Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة المستكفي بالله
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 100 of 107
وبويع المستكفي بالله، وهو أبو القاسم عبد الله بن علي المكتفي، يوم السبت لثلاث خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وخلع في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، لسبع بقين من هذا الشهر، فكانت خلافته سنة وأربعة أشهر إلا أياما، وأمه أم ولد.
** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
قد قدمنا عندما ذكرنا خير المتقي لله أن المستكفي بويع له بالسبق على نهر عيسى من أعمال بادوريا بإزاء القرية المعروفة بالسندية في الوقت الذي سملت فيه عينا المتقي، بايع به أبو الوفاء توزون وسائر من حضر من القواد وأهل الدولة، وأهل عصره من القضاة منهم القاضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن أبي الشوارب وجماعة من الهاشميين، فصلى بهم في يومهم ذلك المغرب والعشاء، وسار حتى نزل في يوم الأحد بالشماسية، فلما كان في يوم الاثنين انحدر في الماء راكبا في الطيار الذي يسمى الغزل، وعليه قلنسوة طويلة محدودة، ذكر أنها كانت لأبيه المكتفي بالله، وعلى رأسه توزون التركي ومحمد بن محمد بن يحيى بن شيرزاد وجماعة من غلمانه، وسلم إليه المتقي ضريرا، وأحمد بن عبد الله القاضي مقبوضا عليه، وحضر بعد ذلك سائر القضاة والهاشميين، فبايعوا له، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السامري مدة، تم غضب عليه، وغلب على أمره محمد بن شيرزاد، وجلس للناس، وسأل عن القضاة، وكشف عن أمر شهود الحضرة، فأمر بإسقاط بعضهم، وأمر باستتابة بعضهم من الكذب وقبول بعضهم لأشياء كان قد علمها منهم قبل الخلافة، فامتثل القضاة ما أمر به من ذلك، واستقضى على الجانب الشرقي محمد بن عيسى المعروف بابن أبي موسى الحنفي، وعلى الجانب الغربي محمد بن الحسين بن أبي الشوارب الأموي الحنفي، فقالت العامة: إلى هاهنا انتهى سلطانه، وانتهى في الخلافة أمره ونهيه، وقد كان بينه وبين الفضل بن المقتدر الذي يسمى بالمطيع قبل ذلك مجاورة في دار ابن طاهر، وعداوة في اللعب بالحمام وتطييرها، واللعب بالكباش والديوك والسمان، وهو الذي يسمى بالشام النفخ. فلما حمل المستكفي إلى نهر عيسى ليبايع له هرب المطيع من داره، وعلم أنه سيأتي عليه، فلما استقرت للمستكفي طلب المطيع، فلم يقف له على خبر، فهدم داره، وأتى على جميع ما قدر عليه من بستان وغيره.
** المستكفي وغلام ضمه له توزون **
وذكر أبو الحسن علي بن أحمد الكاتب البغدادي، قال: لما استخلف المستكفي ضم إليه توزون غلاما تركيا من غلمانه يقف بين يديه، وكان للمستكفي غلام قد وقف على أخلاقه ونشأ في خدمته؛ فكان المستكفي يميل إلى غلامه، وكان توزون يريد من المستكفي أن يقدم المضموم إليه على غلامه الأول؛ فكان المستكفي يبعث بالغلام التركي في حوائجه، اتباعا لمراضاة توزون، فلا يبلغ له ما يبلغ غلامه.
