John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ١٥

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 66 of 67

والسلطان ملك النصارى بطرة قد عاد إلى ملكه بإشبيلية، وأخوه مجلب عليه بقشتالة وقرطبة مخالفة عليه، قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على أنفسهم، داعين لأخيه، والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح. وخرق الله لهم عوائد في باب الظهور والخير، لم تكن تخطر في الآمال. وقد تلقب السلطان أيده الله بعقب هذه المكنفات بالغني بالله وصدرت عنه مخاطبات بمجمل الفتوح ومفصلها يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن.

وأما ما يرجع إلى ما يتشوف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت، فصدرت تقاييده، وتفاصيل [1] يقال فيها بعد ما اعتملت تلك السيادة بالانصراف يا إبراهيم ولا إبراهيم اليوم.

منها أن كتابا رفع إلى السلطان في المحبة [2] من تصنيف ابن أبي حجلة من المشارقة فعارضته، وجعلت الموضوع أشرف، وهو محبة الله [3] ، فجاء كتابا ادعى الأصحاب غرابته. وقد وجه إلى الشرق وصحبته كتاب «تاريخ غرناطة» وغيره من تأليفي. وتعرف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من مصر، وانتال الناس عليه، وهو في لطافة الإعراض، متكلف أغراض المشارقة من ملحه:

سلمت لمصر في الهوى من بلد ... يهديه هواؤها لدى استنشاقه

من ينكر دعوتي فقل عني له ... تكفي امرأة العزيز من عشاقه

والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه. وصدر عني جزء سميته «الغيرة على أهل الحيرة» وجزء سميته «حمد الجمهور على السنن المشهور» . والإكباب على اختصار كتاب «التاج [4] » للجوهري ورد حجمه إلى مقدار الخمس، مع حفظ ترتيبه

السهل، والله المعين على مشغلة نقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من التتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيادة والبنوة، إذ لا يتعذر وجود قافل من حج، أو لاحق بتلمسان يبعثها السيد الشريف منها، فالنفس شديدة التعطش، والقلوب قد بلغت من الشوق والاستطلاع الحناجر. والله أسأل أن يصون في البعد وديعتي منك لديه، ويلبسك العافية، ويخلصك وإياي من الورطة، ويحملنا أجمعين على الجادة. ويختم لنا بالسعادة. والسلام الكريم عودا على بدء، ورحمة الله وبركاته من المحب المشوق الذاكر الداعي ابن الخطيب، في الثاني من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة انتهى.

(فأجبته) عن هذه المخاطبات، وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته فلم يكن شأوه يلحق. ونص الجواب: سيدي مجدا وعلوا، وواحدي ذخرا مرجوا ومحل والدي برا وحنوا. ما زال الشوق مذ نأت بي وبك الدار، واستحكم بيننا البعاد، يرعي سمعي أنباءك، ويخيل إلي من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع، وعهد غير مضاع وود ذي أجناس وأنواع، فنشر بقلبي ميت السلو وحشر أنواع المسرات، وقدح للقائك زناد الأمل، والله أسأل الامتناع [1] بك قبل الفوت على ما يرضيك، ويسني أماني وأمانيك. وحييته تحية الهائم، لمواقع الغمائم، والمدلج للصباح المتبلج، وأملى على معترج الأولياء [2] خصوصا فيك، من اطمئنان الحال، وحسن القرار، وذهاب الهواجس، وسكون النفرة، وعموما في الدولة من رسوخ القدم، وهبوب ريح النصر، والظهور على عدو الله باسترجاع الحصون التي استنقذوها في اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانية، غريبة لا تثبت إلا في الحلم وآية من آيات الله. وإن خبيئة هذا الفتح في طيئ العصور السالفة إلى هذه المدة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حيث أظهر على يدها خوارق العادة، وما تجد آخر الأيام من معجزات

الملة، وكمل فيها والحمد لله بحسن التدبير ويمن التعبية [1] ، من حميد الأثر، وخالد الذكر، طراز في حلة الخلافة النصرية، وتاج في مفرق الوزارة. كتبه الله لك فيما يرضاه الله من عباده.

ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا العصر المحروس، وأذعته في الملأ سرورا لعز الإسلام وإظهارا للنعمة، واستطرادا لذكر الدولة المولوية بما تستحقه من طيب الثناء والتماس الدعاء، والتحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على الدول السالفة والخالفة وتقدمها، فانشرحت الصدور حباء، وامتلأت القلوب إجلالا وتعظيما، وحسنت الآثار اعتقادا ودعاء.

وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنوانا، ولما عساه يستعجم من نعتي في مناقبها ترجمانا، زاده الله من فضله، وأمتع المسلمين سكون الغريب من الشوق المزعج [2] ، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفا لتجافي عرمها عن الأمن [3] والتقويض عن دار العزيز المولى المنعم، والسيد الكريم، والبلد الطيب، والإخوان البررة، «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» وإن تشوفت السيادة الكريمة إلى الحال، فعلى ما علمتم سيرا مع الأمل، ومغالبة للأيام على الحظ، وإقطاعا للغفلة جانب العمر.

هل نافعي والجد في صبب ... مدى مع الآمال في صعد

رجع الله بنا إليه، ولعل في عظتكم النافعة شفاء من هذا الداء، العياء إن شاء الله، وأن لطف الله مصاحب من هذه الرئاسة المزنية، وحسبك بها عليه عصمة وافية [4] ، صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدها منهم كما علمتم، حين تفاقم الخطب، وتلون الدهر، والإفلات من مظان النكبة، وقد رنقت [5] حولها بعد ما جرته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمه، قريعة في الملك وقسيمه في النسب، والتياث الجاه، وتغير السلطان، واعتقال الأخ المخلف،

واليأس منه لولا تكييف الله في نجائه، والعيث بعده في المنزل والولد، واغتصاب الضياع المقتناة من بقايا ما متعت به الدولة النصرية أبقاها الله من النعمة، فآوى إلى الوكر، وساهم في الحادث وأشرك في الجاه والمال، وأعان على نوائب الدهر وطلب الوثر [1] حين رأى الدهر قلاني وأمل الملوك استخلاصي، وتجاوزوا في إتحافي والله المخلص من عقال الآمال، والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورطة.

وأنبأني سيدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة في هذه الفتوحات الجليلة، وبودي لو وقع الإتحاف بها أو بعضها، فلقد عاودني الندم على ما فرطت.

وأما أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم من استقرار السلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى بتونس مستبدا بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره، رحمة الله عليه مضايقا في حياته الوطن واحكامه بالعرب، المستظهرين بدعوته، مصانعا لهم بوفرة على أمان الرعايا والسابلة. لو أمكن حسن السياسة جهد الوقت، ومن انتظام بجاية محل دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة خلافا كما علمتم، محملا الدولة بصرامته وقوة شكيمته فوق طوقها، من الاستبداد والضرب على أيدي المستقلين من الأعراب، منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك إلا ما شمل البلاد من تغلب العرب ونقص الأرض من الأطراف والوسط، وخمود ذبال [2] الدول في كل جهة وكل بداية إلى تمام.

وأما أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه [3] . وأما المشرق فأخبار الحاج هذه السنة من اختلاله، وانتقاض سلطانه، وانتزاء الجفاة على كرسيه، وفساد المصانع والسقايات المعدة لوفد الله وحاج بيته، ما يسخن العين ويطيل البث، حتى زعموا أن الهيعة اتصلت بالقاهرة أياما. وكثر الهرج في أزقتها وأسواقها لما وقع بين سندمر [4] المتغلب بعد يلبغا الخاصكي، وبين سلطانه ظاهر القلعة، من الجولة التي كانت دائرتها عليه، أجلت عن زهاء الخمسمائة قتلى، من حاشيته، وموالي يلبغا،

وتقبض على الباقين، فأودع منهم السجون، وصلب الكثير، وقتل سندمر في محبسه، وألقى زمام الدولة بيد كبير من موالي السلطان فقام بها مستبدا وقادها مستقلا، وبيد الله تصاريف الأمور ومظاهر الغيوب جل وعلا.

ورغبتي من سيدي أبقاه الله أن لا يغب خطابه عني متى أمكن، أن يصل منته الجمة، وأن يقبل عني أقدام تلك الذات المولوية، ويعرفه بما عندي من التشيع لسلطانه، والشكر لنعمته، وأن ينهي عني لحاشيته وأهل اختصاصه التحية المختلسة من أنفاس الرياض، كبيرهم وصغيرهم.

وقد تأدى مني إلى حضرته الكريمة خطاب على يد الحاج نافع سلمه الله تناوله من الأخ يحيى عند لقائه إياه بتلمسان بحضرة السلطان أبي حمو أيده الله، فربما يصل وسيدي يوضح من ثنائي ودعاني ما عجز عنه الكتاب، والله يبقيكم ذخرا للمسلمين وملاذا للآملين بفضله، والسلام الكريم عليكم، وعلى من لاذ بكم من السادة الأولاد المناجيب، والأهل والحاشية والأصحاب، من المحب فيكم المعتد بكم شيعة فضلكم ابن خلدون ورحمة الله وبركاته.

عنوانه سيدي وعمادي ورب الصائع والأيادي والفضائل الكريمة الخواتم والمبادي إمام الأمة، علم الأئمة، تاج الملة فخر العلماء عماد الإسلام، مصطفى الملوك الكرام، كافل الإمامة، تاج الدول أثير الله، ولي أمير المؤمنين، الغني بالله أيده الله، الوزير أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله، وتولى عن المسلمين جزاه.

(وكتب) إلي من غرناطة: يا سيدي وولي وأخي ومحل ولدي، كان الله لكم حيث كنتم ولا أعدمكم لطفه وعنايته، لو كان مستقركم بحيث يتأتى إليه ترديد رسول، وإنفاذ مقتطع [1] أو توجيه نائب، لرجعت على نفسي بالأئمة في إغفال حقكم، ولكن العذر ما علمتم، واحمدوا الله على الاستقرار في كنف ذلك الفاضل الذي وسعكم كنفه، وشملكم فضله، شكرا لله حسبه الذي لم يخلف وشهرته التي لم تكدر.

وإني اغتنمت سفر هذا الشيخ وافد الحرمين بمجموع الفتوح [2] في إيصال كتابي

هذا، وبودي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رأسها وصدرها، فيكون لكم في ذلك بعض أنس، وربما تأدى ذلك في بعضه مما لم يختم عليه وظواهر الأمور نحيل عليه في تعريفكم بها، وأما البواطن فمما لا تتأتى كثرة وجمامة، وأخص ما أظن تشوفكم إليه حالي، فاعلموا أني قد بلغ بي الماء الزبى [1] واستولى علي سوء المزاج المنحرف، وتوالت الأمراض، وأعوز الشفاء [2] لبقاء السبب، والعجز عن دفعه، وهي هذه المداخلة جعل الله عاقبتها إلى خير، ولم أترك وجها من وجوه الحيلة إلا بذلته، فما أغنى عني شيئا، ولولا أني بعدكم شغلت الفكر بهذا التأليف مع الزهد، وبعد العهد، وعدم الإلماع بمطالعة الكتب، لم تتمش من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد، وأخر ما صدر عني كناش [3] سميته باستنزال اللطف الموجود في أسر الوجود. أمليته في هذه الأيام التي أقيم فيها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد بودي لو وقفتم عليه، وعلى كتابي في المحبة، وعسى الله أن ييسر ذلك.

ومع هذا كله والله ما قصرت في الحرص على إيصال مكتوب إليكم إما من جهة أخيكم أو من جهة السيد الشريف أبي عبد الله، حتى من المغرب إذا سمعت الركب متوجها منه، فلا أدري هل بلغكم شيء من ذلك أم لا، والأحوال كلها على ما تركتموها عليه، وأحبابكم بخير على ما علمتم من الشوق والتشوف. والارتماض على مفارقتكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والله يحفظكم، ويتولى أموركم، والسلام عليكم ورحمة الله. من المحب الواحش ابن الخطيب في ربيع الثاني من عام إحدى وسبعين وسبعمائة.

وبباطنه مدرجة نصها:

سيدي رضي الله عنكم استقر بتلمسان في سبيل تقلب ومسارعة مزاج تعرفونه.

صاحبنا المقدم في الطب أبو عبد الله الشقوري. فإذا اتصل بكم فأعينوه على ما يقف عليه اختياره، وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم.

عنوانه سيدي ومحل أخي الفقيه الجليل الصدر الكبير المعظم الرئيس الحاجب العالم

الفاضل الوزير ابن خلدون. وصل الله سعده وحرس مجده بمنه.

وإنما طولت بذكر هذه المخاطبات، وإن كانت فيما يظهر خارجة عن غرض الكتاب لأن فيها كثيرا من أخباري وشرح حالي فيستوفي ذلك منها ما يتشوف إليه من المطالعين للكتاب.

ثم إن السلطان أبا حمو لم يزل معتملا في الإجلاب على بجاية واستئلاف قبائل رياح لذلك، ومعولا علي مشايعتي فيه، ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص، لما كان بينه وبين أخيه صاحب بجاية وقسنطينة من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك، فكان يوفد رسله عليه في كل وقت، ويمرون بي وأنا ببسكرة فأكد الوصلة بمخاطبة كل منهما، وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبي حمو بعد إجفاله عن بجاية واختلال معسكره قد سار في أثره إلى تلمسان، وأجلب على نواحيها فلم يظفر بشيء، وعاد إلى حصين فأقام بينهم، واشتملوا عليه، ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط. ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم، فخرج في عساكره منتصف تسع وستين وسبعمائة إلى حصين وأبي زيان، واعتصموا بجبل تيطري، وبعث إلي في استنفار الزواودة للأخذ بحجزتهم من جهة الصحراء، وكتب يستدعي أشياخهم يعقوب بن علي كبير أولاد محمد، وعثمان بن يوسف كبير أولاد سباع بن يحيى. وكتب إلى ابن مزنى قعيدة وطنهم بامدادهم في ذلك، فأمدهم، وسرنا مغربين إليه حتى نزلنا القطفا بتل تيطري، وقد أحاط السلطان به من جهة التل، على أنه إذا افرغ من شأنهم سار معنا إلى بجاية، وبلغ الخبر إلى صاحب بجاية أبي العباس فعسكر بمن استألف من بقايا قبائل رياح، وعسكر بطرف ثنية القطفا المفضية إلى المسيلة. وبينما نحن على ذلك اجتمع المخالفون من زغبة، وهم خالد بن عامر كبير بني عامر، وأولاد عريف كبراء سويد، ونهضوا إلينا بمكاننا من القطفا، فأجفلت أحياء الزواودة، وتأخرنا إلى المسيلة. ثم إلى الزاب، وسارت زغبة إلى تيطري واجتمعوا مع أبي زيان وحصين وهجموا على معسكر أبي حمو ففلوه ورجع منهزما إلى تلمسان.

ولم يزل من بعد ذلك على استئلاف زغبة ورياح يؤمل الظفر بوطنه وابن عمه، والكرة على بجاية عاما فعاما، وأنا على حالي في مشايعته، وإيلاف ما بينه وبين الزواودة، والسلطان أبي إسحاق صاحب تونس وابنه خالد من بعده. ثم دخلت

زغبة في طاعته واجتمعوا على خدمته ونهض من تلمسان لشفاء نفسه من حصين وبجاية، وذلك في أخريات إحدى وسبعين وسبعمائة فوفدت عليه بطائفة من الزواودة أولاد عثمان بن يوسف بن سليمان لنشارف أحواله، ونطالعه بما يرسم له في خدمته، فلقيناه بالبطحاء، وضرب لنا موعدا بالجزائر، انصرف به العرب إلى أهليهم، وتخلفت بعدهم لقضاء بعض الأغراض واللحاق بهم، وصليت به عيد الفطر على البطحاء، وخطبت به وأنشدته عند انصرافه من المصلى تهنئة بالعيد وغرضه [1] :

هذي الديار فحيهن صباحا ... وقف المطايا بينهن طلاحا

لا تسأل الأطلال إن لم تروها ... عبرات عينك واكفا ممتاحا

فلقد أخذن على جفونك موثقا ... أن لا يرين مع البعاد شحاحا

إيه على الحي الجميع وربما ... طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا

ومنازل للظاعنين استعجمت ... حزنا وكانت بالسرور فصاحا

وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها إلا هذا.

وبينما نحن في ذلك إذ بلغ الخبر بأن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى من بني مرين قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش، وكان أخذ بمخنقه منذ حول، وساقه إلى فاس، فقتله بالعذاب، وأنه عازم على النهوض إلى تلمسان لما سلف من السلطان أبي حمو أثناء حصار السلطان عبد العزيز لعامر في جبله، من الإجلاب على ثغور المغرب، ولحين وصول هذا الخبر، أضرب السلطان أبو حمو على ذلك الذي كان فيه، وكر راجعا إلى تلمسان. وأخذ في أسباب الخروج إلى الصحراء مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة، فاستألف وجمع وسدد الرجال وقضى عيد الأضحى، وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس لتعذر الوجهة إلى بلاد رياح، وقد أظلم الجو بالفتنة، وانقطعت السبل، فأذن لي وحملني رسالة إلى السلطان ابن الأحمر. وانصرفت إلى المرسي بهنين، وجاءه الخبر بنزول صاحب المغرب تازا في عساكره، فأجفل بعدي من تلمسان ذاهبا إلى الصحراء على طريق البطحاء. وتعذر علي ركوب البحر من هنين فأقصرت، وتأدى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأني مقيم بهنين، وأن معي وديعة احتملتها إلى صاحب

الأندلس، تخيل ذلك بعض الغواة، وكتب به إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة، واستمر هو إلى تلمسان، ووافتني السرية بهنين وكشفوا الخبر، فلم يقفوا على صحته، وحملوني إلى السلطان فلقيته قريبا من تلمسان، واستكشفني عن ذلك الخبر فأعلمته بنفيه، وعنفني على مفارقة دارهم، فاعتذرت له لما كان من عمر بن عبد الله المستبد عليهم، وشهد لي كبير مجلسه، وولي أبيه وابن وليه ونزمار بن عريف، ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة، واحتفت الألطاف، وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية، وأفهمني أنه يروم تملكها، فهونت عليه السبيل في ذلك فسر به، وأقمت تلك الليلة في الاعتقال. ثم أطلقني من الغد فعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبي مدين ونزلت بجواره مؤثرا للتخلي والانقطاع للعلم، لو تركت له.

