولما تغلب محمود بن سبكتكين [5] على بني سامان، وأجاز من خراسان فنزل بخارى [6] ، واقتعد كرسيهم، وتقبض على كبار بني سلجوق هؤلاء، وحبسهم بخراسان. ثم مات وقام بالأمر أخوه مسعود [7] ، فملك مكانه، وانتقض عليه بنو سلجوق [8] هؤلاء، وأجاز الغز إلى خراسان فملكوها، وملكوا طبرستان من يد الديلم، ثم أصبهان [9]

وفارس، من أيدي بني بويه، وملكهم يومئذ طغرلبك [1] بن ميكائيل من بني سلجوق، وغلب على بغداد [2] من يد بني معز الدولة بن بويه المستبدين على الخليفة يومئذ المطيع [3] ، وحجره عن التصرف في أمور الخلافة والملك، ثم تجاوز إلى عراق العرب، فغلب على ملوكه، وأبادهم، ثم بلاد البحرين وعمان، ثم على الشام، وبلاد الروم، واستوعب ممالك الإسلام كلها، فأصارها في ملكه، وانقبضت العرب راجعة إلى الحجاز، مسلوبة من الملك، كأن لهم فيه نصيب، وذلك أعوام الأربعين والأربعمائة، وخرج الإفرنج على بقايا بني أمية بالأندلس، فانتزعوا الملك من أيديهم، واستولوا على حواضر الأندلس وأمصارها، وضاق النطاق على العبيديين بالقاهرة بملوك الغز يزاحمونهم فيها من الشام، بمحمود بن زنكي وغيره [4] من أبنائهم ومماليكهم، وبملوك المغرب قد اقتطعوا ما وراء الإسكندرية، بملوك صنهاجة في إفريقية، والملثمين المرابطين بعدهم بالمغرب الأقصى والأوسط، والمصامدة الموحدين بعدهم كذلك، وأمام الغز والسلجوقية في ملك المشرق، وبنوهم ومواليهم من بعدهم إلى انقضاء القرن السادس، وقد فشل ريح الغز، واختلت دولتهم، فظهر فيهم جنكيزخان أمير المغل من شعوب الططر [5] ، وكان كاهنا، وجده النجر كاهنا مثله. ويزعمون أنه ولد من غير أب [6] ، فغلب الغز في المفازة، واستولى على ملك الططر، وزحف إلى كرسي

الملك بخوارزم. وهو علاء الدين خوارزم شاه، سلفه من موالي طغرلبك، فغالبه على ملكه، وفر أمامه، واتبعه إلى بحيرة طبرستان، فنجا إلى جزيرة فيها، ومرض هنالك ومات [1] ، ورجع جنكيزخان إلى مازندران، من أمصار طبرستان فنزلها، وأقام بها، وبعث عساكره من المغل حتى استولوا على جميع ما كان للغز، وأنزل ابنه طولى [2] بكرسي خراسان، وابنه دوشي خان [3] بصراي وبلاد الترك، وابنه جفطاي [4] بكرسي الترك فيما وراء النهر، وهي كاشغر وتركستان، وأقام بمازندران إلى أن مات جنكيزخان ودفن بها [5] ، ومات ابنه طولي وله ولدان، قبلاي [6] وهولاكو [7] ، ثم هلك قبلاي، واستقل هولاكو بملك خراسان، وحدث بينه وبين بركة بن دوشي خان [8] فتنة بالمنازعة في القانية، تحاربوا فيها طويلا، ثم أقصروا،

وصرف هولاكو وجهه إلى بلاد أصبهان، وفارس، ثم إلى الخلفاء المستبدين ببغداد، وعراق العرب، فاستولى على تلك النواحي، واقتحم بغداد [1] على الخليفة المستعصم، آخر بني العباس [2] وقتله، وأعظم فيها العيث والفساد، وهو يومئذ على دينه من المجوسية، ثم تخطاه إلى الشام، فملك أمصاره وحواضره إلى القدس، وملوك مصر يومئذ من موالي بني أيوب قد استحاشوا ببركة صاحب صراي، فزحف إلى خراسان ليأخذ بحجزة هولاكو عن الشام ومصر. وبلغ خبره إلى هولاكو فحرد [3] لذلك، لما بينهما من المنافسة والعداوة، وكر راجعا إلى العراق، ثم إلى خراسان، لمدافعة بركة. وطالت الفتنة بينهما إلى أن هلك هولاكو سنة ثلاث وستين من المائة السابعة، وزحف أمراء مصر من موالي بني أيوب، وكبيرهم يومئذ قطز، وهو سلطانهم فاستولى على أمصار الشام التي كان هولاكو انتزعها من أيدي بني أيوب، واحدة واحدة، واستضاف الشام إلى مصر في ملكه. ثم هدى الله أبغا بن هولاكو إلى الإسلام، فأسلم بعد أن كان أسلم بركة ابن عمه صاحب التخت بصراي من بني دوشي خان على يد مريد من أصحاب شمس الدين كبرى [4] ، فتواطأ هو وأبغا بن هولاكو على الإسلام. ثم أسلم بعد ذلك بنو جقطاي وراء النهر، فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي ولد جنكيزخان من المغل، ثم من الططر، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب والأندلس ومصر والحجاز، وأصبحوا، وكأنهم في تلك الممالك خلف من السلجوقية والغز. واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد، وانقرض ملك بني هولاكو بموت أبي سعيد آخرهم سنة أربعين من المائة الثامنة [5] . وافترقت دولتهم بين عمال الدولة وقرابتها من المغل، فملك عراق العرب، وأذربيجان [6]