** من أخبار الحجاج مع أهل الشام **
قال: وأقبل المستكفي يوما على محمد بن محمد بن يحيى بن شيرزاد الكاتب، فقال له: أتعرف خبر الحجاج بن يوسف مع أهل الشام؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: ذكروا أن الحجاج بن يوسف كان قد اجتبى قوما من أهل العراق وجد عندهم من الكفاية ما لم يجد عند مختصيه من الشاميين؛ فشق ذلك على الشاميين وتكلموا فيه، فبلغ إليه كرمهم؛ فركب في جماعة من الفريقين، وأوغل بهم في الصحراء؛ فلاح لهم من بعد قطار إبل؛ فدعا برجل من أهل الشام، فقال له: أمض فاعرف ما هذه الأشباح، واستقص أمرها، فلم يلبث أن جاء وأخبره أنها إبل فقال: أمحملة هي؟ أم غير محملة؟ قال: لا أدري، ولكني أعود وأتعرف ذلك، وقد كان الحجاج أتبعه برجل آخر من أهل العراق، وأمر بمثل ما كان أمر الشامي، فلما رجع العراقي أقبل عليه الحجاج وأهل الشام يسمعون، ما هي؟ قال: إبل، قال: وكم عددها؟ قال: ثلاثون، قال وما تحمل. قال: زيتا، قال: ومن أين صدرت! قال: من موضع كذا قال: وأين قصدت؟ قال: موضع كذا، قال: ومن ربها؟ قال: فلان فالتفت إلى أهل الشام، فقال:
ألام على عمرو، ولو مات أو نأى ... لقل الذي يغني غناءك يا عمرو
فقال ابن شيرزاد: فقد قال: يا أمير المؤمنين بعض أهل الأدب في هذا المعنى:
شر الرسولين من يحتاج مرسله ... منه إلى العود، والأمران سيان
كذاك ما قال أهل العلم في مثل ... طريق كل أخي جهل طريقان
قال المستكفي: ما أحسن ما وصف البحتري الرسول بالذكاء بقوله:
وكأن الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شعلة نار وعلم ابن شيرزاد استثقال المستكفي لغلام توزون؛ فأخبر توزون بذلك فأعفاه منه، وأزاله عن خدمته.
** مسامرة في وصف الخمر **
وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل البغدادي قال: كان أبي قديما في خدمة المكتفي، فلما كان من أمره ما اشتهر، صرت في خدمة ابنه عبد الله بن المكتفي، فلما أفضت الخلافة إليه كنت أخص الناس به؛ فرأيته في بعض الأيام وعنده جماعة من ندمائه ممن كان يعاشرهم قبل الخلافة من جيرانه بناحية دار ابن طاهر، وقد تذاكروا الخمر وأفعالها، وما قال الناس فيها من المنثور والمنظوم، وما وصفت به، فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدا وصف الخمرة بأحسن من وصف بعض من تأخر؛ فإنه ذكر في بعض كتبه في الشراب ووصفه أنه ليس في العالم شيء واحد أخذ من أمهاته الأربع فضيلتها وابتزها أكرم خواصها إلا الخمرة؛ فلها لون النار، وهو أحسن الألوان، ولدونة الهواء، وهي ألين المجسات، وعذوبة الماء، وهي أطيب المذاقات، وبرد الأرض، وهي ألذ المشروبات، قال: وهذه الأربع وإن كن في جميع المآكل والمشارب متركبة فليس الغالب عليه ما وصفنا من الغالب على الخمر، قال واصفها: قد قلت في اجتماع الصفات التي ذكرنا فيها:
لست أرى كالراح في جمعها ... لأربع هن قوام الورى
عذوبة الماء ولين الهوا ... وسخنة النار وبرد الثرى
ولما كانت الراح بالموضع الذي وصفناها به، من الفضل على سائر ما ينال من هذه الدنيا، كانت الأوصاف أحسن لها من سائر ما ينال ويوصف من صنوف اللذات والمدح بها بما تبعث من فنون الشهوات.
قال: فأما شعاع الخمر فإنه يشبه بكل شيء نوري، من شمس وقمر ونجم ونار، وغير ذلك من الأشياء النورية، فأما لونها فيحتمل أن يشبه بكل أحمر في العالم وأصفر، من ياقوت وعقيق وذهب، وغير ذلك من الجواهر النفيسة والحلى الفاخرة. قال: وقد شبهها الأولون بدم الذبيح، ودم الجوف، وشبهها غيرهم بالزيت والرازقي وغيرهما، وتشبيهها بالجوهر الأكرم أفضل لها، وأحسن في مدحها.