** (مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب على بني عبد الواد) **

ولما دخل السلطان عبد العزيز إلى تلمسان واستولى عليها، وبلغ خبره إلى أبي حمو وهو بالبطحاء، فأجفل من هنالك، وخرج في قومه وشيعته من بني عامر ذاهبا، إلى بلاد رياح، فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه. وجمع عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليه ونزمار وتدبيره. ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطئ [1] أمره، وأحملهم على مناصرته وشفاء نفسه من عدوه بما كان السلطان أيس [2] من استتباع رياح وتصريفهم فيما يريده من مذاهب الطاعة. فاستدعاني من خلوتي بالعبادة عند رباط الولي أبي مدين. وأنا قد أخذت في تدريس العلم واعتزمت على الانقطاع، فآنسني وقربني، ودعاني لما ذهب إليه من ذلك، فلم يسعني إلا إجابته، وخلع علي وحملني، وكتب إلى شيوخ الزواودة بامتثال أمري وما ألقيه إليهم من أوامره، وكتب إلى يعقوب بن علي وابن

مزنى بمساعدتي على ذلك. وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمو من بين أحياء بني عامر، ويحولوه إلى حي يعقوب بن علي، فودعته وانصرفت في عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء، ولقيته ودفعت إليه كتاب السلطان، وتقدمت أمامه وشيعني ونزمار يومئذ وأوصاني بأخيه محمد، وقد كان أبو حمو قبض عليه عند ما أحسن منهم بالخلاف، وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب. وأخرجه معه من تلمسان مقيدا واحتمله في معسكره، فأكد على ونزمار في المحاولة على استخلاصه بما أمكن، وبعث معي ابن أخيه عيسى في جماعة من سويد يبدروني [1] وتقدم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيان من بينهم، فسرنا جميعا وانتهينا إلى أحياء حصين وأخبرهم فرج بن عيسى بوصية عمه ونزمار إليهم فنبذوا إلى أبي زيان عهده، وبعثوا معه من أوصله إلى بلاد رياح. ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سباع، وتوغلوا به في القفر، واستمريت ذاهبا إلى بلاد رياح، فلما انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان أبا حمو وأحياء رياح معسكرين قريبا منها في وطن أولاد سباع بن يحيى من الزواودة، وقد تسايلوا [2] إليه، وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه، فلما سمعوا بمكاني من المسيلة، جاءوا إلي فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز، وأوفدت أعيانهم وأشياخهم على الوزير أبي بكر بن غازي، فلقوه ببلاد الديالم عند نهر واصل، فأتوه طاعتهم، ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوه. ونهض معهم وتقدمت أنا من المسيلة إلى بسكرة، فلقيت بها يعقوب بن علي، واتفق هو وابن مزنى على طاعة السلطان، وبعث ابنه محمدا للقاء أبي حمو، وأمر بني عامر خالد بن عامر يدعوهم إلى نزول وطنه، والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز، فوجده متدليا من المسيلة إلى الصحراء. ولقيه على الدوسن وبات ليلتهم يعرض عليهم التحول من وطن أولاد بني سباع إلى وطنهم بشرقي الزاب. وأصبح يومه كذلك، فما راعهم آخر النهار إلا انتشار العجاج خارجا إليهم من أفواه الثنية، فركبوا يستشرفون، وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنية، وعساكر بني مرين والمعقل وزغبة منثالة أمام الوزير أبي بكر بن غازي قد دل بهم الطريق

وفد أولاد سباع الذين بعثهم من المسيلة، فلما أشرفوا على المخيم أغاروا عليه مع غروب الشمس. فأجفل بنو عامر وانتهب مخيم السلطان أبي حمو ورحاله وأمواله.

ونجا بنفسه تحت الليل، وتمزق شمل ولده وحرمه حتى خلصوا إليه بعد أيام، واجتمعوا بقصور مصاف من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم، وانطلق محمد بن عريف في تلك الهيعة وأطلق الموكلون به وجاء إلى الوزير وأخيه ونزمار وتلقوه بما يجب له، وأقام الوزير أبو بكر بن غازي بالدوسن أياما أراح فيها. وبعث إليه ابن مزنى بطاعته وأرغد له من الزاد والعلوفة، وارتحل راجعا إلى المغرب، وتخلفت بعده أياما عند أهلي ببسكرة، ثم ارتحلت إلى السلطان في وفد عظيم من الزواودة، يقدمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي وجماعة من أعيانهم.

فسابقنا الوزير إلى تلمسان وقدمنا على السلطان فوسعنا من حبائه وتكرمته، ونزله ما بعد العهد بمثله. ثم جاء من بعدنا الوزير أبو بكر بن غازي على الصحراء بعد أن مر بقصور بني عامر هنالك، فخربها وكان يوم قدومه على السلطان يوما مشهودا، وأذن بعدها لوفود الزواودة في الانصراف إلى بلادهم. وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير ووليه ونزمار بن عريف، فودعوه وبالغ في الإحسان وانصرفوا إلى بلادهم. ثم أعمل نظره في إخراج أبي زيان من بين أحياء الزواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين، فآمرني في ذلك، وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم، فانطلقت لذلك. وكان أحياء حصين قد توجسوا الخيفة من السلطان، وتنكروا له، وانصرفوا إلى أهليهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير، وبادروا باستدعاء أبي زيان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي، وأنزلوه بينهم، واشتملوا عليه، وعادوا إلى الخلاف الذي كانوا عليه أيام أبي حمو واشتعل المغرب الأوسط نارا. ونجم [1] صبي من بيت الملك في مغراوة وهو حمزة بن علي بن راشد، فر من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها، فاستولى على شلف وبلاد قومه، وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته، وأعيا داؤه وانقطعت أنا ببسكرة، وحال ذلك ما بيني وبين السلطان إلا بالكتاب والرسالة. وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفر الوزير ابن الخطيب من الأندلس وقدومه على السلطان بتلمسان حين توجس الخيفة من

سلطانه، بما كان له من الاستبداد عليه، وكثرة السعاية من البطانة فيه، فأعمل الرحلة إلى الثغور الغربية لمطالعتها بإذن سلطانه، فلما حاذى جبل الفتح قبل الفرضة دخل إلى الجبل وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد بقبوله. وأجاز البحر من حينه إلى سبتة، وسار إلى السلطان بتلمسان، وقدم عليه بها في يوم مشهود، وتلقاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النعم بما لا يعهد بمثله. وكتب إلي من تلمسان يعرفني بخبره، ويلم ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس، ولم يحضرني الآن كتابه فكان جوابي عنه ما نصه:

الحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولا راد لما قضى الله.

يا سيدي ونعم الذخر الأبدي، والعروة الوثقى التي أعلقتها [1] يدي أسلم عليك سلام القدوم على المخدوم، والخضوع للملك المتبوع، لا بل أحييكم تحية المشوق للمعشوق، والمدلج للصباح المتبلج، وأقرر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي فيه من حبي لكم، ومعرفتي بمقداركم، وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم، والثناء عليكم، والإشادة في الآفاق بمناقبكم ديدنا [2] معروفا، وسجية راسخة يعلم الله وكفى بالله شهيدا 4: 79. وهذا كما في علمكم أسنى ما اختلف أولا ولا آخرا، ولا شاهدا ولا غائبا، وأنتم أعلم بما تعني نفسه وأكبر شهادة بما في خفايا ضميري، ولو كنت ذلك فقد سلف من حقوقكم، وجميل أخذكم، واجتلاب الحظ لو هيأه القدر، لمساعيكم وإيثاري بالمكان من سلطانكم ودولتكم، ما يستلين معاطف القلوب، ويستل سخائم الهواجس، فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة [3] أو إخفار وطن [4] ، ولو تعلق بقلب ساق حرزرزور [5] فحاش لله أن يقدح في الخلوص لكم، أو يرجح سوائبكم [6] ، إنما هي خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء. وو الله وجميع ما يقسم به، ما اطلع على مستكنه مني غير صديقي، وصديقكم الملابس، كان لي ولكم، الحكيم الفاضل أبي عبد الله الشقوري أعزه الله. نفثة مصدور، ومباثة خلوص، إذ

أنا أعلم الناس بمكانه منكم، وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان واضمحلال أمره من إجماع الأمر على الرحلة إليكم، والخفوق إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم تعرضت فيهم للتهم، ووقفت بمجال الظنون، حتى تورطت في الهلكة بما ارتفع عني مما لم آته، ولا طويت العقد عليه، لولا حلم مولانا الخليفة ولولا حسن رأيه في وثبات بصيرته، لكنت في الهالكين الأولين، كل ذلك شوقا إلى لقائكم، وتمثلا لأنسكم، فلا تظنوا بي الظنون، ولا تصدقوا التوهمات، فأنا من قد عملتم صداقة وسذاجة وخلوصا، واتفاق ظاهر وباطن، أثبت الناس عهدا وأحفظهم غيبا، وأعرفهم بوزان الإخوان، ومزايا الفضلاء، ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان، فأني كنت استشعر ممن استضافني ريبا بخطاب سواه، خصوصا جهتكم، لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد والمظاهرة، واتصال اليد مع أن الرسول تردد إلي وأعلمني اهتمامكم واهتمام السلطان تولاه الله باستكشاف ما أبهم [1] من حالي، فلم أترك شيئا مما أعلم تشوقكم إليه إلا وكشفت له قناعة، وآمنته على إبلاغه، ولم أزل بعد إيناس المولى الخليفة لدمائي وجذبه بضبعي، سابحا في تيار الشواغل كما علمتم القاطعة حتى عن الفكر.

وسقطت إلي محل مجد خدمتي من هذه القاصية، أخبار خلوصكم إلى المغرب قبل فصول راحلتي إلى الحضرة، غير خلية [2] ولا ملتئمة، ولم يتعين ملقي العصا، ولا مستقر النوى، فأرجأت الخطاب إلى استجلائها، وأفدت من كتابكم العزيز الجاري على سنن الفضل، ومذاهب المجد، غريب ما كيفه القدر من بديع [3] الحال لديكم، وعجيب تأتى أملكم الشارد فيه كما كنا نستبعده عند المفاوضة، فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه، وأجمل المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين، العائدة بحسن المآل في المخلف، من أهل وولد ومتاع وأثر بعد أن رضتم جموح الأيام وتوقلتم قلل العز [4] وقدتم الدنيا بحذافيرها وأخذتم بآفاق السماء على أهلها. وهنيئا فقد نالت نفسكم التواقة أبعد أمانيها، ثم

تاقت إلى ما عند الله، وأشهد لما ألهمتم للإعراض عن الدنيا، ونزع اليد من حطامها عند الأصحاب والأقيال، ونهى الآمال إلا جذبا وعناية من الله وحبا، وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه.

واتصل بي ما كان من تحفي السيادة المولوية بكم واهتزاز الدولة لقدومكم، ومثل هذه الخلافة، أيدها الله من يثابر على المفاخر، ويستأثر بالأخاير، وليت ذلك عند إقبالكم على الحظ، وأنسكم باجتلاء الآمال، حتى يحسن المتاع، ويتجمل السرير الملوكي بمكانكم، فالظن أن هذا الباعث الذي هزم الآمال ونبذ الحظوظ، وهون المفارق العزيز سومكم الله حتى يأخذ بيدكم إلى قضاء المجاهدة، ويستوي بكم على جدد [1] الرياضة، «والله يهدي للتي هي أقوم» . كأني بالأقدام نقلت والبصائر بإلهام الحق صقلت والمقامات خلفت، بعد أن استقبلت، والعرفان شيمة [2] أنواره وبوارقه، والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه. وأما حالي والظن بكم الاهتمام بها، والبحث عنها فغير خفية بالباب المولوي أعلاه الله، ومظهرها في طاعته، ومصدرها عن أمره، وتصاريفها في خدمته، والزعم أني قمت المقام المحمود في التشيع والانحياش، واستمالة الكافة إلى المناصحة، ومخالصة القلوب للولاية، وما يتشوقه مجدكم، ويتطلع إليه فضلكم، وأما اهتمامكم في خاصتها من النفس والولد، فجهينة خبره مؤدي كتابي إليكم، ناشئ تأديبي وثمرة ترتيبي، فسهلوا له الإذن، وألينوا له جانب النجوى حتى يؤدي ما عندكم وما عندي، وخذوه بأعقاب الأحاديث إن يقف عند مباديها، وائتمنوه على ما تحدثون، فليس بضنين [3] على السر.

وتشوقي بما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المقرب في المجد والفضل، المساهم في الشدائد، كبير المغرب، وظهير الدولة، أبو يحيى بن أبي مدين، كان

الله له في شأن الولد والمخلف تشوق الصديق لكم، الضنين على الأيام بقلامة الظفر من ذات يديكم، فأطلعوه [1] طلع ذلك، ولا يهمكم بالفراق الواقع حسن، فالسلطان كبير، والأثر جميل، والعدو الساعي قليل حقير، والنية صالحة، والعمل خالص، ومن كان لله كان الله له.

واستطلاع الرئاسة المرتبة [2] الكافلة كافأ الله يده البيضاء عني وعنكم إلى مثله من أحوالكم استطلاع من يسترجح وزانكم، ويشكر الزمان على ولائه بمثلكم [3] .

وقد قررت من علو [4] مناقبكم، وبعد شأوكم وغريب منحاكم، ما شهدت به آثاركم الشائعة الخالدة في الرئاسة، المتأدية على ألسنة الصادر والوارد من الكافة، من حمل الدولة، واستقامة السياسة، ووقفته على سلامكم، وهو يراجعكم بالتحية، ويساهمكم بالدعاء.

وسلامي على سيدي، وفلذة كبدي ومحل ولدي، الفقيه الزكي الصدر أبي الحسن نجلكم، أعزه الله وقد وقع مني موقع البشرى حلوله من الدولة بالمكان العزيز والرتبة النابهة، والله يلحفكم جميعا رداء العافية، والستر ويمهد لكم محل الغبطة والأمن، ويحفظ عليكم ما أسبغ من نعمته، ويجريكم على عوائد لطفه وعنايته، والسلام الكريم يخصكم من المحب الشاكر الداعي الشائق شيعة فضلكم، عبد الرحمن بن خلدون ورحمة الله وبركاته. في يوم الفطر عام اثنين وسبعين وسبعمائة.

وكان بعث إلي مع كتابه نسخة كتابه إلى سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس عند ما دخل جبل الفتح، وصار إلى إيالة بني مرين، فخاطبه من هنالك بهذا الكتاب، فرأيت أن أثبته هنا، وإن لم يكن من غرض التأليف لغرابته، ونهايته في الجودة، وأن مثله لا يهمل من مثل هذا الكتاب، مع ما فيه من زيادة الاطلاع على أخبار الدول في تفاصيل أحوالها ونص الكتاب.

بانوا فمن كان باكيا يبكي ... هذي ركاب السرى بلا شك

فمن ظهور الركاب معملة ... إلى بطون الربى إلى الفلك

تصدع الشمل مثل ما انحدرت ... إلى صبوب جواهر السلك

من النوى قبل لم أزل حذرا ... هذا النوى جل مالك الملك

مولاي كان الله لكم، وتولى أمركم. أسلم عليكم سلام الوداع، وأدعو الله في تيسير اللقاء والاجتماع، من بعد التفرق والانصداع، وأقرر لديكم أن الإنسان أسير الأقدار، مسلوب الاختيار، متقلب في حكم الخواطر والأفكار، وأن لا بد لكل أول من آخر، وأن التفرق لما لزم كل اثنين بموت أو حياة، ولم يكن منه بد، كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب، ما وقع على الوجوه الجميلة البريئة من الشرور.

ويعلم مولاي حال عبده منذ وصل إليكم من المغرب بولدكم، ومقامه لديكم بحال قلق، ولولا تعليلكم ووعدكم وارتقاب اللطائف في تقليب قلبكم، وقطع نواحل الأيام حريصا على استكمال سنكم. ونهوض ولدكم واضطلاعكم بأمركم، وتمكن هدنة وطنكم، وما تحمل في ذلك من ترك غرضه لغرضكم، وما استقر بيده من عهودكم، وأن العبد الآن تسبب لكم في الهدنة من بعد الظهور والعز، ونجح السعي وتأتي لسنين، كثيرة الصلح، ومن بعد أن لم يبق لكم بالأندلس مشغب من القرابة، وتحرك لمطالعة الثغور الغربية، وقرب من فرضة المجاز واتصال الأرض ببلاد المشرق، لطرقته الأفكار وزعزعت صبره رياح الخواطر، وتذكر أشراف العمر على التمام، وعواقب الاستغراق، وسيرة الفضلاء عند شمول البياض، فغلبته حال شديدة هزمت التعشق بالشمل الجميع، والوطن المليح، والجاه الكبير، والسلطان القليل النظير، وعمل بمقتضى قوله «موتوا قبل أن تموتوا [1] » فإن صحت الحال المرجوة من إمداد الله، تنقلت الأقدام إلى أمام، وقوى التعلق بعروة الله الوثقى، وإن وقع العجز، أو افتضح العزم، فالله يعاملنا بلطفه، وهذا المرتكب مرام صعب، لكن سهله علي أمور: منها أن الانصراف لما لم يكن منه بد، لم يتعين على غير هذه الصورة، إذ كان عندكم من باب المحال، ومنها أن مولاي لو سمح لي بغرض الانصراف لم تكن لي قدرة على موقف وداعه، لا والله! ولكان الموت أسبق إلي، وكفى بهذه الوسيلة الحسنة التي يعرفها وسيلة. ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به، وأظن أني لا أصدق، ومنها اغتنام المفارقة في زمن

الأمان والهدنة الطويلة والاستغناء إذا كان الانصراف المفروض ضروريا قبيحا في غير هذه الحال. ومنها وهو أقوى الأعذار أني مهما لم أطق تمام هذا الأمر أو ضاق ذرعي به، لعجز أو مرض أو خوف طريق، أو نفاد زاد أو شوق غالب، رجعت رجوع الأب الشفيق إلى الولد البر الرضي، إذ لم أخلف ورائي مانعا من الرجوع من قول قبيح ولا فعل، بل خلفت الوسائل المرعية، والآثار الخالدة، والسير الجميلة، وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي وكبار وطني وأهل طوري، وتركتكم على أتم ما أرضاه، مثنيا عليكم داعيا لكم، وإن فسح الله في الأمد، وقضي الحاجة، فأملى العودة إلى ولدي وتربتي، وإن قطع الأجل فأرجو أن أكون ممن وقع أجره على الله.

فإن كان تصرفي صوابا وجاريا على السداد، فلا يلام من أصاب، وإن كان عن حمق، وفساد عقل، فلا يلام من اختل عقله، وفسد مزاجه، بل يعذر ويشفق عليه، ويرحم، وإن لم يعط مولاي أمري حقه من العدل، وجليت الذنوب، ونشرت [1] بعدي العيوب، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك، ويستحضر الحساب [2] من التربية والتعليم وخدمة السلف، وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان، والإرشاد إلى الأعمال الصالحة، والمداخلة والملابسة، لم يتخلل ذلك قط خيانة في مال ولا سر، ولا غش في تدبير ولا تعلق به محار [3] ، ولا كدرة نقص، ولا حمل عليه خوف منكم، ولا طمع فيما بيدكم، وإن لم تكن هذه دواعي الرعي والوصلة والإبقاء، ففيم تكون بين بني آدم؟

وأنا قد رحلت فلا أوصيتكم بمال، فهو عندي أهون متروك، ولا بولد فهم رجالكم، وخدامكم، ومن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم، ولا بعيال، فهي من مزيات بيتكم، وخواص داركم، إنما أوصيكم بحظي العزيز، كان علي بوطنكم كم، وهو أنتم، فأنا أوصيكم بكم، فارعوني فيكم خاصة. أوصيكم بتقوى الله والعمل لغد، وقبض عنان اللهو في موطن الجد، والحياء من الله الذي محص وأقال، وأعاد النعمة بعد زوالها لينظر كيف تعملون، وأطلب منكم عوض ما وفرته

عليكم من زاد طريق ومكافاة وإعانة، زادا سهلا عليكم، وهو أن تقولوا لي: غفر الله لك ما ضيعت من حقي خطأ أو عمدا، وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت.

واعلموا أيضا على جهة النصيحة أن ابن الخطيب مشهور في كل قطر، وعند كل ملك، واعتقاده وبره والسؤال عنه وذكره بالجميل، والاذن في زيارته حنانة منكم [1] وسعه ذرع، ودها، فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت، ثم أقشعت وترك الأزاهر تفوح والمحاسن تلوح، ومثاله معكم مثل المرضعة، أرضعت السياسة، والتدبير الميمون، ثم رفدتكم في مهد الصلح والأمان، وغطتكم بقناع العافية، وانصرفت إلى الحمام تغسل اللبن والوضر، وتعود فإن وجدت الرضيع نائما فحسن، أو قد انتبه فلم تتركه إلا في حد الانفطام. ونختم هذه العزارة بالحلف الأكيد أني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا إلا وقد وفيت لكم، ولا فارقتكم إلا عن عجز، ومن ظن خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم، والله يرشدكم ويتولى أمركم. ويعول [2] خاطركم في ركوب البحر.

