Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر جمل من الأخبار عن البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم، ومراتب الملوك وأخبار الأندلس ومعادن الطيب وأصوله وعدد أنواعه وغير ذلك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 10 of 107
قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب جملآ من ترتيب البحار المتصلة والمنفصلة، فلنذكر الان في هذا الباب جملا من أخبار ما اتصل بنا من البحر الحبشي والممالك والملوك، وجملا من ترتيبها، وغير ذلك من أنواع العجائب.
** اضطراب بحر فارس وبحر الهند وهدوئهما **
فنقول: إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياههاغير منفصلة، على ما ذكرنا، الا أن هيجانها وركودها مختلف لاختلاف مهاب رياحها وآثار ثورانها وغير ذلك، فبحر فارس تكثر أمواجه، ويصعب ركوبه، عند لين بحر الهند واستقامه ركوبه وقلة أمواجه، ويلين بحر فارس، وتقل أمواجه، ويسهل ركوبه، عند ارتجاج بحر الهند، واضطراب أمواجه وظلمته، وصعوبة مركبه، فأول ما تبتدىء صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة وقرب الاستواء الخريفي، ولا يزال في كل يوم تكثر أمواجه إلى أن تصير الشمس إلى برج الحوت، فأشد ما يكون ذلك في آخر الخريف عند كون الشمس في القوس، ثم يلين إلى أن تعود الشمس إلى السنبلة، وآخر ما يكون ذلك في آخر ما يكون ذلك في آخر الربيع عند كون الشمس في الجوزاء، وبحر الهند لا يزال كذلك إلى أن تصير الشمس إلى السنبلة فيركب حينئذ، وأهدأ ما يكون عند كون الشمس في القوس، وبحر فارس يركب في سائر السنة من عمان إلى سيراف، وهو ستون ومائة فرسخ، ومن سيراف إلى البصرة وهو أربعون ومائة فرسخ، ولا يتجاوز في ركوبه غير ما ذكرنا من هذين الموضعين ونحوهما، وقد حكى أبو معشر المنجم في كتابه المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم النجوم ما ذكرنا من اضطراب هذه البحار وهدوئها عند كون الشمس فيما ذكرنا من البروج، وليس يكاد يقطع من عمان نحو الهند في انتهائه إلا مركب معزز، وحمولته يسيرة، وتسمى هذه المراكب بعمان إذا قطعت أرض الهند في هذا الوقت التيرماهية، وذلك أن بلاد الهند وبحر الهند يكون فيه اليسارة وهو الشتاء ودوام الأمطار في كانون، وكانون وشباط عندنا صيف، وعندهم الشتاء، كما يكون عندنا الحر في حزيران وتموز وآب، فشتاؤنا صيفهم، وصيفهم شتاؤنا، وكذلك سائر مدن السند والهند وما اتصل بذلك إلى أقاصي هذا البحر، ومن شتى في صيفنا بأرض الهند قيل: فلان يسر بأرض الهند، أي شتى هناك، وذلك لقرب الشمس وبعدها.
** الغوص على اللؤلؤ **
والغوص على اللؤلؤ في بحر فارس، وإنما يكون في أول نيسان إلى آخر أيلول، وما عدا ذلك من شهور السنة فلا غوص فيها، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على سائر مواضع الغوص في هذا البحر؛ إذ كان ما عداه من البحار لا لؤلؤ فيه، وهو خاص بالبحر الحبشي من بلاد خارك وقطر وعمان يسرنديب وغير ذلك من هذا البحر، وقد ذكرنا كيفية تكون اللؤلؤ، وتنازع لناس في تكونه، ومن ذهب منهم إلى أن ذلك من المطر، ومن ذهب مهم إلى أن ذلك من غير المطر، وصفة صدف اللؤلؤ العتيق منه والحديث لفي يسمى بالمحار، والمعروف بالبلبل، واللحم الذي في الصدف الشحم، وهو حيوان يفزع على ما فيه من اللؤلؤوالدر خوفا من الغاصة، كخوف المرأة على ولدها، وقد أتينا على ذكر كيفية الغوص، إن الغاصة لا يكادون يتناولون شيئا من اللحمان إلا السمك والتمر، وغيرهما من الأقوات، وما يلحقهم، وذكر شق أصول آذانهم لخروج النفس من هناك بدلا عن المنخرين، لأن المنخرين يجعل عليهما شيء من الدبل هو ظهور السلاحف البحرية التي تتخذ منها الأمشاط أو من القرن يضمهما كالمشقاص لامن الخشب، وما يجعل في آذانهم من القطن فيه شيء من الدهن، فيعصرمن ذلك الدهن اليسيرفي الماء في قعره، فيضيء لهم ذلك في البحر ضياء بينا، وما يطلون به أقدامهم وأسواقهم من السواد حوفا من بلع دواب البحر إياهم ولنفرها من السواد، وصياح الغاصة في قعر البحركالكلاب، وخرق الصوت الماء فيسمع بعضهم صياح بعض، للغواص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة وقد أتينا على جميع أوصاف ذلك وصفات اللؤلؤ وعلاماته وأثمانه ومقادير أوزانه فيما سلف من كتبنا.فأول هذا البحر مما يلي البصرة والأبلة والبحرين من خشبات البصرة، ثم بحر لا روى وعليه بلاد صيمور وسوبارة وتابة وسندان وكنباية وغيرها من السند والهند، ثم بحرهركند، ثم بحركلاه، وهوبحركلة والجزائر، ثم بحر كردنج، ثم بحر الصنف، وإليه يضاف العود الصنفي وإلى بلاده، ثم بحر الصين وهو بحر صنجي ليس بعده بحر، فأول بحار فارس على ما ذكرنا خشبات البصرة والموضع المعروف بالكفلاء وهي علامات منصوبة من خشب في البحر مغروسة علامات للمراكب إلى عمان مسافة ثلاثمائة فرسخ، وعلى ذلك ساحل فارس وبلاد البحرين، ومن عمان وقصبتها تسمى سنجار، والفرس يسمونها مزون إلى المسقط، وهي قرية منها يستقي أرباب المراكب الماء من آبار هناك عذبة خمسون فرسخا، ومن المسقط إلى رأس الجمجمة خمسون فرسخا، وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، هذا تحديد النواتية وأرباب المراكب، ورأس الجمجمة جبل متصل ببلاد اليمن من أرض الشحر والأحقاف، والرمل منه تحت البحر، لا يدري أين تنتهي غايته في الماء أعني الجبل المعروف برأس الجمجمة، وإذا كان ما وصفنا من الجبل في البر ومنه تحت البحر سمي في البحر الرومي سفالة، من تلك السفالة في الموضع المعروف بساحل سلوقيا من أرض الروم، واتصالها تحت البحر بنحو من جزيرة قبرص، وعليها عطب أكثر مراكب الروم وهلاكها، وإنما نعبر بلغة أهل كل بحروما يستعملونه في خطابهم فيما يتعارفنه بينهم، فمن هناك تنطلق المراكب إلى البحر الثاني وهو المعروف بلا روي ولا يدرى عمقه ولا يحصر طوله وعرضه عند البحريين، وربما يقطع في الشهرين والثلاثة وفي الشهر، على قدر مهاب الريح والسلأمة، وليس في هذه البحار أعني مااحتوى عليه البحر الحبشي أكبر من هذا البحر بحر