قال: فأما صفاؤها فيحتمل أن يشبه بكل ما يقع عليه اسم الصفاء وقد قال بعض الشعراء المتقدمين في صفائها:
تريك القذى من دونها وهي دونه
وهذا أحسن ما قاله الشعراء في وصف الخمر، قال: وقد أتى أب نواس في وصفها ووصف طعمها وريحها وحسنها ولونها وشعاعها وفعلها في النفس وصفة آلاتها وظروفها وأدنانها، وحال المنادمات عليها والاصطباح، والاغتباق، وغير ذلك من أحوالها، بما يكاد يغلق به باب وصفها، لولا اتساع الأوصاف لها، واحتمالها إياها، وأنها لا تكاد تحصر ولا يبلغ إلى غاياتها، قال: وقد وصف أبو نواس نورها فقال:
فكأنها في كفه ... شمس وراحته قمر
وقال:
فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم
فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم
وقال أيضا:
بنت عشر صفت ورقت فلو صبت على الليل راح كل ظلام
وقال أيضا:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
وقال أيضا:
وكأن شاربها لفرط شعاعها ... في الكأس يكرع في ضيا مقباس
وقال أيضا:
فقلت له: ترفق بي فإني ... رأيت الصبح من خلل الديار
فقال تعجبا مني: أصبح ... ولا صبح سوى ضوء العقار
وقام إلى الدنان فسد فاها ... فعاد الليل مصبوغ الإزار
وقال أيضا:
وحمراء قبل المزج صفراء دونه ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
وقال:
كأن نارا بها محرشة ... تهابها تارة وتخشاها
وقال أيضا:
حمراء لولا إنكسار الماء لاختطفت ... نور النواظر من بين الحماليق
وقال أيضا:
ينقض منها شعاع كلما مزجت ... كالشهب تنقض في إثر العفاريت
وقال:
عتقت في الدنان حتى استفادت ... نور شمس الضحى وبرد الظلام
وقال: فجوزها عني عقارا ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعا مطنبا
وقال:
قال: ابغني المصباح، قلت له: اتئد ... حسبي وحسبك ضوؤها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت لنا حتى الصباح صباحا
قال: وله في هذا الفن أشياء كثيرة قد وصفها في مشابهة النار ومجانسة الأنوار والرفع للظلام، وتصيير الليل نهارا والظلم أنوارا، مما هو إغراق الواصف واشتطاط المادح، قال: وليس إلى صفة لونها ونورها ما هو أحسن مما وصفها، إذ ليس بعد الأنوار شيء في الحسن، قال: فداخل المستكفي سرور وفرح وابتهاج بما وصف، فقال: ويحك!! فرج عني في هذا الوصف، قال: نعم يا سيدي.
قال عبد الله بن محمد الناشئ: وقد كان المستكفي ترك النبيذ حين أفضت الخلافة إليه، فدعا بها من وقته، ودعا إلى شربها، وقد كان المستكفي - حين أفضت الخلافة إليه - طلب الفضل بن المقتدر، على حسب ما قدمنا، لما كان بينهما من العداوة فيما ذكرنا، وغير ذلك مما عنه أعرضنا، فهرب الفضل، وقيل: إنه هرب إلى أحمد بن بويه الديلمي متنكرا، وأحسن إليه أحمد ولم يظهره، فلما مات توزون ودخل الديلمي إلى بغداد وخرج عنها صار إلى ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان، وانحدر معه هو وابن عمه عبد الله بن أبي العلاء، فكان بينه وبين ابن بويه الديلمي من الحرب ما قد اشتهر، وانحاز الديلمي إلى الجانب الغربي ومعه المستكفي والمطيع مختف ببغداد، والمستكفي يطلبه أشد الطلب، وأنزل المستكفي في بيعة النصارى المعروفة بدرنا من الجانب الغربي.