انتهت نسخة الكتاب وفي طيها هذه الأبيات:

صاب مزن الدموع من جفن صبك ... عند ما استروح الصبا من مهبك

كيف يسلو يا جنتي عنك وقد [3] ... كان قبل الوجود جن بحبك

ثم قل كيف كان قبل انتشاء الروح ... من أنسك الشهي وقربك

لم يدع بيتك المنيع حماه ... لسواه إلا بيت ربك

أول عذري الرضى فما جئت بدعا ... دمت والفضل والرضى من دأبك

وإذا ما ادعيت كربا لفقدي ... أين كربي ووحشتي من كربك

ولدي في ذراك وكري في دوحك ... لحدي وتربتي في تربك

يا زمانا أغرى الفراق بشملي ... ليتني أهبتي أخذت لحربك

أركبتني صروفك الصعب حتى ... جئت بالبين وهو أصعب صعبك

وكتب آخر النسخة يخاطبني.

هذا ما تيسر، والله ولي الخيرة لي ولكم من هذا الخباط [1] الذي لا نسبة بينه وبين أولى الكمال، ردنا الله إليه، وأخلص توكلنا عليه، وصرف الرغبة على ما لديه.

وفي طي النسخة مدرجة نصها.

رضي الله عن سيادتكم، أونسكم بما صدر مني أثناء هذا الواقع، مما استحضره الولد في الوقت، وهو يسلم عليكم بما يجب لكم، وقد حصل من حظوة هذا المقام الكريم على حظ وافر، وأجزل إحسانه ونوه بجرايته، وأثبت الفرسان خلفه، والحمد لله.

ثم اتصل مقامي ببسكرة والمغرب الأوسط، مضطرب بالفتنة المانعة من الاتصال بالسلطان عبد العزيز وحمزة بن راشد ببلاد مغراوة والوزير عمر بن مسعود في العساكر يحاصره بحصن تاجحمومت وأبو زيان العبد الوادي ببلاد حصين وهم مشتملون عليه وقائمون بدعوته.

ثم سخط السلطان وزيره عمر بن مسعود ونكر منه تقصيره في أمر حمزة وأصحابه، فاستدعاه إلى تلمسان وقبض عليه، وبعث به إلى فاس معتقلا، فحبس هنالك، وجهز العساكر مع الوزير ابن غازي، فنهض إليه، وحاصره ففر من الحصن ولحق بمليانة مجتازا عليها، فأنذر به عاملها فتقبض عليه، وسيق إلى الوزير في جماعة من أصحابه، فضربت أعناقهم، وصلبهم عظة ومزدجر الأهل الفتنة.

ثم أوعز السلطان بالمسير إلى حصين وأبي زيان، فسار في العساكر واستنفر أحياء العرب من زغبة فأوعبهم ونهض إلى حصين فامتنعوا بجبل تيطري، ونزل الوزير بعساكره ومن معه من أحياء زغبة على جبل تيطري من جهة التل، فأخذ بمخنقهم، وكاتب السلطان أشياخ الزواودة من رياح بالمسير إلى حصار تيطري من جهة القبلة.

وكاتب أحمد بن مزني صاحب بسكرة بإمدادهم بأعطياتهم، وكتب إلي يأمرني بالمسير بهم لذلك، فاجتمعوا علي، وسرت بهم أول سنة أربع وسبعين وسبعمائة حتى نزلنا بالقطفة [2] ، في جماعة منهم على الوزير بمكانه من حصار تيطري، فحد لهم حدود الخدمة، وشارطهم على الجزاء. ورجعت إلى أحيائهم بالقطفة، فاشتدوا في

حصار الجبل وألجئوهم بسوامهم وظهرهم إلى قنته، فهلك لهم الخف والحافر [1] ، وضاق ذرعهم بالحصار من كل جانب، وراسل بعضهم في الطاعة خفية فارتاب بعضهم من بعض وانفضوا ليلا من الجبل، وأبو زيان معهم ذاهبين إلى الصحراء، واستولى الوزير على الجبل بما فيه من مخلفهم، ولما بلغوا مأمنهم من القفر نبذوا إلى أبي زيان عهده، فلحق بجبال غمرة، ووفد أعيانهم على السلطان عبد العزيز بتلمسان، وفاءوا إلى طاعته فتقبل طاعتهم، وأعادهم إلى أوطانهم، وتقدم الوزير عن أمر السلطان بالمسير مع أولاد يحيى بن علي بن سباع للقبض على أبي زيان في جبل غمرة، وفاء بحق الطاعة لأن غمرة من رعاياهم، فمضينا لذلك، فلم نجده عندهم، وأخبرونا أنه ارتحل عنهم إلى بلد واركلا من مدن الصحراء، فنزل على صاحبها أبي بكر بن سليمان، فانصرفنا من هنالك، ومضى أولاد يحيى بن علي إلى أحيائهم، ورجعت أنا إلى أهلي ببسكرة، وخاطبت السلطان بما وقع في ذلك، وأقمت منتظرا أوامره حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته فرحلت إليه.

** (فضل الوزير ابن الخطيب [2] ) **

وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات الله في النظم والنثر، والمعارف والأدب، لا يساجل مداه [3] ، ولا يهتدى فيها بمثل هداه.

فمما كتب عن سلطانه إلى سلطان تونس جوابا عن كتاب وصل إليه مصحوبا بهدية من الخيل والرقيق، فراجعهم عنه بما نصه إلى آخره:

الخلافة التي ارتفع في عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلت مباني فخرها الشائع، وعزها الذائع، على ما أسسه الأسلاف ووجب لحقها الجازم، وفرضها اللازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها [4] المنيف، وولائها الشريف، كما امتزج الماء والسلاف، وثناؤنا

على مجدها الكريم، وفضلها العميم، كما تأرجت الرياض الأفواف [1] ، لما زارها الغمام الوكاف [2] ، ودعاؤنا بطول بقائها، واتصال علائها، يسمو به إلى قرع أبواب السموات العلا الاستشراف [3] ، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة، وفواضلها [4] العميمة، لا تحصره الحدود، ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التقصير عن نيل ذلك المرام الكبير الحق والإنصاف. خلافة وجهة تعظيمنا إذ توجهت الوجوه ومن نؤثره إذا أهمنا ما نرجوه، ونفديه ونبديه [5] إذا استمنح المحقوب واستدفع المكروه السلطان الكذا [6] بن أبي إسحاق بن السلطان الكذا، أبي يحيى بن أبي بكر بن السلطان الكذا، أبي زكريا بن السلطان الكذا، أبي إسحاق ابن الأمير الكذا، أبي زكريا ابن الشيخ الكذا، أبي محمد بن عبد الواحد بن أبي حفص، أبقاه الله ومقامه مقام إبراهيم رزقا وأمانا. لا يخص جلب الثمرات إليه وقتا ولا يعين زمانا، وكان على من يتخطف الناس من حوله [7] مؤيدا بالله معانا.

معظم قدره العالي على الأقدار، ومقابل داعي حقه بالابتدار، المثنى على معاليه المخلدة الآثار، في اصونة [8] النظام والنثار [9] ، ثناء الروضة المعطار، على الامطار، الداعي الى الله بطول بقائه في عصمة منسدلة الأستار، وعزة ثابتة المركز مستقيمة المدار، وان يختم له بعد بلوغ غايات الحال، ونهاية الأعمال، بالزلفى وعقبي الدار.

عبد الله الغني بالله أمير المسلمين، محمد بن مولانا أمير المسلمين، أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن نصر.

سلام كريم كما حملت أحاديث الازهار نسمات الأسحار، وروت ثغور الاقاحي والبهار، عن مسلسلات الأنهار، وتجلى على منصة الاشتهار، وجه عروس النهار، يخص خلافتكم الكريمة النجار، العزيزة الجار ورحمة الله وبركاته.

أما بعد حمد الله الذي أخفى حكمته البالغة عن أذهان البشر، فعجزت عن قياسها، وجعل الأرواح «اجنادا مجندة» - كما ورد في الخبر [1]- تحن الى أجناسها، منجد هذه الملة من أوليائه الجلة بمن يروض الآمال بعد شماسها [2] ، وييسر الأغراض قبل التماسها، ويعنى بتجديد المودات في ذاته وابتغاء مرضاته على حين أخلاف لباسها، الملك الحق، وأصل الأسباب بحوله بعد انتكاث امراسها [3] ومغني النفوس بطوله، بعد إفلاسها- حمدا يدر أخلاف [4] النعم بعد إبساسها [5] ، وينشر رمم الأموال من أرماسها [6] ، ويقدس النفوس بصفات ملائكة السموات بعد إبلاسها [7] .

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله سراج الهداية ونبراسها [8] عند اقتناء الأنوار واقتباسها، مطهر الأرض من أوضارها [9] وأدناسها، ومصطفى الله من بين ناسها، وسيد الرسل الكرام ما بين شيثها وإلياسها، الآتي مهيمنا على آثارها، في حين فترتها [10] ومن بعد نصرتها واستيئاسها [11] ، مرغم الضراغم في أخياسها [12] ، بعد افترارها وافتراسها [13] ، ومعفر أجرام الأصنام ومصمت أجراسها.

والرضا عن آله وأصحابه وعثرته وأحزابه، حماة شرعته البيضاء وحراسها، وملقحي غراسها، ليوث الوغى عند احتدام [1] مراسها [2] ، ورهبان الدجى تتكفل مناجاة السميع العليم، في وحشة الليل البهيم بإيناسها، وتفاوح نسيم الأسحار، عند الاستغفار، بطيب أنفاسها.

والدعاء لخلافتكم العلية المستنصرية بالصنائع التي تشعشع أيدي العزة القعساء [3] من أكواسها، ولا زالت العصمة الإلهية كفيلة باحترامها واحتراسها، وأنباء الفتوح، المؤيدة بالملائكة والروح، ريحان جلاسها وآيات المفاخر التي ترك الأول للآخر، مكتتبة الأسطار بأطراسها، وميادين الوجود مجالا لجياد جودها وبأسها، والعز والعدل منسوبين لفسطاطها [4] وقسطاسها، وصفيحة [5] النصر العزيز تقبض كفها، المؤيدة بالله، على رياسها [6] ، عند اهتياج أضدادها، وشره [7] أنكاسها [8] ، لانتهاب البلاد وانتهاسها [9] وهبوب رياح رياحها وتمرد مرداسها [10] .

فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من كتائب نصره أمدادا تذعن أعناق الأنام، لطاعة ملككم المنصور الأعلام، عند إحساسها [11] ، وآتاكم من آيات العنايات، آية تضرب الصخرة الصماء، ممن عصاها بعصاها، فتبادر بانبجاسها [12] ،- من

حمراء غرناطة، حرسها الله، وأيام الإسلام، بعناية الملك العلام تحتفل وفود الملائكة الكرام، لولائمها وأعراسها، وطاعين الطعان، في عدو الدين المعان، تجدد عهدها بعام عمواسها [1] .

والحمد لله حمدا معادا يقيد شوارد النعم، ويستدر مواهب الجود والكرم ويؤمن من انتكاث الجدود [2] وانتكاسها [3] ، ولي الآمال ومكاسها [4] ، وخلافتكم هي المثابة التي يزهى الوجود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، وتستمد أضواء الفضائل من مقباسها [5] ، وتروي رواة الإفادة، والإجادة غريب الوجادة [6] ، عن ضحاكها وعباسها [7] . وإلى هذا أعلى الله معارج قدركم، وقد فعل، وأنطق بحجج فخركم من احتفى وانتعل، فإنه وصلنا كتابكم الذي حسبناه، على صنائع الله لنا، تميمة [8] لا تلقع [9] بعدها عين، وجعلناه- على حلل مواهبه- قلادة لا يحتاج معها زين، ودعوناه من جيب الكنانة [10] آية بيضاء الكتابة، لم يبق معها شك ولا مين، وقرأنا منه وثيقة ود هضم فيها عن غريم الزمان دين، ورأينا منه إنشاء، خدم اليراع بين يديه وشاء، واحتزم بهميان [11] عقدته مشاء، وسئل عن معانيه الاختراع فقال: «إنا أنشأناهن إنشاء» 56: 35

، فأهلا به من عربي أبي يصف السانح والبانة [1] ، ويبين فيحسن الإبانة، أدى الأمانة، وسئل عن حيه فانتمى إلى كنانة [2] ، وأفصح وهو لا ينبس [3] ، وتهللت قسماته وليل حبره يعبس، وكأن خاتمه المقفل على صوانه [4] ، المتحف بباكر الورد في غير أوانه، رعف من مسك عنوانه، ولله من قلم دبج تلك الحلل، ونقع بمجاج [5] الدواة المستمدة من عين الحياة الغلل [6] ، فلقد تخارق في الجود، مقتديا بالخلافة التي خلد فخرها في الوجود، فجاد بسر البيان ولبابة، وسمح في سبيل الكرم حتى بماء شبابه، وجمع لفرط بشاشته وفهامته، بعد شهادة السيف بشهامته، فمشى من الترحيب، في الطرس الرحيب، على أم هامته.

وأكرم به من حكيم، أفصح بملغوز [7] الإكسير [8] ، في اللفظ اليسير، وشرح بلسان الخبير، سر صناعة التدبير [9] ، كأنما خدم الملكة الساحرة [10] بتلك البلاد، قبل اشتجار الجلاد [11] ، فآثرته بالطارف من سحرها والتلاد، أو عثر بالمعلقة، وتيك القديمة المطلقة، بدفية دار، أو كنز تحت جدار، أو ظفر لباني

الحنايا [1] ، قبل أن تقطع به عن أمانيه المنايا، ببديعة، أو خلف جرجير [2] الروم، قبل منازلة القروم، على وديعة، أو أسلمه ابن أبي سرح [3] ، في نشب للفتح وسرح [4] ، أو حتم له روح بن حاتم [5] ببلوغ المطلب، أو غلب الحظوظ بخدمة آل الأغلب [6] ، أو خصه زيادة الله بمزيد [7] ، أو شارك الشيعة في أمر أبي يزيد [8] ، أو سار على منهاج، في مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كل هاج.

وأعجب به، وقد عزز منه مثنى البيان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطباع، بين مثان للإبداع ومثالث، كيف اقتدر على هذا المحيد، وناصح مع التثليث مقام التوحيد، نستغفر الله ولي العون، على الصمت والصون، فالقلم هو الموحد قبل الكون، والمتصف من صفات السادة، أولي العبادة، بضمور الجسم

وصفرة اللون، إنما هي كرامة فاروقية، وأثارة [1] من حديث سارية [2] وبقية، سفر وجهها في الأعقاب، بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب، عن كريم جناب، وإصابة السهم لسواه محسوبة، وإلى الرامي الذي سدده منسوبة، ولا تنكر على الغمام بارقة، ولا على المتحققين بمقام التوحيد كرامة خارقة، فما شاءه الفضل من غرائب بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشكر فيها وسجد، حديقة بيان استثارت نواسم الإبداع من مهبها، واستزارت غمائم الطباع من مصبها، فآتت أكلها مرتين بإذن ربها، لا. بل كتيبة عز طاعنت بقنا [3] الألفات سطورها، فلا يرونها النقد ولا يطورها [4] ، ونزعت عن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بياض الطرس [5] ، وسواد النفس، بلق [5] تحوطها.

فما كأس المدير، على الغدير [6] ، بين الخورنق [7] والسدير [8] ، تقامر بنرد [9] الحباب، عقول ذوي الألباب، وتغرق كسرى في العباب [10] ، وتهدي،- وهي الشمطاء [11]- نشاط الشباب، وقد أسرج ابن سريج [12] وألجم، وأفصح

الغريض [1] بعد ما جمجم، وأعرب الناي [2] الأعجم، ووقع معبد [3] بالقضيب، وشرعت في حساب العقد [4] بنان الكف الخضيب، وكأن الأنامل فوق مثالث العود ومثانيه، وعند إغراء الثقيل بثانية [5] ، وإجابة صدى الغناء بين مغانيه، المراود تشرع في الوشي، أو العناكب تسرع في المشي، وما المخبر بنيل الرغائب، أو قدوم الحبيب الغائب، لا. بل إشارة البشير، بكم المشير، على العشير، بأجلب للسرور، من زائره المتلقى بالبرور، وأدعى للحبور، من سفيره المبهج السفور، فلم نر مثله من كتيبة كتاب تجنب [6] الجرد، تمرح في الأرسان [7] ، وتتشوف مجالي ظهورها إلى عرائس الفرسان، وتهز معاطف [8] الارتياح، من صهيلها الصراح، بالنغمات الحسان، إذا أوجست الصريخ نازعت أفناء الأعنة، وكاثرت بأسنة آذانها مشرعة الأسنة، فإن ادعى الظليم [9] أشكالها فهو ظالم، أو نازعها الظبي هواديها [10] وأكفالها فهو هاذ أو حالم، وإن سئل الأصمعي [11] عن عيوب الغرر والأوضاح [12] ، قال مشيرا إلى وجوهها الصباح [13] :

«جلدة بين العين والأنف سالم» [1]

من كل عبل الشوى [2] ، مسابق للنجم إذا هوى، سامي التليل [3] ، عريض ما تحت الشليل [4] ، ممسوحة أعطافه بمنديل النسيم البليل.

من أحمر كالمدام، تجلى على الندام [5] ، عقب الفدام [6] ، أتحف لونه بالورد، في زمن البرد، وحيي أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إلى عد محاسنه فأعيت على العد، بحر يساجل البحر عند المد، وريح تباري الريح عند الشد [7] ، بالذراع الأشد [8] ، حكم له مدير فلك الكفل باعتدال فصل القد، وميزه قدره المميز عند الاستباق، بقصب السباق [9] ، عند اعتبار الحد، وولد مختط غرته أشكال الجمال، على الكمال، بين البياض والحمرة ونقاء الخد، وحفظ رواية الخلق الوجيه [10] ، عن جده الوجيه [11] ، ولا تنكر الرواية على الحافظ ابن الجد [12] .

وأشقر، أبي الخلق، والوجه الطلق أن يحفر، كأنما صيغ من العسجد، وطرف بالدر وأنعل بالزبرجد، ووسم في الحديث بسمة اليمن والبركة [1] ، واختص بفلج [2] الخصام، عند اشتجار المعركة، وانفرد بمضاعف السهام، المنكسرة على الهام، في الفرائض المشتركة [3] ، واتصف فلك كفله بحركتي الإرادة والطبع من أصناف الحركة، أصغى إلى السماء بأذن ملهم، وأغرى لسان الصهيل- عند التباس معاني الهمز والتسهيل- ببيان المبهم، وفتنت العيون من ذهب جسمه، ولجين نجمه، بالدينار والدرهم، فإن انقض فرجم، أو ريح لها حجم، وإن اعترض فشفق لاح به للنجم نجم.

وأصفر قيد الأوابد الحرة، وأمسك المحاسن وأطلق الغرة، وسئل من أنت في قواد الكتائب، وأولي الأخبار العجائب؟ فقال: أنا المهلب بن أبي صفرة [4] ، نرجس هذه الألوان، في رياض الأكوان، تحثى به وجوه الحرب العوان [5] ، أغار بنخوة الصائل [6] ، على معصفرات الأصائل [7] ، فارتداها، وعمد إلي خيوط شعاع الشمس، عند جانحة الأمس، فألحم منها حلته وأسداها، واستعدت عليه تلك المحاسن فما أعداها، فهو أصيل تمسك بذيل الليل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من الفتام ليله، فيحسده فرقد [8] الأفق وسهيله [9] .

وأشهب تغشى من لونه مفاضة، وتسربل منه لأمة فضفاضة، قد احتفل زينه، لما رقم بالنبال لجينه، فهو الأشمط، الذي حقه لا يغمط، والدارع [1] المسارع، والأعزل الذارع [2] ، وراقي الهضاب الفارع، ومكتوب الكتيبة البارع [3] . وأكرم به من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين متهالك، وأشهب [4] يروي من الخليفة، ذي الشيم المنيفة، عن مالك.