لاروى، ولا أشد، وفي عرضه بحر الزنج وبلادهم، وعنبر هذا البحر قليل، وذلك أن العنبرأكثره يقع إلى بلاد الزنج وساحل الشحر من أرض العرب، وأهل الشحر أناس من قضاعة وغيرهم من العرب، وهم مهرة، ولغتهم بخلاف لغة العرب، وذلك أنهم يجعلون الشين بدلا من الكاف، مثال ذلك أن يقولوا: هل لش فيما قلت لش، وقلت لي: أن تجعلي الذي معي في الذي معش، يريد هل لك فيما قلت لك، وقلت لي أن تجعلي الذي معي في الذي معك، وغير ذلك من خطابهم ونوادر كلامهم، وهم فو فقر وفاقة، ولهم نجب يركبونها بالليل تعرف بالنجب المهرية تشبه في السرعة بالنجب البجاوية، بل عند جماعة أنها أسرع منها، يسيرون عليها على ساحل بحرهم، فإذا أحست هذه النجب بالعنبر قد قذفه البحر بركت عليه، قد ريضت لذلك واعتادته، فيتناوله الراكب، وأجود العنبر ما وقع في هذه الناحية وإلى جزائر الزنج، وساحله، وهو المدور الأزرق النادر كبيض النعام أو دون ذلك، ومنه ما يبلعه الحوت المعروف بالأوال المقدم ذكره، وذلك أن البحر إذا أشتد قذف من قعره العنبر كقطع الجبال وأصغر، على ما وصفنا، فإذا ابتلع هذا الحوت العنبر قتله فيطف فق الماء، ولذلك اناس يرصدونه في القوارب من الزنج وغيرهم، فيطرحون فيه الكلاليب والحبال، فيشقون عن بطنه ويستخرجون العنبر منه، فما يخرج من بطنه يكون سهكا، ويعرفه العطارون بالعراق وفارس بالند، وما بقي على ظهر الحوت منه كان نقيا جيدا، على حسب لبثه في بطن الحوت، وبين البحر الثالث وهو هركند والبحر الثاني وهو لاروى على ما ذكرنا جزائر كثيرة، وهي فرز بين هذين البحرين، ويقال: إنها نحو من ألفي جزيرة، وفي قول المحق ألف وتسعمائة جزيرة كلها عامر بالناس، وملكة هذه الجزائر كلها امرأة، وبذلك جرت عادتهم من قديم الزمان لا يملكهم رجل، والعنبر يوجد في هذه الجزائر أيضا، يقذفه البحر، ويوجد في بحرها، كأكبر ما يكون من قطع الصخر، وأخبرني غير واحد من نواخذة السيرافيين والعمانيين بعمان وسيراف وغيرها من التجار ممن كان يختلف إلى هذه الجزائر أن العنبرينبت في قعر هذا البحر، ويتكون كتكون أنواع الفطر: من الأبيض، والأسي، والكمأة والمغاريد، وبنات أوبر ونحوها، فإذا هاج البحر وأشتد قذف من قعره الصخور والأحجار وقطع العنبر، وأهل هذه الجزائر متفقون، وكلمتهم واحدة، ولا يحصرهم العد لكثرتهم، ولا تحصى جيوش هذه الملكة عليهم، وبين الجزيرة والجزيرة نحو الميل والفرسخ والفرسخين والثلاثه، ونخلهم شجر النارجيل، لا يفقد من النخلة إلا التمر، وقد زعم أناس ممن عنى بتوالدات الحيوان وتطعيم الأشجار أن النارجيل هو نخل المقل، وإنما أثرت فيه تربة الهند حين غرس فيها فصار نارجيلا، وإنما هو نخل المقل،
وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جمالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وبرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائرارجيلا، وإنما هو نخل المقل، وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جمالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وبرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائر البحر ألطف صنعة من أهل هذه الجزائر في سائر المهن والصنائع، في الثياب والآلات وغير ذلك، وبيوت أموال هذه الملكة الودع، وذلك أن هذا الودع فيه نوع من الحيوان، وإذا قل مالها أمرت أهل هذه الجزائر أنيقطعوا من سعف نخل النارجيل بخوصه، ويطرحونه على وجه الماء، فيتراكب عليه ذلك الحيوان، فيجمع ويطرح على رمل الساحل، فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان، ويبقى الودع خاليا مما كان فيه، فتملأ من ذلك بيوت الأموال، وهذه الجزائر تعرف جميعها بالدبيحات ومنها يحمل أكثر الزانج، وهو النارجيل، وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب، ويلي جزيرة سرنديب جزائر أخر نحو من ألف فرسخ تعرف بالرامين معمورة وفيها ملوك وفيها معادن من ذهب كقيرة، ويليها بلاد قنصور وإليها يضاف الكافر القنصوري، والسنة التي تكون كثيرة الصواعق والبروق والرجف والقذف والزلازل يكثر فيها الكافر، وإذا قل ذلك كان نقصانا في وجوده، وأكثر ما ذكرنا من الجزائر غذاؤهم النارجيل، ويحمل من هذه الجزائر خشب البقم والخيزران والذهب، وفيلتها كثيرة، ومنها ما يأكل لحوم الناس، وتتصل هذه الجزائر بجزائر النجمالوس، وهي أمم عجيبة الصور عراة يخرجون في القوارب عند اجتياز المراكب بهم، معهم العنبر والنارجيل، فيتعاوضون بالحرير وشيء من الثياب، ولا يبيعون ذلك بالدراهم ولا بالدنانير، وتليهم جزائر يقال لها أندامان، فيها اناس سود عجيبو الصورة والمنظر مفلفلو الشعور قدم الواحد منهم أكبر من الذراع، لأمراكب لهم، فإذا وقع الغريق إليهم مما قد انكسر في البحر أكلوه، وكذلك فعلهم بالمراكب إذا وقعت إليهم، وذكر لي جماعة من النواخذة أنهم ربما رأوا في هذا البحر سحابا أبيض قطعا صغارا يخرج منه لسان أبيض طويل حتى يتصل بماء البحر، فإذا اتصل به غلا البحر لذلك، وارتفعت منه زوابع عظيمة، لا تمر زوبعة منها بشيء إلا أتلفته، ويمطرون عقيب ذلك مطرا سهكا فيه أنواع من قذى البحر.
** بحر كلة **
وأما البحر الرابع فهو كلاهبار، على حسب ما ذكرنا، وتفسير ذلك بحر كلة، وهو بحر قليل الماء، وإذا قل ماء البحر كان أكثر آفات وأشد خبثا، وهو كثير الجزائر والصراوي، واحدها صرو، وذلك أن أهل المراكب يسمون ما بين الخليجين إذا كان طريقهم فيه الصرو، وبهذا البحر أنواع من الجزائر والجبال عجيبة، وإنما غرضنا التلويح بلمع من الأخبار عنها، لا البسط،.
** بحر كردبح **
وكذلك البحر الخامس المعروف بكردبح، فإنه كثير الجبال والجزائر، وفيه الكافر، وهو قليل الماء كثير المطر، لا يكاد يخلو منه، وفيه أجناس من الأمم منهم جنس يقال له الفنجب: شعورهم مفلفلة وصورهم ومناظرهم عجيبة، يتعرضون في قوارب لهم لطاف للمراكب إذا اجتازت بهم، ويرمون بنوع من السهام عجيبة قد سقيت السم، وبين هذه الأمة وبين بلاد كلة جبال معادن الرصاص الأبيض وجبال من الفضة، وفيها أيضا معادن من الذهب، ورصاص لا يكاد يتميز منه.