وتوريز [1] ، الشيخ حسن سبط هولاكو [2] ، واتصل ملكها في بنيه لهذا العهد، وملك خراسان وطبرستان شاه ولي من تابعة بني هولاكو، وملك أصبهان، وفارس، بنو مظفر البردي [3] من عمالهم أيضا، وأقاموا بنو دوشي خان في مملكة صراي وآخرهم بها طقطمش بن بردي بك [4] ، ثم سما لبني جقطاي وراء النهر، وملوكهم أمل في التغلب على أعمال بني هولاكو، وبني دوشي خان، بما استفحل ملكهم هنالك، لعدم الترف والتنعم، فبقوا على البداوة، وكان لهم ملك اسمه ساطلمش [5] هلك لهذا العهد، وأجلسوا ابنه على التخت مكانه، وأمراء بني جقطاي جميعا في خدمته، وكبيرهم تيمور المعروف بتمر بن طرغاي [6] فقام بأمر هذا الصبي وكفله، وتزوج أمه، ومد يده إلى ممالك بني دوشي خان التي كانت على دعوتهم وراء النهر، مثل سمرقند [7] ، وبخارى، وخوارزم، وأجاز إلى طبرستان وخراسان فملكهما. ثم ملك أصبهان، وزحف إلى بغداد، فملكها من يد أحمد بن أويس. وفر أحمد مستجيرا بملك مصر، وهو الملك الظاهر برقوق، وقد تقدم ذكره، فأجاره، ووعده النصر من عدوه. وبعث الأمير تمر رسلا إلى صاحب مصر، يقررون معه الولاية والاتحاد، وحسن الجوار، فوصلوا إلى الرحبة، فلقيهم عاملها، ودار بينهم الكلام فأوحشوه في الخطاب، وأنزلهم، فبيت جميعهم، وقتلهم. وخرج الظاهر برقوق من مصر، وجمع العرب والتركمان، وأناخ على الفرات، وصرخ بطقطمش من كرسيه بصراي، فحشد ووصل إلى الأبواب [8] . ثم زحف تمر إلى الشام سنة ست وتسعين وسبعمائة وبلغ الرها [9] ، والظاهر يومئذ على

الفرات، فخام [1] تمر عن لقائه. وسار إلى محاربة طقطمش، فاستولى على أعماله كلها، ورجعت قبائل المغل إلى تمر، وساروا تحت رايته. وذهب طقطمش في ناحية الشمال، وراء بلغار، متذمما بقبائل اروس من شعوب الترك في الجبال.

وسارت عصائب الترك كلها تحت رايات تمر، ثم اضطرب ملوك الهند، واستصرخ خارج منهم بالأمير تمر، فسار إليهم في عساكر المغل، وملك دلي [2] ، وفر صاحبها الى كنباية [3] مرسى بحر الهند، وعاثوا في نواحي بلاد الهند. ثم بلغه هنالك مهلك الظاهر برقوق بمصر، فرجع إلى البلاد، ومر على العراق، ثم على أرمينية [4] وأرزنكان [5] ، حتى وصل سيواس [6] فخربها، وعاث في نواحيها، ورجع عنها أول سنة ثلاث من المائة التاسعة. ونازل قلعة الروم [7] ، فامتنعت، وتجاوزها الى حلب، فقابله نائب الشام وعساكره في ساحتها، ففضهم، واقتحم المغل المدينة من كل ناحية. ووقع فيها من العيث والنهب والمصادرة واستباحة الحرم، ما لم يعهد الناس مثله، ووصل الخبر الى مصر، فتجهز السلطان فرج ابن الملك الظاهر [8] الى المدافعة عن الشام، وخرج في عساكره من الترك مسابقا المغل وملكهم تمر أن يصدهم عنها.