** لابن المعتز في وصف سلة كوامخ **
فذكر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل، ومنزلته من خدمة المستكفي ما قدمنا، قال: كان المستكفي في سائر أوقاته فازعا وجلا من المطيع أن يلي الخلافة، ويسلم إليه فيحكم فيه بما يريد، فكان صدره يضيق لذلك، فيشكو ذلك في بعض الأوقات إلى من ذكرنا ممن كان يألفه من ندمائه فيشجعونه ويهونون عليه أمر المطيع، إلى أن قال لهم في بعض الأيام: قد اشتهيت أن نجتمع في يوم كذا كذا فنتذاكر أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوما، فاتفق معهم على ذلك، فلما كان في اليوم الذي - حضروا أقبل المستكفي فقال: هاتوا، ما الذي أعده كل واحد منكم. فقال واحد منهم: قد حضرني يا أمير المؤمنين أبيات لابن المعتز يصف سلة فيها سكارج كوامخ، فقال: هاتها، قال:
أمتع بسلة قضبان أتتك وقد ... حفت جوانبها الجامات أسطار
فيها سكارج أنواع مصففة ... حمر وصفر وما فيهن إنكار
فيهن كامخ طرخون مبوهرة ... وكامخ أحمر فيها وكبار
أعطته شمس الضحى لونا فجاء به ... كأنه من ضياء الشمس عطار
فيهن كامخ مرز نجوش قابله ... من القرنفل نوع منه مختار
وكامخ الدار صيني فليس له ... في الطعم شبة ولا في لونه عار
كأنه المسك ريحا في تنسمه ... حريف في طعمه والريح معطار
وكامخ الزعتر البري إن له ... لونا حكاه لدينا المسك والقار
وكامخ الثوم لما أن بصرت به ... أبصرت عطرا له بالأكل أمار
كأن زيتونها فيها ظلام دجى ... في الجنب منه من الممقور أسفار
إذا تأملت ما فيهن من بصل ... كأنهن لجين حشوه نار
وسلجم مستدير القد خالطه ... طعم من الخل قد حازته أسطار
كأن أبيضه فيه وأحمره ... دراهم صففت فيهن دينار
في كل ناحية منها يلوح لها نجم ... إلينا بضوء الفجر نظار
كأنها زهرة البستان قابلها ... بدر وشمس وإظلام وأنوار
** في وصف سلة نوادر **
قال المستكفي: تحضر هذه الجونة بعينها على هذا الوصف، وهاتوا، فلسنا نأكل اليوم إلا ما تصفون، فقال آخر من الجلساء: يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين الكاتب المعروف بكشاجم في صفة سلة نوادر: متى ننشط للأكل ... فقد أصلحت الجونه
وقد زينها الطاهي ... لنا أحسن ما زينه
فجاءت وهي من أطي ... ب ما يؤكل مشحونه
فمن جدي شويناه ... وعصبنا مصارينه
ونضدنا عليه نعنع البقل وطرخونه
وفرخ وافر الزور ... أجدنا لك تسمينه
وطيهوج وفروج ... أجدنا لك تطجينه
وسنبوسجة مقلو ... ة في إثر طردينه
وحمراء من البيض ... إلى جانب زيتونه
وأوساط شطيرات ... بزيت الماء مدهونه
يولدن لذي التخمة ... جوعا ويشهينه
تدرنج بكسور الند ... بالعنبر معجونه
وحريف من الجبن ... به الأوساط مقرونه
وطلع كاللالي في ... سموط الغيد مكنونه
وخل ترعف الانا ... ف منه وهي مختونه
وباذنحان بوران ... بخه نفسك مفتونه
وهليون وعهدي بك تستعذب هليونه
ولوزينجة في الدهن والسكر مدفونه
وعندي لك رستيجة مطبوخ وقنينة
وساق وعدت بالوصل ... منه عطفة النونه
له شدة ألحاظ ... وفي ألفاظه لينه
وقمري يغنيك ... لحونا غير ملحونه
ألا يا من لمحزون ... نأى عن دار محزونه
فما عذرك في أن لا ... ترى من سكره طينه