** بحرالصنف **
ثم يليه بحر الصنف على ما رتبناه آنفا، وفيه مملكة المهراج ملك الجزائر، وملكه لا يضبط كثرة، ولا تحصى جنوده، ولا يستطيع أحد من الناس في أسرع ما يكون من المراكب أن يمر بجزائره في سنين، وقد حاز هذا الملك أنواع الطيب والأفاوية، وليس لأحد من الملوك ماله، ومما يحمل من بلاده ويجهز من أرضه الكافر والعود والقرنفل والصندل والجوز والبسباسة والقاقلة والكبابه وغير ذلك مما لم نذكره، وجزائره تتصل ببحر لا تدرك غايته، ولا يعرف منتهاه مما يلي بحر الصين، وفي أطراف جزائره جبال فيها أمم كثيرة بيض، آذانهم مخرمة ووجوههم كقطع التراس مطرقة، يجزون شعورهم كما يجز الشعر من الزق مدرجا، تظهر من جبالهم النار بالليل والنهار، فنهارها حمراء وبالليل تسود، وتلحق بعنان السماء لعلوها وذهابها في الجو، تقذف بأشد ما يكون من صوت الرعد والصواعق، وربما يظهر منها صوت عجيب مفزع ينذر بموت ملكهم، وربما يكون أخفض من ذلك فينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرف ما ينذر من ذلك يطول العادات والتجارب على طول السنين، وأن ذلك غير مختلف، وهذه أحد آطام الأرض الكبار 4 وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأوقات أصوات الطبول والسرنايات والعيدان وسائر أنواع الملاهي المطربة المستلذة، ويسمع إيقاع الرقص والتصفيق، ومن يسمع ذلك يميز بين كل نوع من أصوات الملاهي وغيره، والبحريون ممن اجتاز بتلك الديار يزعمون أن الدجال بتلك الجزيرة.وفي مملكة المهراج جزيرة سريرة، ومسافتها في البحر نحومن أربعمائة فرسخ، عمائر متصلة، وبه جزيرة الزانج والرامني وغير ذلك مما لا يؤتى على ذكره من جزائره وملكه، وهو صاحب البحر السادس، وهو بحرالصنف.
** بحر الصين **
ثم البحر السابع وهو بحر الصين على ما رتبناه آنفا، ويعرف ببحر صنجى وهو بحر خبيث كثير الموج والخب، وتفسير الخب الشدة العظيمة في البحر، وإنما نخبر عن عبارة أهل كل بحر وما يستعملونه في خطابهم، وفيه جبال كثيرة لا بد للمراكب من النفذ بينها، وذلك أن البحر إذا عظم خبه وكثر موجه ظهرت أشخاص سود طول الواحد منهم نحو الخمسة أشبار أو الأربعة كأنهم أولاد الأحابيش الصغار، شكلا واحدا، وقدا واحدا، فيصعدون على المراكب، ويكثر منهم الصعود من غير ضرر ة فإذا شاهد الناس ذلك تيقنوا الشدة فإن ظهورهم علأمة للخب، فيستعدون لذلك: فمعافى، ومبتلى، فإذا كان كذلك. ربما شاهد المعاقى منهم في أعلى الدقل ويسميه أرباب المراكب في بحر الصين وغيره من البحر الحبشي الدولي، ويسميه الرجال في البحر الرومي الصاري شيئا على صورة الطائر يتوقد نورا لا يستطيع الناظرمنهم على ملء بصره منه، ولا إداركه كيف هو، فإذا أستقل على أعلى الدقل يرون البحر يهدأ، والأمواج تصغر، والخب يسكن، ثم إن ذلك النور يفقد؛ فلا يدرى كيف أقبل، ولا كيف ذهب، فذلك علأمة الخلاص، ودليل النجاة، وما ذكرنا فلا تناكر فيه عند أهل المراكب والتجار من أهل البصرة وسيراف وعمان وغيرهم ممن قطع هذا البحر، وما ذكرناه عنهم فممكن غير ممتنع ولا واجب؛ إذا كان جائزا في مقدور الباري جل وعز خلاص عباده من الهلاك واستنقاذهم من البلاد.وفي هذا البحر نوع من السراطين يخرج من البحر كالذراع والشبر وأصغر من ذلك وأكبر، فإذا بان عن الماء بسرعة حركة وصار على البر صار حجارة وزالت عنه الحيوانية، وتدخل تلك الحجارة في أكحال العين وأدويتها، وأمره مستفيض أيضا.
ولبحر الصين أيضا وهو السابع المعروف بصنجى أخبار عجيبة،وقد أتينا على جمل من أخباره وأخبار ما اتصل به من البحار فيما سمينا من كتبنا وأسلفنا من تصنيفنا في هذا المعنى، ونحن ذاكروان فيما يرد من هذا الكتاب من أخبار الملوك جوامع وجملا من ذلك.وليس بعد بلاد الصين مما يلي البحر ممالك تعرف ولا توصف، إلابلاد السيلى وجزائرها، ولم يصل إليها من الغرباء أحد من العراق ولا غيره، فخرج منها ة لصحة هوائها، ورقة مائها، وجودة ترتبها، وكثرة خيرها وصفاء جواهرها إلا النادر من الناس، وأهلها مهادنون لأهل الصين وملوكها، والهدايا بينهم لا تكاد تنقطع، وقد قيل: إنهم تشعبوا من ولد عامو، وسكنوا هناك، على حسب ما ذكرنا من سكنى أهل الصين في بلادهم، وللصين أنهار كبار مثل الدجلة والفرات، تجري من بلاد الترك والتبت والصغد، وهي بين بخارى وسمر قند. جبال النوشادر
وهناك جبال النوشادر، فإذا كان في الصيف رؤيت في الليل نيران قد ارتفعت من تلك الجبال من نحو مائة فرسخ بالنهار يظهر منها الدخان لغلبة شعاع الشمس وضوء النهار، ومن هناك يحمل النوشادر، فإذا كان في أول الشتاء فمن أراد من بلاد خراسان أن يسلك إلى بلاد الصين صار إلى ما هنالك وهنالك واد بين تلك الجبال طوله أربعون ميلا أو خمسون فيأتي إلى أناس هنالك على فم الوادي فيرغبهم في الأجرة النفيسة فيحملون ما معه على أكتافهم، وبأيديهم العصي يضربون جنبيه خوفا أن يبلح أو يقف فيموت من كرب الواعي وهوله، حتى يخرجوا إلى ذلك الرأس من الوادي، وهنالك غابات ومستنقعات للماء، فيطرحون أنفسهم في ذلك الماء، لما قد نالهم من شدة الكرب وحر النوشادر، ولا يسلك ذلك الطريق شيء من البهائم، لأن النوشادريلتهب نارا في الصيف، فلا يسلك ذلك الوادي داع ولا مجيب، فإذا كان الشتاء وكثرت الثلوج والأنداء وقع في ذلك الموضع فأطفأ حر النوشادر ولهيبه، فسلك الناس حينئذ ذلك الوادي، والبهائم لا صبر لها على ما ذكرناه من حره، وكذلك من ورد من بلاد الصين فعل به من الضرب ما فعل بالمار، والمسافة من بلاد خراسان على الموضع الذي ذكرناه إلى بلاد الصين نحو من أربعين يوما بين عامروغير عامر ودماس ورمل، وفي غير هذه الطريق مما يسلكه البهائم نحو من أربعة أشهر، إلا أن ذلك في خفارات أنواع من الترك.