** (لقاء الأمير تمر سلطان المغل والططر) **

لما وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر [9] ملك بلاد الروم، وخرب سيواس، ورجع

إلى الشام، جمع السلطان عساكره، وفتح ديوان العطاء، ونادى في الجند بالرحيل الى الشام، وكنت أنا يومئذ معزولا عن الوظيفة [1] ، فاستدعاني دواداره يشبك [2] وأرادني على السفر معه في ركاب السلطان، فتجافيت عن ذلك. ثم أظهر العزم علي بلين القول، وجزيل الانعام فأصخيت، وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث وثمانمائة، فوصلنا إلى غزة، فأرحنا بها أياما نترقب الأخبار، ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الططر إلى أن نزلنا شقحب [3] ، وأسرينا فصبحنا دمشق، والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك [4] قاصدا دمشق، فضرب السلطان خيامه وأبنيته بساحة قبة يلبغا. ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد، فأقام بمرقب على قبة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثا أو أربعا، فكانت حربهم سجالا، ثم نمي الخبر إلى السلطان وأكابر أمرائه، أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم، واختلال الدولة

بذلك، فأسروا ليلة الجمعة من شهر [

....

] [1] وركبوا جبل الصالحية، ثم انحطوا في شعابه، وساروا على شافة البحر إلى غزة، وركب الناس ليلا يعتقدون أن السلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر، فساروا عصبا وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر، وأصبح أهل دمشق متحيرين قد عميت عليهم الأنباء.

وجاءني القضاة والفقهاء، واجتمعت بمدرسة العادلية، واتفق رأيهم على طلب الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك ونكره، فلم يوافقوه. وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي [2] ومعه شيخ الفقراء بزاوية [

....

] [3] فأجابهم إلى التأمين، وردهم باستدعاء الوجوه والقضاة، فخرجوا إليه متدلين من السور بما صبحهم من التقدمة، فأحسن لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الآمال، واتفقوا معه على فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول أمير ينزل بمحل الإمارة منها، ويملك أمرهم بعز ولايته.

وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني، وهل سافرت مع عساكر مصر أو أقمت بالمدينة، فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول. وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي أولا، ثم أصخوا لي، ودلوني من السور، فوجدت بطانته عند الباب، ونائبة الذي عينه للولاية على دمشق، واسمه شاه ملك، من بني جقطاي أهل عصابته، فحييتهم وحيوني، وفديت وفدوني، وقدم لي شاه ملك، مركوبا، وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه. فلما وقفت بالباب خرج الإذن بإجلاسي في خيمة هنالك تجاور خيمة جلوسه، ثم زيد في التعريف باسمي أني القاضي المالكي المغربي، فاستدعاني،

ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئا على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه، يشير بها إلى عصب المغل جلوسا أمام خيمته، حلقا حلقا. فلما دخلت عليه فاتحت بالسلام، وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت. ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم [1] ، فأقعده يترجم ما بيننا، وسألني من أين جئت من المغرب؟ ولما [2] جئت؟ فقلت: جئت من بلادي لقضاء الفرض ركبت إليها [3] البحر، ووافيت مرسى الإسكندرية يوم الفطر سنة أربع وثمانين من هذه المائة الثامنة، والمفرحات بأسوارهم لجلوس الظاهر على تخت الملك لتلك العشرة الأيام بعددها. فقال لي: وما فعل معك؟ قلت كل خير، بر مقدمي، وأرغد قراي، وزودني للحج، ولما رجعت وفر جرايتي، وأقمت في ظله ونعمته، رحمه الله وجزاه.

فقال: وكيف كانت توليته إياك القضاء؟ فقلت: مات قاضي المالكية قبل موته بشهر، وكان يظن بي المقام المحمود في القيام بالوظيفة، وتحري المعدلة والحق، والإعراض عن الجاه، فولاني مكانه، ومات لشهر بعدها، فلم يرض أهل الدولة بمكاني، فأدالوني منها بغيري جزاهم الله. فقال لي: وأين ولدك؟ فقلت: بالمغرب الجواني كاتب [4] للملك الأعظم هنالك. فقال وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ فقلت هو عرف خطابهم معناه الداخلي، أي الأبعد، لأن المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب الى هنا برقة، وإفريقية [5] ، والمغرب الأوسط [6] : تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى: فاس ومراكش، وهو معنى

الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ذلك المغرب؟ فقلت: في الزاوية التي بين البحر المحيط، والخليج المسمى بالزقاق، وهو خليج البحر الشامي؟ فقال:

وسبتة؟ فقلت: على مسافة من طنجة على ساحل الزقاق، ومنها التعدية إلى الأندلس، لقرب مسافته، لأنها هناك نحو العشرين ميلا. فقال: وفاس؟ فقلت:

ليست على البحر، وهي في وسط التلول، وكرسي ملوك المغرب من بني مرين.

فقال: وسجلماسة؟ قلت: في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب.