** لابن الرومي في وصف وسط **
فقال المستكفي: أحسنت وأحسن القائل فيما وصف، ثم أمر بإحضار كل ما يجري في وصفه مما يمكن إحضاره، ثم قال: هاتوا، من معه شيء في هذا المعنى؟ فقال آخر: في هذا المعنى لابن الرومي في صفة وسط:
يا سائلي عن مجمع اللذات ... سألت عنه أنعت النعات
فهاك ما أنشأته من قصه ... مسلما من شوبه ونقصه
خذ يا مريد المأكل اللذيذ ... جردقتي خبز من السميذ
لم تر عينا ناظر مثليهما ... فقشر الحرفين عن وجهيهما
حتى إذا ما صارتا طفاطفا ... فاضف على إحداهما تفايفا
من لحم فروج ولحم فرخ ... تذوب جوذاباهما بالنفخ
واجعل عليها أسطرا من لوز ... معارضات أسطرا من جوز
إعجابها الجبن مع الزيتون ... وشكلها النعنع بالطرخون
حتى ترى بينهما مثل اللبن ... مقسومة كأنها وشي اليمن
واعمد إلى البيض السليق الأحمر ... فدرهم الوسط به ودنر
وترب الأسطر بالملح، ولا ... تكثر ولكن قدرا معتدلا
وردد العينين فيه لحظا ... فإن للعينين منه حظا
ومتع العين به مليا ... وأطبق الخبز وكل هنيا
وأمسك بنابيك وأكدم كدما ... تسرع فيما قد بنيت هدما
طورا ترى كحلقة الدولاب ... حروفه ودوره كالداب
وتارة مثل الرحى بلا سغب ... قد شذبت عنها بنابيك الشذب
لهفي عليها وأنا الزعيم ... بمعدة شيطانها رجيم
** في وصف سنبوسج **
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في صفه سنبوسج:
يا سائلي عن أطيب الطعام ... سألت عنه أبصر الأنام
أعمد إلى اللحم اللطيف الأحمر ... فدقه بالشحم غير مكثر
واطرح عليه بصلا مدورا ... وكرنبا رطبا جنيا أخضرا
والق السذاب بعده موفرا ... ودار صيني وكف كزبرا
وبعده شيء من القرنفل ... وزنجبيل صالح وفلفل
وكف كمون وشيء من مري ... وملء كفين بملح تدمر
فدقه يا سيدي شديدا ... ثم أوقد النار له وقودا واجعله في القدر وصب الماء ... من فوقه واجعل له غطاء
حتى إذا الماء فنى وقلا ... ونشفته النار عنه كلا
فلفه إن شئت في رقاق ... ثم احكم الأطراف بالإلزاق
أو شئت خذ جزءا من العجين ... معتدل التقريك مستلين
فابسطه بالسويق مستديرا ... ثم اطفرن أطرافه تطفيرا
وصب في الطابق زيتا طيبا ... ثم اقله بالزيت قليا عجبا
وضعه في جام له لطيف ... ووسطه من خردل حريف
وكله أكلا طيبا بخردل ... فهو ألذ المأكل المعجل
** في وصف هليون **
فقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين بن السندي كشاجم الكاتب في وصف هليون:
لنا رماح في أعاليها أود ... مفتلات الجسم فتلا كالمسد
مستحسنات ليس فيها من عقد ... لها رؤوس طالعات في جسد
مكسوة من صنعة الفرد الصمد ... منتصبات كالقداح في العمد
ثوب من السندس من فوق برد ... قد أشربت حمرة لون يتقد
كأنها ممزوجة حمرة خد ... قد قرصت حمرته كف حرد
فخالطته حمرة خد ويد ... كأنها في صحن جام أو برد
منضدات كتناضيد الزرد ... نسائج العسجد حسنا منتضد
كأنها مطرف خز قد مهد ... لو أنها تبقى على طول الأبد
كانت فصوصا لخواتيم الخرد ... من فوقها مري عليها يطرد
يجول في جانبها جزر ومد ... قكسوة من زيتها ثوب زبد
كأنه من فوقه حين لبد ... شراك تبر أو لجين قد مسد
فلو رآها عابد أو مجتهد ... أفطر مما يشتهيها وسجد
فلما فرع منها قال له المستكفي: هذا مما يتعذر وجوده في هذا الوقت بهذا الوصف في هذا البلد، إلا أن نكتب إلى الإخشيد محمد بن طغج يحمل إلينا من ذلك البر من دمشق، فأنشدونا فيما يمكن وجوده.