وحبارى [5] كلما سابق وبارى، استعار جناح الحبارى، فإذا أعملت الحسبة، قيل من هنا جاءت النسبة، طرد النمر، لما عظم أمره وأمر [6] ، فنسخ وجوده بعدمه، وابتزه الفروة ملطخة بدمه، وكأن مضاعف الورد نثر عليه من طبقة، أو الفلك، لما ذهب الحلك، مزج فيه بياض صبحه بحمرة شفقه

....

وقرطاسي حقه لا يجهل

، «متى ما ترقى العين فيه تسفل» [7] ،

إن نزع عنه جلة [8] ، فهو نجم كله، انفرد بمادة الألوان، قبل أن تشوبها يد الأكوان، أو تمزجها أقلام الملوان [9] ، يتقدم الكتيبة منه لواء ناصع، أو أبيض مناصع [10] ، لبس وقار المشيب، في ريعان العمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيلة المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إلى نغمة الخطيب، وإن تعتب منه للتأخير متعتب، قلنا: الواو لا ترتب [11] ، ما بين فحل وحرة، وبهرمانة [12] ودرة، ويا لله

من ابتسام غرة، ووضوح يمن في طرة [1] ، وبهجة للعين وقرة، وإن ولع الناس بامتداح القديم، وخصوا الحديث بفري الأديم [2] ، وأوجف المتعصب، وإن أبى المنصب، مرتبة التقديم، وطمح الى رتبة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثري بالعديم، وبخس في سوق الكسد الكيل، ودجا الليل، وظهره في فلك الأنصاف الميل، لما تذوكرت الخيل، فجيء بالوجيه [3] والخطار [4] ، والذائد [5] وذي الخمار [6] وداحس [7] والسكب [8] ، والأبجر [9] وزاد الركب [10] ، والجموح [11] واليحموم [12] ، والكميت [13] ومكتوم [14] ، والأعوج [15] وحلوان، ولاحق والغضبان، وعفزر، والزعفران والمحبر واللعاب، والأغر والغراب، وشعلة والعقاب، والفياض واليعبوب، والمذهب واليعسوب، والصموت والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهداج،

والحرون وخراج، وعلوي والجناح، والأحوى ومجاح، والعصا والنعامة، والبلقاء والحمامة، وسكاب والجرادة، وخوصاء والعرادة [1] ، فكم بين الشاهد والغائب، والفروش والرغائب [2] ، وفرق ما بين الأثر والعيان، غني عن البيان، وشتان بين الصريح والمشتبه، ولله در القائل:

«خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به [3] »

والناسخ [4] يختلف به الحكم، وشر الدواب عند التفضيل بين هذه الدواب الصم البكم [5] إلا ما ركبه نبي، أو كان له يوم الافتخار وبرهان خفي [6] ومفضل ما سمع على ما رأى غبي، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت، لأقضمت [7] حب القلوب علفا، وأوردت ماء الشبيبة نطفا [8] ، واتخذت لها من عذر [9] الخدود الملاح عذر موشية [10] ، وعللت بصفير الحان القيان كل عشية، وأنعلت بالأهلة، وغطيت بالرياض بدل الأجلة [11] .

إلى الرقيق [12] ، الخليق بالحسن الحقيق، يسوقه إلى مثوى الرعاية روقة [13] الفتيان رعاته، ويهدي عقيقها من سبحه [14] أشكالا تشهد للمخترع سبحانه بإحكام مخترعاته، وقفت ناظر الاستحسان لا يريم [15] ، لما بهره منظرها الوسيم، وتخامل

الظليم [1] ، وتضاؤل الريم [2] وأخرس مفوه [3] اللسان، وهو بملكات البيان، الحفيظ العليم، وناب لسان الحال، عن لسان المقال، عند الاعتقال [4] ، فقال يخاطب المقام الذي أطلعت أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركات وجوده: لو علمنا أيها الملك الأصيل، الذي كرم منه الاجمال والتفصيل، أن الثناء يوازيها، لكلنا لك بكيلك، أو الشكر يعادلها ويجازيها، لتعرضنا بالوشل [5] إلى نيل نيلك [6] ، أو قلنا هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر بقوله:

«أدرك بخيلك» ، حين شرق بدمعه الشرق [7] ، وانهزم الجمع واستولى الفرق، واتسع فيه- والحكم لله- الخرق [8] ورأى أن مقام التوحيد بالمظاهرة على التثليث، وحزبه الخبيث، الأولى والأحق.

والآن قد أغنى الله بتلك النية، عن اتخاذ الطوال الردينية [9] ، وبالدعاء من تلك المثابة الدينية إلى رب المنية [10] ، وعن الجرد العربية، في مقاود الليوث الأبية، وجدد برسم هذه الهدية، مراسيم العهود الودية، والذمم الموحدية، لتكون علامة على الأصل، ومكذبة لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها ألف الوصل، ولأمها حراما على النصل [11] .

وحضر بين يدينا رسولكم، فقرر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علو مقداركم، وأصالة داركم، وفلك إبداركم، وقطب مداركم، وأجبناه عنه بجهد [12] ما كنا

لنقنع من جناه [1] المهتصر [2] ، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل طول طوله [3] بالقصر، لولا طرو الحصر [4] .

وقد كان بين الأسلاف- رحمة الله عليهم ورضوانه- ود أبرمت من أجل الله معاقده [5] ، ووثرت للخلوص [6] ، الجلي النصوص، مضاجعه القارة ومراقده، وتعاهد بالجميل يوجع لفقده فاقده، أبى الله إلا أن يكون لكم الفضل في تجديده، والعطف بتوكيده، فنحن الآن لا ندري أي مكارمكم نذكر، أو أي فواضلكم نشرح أو نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح، أم هديتكم، وفي وصفها للأقلام سبح [7] ، ولعدو الإسلام بحكمة حكمتها كبح [8] ، إنما نكل الشكر لمن يوفي في جزاء الأعمال البرة، ولا يبخس مثقال الذرة ولا أدنى من مثقال الذرة، ذي الرحمة الثرة [9] ، والألطاف المتصلة المستمرة، لا إله إلا هو.

وإن تشوفتم إلى الأحوال الراهنة، وأسباب الكفر الواهية بقدرة الله- الواهنة [10] ، فنحن نطرفكم بطرفها [11] ، ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفيها، وهو أننا لما أعادنا الله من التمحيص، إلى مثابة التخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة، ورأينا كما نقل إلينا، وكرر على من قبلنا وعلينا- أن الدنيا- وإن غر الغرور [12] وأنام على سرر الغفلة السرور، فلم ينفع الخطور [13] على أجداث [14] الأحباب والمرور،-

جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي ولا يحبر [1] ، إنما هو خبر يخبر، وأن الحسرة بمقدار ما على تركه يجبر، وأن الأعمار أحلام، وأن الناس نيام، وربما رحل الراحل عن الخان [2] ، وقد جلله بالأذى والدخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعد للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا [3] ، والتفقد للثغور مسواكا، وضجيع المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله:

«يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة» 61: 10 [4] من حجج الاستشهاد، وبادرنا رمق [5] الحصون المضاعة وجنح [6] التقية [7] دامس [8] ، وعواريها [9] لا ترد يد لامس [10] ، وساكنها بائس، والأعصم [11] في شعفاتها [12] من العصمة يائس، فزينا ببيض الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها [13] وغشينا بالصفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حس العيان، أنها قطع من بيض العنان [14] ، وتكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفلة للمؤمنين من فزع الدنيا والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدونة الجيش [15] عرضا، وفرضنا إنصافه مع الاهلة فرضا، واستندنا من التوكل على الله الغني الحميد إلى ظل لواء، ونبذنا إلى الطاغية

عهده على سواء [1] وقلنا: ربنا أنت العزيز، وكل جبار لعزك ذليل، وحزبك هو الكثير، وما سواه قليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي، فأفض [2] علينا مدارع [3] الصابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

فتحركنا أول الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خف من الحشود، واقتصار على ما بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود، إلى حصن آشر [4] البازي المطل، وركاب العدو الضال المضل، ومهدي نفثات [5] الصل [6] ، على امتناعه وارتفاعه، وسمو يفاعه [7] ، وما بذل العدو فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا بنفسنا ناره، وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره [8] ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة، وجلا مده الملمومة [9] وأحجاره، حتى فرعنا [10] بحول من لا حول ولا قوة إلا به- أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد والعباد أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السهلة جاره، ورحلنا عنه بعد أن شحناه رابطة وحامية، وأزوادا نامية، وعملنا بيدنا في رم ما ثلم القتال، وبقر من بطون مسابقة الرجال، واقتدينا بنبينا- صلوات الله عليه وسلامه- في الخندق [11] لما حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول حديثه والارتجال [12] ، وما كان ليقر للإسلام مع تركه القرار، وقد كثب الجوار،

وتداعى الدعرة [1] وتعاوى الشرار [2] .

وقد كنا أغرينا من بالجهة الغربية من المسلمين بمدينة برغه التي سدت بين القاعدتين رندة ومالقة الطريق، وألبست ذل الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن يسيغا الريق، فلا سبيل الى الإلمام، لطيف المنام، إلا في الأحلام، ولا رسالة إلا في أجنحة هدل [3] الحمام، فيسر الله فتحها، وعجل منحها، بعد حرب انبتت فيها النحور، وتزينت الحور. وتبع هذه الأم بنات شهيرة، وبقع للزرع والضرع خيرة [4] ، فشفي الثغر من بوسه، وتهلل وجه الإسلام بتلك الناحية الناجية بعد عبوسة.

ثم أعملنا الحركة إلى مدينة إطريرة [5] ، على بعد المدى، وتغلغلها في بلاد العدا، واقتحام هول الفلا وغول الردى، مدينة تبنتها حمص [6] فأوسعت الدار، وأغلت الشوار [7] ، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار [8] ، رجح لدينا قصدها على البعد، والطريق الجعد، ما أسفت [9] به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم، مروا بها آمنين، وبطائرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم [10]

الاعتقال، والقيود الثقال، وأضرعهم الإسار وجللهم الإنكسار، فجدلوهم [1] في مصرع واحد، وتركوهم عبرة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد [2] ، وترة الماجد [3] ، فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لا يضل ولا ينسى وصبحتها الخيل، ثم تلاحق الرجل لما جن الليل، وحاق بها الويل، فأبيح منها الذمار [4] ، وأخذها الدمار، ومحقت [5] من مصانعها البيض الأهلة وخسفت الأقمار، وشفيت من دماء أهلها الضلوع الحرار [6] ، وسلطت على هياكلها النار، واستولى على الآلاف العديدة من سبيها، وانتهى إلى إشبيلية الثكلى المغار [7] فجلل وجوه من بها من كبار النصرانية الصغار [8] ، واستولت الأيدي على ما لا يسعه الوصف ولا تقله [9] الأوقار [10] .

وعدنا والأرض تموج سبيا، لم نترك بعفرين شبلا [11] ولا بوجرة ظبيا [12] ، والعقائل [13] حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى [14] وصبح السرى قد حمد من بعد المسرى [15] ، فسبحان الذي أسرى [16] ، ولسان الحمية ينادي، في تلك الكنائس المخربة والنوادي: يا لثارات الأسرى!

ولم يكن إلا أن نفلت الأنفال [1] ، ووسمت بالأوضاح الأغفال [2] ، وتميزت الهوادي والأكفال [3] ، وكان إلى غزو مدينة جيان الاحتفال، قدنا إليها الجرد [4] تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله واغتباطا، والمهندة الدلق [5] تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا، واستكثرنا من عدد القتال احتياطا، وأزحنا العلل عمن أراد جهادا منجيا غباره من دخان جهنم ورباطا، ونادينا الجهاد! الجهاد! يا أمة الجهاد! راية النبي الهادي! الجنة تحت ظلال السيوف الحداد!، فهز النداء إلى الله تعالى كل عارم وغامر [6] ، وائتمر الجم من دعوى الحق إلى أمر آمر، وأتى الناس من الفجوج [7] العميقة رجالا وعلى كل ضامر [8] ، وكاثرت الرايات أزهار البطاح لونا وعدا، وسدت الحشود مسالك الطريق العريضة سدا، ومد بحرها الزاخر مدا، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدا.

وهذه المدينة هي الأم الولود، والجنة التي في النار لسكانها من الكفار الخلود، وكرسي الملك، ومجنبة [9] الوسطى من السلك، باءت بالمزايا العديدة ونجحت، وعند الوزان بغيرها من أمات [10] البلدان، رجحت، غاب الأسود، وجحر الحيات السود، ومنصب [11] التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس المصلصلة.

فأدنينا إليها المراحل، وعنينا ببحار المحلات المستقلات منها الساحل [1] ، ولما أكثبنا [2] جوارها، وكدنا نلتمح [3] نارها، تحركنا إليها ووشاح [4] الأفق المرقوم، بزهر النجوم، قد دار دائره، والليل من خوف الصباح، على سطحه المستباح، قد شابت غدائره، والنسر [5] يرفرف باليمن طائره، والسماك الرامح [6] يثأر بعز الإسلام ثائره، والنعائم راعدة [7] فرائص [8] الجسد، من خوف الأسد [9] ، والقوس [10] يرسل سهم السعادة [11] ، بوتر العادة، إلى أهداف النعم المعادة، والجوزاء [12] عابرة نهر المجرة [13] ، والزهرة [14] تغار من الشعري العبور [15]

بالضرة، وعطارد [4] يسدي في حبل الحروب، على البلد المحروب [5] ويلحمه، ويناظر على أشكالها الهندسية فيفحمه، والأحمر [6] يبهر، وبعلمه الأبيض يغري وينهر، والمشتري يبدئ في فضل الجهاد ويعيد، ويزاحم في الحلقات، على ما للسعادة من الصفقات، ويزيد [7] ، وزحل [8] عن الطالع [9] منزحل [10] ، وعن العاشر [11] مرتحل، وفي زلق السعود وحل، والبدر يطالع حجر المنجنيق [12] ، كيف يهوي إلى النيق [13] ، ومطلع الشمس يرقب، وجدار الأفق يكاد بالعيون عنها ينقب.

ولما فشا سر الصباح، واهتزت أعطاف الرايات بتحيات مبشرات الرياح أطللنا [14] عليها إطلال الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس، فنظرنا منظرا يروع بأسا ومنعة [15] ، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت [16] معاقلة الشم للسحاب ببرود،

ووردت من غدر المزن في برود [1] ، وأشرعت لاقتطاف أزهار النجوم والذراع بين النطاق معاصم رود [2] ، وبلدا يحيي الماسح والذارع [3] ، وينظم المحاني والأجارع [4] ، فقلنا: اللهم نفله أيدي عبادك، وأرنا فيه آية من آيات جهادك، ونزلنا بساحتها العريضة المتون، نزول الغيث الهتون، وتيمنا من فحصها بسورة «التين والزيتون» ، متبرئة من أمان الرحمان للبلد المفتون، وأعجلنا الناس بحمية نفوسهم النفيسة، وسجية شجاعتهم البئيسة [5] ، عن أن تبوأ [6] للقتال المقاعد [7] ، وتدني بأسماع شهير النفير منهم الأباعد، وقبل أن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم، فدفعوا من أصحر إليهم من الفرسان.

وسبق إلى حومة الميدان [8] ، حتى أحجروهم في البلد، وسلبوهم لباس الجلد [9] ، في موقف يذهل الوالد عن الولد، صابت السهام فيه غماما [10] ، وطارت كأسراب الحمام تهدى حماما [11] ، وأضحت القنا قصدا [12] ، بعد أن كانت شهابا رصدا، وماج بحر القتام [13] بأمواج النصول، وأخذ الأرض الرجفان لزلزال الصياح الموصول، فلا ترى إلا شهيدا تظلل مصرعه الحور [14] ، وصريعا تقذف به الى الساحل تلك البحور، ونواشب [15] تبأى [16] بها الوجوه الوجيهة عند الله والنحور،

فالمقضب [1] ، فوده [2] يخضب، والأسمر، غصنه يستثمر، والمغفر [3] ، حماه يخفر، وظهور القسي تقصم [4] ، وعصم الجند الكوافر تفصم [5] ، وورق اليلب [6] في المنقلب يسقط، والبيض تكتب والسمر تنقط [7] ، فاقتحم الربض الأعظم لحينه، وأظهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشيطان من خدينه [8] ، ونهب الكفار وخذلوا، وبكل مرصد جدلوا، ثم دخل البلد بعده غلابا، وجلل [9] قتلا واستلابا، فلا تسل إلا الظبا [10] والأسل [11] عن قيام ساعته، وهول يومها وشناعته، وتخريب المبائت [12] والمباني، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني، ونقل الوجود الأول الى الوجود الثاني [13] ، وتخارق السيف فجاء بغير المعتاد، ونهلت القنا الردينية من الدماء، حتى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسي وسحت، وأرنت حتى بحت، ونفدت موادها فشحت، مما ألحت، وسدت المسالك جثث القتلى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وقطع الدابر [14] ، وأزلف الشهيد وأحسب الصابر [15] ، وسبقت رسل الفتح الذي لم يسمع بمثله في

الزمن الغابر. تنقل البشرى من أفواه المحابر، إلى آذان المنابر.

أقمنا بها أياما نعقر الأشجار [1] ، ونستأصل بالتخريب الوجار [2] ، ولسان الانتقام من عبدة الأصنام، ينادي: يا لثارات الإسكندرية [3] تشفيا من الفجار [4] ، ورعيا لحق الجار، وقفلنا وأجنحة الرايات، برياح العنايات، خافقة وأوفاق [5] ، التوفيق، الناشئة من خطوط الطريق، موافقة، وأسواق العز بالله نافقة، وحملاء الرفق مصاحبة- والحمد لله مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصهب السبال [6] ، ورفعت على الأكفال، ردفاء كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال، بالهندام [7] والاحتيال، وهلك بمهلك هذه الأم هذه الأم بنات كن يرتضعن ثديها الحوافل [8] ، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجلت النار بوارها.

ثم تحركنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء الأدلاء [1] قبل المتح [2] ، فبشرت بالمنح، وقصدنا مدينة أبدة، وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيان في حين الحين [3] ، مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق [4] ، وتمشت فيه أرباضها تمشي الكتابة الجامحة في المهرق [5] ، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المتناسب، والفلح المعيي ريعه [6] عمل الحاسب وكوارة [7] الدبر [8] اللاسب [9] المتعددة اليعاسب [10] ، فأناخ العفاء [11] بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار [12] الحتوف [13] ، ببنان السيوف، على متديريها المعاقرة [14] ، وصبحتها طلائع الفاقرة [15] ، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول [16] ، الباقرة [17] ، ودخلت مدينتها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطيف، ولا تسأل عن الكيف، فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة [18] ، ما بلغ من هذه البائسة [19] التي سجدت لآلهة النيران أبراجها،

وتضاءل [1] بالرغام [2] معراجها، وضفت [3] على أعطافها [4] ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس [5] الغزلان.