فقال: لا يقنعني هذا، وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلها، أقاصيها وأدانيها وجباله وأنهاره وقراه وأمصاره، حتى كأني أشاهده. فقلت: يحصل ذلك بسعادتك، وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب من ذلك، وأوعبت الغرض فيه في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنضفة القطع. ثم أشار إلى خدمه بإحضار طعام من بيته يسمونه الرشتة، ويحكمونه على أبلغ ما يمكن، فأحضرت الأواني منه، وأشار بعرضها علي، فمثلت قائما وتناولتها وشربت واستطبت، ووقع ذلك منه أحسن المواقع، ثم جلست وسكتنا، وقد غلبني الوجل بما وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية، صدر الدين المناوي، أسره التابعون لعسكر مصر. بشقحب، وردوه، فحبس عندهم في طلب الفدية منه، فأصابنا من ذلك وجل، فزورت في نفسي كلاما أخاطبه به، وأتلطفه بتعظيم أحواله، وملكه. وكنت قبل ذلك بالمغرب قد سمعت كثيرا من الحدثان في ظهوره، وكان المنجمون المتكلمون في قرانات العلويين [1] يترقبون القران العاشر في المثلثة الهوائية [2] ، وكان يترقب عام ستة وستين من المائة السابعة. فلقيت ذات يوم من عام أحد وستين وسبعمائة بجامع القرويين من فاس، الخطيب أبا علي بن باديس خطيب قسنطينة، وكان ماهرا في ذلك الفن، فسألته عن هذا القران المتوقع، وما هي آثاره؟ فقال لي: يدل على ثائر عظيم في الجانب الشمالي الشرقي، من أمة بادية

أهل خيام، تتغلب على الممالك، وتقلب الدول، وتستولي على أكثر المعمور.

فقلت: ومتى زمنه؟ فقال: عام أربعة وثمانين تنتشر أخباره. وكتب لي بمثل ذلك الطبيب ابن زرزر اليهودي، طبيب ملك الأفرنج ابن أذفونش ومنجمه. وكان شيخي رحمه الله إمام المعقولات محمد بن إبراهيم الآبلي متى فاوضته في ذلك، أو سايلته عنه يقول: أمره قريب، ولا بد لك إن عشت أن تراه.

وأما المتصوفة فكنا نسمع عنهم بالمغرب ترقبهم لهذا الكائن، ويرون أن القائم به هو الفاطمي المشار إليه في الأحاديث النبوية [1] من الشيعة وغيرهم، فأخبرني يحيى بن عبد الله حافد الشيخ أبي يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب، أن الشيخ قال لهم ذات يوم، وقد انفتل من صلاة الغداة: إن هذا اليوم ولد فيه القائم الفاطمي، وكان ذلك في عشر الأربعين من المائة الثامنة، فكان في نفسي من ذلك كله ترقب له.

فوقع في نفسي لأجل الوجل الذي كنت فيه أن أفاوضه في في شيء من ذلك يستريح إليه، ويأنس به مني، ففاتحته وقلت: أيدك الله! لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك. فقال لي الترجمان عبد الجبار: وما سبب ذلك؟ فقلت: أمران، الأول أنك سلطان العالم، وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بالجزاف، فإني من أهل العلم، وأبين ذلك فأقول:

إن الملك إنما يكون بالعصبية، وعلى كثرتها يكون قدر الملك، واتفق أهل العلم من قبل ومن بعد، أن أكثر أمم البشر فرقتان: العرب والترك، وأنتم تعلمون ملك العرب كيف كان لما اجتمعوا في دينهم على نبيهم، وأما الترك ففي مزاحمتهم لملوك الفرس، وانتزاع ملكهم أفراسياب خراسان من أيديهم شاهد بنصابهم من الملك.

ولا يساويهم في عصبيتهم أحد من ملوك الأرض من كسرى، أو قيصر، أو الإسكندر، أو بخت نصر، أما كسرى فكبير الفرس ومليكهم، وأين الفرس من الترك؟ وأما قيصر والإسكندر فملوك الروم، وأين الروم من الترك؟ وأما بخت نصر فكبير أهل بابل، والنبط. وأين هؤلاء من الترك؟ وهذا برهان ظاهر على ما ادعيته في هذا

الملك.

وأما الأمر الثاني مما يحملني على تمني لقائه، فهو ما كنت أسمعه من أهل الحدثان بالمغرب، والأولياء، وذكرت ما قصصته من ذلك قبل. فقال لي: وأراك قد ذكرت بخت نصر مع كسرى، وقيصر، والإسكندر، ولم يكن في عدادهم، لأنهم ملوك أكابر. وبخت نصر قائد من قواد الفرس، كما أنا نائب من نواب صاحب التخت، وهو هذا، وأشار إلى الصف القائمين وراءه، وكان واقفا معهم، وهو ربيبه الذي تقدم لنا أنه تزوج أمه بعد أبيه ساطلمش، فلم يلفه هناك، وذكر له القائمون في ذلك الصف أنه خرج عنهم.