** وصف بلاد التبت **
وقد رأيت بمدينة بلخ شيخا جميلا ذا رأي وفهم وقد دخل الصين مرارا كثيرة ولم يركب البحر قط، ورأيت عدة من الناس ممن سلك من بلاد الصغد على جبال النوشادر إلى ارض التبت والصين ببلاد خراسان وبلاد الهند متصل ببلاد خراسان والسند مما يلي بلاد المنصورة والمولتان، والقوافل متصلة من السند إلى خراسان، وكذلك إلى الهند، إلى أن تتصل هذه الديار ببلاد زابلستان، وهي بلاد واسعة تعرف بمملكة فيروز بن كبك، وفيها قلاع عجيبة ممتنعة، ولغات مختلفة، وامم كثيرة، وقد تنازع الناس في أنسابهم: فمنهم من ألحقهم بولد يافث بن نوح، ومنهم من ألحقهم بالفرس الأولى في نسب طويل، وبلاد التبت مملكة متميزة من بلاد الصين، والغالب عليهم حمير، وفيهم بعض التبابعة على حسب ما ذكرنا من أخبار ملوك اليمن فيما يرد من هذا الكتاب، وذلك موجود في أخبار التبابعة، ولهم حضر وبحو، وبواديهم ترك لا تدرك كثرة، ولا يقاومهم أحد من بوادي الأتراك، وهم معظمون في سائر أجناس الترك ة لأن الملك كان منهم في قديم الزمان، وعند سائر أجناس الترك أن الملك سيعود إليهم ويرجع فيهم ولبلاد التبت خواص عجيبة في هوائها وسهلها ومائها وجبلها، ولا يزال الإنسان أبدا ضاحكا بها فرحا مسرورا، لا تعرض له الأحزان ولا الغموم ولا الأفكار، ولا تحصى عجائب ثمارها وزهرها . ومروجها وهوائها وأنهارها، وهي بلاد تقوى فيها طبيعة الدم على الحيوان الناطق وغيره، ولا يكاد يرى في هذا البلد شيخ حزين ولا عجوز، بل الطرب في الشيوخ والكهول والشباب والأحداث عام، وفي أهلها رقة طبع وبشاشة وأريحية تبعث على كثرة استعمال الملاهي والمعاقرة وأنواع إيقاع الرقص، حتى إن الميت إذا مات لا يكاد يداخل أهله عليه كثير من الحزن مما يلحق غيرهم من سائر الناس عند فقد محبوب أو فت مطلوب، ولهم تحنن كثيرمن بعضهم على بعض، والتتيم فيهم عام، وكذلك يظهر في سائر بلادهم، وهذه البلاد تسمى بمن ثبت فيها ورتب من رجالى حمير فقيل تبت لثبوتهم فيها، وقيل: لمعاني غير ذلك، والأشهر ما وصفنا، وقد افتخر دعبل بن علي الخزاعي بذلك في قصيدته التي يناقض فيها الكميت ويفخر بقحطان على نزار، فقال:
وهم كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم سموا السهام بسمرقند ... وهم غرسواهناك التبتينا وسنذكر في باب أخبار ملوك اليمن طرفا من أخبار ملوكهم، ومن طاف منهم البلاد، وبلاد التبت متاخمة لبلاد الصين وأرضها من إحدى جهاته، ولأرض الهند وخراسان ولمفاوز الترك، ولهم مدن وعمائر كثيرة فات منعة وقوة، وقد كانوا في قديم الزمان يسمون ملوكهم تبعا اتباعا لاسم تبع ملك اليمن، ثم إن الدهر ضرب ضرباته، فتغيرت لغاتهم عن الحميرية، وجالت إلى لغة تلك البلاد ممن جاورهم من الأمم فسموا ملوكهم بخاقان.
** ظباء المسك **
وفي بلادهم الأرض التي بها ظباء المسك التبتي الذي يفضل على الصينين بجهتين: إحداهما أن ظباء التبت ترعى سنبل الطيب وأنواع الأفاويه وظباء الصين ترعى الحشيش دون ما ذكرنا من أنواع حشائش الطيب التي ترعاه التبتية، والجهة الأخرى أن أهل التبت لا يتعرضون لإخراج المسك من نوافجه ويتركونه على ما هو به وأهل الصين يخرجونه من النوافج ويلحقونه الغش بالدم وغيره من أنواع الغش، وأن الصيني أيضا يقطع به ما وصفنا من مسافة البحار وكثرة الأنداء واختلاف الأهوية، وإن عدم من أهل الصين الغش في مسكهم وأودع براني الزجاج وأحكم عفاصها ووكاؤها، وأورد إلى بلاد الاسلام من عمان وفارس والعراق وغيرها من الأمصار، كان كالتبتي، وأجود المسك وأطيبه ما خرج من الظباء بعد بلوغه النهاية في النضج، وذلك أنه لا فرق بين غزلاننا هذه وبين غزلان المسك في الصورة والشكل واللون والقرن، وإنما تتبين تلك بأنياب لها كأنياب الفيلة، لكل ظبي نابان خارجان من الفكين قائمان منتصبان أبيضان نحو الشبر وأقل وأكثر، فتنصب لها في بلاد التبت والصين الحبائل والأشراك والشباك فيصطادونها، وربما رموها بالسهام فيصرعونها فيقطعون عنها نوافجها والدم في سررها حار لم ينضج وطري لم يدرك، فيكون لريحته سهوكة، فيبقى زمانا حتى تزول منه تلك الرائحة السهكة الكريهة، ويستحيل بمواد من الهواء فيصير مسكا، وسبيل ذلك سبيل الثمار إذا أبينت عن الأشجار وقطعت قبل استحكام نضجها في شجرها واستحكمام موادها فيه، وخير المسك ما نضج في وعائه، وأدرك في سرته، واستحكم في حيوانه، وتمام مواده، وذلك أن الطبيعة تدفع مواد الدم إلى السرة، فإذا استحكم كون الدم فيها ونضج آذاه ذلك وحكه فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس فيحتك بها مستلذا بذلك فينفجر حينئذ ويسيل على تلك الأحجار كانفجار الخراج والدمل إذا نضج ما فيه عند ترادف المواد عليه فيجد لخروجه لدة، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم، ويجتمع ثانية ككونها بدءا، فتخرج رجال التبت يقصمون مراعيها بين تلك الأحجار والجبال، فيجحون المم قد جف على تلك الصخور والأحجار، وقد أحكمته المواد، وأنضجته الطبيعة في حيوانه،. وجففته الشمس، وأثر فيه الهواء، فيأخنونه، فذلك أفضل المسك، فيودعونه نوافج معهم قد أخفها من غزلان قد أصطادوها مستعحة معهم؟ فذلك الذي تستعمله ملوكهم ويتهادونه بينهم، ويحمله التجار في النادر من بلادهم، والتبت ف مدن كثيرة، فيضاف مسك كل ناحية إليها.قال المسعودي: وقد أقرت ملوك الصين والترك والهند والزنج وسائر ملوك العالم لملك بابل بالتعظيم، وأنه أول ملوك العالم، وأن منزلته فيهم كمنزلته فيهم كمنزلة القمر في الكواكب؛ لأن إقليمه أشرف الأقاليم، ولأنه أكثر الملوك مالا، وأحسنهم طبعا، وأكثرهم سياسة، وأثبتهم قحمأ، وهذا وصف ملوك هذا الإقليم فيما مضى، لا في هذا الوقت، وهو سنة اثنتيز وثلاثين وثلثمائة، وكانوا يلقبون هذا الملك شاهنشاه، وتفسيره ملك الملوك، ومنزلته في العالم منزلة القلب من جسد الإنسان والواسطة من القلادة، ثم يتلوه ملك الهند، وهوملك الحكمة، وملك الفيلة؟ لأن عند الملوك الأكاسرة أن الحكمة من الهند بدؤها، ثم يتلوه في المرتبة ملك الصين، وهو ملك الرعاية والسياسة وإتقان الصنعة، وليس في ملوك العالم أكئررعاية وتفقدا من ملك الصين لرعيته من جنده وعوامه، وهو ف بأس شذيد، وقوة ومنعة، له من الجنود المستعمة، والكراع والسلاح،ويرزق جنمه كفعل ملوك بابل، ثم يتلو ملك الصين ملك من ملوك الترك صاحب مدينة كوشان، وهو ملك الطغزغز من الترك، ويدعى ملك السباع وملك الخيل؛ إذ ليس في ملوك العالم أشد بأسا من رجاله، ولا أشد استئسادا منه على سفك الدماء، ولا أكثر خيلا منه، ومملكته فرز بين بلاد الصين ومفاصز خراسان، ويدعى بالاسم الأعم أيرخان، وللترك ملوك كثيرة، وأجناص، مختلفة، ولا تنقاد إلى ملكه، إلا أنه ليس منهم من يداني ملكه، ثم يتلوه ملك الروم، ويدعى ملك الرجال، وليس في ملوك العالم أصبح وجوها من رجاله، ثم إن ملوك العالم تتفاوت مراتبها ولا تتساوى، وقد قال ف عناية بأخبار العالم وملركهم في شعر له يصف جملا من مراتب العالم وممالكهم وأسمائهم:
الد ار داران: أيوان، وغمد ان، ... وا لملك ملكان: ساسان، وقحطان
