Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر جبل القبخ وأخبار الأمم من الان والسرير والخزر وأنواع الترك والبرغز وغيرهم وأخبار الباب والأبواب ومن حولهم من الملوك والأمم.
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 11 of 107
** جبل القبخ **
أما جبل القبخ فهوجبل عظيم، وصقعه صقع جليل، قد أشتمل على كثير من الممالك والأمم، وفي هذا الجبل اثنتان وسبعون أمة، كل أمة لها ملك ولسان بخلاف لغة غيرها، وهذا الجبل ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه، بناها كسرى أنو شروان وجعلها بينه وبين بحر الخزر، وجعل هذا السور من جوف البحرعلى مقدار ميل منه مادا إلى البحر، ثم على جبل القبح مادا في أعاليه ومشخفضاته وشعابه نحوا من أربعين فرسخا، إلى أن ينتهي ذلك إلى قلعة يقال لها طبرستان، وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور أو أقل أو أكثر على حسب الطريق الذي جعل الباب من أجله بابا من حديد، وأسكن فيه على كل باب من داخله أمة تراعي ذلك الباب وما يليه من السور، كل ذلك ليدفع أذى الأمم المتصلة بذلك الجبل. من الخزر واللان وأنواع الترك والسرير وغيرهم من أنواع الكفار، وجبل القبخ يكون في المسافة علوا وطولا وعرضا نحوا من شهرين، بل وأكثر، وحوله أمم لا يحصيهبم إلا الخالق عز وجل، أحد شعابه على بحر الخزر مما يلي الباب والأبواب على ما ذكرنا، ومن شعابه مما يلي بحر مايطس المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكلام الذي ينتهي إليه خليج القسطنطينية، وعلى بحر طرابزندة، وهي مدينة على شاطىء هذا البحر لها أسواق في السنة يأتي إليها كثير من الأمم للتجارة من المسلمين والروم والأرمن وغيرهم من بلاد كشك ولما بني أنوشروان هذه المدينة المعروفة بالباب والأبواب والسور في البر والبحر والجبل أسكن هناك أمما من الناس وملوكا، وجعل لهم مراتب رتبهم عليها ووسم كل أمة منهم بسمة معلومة، وحد له حدا معلوما على حسب فعل أردشير بن بابك حين رتب ملوك خراسان، فممن رتب منهم أنوشروان من الملوك في بعض هذه البقاع والمواضع مما يلي الإسلام من بلاد بردعة ملك يقال له شروان، ومملكته مضافة إلى اسمه فيقال له شروان شاه، وكل ملك يلي هذا الصقع يقال له شروان، وتكون مملكته في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة نحوا من شهر لأنه كان تغلب على مواضع لم يكن رسمها له أنوشروان فانضافت إلى ملكه، والملك في هذا الوقت المؤرخ والله أعلم مسلم يقال له محمد بن يزيد، وهو من ولد بهرام جور، لاخلاف في نسبه، وكذلك ملك السرير من ولد بهرام جور، وكذلك صاحب خراسان في هذا الوقت المؤرخ من ولد إسماعيل بن أحمد، وإسماعيل من ولد بهرام جور، لاخلاف فيما ذكرنا من شهرة أنساب من ذكرنا، وقد تملك محمد بن يزيد هذا وهو شروان على مدينة الباب والأبواب، وذلك بعد موت صهر له يقال له عبد الملك بن هشام، وكان رجلا من الأنصار، وكان فيه إمرة الباب والأبواب، وقد كانوا قطنوا تلك الديار منذ دخلها مسلمة بن عبد الملك وغيره من أمراء الإسلام في صدر الزمان.
** إيران **
وتلى مملكة شروان مملكة اخرى من جبل القبخ يقال لها الإيران، وملكها يدعى الإيران شاه، وقد غلب على هذه المملكة في هذا الوقت شروان أيضا، وعلى مملكة اخرى يقال لها مملكة الموقانية، والمعول في مملكته على مملكة اللكز، وهي أمة لا تحصى كثرة ساكنة في أعالي هذا الجبل، ومنهم كفار لا ينقاعون إلى ملك شروان يقال لهم الدودانية جاهلية لا يرجعون إلى ملك، ولهم أخبار طريفة في المناكح والمعاملات، وهذا الجبل فأودية وشعاب وفجاج، وفيه أمم لا يعرف بعضهم بعضا لخشونة هذا الجبل وامتناعه وذهابه في الجو وكثرة غياضه وأشجاره وتسلسل المياه من أعلاه وعظم صخوره وأحجاره، وغلب هذه الرجل المعروف بشروان على ممالك كثيرة من هذا الجبل كان رسمها كسرى أنوشروان لغيره ممن رتب هناك، فأضافها محمد بن يزيد إلى ملكه: منها خراسان شاه وزادان شاه، وسنذكر بعد هذا الموضع تغلبه على مملكه شروان، وقد كان قبل ذلك على الإيران هو وأبوه من قبل، ثم على سائر الممالك.
** طبرستان **
وتلي مملكة شروان في جبل القبخ مملكة طبرستان، وملكها في هذا الوقت مسلم، وهو ابن أخت عبد الملك الذي كان أمير الباب والأبواب، وهي أول الامم المتصلة بالباب والأبواب.
** جيدان **
ويبادي أهل الباب والأبواب مملكة يقال لها جيدان، وهذه الأمةداخلة في جملة ملوك الخزر، وقد كانت دار مملكتها مدينة على ثمانية أيام من مدينة الباب يقال لها سمندر، وهي اليوم يسكنها خلق من الخزر، وذلك أنها افتتحت في بدء الزمان، افتتحها سليمان بن ربيعة الباهلي رضي الله تعالى عنه، فانتقل الملك عنها إلى مدينة آمل، وبينها وبين الأولى سبعة أيام، وآمل التي يسكنها ملك الخزر في هذا الوقت ثلاث قطع يقسمها نهرعظيم يرد من أعالي بلاد الترك ويتشعب مته شعبة نحوبلاد البرغز وتصب في بحر مايطس، وهذه المدينة جانبان، وفي وسط هذا النهر جزيرة فيها دار الملك، وقصر الملك في وسط هذه الجزيرة، وبها جسر إلى أحد الجانبين من سفن، وفي هذه المدينة خلق من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية؛ فأما اليهود فالملك وحاشيته والخزر من جنسه، وكان تهود ملك الخزر في خلافة هرون الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود وردوا عليه من سائر أمصار المسلمين ومن بلاد الروم، وذلك أن ملك الروم في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهم أرمنوس نقل من كان في ملكه من اليهود إلى دين النصرانية وأكرههم، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كيفية أخبار ملوك الروم، وأعدادهم، وأخبار هذا الملك ومن قد شاركه في ملكه في هذا الوقت المؤرخ، فتهارب خلق من اليهود من أرض الروم إلى أرضه على ما وصفنا، وكاذ لليهود مع ملك الخزرخبر ليس هذا موضع ذكره.
** عادة حرق الموتى وسائر حوائجهم **
وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا. وأما من في بلاده من الجاهليه فأجناس: منهم الصقالبة، والروس، وهم في أحد جانبي هذه المدينة، ويحرقون موتاهم ودواب ميتهم وآلاته والحلى، وإذا مات الرجل أحرقت معه امرأته وهي في الحياة. وإن ماتت المرأة لم يحرق الرجل، وإذا مات منهم أعزب زوج بعد وفاته والنساء يرغبن في تحريق أنفسهن لدخولهن عند أنفسهن الجنة، وهذا فعل من أفعال الهند على حسب ما ذكرنا آنفا، إلا أن الهند ليس من شأنها أن تحرق المرأة مع زوجها إلا أن ترى ذلك المرأة والغالب في هذا البلد المسلمون؛ لأنهم جند الملك، وهم يعرفن في هذا البلد باللارسية، وهم ناقلة من نحو خوارزم، وكان في قديم الزمان بعد ظهور الإسلام وقع في بلادهم جدب، ووباء، فانتقلوا إلى ملك الخزر، وهم فو بأس وشدة، وعليهم يعول ملك الخزر في حروبه، وأقاموا في بللى على شروط بينهم، أحدها إظهار الدين والمساجد والأذان، وثانيها أن تكون وزارة الملك فيهم، والوزير في وقتنا هذا منهم هو أحمد بن كويه، وثالثها أنه متى كان لملك الخزر حرب مع المسلمين وقفا في عسكره منفردين عن غيرهم لا يحاربون أهل ملتهم، ويحاربون جهل ملتهم، ويحاربون معه سائر الناس من الكفار، ويركب منهم مع الملك في هذا الوقت شخوص منهم سبعة آلاف ناشب بالجواشن والدروع والخوذ ومنهم رامحة أيضا على حسب ما في المسلمين من آلات السلاح، ولهم قضاة مسلمون، ورسم دار مملكة الخزر أن يكون فيها قضاة سبعة: اثنان منهم للمسلمين، واثنان للخزر يحكمان بحكم التوراة، وائنان لمن بها من النصرانية يحكمان بحكم النصرانية، وواحد منهم للصقالبة والروس وسائرالجاهلية يحكم بأحكام الجاهلية وهي قضايا عقلية؛ فإذا ورد عليهم ما لا علم لهم به من النوازل العظام اجتمعوا إلى قضاة المسلمين فتحاكموا إليهم انقادوا إلى ما توجبه شريعة الإسلام، وليس في ملوك الشرق في هذا لصقع من له جند مرتزقة غير ملك الخزر، وكل مسلم من تلك الديار مرف بأسماء هؤلاء القوم اللارسية، والروس والصقالبة الذين ذكرنا أنهم جاهلية هم جند الملك وعبيده، وفي بلاده خلق من المسلمين تجاروصناع غير اللارسية فروا إلى بلاده لعدله وأمنه، ولهم مسجد جامع، والمنارة تشرف على قصر الملك، ولهم مساجد أخرى فيها المكاتب لتعليم الصبيان القرآن، فإذا اتفق المسلمون ومن بها من النصارى لم يكن للمك بهم طاقة.
** مراسم خاقان **
قال المسعودي: وليس إخبارنا عن ملك الخزر نريد به خاقان، وذلك أن للخزر ملكا يقال له خاقان، ورسمه أن يكون في يدي ملك آخر هو وغيره، فخاقان في جوف قصر لا يعرف الركوب ولا الظهور للخاصة ولا للعأمة، ولا الخروج من مسكنه، معه حرمه، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يدبر من أمر المملكة شيئا، ولا تستقيم مملكة الخزر لملكهم إلا بخاقان يكون عنده في دار مملكته، ومعه في حيزه، فإذا أجد بت أرض الخزر أو نابت بلدهم نائبة، أو توجهت عليهم حرب لغيرهم من الأمم، أو فاجأهم أمر من الأمور، نفرت الخاصة والعأمة إلى ملك الخزر، فقالوا له: قد تطيرنا بهذا الخاقان وأيامه، وقد تشاء منابه، فاقتله أو سلمه إلينا نقتله، فربما سلمه إليهم فقتلوه، وربما تولى هو قتله، وربما رق له فدافع عنه لأنقتله بلا جرم استحقه ولا ذنب أتاه هذا رسم الخزر في هذا الوقت فلست أدري: أفي قديم الزمان كان ذلك أم حدث، وإنما منصب خاقان هذا من أهل بيت بأعيانهم أرى أن الملك كان فيهم قديما، والله أعلم.