فرجع إلي فقال: ومن أي الطوائف هو بخت نصر؟ فقلت: بين الناس فيه خلاف، فقيل من النبط بقية ملوك بابل، وقيل من الفرس الأولى، فقال: يعني من ولد منوشهر [1] . قلت نعم هكذا ذكروا، فقال: ومنوشهر له علينا ولادة من قبل الأمهات. ثم أفضت مع الترجمان في تعظيم هذا القول منه، وقلت له: وهذا مما يجعلني على بني لقائه.

فقال الملك: وأي القولين أرجح عندك فيه؟ فقلت إنه من عقبة ملوك بابل، فذهب هو إلى ترجيح القول الآخر. فقلت: يعكر تملينا رأي الطبري، فإنه مؤرخ الأمة ومحدثهم، ولا يرجحه غيره، فقال: وما علينا من الطبري؟ نحضر كتب التاريخ للعرب والعجم، ونناظرك. فقلت: وأنا أيضا أناظر على رأي الطبري، وانتهى بنا القول، فسكت، وجاءه الخبر بفتح باب المدينة، وخروج القضاة وفاء بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان، فرفع من بين أيدينا، لما في ركبته من الداء، وحمل على فرسه فقبض شكائمه، واستوى في مركبه. وضربت الآلات حفافيه حتى ارتج لها الجو. وسار نحو دمشق، ونزل في تربة منجك عند باب الجابية، فجلس هناك، ودخل إليه القضاة وأعيان البلد، ودخلت في جملتهم، فأشار إليهم بالانصراف، وإلى شاه ملك نائبة أن يخلع عليهم في وظائفهم، وأشار إلي بالجلوس، فجلست بين يديه. ثم استدعى أمراء دولته القائمين على أمر البناء،

فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين، وتناظروا في إذهاب الماء الدائر بحفير القلعة، لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه، فتناظروا في مجلسه طويلا، ثم انصرفوا، وانصرفت الى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك، فأذن فيه. وأقمت في كسر البيت، واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب، فكتبته في أيام قليلة، ورفعته إليه فأخذه من يدي، وأمر موقعه بترجمته إلى اللسان المغلي. ثم اشتد في حصار القلعة، ونصب عليها الآلات من المجانيق، والنفوط، والعرادات، والنقب، فنصبوا لأيام قليلة ستين منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى، وضاق الحصار بأهل القلعة، وتهدم بناؤها من كل جهة، فطلبوا الأمان.

وكان بها جماعة من خدام السلطان ومخلفه، فأمنهم السلطان تمر، وحضروا عنده.

وخرب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطير من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هنالك، من الأموال والظهر والخيام. ثم أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسيها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح. وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء.

وكان أيام مقامي عند السلطان تمر، خرج إليه من القلعة يوم أمن أهلها رجل من أعقاب الخلفاء بمصر، من ذرية الحاكم العباسي [1] الذي نصبه الظاهر بيبرس، فوقف إلى السلطان تمر يسأله النصفة في أمره، ويطلب منه منصب الخلافة كما كان لسلفه، فقال له السلطان تمر: أنا أحضر لك الفقهاء والقضاة، فإن حكموا لك بشيء أنصفتك فيه. واستدعى الفقهاء والقضاة، واستدعاني فيهم، فحضرنا عنده وحضر هذا الرجل الذي يسأل منصب الخلافة، فقال له عبد الجبار: هذا مجلس النصفة فتكلم. فقال: إن هذه الخلافة لنا ولسلفنا، وإن الحديث [2] صح بأن

الأمر لبني العباس ما بقيت الدنيا، يعني أمر الخلافة. وإني أحق من صاحب المنصب الآن بمصر، لأن آبائي الذين ورثتهم كانوا قد استحقوه، وصار إلى هذا بغير مستند، فاستدعى عبد الجبار كلا منا في أمره، فسكتنا برهة، ثم قال: ما تقولون في هذا الحديث؟ فقال برهان الدين بن مفلح: الحديث ليس بصحيح.

واستدعى ما عندي في ذلك فقلت: الأمر كما قلتم من أنه غير صحيح، فقال السلطان تمر: فما الذي أصار الخلافة لبني العباس إلى هذا العهد في الإسلام؟

وشافهني بالقول، فقلت: أيدك الله! اختلف المسلمون من لدن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هل يجب على المسلمين ولاية رجل منهم يقوم بأمورهم في دينهم ودنياهم، أم لا يجب ذلك؟ فذهبت طائفة إلى أنه لا يجب، ومنهم الخوارج، وذهب الجماعة إلى وجوبه، واختلفوا في مستند ذلك الوجوب، فذهب الشيعة كلهم إلى حديث الوصية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك لعلي، واختلفوا في تنقلها عنه إلى عقبه إلى مذاهب كثيرة تشذ عن الحصر. وأجمع أهل السنة على إنكار هذه الوصية، وأن مستند الوجوب في ذلك إنما هو الاجتهاد، يعنون أن المسلمين يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق والفقه والعدل، بفوضون إليه النظر في أمورهم.