ثم تأهبنا لغزو أم القرى الكافرة، وخزائن المزاين [6] الوافرة، وربة الشهرة السافرة [7] ، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ماهية! ذات الأرجاء الحالية [8] الكاسية [9] ، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني الماهية، والزهراء [10] الزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء قد استدارت من السور المشيد البناء دارا، ونهر المجرة من نهرها الفياض، المسلول حسامه من غمود الغياض [11] ، قد لصق بها جارا، وفلك الدولاب، المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، ورجع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأول وادكارا [12] حيث الطود كالتاج، يزدان بلجين العذب المجاج [13] ، فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسي الجسور [14] المديدة، كأنها عوج [15] المطي العديدة، تعبر النهر قطارا،

حيث آثار [1] العامري [2] المجاهد [3] ، تعبق [4] بين تلك المعاهد، شذي معطارا، حيث كرائم السحائب، تزور عرائس الرياض الحبائب، فتحمل لها من الدر نثارا، حيث شمول الشمال [5] تدار على الأدواح [6] ، بالغدو والرواح، فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح، تفتض من شقائق [7] البطاح، أبكارا، حيث ثغور الأقاح [8] الباسم، تقبلها بالسحر زوار النواسم، فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلى [9] العتيق، قد رحب مجالا وطال منارا [10] ، وأزرى ببلاط الوليد [11] احتقارا،

حيث الظهور [1] المثارة بسلاح [2] الفلاح، تجب عن مثل أسنمة [3] المهارى [4] ، والبطون [5] كأنها لتدميث [6] الغمائم، بطون العذارى، والأدواح العالية، تخترق أعلامها الهادية، بالجداول الحيارى [7] . فما شئت من جو بقيل [8] ، ومعرس للحسن ومقيل، وما لك للعقل وعقيل [9] ، وخمائل، كم فيها للبلابل، من قال وقيل، وخفيف يجاور بثقيل، وسنابل تكي من فوق سوقها، وقصب بسوقها، الهمزات على الألفات، والعصافير البديعة الصفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصبا والجنوب، مالئة الجيوب، بدر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل [10] ، فتطلبه بالذحل [11] ، ولا تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السوسن والبهار [12] ، غير العبدان من سودان النحل، وبحر الفلاحة

الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطية [1] البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي [2] ، وقرار دموع الغوادي [3] ، للتجاسر على تخطيه، عند تمطيه [4] ، الجسر العادي، والوطن الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كل صيد [5] ، أقل كرسيه خلافة الإسلام، وأغار بالرصافة [6] والجسر دار السلام [7] ، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام أو تعبر به عن ذلك الكمال فنون الكلام.

فأعملنا إليها السرى والسير، وقدنا إليها الخيل قد عقد الله في نواصيها الخير [8] . ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام:

«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [9]

برز من حاميتها المحامية، ووقود النار الحامية، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنت [10] بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال، الناشبة [11] والرامية، وتصدى للنزال، من

صناديدها [1] الصهب السبال، أمثال الهضاب الراسية، تجنها [2] جنن [3] السوابغ الكاسية، وقواميسها [4] المفادية للصلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية [5] ، وخنازيرها التي عدتها [6] عن قبول حجج الله ورسوله، ستور الظلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلى بلجينه، ولآلئ زينه، منها النحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها [7] ، ولا أتت الأيام الحبالي بمثل أجنة [8] أهوالها، من قاسها بالفجار [9] أفك وفجر [10] ، أو مثلها بجفر الهباءة [11] خرف وهجر [12] ، ومن شبهها بحرب داحس والغبراء [13] ، فما عرف الخبر، فليسأل من جرب وخبر، ومن نظرها بيوم شعب جبلة [14] فهو ذو بله [15] ، أو عادلها ببطن عاقل [16] ، فغير عاقل، أو احتج بيوم ذي قار [17] ، فهو إلى

المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد [1] ، فسهمه غير السديد، انما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يف بوصفه لسان مرتاد [2] وزلزال جبال أوتاد [3] ، ومتلف [4] مذخور لسلطان الشيطان وعتاد [5] ، أعلم [6] فيه البطل الباسل [7] ، وتورد الأبيض الباتر [8] ، وتأود الأسمر [9] العاسل [10] ، ودوم الجلمد [11] المتكاسل، وانبعث من حدب [12] الحنية [13] ، إلى هدف الرمية [14] ، الناشر الناسل [15] ، ورويت لمرسلات السهام المراسل، ثم أفضى أمر الرماح إلى التشاجر والارتباك، ونشبت الأسنة في الدروع نشب السمك في الشباك، ثم اختلط المرعي بالهمل [16] ، وعزل الرديني عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقت غدر السوابغ خلجانا، واتحدت جداول الدروع، فصارت بحرا، وكان التعانق، فلا ترى إلا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع، واستكشفت مآل الصبر الأنفس الشفافة [17] ، وهبت بريح النصر الطلائع المبشرة الهفافة [18] ، ثم أمد السيل ذلك

العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللباب، وقال لسان النصر: «ادخلوا عليهم الباب» ، فأصبحت طوائف الكفار، حصائد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار [1] ، ورءوسهم محطوطة في غير مقام الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرقة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى الحد والمقدار، والوقوف عند اختفاء سر الأقدار.

ثم عبرنا نهرها، وشددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأدرنا بلآليء القباب البيض خصرها، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حياما [2] ، وترمي الأدواح ببوارها، وتسلط النيران على أقطارها، فلولا عائق المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث [3] والانتساف [4] ، ونوالي على زروعها وربوعها كرات رياح الاعتساف، حتى يتهيأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنا بفضل الله إرث نعمتها، ثم كانت من موقفها الإفاضة من [5] بعد نحر النحور، وقذف جمار الدمار على العدو المدحور، وتدافعت خلفنا السيقات [6] المتسقات تدافع أمواج البحور.

وبعد أن ألححنا على جناتها المصحرة [7] ، وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم [8] ، وعوضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربنا فأصبحت كالصريم [9] ، وأغرينا حلاق [10] النار بجمم الجميم [11] ، وراكمنا في أحواف

أجرافها [1] غمائم الدخان، يذكر طيبه البان بيوم الغميم [2] ، وأرسلنا رياح الغارات «لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم» [3] ، واستقبلنا الوادي يهول مدا، ويروع سيفه الصقيل حدا، فيسره الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرصة بتلك الفرضة أيدي الانتهاز، وسألنا من سائله أسد بن الفرات [4] فأفتى برجحان الجواز، فعم الاكتساح والاستباح جميع الأحواز [5] فأديل [6] المصون، وانتهبت القرى، وهدت الحصون، واجتثت الأصول، وحطمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصابحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس، فهي الآن مجرى السوابق ومجر العوالي [7] ، على التوالي، والحسرات تتجدد في أطلالها البوالي، وكأن بها قد ضرعت، وإلى الدعوة المحمدية أسرعت، بقدرة من لو انزل القرآن على الجبال لخشعت من خشية الله وتصدعت [8] ، وعزة من أذعنت الجبابرة لعزه وخضعت، وعدنا والبنود لا يعرف اللف نشرها، والوجوه المجاهدة لا يخالط التقطيب بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى متعلقة، والألسن بشكر نعم الله منطلقة، والسيوف في مضاجع الغمود قلقه، وسرابيل الدروع [9] خلقه [10] ، والجياد من ردها إلى المرابط والأواري [11] ، رد العواري، حنيقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين الاختيال والمراح،

تحت حلل السلاح، عود الصبيان إلى المكاتب، والطبل بلسان العز هادر [1] والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر [2] ، ووجود نوع الرماح، من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم يرتب بين يديه من السبي النوادر، ووارد مناهل الأجور، غير المحلاء [3] ، ولا المهجور، غير صادر [4] ، ومناظر الفصل الآتي، عقب أخيه الشاتي، على المطلوب المواتي مصادر [5] والله على تيسير الصعاب، وتخويل المنن الرغاب [6] ، قادر، لا إله إلا هو. فما أجمل لنا صنعه الحفي [7] ، وأكرم بنا لطفه الخفي، اللهم لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلا إليك، ولا نلتمس خير الدنيا والاخرة إلا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك، يا مبدئ يا معيد، وأعنا من وسائل شكرك، على ما ينثال به المزيد، يا حي يا قيوم يا فعال لما يريد [8] .

وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح [9] بعيد صيته [10] مشرئب ليته [11] ، وفخر من فوق النجوم العواتم [12] مبيته، عجبنا من تأتي أمله الشارد، وقلنا: البركة في قدم الوارد، وهو أن ملك النصارى لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة الإسلام قد غصبت، والتماثيل [13] فيها ببيوت الله قد نصبت أدالها [14] الله- بمحاولتنا- الطيب من الخبيث، والتوحيد من التثليث، وعاد إليها الإسلام عود الأب الغائب، الى البنات الحبائب، يسأل عن شئونها، ويمسح دموع الرقة من

جفونها، وهي للروم خطة خسف [1] قلما ارتكبوها فيما نعلم من العهود، ونادرة من نوادر الوجود. والى الله علينا وعليكم عوارف [2] الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الركع السجود.

عرفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير لنسركم بما منح الله دينكم، ونتوج بعز الملة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض، وكفيل بالمواهب المسئولة من المنعم الوهاب متقاض [3] ، أولى من ساهم في بر، وعامل الله بخلوص سر، وأين يذهب الفضل عن بيتكم، وهو صفة حيكم، وتراث ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرها إيوانكم، وأصحاب الامام مالك- رضي الله عنه- مستقرها قيروانكم، وهجير المنابر [4] ذكر إمامكم، والتوحيد إعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر منسوبة الى أيامكم، والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق عليه السلام وشائح سلطانكم [5] ، ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيدات تعريف أبوابكم.

والله- عز وجل- يتولى عنا من شكركم المحتوم، ما قصر المكتوب منه عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرسوم، ويحل محبتكم من القلوب محل الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نعمه عندكم.

والسلام الكريم، الطيب الزكي المبارك البر العميم، يخصكم كثيرا أثيرا، ما أطلع الصبح وجها منيرا، بعد أن أرسل النسيم سفيرا، وكان الوميض [6] الباسم لأكواس الغمائم [7] ، على أزهار الكمائم [8] ، مديرا، ورحمة الله وبركاته.

وكتب إلي يهنئني بمولود، ويعاتب على تأخير الخبر بولادة عنه [1] :

هنيئا أبا الفضل الرضا وأبا زيد ... وأمنت من بغي يخاف ومن كيد

بطالع يمن طال في السعد شأوه [2] ... فما هو من عمره الرجال ولا زيد

وقيد بشكر الله أنعمه التي ... أوابدها [3] تأبى سوى الشكر من قيد

أهلا بدري المكاتب [4] ، وصدري المراتب، وعتبى الزمن [5] العاتب [6] وبكر المشتري والكاتب [7] ، ومرحبا بالطالع، في أسعد المطالع، والثاقب [8] ، في أجلى المراقب، وسهلا بغني البشير، وعزة الأهل والعشير، وتاج الفخر الذي يقصر عنه كسرى وأردشير [9] ، الآن اعتضدت الحلة الحضرمية [10] بالفارس، وأمن السارح [11] في حمى الحارس، وسعدت بالمنير الكبير، أفلاك التدوير [12] ، من حلقات المدارس، وقرت بالجنى الكريم عين الغارس، واحتقرت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدارس،

وقيل للمشكلات: طالما ألفت الخمرة [1] ، وأمضيت على الأذهان الامرة [2] ، فتأهبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لماك. ولله من نصبة [3] احتفى فيها المشتري واحتفل، وكفى سني تربيتها وكفل، واختال عطارد في حلل الجذل لها ورفل، واتضحت الحدود [4] ، وتهللت الوجوه [5] ، وتنافست المثلثات [6] تؤمل الحظ وترجوه، ونبه البيت على [7] واجبه، وأشار لحظ الشرف [8] بحاجبه، وأسرع نير النوبة [9] في الأوبة [10] ، قائما في الاعتذار مقام التوبة، واستأثر بالبروج المولدة بيت البنين [11] ، وتخطت خطا القمر رأس الجوزهر [12] وذنب التنين، وساوق منها حكم الأصل، حذوك النعل بالنعل،

تحويل السنين [1] ، وحقق هذا المولود بين المواليد نسبة عمر الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشره [2] السعدان [3] اقتران الجسد، وثبت بدقيقة مركزه قلب الأسد، وسرق من بيت أعدائه [4] خرثي [5] الغل والحسد، ونظفت طرق التسيير [6] ، كما نفعل بين يدي السادة عند المسير، وسقط الشيخ الهرم من الدرج في البير، ودفع المقاتل إلى الوبال [7] الكبير.

لم لا ينال العلا أو يعقد التاج ... والمشتري طالع والشمس هيلاج [8]

والسعد يركض في ميدانها مرحا ... جذلان والفلك الدوار هملاج [9]

كأن به- والله يهديه- قد انتقل من مهد التنويم، الى النهج القويم، ومن أريكة الذراع، الى تصريف اليراع [10] ، ومن كتد [11] الداية [12] ، الى مقام الهداية، والغاية المختطفة [13] البداية، جعل الله وقايته عليه عوذة [14] ، وقسم حسدته قسمة محرم اللحم، بين منخنقة [15] ونطيحة [16] ومتردية [17]

وموقوذة [1] ، وحفظ هلاله في البدار [2] الى تمه وبعد تمه، وأقر به عين أبيه وأمه. غير أني- والله يغفر لسيدي- بيد أني راكع في سبيل الشكر وساجد، فأنا عاتب وواجد، إذ كان ظني أن البريد بهذا الخبر إلي يعمل، وأن إتحافي به لا يهمل، فانعكست القضية، ورابت الحال المرضية، وفضلت الأمور الذاتية الأمور العرضية، والحكم جازم، وأحد الفرضين لازم، إما عدم السوية [3] ، ويعارضه اعتناء حبله مغار [4] ، وعهدة سلم لم يدخلها جزية ولا صغار، أو جهل بمقدار الهبة، ويعارضه علم بمقدار الحقوق، ورضى مناف للعقوق، فوقع الأشكال، وربما لطف عذر كان عليه الاتكال. وإذا لم يبشر مثلي بمنحة الله قبل تلك الذات السرية، الخليقة بالنعم الحرية، فمن الذي يبشر، وعلى من يعرض بزها [5] أو ينشر، وهي التي واصلت التفقد [6] ، وبهرجت [7] المعاملة وأبت أن تنقد، وأنست الغربة وجرحها غير مندمل [8] ، ونفست الكربة وجنحها [9] على الجوانح [10] مشتمل، فمتى فرض نسيان الحقوق لم ينلني فرض، ولا شهد به علي سماء ولا أرض، وإن قصر فيما يجب لسيدي عمل، لم يقصر رجاء ولا أمل، ولي في شرح حمده ناقة وجمل [11] . ومنه جل وعلا نسأل أن يريه قرة العين في نفسه وماله وبنيه، ويجعل أكبر عطايا الهيالج أصغر سنيه، ويقلد عواتق [12]

الكواكب البابانية [1] حمائل أمانيه. وإن تشوف سيدي لحال وليه، فخلوة طيبة، ورحمة من جانب الله صيبة، وبرق يشام [2] ، فيقال: حدث ما وراءك يا هشام. ولله در شيخنا إذ يقول:

لا بارك لله في إن لم ... أصرف النفس في الأهم

وكثر الله في همومي ... إن كان غير الخلاص همي

وإن أنعم سيدي بالإلماع بحاله، وحال الولد المبارك، فذلك من غرر إحسانه، ومنزلته في لحظ لحظبي بمنزلة إنسانه، والسلام.

** (العودة الى المغرب الأقصى) **

ولما كنت في الاعتمال في مشايعة السلطان عبد العزيز ملك المغرب [3] ، كما ذكرت تفاصيله، وأنا مقيم ببسكرة في جوار صاحبها أحمد بن يوسف بن مزنى، وهو صاحب زمام رياح، وأكثر عطائهم من السلطان مفترض عليه في جباية الزاب [4] ، وهم يرجعون اليه في الكثير من أمورهم، فلم أشعر إلا وقد حدثت المنافسة منه في استتباع العرب، ووغر صدره [5] ، وصدق في ظنونه وتوهماته، وطاوع الوشاة فيما يوردون على سمعه من التقول والاختلاق، وجاش صدره بذلك، فكتب إلى ونزمار بن عريف، ولي السلطان، وصاحب شواره، يتنفس الصعداء من ذلك، فأنهاه إلى السلطان، فاستدعاني لوقته، وارتحلت من بسكرة

بالأهل والولد، في يوم المولد الكريم سنة أربع وسبعين وسبعمائة متوجها الى السلطان وكان قد طرقه المرض فما هو إلا أن وصلت مليانة من أعمال المغرب الأوسط، لقيني هنالك خبر وفاته، وأن ابنه أبا بكر السعيد نصب بعده للأمر في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي وأنه ارتحل إلى المغرب الأقصى مغذا السير إلى فاس، وكان على مليانة يومئذ علي بن حسون بن أبي علي الهساطي [1] من قواد السلطان وموالي بيته، فارتحلت معه إلى أحياء العطاف ونزلنا على أولاد يعقوب بن موسى من أمرائهم، وبدرني بعضهم إلى حلة أولاد عريف أمراء سويد، ثم لحق بنا بعد أيام علي بن حسون في عساكره وارتحلنا جميعا إلى المغرب على طريق الصحراء، وكان أبو حمو قد رجع بعد مهلك السلطان من مكان انتباذه بالقفر في تيكورارين إلى تلمسان فاستولى عليها وعلى سائر أعماله، وأوعز إلى بني يغمور من شيوخ عبيد الله في المعقل أن يعترضونا بحدود بلادهم من رأس العين [2] مخرج وادي صا [3] ، فاعترضونا هنالك فنجا من نجامنا على خيولهم إلى جبل دبدو وانتهبوا جميع ما كان معنا وأرجلوا الكثير من الفرسان، وكنت فيهم، وبقيت يومئذ في قفره ضاحيا عاريا إلى أن حصلت إلى العمران ولحقت بأصحابي بجبل دبدو ووقع في خلال ذلك من الألطاف ما لا يعبر عنه، ولا يسع الوفاء بشكره. ثم سرنا إلى فاس ووفدت على الوزير أبي بكر وابن عمه محمد بن عثمان بفاس في جمادى من السنة، وكان لي معه قديم صحبة واختصاص منذ نزع معي إلى السلطان أبي سالم بجبل الصفيحة، عند إجازته من الأندلس لطلب ملكه كما مر في غير موضع من الكتاب، فلقيني من بر الوزير وكرامته وتوفير جرايته وإقطاعه، فوق ما احتسب وأقمت بمكاني من دولتهم أثير المحل، ثابت [4] الرتبة عظيم الجاه، منوة المجلس عند السلطان. ثم انصرم فصل الشتاء وحدث بين الوزير أبي بكر بن غازي وبين السلطان ابن الأحمر منافرة بسبب ابن الخطيب، وما دعا إليه ابن الأحمر من إبعاده عنهم، وأنف الوزير من ذلك فأظلم الجو بينهما، وأخذ الوزير في تجهيز بعض القرابة من بني الأحمر ليشغله به ونزع ابن

الأحمر [1] إلى إطلاق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن من ولد السلطان أبي علي، والوزير مسعود بن رحو [2] بن ماسي كان حبسهما أيام السلطان عبد العزيز وأشار بذلك ابن الخطيب حين كان في وزارتهما بالأندلس، فأطلقهما الآن وبعثهما لطلب الملك بالمغرب، وأجازهما في الأسطول إلى سواحل غساسة [3] فنزلوا بها ولحقوا بقبائل بطوية هنالك، فاشتملوا عليهم، وقاموا بدعوة الأمير عبد الرحمن. ونهض ابن الأحمر من غرناطة في عساكر الأندلس فنزل على جبل الفتح فحاصره، وبلغت الأخبار بذلك إلى الوزير أبي بكر بن غازي القائم بدعوة بني مرين، فوجه لحينه ابن عمه محمد بن عثمان بن الكاس إلى سبتة لإمداد الحامية الذين لهم بالجبل، ونهض هو في العساكر إلى بطوية لقتال الأمير عبد الرحمن، فوجده قد ملك ملك تازي، فأقام عليها يحاصره، وكان السلطان عبد العزيز قد جمع شبابا من بني أبيه المرشحين، فحبسهم بطنجة. صاحبه على ما كان منه، واشتد عذل ابن الأحمر على إخلائهم الكرسي من كفئه، ونصبهم السعيد بن عبد العزيز صبيا لم يثغر، فاستعتب له محمد، واستقال من ذلك، فحمله ابن الأحمر على أن يبايع لأحد الأبناء المحبوسين بطنجة، وقد كان الوزير أبو بكر أوصاه أيضا بأنه إن تضايق عليه الأمر من الأمير عبد الرحمن، يفرج عنه بالبيعة لأحد أولئك الأبناء.