** في وصف أرزية **
قال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمد بن الوزير المعروف بالحافظ الدمشقي في صفة أرزية:
لله در أرزة وافى بها ... طاه كحسن البدر وسط سماء
أنقى من الثلج المضاعف نسجه ... من صنعة الأهواء والأنداء
وكأنها في صحفة مقدودة ... بيضاء مثل الدرة البيضاء
بهرت عيون الناظرين بضوئها ... وتريك ضوء البدر قبل مساء
وكأن سكرها على أكنافها ... نور تجسد فوقها بضياء
** في وصف هريسة **
فقال آخر: يا أمير المؤمنين، أنشدت لبعض المتأخرين في هريسة:
ألذ ما يأكله الإنسان ... إذا أتى من صيفه نيسان
وطالت الجديان والخرفان ... هريسة يصنعها النسوان
لهن طيب الكف والإتقان ... يجمع فيها الطير والحملان
وتلتقي في قدرها الأدهان ... واللحم والألية والشحمان
وبعده إوزة سمان ... والحنطة البيضاء والجلبان
وبعد هذا اللوز والإبان ... جودها بطحنه الطحان
وبعده الملح وخولنجان ... قد تعبت لعقدها الأبدان
تخجل من رؤيتها الألوان ... إذا بدت يحملها الغلمان
تضمها الصحفة والخوان ... وفوقها كالقبو خيزران
يمسكه سقف له حيطان ... مقبب وما له أركان
أبرزها للأكل الولدان ... تفتر من لهيبها العينان
والمرء فيها فله مكان ... يؤثرها الجائع والشبعان
ويشتهيها الأهل والضيفان ... لها على أضرابها السلطان
تصفو بها العقول والأذهان ... وانتفعت بأكلها الأبدان
أبدعها في عصره ساسان ... وأعجبت كسرى أنو شروان إذا رآها الجائع الغرثان ... لم يعط صبرا معها الجيعان
** في وصف المضيرة **
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لبعض المتأخرين في صفة المضيرة:
إن المضيرة في الطعام ... كالبدر في ليل التمام
إشراقها فوق الموا ... ئد كالضياء على الظلام
مثل الهلال إذا بدا للناس ... في خلل الغمام
في صحفة مملوءة للناس ... من جزع التهام
قد أعجبت لأبي هريرة ... إذ أتت بين الطعام
حتى لقد مال الهوى ... بهواه عن طلب الصيام
ولقد رأى في أكلها ... حظا فبادر بالقيام
ولقد تنكب أن يكو ... ن مؤاكلا عند الإمام
إذ ليس ثم مضيرة ... تشفي السقيم من السقام
لا غرو في إتيانها ... من غير إتيان الحرام
فهي اللذيذة والغريبة ... والعجيبة في الأنام
** في وصف جوذابة **
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين في صفة جوذابة:
جوذابة من أرز فائق ... مصفرة في اللون كالعاشق
عجيبة مشرقة لونها ... من كف طاه محكم حاذق
نسيجة كالتبر في حمرة ... وردية من صنعة الخالق
بسكر الأهواز مصبوغة ... فطعمها أحلى من الرائق
غريقة في الدهن رجراجة ... تدور بالنفخ من الذائق
لينة ملمسها زبدة ... وريحها كالعنبر الفائق
كأنها في جامها إذ بدت ... تزهر كالكوكب في الغاسق
عقيقة صفرتها فاقع ... في جيد خود بضة عاتق
أحلى من الأمن أتى مؤمنا ... إلى فؤاد قلق خافق
** في وصف جوذابة **
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، معي لبعض المحدثين في صفة جوذابة:
وجوذابة مثل لون العقيق ... وفي الطعم عندي كطعم الرحيق
من السكر المحض معمولة ... ومن خالص الزعفران السحيق
مغرقة بشحوم الدجاج ... وبالشحم، أكرم بها من غريق
لذيذة طعم إذا استعملت ... وفي اللون منها كلون الخلوق
عليها اللالئ من وفقها ... تضم جوانبها ضم ضيق
يرددها في الإنا نفخة ... وما في حلاوتها من مطيق