ولما تعددت فرق العلوية وانتقلت الوصية بزعمهم من بني الحنفية إلى بني العباس، أوصى بها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وبث دعاته بخراسان. وقام أبو مسلم [1] بهذه الدعوة، فملك خراسان والعراق، ونزل شيعتهم الكوفة، واختاروا للأمر أبا العباس السفاح [2] ابن صاحب هذه الدعوة، ثم أرادوا أن تكون بيعته على إجماع من أهل السنة والشيعة، فكاتبوا كبار الأمة يومئذ، وأهل الحل والعقد، بالحجاز والعراق، يشاورونهم في أمره، فوقع اختيارهم كلهم على الرضى به، فبايع له شيعته بالكوفة بيعة إجماع وإصفاق. ثم عهد بها إلى أخيه المنصور [3] ، وعهد بها المنصور إلى بنيه، فلم تزل متناقلة فيهم، إما

بعهد أو باختيار أهل العصر، إلى أن كان المستعصم آخرهم ببغداد. فلما استولى عليها هولاكو وقتله، افترق قرابته، ولحق بعضهم بمصر، وهو أحمد الحاكم من عقب الراشد، فنصبه الظاهر بيبرس بمصر، بممالأة أهل الحل والعقد من الجند والفقهاء. وانتقل الأمر في بيته إلى هذا الذي بمصر، لا يعلم خلاف ذلك. فقال لهذا الرافع: قد سمعت مقال القضاة، وأهل الفتيا، وظهر أنه ليس لك حق تطلبه عندي. فانصرف راشدا.

** (الرجوع عن هذا الأمير تمر الى مصر) **

كنت لما لقيته، وتدليت إليه من السور كما مر أشار علي بعض الصحاب ممن يخبر أحوالهم بما تقدمت له من المعرفة بهم، فأشار بأن أطرفه ببعض هدية، وإن كانت نزرة فهي عندهم متأكدة في لقاء ملوكهم، فانتقيت من سوق الكتب مصحفا رائعا حسنا في جزء محذو، وسجادة أنيقة، ونسخة من قصيدة البردة المشهورة للأبوصيري [1] في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة. وجئت بذلك فدخلت عليه، وهو بالقصر الأبلق جالس في إيوانه، فلما رآني مقبلا مثل قائما وأشار إلي عن يمينه، فجلست وأكابر من الجقطية حفافية، فجلست قليلا، ثم استدرت بين يديه، وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها، وهي بيد خدامي، فوضعتها، واستقبلني، ففتحت المصحف فلما رآه وعرفه، قام مبادرا فوضعه على رأسه. ثم ناولته البردة، فسألني عنها وعن ناظمها فأخبرته بما وقفت عليه من أمرها. ثم ناولته السجادة، فتناولها وقبلها. ثم وضعت علب الحلوى بين يديه، وتناولت منها حرفا على العادة في التأنيس بذلك. ثم قسم هو ما فيها من الحلوى بين الحاضرين في مجلسه، وتقبل ذلك كله، وأشعر بالرضى به. ثم حومت على الكلام بما عندي في شأن نفسي، وشأن أصحاب لي هنالك. فقلت أيدك الله! لي كلام أذكره بين يديك، فقال: قل. فقلت أنا غريب بهذه البلاد غربتين، واحدة من

المغرب الذي هو وطني ومنشأي وأخرى من مصر وأهل جيلي بها، وقد حصلت في ظلك، وأنا أرجو رأيك لي فيما يؤنسني في غربتي، فقال: قل الذي تريد أفعله لك، فقلت: حال الغربة أنستني ما أريد، وعساك- أيدك الله- أن تعرف لي ما أريد. فقال: انتقل من المدينة إلى الأردو [1] عندي، وأنا إن شاء الله أو في كنه قصدك. فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك، فأشار إليه بإمضاء ذلك، فشكرت ودعوت وقلت: وبقيت لي أخرى. فقال: وما هي؟ فقلت هؤلاء المخلفون عن سلطان مصر. من القراء، والموقعين، والدواوين [2] ، والعمال، صاروا إلى إيالتك والملك لا يغفل مثل هؤلاء فسلطانكم كبير، وعمالاتكم متسعة، وحاجة ملككم إلى المتصرفين في صنوف الخدم أشد من حاجة غيركم، فقال وما تريد لهم؟ قلت:

مكتوب أمان يستنيمون إليه، ويعولون في أحوالهم عليه. فقال لكاتبه: اكتب لهم بذلك [3] ، فشكرت ودعوت. وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب الأمان، وختمه شاه ملك بخاتم السلطان، وانصرفت إلى منزلي. ولما قرب سفره واعتزم على الرحيل عن الشام، دخلت عليه ذات يوم، فلما قضينا المعتاد، التفت إلي وقال: عندك بغلة هنا؟ قلت نعم، قال حسنة؟ قلت نعم، قال وتبيعها؟ فأنا أشتريها منك، فقلت أيدك الله! مثلي لا يبيع من مثلك، إنما أنا أخدمك بها، وبأمثالها لو كانت لي، فقال: أنا أردت أن أكافئك عنها بالإحسان، فقلت: وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به، اصطنعتني، وأحللتني من مجلسك محل خواصك، وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو الله أيقابلك بمثله، وسكت وسكت وحملت البغلة- وأنا معه في المجلس- إليه، ولم أرها بعد.

ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي: أتسافر إلى مصر؟ فقلت أيدك الله، رغبتي إنما هي أنت، وأنت قد آويت وكفلت، فإن كان السفر إلى مصر في خدمتك فنعم، وإلا فلا بغية لي فيه، فقال لا، بل تسافر إلى عيالك وأهلك، فالتفت إلى ابنه، وكان مسافرا إلى شقحب لمرباع دوابه، واشتغل يحادثه، فقال لي الفقيه عبد الجبار الذي كان يترجم بيننا: إن السلطان يوصي ابنه بك، فدعوت له، ثم رأيت أن

السفر مع ابنه غير مستبين الوجهة، والسفر إلى صفد أقرب السواحل إلينا أملك لأمري، فقلت له ذلك، فأجاب إليه، وأوصي بي قاصدا كان عنده من حاجب صفد ابن الداويداري [1] ، فودعته وانصرفت، واختلفت الطريق مع ذلك القاصد، فذهب عني، وذهبت عنه، وسافرت في جمع أصحابي، فاعترضتنا جماعة من العشير قطعوا علينا الطريق، ونهبوا ما معنا، ونجونا إلى قرية هنالك عرايا.

واتصلنا بعد يومين أو ثلاث بالصبيبة فخلفنا بعض الملبوس، وأجزنا إلى صفد، فأقمنا بها أياما. ثم مر بنا مركب من مراكب ابن عثمان سلطان بلاد الروم، وصل فيه رسول كان سفر إليه عن سلطان مصر، ورجع بجوار رسالته، فركبت معهم البحر إلى غزة، ونزلت بها، وسافرت منها إلى مصر، فوصلتها في شعبان من هذه السنة، وهي سنة ثلاث وثمانمائة، وكان السلطان صاحب مصر، قد بعث من بابه سفيرا إلى الأمير تمر إجابة إلى الصلح الذي طلب منه، فأعقبني إليه. فلما قضى رسالته رجع، وكان وصوله بعد وصولي، فبعث إلي مع بعض أصحابه يقول لي: إن الأمير تمر قد بعث معي إليك ثمن البغلة التي ابتاع منك، وهي هذه فخذها، فإنه عزم علينا من خلاص ذمته من مالك هذا. فقلت لا أقبله إلا بعد إذن من السلطان الذي بعثك إليه، وأما دون ذلك فلا. ومضيت إلى صاحب الدولة فأخبرته الخبر فقال وما عليك؟ فقلت: إن ذلك لا يجمل بي أن أفعله دون إطلاعكم عليه، فأغضى عن ذلك، وبعثوا إلي بذلك المبلغ بعد مدة، واعتذر الحامل عن نقصه بأنه أعطيه كذلك، وحمدت الله على الخلاص.

وكتبت حينئذ كتابا إلى صاحب المغرب، عرفته بما دار بيني وبين السلطان الططر تمر، وكيف كانت واقعته معنا بالشام، وضمنت ذلك في فصل من الكتاب نصه:

«وإن تفضلتم بالسؤال عن حال المملوك، فهي بخير والحمد لله، وكنت في العام الفارط توجهت صحبة الركاب السلطاني إلى الشام عند ما زحف الططر إليه من بلاد الروم والعراق، مع ملكهم تمر، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك،

وخربها جميعا، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه. ونهض السلطان في عساكره لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق، وأقام في مقابلته نحوا من شهر، ثم قفل راجعا إلى مصر، وتخلف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت في المخلفين. وسمعت أن سلطانهم تمر سأل عني، فلم يسع إلا لقاؤه فخرجت إليه من دمشق، وحضرت مجلسه، وقابلني بخير، واقتضيت منه الأمان لأهل دمشق، وأقمت عنده خمسا وثلاثين يوما، أباكره وأراوجه. ثم صرفني، وودعني على أحسن حال، ورجعت إلى مصر. وكان طلب مني بغلة كنت أركبها فأعطيته إياها، وسألني البيع فتأففت منه، لما كان يعامل به من الجميل، فبعد انصرافي إلى مصر بعث إلي بثمنها مع رسول كان من جهة السلطان هنالك، وحمدت الله تعالى على الخلاص من ورطات الدنيا.