وكان محمد بن الكاس قد استوزره السلطان أبو سالم لابنه أحمد أيام ملكه، فبادر من وقته إلى طنجة وأخرج السلطان أحمد ابن السلطان أبي سالم من محبسه، وبايع له وسار به إلى سبتة، وكتب لابن الأحمر يعرفه بذلك، ويطلب منه المدد على أن ينزل له عن جبل الفتح، فأمده بما شاء من المال والعسكر واستولى على جبل الفتح وشحنه بحاميته، وكان أحمد ابن السلطان أبي سالم قد تعاهد مع بني أبيه في محبسهم، على أن من صار له الملك إليه منهم، يجيز الباقين إلى الأندلس، فلما بويع له ذهب إلى الوفاء لهم بعهدهم، وأجازهم جميعا، فنزلوا على السلطان ابن الأحمر، فأكرم نزلهم ووفر جراياتهم. وبلغ الخبر بذلك كله إلى الوزير أبي بكر بمكانه من حصار الأمير عبد الرحمن بتازى، فأخذه المقيم المقعد من فعلة ابن عمه،

وكر [1] راجعا إلى دار الملك، وعسكر بكدية العرائس من فاس [2] وتوعد ابن عمه محمد بن عثمان فاعتذر بأنه امتثل وصيته، فاستشاط وتهدده واتسع الخرق بينهما، وارتحل محمد بن عثمان بسلطانه ومدده من عسكر الأندلس إلى أن احتل بجبل زرهون [3] المطل على مكناسة، فعسكر به، واشتملوا عليه، وزحف إليهم الوزير أبو بكر وصعد الجبل فقاتلوه وهزموه، ورجع إلى مكانه بظاهر دار الملك، وكان السلطان ابن الأحمر قد أوصى محمد بن عثمان بالاستعانة بالأمير عبد الرحمن والاعتضاد به، ومساهمته في جانب من أعمال المغرب يستبد به لنفسه، فراسله محمد ابن عثمان في ذلك، واستدعاه واستمده وكان ونزمار بن عريف ولي سلفهم قد أظلم الجو بينه وبين الوزير أبي بكر، لأنه سأله وهو يحاصر تازى في الصلح مع الأمير عبد الرحمن فامتنع، واتهمه بمداخلته والميل له، فاعتزم على التقبض عليه، ودس إليه بعض عيونه، فركب الليل ولحق بأحياء الأحلاف من المعقل، وكانوا شيعة للأمير عبد الرحمن، ومعهم علي بن عمر الويغلاني كبير بني ورتاجن، كان انتقض على الوزير ابن غازي ولحق بالسوس [4] . ثم خاض القفر إلى هؤلاء الأحلاف فنزل بينهم مقيما لدعوة الأمير عبد الرحمن، فجاءهم ونزمار مفلتا من حبالة الوزير أبي بكر وحرضهم على ما هم فيه، ثم بلغهم خبر السلطان أحمد بن أبي سالم ووزيره محمد ابن عثمان، وجاءهم وافد الأمير عبد الرحمن يستدعيهم. وخرج من تازي فلقيهم، ونزل بين أحيائهم، ورحلوا جميعا إلى إمداد السلطان أبي العباس حتى انتهوا إلى صفروي [5] . ثم اجتمعوا جميعا على وادي النجا، وتعاقدوا على شأنهم، وأصبحوا غدا على التعبية، كل من ناحيته.

وركب الوزير أبو بكر لقتالهم فلم يطق، وولى منهزما فانحجر بالبلد الجديد [1] ، وخيم القوم بكدية العرائس محاصرين له، وذلك أيام عيد الفطر من سنة خمس وسبعين وسبعمائة فحاصروها ثلاثة أشهر وأخذوا بمخنقها إلى أن جهد الحصار الوزير ومن معه، فأذعن للصلح على خلع الصبي المنصوب السعيد ابن السلطان عبد العزيز، وخروجه إلى السلطان أبي العباس ابن عمه، والبيعة له، وكان السلطان أبو العباس والأمير عبد الرحمن قد تعاهدوا عند الاجتماع بوادي النجا على التعاون والتناصر، على أن الملك للسلطان أبي العباس بسائر أعمال المغرب، وأن للأمير عبد الرحمن بلد سجلماسة ودرعة [2] والأعمال التي كانت لجده السلطان أبي علي أخي السلطان أبي الحسن. ثم بدا للأمير عبد الرحمن في ذلك أيام الحصار، واشتط بطلب مراكش وأعمالها فأغضوا له في ذلك، وشارطوه على ذلك حتى يتم لهم الفتح، فلما انعقد ما بين السلطان أبي العباس والوزير أبي بكر، وخرج إليه من البلد الجديد، وخلع سلطانه الصبي المنصوب، ودخل السلطان أبو العباس إلى دار الملك فاتح ست وسبعين وسبعمائة وارتحل الأمير عبد الرحمن يغذ السير إلى مراكش، وبدا للسلطان أبي العباس ووزيره محمد بن عثمان في شأنه، فسرحوا العساكر في اتباعه، وانتهوا خلفه إلى وادي بهت فواقفوه ساعة من نهار، ثم أحجموا عنه، وولوا على راياتهم، وسار هو إلى مراكش، ورجع عنه وزيره مسعود بن ماسي بعد أن طلب منه الإجازة إلى الأندلس يتودع بها، فسرحه لذلك، وسار إلى مراكش فملكها.

وأما أنا فكنت مقيما بفاس في ظل الدولة وعنايتها، منذ قدمت على الوزير سنة أربع وسبعين وسبعمائة كما مر، عاكفا على قراءة العلم وتدريسه، فلما جاء السلطان أبو العباس والأمير عبد الرحمن وعسكروا بكدية العرائس، وخرج أهل الدولة إليهم من الفقهاء والكتاب والجند، وأذن للناس جميعا في مباكرة أبواب السلطانين من غير نكير في ذلك، فكنت أبا كرهما معا، وكان بيني وبين الوزير محمد بن عثمان ما مر

ذكره قبل هذا، فكان يظهر لي رعاية ذلك، ويكثر من المواعيد، وكان الأمير عبد الرحمن يميل إلي ويستدعيني أكثر أوقاته، ويشاورني في أحواله، فغص بذلك الوزير محمد بن عثمان وأغرى سلطانه فتقبض علي. وسمع الأمير عبد الرحمن بذلك، وعلم أني إنما أتيت من جراه، فحلف ليقوضن خيامه، وبعث وزيره مسعود بن ماسي لذلك، فأطلقني من الغد، ثم كان افتراقهما لثالثة. ودخل الأمير أبو العباس دار الملك، وسار الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وكنت أنا يومئذ مستوحشا، فصحبت الأمير عبد الرحمن معتزما على الإجازة إلى الأندلس من ساحل آسفي، معولا في ذلك على صحابة الوزير مسعود بن ماسي لهواي فيه، فلما رجع مسعود ثني عزمي في ذلك، ولحقنا بونزمار بن عريف بمكانه من نواحي كرسيف، لتقدمه وسيلة إلى السلطان أبي العباس صاحب فاس في الجواز إلى الأندلس، ووافينا عنده داعي السلطان فصحبناه إلى فاس، واستأذنه في شأني، فأذن لي بعد مطاولة وعلى كره من الوزير محمد بن عثمان بن داود بن أعراب، ورجال الدولة.

وكان الأخ يحيى لما رحل السلطان أبو حمو من تلمسان، رجع عنه من بلاد زغبة إلى السلطان عبد العزيز، فاستقر في خدمته، وبعده في خدمة ابنه السعيد المنصوب مكانه. ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان، فأذن له وقدم على السلطان أبي حمو، فأعاده لكتابة سره كما كان أول أمره، وأذن لي أنا بعده فانطلقت إلى الأندلس بقصد القرار والدعة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** الاجازة الثانية إلى الأندلس ثم إلى تلمسان واللحاق بأحياء العرب والمقامة عند أولاد عريف **

ولما كان ما قصصته من تنكر السلطان أبي العباس صاحب فاس والذهاب مع الأمير عبد الرحمن، ثم الرجوع عنه إلى ونزمار بن عريف طلبا للوسيلة في انصرافي إلى الأندلس بقصد الفرار والانقياض، والعكوف على قراءة العلم، فتم ذلك ووقع الإسعاف به بعد الامتناع، وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست وسبعين وسبعمائة ولقيني السلطان بالكرامة وأحسن النزل على عادته، وكنت لقيت بجبل الفتح كاتب

السلطان ابن الأحمر من بعد ابن الخطيب الفقيه أبا عبد الله بن زمرك، ذاهبا إلى فاس في غرض التهنئة، وأجاز إلى سبتة في أسطوله، وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة، فلما وصل إلى فاس، وتحدث مع أهلي في إجازتهم، تنكروا لذلك، وساءهم استقراري بالأندلس، واتهموا أني ربما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن الذي اتهموني بملابسته، ومنعوا أهلي من اللحاق بي.

وخاطبوا ابن الأحمر في أن يرجعني إليهم، فأبى من ذلك، فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان، وكان مسعود بن ماسي قد أذنوا له في اللحاق بالأندلس، فحملوه مشافهة السلطان بذلك، وأبدوا له اني كنت ساعيا في خلاص ابن الخطيب، وكانوا قد اعتقلوه لأول استيلائهم على البلد الجديد وظفرهم به. وبعث إليه [1] ابن الخطيب مستصرخا به، ومتوسلا، فخاطبت في شأنه أهل الدولة، وعولت فيه منهم على ونزمار وابن ماسي، فلم تنجح تلك السعاية، وقتل ابن الخطيب بمحبسه، فلما قدم ابن ماسي على السلطان ابن الأحمر وقد أغروه بي فألقى إلى السلطان ما كان مني في شأن ابن الخطيب، فاستوحش من ذلك، وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة، ونزلت بهنين والجو بيني وبين السلطان أبي حمو مظلم بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب كما مر. فأوعز بمقامي بهنين، ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث عني إلى تلمسان، واستقررت بها بالعباد، ولحق بي أهلي وولدي من فاس، وأقاموا معي وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين وسبعمائة وأخذت في بث العلم، وعرض للسلطان أبي حمو رأي في الزواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه ونكرته على نفسي لما آثرته من التخلي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهرا، وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول [2] فلقوني بالتحف والكرامة، وأقمت بينهم أياما حتى بعثوا عن أهلي وولدي بتلمسان، وأحسنوا العذر إلى السلطان عني في العجز عن قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة أولاد سلامة [3] من بلاد بني توجين التي صارت لهم بأقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة

أعوام متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسألت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها، وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الفيئة الى السلطان أبي العباس بتونس) **

ولما نزلت بقلعة ابن سلامة من أحياء أولاد عريف، وسكنت بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها. ثم طال مقامي هنالك وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكف على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوفت إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت النكير من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أربى على البنية لولا ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم، وآثارهم وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته، والمراجعة، فما كان غير بعيد، وإذا بخطابه وعهوده بالإذن والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوق للرحلة فظعنت عن أولاد عريف مع عرب الاجص [1] من بادية رياح، كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس، وارتحلنا في رجب سنة ثمانين وسبعمائة وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطراف الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار [2] الضيعة التي اختطها بالزاب، فرحلت معهم [3] إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة، ومعه صاحبها الأمير إبراهيم ابن السلطان أبي العباس بمخيمه ومعسكره، فحضرت عنده وقسم لي من بره وكرامته فوق الرضى وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة وإقامة أهلي في كفالة إحسانه، ريثما أصل إلى حضرة أبيه، وبعث يعقوب بن علي معي ابن أخيه أبي دينار في جماعة من قومه،

وسرت إلى السلطان أبي العباس وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى بلاد الجريد لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته بظاهر سوسة، فحيا وفادتي بر مقدمي وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمات أموره، ثم ردني إلى تونس وأوعز إلى نائبة بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية من الجراية والعلوفة، وجزيل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وحرمته، وبعثت إلى الأهل والولد وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني، وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمدا المنتصر بتوزر [1] وجعل نفطة ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفرا مزهرا، فأقبل علي واستدناني لمجالسته، والنجاء في خلوته، فغص بطانته من ذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا محمد بن عرفة، وكان في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المرسي بمجالسة الشيوخ، فكثيرا ما كان يظهر شفوفي [2] عليه، وإن كان أسن مني فاسودت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه، ولما قدمت تونس انثال علي طلبة العلم من أصحابه وسواهم يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفتهم بذلك، فعظم عليه، وكان يسر التنفير إلى الكثير منهم، فلم يقبلوا، واشتدت غيرته ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على شأنهم في التأنيب والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معرض عنهم في ذلك، وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوقه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل فأكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل الي منها، وأكملت منها نسخة رفعتها إلى خزانته. وكان مما يغرون به السلطان قعودي على امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلما رفعت له الكتاب وتوجته باسمه أنشدت في

ذلك اليوم هذه القصيدة امتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته، واعتذر عن انتحال الشعر واستعطفه بهدية الكتاب إليه فقلت:

هل غير بابك للغريب مؤمل ... أو عن جنابك للاماني معدل

هي همة بعثت إليك على النوى ... عزما كما شحذا لحسام الصيقل

متبوأ الدنيا ومنتجع المنى ... والغيث حيث العارض المتهلل

حيث القصور الزاهرات منيفة ... تعنو لها زهر النجوم وتحفل [1]

حيث الخيام البيض ترفع للقرى ... قد فاح في أرجائهن المندل [2]

حيث الحمى للعز في ساحاته ... ظل أفاءته الوشيج الذبل

حيث الرماح يكاد يورق عودها ... مما تعل من الدماء وتنهل

حيث الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيهم والمندل

حيث الجياد أملن شجعان الوغى ... مما أطالوا في المنار وأوغلوا [3]

حيث الوجوه الغر قنعها الحيا ... والبشر في صفحاتها يتهلل

حيث الملوك الصيد والنفر الألى ... عز الجوار لديهم والمنزل

من شيعة المهدي بل من شيعة ... التوحيد جاء به الكتاب مفصل [4]

شادوا على التقوى مباني عزهم ... لله ما شادوا بذاك وأثلوا

بل شيعة الرحمن ألقى حبهم ... في خلقه فسموا بذاك وفضلوا

قوم أبو حفص أب لهم وما ... أدراك والفاروق جد أول [5]

نسب كما اضطردت أنابيب القنا ... وأتى على تقويمهن معدل

سام على هام الزمان كأنه ... للفجر تاج بالبدور مكلل

فضل الأنام حديثهم وقديمهم ... ولأنت إن نصبوا أعزوا أفضل

وبنوا على قلل التخوم ووطدوا ... وبناؤك العالي أشد وأطول

ولقد أقول لخائض بحر الغلا ... والليل مدثر الجوانب أليل [1]

ماض على غول الدجى لا يتقي ... منها وذا بله ذبال مشعل

متقلب فوق الرماح [2] كأنه ... طيف بأطراف المهاد موكل

يبغي منال الفوز من طرق الغنى ... ويرود مخصبها الذي لا يمجل

أرح الركاب فقد ظفرت بواهب ... يعطي عطاء المنعمين فيجزل

لله من خلق كريم في الندى ... كالروض حياه ندي مخضوضل

هذا أمير المؤمنين إمامنا ... في الدين والدنيا إليه الموئل

هذا أبو العباس خير خليفة ... شهدت له الشيم التي لا تجهل

مستنصر بالله في قهر العدا ... وعلى إعانة ربه متوكل

سبق الملوك إلى العلا متمهلا ... لله منك السابق المتمهل

فلأنت أعلى المالكين وإن غدوا ... يتسابقون إلى العلاء وأكمل

قائس قديما منهم بقديمكم [3] ... فالأمر فيه واضح لا يجهل

دانوا لقومكم بأقوم طاعة ... هي عروة الدين التي لا تفصل

سائل تلمسانا بها وزناتة ... ومرين قبلهم كما قد ينقل

وأسأل بأندلس مدائن ملكها ... تخبرك حين استأنسوا واستأهلوا

وأسأل بذا مراكشا وقصورها ... فلقد تجيب رسومها من يسأل

يا أيها الملك الوفي يا ذا الذي ... ملاء القلوب وفوق ما يتمثل [4]

لله منك مؤيد عزماته ... تمضي كما يمضي القضاء المرسل

حيث الزمان يحت أعظم حته [5] ... فافتر عنه وهو أكلح أعضل

والشمل من أنبائه متصدع ... وعلا خلافتهم [6] مضاع مهمل

والخلق قد صرفوا إليك قلوبهم ... ورجوا إصلاح الحال منك وأملوا

فعجلته لما انتدبت لأمره ... بالبأس والعزم الذي لا يمهل

ذللت منه جامحا لا ينثني ... سهلت وعرا كاد لا يتسهل

وألنت من سوس العتاة وذدتهم ... عن ذلك الحرم الذي قد حللوا

كانت لصولة صولة ولقومه ... يعدو ذؤيب بها وتسطو المعقل

ومهلهل تسدي وتلحم في التي ... ما أحكموها فهي بعد مهلهل

والمراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أولاد أبي الليل. وذؤيب هو ابن عمه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم، ومهلهل هم بنو مهلهل بن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجع إلى وصف العرب وأحيائهم:

عجب الأنام لشأنهم بادون قد ... قذفت بحيهم المطي الذلل

رفعوا القباب على العماد وعندها ... الجرد السلاهب والرماح العسل [1]

في كل طامي الرب منعقد الحصا [2] ... تهدي للجته الظماء فتنهل

حي شرابهم السراب ورزقهم ... ريح يروح به الكمي ومنصل [3]

حي حلول بالعراء ودونهم ... قذف النوى إن يظعنوا أو يقبلوا

كانوا يروعون الملوك بما بدوا ... وغدت ترفه بالنعيم وتخضل

فبدوت لا تلوي على دعة ولا ... تأوي إلى ظل القصور وتهزل [4]

طورا يصافحك الهجير وتارة ... فيه بخفاق البنود تظلل

وإذا تعاطى الضمر في يوم الوغى [5] ... كأس النجيع فبالصهيل تعلل

مخشوشنا في العز معتملا له ... في مثل هذا يحسن المستعمل

تفري حشى البيداء لا يسري بها ... ركب ولا يهوي إليه جحفل

وتجر أذيال الكتائب فوقها ... تختال في السمر الطوال وترفل

ترميهم منها بكل مدجج ... شاكي السلاح إذا استعار الأعزل

وبكل أسمر غصنه متأود ... وبكل أبيض شطه متهدل

حتى تفرق ذلك الجمع الألى ... عصفت بهم ريح الجلاء فزلزلوا

ثم استملتهم بنعمتك [1] التي ... خضعوا لعزك بعدها وتذللوا

ونزعت من أهل الجريد غواية ... وقطعت من أسبابها ما أوصلوا

خربت من بنيانها ما شيدوا ... وقطعت من أسبابها ما أصلوا

ونظمت من أمصاره وثغوره ... للملك عقدا بالفتوح يفصل

فسددت مطلع النفاق وأنت لا ... تنبو ظباك ولا العزيمة تنكل

بشكيمة مرهوبة وسياسة ... تجري كما يجري فرات سلسل

عذب الزمان لها ولذ مذاقه ... من بعد ما قد مر منه الحنظل

فضوى الأنام لعز أروع مالك ... سهل الخليقة ما جد متفضل

وتطابقت فيه القلوب على الرضا ... سيان منها الطفل والمتكهل

يا مالكا وسع الزمان وأهله ... عدلا وأمنا فوق ما قد أملوا

فالأرض لا يخشى بها غول ولا ... يعدو بساحتها الهزبر المشبل

والسرب يجتابون كل تنوفة ... سرب القطا ما راعهن الأجدل [2]