** نهر برطاس **
وللخزر زوارق يركب فيها الركاب التجار في نهر فق المدينة يصب إلى نهرها من أعاليها، يقالى له برطاس، عليه أمم من الترك حاضرة داخلة في جملة ممالك الخزر، وعمائرهم متصلة بين مملكة الخزر والبرغز، يرد هذا النهر من نحو بلاد البرغز، والسفن تختلف فيه من البرغز والخزر.
** أمة برطاس **
وبرطاس أمة من الترك على ما ذكرنا على هذا النهر المعروف بهم،ومن بلادهم تحمل جلود الثعالب السود، والحمر التي تعرف بالبرطاسية، يبلغ الجلد منها مائة دينار، وأكثر من ذلك، وذلك من السود، والحمر أخفض ثمنا منها، وتلبس السود منها ملوك العرب والعجم، وتتنافس في لبسه، وهو أغلى عندهم من السمور والفنك وما شاكل ذلك، وتتخذ الملوك منه القلانس والخفاف والحواويج ويتعذر في الملوك من ليس له خفان ودواج مبطن من هذه الثعالب البرطاسية السود.وفي أعالي نهر الخزرمصب متصل بخليج من بحر نيطس، وهو بحر الروس لا يسلكه غيرهم، وهم على ساحل من سواحله، وهي أمة عظيمة جاهلية لاتنقاد إلى ملك ولا إلى شريعة، وفيهم تجار يختلفن إلى ملك البرغز وللروس في أرضهم معدن الفضة كثير نحو معدن الفضة الذي بجبل بنجهير من أرض خراسان.
** البرغز **
ومدينة البرغز على ساحل بحر مايطس، وأرى أنهم في الإقليم السابع، وهم نوع من الترك، والقوافل متصلة بهم من بلاد خوارزم من أرض خراسان، ومن خوارزم إليهم، إلا أن ذلك بين بوادي غيرهم من الترك، والقوافل مخفرة منهم. وملك البرغز في وقتنا هذا وهوسنة اثنتين وثلانين وثلثمائة مسلم، أسلم في أيام المقتدر بالله، وذلك بعد العشر والثلثمائة، وذلك لرؤيا رآهأ، وقد كان له ولد حج، وورد مدينة السلام، وحمل معه لمقتدر لواء وبنودأ ومالا ولهم جامع، وهذا الملك غزا بلاد القسطنطينية في نحو خمسين ألف فارس فصاعدا ويشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والإفرانجة، ومنهم إلى. القسطنطينية نحو من شهرين متصلين عمائر ومفاوز، وقد كان المسلمون حين غزوا من بلاد طرسوس من الثغر الشامي مع أمير الثغور ثمل الخادم المعروف بالزلفى ومن كان معه من مراكب الشاميين والبصريين سنة اثنتي عشرة وثلثمائة قطعوا فم خليج القسطنطينية وفم خليج آخرمن البحر الرومي لا منفذ له، وانتهوا إلى بلاد فندبة، وأتاهم في البحر جماعة من البرغز ينجدونهم، وأخبروهم أن ملكهم بالقرب، وهذا يدل على ما وصفنا أن البرغز تتصل سراياها إلى ساحل بحر الروم، وكان نفر منهم ركبوا في مراكب الطرسوسيين، فأتوا بهم إلى بلاد طرسوس، والبرغز أمة عظيمة منيعة شديدة البأس، ينقاد إليها من جاورها من الأمم، والفارس ممن قد أسلم مع ذلك الملك يقاتل المائة من الفرسان والمائتين من الكفار، ولا يمتنع أهل القسطنطينية منه في هذا الوقت إلا بسورها، وكذلك كل من كان في هذا الصقع لا يعتصم منهم إلا بالحصون والجدران، والليل في بلاد البرغز في نهاية من القصر في بعض السنة، ومنهم من زعم أن أحدهم لا يستطيع أن يفرغ من طبخ قدره حتى يأتي الصباح، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا علة ذلك من الوجه الفلكي، وعلة الموضع الذي يكون الليل فيه ستة أشهر متصلة لا نهار فيه، والنهار ستة أشهر متصلة لا ليل فيه، وذلك نحو الجدي، وقد ذكر أصحاب النجوم في الزيجات علة ذلك من الوجه الفلكي.
** الروس وأجناسهم **
والروس: أمم كثيرة وأنواع شتى، ومنهم من يقال لهم اللوذعانة،وهم الأكثرون، يختلفن بالتجارة إلى بلاد الأندلس ورومية وقسطنطينية والخزر وقد كان بعد الثلاثمائة ورد عليهم نحو من خمسمائة مركب، في كل مركب مائة نفس، فدخلوا خليج نيطس المتصل ببحر الخزر، وهنالك رجال ملك الخزر مرتبين بالعدد القوية يصدون من يرد من ذلك البحر،ومن يرد من ذلك الوجه من البر الذي شعبه من بحر الخزر تتصل ببحر نيطس، وذلك أن بوادي الترك الغز ترد إلى ذلك البروتشتي هنالك، فربما يجمد هذا الماء المتصل من نهر الخزر إلى خليج نيطس، فتعبر الغز عليه بخيولها، وهوماء عظيم، فلاينخسف من تحتهم لشدة استحجاره، فتغير على بلاد الخزر، وربما يخرج إليهم ملك الخزر إذا عجز من هنالك من رجاله المرتبين عن دفعهم ومنعهم العبور على ذلك الجمد، وأما في الصيف فلا سبيل للترك إلى العبور، فلما وردت مراكب الروس إلى رجال الخزر المرتبين على فم الخليج راسلوا ملك الخزر في أ ان يجتازوا البلاد وينحدروا في نهره فيدخلوا نهر الخزر ويتصلوا ببحر الخزر الذي هو بحر جرنجان وطبرستان وغيرهما من بلاد الأعاجم على ما ذكرنا، ويجعلوا لملك الخزر النصف مما يغنمون ممن هناك من الأمم على ذلك البحر، فأباحهم ذلك، فدخلوا الخليج واتصلوا بمصب النهر فيه، وساروا مصعدين في تلك الشعبة من الماء، حتى وصلوا إلى نهر الخزر، وانحدروا فيه إلى مدينة آمل واجتازوا بها وانتهوا إلى فم النهر ومصبه إلى البحر الخزري، ومن مصب النهر إلى مدينة آمل وهو نهر عظيم وماء كثير فانتشرت مراكب الروس في هذا البحر، وطرحت سراياها إلى الجيل والديلم وبلاد طبرستان وآبسكون، وهي بلاد على ساحل جرجان وبلاد النفاطة، ونحو بلاد أذر بيجان، وذلك أن من بلاد أردبيل من بلاد أذر بيجان إلى هذا البحر نحو من نلاثة أيام، فسفكت الروس الدماء، واستباحت النسوان والولدان، وغنمت الأموال، وشنت الغارات، وأخربت، وأخرقت، فضج من حول هذا البحر من اللأمم، لأنهم لم يكونوا يعهدون في قديم الزمان عدوا يطرقهم فيه، إنما تختلف فيه مراكب التجار والصيد، وكانت لهم حروب كثيرة مع الجيل والديلم مع قائد لابن أبي الساج، فانتهوا إلى ساحل النفاطة من مملكة شروان المعروفة بباكة، وكانت الروس تأوي عند رجوعها من غاراتها الى جزائر تقرب من النفاطة على أميال منها، وكان ملك شروان يومئذعلي بن الهيثم، فاستعد الناس، وركبوا في القوارب، ومراكب التجار، وساروا نحو تلك الجزائر، فمالت عليهم الروس، فقتل من المسلمين وغرق ألوف، وأقام الروس شهورا كثيرة في هذا البحر على ما وصفنا لا سبيل لأحد ممن جاور هذا البحر من الأمم أليهم، والناس مهتابون لهم، حذرون منهم. لأنه بحر غامر لمن حوله من الأمم، فلما غنموا وسئموا ما هم فيه ساروا إلى فم نهر الخزر ومصبه، فراسلوا ملك الخزر وحملوا إليه الأموال والغنائم على ما اشترط عليهم، وملك الخزر لا مراكب له، وليس لرجاله بها عادة، ولولا ذلك لكان على المسلمين منهم آفة عظيمة، وعلم بشأنهم اللارسية ومن في البلاد الخزر من المسلمين، فقالوا لملك الخزر: خلنا وهؤلاء القوم فقد أغاروا على بلاد إخواننا المسلمين، وسفكوا الدماء، وسبوا النساء والذراري، فلم يمكن الملك منعهم، وبعث إلى الروس فأعلمهم بما قد عزم عليه المسلمون من حربهم، وعسكروا، وخرجوا يطلبونهم منحدرين مع الماء، فلما وقعت العين على العين خرجت الروس عن مراكبها وصافا المسلمين، وكان مع المسلمين خلق من النصارى من المقيمين بمدينة آمل وكان المسلمون في نحو خمسة عشر ألفا بالخيل والعدد، فأقام الحرب بينهم ثلاثة أيام، ونصر الله المسلمين عليهم، وأخذهم السيف: فمن قتيل، وغريق، ونجا منهم نحو خمسة آلاف، فركبوا في المراكب إلى ذلك ذلك الجانب مما يلي بلاد برطاس، وتركوا مراكبهم وتعلقوا بالبر فمنهم من قتله أهل برطاس، ومنهم من وقع إلى بلاد البرغز إلى المسلمين فقتلوهم، وكان من وقع عليه الإحصاء ممن قتله المسلمون على شاطىء نهر الخزر نحوا من ثلاثين ألفا، ولم يكن للروس من تلك السنة عودة إلى ما ذكرنا. قال المسعودي: وإنما ذكرنا هذه القصة دفعا لقول من زعم أن بحر الخزر متصل، ببحر مايطس وخليح القسطنطينية من جهة بحر مايطس ونيطس ولوكان لهذا البحر اتصال بخليج القسطنطينية من جهة بحر مايطس أو نيطس لكانت الروس قد خرجت فيه، إذ كان ذلك بحرها على ما ذكرنا، ولا خلاف بين من ذكرنا ممن تجاوز هذا البحر من الأمم في أن بحر الأعاجم لا خليج له متصل، بغيره من البحار ة لأنه بحر صغيريحاط بعلمه، وما ذكرنا من مراكب الروس فمستفيض في تلك البلاد عند سائر الأمم، والسنة معروفة، وكانت بعد الثلاثمائة. وقد غاب عني تاريخها، ولعل من ذكر أن بحر الخزر متصل بخليج القسطنطينية يريد أن بحر الخزر هو بحر مايطس ونيطس الذي هو بحر البرغز والروس، والله أعلم بكيفية ذلك. وساحل طبرستان على هذا البحر، وهنالك مدينة يقال لها الهم،وهي فرضة قريبة من الساحل، وبينها وبين مدينة آمل ساعة من النهار، وعلى ساحل جرجان، مما يلي هذا البحر، مدينة يقال لها آبسكون، على نحو من ثلاثة أيام من جرجان، وعلى هذا البحر الجيل والديلم، وتختلف المراكب بالتجارات فيه إلى مدينة آمل، فيدخل في نهر الخزر إليها وتختلف، المراكب فيه بالتجارات من المواضع التي سمينا من ساحله إلى باكة، وهي معدن النفط الأبيض وغيره، وليس في الدنياوالله أعلم نفط أبيض إلا في هذا الموضع، وهي على ساحل مملكة شروان، وفي هذه النفاطة أطمة، وهي عين من عيون النار لا تهدأ على سائر الأوقات تتضرم الصعداء.