والأرض فارس والإقليم بابل، ... والإسلام مكة، والدنيا خراسان
والجانبان العليان اللذا حسنا ... منها بخارى وبلخ الشاهدا ران
والبيلقان وطبرستان فارزها ... والري شروانها، والجيل جيلان
قد رتب الناس فيها في مراتبهم ... فمرزبان، وبطريق، وطرخان
للفرس كسرى وللروم القياصر وال ... حبش النجاشيئ، والأتراك خاقان وصاحب صقلية وإفريقية من بلاد المغرب قبل ظهور الإسلام كان يدعى جرجير وصاحب الأندلس كان يدعى لذريق، وهذا كان اسم سائر ملوك الأندلس، وقد قيل: إنهم كانوا من الأشبان، وهم أمة من ولد يافث بن نوح، دثرت هنالك، والأشهر عند من سكن الأندلس من المسلمين أن لذريق كان من ملوك الأندلس الجلالقة، وهم نوع من الإفرنجة، وآخر لذريق الذي كان بالأندلس قتله طارق مولى موسى بن نصير حين افتتح بلاد الأندلس ودخل إلى مدينة طليطلة وكانت قصبة الأندلس، ودار مملكتهم، ويشقها نهر عظيم يدعى تاجة يخرج من بلاد الجلالقة والوشكند، وهي أمة عظيمة لهم ملوك، وهم حرب لأهل الأندلس كالجلالقة والإفرنجة، وبصب هذا النهر في البحر الرومي، وهو موصوف بأنه من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة مدينة طلبيرة، ثم قنطرة عظيمة تدعى قنطرة السيف بنتها الملوك السالفة، وهي من البنيان المذكور الموصوف وإنها أعجب عقودا من قنطرة سنجة من الثغر الخزري مما يلي سميساط من بلاد سرجة، ومدينة طليطلة ذات منعة عليها أسوار منيعة، وأهلها بعد أن فتحت وصارت لبني أمية قد كانوا عصوا على الأمويين، فأقامت مدة سنين ممتنعة، لاسبيل للأمويين إليها، فلما كان بعد الخمس عشرة وثلثمائة فتحها عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الأموي وعبد الرحمن هذا هو صاحب الأندلس في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وقد كان غير كثيرا من بنيان هذه المدينة حين افتتحها، وصارت دار مملكة الأندلس قرطبة إلى هذا الوقت، ومن قرطبة إلى مدينة طليطلة نحو من سبع مراحل، ومن قرطبة إلى البحر مسيرة نحو من ثلاثة أيام، ولهم على يوم ساحل البحر مدينة يقال لها إشبيلية، وبلاد الأندلس يكون مسيرة عمائرها ومدنها نحوا من شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة، وتدعى بنوأمية بها ببني الخلائف، ولا يخاطبون بالخلفاء؛لأن الخلافة لا يستحقها عندهم إلا من كان مالكأ للحرمين، غير أنه يخاطب بأمير المؤمنين.
** بنو أمية بالأندلس **
وقد كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان سارإلى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة فملكها ثلاثا وثلاثين سنة وأربعةأشهر، ثم هلك، فملكها ابنه هشام بن عبد الرحمن سبع سنين، ثم ملكها ابنه الحكم بن هشام نحوا من عشرين سنة، وولده ولاتها إلى اليوم على ما ذكرنا أن صاحبها عبد الرحن بن محمد، وولي عهد عبد الرحمن في هذا الوقت فتاه الحكم أحسن الناس سيرة، وأجملهم عدلا، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت المقدم ذكره غزا سنة سبع وعشرين وثلثمائة في أزيد من مائة ألف فارس من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة يقال لها سمورة، عليها سبعة أسوار من عجيب البنيان قد أحكمتها الملوك السالفة، بين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، فافتتح منهما سورين، ثم إن أهلهما ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممن أدرك الإحصاء وممن عرف أربعين ألفا، وقيل: خمسين ألفا، وكانت للجلالقة والوشكند على المسلمين، وآخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي الإفرانجة مدينة أربونة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ثلاثين وثلاثمائة مع غيرها مما كان في إيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من شرقي الأندلس طرطوشة، وعلى ساحل بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذا في الشمال أفراغة على نهر عظيم، ثم لاردة، ثم بلغني عن هذه الثغور أنها تلاقي الإفرانجة، وهي أضيق مواضع الأندلس، وقد كان قبل الثلثمائة ورد إلى الأندلس مراكب في البحر فيها ألوف من الناس أغارت على سواحلهم، زعم أهل الأندلس أنهم ناس من المجوس تطرأ إليهم في هذا البحر في كل مائتين من السنين، وأن وصولهم إلى بلادهم من خليج يعترض من بحر أوقيانوس، وليس بالخليج الذي عليه المنارة النحاس، وأرىوالله أعلم أن هذا الخليج متصل ببحر مايطس ونيطس وأن هذه أمة هم الروس الذين قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب إذ كان لا يقطع هذه البحار المتصلة ببحر أوقيانوس غيرهم، وقد أصيب في البحر الرومي فيما بين جزيرة أقريطش ألواح المراكب الساج المثقبة المخيطة بليف النارجيل من مراكب قد عطبت تقاذفت بها الأمواج في مياه البحار، وهذا لا يكون إلا في البحر الحبشي لأن مراكب البحر لرومي والعرب كلها فات مسامير، ومراكب البحر الحبشي لا يثبت فيها الحديد لأن ماء البحريذيب الحديد فترق المسامير في البحر وتضعف، فاتخذ أهلها الخياطة بالليف بدلا منها، وطليت بالشحوم والنورة، فهذا يدل والله أعلم على إتصال البحار، وأن البحر مما يلي الصين وبلادالسيلى يحور على بلاد الترك، ويفضي إلى بحار المغرب من بعض خلجان أوقيانوس المحيط.وقد كان وجد بساحل بلاد الشام عنبر قذف به البحر، وهذا من المستئكر في البحر الرومي الذي لم يعهد فيه من قديم الزمان مثل ذلك، يمكن أن يكون سبيل وقوع العنبر إلى هذا البحر سبيل ما ذكرناه من ألواح مراكب البحر الصيني، والله أعلم بكيفية ذلك وعلمه.ولبحر المغرب وما قرب منه من عمائر السودان وأقاصي أرض المغرب أخبار عجيبة.
** بلاد الحبشة والسودان **
وقد ذكر فو العناية بأخبار العالم أن أرض الحبشة وسائر السودان كلها مسيرة سبع سنين، وأن أرض مصرجزء واحد من ستين جزءا من ض السودان، وأن أرض السودان جزء وأحد من الأرض كلها، وأن الأرض كلها مسيرة خمسمائة سنة: ثلث عمران مسكون مأهول، وثلث براري غير مسكون، وثلث بحار، وتتصل أقاصي السودان العراة بآخر بلاد ولدإدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام من أرض المغرب، وهي بلاد تلمسان وتاهرت وبلاد فاس ثم السوس الأدنى، وبينه وبين بلاد القيروان نحو ألفي ميل وثلثمائة ميل، وبين السوس الأدنى والسوس الأقصى من المسافة نحو من عشرين يوماعمائر متصلة إلى أن تتصل بوادي الرمل والقصر الأسود، ثم يتصل ذلك بمفاوز الرمل التي فيها المدينة المعروفة بمدين النحاس وقباب الرصاص التي سار إليها موسى بن نصير في أيام عبد الملك بن مروان ورأى فيها ما رأى من العجائب، وقد ذكر ذلك في كتاب يتداوله الناس، وقد قيل: إن ذلك في مفاوز تتصل ببلاد الأندلس، وهي الأرض الكبيرة، وقد كان ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي وهو إباضي المذهب، وهو الذي أنشأ في ذلك البلد مذهب الخوارج، وقد قيل: إنهم من بقايا الأشبان عمر تلك الديار، وكانت له حروب مع الطالبيين، وقد ذكرنا فيما يرد من هذا الكتاب تنازع الناس في الأشبان، ومن قال: إنهم من الفرس ناقلة من بلاد أصبهان.