سبحان من بعلاك قد أحيا المنى ... وأعاد حلي الجيد وهو معطل

سبحان من بهداك أوضح للورى ... قصد السبيل فأبصر المتأمل

فكأنما الدنيا عروس تجتلى ... فتميس في حلل الجمال وترفل

وكأن مطبقة البلاد بعدله ... عادت فسيحا ليس فيها مجهل

وكأن أنوار الكواكب ضوعفت ... من نور غرته التي هي أجمل

وكأنما رفع الحجاب لناظر ... فرأى الحقيقة في الذي يتخيل

ومنها في العذر عن مدحه:

مولاي غاضت فكرتي وتبلدت ... مني الطباع فكل شيء مشكل

تسمو إلى درك الحقائق همتي ... فأصد عن إدراكهن وأعزل

وأجد ليلى في امتراء قريحتي [1] ... فتعود غورا بعد ما تسترسل

فأبيت يختلج [2] الكلام بخاطري ... والنظم يشرد والقوافي تجفل

وإذا امتريت العفو منه جاهدا ... عاب الجهابذ صنعه واسترذلوا

من بعد حول انتقيه ولم يكن ... في الشعر لي قول يعاب ويمهل [3]

فأصونه عن أهله متواريا ... أن لا يضمهم وشعري محفل

وهي البضاعة في القبول نفاقها ... سيان فيه الفحل والمتطفل

وبنات فكري إن أتتك كليلة ... زهراء [4] تخطر في القصور وتخطل

فلها الفخار إذا منحت قبولها ... وأنا على ذاك البليغ المقول

ومنها في ذكر الكتاب المؤلف بخزانته:

وإليك من سير الزمان وأهله ... عبرا يدين بفضلها من يعدل

صحفا تترجم عن أحاديث الاولى ... درجوا [5] فتجمل عنهم وتفصل

تبدي التبابع والعمالق سرها ... وثمود قبلهم وعاد الأول

والقائمون بملة الإسلام من ... مضر وبربرهم إذا ما حصلوا

لخصت كتب الأولين بجمعها ... وأتيت أولها بما قد أغفلوا

وألنت حوشي الكلام كأنما ... سرد للغات بها لنطقي ذلل

وجعلته لسوار ملكك مفخرا ... يبهي الندي به ويزهو المحفل [6]

والله ما أسرفت فيما قلته ... شيئا ولا الاسراف مني يجمل

ولأنت أرسخ في المعالي رتبة ... من أن يموه عنده متطفل

فملاك كل فضيلة وحقيقة ... الناس تعرف فضلها [7] ان بدلوا

والحق عندك في الأمور مقدم ... أبدا فماذا يدعيه المبطل

والله أعطاك التي لا فوقها ... فاحكم بما ترضى فأنت الأعدل

أبقاك ربك للعباد تربهم ... فالله يخلقهم ورعيك يكفل

وكنت انصرفت من معسكره على سوسة إلى تونس، بلغني وأنا مقيم بها أنه أصابه في طريقه مرض، وعقبه برء فخاطبته بهذه القصيدة:

ضحكت وجوه الدهر بعد عبوس ... وتخللتنا رحمة من بوس

وتوضحت غرر البشائر بعد ما ... انبهمت فأطلعها حداة العيس [1]

صدعوا بها ليل الهموم كأنما ... صدعوا الظلام بجذوة المقبوس

فكأنهم جنات عدن في الورى [2] ... نشرت لها الآمال من مرموس

قرت عيون الخلق منها بالتي ... شربوا النعيم لها بغير كؤوس

يتمايلون من المسرة والرضا ... ويقابلون أهلة بشموس

من راكب وافى يحيى راكبا ... وجليس أنس قاده لجليس

ومشفع لله يؤنس عنده ... أثر الهدى في المعهد المأنوس

يعتد منها رحمة قدسية ... فيبوء للرحمن بالتقديس

طب بإخلاص الدعاء وإنه ... يشفي من الداء العيا والبوس [3]

والمعني به إمام الجامع الأعظم، جامع الزيتونة بتونس.

يا ابن الخلافة [4] والذين بنورهم ... نهجت سبيل الحق بعد دروس

والناصر الدين القويم بعزمه ... طردت إمامتها بغير عكوس [5]

هجر المنى فيها ولذات المنى ... في لذة التهجير والتغليس [6]

حاط الرياضة بالسياسة فانطوت [7] ... منه لا كرم مالك وسيوس

أسد يحامي عن حمى أشباله ... حتى ضووا منه لأمنع خيس [1]

قسما بموشي البطاح وقد غدت ... تختال زهوا في ثياب عروس

والماثلات من الحنايا. جثما ... بالبيد من طسم وفل جديس

وخز البلى منها الغوارب والذرى ... فلفتن حذرا بالعيون الشوس

لبقاك حرز للأنام وعصمة ... وحياة أرواح لنا ونفوس

ولأنت كافل ديننا بحماية ... لولاك ضيع عهدها وتنوسي

الله أعطاك التي لا فوقها ... وحباك حظا بالموكوس [2]

تعنو القلوب إليك قبل وجوهنا ... سيان من رأس ومن مرءوس

فإذا أقمت فإن رعبك راحل ... يحمي على الأعداء كل وطيس

وإذا رحلت فالسعادة آية ... تقتادها في موكب وخميس

وإذا الأدلة في الكمال تطابقت ... جاءت بمسموع لها ومقيس

فأنعم بملكك دولة عادية ... تشقي الأعادي بالعذاب البئيس [3]

وإليكها مني على خجل بها ... عذراء قد حليت بكل نفيس

عذراك قد طمس الشباب ونوره ... وأضاء صبح الشيب عند طموس

لولا عنايتك التي أوليتني ... ما كنت أعني بعدها بطروس [4]

والله ما أبقت ممارسة النوى ... مني سوى رسم أمر دريس [5]

أنحى الزمان علي في الأدب الذي ... دارسته بمجامع ودروس

فسطا على فرعي [6] وروع مأمني ... واجتث من دوح النشاط غروسي

ورضاك رحمتي التي أعتدها ... تحيي منى نفسي وتذهب بؤسي

ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب بتونس القائد

فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامي معه خشية على أمره مني بزعمه، وتواطئوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان حتى شهد به في غيلة مني ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعث إلي وأمرني بالسفر معه، فسارعت إلى الامتثال، وقد شق ذلك علي، إلا أني لم أجد محيصا، فخرجت معه وانتهيت إلى تبسة، وسط وطن تلول إفريقية، وكان منحدرا في عسكره وتوابعه من العرب إلى توزر لأن ابن يملول أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة واستنقذها من يد ابنه، فسار السلطان إليه، وشرده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ولما نهض من تبسة رجعني إلى تونس فأقمت بضيعة الرياحين من نواحيها لضم زراعتي [1] بها الى أن قفل السلطان ظافرا منصورا فصحبته إلى تونس.

ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أجمع السلطان الحركة إلى الزاب بما كان صاحبه ابن مزني قد آوى ابن يملول إليه ومهد له في جواره، فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السنة قبلها، وكان بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعتهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسي والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم. فودعتهم وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرعت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله ولي الأمور سبحانه.

** (الرحلة الى المشرق وولاية القضاء بمصر) **

ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له. وأقمت بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي

العقدة فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل بشاطئ النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم العلل والنهل سيحه، ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجه [1] ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نتحدث بهذا البلد وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم في الحديث عنه، سألت صاحبنا كبير الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري مقدمه من الحج سنة أربعين وسبعمائة فقلت له: كيف هذه القاهرة؟

فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام.

وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من السحاب [2] يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب.

وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية [3] إلى الضريح الكريم سنة ست وخمسين وسبعمائة فسألته عن القاهرة فقال.

أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها الاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون لذلك.

ولما دخلتها أقمت أياما وانثال علي طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها.

ثم كان الاتصال بالسلطان فأبر مقامي وآنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته شأنه

مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر اغتباطا بعودي إليه فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه لتخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصه [1] .

بسم الله الرحمن الرحيم [2] . 1: 1 عبد الله ووليه أخوه برقوق [3] [

......

] [4] .

السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل، المؤيد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفر، الشاهنشاه، سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، مولى الإحسان، مملك أصحاب التخوت والأسرة والتيجان، واهب الأقاليم والأقطار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم [5] أمير المؤمنين [6] ، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس [7] . خلد الله سلطانه، ونصر

جيوشه وأعوانه- يخص الحضرة السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة الدنيا والدين، قدوة الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه غرفات العز في الدنيا والاخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ولاح سعده، ووداد زاد وجده، وجاد جده.

اما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجنادا مجندة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره الله بالرعب مسيرة شهر وأيده [1] وأعلى به منار الدين وشيده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبدة. فإننا نوضح لعلمه الكريم، أن الله- وله الحمد- جعل جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر إعلامه، ومحبة أهله وخدامه، وتيسير مقاصدهم، وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية، فإن العلماء رضي الله عنهم ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيما من رزقه الله الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل من سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس [2] .

السامي، الشيخي، الأجلي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلامي القدوة، المقتدي، الفريدي، المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي [3] ، جمال الإسلام والمسلمين، جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد

الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين [1] عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحق بالرعاية وأجل قدرا، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رغبة عن بلاده، بل تحببا إلينا، وتقربا إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه فوق ما في النفوس، مما يجل عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب، وما برح- من حين ورد علينا- يبالغ في شكر الحضرة العلية، ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواطرنا الشريفة إلى حبها، وآثرنا المكاتبة إليها.

«والعين تعشق قبل الأذن أحيانا» [2]

وذكر لنا في أثناء ذلك، أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العلية، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العلية لهذين السببين الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العلية بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يقدم أمره العالي بطلب أهل الشيخ ولي الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصية بهم، وتجهيزهم إليه مكرمين، محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة للعلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتأكيد عليهم في هذا المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتم بذلك على ما عهد من محبته، وجميل اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسه بملائكته وآياته، بمنه ويمنه إن شاء الله.

كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية [1] بمصر، من وقف صلاح الدين بن أيوب، فولاني تدريسها مكانه [2] ، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية [3] في دولته، لبعض النزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل منهم قاضي القضاة، تمييزا عن الحكام بالنيابة عنهم، لاتساع خطة هذا المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقا وغربا، وبالصعيد [4] والفيوم [5] ، واستقلاله بالنظر في أموال اليتامى والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة السلطان قديما بالولاية إنما كانت تكون له.

فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين وسبعمائة اختصني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكري وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا إمضاءه وخلع علي بإيوانه وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقمت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود ووفيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة، ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة مسويا بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين جانحا إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل

الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطا بالفاجر، والطيب ملتبسا بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم، متجاوزون عما يظهر عليهم من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاء، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بمرجع العقاب، ومؤلم النكال وتأدى لعلمي الجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب الدواوين للقضاة والتوقيع في مجالسهم، وتدربوا على إملاء الدعاوي وتسجيل الحكومات [1] ، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف [2] على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة بجاههم يدرعون [3] به مما يتوقعونه من مغبتهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم، وقد يسلط بعض قلمه، على العقود المحكمة فيوجد السبيل إلى حلها بوجه فقهي أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصا في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر لكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للأحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا، شارطوه وأجابوه مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا فيه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب، وفشا من ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر [4] في العقود والأملاك.

فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت إلى أهل الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب الحيرة لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، فبينما هم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة، ولا يكادون إذا بهم ظهروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها وتناولوها بالجزاف، وأجازوها من غير مرتب [5] ولا مستند للأهلية، ولا مرشح، إذ

الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منها رسنا، ويتناول من حافته شقا، يروم به الفتح [1] على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاء أمنيته متتبعا إياه في شغب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذر وأهلية المفتي وشهرة الإفتاء عندنا [2] ، فلا يكاد هذا المدى ينحسم [3] ولا الشغب ينقطع.

فصدعت في ذلك بالحق وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، ولا ينتمون إلى شيخ معروف مشهود، ولا يعرف لهم كتاب في فن اتخذوا الناس هزوا وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض ومثابة [4] للحرم، فأرغمهم ذلك مني وملأهم حسدا، وحقدوا علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، ليشترون بها الجاه، ويجترءوا به على الله، وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم، يترخصون به الإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت حكم الله فيمن أجازوه، فلم يغنوا عن الله شيئا وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة، وانطلقوا يواطئون السفهاء من النيل في عرضي، وسوء الاحدوثة عني بمختلق الافك وقول الزور، ويبثونه في الناس ويدسون إلى السلطان التظلم مني، فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب على الله، ما منيت به في هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض على سبيل سوي من الصرامة وقوة الشكيمة، وتحري العدالة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والإعراض متى غمزني لامسها ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة فنكروه مني ودعوني إلى متابعتهم فيما

يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناء على أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعلمون أن قد تمالئوا عليه.

وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة إذا علموا خلافها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قضيت له من حق أخيه شيئا فإنما أقضي له من النار» .

فأبيت من ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها، ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع علي البا [1] ولمن ينادي بالتأفف مني عونا، وفي النكير علي أمة، وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير وجه الحق، لاعتمادي على علمي في الجرح، وهي قضية إجماع. وانطلقت الألسن، وارتفع الصخب وأرادني بعض على الحكم بغرضهم، فتوقفت وأغروا بي الخصوم، فتنادوا بالتظلم عند السلطان، فجمع القضاة وأهل الفتياء في مجلس جعل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبين أمرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله تعالى إرغاما لهم، فغدوا على حرد قادرين، ودسوا الأولياء السلطان وعظماء الدولة، يقبحون لهم إهمال جاههم ورد شفاعاتهم، مموهين بأن الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إلي، تبعث الحليم وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم علي ويشربونهم البغضاء إلي، والله يجازيهم وسائلهم.

فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته خشية من نكير السلطان وسخطه، فتوقفت بين الورد والصدر على صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني وشملتني نعمة السلطان أيده الله في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت كما زعموا مصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول، وأنشطني من عقالها، فانطلقت حميد

الأثر مشيعا من الكافة بالأسد والدعاء، وحميد الثناء، تلحظني العيون بالرحمة وتتناجى الآمال في بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعا فيه قبل من مراعي نعمته وظل رضاه وعنايته بالعافية التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه، عاكفا على تدريس علم أو قراءة كتاب أو إعمال قلم في تدوين أو تأليف، مؤملا من الله قطع صبابة العمر [1] في العبادة، ومحو عائق السعادة، بفضل الله ونعمته.

** (السفر لقضاء الحج) **

ثم مكثت بعد العزل ثلاث سنين، واعتزمت على قضاء الفريضة، فودعت السلطان والأمراء وزودوا وأعانوا فوق الكفاية، وخرجت من القاهرة منتصف رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة إلى مرسي الطور [2] بالجانب الغربي من بحر السويس، وركبت البحر من هنالك عاشر الفطر، ووصلنا إلى الينبع [3] لشهر فوافينا المحمل، ورافقتهم من هنالك إلى مكة، ودخلتها ثاني ذي الحجة، فقضيت الفريضة في هذه السنة.

ثم عدت إلى الينبع فأقمت بها خمسين ليلة حتى تهيأ لنا ركوب البحر، ثم سافرنا إلى أن قاربنا مرسى الطور، فاعترضتنا الرياح فما وسعنا إلا قطع البحر إلى جانبه الشرقي، ونزلنا بساحل القصير [4] ثم بذرقنا، ثم سرنا مع أعراب تلك الناحية إلى مدينة قوص [5] قاعدة الصعيد، فأرحنا بها أياما، ثم ركبنا في بحر النيل إلى مصر، فوصلنا إليها لشهر من سفرنا، ودخلتها في جمادى سنة تسعين وسبعمائة وقضيت حق السلطان في لقائه، وإعلامه بما اجتهدت فيه من الدعاء له، فتقبل ذلك بقبول حسن، وأقمت فيما عهدت من رعايته وظل إحسانه.

وكنت لما نزلت بالينبع لقيت بها الفقيه الأديب المتفنن أبا القاسم بن محمد بن شيخ الجماعة، وفارس الأدباء، ومنفق سوق البلاغة، أبي إسحاق إبراهيم الساحلي المعروف جده بالطويجن وقد قدم حاجا وفي صحبته كتاب رسالة من صاحبنا الوزير الكبير العالم كاتب سر السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، الحظي لديه أبي عبد الله بن زمرك، خاطبني فيه بنظم ونثر يتشوف ويذكر بعهود الصحبة نصه:

سلوا البارق النجدي على عمل نجدي [1] ... تبسم فاستبكى جفوني من الوجد

أجاد ربوعي باللوى، درك [2] اللوى ... وسح به صوب الغمائم من بعدي

ويا زاجر الأظعان وهي ضوامر ... دعوها ترد هيما عطاشا على نجد

ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبا ... فإن زفير الشوق من مثلها يعدي

براها الهوى بري القداح وخطها ... حزون [3] على صفح من القفر ممتد

عجبت لها أني تجاذبني الهوى ... وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي

لئن شاقها بين العذيب وبارق ... مياه بفيء الظل للبان والرند [4]

فما شاقني إلا بدور خدورها ... وقد لحن يوم النفر في قضب ملد [5]

فكم في قباب الحي من شمس كلة ... وفي فلك الأزرار من قمر سعد

وكم صارم قد سل من لحظ أحور ... وكم ذابل قد هز من ناعم القد

خذوا الحذر من سكان رامة إنها ... ضعيفات كر اللحظ تفتك بالأسد

سهام جفون من قسي حواجب ... يصاب بها قلب البري على عمد

وروض جمال ضاع عرف نسيمه ... وما ضاع غير الورد في صفحة الخد

ونرجس لحظ أرسل الدمع لؤلؤا ... فرش بماء الورد روضا من الورد

وكم غصن قد عانق الغصن مثله ... وكل على كل من الشوق يستعدي

قبيح وداع قد جلا لعيوننا ... محاسن من روض الجمال بلا عد

رعى الله ليلى لو علمت طريقها ... فرشت لأخفاف المطي بها خدي

وما شاقني والطيف يرهب أدمعي ... ويسبح في بحر من الليل مزبد

وقد سل خفاق الذوائب بارق ... كما سل لماع الصقال من الغمد

وهزت محلاة يد الشوق في الدجى ... فحل الذي أبرمت للصبر من عقدي

وأقلق خفاق الجوانح نسمة ... تنم مع الأصباح خافقة البرد

وهب عليل لف طي بروده ... أحاديث أهداها إلى الغور من نجد [1]

سوى صادح في الأيك لم يدر ما الهوى ... ولكن دعا مني الشجون على وعد

فهل عند ليلى نعم الله ليلها ... بأن جفوني ما تمل من السهد

وليلة إذ وافى الحجيج إلى منى [2] ... وفت لي المنى منها بما شئت من قصد

فقضيت منها فوق ما أحسب المنى ... وبرد عفاف صانه الله من برد

وليس سوى لحظ خفي نجيله ... وشكوى كما ارفض الجمان من العقد

غفرت لدهري بعدها كل ما جنى ... سوى ما جشى [3] وفد المشيب على فودي

عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتي ... وما زال فضل الضد يعرف بالضد