** حديث عن آطام النيران **
ويقابل فذا الساحل في البحر جزائر: منها جزيرة على نحو ثلاثة أيام من الساحل فيها أطمة عظيمة تزفر في أوقات من فصول السنة فتظهر منها نار عظيمة تذهب في الهواء كأشمخ ما يكون من الجبال العالية فتضيء الأكثر . من هذا البحر، ويرى ذلك من نحو مائة فرسخ من البر، وهذه الأطمة تشبه أطمة جبل البركان من بلاد صقلية من أرض الإفرنجة ومن بلاد إفريقيةمن أرض المغرب، وليس في آطام الأرض أشد صوتا ولا أسود دخانا ولا كثر تلهبا من الأطمة التي في أعمال المهراج، وبعدها أطمة وادي برهوت، وهي نحوبلاد سبأ وحضرموت من بلاد الشحر، وذلك بين بلاد اليمن وبلاد عمان، وصوتها يسمع كالرعد من أميال كثيرة تقذف من قعرها بجمركالجبال وقطع من الصخورسود حتى يرتفع ذلك في الهواء ويدرك حسا من أميال كثيرة ثم ينعكس سفلافيهوي إلى قعرها وحولها، والجمر الذي يظهر منها حجارة قد أحمرت مما قد أحالها من مواد حرارة النار، وقد أتينا على علة تكون عيون النيران في الأرض، وما سبب موادها، في كتابناأخبار الزمان.
** حديث عن البزاة **
وفي هذا البحر جزائر أخرى مقابلة لساحل جرجان، يصاد منها نوع من البزاة البيض، وهذا النوع من البزاة أسرع الضواري إجابة، وأقلها معاشرة، إلا أن في هذا النوع من البزاة شيئا من الضعف، لأن الصائد يصطادها من هذه الجزائر فيغذيها بالسمك، فإذا اختلف عليها الغذاء عرض لها الضعف، وقد قال الجمهور من أهل المعرفة بالضواري وأنواع الجوارح من الفرس والترك والروم والهند والعرب: إن البازي إذا كان إلى البياض في اللون؛ فإنه أسرع البزاة وأحسنها وأنبلها أجساما، وأجرؤها قلوبا، وأسهلهارياضة وإنه أقوى جميع البزاة على السمو في الجو، وأذهبها الصعداء وأبعدها غاية في الهواء؛ لأن فيها من حرف الحرارة وجراءة القلب ما ليس في غيرها من جميع أنواع البزاة، وإن اختلاف ألوانها لاختلاف مواضعها، وإن من أجل ذلك خلصت البيض لكثرة الثلج في أرمينية وأرض الخزر وجرجان وما والاها من بلاد الترك.
وقد حكي عن حكيم من خواقين الترك وهم الملوك المنقادة إلىملكهم جميع ملوك الترك أنه قال: إن بزاة أرضنا إذا أسقطت أنفس فراخها من الوعاء إلى الفضاء سمت في آخر الجو إلى الهواء البارد الكثيف فأنزلت عواب تسكن هناك فتغذيها بها، فلا تلبث أن تقوى وتنهض لإسراع الغذاء فيها، وأنهم ربما وجدوا في أوكارها من تلك الدواب أشلاء.وقد قاك جالينوس : إن الهواء حار رطب، والبرد يعرض فيه لقوة الرياح المرتفعة ولا يخلوالجومن نشاء فيه وساكن.
وعن بليناس أنه قال: واجب إذا كان لهذين الاسطقصين يعني الأرض والماء خلق وساكن أن يكون للاسطقصين الأعليين يعني الهواء والنار خلق وساكن.
** القول بأن الهواء مسكون **
ووجدت في بعض أخبار هارون الرشيد أن الرشيد خرج ذات يوم إلى الصيد ببلاد الموصل، وعلى يده بازأبيض ث فاضطرب على يده فأرسله ة فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء ثم طلع بعد الإياس منه وقد علق شيئا فهوى به يشبه الحية أو السمكة وله ريش كأجنحة السمك فأمر الرشيد فضع في طست ؛فلما عاد من قنصه أحضر العلماء فسألهم: هل تعلمون للهواء ساكنا؟ فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين، روينا عن جدك عبد الله بن عباس أن الهواء معمور، بأمم مختلفة الخلق، فيها سكان أقربها منا دواب تبيض في الهواء تفرخ فيه، يرفعها الهواء الغليظ ويربيها حتى تنشأ في هيئة الحيات أو السمك، لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بزاة بيض تكون بأرمينية، فأخرج الطست إليهم، فأراهم الدابة، وأجاز مقاتلا يومئذ.
و قدأخبرني غير، واحد من أهال التحصيل بمصروغيرهامن البلاد أنهم شاهدوا في الجو حيات تسعى كأسرع ما يكون من البرق بيض، وأنها تقع على الحيوان في الأرض فتقتله، وربما يسمع لطيرانها في الليل وحركتها في الهواء صوت كنشرثوب جديد، وربما يقول من لا علم له وغيره من البشر: هذا صوت ساحرة لطير، ذات أجنحة من قصب.وللناس كلام كثير فيما ذكرنا، واستدلالهم على هذا إنما هو بما يحدث في أسطقص الماء من الحيوان، وأنه يجب على هذه القصة أن يحدث ذلك بين العنصرين الخفيفين وهما الهواء والنار نشو وحيوان كحدوثه بين الثقيلين وهما الأرض والماء.
** وصف البزاة **
قال المسعوعي: وقد وصفت الحكماء والملوك البزاة، وأغربت في الوصف، وأطنبت في المدح، فقال خاقان ملك الترك: البازي شجاع مريد وقال كسرى أنو شروان: البازي رفيق يحسن الإشارة ولا يؤخر الفرص إذا أمكنت، وقال قيصر: البازي ملك كريم إن احتاج أخذ وإن استغنى ترك، وقالت الفلاسفة: حسبك من البازي سرعة في الطلب وقوة على الرزق وفي السمو إذا طالت قوادمه وبعد ما بين منكبيه فذلك أبعد لغايته وأخف لسرعته، ألا ترى إلى الصقور لا تزداد في غاياتها إلا بعدا وسرعة وقوة على التكرار، وذلك لطول قوادمها مع كثافة أجسامها، وإنما قصرت غاية البازي لقصر جناحيه ورقة جسمه، فإذا طالت به الغاية أخره ذلك حتى تشتد نفسه، ولا تؤتى الجوارح إلا من قصر القوادم، ألا ترى أن الدراج والسما ن والحجل واشباهها حين قصرت قوادمها، كيف قصرت غاياتها. وقال أرستجانس: البازي طير عاري الحجاب، وما يفته في كسوره يزيده في أخمصه ورجليه، وهو أضعف الطير جسما، وأقواهاقلبا وأشجعها وذلك لفضله على سائر الطير بالجزء الذي فيه من الحرارة التي ليست في شيء منها، ووجدنا صدورها منسوجة بالعصب لا لحم عليها وقال جالينوس مؤيدأ لما ذهب إليه أرستجانس: إن البازي لا يتخذ وكرا إلا في شجرة لفاء مشتبكة بالشوك مختلفة الحجوم بين شجرعسى طلبأ للكن ودفعا لألم الحر والبرد، فإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتا وسقفه تسقيفا لا يصل إليه منه مطرولا ثلج إشفاقا على نفسه وفراخه من البرد والضر.
** أول من لعب بالصقور **
وذكر أدهم بن محرز أن أول من لعب بالصقور الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، وهو أبوكندة، وأنه وقف يوما لقانص وقد نصب حبالة للعصافير فانقض أكدر على عصفر منها قد علق، فعلقه الأكدر وهو الصقرومن اسمائه أيضا الأجدل، فجعل يأكل العصفر وقد علق، فعجب الملك فأتى به وهو يأكل العصفر، فرمى به في كسر البيت، فرآه قد دجن ولم يبرح مكانه ولم ينفر، وإذا رمى إليه طعاما أكله، وإذا رأى لحما نهض إلى يد صاحبه ثم دعى فأجاب فطعم على اليد، وكانوا يتباهون بحمله، إذ رأى يوما حمأمة فطار إليها من يد حامله فعلقها، فأمر الملك بإتخاذها والتصيد بها، فبينما الملك يسير يوما إذ نفجت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فطلب بها الطير والأرانب فقتلها، واتخذها العرب بعده، ثم استفاضت في أيدي الناس.