** بلاد المغرب **
وفي هذا الصقع من بلاد المغرب خلق من الصفرية الخوارج،لهم مدن ممدودة مثل مدينة ثرغية، وفيها معدن كبيرمن الفضة، وهو مما يلي الجنوب ويتصل ببلاد الحبشة، والحرب بينهم سجال، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان خبر المغرب ومدنها، ومن سكنها من الخوارج الإباضية والضفرية، ومن سكن المغرب من المعتزلة، وما بينهم وبين الخوارج من الحروب، وذكرنا خبر ابن الأغلب التميي وتوليه المنصور له على المغرب، ومقامه ببلاد إفريقية وغيرها من أرض المغرب وما كان من أمره في أيام الرشيد، وتداول ولده ببلاد إفريقية وغيرها إلى أن انتهى الأمر إلى أبي نصر زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن سالم بن سوادة، فأخرجه عنها أبو عبد الله المحتسب الصوفي الداعية لصاحب المهدية حين ظهر في كتأمة وغيرها من أجيال البربر، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين في أيام المقتدر، ومسيره إلى الرافقة، وكان هذا المخسب من مدينة رامهرمز من كور الأهواز.
** ملوك العالم: **
ونعود إلى ذكر مراتب الملوك ونسق ما بقي من الممالك على البحر الحبشي الذي شرعنا في وصفه ومن عليه، فنقول: ملك الزنج وفليمي، ملك اللان كركنداج، ملك الحيرة من بني نصر النعمانية والمناذرة، ملك جبال طبرستان كان يدعىقارن والجبل معروف به وبولده في هذا الوقت، ملك الهند البلهرا، ملك القنوج من ملوك السند بؤورة وهذا اسم كل سك يلي القنوج، وهنا مدينة يقال لها بؤورة باسم ملوكهم، وقد صارت اليوم في حيز الإسلام، وهي من أعمال المولتان، ومن هذه المدينة يخرج أحد الأنهار التي إذا اجتمعت كانت نهرمهران السند الذي زعم الجاحظ أنه من النيل، وزعم غيره أنه من جيحون خراسان، وبؤورة هذا الذي هو ملك القنوج هو ضد البلهرا ملك الهند، وملك القندهار من ملوك السند وجبالها، يدعى ححج، وهو اسم الأعم، ومن بلاده يخرج النهر المعروف برائد وهو أحد الأنهار الخمسة التي منها مهران السند والقندهار يعرف ببلاد الرهبوط، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد السند وجبالها يعرف ببهاطل ويجتاز بلاد الرهبوط وهي بلاد القندهار، والنهر الرابع يخرج من بلاد كابل وجبالها وهي تخوم السند مما يلي بسط وغزنين وزرعون والرخج وبلاد الدوار مما يلي بلاد سجستان، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد قشمير، وملك قشميريعرف بالراني، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وقشمير هذه من ممالك السند وجبالها هملكة عظيمة حصينة يحتوي ملكها على مدن وضياع على نحومن ستين ألفا إلى سبعين ألفا، لا سبيل لأحد من الناس على بلده إلا من وجه واحد، ويغلق على جميع ما ذكره من ملكه باب واحد، لأن ذلك في جبال شوامخ منيعة لا سبيل للرجال أن يتسلقوا عليها، ولا للوحش أن يلحق بعلوها، ولا يلحقها إلا الطير، وما لا جبل فيه فأودية وعرة وأشجار وغياض وأنهار ذات منعة من شدة الأنصباب والجريان، وما ذكرنا من منعة ذلك البلد فمشهور في أرض خراسان وغيرها من البلاد، وذلك أحد عجائب الدنيا.
** القنوج **
فأما ملك بؤورة وهو ملك القنوج فإن مسافة مملكته تكون نحوا من عشرين ومائة فرسخ في مثلها فراسخ سندية الفرسخ ثمانية أميال بهذا الميل، وهو الملك الذي قدمنا ذكره فيما سلف أن له من الجيوش أربعة على مهاب الرياح الأربع، كل جيش منها سبعمائة ألف، وقيل: تسعمائة ألف وقيل: تسعة آلاف ألف فيحارب بجيش الشمال صاحب المولتان ومن معه في تلك الثغور من المسلمين، ويحارب بجيش الجنوب البلهرا ملك المانكير، وبالجيوش الباقية من يلقاه في كل وجه من الملوك، ويقال: إن ملكه يحيط في مقدار ما ذكرناه من المسافة من المدن والقرى والضياع مما يدركه الإحصاء والعدد بألف ألف وثمانمائة ألف قرية بين أنهار وشجر وجبال ومروج، وهو قليل الفيلة من بين الملوك، ورسمه لحربه ألفا فيل حربية تقاتل، وذلك أن الفيل إذا كان فارها ممارسا شجاعا وكان راكبه فارسا وفي خرطومه القرطل وهو نوع من السيوف وخرطومه مغشى بالزرد والحديد، وعليه تجافيف قد أحاطت سائر جسده من القرن والحديد، وكان حوله خمسمائة راجل يمنعونه ويحرزونه من ورائه، حارب ستة آلاف فارس، وقام بها، وأدناها إذا كان معه خمسمائة راجل، كر على خمسة آلاف فارس، ودخل وخرج وصال عليها كالرجال علىالفرس، وهذا رسم فيلتها في سائر حروبها.
** المولتان **
فأما صاحب المولتان فقد قلنا: إن الملك في ولد سأمة بن لؤي بن غالب، وهوف جيوش ومنعة، وهو ثغر من ثغور المسلمين الكبار، وحول ثغر المولتان من ضياعه وقراه عشرون ومائة ألف قرية مما يقع عليه الإحصاء والعد، وفيه على ما ذكرنا الصنم المعروف بالمولتان، يقصده السند والهند من أقاصي بلادهم بالنفر والأموال والجواهر والعود وأنواع الطيب، ويحج إليه الألوف من الناس، وأكثر أموال صاحب المولتان مما يحمل إلى هذا الصنم من العود القماري الخالص الذي يبلغ ثمن الأوقية منه مائة دينار، وإذا ختم بالخاتم أثر فيه كما يؤثر في الشمع، وغير ذلك من العجائب التي تحمل إليه، وإذا نزلت الملوك من الكفار على المولتان وعجز المسلمون عن حربهم هددوهم بكسرهذا الصنم وتعويره، فترحل الجيوش عنهم عند ذلك، وكان دخولي إلى بلاد المولتان بعد الثلاثمائة، والملك بها أبو اللهاب المنبه بن أسد القرشي.
** المنصورة **
وكذلك كان دخولي إلى بلاد المنصورة في هذا الوقت، والملك عليها أبو المنذر عمر بن عبد الله، ورأيت بها وزيره رباحا وابنيه محمدا وعليا، ورأيت بها رجلا سيدا من العرب وملكا من ملوكهم وهو المعروف بحمزة، وبها خلق من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم من ولد عمربن علي وولد محمد بن علي، وبين ملوك المنصورة وآل أبي الشوارب القاضي قرابة وصلة ونسب، وذلك أن ملوك المنصورة الذين فيهم الملك في وقتنا هذا من ولدهبار بن لأسود، ويعرفن ببني عمر بن عبد العزيز القرشي، وليس هوعمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي.
فإذا اجتاز جميع ما ذكرنا من الأنهار ببلاد مرج بيت الذهب وهو المولتان اجتمعت بعد المولتان بثلاثة أيام فيما بين المولتان والمنصورة في الموضع المعروف بدوسات، فإذا انتهى جميع ذلك إلى مدينة الروذ من غربيها، وهي من أعمال المنصورة، سمي.هنالك مهران، ثم ينقسم قسمين، ويصب كل من القسمين من هذا الماء العظيم المعروف بمهران السند في مدينة شاكرة من أعمال المنصورة في البحر الهندي، وذلك على مقدار يومين من مدينة الديبل.