** في وصف قطائف **
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين كشاجم في صفة قطائف:
عندي لأصحابي إذا اشتد السغب ... قطائف مثل أضابير الكتب
كأنه إذا ابتدى من الكثب ... كوافر النحل بياضا قد ثقب
قد مج دهن اللوز مما قد شرب ... وابتل مما عام فيه ورسب
وجاء ماء الورد فيه وذهب ... فهي عليه حبب فوق حبب
إذا رآه واله القلب طرب ... مدرج تدريج أبناء الكتب
أطيب منه أن تراه ينتهب ... كل امرئ لذته فيما أحب
** لأبي نواس في وصف باطرنجا **
فأقبل المستكفي على معلم كان يعلمه في صباه طيب النفس، وكان يضحك منه ويستطرفه، فقال له: قد أنشدنا ما سمعت، فأنشدنا أنت، قال: لا أدري ما قال هؤلاء، وما أنشدوا، غير أني مضيت في أمس يومنا هذا أدور حتى أتيت باطرنجا، فرأيت رياضها، فذكرت قول أبي نواس فيها، فوالله لقد شجاني، وذهب بي كل مذهب، فقال له المستكفي: وما الذي قال أبو نواس، ووصف من أمرها؟ قال:
نوم عينيك يا ابن وهب غرار ... ولنار الهوى بقلبك نار
باطرنجا بها ثوائي ولي فيها إذا دارت الكؤوس اعتبار
من حديثي أني مررت بها يو ... ما وقلبي من الهوى مستطار
وبها نرجس ينادي غلامي ... قف فقد أدركت لدينا العقار
وتغنى الدراج واستمطر اللهو وجادت بنورها الأزهار فانثنينا إلى رياض عيون ... ناظرات ما إن بهن احورار
ومكان الجفون منها ابيضاض ... ومكان الأحداق منها اصفرار
بينما نحن عندها صرخ الور ... د: إلينا يا أيها السمار
عندنا قهوة تغافل عنها ... دهرها فالوجود منها خمار
وانثنينا للورد من غير أن تنبو عن النرجس المضاعف دار
فرأى النرجس الذي صنع الور ... د، فنادى مستصرخا: يا بهار
ورأى الورد عسكرين من الصفر فنادى فجاءه الجلنار
واستجاشا تفاح لبنان لما ... حميت من وطيسها الأوتار
واستجاش البهار جيشا من الأترج فيه صغاره والكبار
فرأيت الربيع في عسكر الصفر وقلبي يشفه الاحمرار
ليس إلا لحمرة من خدود ... من أناس بغوا علينا وجاروا
فلم أر المستكفي منذ ولي الخلافة أشد سرورا منه في ذلك اليوم، وأجاز جميع من حضر من الجلساء والمغنين والملهين، ثم أحضر ما حضره في وقته من عين وورق مع ضيق الأمر إليه، فوالله ما رأيت له بعد ذلك يوما مثله، حتى قبض عليه أحمد بن بويه الديلمي، وسمل عينيه، وذلك أن الحرب لما طالت بين أبي محمد الحسين بن عبد الله بن حمدان - وكان في الجانب الشرقي ومع الأتراك - وابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان، وبين أحمد بن بويه الديلمي في الجانب الغربي، والمستكفي معه، اتهم الديلمي المستكفي بمسألة بني حمدان ومكاتبتهم بأخباره، وإطلاعهم على أسراره، مع ما كان تقدم له في نفسه، فسمل عينيه، وولى المطيع، وأعمل الديلمي الحيلة في البيان بالديلم، فحملهم في السفن مع بوقات ودسابات في الليل، وألقاهم في مواضع كثيرة من الشارع إلى الجانب الشرقي؛ فتوجهت له على بني حمدان الحيلة فخرجوا نحو الموصل من بعد أحداث كثيرة بين الأتراك وبينهم ببلاد تكريت، واستوثق الأمر لأحمد بن بويه الديلمي، وشرع في عمارة البلد، وسد البثوق، على حسب ما ينمو إلينا من أخباره، واتصل بنا من أفعاله، على بعد الدار، وفساد السبل، وانقطاع الأخبار، وكوننا ببلاد مصر والشام.
قال المسعودي: ولم يتأت لنا من أخبار المستكفي - مع قصر أيامه - غير ما ذكرنا، والله الموفق للصواب.