** أول من أتخذ الشواهين **
فأما الشواهين فإن أرستجانس الحكيم ذكر في كتاب كان وجه به إلى المهدي حمل إليه من أرض الروم أهداه إليه الملك أن ملكا من ملوك الروم يقالى له فسيان نظريوما إلى شاهين يهوي منحدرا على طير الماء فيضربه ثم يسمو مرتفعا في الهواء، حتى فعل ذلك مرارا، فقال: هذا طير ضار تدلنا قوة انحداره على الطير في الماء أنه ضار، وتدلنا سرعة ارتفاعه في جو السماء على أنة طير أبي ألوف، فلما رأى إلى حسن تكراره أعجبه، فكان أول من أتخذ الشواهين.وقد ذكر سعيد بن عبيس عن هاشم بن خديج قال: خرج قسطنطين ملك عمورية متصيدا بالبزاة، حتى انتهى إلى خليج نيطس الجاري إلى بحر الروم فعبر إلى مرج بين الخليج والبحر فسيح مديد، فنظر إلى شاهين يتكفأ على طير المات، فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته، ولم يدر الحيلة في صيده، فأمر أن يصطاد له فضراه، وكان قسطنطين أول من لعب بالشواهين، ونظر إلى ذلك المرج البساط مفروشا بألوان الزهر، فقال: هذا موضع حصين بين نهر وبحر، وله سعة وامتداد يصلح أن يكون فيه مدينة، فبنى فيه مدينة القسطنطينية، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب عند ذكرنا لملوك الروم قسطنطين بن هلاين هذا، وما كان من خبره، وهو المظهر لدين النصرانية، وهذا الوجه أحد ما ذكر من السبب الداعي لبناء القسطنطينية. وقد ذكر ابن غفير عن أبي زيد الفهري أنه كان من رتبة ملوك الأندلس اللذارقة أنه إذا ركب الملك منهم صارت الشواهين في الهواء مظلة لعسكره، مخيمة على موكبه، تنحدر عليه مرة وترتفع أخرى، معلمة لذلك، فلا تزال على ما وصفنا في حال مسيره حتى ينزل فتقع حوله، إلى أن ركب يوما ملك منهم يقال له أزرق وصارت الشواهين معه على ما وصفنا، فاستثارت طائرا فانقض عليه شاهين فأخذه، فأعجب بذلك الملك، وضراها على الصيد؛ فكان أول من تصيد بها بالمغرب وبلاد الأندلس.قال المسعودي: وكذلك ذكر جماعة من أهل العلم بهذا الشأن أنه كان أول من لعب بالعقبان من أهل المغرب، فلما نظرت الروم إلى شدة أسرها وإفراط سلاحها قال حكماؤهم: هذه التي لا يقوم خيرها بشرها.
وذكر أن قيصر أهدى إلى كسرى عقابا وكتب إليه يعلمه أنها تعمل أكثر من عمل الصقر الذي أعجبه صيده، فأمر بها كسرى فأرسلت على ظبى عرض له فدقته، فأعجبه ما رأى منها، فانصرف مسرورا، فجوعها ليصيد بها، فثبت على صبي له فقتلته، فقال كسرى: وترنا قيصرفي أولادنا بغير جيش، ثم إن كسرى أهدى إلى قيصر نمرا، وكتب إليه أنه يقتل الظباء وأمثالها من الوحش، وكتب ما صنعت العقاب، فأعجب قيصر حسن النمر، وطابق صفته بوصف من الفهد، وغفل عنه، فافترس بعضى فتيانه، فقال: صادنا كسرى، فإن كنا قد صدناه فلا بأس.هذا، وقد تغلغل بنا الكلام عند ذكرنا لبحر جرجان وجزائره إلى الكلام في أنواع الجوارح، وسنذكر لمعا من أخبار البزاة وأعداد أجناس الجوارح وأشكالها عند ذكرنا لملوك اليونانيين، فلنرجع الان إلى ذكر الباب والأبواب ومن يلي السور من الأمم وجبل القبخ، وقد قلنا إن شر الملوك ممن جاورها من الأمم مملكة جيدان، وملكهم رجل مسلم يزعم أنه من العرب من قحطان ويعرف بسلفان في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وليس في مملكته مسلم غيره وولده وأهله، وأرى أن هذه السمة يسمى بها كل ملك لهذا الصقع، وبين مملكة جيدان وبين الباب والأبواب أناس من المسلمين عرب لا يحسنون شيئا من اللغات غير العربية في آجام هناك وغياض وأودية وأنهار كبار من قرى قد سكنوها، وقطنوا ذلك الصقع منذ الوقت الذي افتتحت فيه تلك الديار ممن طرأ من بوأدي العرب إليها، فهم مجاورون لمملكة جيدان، إلا أنهم ممتنعون بتلك الأشجار والأنهار، وهم على نحو ثلاثة أميال من مدينة الباب والأبواب، وأهل الباب يحذرونهم.ويلي مملكة جيدان مما يلي جبل القبخ والسرير ملك يقال له برزبان مسلم، ويعرف بلده بالكرج، وهم أصحاب الأعمدة، وكل ملك يلي هذه المملكة يدعى برزبان.
** مملكة غميق **
ثم يلي مملكة برزبان مملكة يقال لها غميق، وأهلها أناس نصارى لا ينقادون إلى ملك، ولهم رؤساء، وهم مهادنون لمملكة اللان.
** مملكة زريكران **
ثم يليهم مما يلي السرير والجبل مملكة يقال لها زريكران، وتفسيرذلك عمال الزرد، لأن أكثرهم يعمل الزرد واليلب واللجم والسيوف وغير ذلك من أنواع الحديد، وهم فو ديانات مختلفة: مسلمون، ويهود، ونصارى، وبلدهم بلد خشن، قد امتنعوا بخشونته على ما جاورهم من الأمم.
** مملكة فيلان شاه **
ثم يلي هؤلاء مملكة السرير، وملكها يدعي فيلان شاه، يدين بدين النصرانية، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب أنه من ولد بهرام جور، وسمي صاحب السرير لأن يزدجرد وهو الآخر من ملوك ساسان حين ولى منهزما قدم سريره الذهب وخزائنه وأمواله مع رجل من ولد بهرام جور ليسير بها إلى هذه المملكة فيحرزها هناك إلى وقت موافاته، ومضى يزدجرد إلى خراسان فقتل هناك، وذلك في خلافة عمر رضي الله عنه على ما ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا، فقطن ذلك الرجل في هذه المملكة، واستولى عليها، وصار الملك في عقبه فسمي صاحب السرير، ودار مملكته تعرف بحمرج، وله أثنا عشرألف قرية يستعبد منهم من شاء، وبلده بلد خشن منيع لخشونته، وهو شعب من. جبل القبخ، وهويغيرعلى الخزر مستظهرأعليهم لأنهم في سهل وهوفي جبل.
** مملكة اللان **
ثم تلي هذه المملكة مملكة اللان وملكها يقال له كركنداج، وهذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وكذلك فيلان شاه، فهو الاسم الأعم لسائر ملوك السرير، ودار مملكة ملك اللان يقال لها معص، وتفسير ذلك الديانة، وله قصور ومنتزهات في غير هذه المدينة ينتقل في السكنى إليها، وبينه وبين صاحب السرير مصاهرة في هذا الوقت، وقد تزوج كل واحد منهما بأخت الآخر، وقد كانت ملوك اللات بعد ظهور الإسلام في الدولة العباسية اعتقدوا دين النصرانية. وكانوا قبل ذلك جاهلية، فلما كان بعد العشرين والثلثمائة رجعوا عما كانوا عليه من النصرانية، وطردوا من كان قبلهم من الأساقفة والقسيسين، وقد كالط أنفذهم إليهم ملك الروم.
وبين مملكة اللان وجبل القبخ قلعة وقنطرة على واد عظيم يقال لهذه القلعة قلعة باب اللان، بنى هذه القلعة ملك في قديم الزمان من الفرس الأوائل يقال له اسبنديار بن يستاسف بن بهراسب ورتب في هذه القلعة رجالا يمنعون اللان عن الوصول إلى جبل القبخ، ولا طريق لهم إلا على هذه القنطرة من تحت هذه القلعة، والقلعة على صخرة صماء لا سبيل إلى فتحها والوصول إليها إلا بإذن من فيها؛ ولهذه القلعة المبنية على أعلى هذه الصخرة عين من الماء عذبة تظهر في وسطها من أعلى هذه الصخرة، وهذه القلعة إحور قلاع العالم الموصوفة بالمنعة، وقد ذكرتها الفرس في اشعارها، وما كان لاسبنديار بن يستاسف في بنائها، ولإسبنديار في الشرف حروب كثيرة مع أصناف من الأمم، وهو السائر إلى بلاد الترك، فخرب مدينة الصقر، وكانت من المنعة بالموضع العظيم الذي لا يرام، وبها تضرب الفرس الأمثال، وما كان من أفعال إسبنديار وما وصفنا فمذكور في الكتاب المعروف بكتاب البنكش، نقله ابن المقفع إلى لسان العرب، وقد كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان حين وصل إلى هذا الصقع ووطىء أهله أسكن في هذه القلعة أناسا من العرب إلى هذه الغاية يحرصون هذا الموضع، وربما يحمل إليهم الرزق وأقوات من البر من ثغر تفليس، وبين تفليس وهذه القلعة مسيرة خمسة أيام، ولوكان رجل واحد في هذه القلعة لمنع سائر الملوك الكفار أن يجتازوا بهذا الموضع؛ لتعلقها بالجو وإشرافها على الطريق والقنطرة والوادي، وصاحب اللان يركب في ثلائين ألف فارس، وهو ذو منعة وبأس شديد وف سياسة بين الملوك، ومملكته عمائرها متصلة، غير منفصلة، إذا تصايحت الديوك تجاوبت في سائر مملكته لاشتباك العمائر واتصالها.
** أمة كشك **
ثم يلي مملة اللان أمة يقال لها كشك، وهم بين جبل القبخ وبحر الروم، وهي أمة مطيعة منقادة إلى دين المجوسية، وليس فيمن ذكرنا من الأمم في هذا الصقع أنقى أبشارا، ولا أصفى ألوانأ ولا أحس رجالا ولا أصبح نساء، ولا أقوم قدودأ، ولا أدق أخصارا، ولا أظهر أكفالا وأردافا، ولا أحسن شكلأ من هذه الأمة، ونساؤهم موصوفات بلذة الخلوات، ولباسهم البياض والديباج الرومي والسقلاطوني وغير ذلك من أنواع الديباج المذهب، وبأرضهم أنواع من الثياب يصنع من القنب، فيها نوع يقال له الطلى أرق من الدبيقي على الكد، يبلغ الثوب عشرة:دنانير، ويحمل إلى ما يليهم من الإسلام، وقد تحمل هذه الثياب ممن جاورهم من الأمم، إلا أن الموصوف منها ما يحمل من قبل هؤلاء.واللان مستظهرة على هذه الأمة، لا تنتصف هذه الأمة من اللان،إلا أنها تمتنع من اللان بقلاع لها على ساحل البحر، وقد تنوزع في البحر الذي هم عليه: فمن الناس من يرى أنه بحر الروم، ومنهم من يرى أنه بحر نيطس، إلا أنهم يقربون في البحر من بلاد طرابزندة، والتجارة تتصل بهم منها في المراكب، وتتجهز من قبلهم أيضا، والعلة في ضعفهم عن اللان تركهم أن يملكوا عليهم ملكا يجمع كلمتهم، ولو اجتمعت كلمتهم لم يطقهم اللان ولا غيرها من الأمم، وتفسير هذا الاسم وهو فارسي إلى العربية التيه والصلف، وذلك أن الفرس إذا كان الإنسان تائها صلفا قالوا: كشك.وتلي هذه الأمة التي على هذا البحرأمة أخرى يقال لبلادهم: السبع بلدان، وهي أمة كبيرة ممتنعة بعيحة الدار لا أعلم ملتها، ولا نمي إلي خبرها في دينها.