والمسافة من المولتان إلى المنصورة خمسة وسبعون فرسخا سنديةعلى ما ذكرنا، والفرسخ ثمانية أميال، وجميع ما للمنصورة من الضياع والقرى مما يضاف إليها ثلثمائة ألف قرية ذات زروع وأشجار وعمائر متصلة، وفيهاحروب كثيرة من جنس يقال لهم الميد، وهم نوع من السند وغيرهم من الأجناس، وهم ثغر السند، وكذلك المولتان من ثغور السند ومما أضيف إليها من العمائر والمدن.وسميت المنصورة باسم منصور بن جمهور عامل بني أمية، ولملك المنصورة فيلة حربية، وهي ثمانون فيلا رسم كل فيل أن يكون حوله على ما ذكرنا خمسمائة راجل وأنه يحارب ألوفا من الخيك على ما ذكرنا، ورأيت له فيلين عظيمين كانا موصوفين عند ملوك السند والهند لما كانا عليه من البأس والنجدة والإقدام على فل الجيوش، وكان اسم أحدهما منفرقلس والآخرحيدرة ولمنفرقلس هذا أخبار عجيبة، وأفعال حسنة، وهي مشهورة في تلك البلاد وغيرها: منها أنه مات بعض سواسه، فمكث أياما لا يطعم ولا يشرب، يبدي الحنين، ويظهر الأنين، كالرجل الحزين، ودموعه تجري من عينيه لا تنقطع، ومنها أنه خرج ذات يوم من حائره، وهي دار الفيلة، وحيدرة وراءه، وباقي الثمانين تبع لهما، فانتهى منفرقلس في سيره إلى شارع قليل العرض من شوارع المنصورة، ففاجأ في مسيره امرأة على حين غفلة منها، فلما بصرت به دهشت واستلقت على قفاها من الجزع، وانكشفت عنها أطمارها في وسط الطريق، فلما رأى ذلك منفرقلس وقف بعرض الشارع مستقبلا بجنبه الأيمن ما وراءه من الفيلة مانعا لهم من النفذ من أجل المرأة، وأقبل يشير إليها بخرطومه بالقيام،ويجمع عليها أثوابها، وششر منها ما بدا، إلى أن انتقلت المرأة وتزحزحت عن الطريق بعد أن عاد إليها روحها، فاستقام افيل في طريقه، واتبعه الفيلة.وللفيلة أخبار عجيبة الحربية منها والعمالة لأن منها ما لا يحارب فيجر العجل وتحمل عليه الأثقال وششعمل في دياس الأرز وغيره من الأقوات كدوس البقرفي البيدر، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار الزنج والفيلة، وكونها في بلادها، وليس في سائر الممالك أكثر منها في بلاد الزنج، وهي وحشية هنالك كلها. فهذه جمل من أخبار ملوك السند والهند، ولغة السند خلاف لغة الهند، والسند مما يلي الإسلام، ثم الهند، ولغة أهل المانكير وهي دار مملكة البلهرا كيرية مضافة إلى الصقع، وهي كيرة، ولغة ساحله مثل صيمور وسويارة وتانة وغير ذلك من مدن الساحل لا رية، وبلدهم مضافة إلى البحر الذي هم عليه، وهو لا روى، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ولهذا السالح أنهار عظيمة تجري من الجنوب، بالضد من أنهار العالم، وليس في أنهار العالم ما يجري من الجنوب إلى الشمال إلا نيل مصر ومهران السند ويسير من الأنهار، وما عدا ذلك من أنهار العالم يجري من الشمال إلى الجنوب، وقد ذكرنا وجه العلة في ذلك وما قاله الناس في هذا المعنى في كتابنا أخبار الزمان وقد ذكرنا ما انخفض من الأرض وما ارتفع.وليس في ملوك السند والهند من يعز المسلمين في ملكه إلا البلهرا، فالإسلام في ملكه عزير مصون، ولهم مساجد مبنية، وجوامع معمورة بالصلوات للمسلمين، ويملك الملك منهم الأربعين سنة والخمسين سنة فصاعدا، وأهل مملكته يزعمون أنه إنما طالت أعمار ملوكهم لسنة العدل وإكرام المسلمين، وهو ملك يرزق الجنود من بيت ماله كفعل المسلمين بجنودهم، وله دراهم طاهرية وزن الدرهم منها وزن درهم ونصف،سكته بدء تاريخ ملكهم، وفيلته الحربية لا تحصى كثرة، وتدعى بلاده أيضا بلاد الكمكر، ويحاربهم ملك الخزر من إحدى جهات مملكته، وهو ملك كثير الخيول والإبل والجنود ة ويزعم أنه ليس في ملوك العالم أجل منه إلا صاحب إقليم بابل، وهو الإقليم الرابع، وذلك أن هذا الملك ف نخوة وصولة على سائر الملوك، وهو مع ذلك مبغض للمسلمين، وهو كثير الفيلة، وملكه على لسان من الأرض، وفي أرضه معادن الذهب والفضة، ومبايعتهم بهما.ثم يلي هذا الملك ملك الطافن موادع لمن حوله من الملوك، وهو مكرم للمسلمين، وليست جيوشه كجيوش من ذكرنا من ملوك، وليس في نساء الهند أحسن من نسائهم، ولا أكثر منهن جمالا وبياضا، وهن موصوفات الخلوات، مذكورات في كتب الباه، وأهل البحر يتنافسون في شرائهن يعرفن بالطافنيات.
** رهمى **
ثم يلي هذا الملك مملكة رهمى، وهذه سمة لملوكهم، وهو الأعم من أسمائهم، ويقاتله الجزر، وملكه متاخم لملكهم، ورهمى يحارب البلهرا أيضا من إحدى جهات مملكته، وهو أكثر جيوشا وفيلة وخيولا من البلهرا ومن ملك الجزر ومن ملك الطافن، وإذا خرج في حروبه فرسمه أن يكون في خمسين ألف فيل، ولا يكون حربه إلا في الشتاء لقلة صبر الفيلة على العطش وقلة لبثها، والمكثر من الناس يغلو في القول في كثرة جنوده، فيزعمون أن عدد القصارين والغسالين في عسكره من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفا، وحرب من ذكرنا من الملوك كراديس، كل كردوس عشرون ألفا، أربعة أوجه كل وجه من الكردوس خمسة الاف، ومملكة رهمى تعاملهم بالودع، وهو مال البلد، وفي بلده العود والذهب والفضةوالثياب التي ليست لغيره رقة ودقة، ومن بلده يحمل الشعر المعروف بالضمر الذي تتخذ منه المذاب بنصب العاج والفضة يقوم بها الخدم على رؤوس الملوك في مجالسها.