ومن نام في ليل الشباب ضلالة ... سيوقظه صبح المشيب إلى الرشد

أما والهوى ما حدت عن سنن الهدى [4] ... ولا جرت في طرق الصبابة عن قصد

تجاوزت حد العاشقين الأولى مضوا [5] ... وأصبحت في دين الهوى أمة وحدي

نسيت وما أنسى وفائي لخلتي ... وأقفر ربع القلب إلا من الوجد

إليك أبا زيد شكاة رفعتها ... وما أنت من عمر ولدي ولا زيد

بعيشك خبرني وما زلت مفضلا ... أعندك من شوق كمثل الذي عندي

فكم ثار بي شوق إليك مبرح ... فظلت يد الأشواق تقدح من زندي

وصفق حتى الريح في لمم الربى ... وأشفق حتى الطفل في كبد المهد

يقابلني منك الصباح بوجنة ... حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدي

وتوهمني الشمس المنيرة غرة ... بوجهك صان الله وجهك عن رد

محياك أجلى في العيون من الضحى ... وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد

وما أنت إلا الشمس في علو أفقها ... نفديك من قرب وتلحظ من بعد

وفي ماغمة [1] من لا ترى الشمس عينه ... وما نفع نور الشمس في الأعين الرمد

من القوم صانوا المجد صون عيونهم ... كما قد أباحوا المال ينهب للرفد

إذا ازدحموا يوما على الماء أسرة ... فما ازدحموا إلا على مورد المجد

ومهما أغاروا منجدين صريخهم ... يشبون نار الحرب في الغور والنجد

ولم يقتنوا بعد الثناء [2] ذخيرة ... سوى الصارم المصقول والصافن النهد

وما اقتسم الأنفال إلا ممدح ... بلاها بأعراف المطهمة الجرد [3]

أتنسى ولا تنسى ليالينا التي ... خلسنا بها العينين من جنة الخلد [4]

ركبنا إلى اللذات في طلق الصبا ... مطايا الليالي وادعين إلى حد

فإن لم ندر فيها الكئوس فإننا ... وردنا بها للأنس مستعذب الورد

لقيتك [5] في غرب وأنت رئيسه ... وبابك للأعلام مجتمع الوفد

فآنست حتى ما شكوت بغربة ... وواليت حتى لم أجد مضض الفقد

وعدت لقطري شاكرا ما بلوته ... من الخلق المحمود والحسب العد [6]

إلى أن أجزت البحر يا بحر نحونا ... وزرت مزار الغيث في عقب الجهد

ألذ من النعمى على حال فاقة ... وأشهى من الوصل الهني على صد

ولو ساء أن قوضت رحلك بالنوى ... وعوضت منها بالزميل وبالوخد [7]

لقد سرني أن لحت في أفق العلا ... على الطائر الميمون والطالع السعد

طلعت بأفق الشرق نجم هداية ... فجئت مع الأنوار فيه على وعد

يمينا بمن تسري المطي سراهم [1] ... عليها سهام قد رمت هدف القصد

إلى بيته كيما تزور معاهدا ... بأن بها جبريل عن كرم العهد

لأنت لنا مهما دجا ليل مشكل ... قدحت به للنور وارية الزند

وحيث استقلت في ركاب لطية ... فأنت تحيي النفس في القرب والبعد

وإني بباب الملك حيث عهدتني ... مذيل [2] ظلال الجاه مستحصف العقد

أجهز بالإنشاء كل كتيبة ... من الكتب والكتاب في عرضها جندي

نلوذ من المولى الإمام محمد ... بظل على نهر المبرة ممتد

إذا فاض من يميناه بحر سماحة ... وعم به الطوفان في النجد والوهد

ركبنا إلى الإحسان في سفن الرجا ... بحور عطاء ليس تزجر عن صد [3]

فمن مبلغ الأنصار عني ألوكة ... مغلغلة في الصدق منجزة الوعد

بآية ما أعطى الخليفة ربه ... مفاتيح فتح ساقها سائق السعد

ودونك من روض المحامد نفحة ... تفوق إذا اصطف الندي من الند

ثناء يقول المسك إن ذاع عرفه ... أيا لك من ند أيا لك من ند [4]

وما الماء في جو السحاب مروقا ... بأظهر ذات منك في كنف المهد

فكيف وقد حلتك أسرابها الجلا [5] ... وباهت بك الأعلام بالعلم الفرد

وما الطل [6] في ثغر من الزهر باسم ... بأصفى وأذكى من ثنائي ومن ودي

ولا البدر معصوما بتاج تمامه ... بأبهر من ودي وأسير من حمدي

بقيت ابن خلدون إمام هداية ... ولا زلت من دنياك في جنة الخلد

ووصلها بقوله: سيدي شيخ الأعلام، كنز رؤساء الإسلام، مشرف حملة السيوف والأقلام، جمال الخواص والظهراء، أثير الدول، خالصة الملوك، مجتبى الخلفاء، سر العلاء [7] أوحد الفضلاء، قدوة العلماء، حجة البلغاء، أبقاكم الله

بقاء جميلا، يعقد لواء الفخر، ويعلى منار الفضل، ويرفع عماد المجد، ويوضح معالم السيادة [1] ، ويرسل أشعة السعادة، ويفيض أنوار الهداية، ويطلق ألسنة المحامد، وينير [2] أفق المعارف، ويعذب مورد العناية، ويمتع بعمر النهاية ولا نهاية.

بآي التحيات أفاتحك وقدرك أعلى، ومطلع فضلك أوضح وأجلى، إن قلت تحية كسرى في الثناء وتبع، فأثرك لا يقتفي ولا يتبع، تلك تحية عجماء لا تبين ولا تبين، وزمزمة نافرها اللسان العربي المبين، وهذه جهالة جهلاء، لا ينطبق على حروفها الاستعلاء، قد محا رسومها الخفاء، وعلى آثار دمنتها العفاء، وإن كانت التحيتان طالما أوجف بهما الركاب وقعقع البريد، ولكن أين يقعان مما أريد.

تحية الإسلام أصل في الفخر نسبا. وأوصل بالشرع سببا، فالأولى أن نحييك بما حيا الله في كتابه رسله وأنبياءه، وحيت به ملائكته في جواره أولياءه، فأقول:

السلام عليكم يرسل من رحمة الله غماما ويفتق من الطروس عن أزهار المحامد كماما، ويستصحب من البركات ما يكون على التي هي أحسن من ذلك مقاما، وأجدد السؤال عن الحال الحالية بالعلم والدين المستمدة من أنوارها سرج المهتدين. زادها الله صلاحا وعرفها نجاحا يتبع فلاحا، وأقرر ما عندي من تعظيم ارتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء، أنشر بيدك البيضاء صحفه، وعلى ذلك أيها السيد المالك، فقد تشعبت علي في مخاطبتك المسالك، إن أخذت في تقرير فضلك العميم، ونسبك الصميم، فو الله ما أدري بأي بيعة لفخرك تدفع الظلم، وفي أي بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر جلل، والشمس تكبر على حلي وحلل، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على الأشواق اتسع المجال، وحصرت الروية والارتجال، فالأولى أن أثرك عذبة اللسان تلعب بها رياح الأشواق وأسلة اليراع، تخضب مفارق الطروس بصبيغ الحبر المراق، وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية على أمد الإبداع والاختراع، فإنما هو بث يبكي، وفراق يشكي، فيعلم الله مرضي [3] عن أن أشافه

من أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرسائل حتى مع سفراء النواسم، وأن أجتلي غرر ذلك الجبين في محيا الشارق [1] ، ولمح البارق.

ولقد وجهت إليك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين الجواهر اللائي استأثر بهن البحر، قدس الله أرواحهم، وأعظم الله أجرك فيهم، فإنها أنافت على مائة وخمسين بيتا، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر وصوله بعد المسافة، والذي يطرق في سوء الظن بذلك ما صدر في مقابلته منكم. فإني على علم من كرم قصدكم، ومن حين استغربناكم بذلك الأفق الشرقي [2] لم يصلني منكم كتاب، مع علمي بضياع اثنين منهما بهذا الأفق الغربي (أه.) .

وفي الكتاب إشارة إلى أنه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان، وهي على روي الهمزة ومطلعها:

أمدامع منهلة أم لؤلؤ ... لما استهل العارض المتلألئ

وبعث في طي الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ألفا، قال وحقها أن تكتب بالواو لأنها تبدل بالواو وتسهل بين الهمزة والواو، وحرب الإطلاق أيضا يسوقها، واوا، هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض الشيوخ تكتب ألفا على كل حال على لغة من لا يسهل لكنه ليس بشيء.

وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقي لتسهل قراءتها عليهم ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سره ولم يرجع إلي منها شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي.

وكان في الكتاب فصل عرفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحو المستبد بأمر المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول فيه:

كان مسعود بن رحو الذي أقام بالأندلس عشرين عاما يتبثك النعيم [3] ويقود الدنيا ويتحيز العيش والجاه، قد أجيز صحبة ولد عثمان كما تعرفتم من نسخة كتب إنشائه

بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب لضعف السلطان رحمة الله. ولم يكن إلا أن كفرت الحقوق، وحنظلت نخلته السحوق، وشف على سواد جلدته سواد العقوق، وداخل من سبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنوا أن القصبة لا تثبت لهم، وكان قائدها الشيخ الأبهة [1] فل الحصار وجلى القتال، ومحش الحرب أبو زكريا بن شعيب، فثبت للصدمة ونور للأندلس، فبادره المدد من الجبل ومن مالقة، وتوالت الأمداد وخاف أهل البلد، ورجع شرفاؤه ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد بمن جاورهم، وجاءهم المدد أيضا، ثم دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع القتال، وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع أبي العباس لتبادر القصبة به ويتوجه منها إلى المغرب لرغبة بني مرين وغيرهم فيه، وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الذي قلدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية على أوليائه وأنصاره.

وبعده فصل آخر يطلب فيه كتبا من مصر يقول فيه:

والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو به النفع عند الله، وقد علمتم أن عندي التفسير الذي أوصله عثمان النجاني من تأليف الطيبي [2] والسفر الأول من تفسير أبي حيان، وملخص إعرابه وكتاب المغني لابن هشام، وسمعت عن براءة تفسير للإمام بهاء الدين ابن عقيل ووصلت إلي براءة من كلام أكمل الدين الأشيري رضي الله عن جميعهم، ولكني لم أصل إلا للبسملة، وذكر أبو حيان في صدر تفسيره أن شيخه سليمان النقيب أو أبا سليمان لا أدري الآن صنف كتابا في البيان في سفرين جعله مقدمة لكتاب تفسيره الكبير. فإن أمكن سيدي توجيهه لا بأس انتهى.

وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعددة لا حاجة إلى ذكرها هاهنا. ثم ختم الكتاب بالسلام، وكتب اسمه محمد بن يوسف بن زمرك الصريحي، وتاريخه

العشرون من محرم سنة تسع وثمانين وسبعمائة (وكتب إلي) قاضي الجماعة بغرناطة أبو الحسن علي بن الحسن البني [1] :

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله يا سيدي وواحدي ودا وحبا، ونجي الروح بعدا وقربا أبقاكم الله وثوب سيادتكم سابغ، وقمر سعادتكم كلما أفلت الأقمار بازغ، أسلم بأثم عليكم، وأقرر بعض ما لدي من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة مهدها الله عن ذلك لكم يتضوع طيبه وشكر لا يذوى وإن طال الزمان طيبه قد كان بلغ ما جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلدتم أمرها، وتحملتم مرها، فتمثلت بما قاله شيخنا أبو الحسن بن الجياب [2] عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم [3] عن خطة القضاء.

لا مرحبا بالناس أنفارك [4] ... إذ جهلت رفعة مقدارك

لو أنها قد أوتيت رشدها ... ما برحت تعشو إلى نارك

ثم تعرفت كيفية انفصالكم وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيد هنا لكم فرددت وقد توهمت مشاهدتكم هذه الأبيات.

لك الله يا بدر السماحة والبشر ... لقد حزت في الأحكام منزلة الفخر

ولكنك استعفيت عنها تورعا ... وتلك سبيل الصالحين كما تدري

جريت على نهج السلامة في الذي ... تخيرته للنشر منك وللحشر [5]

وحق بأن العلم ولاك خطة ... من العز لا تنفك عنها مدى العمر

تزيد على مر الجديدين جدة ... وتسري النجوم الزاهرات ولا تسري

ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ... وكم لذوي الدنيا الدنية من خطر [6]

وأمسى لأنواع الولايات نابذا ... فغير نكير أن يواجه بالنكر

فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله ... من الزهد فيها والتوقي من الوزر

ولا تكترث من حاسديك فإنهم ... حصى والحصى لا يرتقي مرتقى الدر [1]

ومن عامل الأقوام بالله مخلصا ... له فيهم نال الجزيل من الأجر

بقيت لرفع المجد تحمي ذماره ... وخار لك الرحمن في كل ما يجري [2]

إيه سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، أطنبتم في كتابكم في الثناء على السلطان الذي أنعم بالاعفاء، والمساعدة على الانفصال عن خطة القضاء، واستوهبتم الدعاء له من الأولياء ولله دركم في التنبيه على الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب فيه استقامة الأمور وصلاح الخاصة والجمهور، وعند ذلك ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمله. وأنتم أيضا من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد الغاية من التنويه، والحظ الشريف النبيه، لكن أراد الله سبحانه أن يكون لمحاسنكم في تلك البلاد العظيمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور، وبكل اعتبار، فالزمان بكم حيث كنتم مباه، والمحامد مجموعة لكم جمع ثناه. ولما وقف على مكتوبكم إلي مولانا السلطان أبو عبد الله، أطال الله الثناء على مقاصدكم، وتحقق جميل [3] ودادكم، وصحيح اعتقادكم، وعمر مجلسه يومئذ بالثناء عليكم، والشكر لما لديكم.

ثم ختم الكتاب بالسلام من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن مؤرخا بصفر سنة تسعين وسبعمائة وفي طيه مدرجة بخطه وقد قصر فيها عن الإجادة نصها:

سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأظفركم يمناكم بذوائب مناكم أعتذر لكم عن الكتاب المدرج به هذا غير خطي فإني في ذلك الوقت بحال مرض في عيني، ولكم العافية الوافية، فيسعني سمحكم وربما كان لديكم تشوف بما نزل في هذه المدة بالمغرب من الهرج أماطه الله، وأمن بلاد المسلمين.

والموجب أن الحصة الموجهة في خدمة أميرهم الواثق ظهر له ولوزيره ومن ساعده على

رأيه إمساكها رهينة، وجعله في القيود إلى أن يقع الخروج لهم على مدينة سبتة، وكان القائد على هذه الحصة العلج المدعو المهند، وصاحبه الفتى المدعو نصر الله.

وكثر التردد في القضية إلى أن أبرز القدر توجيه السلطان أبي العباس تولاه الله، صحبة فرج بن رضوان بحصة ثانية، وكان ما كان حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام ثم دعا وختم الكتاب.

وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا الكتاب المؤلف لأن فيها تحقيقا لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها، فربما يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع.

وبعد قضاء الفريضة رجعت إلى القاهرة محفوفا بستر الله ولطفه، ولقيت السلطان، فتلقاني أيده الله بمعهود مبرته وعنايته وكانت فتنة الناصري بعدها سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. والله يعرفنا عوارف لطفه، ويمد علينا ظل ستره، ويختم لنا بصالح الأعمال، وهذا آخر ما انتهيت إليه، وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب، والله الموفق برحمته للصواب، والهادي إلى حسن المآرب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله والأصحاب والحمد لله رب العالمين.

** (ولاية الدروس والخوانق [1] **

أهل هذه الدولة التركية بمصر والشام معنيون- على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيوب- بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التخلق بآداب الصوفية السنية في مطارحة الأذكار، ونوافل الصلوات. أخذوا ذلك عمن قبلهم من الدول الخلافية، فيختطون مبانيها ويقفون الأراضي المغلة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدربي الفقراء. وإن استفضل الريع شيئا عن ذلك، جعلوه في أعقابهم خوفا على الذرية الضعاف من العيلة [2] . واقتدى بسنتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرئاسة والثروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة

القاهرة، وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصوفية، وكان ذلك من محاسن هذه الدولة التركية، وآثارها الجميلة الخالدة.

وكنت لأول قدومي على القاهرة، وحصولي في كفالة السلطان، شغرت مدرسة بمصر من إنشاء صلاح الدين بن أيوب، وقفها على المالكية يتدارسون بها الفقه، ووقف عليها أراضي من الفيوم تغل القمح، فسميت لذلك القمحية، كما وقف أخرى على الشافعية هنالك، وتوفي مدرسها حينئذ، فولاني السلطان تدريسها، وأعقبه بولاية قضاء المالكية سنة ست وثمانين وسبعمائة، كما ذكرت ذلك من قبل، وحضرني يوم جلوسي للتدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري، وعناية من السلطان ومنهم بجانبي، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها بذكر القوم بما يناسبهم، ويوفي حقهم، ووصفت المقام، وكان نصها:

الحمد لله الذي بدأ بالنعم قبل سؤالها، ووفق من هداه للشكر على منالها، وجعل جزاء المحسنين في محبته، ففازوا بعظيم نوالها. وعلم الإنسان الأسماء والبيان، وما لم يعلم من أمثالها، وميزه بالعقل الذي فضله على أصناف الموجودات وأجيالها، وهداه لقبول أمانة التكليف، وحمل أثقالها. وخلق الجن والإنس للعبادة، ففاز منهم بالسعادة من جد في امتثالها، ويسر كلا لما خلق له [1] ، من هداية نفسه أو إضلالها، وفرغ ربك من خلقها وخلقها وأرزاقها وآجالها. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نكتة الأكوان وجمالها، والحجة البالغة لله على كمالها، الذي رقاه في أطوار الاصطفاء، وآدم بين الطين والماء، فجاء خاتم أنبيائها وأرسلها [2] ، ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميز حرامها من حلالها، ورضي لنا الإسلام دينا، فأتم علينا النعمة بإكمالها [3] .

والرضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها [4] ، وليوث ملاحمه [5]

المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للناس، في توسطها واعتدالها، وظهور الهداية والاستقامة في أحوالها، صلى الله عليه وعليهم صلاة تتصل الخيرات باتصالها، وتنال البركات من خلالها.

أما بعد فإن الله سبحانه لما أقر هذه الملة الإسلامية في نصابها، وشفاها من أدوائها وأوصابها [1] ، وأورث الأرض عباده الصالحين من أيدي غصابها، بعد أن باهلت فارس بتاجها، وعصابها [2] ، وخلت الروم إلى تماثيلها وأنصابها وجعل لها من العلماء حفظة وقواما، ونجوما يهتدي بها التابع وأعلاما، يقربونها للدراية تبيانا وإفهاما، ويوسعونها بالتدوين ترتيبا وإحكاما، وتهذيبا لأصولها وفروعها ونظاما.

ثم اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها [3] بإقامة السياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها، فكان لها بالعلماء الظهور والانتشار، والذكر السيار، والبركات المخلدة والآثار، ولها بالملوك العز والفخار، والصولة التي يلين لها الجبار، ويذل لعزة المؤمنين بها الكفار، وتجلل وجوه الشرك معها الصغار، ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدول تحتفل والأمصار، والليل يختلف والنهار، حتى أظلت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك، الماحين بأنوار أسنتهم ظلم الضلالة والشك، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك [4] ، المصيبين بسهامهم النافذة ثغر الجهالة والشرك، المظهرين سر قوله: «لا تزال طائفة من أمتي» [5] فيما يتناولونه من الأخذ والترك، ففسحوا خطة الإسلام، وقاموا بالدعوة الخلافية أحسن القيام، وبثوها في أقصى التخوم من الحجاز والشام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشريفين ما فضلوا به ملوك الأنام. واقتعدوا كرسي مصر الذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم الأيام، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com