** ارم ذات العماد: **
وتليها أمة عظيمة بينها وبين بلاد كشك نهر عظيم كالفرات يصب إلى حر الروم، وقيل: إلى بحر نيطس، ويقال لدار مملكة هذه ا؟ مة إرم ت ات العماد، وهم فو خلق عجيب، وآراؤها جافلية، ولهذا البلد على مذا البحر خبرظريف، وذاك أن سمكة عظيمة تأتيهم في كل سنة فيتناولن شها، ئم تعود ثانية فتتوجه نحوهم من الشق الاخر فيتناولن منها، وقد عاد للحم على الموضع الذي أخذ منه أولا، وخبرهن! ا؟ مة مستفيض في !لك الديار من الكفار.
ويلي هذه ا " مة أمة بين جبال أربعة كل جبل منها ممتنع ذاهب في الهواء وبين هذه الجبال الأربعة من المسافة نحو من مائة ميل صحراء، في وسط تلك الصحراء دارة مقورة كأنها قد خطت ببيكار، وشكل دائرتها خسفة مجوفة في حجر صلد منخسف كما تححر الدائرة، استدارة تلك الخسفة نحوخمسين ميلا قطع قائم يهوي سفلا كحائط مبني من سفل إلى علو يكون قعره على نحو ميلين، لا سبيل إلى الوصولى إلى مستوى تلك الدارة، ويرى فيها بالليل نيران كثيرة في مواضع مختلفة، وبالنهار يرى قرى وعمائر وأنهارحتجري بين تلك القرى وناس وبهائم، إلا أنهم يرون لطاف الأجسام لبعد قعر الموضع، ولا يحرى من أي الامم هم، ولا سبيل لهم إلى الصعود إلى جهة من الجهات، ولا سبيل لمن فق إلى النزولى إليهم بوجه من الوجوه.
و!ف نوع من القرلة: ووراء تلك الجبال الأربعة على ساحل البحر خسفة اخرى قريبة القعم فيها آجام وغياض فيها نوع من القرود منتصبة القامات مستديرة الوجو والأغلب عليها صور الناس وأشكالهم، إلا أنهم فو شعر، وربما وقع في الناثر القرد منها إذا احتيل في اصطياعه؟ فيكون في نهاية الفهم والحراية، إلا أنه لا لسان له فيعبر بالنطق ة ويفهم كل ما يخاطب به بالإشارة، ورب! حمل الواحد منها إلى ملوك الأمم من هناك فتعلمه القيام على رؤوس! بالمذاب على موائدها لما في القود من الخاصة بمعرفة السموم من المأكل والمشرب ويلقي الملك له من طعامه: فإن أكله أكل الملك منه، وإذ اجتنبه علم أنه مسموم فحفر منه، وكذلك فعل الأكثر من ملوك السنلأ والهند في القرثة، وقد ذكرنا في هذا الكتاب خبر وفد الصين حين وفحو على المهحي، وما ذكروا له مما في القرد من منافع ملوكهم به عند الطعام وذكرنا خبر القرود باليمن، واللوح الحديد الذي كتبه سليمان بن ثاود عهد للقرود باليمن، وما كان من أمرهم مع عامل معاوية بن أبي سفيان، وما كتب به في أمرهم، ووصف القرد العظيم الذي كان في رقبته اللوح الحديد، وليس في قرود العالم أفطن من هذا النوع، ولا أخبث، وذلك أن القرعة تكون في بقاع الأرض الحارة: فمنها بأرض النوبة وأعلى بلاد الأحابيش مما يلي أعالي مصب النيل وهي القرود المعروفة بالنوبية، وهي صغيرة القد صغيرة الوجوه ذات سواد غير حالك كأنه ن!ي وهو الذي يكون مع القرادين، ويصعد على رمح فيصير على أعلاه، ومنها ما يكون في ناحية الشمال في اجام وغياض نحو أرض الصقالبة وغيرها ممن هناك من الامم، كنحو ما وصفنا من هذا النوع من القرود، وقرب شكله من صورة الإنسان ومنها بخلجانات بلاد الزابج في الصين وفي مملكة المهراج ملك الجزائر، وقد قممنا فيما سلف من هذا الكتاب أن ملكه يوازي ملك الصين، وهو بين مملكة البلهرا وملك الصين، وهذه القرود مشهورة في هذا الصقع معروفة بالكثرة في هذه الخلجانات، وهي ذات صور تأمة، وقد كان حمل إلى المقتمر منها، وجاءت في سلاسل عظام، وكان في القرود فو لحى وسبال كبار وشيوخ وشبان مع أنواع من الهدايا من عجائب البحر، حمل ذلك أحمد بن هلال أمير عمان يومئذ، وهنه القرود أمرها مشتهر عند البحريين من أهل سيراف وعمان ممن يختلف إلى بلاد كلة والزانج، وكيف تأتي بالحيلة لصيد التماسيح من جوف الماء، على أن الجاحظ قد ذكر أن التماسيح لا تكون إلا بنيل مصر ونهر مهوان السند وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب ما قيل في ذلك، وأخبرنا عن مواضع التماسيح فأما اليمن فلا تناكر بين من دخله في أن القرود منه في مواضع كثيرة لا يحصرها عحد لكثرتها: فمنها في واعي نخلة، وهي بين بلاد الجند وبلاد زبيد التي أميرها في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلالين وثلثمائة - إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي، وبين هذا الواثي وبين زبيد يوم، وبينه وبين الجند يوم أو أكثر من ذلك، وهذا الواس كثير العمائر، ومصاد المياه إليه كثيم ة وشجر الموز فيه كثير، والقرود فيه كثيرة، وهو بين جبلين، والقرود قطعان كل قطيع منها يسوقه هرز، والهرز: الذكر العظيم كالفحل العظيم المقمم فيها، وقد تلد القرعة في بطن واححة عمة من القرود نحو العشرة والأثني عشر، كما تلد الخنزيرة خنانيص كثيرة، وتحمل القردة البعض من أولادها كحمل المرأة ولدها، ويحمل الذكر باقيهن، ولهن أندية ومجالس يجتمع فيها خلق منهن فيسمع لهن حديث ومخاطبات وهمهمة، والإناث كالنساء متحيزات عن الذكور، فإذا سمع السامع محادثتهن وهو لا يرى أشخاصهن بين تلك الجبال وأشجار الموز، وذلك بالليل، لم يشك أنهم اناس لكثرتهم بالليل والنهار، وليس في جميع البقاع التي تكون فيها القرود أحسن ولا أخبث ولا أسرع قبولا للتعليم من قرعة اليمن، وأهل اليمن يسمون القرد الرباح، ولهم جمم للذكور والإناث قد سرحت ومنها سود كأسود ما يكون من الشعر، وإذا جلسوا يجلسون مراتب عون مرلبة الرئيس، ويتشبهون في سائر أعمالهم بالناس، ومن القرثة باليمن ببلاد مأرب بين بلاد صنعاء وقلعة كهلان ما يكون في برار وجبال هناك كأنها السحب في تلك البراري والجبال لكثرتها، وكهلان هنه قلعة من مخاليف اليمن فيها أسعد بن يعفر ملك اليمن في هذا الوقت محتجب عن الناس إلا عن خواصه، وهوبقية من ملوك حمير، وحوله من الجنود من الخيل والرجال نحو خمسين ألفا مرتزقة يقبضون الرزق في كل شهر، ويدعي وقت القبض البركة، فيجتمعون هناك ويتحفرون وينحمرون من تلك المخاليف، والمخاليف: القلاع، وقد كانت لهذا الرجل حروب باليمن مع القرامطة وصاحب المذيحرة، وهو علي بن الفضل، وذلك بعد السبعين والمائتين، وقد كان لعلي باليمن شأن عظيم حتى قتل، وتوطأت اليمن لهذا الرجل، وباليمن للقرود مواضع كثيرة، وكذلك في بقاع من الأرض أعرضنا عن ذ!رها، إذ كنا قد أتينا على علة تكونها في بعض البقاع لمحون بعض من الأرض وأخبار النسناس في كتابنا " أخبار الزمان ثا وكذلك الأخبار عن العرابيد، وهو نوع كالحيات تكون ببلاد حجر اليمأمة فيما زجمموا، واحدها عربد، وقد كان المتوكل في بل! خلافته سأل حنين بن إسحاق أن يتأتى له في حمل أشخاص من النسناس والعربد، فلم يسلم منهم إلى سر من رأى إلا اثنان من النسناس، ولم تتأت له الحيلة في حمل العربد من اليمأمة، وذلك أن العربد هذا إذا خرج عن اليمأمة وصار إلى موضع منها معروف المسافة عدم من الوعاء الذي حمل فيه، وأهل اليمأمة ينتفعون به لمنع الحيات والعقارب وسائر الهوام، كمنفعة أهل سجستان بالقنافذ، ولذلك كان في عهد أهل سجستان القديم ألا يقتل قنفذ ببلدهم، لأنه بلد كثير الرمالى بناه ذو القرنين في مطافه، وحوله جبال كثيرة من الرمل قد سكرت بالخشب والقصب، والبلد كثير الأفاعي والحيات جدا، فلولا كثرة القنافذ لتلف من هناك من الناس، وكذلك أهل مصر في صعيدها وغيره، لهم عويبة يقال لها العرانس أكبر من الجرذ وأصغر من ابن عرس حمراء بيضاء البطن، لولا هذه الحويبة لغلب على أهل مصر الثعابين، وهي نوع من الحيات عظيمة، فينطوي الثعبان على هذه الدويبة ويلتف بها فترخي عليه الريح فينقطع الثعبان من ريحها، هذه خاصية هذه الدابة، وفي الشرق أنواع من الخواص في بره وبحره وحيوانه ونباته وجماده، وكذلك في الغرب واليمن وهو الجنوب، والجدي وهو الشمال، وقد ذكرنا طبع كل واحد من هذه الأرباع؛ ففي ذكرها في هذا الباب خروج عن الغرض الذي يممنا نحوه.فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفا من ذكر الأمم المخيطة بالباب والأبواب والسور وجبل القبخ وبلاد الخزر واللان، فنقول:إنه يلي الخزر واللان فيما بينهم وبين المغرب أمم أربع: ترك ترجعإلى أب واحد في بدء أنسابهم، حضر وبدو، ذو منعة وبأس شديد، لكل أمة منها ملك، مسافة مملكته أيام، متصلة ممالكهم بعضها ببحر نيطس، وتتصل عماراتها بمدينة رومية، وما يلي بلاد الأندلس، مستظهرة على سائر ما هنالك من الأمم، وبينهم وبين ملك الخزر مهادنة، وكذلك مع صاحب اللان، وديارهم تتصل ببلاد الخزر، فالجيل الأول منهم يقال له يجنى، ثم تليها أمة ثانية يقال لها بجغرد، ثم تليها أمة يقال لها بجناك، وهي أشد هذه الأمم الأربعة بأسا، ثم تليها أمة ثانية يقال لها نوكرده وملوكهم بدو، وكان لهم حروب مع الروم بعد العشرين والثلاثمائة، أو يها وقد كان للروم في تخوم أرضهم يما يلي من ذكرنا من هذه الأجناس الأربعة مدينة عظيمة يونانية يقال لها ولندر، يها خلق من الناس ومنعة بين الجبال والبحر، كل من فيها مانع لمن ذكرنا من الأمم، ولم يكن لهؤلاء الترك سبيل إلى أرض الروم لمنع الجبال والبحر إياهم، ومن في هذه المدينة، وكان بين هؤلاء الأجناس حروب لخلاف وقع بينهم على رأس رجل مسلم تاجر من أرض أردبيل: كان نازلا على أرض بعضهم، استضافه ناس من الجبل الاخر، فاختلفت الكلمة، وأغار من في ولندر من الروم على ديارهم وهم عنها خلوف، فسبوا كثيرا من الذرية، وساقوا كثيرا من الأموال، ونمى ذلك إليهم وهم مشاغيل في حربهم، اجتمعت كلمتهم، وتواهبوا ما كان بينهم من، الدماء، عمد القوم جميعا نحو مدينة ولندر، فساروا إليها في نحو من ستين ألف فارس، وذلك علىغير احتفال ولا تجمع، ولو كان ذلك لكانوا في نحو من مائة ألف فارس، فلما نمى خبرهم إلى أرمنوس ملك الروم في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة سير إليهم اثني عشر ألف فارس من المتنصرة على الخيول بالرماح في زي العرب، وأضاف إليهم خمسين ألفا من الروم،فوصلوا إلى مدينة ولندر في ثمانية أيام، وعسكروا وراءها، ونازلوا القوم، وقد كانت الترك قتلت من أهل ولندر خلقا كثيرا من الناس، وامتنع أهلها بسورهم إلى أن أتاهم هذا المدد، ولما صح عند الملوك الأربعة من سار إليهم من المنتصرة والروم بعثوا إلى بلادهم جمعوا من كان قبلهم من تجار المسلمين ممن يطرأ إلى بلادهم من نحو بلاد الخزر والباب واللان وغيرهم، وفي هؤلاء الأجناس الأربعة من قد أسلم، وهم غير مخالطين لهم إلا عند حروب الكفار، لما تصاف القوم وبرزت المنتصرة أمام الروم خرج إليهم من كان قبل الترك من التجار المسلمين فدعوهم إلى ملة الإسلام، وأنهم إن دخلوا في أمان الترك أخرجوهم من بلادهم إلى أرض الإسلام، فأبوا ذلك، وتواقف الفريقان في ذلك الوقت، كانت للمنتصرة والروم على الترك لأنهم كانوا في الكثرة أضعاف الترك، وباتوا على مصافهم، وتشاور ملوك الترك الأربعة قال لهم ملك بجناك: قلدوني التدبير في غداة غد، أنعموا له بذلك، لما أصبح جعل في جناح الميمنة كراديس كثيرة كل كردوس منها ألف؛وكذلك في جناح الميسرة، فلما تصاف القوم خرجت الكراديس من ناحية الميمنة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى الميسرة، وخرجت كراديس الميسرة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى موضع من خرج من جناح الميمنة، واتصل الرمي، واتصلت الكراديس كالرحى، والقلب والميمنة والميسرة للترك ثابتة، والكراديس تعمل عليها في اللفيق، وذلك أن من خرج من كراديس الترك من جناح ميمنتهم كان يبتدىء فيرمي في جناح ميسرة الروم ويمربميمنتهم فيرمي وينتهي إلى القلب، وما يخرج من كراديسهم من جناح الميسرة فيرمي في جناح ميمنة الروم، وينتهي إلى الميسرة فيرمي، وينتهي إلى القلب فيرمي، يكون ملتقى الكراديس في القلب دائرا على ما وصنا، لما نظرت المتنصرة والروم إلى ما لحقهم من تشوش صوهم وتواتر الرمي عليهم حملوا على القوم مشوشين في مصادفهم فصادوا صفوف الترك ثابتة أخرجت لهم الكراديس، فرشقتهم الترك كلها رشقا واحدا، كان ذلك الرشق سبب هزيمة الروم، وعقبهم الترك بعد الرشق بالحملة على صفوفهم وهم غير متشوشين عما كانوا عليه من التعبئة، وركضت الكراديس من اليمين والشمال، وأخذ القوم السيف، وأسود الفأق، وكثر صياح الخيل، فقتل من الروم والمتنصرة نحو من ستين ألف حتى كان يصعد إلى سور المدينة على جثثهم، فافتتحت المدينة، وأقام السيف يعمل يها أياما، وسبى أهلها، وخرج عنها الترك بعد ثلاثة أيام يؤمون القسطنطينية، ثم توسطوا العمائر والمروج والضياع قتلا وأسرا وسبيا، حتى نزلوا على سور القسطنطينية، فأقاموا عليها نحوا من أربعين يوما يبيعون المرأة والصبي منهم بالخرقة والثوب من الديباج والحرير، وبذلوا السيف في الرجال فلم يبقوا على أحد منهم، وربما قتلوا النساء والولدان، وشنوا الغارات في تلك الديار، فأتصلت غاراتهم بأرض الصقالبة ورومية، ثم اتصلت غاراتهم في هذا الوقت إلى نحو بلاد الأندلس والإفرنجة والجلالقة، فغارات من ذكرنا من الترك متصلة إلى أرض القسطنطينية وما ذكرنا من الممالك إلى هذه الغاية. كان للروم في تخوم أرضهم يما يلي من ذكرنا من هذه الأجناس الأربعة مدينة عظيمة يونانية يقال لها ولندر، يها خلق من الناس ومنعة بين الجبال والبحر، كل من فيها مانع لمن ذكرنا من الأمم، ولم يكن لهؤلاء الترك سبيل إلى أرض الروم لمنع الجبال والبحر إياهم، ومن في هذه المدينة، وكان بين هؤلاء الأجناس حروب لخلاف وقع بينهم على رأس رجل مسلم تاجر من أرض أردبيل: كان نازلا على أرض بعضهم، استضافه ناس من الجبل الاخر، فاختلفت الكلمة، وأغار من في ولندر من الروم على ديارهم وهم عنها خلوف، فسبوا كثيرا من الذرية، وساقوا كثيرا من الأموال، ونمى ذلك إليهم وهم مشاغيل في حربهم، اجتمعت كلمتهم، وتواهبوا ما كان بينهم من، الدماء، عمد القوم جميعا نحو مدينة ولندر، فساروا إليها في نحو من ستين ألف فارس، وذلك علىغير احتفال ولا تجمع، ولو كان ذلك لكانوا في نحو من مائة ألف فارس، فلما نمى خبرهم إلى أرمنوس ملك الروم في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة سير إليهم اثني عشر ألف فارس من المتنصرة على الخيول بالرماح في زي العرب، وأضاف إليهم خمسين ألفا من الروم،فوصلوا إلى مدينة ولندر في ثمانية أيام، وعسكروا وراءها، ونازلوا القوم، وقد كانت الترك قتلت من أهل ولندر خلقا كثيرا من الناس، وامتنع أهلها بسورهم إلى أن أتاهم هذا المدد، ولما صح عند الملوك الأربعة من سار إليهم من المنتصرة والروم بعثوا إلى بلادهم جمعوا من كان قبلهم من تجار المسلمين ممن يطرأ إلى بلادهم من نحو بلاد الخزر والباب واللان وغيرهم، وفي هؤلاء الأجناس الأربعة من قد أسلم، وهم غير مخالطين لهم إلا عند حروب الكفار، لما تصاف القوم وبرزت المنتصرة أمام الروم خرج إليهم من كان قبل الترك من التجار المسلمين فدعوهم إلى ملة الإسلام، وأنهم إن دخلوا في أمان الترك أخرجوهم من بلادهم إلى أرض الإسلام، فأبوا ذلك، وتواقف الفريقان في ذلك الوقت، كانت للمنتصرة والروم على الترك لأنهم كانوا في الكثرة أضعاف الترك، وباتوا على مصافهم، وتشاور ملوك الترك الأربعة قال لهم ملك بجناك: قلدوني التدبير في غداة غد، أنعموا له بذلك، لما أصبح جعل في جناح الميمنة كراديس كثيرة كل كردوس منها ألف؛وكذلك في جناح الميسرة، فلما تصاف القوم خرجت الكراديس من ناحية الميمنة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى الميسرة، وخرجت كراديس الميسرة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى موضع من خرج من جناح الميمنة، واتصل الرمي، واتصلت الكراديس كالرحى، والقلب والميمنة والميسرة للترك ثابتة، والكراديس تعمل عليها في اللفيق، وذلك أن من خرج من كراديس الترك من جناح ميمنتهم كان يبتدىء فيرمي في جناح ميسرة الروم ويمربميمنتهم فيرمي وينتهي إلى القلب، وما يخرج من كراديسهم من جناح الميسرة فيرمي في جناح ميمنة الروم، وينتهي إلى الميسرة فيرمي، وينتهي إلى القلب فيرمي، يكون ملتقى الكراديس في القلب دائرا على ما وصنا، لما نظرت المتنصرة والروم إلى ما لحقهم من تشوش صوهم وتواتر الرمي عليهم حملوا على القوم مشوشين في مصادفهم فصادوا صفوف الترك ثابتة أخرجت لهم الكراديس، فرشقتهم الترك كلها رشقا واحدا، كان ذلك الرشق سبب هزيمة الروم، وعقبهم الترك بعد الرشق بالحملة على صفوفهم وهم غير متشوشين عما كانوا عليه من التعبئة، وركضت الكراديس من اليمين والشمال، وأخذ القوم السيف، وأسود الفأق، وكثر صياح الخيل، فقتل من الروم والمتنصرة نحو من ستين ألف حتى كان يصعد إلى سور المدينة على جثثهم، فافتتحت المدينة، وأقام السيف يعمل يها أياما، وسبى أهلها، وخرج عنها الترك بعد ثلاثة أيام يؤمون القسطنطينية، ثم توسطوا العمائر والمروج والضياع قتلا وأسرا وسبيا، حتى نزلوا على سور القسطنطينية، فأقاموا عليها نحوا من أربعين يوما يبيعون المرأة والصبي منهم بالخرقة والثوب من الديباج والحرير، وبذلوا السيف في الرجال فلم يبقوا على أحد منهم، وربما قتلوا النساء والولدان، وشنوا الغارات في تلك الديار، فأتصلت غاراتهم بأرض الصقالبة ورومية، ثم اتصلت غاراتهم في هذا الوقت إلى نحو بلاد الأندلس والإفرنجة والجلالقة، فغارات من ذكرنا من الترك متصلة إلى أرض القسطنطينية وما ذكرنا من الممالك إلى هذه الغاية.