** وصف الكركدن **
وفي بلده الحيوان المعروف بالنشان المعلم، وهو الذي تسميه العوام الكركدن، وله في مقدم جبهته قرن واحد، وهو دون الفيل في الخلقة وأكبر من الجاموس، إلى السواد ما هو، وهو يجتر كما تجتر البقر وغيرها مما يجتر من الحيوان، والفيلة تهرب منه، وليس في أنواع الحيوان والله أعلم أشد منه، وذلك أن أكثر عظامه أصم، ولا مفصل في قوائمه ولا يبرك في نيام، وإنما يكون بين الشجر والآجام يستند إليها عند نومه، والهند تأكل لحمه، وكذلك من في بلادهم من المسلمين؟ لأنه نوع من البقر، والجواميس بأرض السند والهند كثيرة، وهذا النوع من الحيوان وهو النشان يكون في أكثر غابات الهند، إلا أنه في مملكة رهمى أكثر، وقرونه أصفى وأحسن، وذلك أن قرنه أبيض، وفي وسطه صورة سوداء في ذلك البياض أما صورة إنسان أو صورة طاووس بتخطيطه وشكله أو صورة سمكة أو صورته في نفسه أو صورة نوع من الحيوان مما يوجد في تلك الديار، فينشر هذا القرن وتتخذ منه المناطق والسيور على صورة الحلية من الذهب والفضة فتلبسها ملوك الصين، وخواصها تتنافس في لبسها وتبالغ في أثمانها فتبلغ المنطقة ألفي دينار إلى أربعة آلاف، فيها معاليق الذهب، وذلك في نهاية الحسن والإتقان، وربما تقمع بأنواع من الجواهر على قضبان الذهب، ووجوه تلك الصور مكتبة بسواد في بياض، وربما يوجد في قرونه بياض في سواد، وليس في كل بلد يوجد في قرون النشان ما ذكرنا من الصور.وقد زعم عمرو بن بحر الجاحظ أن الكركدن يحمل في بطن أمه سبع سنين، وأنه يخرج رأسه من بطن أمه فيرعى ثم يدخل رأسه في بطنها، وهذا القول أورده في كتاب الحيوان على طويق الحكاية والتعجب، فبعثني هذا الوصف على مسألة من سلك تلك الديار من أ.هل سيراف وعمان ومن رأيت بأرض الهند من التجار، فكل يتعجب من قوله إذا أخبرته بما عندي من هذا وسألته عنه، ويخبرونني أن حمله وفصاله كالبقر والجواميس، ولست أدري كيف وقعت هذه الحكياة للجاحظ: أمن كتاب نقلها أو مخبر أخبره بها..
** الكامن **
ولرهمى في ملكه بروبحر، ويلي ملكه ملك لا بحرله يقال له ملك الكامن، وأهل مملكته بيض مخرمما الآذان، لهم فيلة وإبل وخيول، وحسن وجمال للرجال والنساء، ثم بعد هؤلاء ملك الإفرنج، وله بر وبحر، وهو على لسان من البر في البحر، يقع إلى بلده عنبر كثير، وفي بلده فلفل يسير، وهو ف فيلة كثيرة، وهو ذو بأس بين الملوك وزهو وفخر، وزهوة أكثر من قوته، وفخره أكثر من بأسه، ثم يلي هذا الملك ملك الموجه أهله بيض فو حسن وجمال غيرخرومي الآذان، لهم خيل كثيرة، وعدد منيعة، والمسك في بلادهم كثير على ما قدمنا من غزلانهم ووصف ظبائهم فيما سلف من هذا الكتاب، وهذه الأمة تشبه بأهل الصين في لباسهم، وجبالهم منيعة شواهق بيض، لا يعلم بأرض السند والهند ولا فيما ذكرنا من هذه الممالك جبال أطول منها ولا أمنع،، ومسكهم موصوف مضاف إلى بلدهم يتعارفه البحريون، ممن عني بحمل ذلك وتجهيزه، رهو المسك المعروف بالموجهي.
** الماند **
ثم يلى الموجه مملكة الماند، ولهم مدن كثيرة وعمائر واسعة وجنودعظيمة، وملوكهم تستعمل الخدم والخصيان في عمالات بلدانهم من المعادن وجبايات الأموال والولايات وغيرها كفعل ملوك الصين على حسب ما وصفنا من أخبارهم، والماند مجاورون لمملكة الصين، والرسل تختلف بينهم بالهدايا، وبينهم جبال منيعة وعقبات صعبة، وللماند البأس العظيم والبطش الشديد والقوة، وإذا دخل رسل ملك الماند مملكة الصين وكل ملك الصين بهم، ولم يتركهم ينتشرون في بلادهم خوفا أن يقفا على طرقهم وعورات بلادهم، لكبرة الماند في نفسهم.
** بعض عوائد الهند والصين **
ولمن ذكرنا من الهند والصين في بلادهم ولغيرهم من الأمم أخلاق وشيم في الماكل والمشارب والمناكح والملابس والعلافي والأدوية والكي بالنار وغيره، وقد ذكر عن جماعة من ملوكهم أنهم لا يرون حبس الريح في أجوافهم لأنه داء يؤذي، ولا يحتشمون في إظهارها في سائر أحوالهم، وكذلك فعل حكمائهم، ورأيهم أن حبسها داء يؤذي، وأن إرسالها شفاء ينجي، وأن في ذلك العلافي الأكبر، وأن فيه راحة لصاحب القولنج والمحصور، وأن فيه داء للسقيم المطحول، ولا يحتشمون من الضرطة، ولا يحصرون الفسوة، ولا يرون ذلك عيبا، وللهند التقدم في صناعة الطب، ولهم فيه اللطافة والحذق، وذكر هذا المخبر عن الهند أن السعال عندهم أقبح من الضراط، وأن الجشاء في وزن الفساء، وأن صوت الضرطة دباغها والمذهب عنها ريحها، واستشهد هذا المخبر على صحة ما حكاه عن الهند باستفاضة القول في ذلك في كثير من الناس عنهم، حتى ذكر ذلك عنهم في السير والأخبار والنوادر والأشعار؛ فمن ذلك ما ذكر أبان بن عبد الحميد في الأرجوزة المعروفة بذات الحلل.
وأن الريح واححة في الجوف، وإنما تختلف أسمائها باختلاف مخارجها، فما يذهب صعدا يسمى جشاء، وما يذهب سفلا يسمى فساء، ولا فرق بين الريحين إلا باختلاف المخرجين، كما يقال الصفعة واللطمة، إلا أن اللطمة في الوجه والصفعة مؤخر الرأس والقفا، والجنس واحد، وإنما اختلفت اسماؤها لاختلاف الموضعين وتباين المكانين، وأن الحيوان الناطق إنما كثرت علله، وترادفت أد واؤه، واتصلت أمراضه كالقولنج وأوجاع المعدة وغيرها من العوارض بحبس الداء في جوفه وترك إظهاره في حال هيجانه وتفرغ الطبيعه لدفعه وإخراجه، وأن سائر الحيوان غير الناطق إنما بعد عما ذكرنا من الآفات والمعترضات من العاهات لسرعة خروج ما يعرض ويثور من الأدواء في أجوافها وعدم احتباسها في وعائها، وأن الفلاسفة والمتقدمين من الحكماء اليونانيين كديموقرطيس وفيثاغورس وسقراط وديوجانس وغيرهم من حكماء الأمم لم يكونوا يرون حبس شيء من ذلك لعلمهم بما يتولد من آفاته، ويؤول إليه من متعقباته، وأن ذلك يجده في نفسه كل في حس، وأن ذلك يعلم بالطبيعة، ويدرك بضرورة العقل، وإنما استقبح ذلك اناس من أ صحاب الشرائع والكتب لما ورد ت به الشرائع ومنعت منه الملل، ولم يجر ذلك في عاداتهم.قال االمسعودي: وقد أتينا على أخبارهم وما أحكمنا من ذكر شيمهم وعجائب سيرهم ومتصرفاتهم في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وكذلك أتينا على ذكر أخبار المهراج ملك الجزائر والطيب والأفاوية مع سائرملوك الهند ومع القنجب وغيره من ملوك الجبال مما قابل هذه الجزائر كالزابج وغيرها من بلاد الصين، وأخبار ملوك الصين وملك سرنديب مع ملك مندورفين، وهي بلاد مقابلة لجزيرة سرنديب كمقابلة بلاد قمار لجزائر المهراج من الزانج وغيرها، وكل ملك تملك بلاد مندورفين يسمى المقايدي، وسنأتي بجمل من أخبار ملوك الشرق والغرب واليمن والحيرة فيما يرد من هذا الكتاب ومن أخبار ملوك اليمن والفرس والروم واليونانيين والمغرب وأنواع الأحابيش والسودان وملوك الصين ولد يافث، وغير ذلك من أخبار العالم وعجائب الأمم.