وهؤلاء الططر هم الذين خرجوا من المفازة وراء النهر، بينه وبين الصين، أعوام [1] عشرين وستمائة مع ملكهم الشهير جنكزخان وملك المشرق كله من أيدي السلجوقية ومواليهم إلى عراق العرب، وقسم الملك بين ثلاثة من بنيه وهم جفطاي، وطولي، ودوشي خان:

فجفطاي كبيرهم، وكان في قسمته تركستان وكاشغر، والصاغون، والشاش وفرغانة، وسائر ما وراء النهر من البلاد.

وطولي كان في قسمته أعمال خراسان، وعراق العرب وبلاد فارس وسجستان والسند. وكان أبناؤه: قبلاي، وهولاكو.

ودوشي خان كان في قسمته بلاد قبجق، ومنها صراي، وبلاد الترك إلى خوارزم.

وكان لهم أخ رابع يسمى أوكداي كبيرهم، ويسمونه الخان، ومعناه صاحب التخت، وهو بمثابة الخليفة في ملك الإسلام. وانقرض عقبه، وانتقلت الخانية إلى قبلاي، ثم إلى بني دوشي خان، أصحاب صراي. واستمر ملك الططر في هذه الدول الثلاث، وملك هولاكو بغداد، وعراق العرب، إلى ديار بكر ونهر الفرات.

ثم زحف إلى الشام وملكها، ورجع عنها، وزحف إليها بنوه مرارا، وملوك مصر من الترك يدافعونهم عنها، إلى أن انقرض ملك بني هولاكو أعوام أربعين وسبعمائة،

وملك بعدهم الشيخ حسن النوين وبنوه. وافترق ملكهم في طوائف من أهل دولتهم، وارتفعت نقمتهم عن ملوك الشام ومصر. ثم في أعوام السبعين أو الثمانين وسبعمائة، ظهر في بني جفطاي وراء النهر أمير اسمه تيمور، وشهرته عند الناس تمر، وهو كافل لصبي متصل النسب معه إلى جفطاي في آباء كلهم ملوك، وهذا تمر بن طرغاي هو ابن عمهم، كفل صاحب التخت منهم اسمه محمود، وتزوج أم صرغتمش، ومد يده إلى ممالك التتر كلها، فاستولى عليها إلى ديار بكر، ثم جال في بلاد الروم والهند، وعاثت عساكره في نواحيها، وخرب حصونها ومدنها، في أخبار يطول شرحها. ثم زحف بعد ذلك إلى الشام، ففعل به ما فعل، والله غالب على أمره. ثم رجع آخرا إلى بلاده، والأخبار تتصل بأنه قصد سمرقند، وهي كرسيه.

والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء، إن قدرت ألف ألف فغير كثير، ولا تقول أنقص، وإن خيموا في الأرض ملئوا الساح، وإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء، وهم في الغارة والنهب والفتك بأهل العمران، وابتلائهم بأنواع العذاب، على ما يحصلونه من فئاتهم آية عجب، وعلى عادة بوادي الأعراب.

وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس ينسبونه إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت، وآخرون إلى انتحال السحر، وليس من ذلك كله في شيء، إنما هو شديد الفطنة والذكاء، كثير البحث واللجاج بما يعلم وبما لا يعلم، عمره بين الستين والسبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما أخبرني، فيجرها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة، وهو مصنوع له، والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده.

** (ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر) **

كنت- لما أقمت عند السلطان نمر تلك الأيام التي أقمت- طال مغيبي عن

مصر، وشيعت الأخبار عني بالهلاك، فقدم للوظيفة من يقوم بها من فضلاء المالكية، وهو جمال الدين الأقفهسي [1] ، غزير الحفظ والذكاء، عفيف النفس عن التصدي لحاجات الناس، ورع في دينه، فقلدوه منتصف جمادى الآخرة من السنة.

فلما رجعت إلى مصر، عدلوا عن ذلك الرأي، وبدا لهم في أمري، فولوني في أواخر شعبان من السنة. واستمررت على الحال التي كنت عليها من القيام بالحق، والإعراض عن الأغراض، والإنصاف من المطالب، ووقع الإنكار علي ممن لا يدين للحق، ولا يعطي النصفة من نفسه، فسعوا عند السلطان في ولاية شخص من المالكية يعرف بجمال الدين البساطي [2] ، بذل في ذلك لسعاة داخلوه، قطعة من ماله، ووجوها من الأغراض في قضائه. قاتل الله جميعهم، فخلعوا عليه أواخر رجب، سنة أربع وثمانمائة. ثم راجع السلطان بصيرته، وانتقد رأيه، ورجع إلي الوظيفة خاتم سنة أربع وثمانمائة، فأجريت الحال على ما كان. وبقي الأمر كذلك سنة وبعض الأخرى. وأعادوا البساطي الى ما كان، وبما كان، وعلى ما كان، وخلعوا عليه سادس ربيع الأول سنة ست وثمانمائة [3] ، ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع وثمانمائة [4] ، ثم أدالوا به مني أواخر ذي القعدة [5] من السنة وبيد الله تصاريف الأمور.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com