** الأبخاز **
فلنرجع الآن إلى ذكر جبل القبخ والسور والباب والأبواب؛إذ كنا قدذكرنا جملا من أخبار الأمم القاطنة في هذا الصقع، فمن ذلك أن أمة تلي بلاد اللان يقال لها الأبخاز منقادة إلى دين النصرانية، ولها ملك في هذا الوقت وملك اللان مستظهر عليهم، وهم متصلون بجبل القبخ، ثم يلي ملك الأبخاز ملك الجورية، وهي أمة عظيمة منقادة إلى دين النصرانية تدعى خزران، ولها ملك في هذا الوقت يقال له الطبيعي، وفي مملكة هذا الطبيعي موضع يعرف بمسجد ذي القرنين، وكانت الأبخاز والخزرية تؤدي الجزية إلى صاحب ثغر تفليس منذ تحت تليس وسكنها المسلمون في أيام المتوكل فإنه كان بها رجل يقال له إسحاق بن إسماعيل، وكان مستظهرا بمن معه من المسلمين على من حوله من الأمم، وهم منقاعون إلى طاعته وأداء الجزية إليه، وعلا أمر من هناك من الأمم حتى بعث المتوكل بعثا نزل على ثغر تفليس، وأقام عليها محاربا حتى افتتحها بالسيف، وقتل إسحاق بن إسماعيل؛ لأن إسحاق بن إسماعيل كان متغلبا على الناحية، وكانت له أخبار يطول ذكرها، وهي مشهورة في أهل ذلك الصقع وغيرهم ممن عني بأخبار العالم، وأراه رجلا من قريش من بني أمية أو مولى لاحقا، فانخرقت هيبة المسلمين من ثغر تفليس من ذلك الوقت إلى هذه الغاية، فامتنع من جاورهم من الممالك من الإذعان لهم بالطاعة، واقتطعوا الأكثر من ضياع تفليس، وانقطع الوصول من بلاد الإسلام إلى ثغر تفليس بين هؤلاء الأمم من الكفار؛ إذ كانت محيطة بذلك الثغر، وأهلها ذوو قوة وبأس شديد، وإن كان ما ذكرنا من الممالك محيطا بهم.
** مملكة الصنارية **
ثم يلي مملكة خزران مملكة يقال لها الصمصخي، نصارى وفيهم جاهلية لاملك لهم، ثم تلي مملكة هؤلاء الصمصخية بين ثغرتفليس وقلعة باب اللان المقدم ذكرها مملكة يقال لها الصنارية، وملكهم يقال له كرسكوس، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وينقادون إلى دين النصرانية، وهؤلاء النصرانية يزعمون أنهم من العرب من نزار بن معد، من مضر، وأنهم فخذ من عقيل، سكنوا هنالك من قديم الزمان، وهم هناك مستظهرون على كثير من الأمم، ورأيت ببلاد مأرب من أرض اليمن أناسامن عقيل محالفه لمذحج، لا فرق بينهم وبين أخلافهم لاستقامه كلمتهم، فيهم خيل كثيرة ومنعة، وليس في اليمن كلها قوم من نزاربن معد غيرهذا الفخذ من عقيل، إلا ما ذكر من ولد أنمار بن نزار بن معد، ودخولهم في اليمن حسب ما ورد به الخبر، وهو ما كان من خبر جريربن عبد الله البجلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من خبر بجيلة، والصنارية يزعمون أنهم افترقوا في قديم الزمان هم ومن سمينا من عقيل ببلاد مأرب في خبر طويل.
** مملكة شكين **
ثم يلي مملكة الصنارية مملكة شكين وهم نصارى، وفيهم خلق من المسلمين من التجاروغيرهم من ذوي المهن، ويقالى لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا آزر بن نبيه بن مهاجر.
** مملكة قيلة، مملكة الموقان **
ثم تليهم مملكة قيلة وماحوت المدينة منها مسلمون، وماحولها من العمائر والضياع نصارى، ويقال لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا هذا عنبسة الأعور، وهو مأوى اللصوص والصعاليك والدعار. ثم تلي هذه المملكة مملكة الموقان، وهي التي قدمنا ذكرها، وأنها متغلب عليها، وأنها مضافة إلى مملكة شروان شاه، وليس هذا البلد المعروف بالموقانية هو الملك الذي على ساحل بحر الخزر، وقد كان محمد بن يزيد المعروف بشروان شاه في هذا الوقت ملك الإيران شاه هو ومن سلف من آبائه، وكان ملك شروان شاه علي بن الهيثم، فلما هلك علي تغلب محمد على شروان شاه على حسب ما ذكرنا آنفا، بعد أن قتل عمومة له واحتوى على ما ذكرنا من الممالك، وله قلعة لا يذكر في قلاع العالم أحسن منها في جبل القبخ. وللباب أخبار كثيرة من أخبار الأبنية العجيبة التي بناها كسرى بن قباذا بن فيرور وهو أبو كسرى أنو شروان في الموضع المعروف بالمسقط من المدينة بالحجارة والحيطان التي بناها ببلاد شروان المعروف بسور الطين وسور الحجارة المعروف بالبرمكي وما يتصل ببلاد برذعة أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.وأما نهر الكر فيبتدىء من بلاد خزران من مملكة جرجين، ويمر ببلاد أبخازحتى يأتي ثغر تفليس، ويشق في وسطه، ويجري في بلاد السياوردية حتى ينتهي على ثمانية أميال من بردعة، ويجري إلى برداج من أعمال برذعة ثم يصب فيه مما يلي الصنارة نهر الرس، ويظهر من أقاصي بلاد الروم من نحو مدينة طرابزنده حتى يجيء إلى الكر، وقد صار فيه نهر الرس، يصب في بحر الخزر، ويجري الرس بين بلاد البدين وهي بلاد بابك الخرمي من أرض أذر بيجان وجبل أبي موسى من بلاد الران، ويمر ببلاد ورثان، وينتهي إلى حيث وصفنا، وقد أتينا على وصف هذه الأنهار أيضا، والنهر المعروف بأسبيذروج وتفسير ذلك النهر الأبيض على التقديم والتأخير بين اللغتين وهي الفارسية والعربية، وممره وجريانه في أرض الديلم نحو قلعة سلار، وهو ابن أسوار الديلمي بعض ملوك الديلم وقد ظهر في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا تغلب بلاد أربيجان ثم يمر هذا النهر من الديلم إلى الجيل، ويصب فيه نهر آخر في بلاد الديلم، يقال له: شاهان روذ، فينتهي مصب الجميع إلى بحر الجيل، وهو بحر الديلم والخزر وغيرهم ممن ذكرنا من الأمم المحيطة بهذا البحر، وعلى هذه الأنهار أكثر هؤلاء الديم والجيل الذين قد ظهروا وتغلبوا على كثير من الأرض.فإذ قد قدمنا من أخبار بلاد جبل القبخ وما فيه وما حوله من الأمم وأخبار الباب والأبواب وبحر الخزر.
** ملوك العالم **
فلندكر الآن ملوك السريان، وهم أول من يعد في كتب الزيجات والنجوم والتواريخ القديمة من ملوك العالم، ثم ملوك الموصل ونينوى، ثم ملوك بابل وهم الذين عمروا الأرض، وشقوا الأنهار، وغرسوا الأشجار، وطعموا الثمار، ومهدوا الوعر، وسهلوا الطريق، ثم نتبع ذلك بالفرس الأولى، وهم المعروفون بالخذاهان إلى ملك أفريدون، ثم الإسكان إلى دارا وهو داريوس بن دارا وهم السكنون ثم ملوك الطوائ، ثم الفرس الثانية، ثم اليونانين، ثم الروم ونذكر من يتلوهم من ملوك العرب والأمم والسودان ومصر والإسكندرية و غير ذلك من بقاع الأرض إن شاء الله تعالى.
** ذكر ملوك السريانيين ولمع من أخبارهم **
ذكر أهلى العناية بأخبار ملوك العالم أن أول الملوك ملوك السريانيين بعد الطوفان، وقد تنوزع فيهم و في النبط: فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النبط، ومنهم من رأى أنهم إخوة لودماش بن نبيط، ومنهم من رأى غيرذلك و كان أول من ملك منهم رجل يقال له إشوسان وكان أول من وضع التاج على رأسه في تاريخ السريانيين والنبط، وانقادت له ملوك الأرض، وكان ملكه ست عشرة سنة باغيا في الأرض، مفسدا للبلاد، سفاكا للدماء.ثم ملك ولد له يقال له بربر وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة. ثم ملك سماسير بن آوت، سبع سنين.ثم ملك بعده هريمون عشر سنين، خط الخطط، وكور ألكور، وجد في أمره، وإتقان ملكه، وعمارة أرضه، فلما استقامت له الأحوال وانتظم له الملك بلغ بعض ملوك الهند ما عليه ملوك السريانيين من القوة وشدة العمارة، وأنهم يحاولون الممالك، وقد كان هذا الملك من ملوك الهند غالبا على ما حوله من ممالك الهند، وانقادت إلى سلطانه، ودخلت في أحكامه، وقيل:إن مكله كان مما يلي بلاد السند والهند، فسار نحو بلاد بسط وغزنين ولعس وبلاد الداور على النهر المعروف بنهر الهرمند، وهو نهر سجستان ينتهي جريانه على أربع فراسخ منها، وهذا النهر عليه أهل سجستان وضياعهم ونخلهم وجبالهم ومنتزهاتهم في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهذا النهريعرف بنهر بسط، وتجري يه السفن من هناك إلى سجستان فيها الأقوات وغير ذلك ومن بسط إلى سجستان نحو من مائة فرسخ، وبلاد سجستان هي بلاد الرياح والرمال، وهو البلد الموصوف بأن الريح به تدير الأرحية وتسقي الماء من الآبار وتسقي الجنان، وليس في الدنيا بلد والله آعلم أكثر منه اتسعمالا للرياح.
** نهر الهرمند **
وقد تنوزع في مبدأ هذا النهر المعروف بنهر الهرمنده فمن الناس من رأى أنه من عيون بجبال السند والهند، ومنهم ! زآى أن مبدأه صت مبدأ نهر الكنك، وهو نهر الهند، ويمر بكثير من جبال السند، وهو نهر حاد الانصباب والجريان، عليه يعذب أكتر الهند أنفسها بالحديد وتغوقها زهدا في هذا العالم ورغبة في النقلة عنه، وذلك أنهم يقصدون موضعا في أعالى هذا النهر المعروف بالكنك، وهو جبال عالية، وأشجار عادية، ورجال جلوس، وحدائد وسيوف منصوبة على ذلك الشجر، وقطع من الخشب فتأتيهم الهند من الممالك النائية والبلدان القاصية فيسمعون كلام أولئك الرجال المرتبين على هذا النهر وما يقولون من تزهيدهم في هذا العالم والترغيب فيما سواه، فيطرحون أنفسهم من أعالي تلك الجبال العالية على تلك ألأشجار العادية والسيوف والحدائد المصوبة، فيتقطعون قطعا، ويصيرون إلى هذا النهر أجزاء، وما ذكرنا فموصوف عنهم وما يفعلون على هذا النهر كدلك.
** وصف نوع من الشجر **
وهناك شجر من إحدى عجائب العالم ونوادره والغرائب من نباته،يظهر من الأرض أغصان مشتبكة من أحسن ما يكون من الشجر والورق، فتستقيم في الجو كأبعد ما يكون من طوال النخل، ثم ينحني جميع ذلك منعكسأ فيعود في اللأرض مندسا، ويهوي في قعرها سفلا على المقدار الذي أرتفع به في الهواء صعدا، حتى يغيب عن الأبصار، ثم تظهر أغصان يادئة على حسب ما وصفنا في الأول فتدهب صعدا، ثم تنقطر منعكسة، ولافرق بين المقدار الذي يذهب منها في الهواء ويتسع في افلضاء وبين ما يغيب سه تحت الأرض ويتوارى تحت الثرى، فلولا أن الهند قد وكلت بقطعة من يراعيه من أمره لأمريذكرونه، وخطر قي المسقبل يصفونه لطبق على تلك البلاد ولغشي تلك الأرض، ولهذا النوع من الشجر أخبار يطول ذكرها، يعرفها من طرأ إلى تلك البلاد ورآها، أو ئمي إليه خبرها.
** أنواع من تعذيب الهند أنفسهم **
والهند تعذب أنفسها على ما وصفنا بأنواع العذأب من دون الأمم وقد تيقنت أن ما ينالها من النعيم في المستقبل مؤجلا لا يكون بغيرما أسلفته من تعذيب أنفسها في هذه الدار معجلا، ومنهم من يصير إلى باب الملك يستأذن في إحراقه نقسه، فيدور في الأسواق وقد أججت له النار العظيمة وعليها من قد وكل بإيقادها، ثم يسير في الأسواق وقدامه الطبول والصنوج، و على بدنه أنواع من خرق الحرير قد مزقها على نفسه وحوله أهله وقرابته، وعلى رأسه إكليل من الريحان، وقد قشر جلده عن رأسه، وعليها الجمر وعليها الكبريت والسندروس، فيسير وهامته تخترق رروائح دماغه تفوح وهو يمضغ ورقي التنبول وحب الفوفل، والتنبول في بلادهم ورق ينبت كأصغر ما يكون من ورق الأترج يمضغ هذا الورق بالنورة المبلولة مع الفوفل، وهو الذي غلب على أهل مكة وغيرهم من بقية أهل الحجاز واليمن في هذا الوقت مضغه بدلا من الطين، ويكون عند الصنادلة للورم وغير ذلك، وهذا إذا مضغ على ما ذكرنا بالورق والنورة شد اللثة، وبعث على الباه، وحمر الأسنان حتى تكون كأحمر ما يكون من حب الرمان، وأحدث في النفس طربا وأريحية، وقوي البدن، وأثار من النكهة روائح طيبة خمرة، والهند خواصها وعوامها تستقبح من أسنانه بيض، وتجتنب من لا يمضغ ما وصفنا، فإذا طاف هذا المعذب لنفسه بالنار في الأسواق وانتهى إلى تلك النار وهو غير مكترث ولا متغير في مشيته ولا متهيب في خطوته، ففيهم من إذا أشرف على النار وقد صارت جمرا كالتل العظيم يتناول بيده خنجرا ويدعى الجريء عندهم فيضعه في لبته، وقد حضرت ببلاد صيمور من بلاد الهند من أرض اللازمن مملكة البلهرا، وذلك في سنة أربع وثلثمائة، والملك يومئذ على صيمور المعروف بحاج، وبها يومئذ من المسلمين نحو من عشرة الاف قاطنين بياسرة وسيرافيين وعمانيين وبصريين وبغداديين وغيرهم من سائر الأمصار ممن قد تأهل وقطن في تلك البلاد، وفيهم خلق من وجوه التجارمثل موسى بن إسحاق الصندالوني وعلى الهزمة يومئذ أبو سعيد معروف بن زكريا، وتفسير الهزمة يراد به رآسة المسلمين يتولاها رجل منهم عظيم من رؤسائهم تكون أحكامهم مصروفة إليه، ومعنى قولنا البياسرة يراد به من ولدوا من المسلمين بأرض الهند، يدعون بهذا الاسم، واحدهم بيسر، وجمعهم بياسرة، فرأيت بعض فتيانهم وقد طاف على ما وصفنا في أسواقهم، فلما دنا من النار أخذ الخنجر فوضعه على فؤاده فشقه، ثم أدخل يمه الشمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلم فقطعها بالخنجر، فدفعها إلى بعض إخوانه تهاونا بالموت ولذة بالنقلة، ثم هوى بنفسه في النار، وإذا مات الملك من ملوكهم أو قتل نفسه حرق خلق من الناس أنفسهم لموته، يدعون هؤلاء البلانجرية، واحدهم بلانجري، وتفسيرذلك المصادق لمن يموت فيموت بموته، ويحيا بحياته.وللهند أخبار عجيبة تجزع من سماعها النفس: من أنواع الآلام والمقاتل التي تألم عند ذكرها الأبدان، وتقشعر منها الأبشار، وقد أتينا على كثير من عجائب أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان.فلنرجع الآن إلى خبر ملك الهند ومسيره إلى بلاد سجستان، وقصده مملكة السريانيين، ونعدل عما احتذينا من أخبار الهند، فنقول:كان هذا الملك من ملوك الهند يقال له زنبيل، وكل ملك يلي هذا البلد من أرض الهند يسمى بهذا الاسم زنبيل إلى هذا الوقت، وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكان بين الهند وملوك السريانيين حروب عظام نحو من سنة، فقتل ملك السريانيين، واحتوى ملك الهند على الصقع، وملك جميع ما فيه، فسار إليه بعض ملوك العرب، فأتى عليه وملك العراق، ورد ملك السريانيين، فملكوا عليهم رجلا منهم يقال له:تستر وكان ولد المقتول، فكان ملكه إلى أن هلك ثمان سنين.
** أهريمون هوريا ما روب **
ثم ملك بعده أهريمون وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعد ابن يقال له هوريا فزاد في العمارة، وأحسن في الرعاية، وغرس الأشجار، وكان ملكه إلى أن هلك اثنتين وعشرين سنة.ثم ملك بعده ماروب واستولى على الملك وكان ملكه مدة خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاثة وعشرين سنة.
** أزور وخلنجاس وأول من شرب الخمر **
ثم ملك بعد أزور و خلنجاس ويقال: إنهما كانا أخوين؛ فأحسنا السيرة، وتعاضدا على الملك، ويقال: إن أحد هذين الملكين كان جالسا ذات يوم إذ نظر في أعلى قصره إلى طائر قد أفرخ هناك، وإذا هو يضرب بجناحيه ويصيح، فتأمل الملك ذلك فنظر إلى حية تنساب إلى الوكر صاعدة لأكل فراخ الطائر، فدعا الملك بقوس فرمى به الحية فصرعها، وسلمت فراخ الطائر، فجاء الطائر بعد هنيهة يصفق بجناحيه وفي منقاره حبة وفي مخاليبه حبتان، وجاء إلى الملك وألقى ما كان في منقاره ومخاليبه، والملك يرمقه، فوقع الحب بين يدي الملك فتأمله، وقال: لأمر ما ألقى هذا الطائر ما ألقى، لا شك أنه أراد مكافأتنا على فعلنا به، فأخذ لحب وجعل يتأمله فلم يعرف مثله في إقليمه، فقال جليس من جلسائه حكيم وقد نظر إلى حيرة الملك في الحب: أيها الملك، ينبغي أن يودع لنبات أرحام الأرض فإنها تخرج كنه ما فيه، فنقف على الغاية منه، إداء ما في مخزونه ومكنونه، فدعا بالأكرة وأمرهم بزرع الحب ومراعاته، وما يكون منه، فزرع، فنبت وأقبل يلتف بالشجر ثم حصرم وأعنب، وهم يرمقونه، والملك يراعيه، إلى أن انتهى في البلوغ وهم لا يقدمون على ذوقه خوفا أن يكون متلفا، فأمر الملك بعصر مائه، وأن يودع في أواني، وإفراد حب منه وتركه على حالته، فلما صار في الآنية عصيرا هدر وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك: علي بشيخ كبير فان فأتي به، فلدد له من ذلك في إناء فرآه لونا عجيبا، ومنظرا كاملا، ولونا ياقوتيا أحمر، وشعاعا نيرا، ثم سقوا الشيخ فما شرب ثلاثا حتى مال، وأرخى من مآزره الفضول وصفق بيديه وحرك رأسه، ووقع برجليه على الأرض، فطرب، ورفع عقيرته يتغنى، فقال الملك: هذا شراب يذهب بالعقل، وأخاف أن يكون قاتلا، ألا ترى إلى الشيخ كيفما عاد في حال الصبا وسلطان الدم وقوة الشباب. ثم أمر الملك به فزيد، فسكر الشيخ، فنام، فقال الملك: هلك، ثم إن الشيخ أفاق وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الغموم، وأزال عن ساحتي الأحزان والهموم، وما أراد الطائر إلا مكافأتكم بهذا الشراب الشريف، فقال الملك؟ هذا أشرف شراب أهل الأرض، وذلك أنه رأى شيخا قد حسن لونه، وقوي حيله، وانبسط في نفسه، وطرب في حال طبيعة الحزن وسلطان البلغم، وجاد هضمه، وجاءه النوم، وصفا لونه، واعترته أريحية، فأمر الملك أن يكثر من غرس الكرم، فكثر الغرس للكرم، وأمر أن يمنع العامة من ذلك، وقال:هذا شراب الملوك، وأنا السبب فيه، فلا يشرب غيري، فاستعمله الملك بقية أيامه، ثم نما في أيدي الناس واستعملوه، وقد قيل: إن نوحا أول من زرعها، وقد ذكرنا الخبر حين سرقها إبليس منه حين خرج من السفينة واستولى على الجودي في كتاب المبدأ وغيره من الكتب.