Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة المتقي لله
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 99 of 107
وبويع المتقي لله، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر، لعشر خلون من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وخلع وسملت عيناه يوم السبت لثلاث خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا وثلاثة وعشرين يوما، وأمه أم ولد.
** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
** وزراؤه **
ولما أفضت الخلافة إلى المتقي لله أقر على الوزارة سليمان بن أحسن بن مخلد، ثم استوزر أبا الحسن أحمد بن محمد بن ميمون، وكان كاتبه قبل الخلافة، ثم استوزر أبا إسحاق محمد بن أحمد القراريطي، ثم استوزر أبا العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثم استوزر أبا الحسن علي بن محمد بن مقلة، وغلب على الأمر أبو الوفاء توزون التركي.
** انتقاض الأمر عليه **
واشتد أمر البريديين بالبصرة، ومنعوا السفن أن تصعد، وعظم جيشهم، وكثرت رجالهم، وصار لهم جيشان: جيش في الماء في الشذوات والطيارات والسميريات والزبازب، وهذه أنواع من المراكب يقاتل فيها صغار وكبار، وجيش في البر عظيم، واصطنعوا الرجل، وبذلوا الرغائب، فانضاف إليهم حجرية السلطان وغلمانه، وصار جيش السلطان الأتراك والديلم والجبل ونفرا من القرامطة، وكل ذلك مع توزون، وكان توزون من رفقاء بجكم والخواص من أصحابه، فانحدر توزون إلى واسط لحرب البريديين، وكانوا ملكوا واسط وتغلبوا عليها، فكانت بينهم سجالا، والمتقي لله لا أمر له، ولا نهي، فكاتب المتقي أبا محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة، وأخاه أبا الحسن على بن عبد الله سيف الدولة أن ينجدوه ويستنقذوه مما هو فيه، ويفوض إليهما الملك والتدبير، وقد كان قبل ذلك خرج إليهم وتوزون في جمليهم منضاف وغيره من الأتراك والديلم، وذلك عند قتلهم محمد بن رائق في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وانحدارهم إلى مدينة السلام، واستيلائهم على الملك والقيام به وحربهم البريديين، وما كان بينهم من الوقائع إلى أن توجه عليهم ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان من خروج أبي محمد الحسن بن عبد الله من الحضرة إلى الموصل، ولوحق أخيه أبي الحسن علي بن عبد الله، وخلاصه مما دبره عليه توزون وجعجع التركي، وخرج المتقي إلى الموصل، فلما بلغ توزون ذلك رجع إلى بغداد وقصد بني حمدان، فكان التقاؤهم بعكبرا، فكانت بينهم سجالا، ثم كانت لتوزون عليهم، فرجع إلى بغداد، ثم أجمعوا له أيضا، ورجعوا إليه، فتركهم حتى قربوا إلى بغداد، فخرج عليهم فلقيهم فهزمهم بعد مواقعات كانت بينهم، وسار وراءهم حتى دخل الموصل، وخرج عنها إلى مدينة بلد، فصالحوه على مال حملوه إليه، فرجع إلى بغداد وهو مستظهر بمن معه من الأتراك والجبل والديلم وكمال العدة والكراع، وسار المتقي إلى نصيبين، ورجع عنها إلى الرقة فنزلها، وذلك لأيام بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكاتب الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر فسار إلى الرقة وحمل إليه مالا كثيرا، وأهدى إليه غلمانا وأثاثا، وضم إليه قائدا من قواده، وجفل أمره، وزاد في حاله، وبر جميع من معه من وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وقاضي القضاة أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي، وسلام الحاجب المعروف بأخي نجح الطولوني، وجماعة الوجوه والغلمان، ثم لم يعبر الإخشيد محمد بن طغج إلى الرقة ولا إلى شيء من جانب الجزيرة وديار مضر، وعبر المتقي، وسار إلى معسكره من الجانب الشامي؛ فكانت بينهم خطوب وأيمان وعهود، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان مقيم بحران على طول مقام المتقي بالرقة، وقد كان أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان سار عن حلب وبلاد حمص عند مسير الإخشيد إلى بلاد قنسرين والعواصم، فانفض جمعه، وتفرق جنده عنه، وانضافوا إلى أبي الحسن علي بن عبد الله، واتصلت كتب توزون بالمتقي، وتواترت رسله يسأله الرجوع إلى الحضرة، وأشهد توزون من حضره من القضاة والفقهاء والشهود، وأعطى العهود والمواثيق بالسمع والطاعة للمتقي، والتصرف به بين أمره ونهيه، وترك الخلاف عليه، وأنفذ إليه كتب القضاة والشهود بما بذل من الأيمان وأعطى من العهود، وأشار بنو حمدان على المتقي أن لا ينحدر، وخوفوه من توزون، وحذروه أمره، فإنه لا يأمنه على نفسه؛ فأبى إلا مخالفتهم والثقة بما ورد عليه من توزون، وقد كان بنو حمدان أنققوا على المتقي نفقة واسعة عظيمة طول مقامه عندهم واجتيازه بهم؛ يكثر وصفها ويعسر علينا في التحصيل إيرادها بإكثار المخبرين لنا بتحديدها، وانصرف الإخشيد عن الفرات متوجها نحو مصر، وانحدر المتقي في الفرات، فتلقاه أبو جعفر بن شيرزاد كاتب توزون بأحسن لقاء، وأقام له الأتراك، ومضى في إنحداره حتى دخل النهر المعروف بنهر عيسى، وسار إلى الضيعة المعروفة بالسندية على شاطئ هذا النهر، فتلقاه توزون هنالك، وترجل له ومشى بين يديه؛ فأقسم عليه أن يركب ففعل، حتى وافى به إلى المضرب الذي كان ضربه له على الشط من نهر عيسى، وذلك على شوط من مدينة السلام، فأقام هنالك، وأنفذ رسلا إلى دار طاهر ليحضر المستكفي، فلما حصل المستكفي في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه، وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، ونهب جميع المسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكحل المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب، فخفي صراخ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسلم إلى المستكفي بالله، وبلغ ذلك القاهر فقال: قد صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، يعرض بالمستكفي بالله.في في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه، وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، ونهب جميع المسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكحل المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب، فخفي صراخ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسلم إلى المستكفي بالله، وبلغ ذلك القاهر فقال: قد صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، يعرض بالمستكفي بالله.
** المتقي يطلب رجلا إخباريا يأنس به **
وحدث محمد بن عبد الله الدمشقي قال: لما نزل المتقي الرقة كنت فيمن يتصرف بين يديه، وأقرب منه في الخدمة، لطول صحبته، فقال لي في بعض الأيام في الرقة وهو جالس في داره مشرفا على الفرات: اطلب لي رجلا إخباريا يحفظ أيام الناس أتفرج إليه في خلواتي وأستريح به في الأوقات، قال: فسألت بالرقة عن رجل بهذا الوصف، فأرشدت إلى رجل بالرقة كهل لازم لمنزله، فصرت إليه، ورغبته في الدخول إلى المتقي بالله، فقام معي كالمكره، وصرنا إلى المتقي فأعلمته إحضاري للرجل الذي طلبه، فلما خلا وجهه دعا به واستدناه، فوجد عنده ما أراد، فكان معه أيام مقامه بالرقة، فلما انحدر كان معه في الزورق، فلما صار إلى فم نهر سعيد وذلك بين الرقة والرحبة - أرق المتقي ذات ليلة، فقال للرجل: ما تحفظ من أشعار المبيضة وأخبارها؟ شمر الرجل في أخبار آل أبي طالب إلى أن صار إلى أخبار الحسن بن زيد وأخيه محمد بن زيد بن الحسن وما كان من أمرهما ببلاد طبرستان، وذكر كثيرا من محاسنهما، وقصد أكمل العلم والأدب إياهما، وما قالت الشعراء فيهما، فقال له المتقي: أتحفظ شعر أبي المقاتل نصر بن نصير الحلواني في محمد بن زيد الحسني الداعي؟ قال: لا يا أمير المؤمنين لكن معي غلام لي قد حفظ بحداثة سنه وحدة مزاجه وغلبة الهمة لطلب العلم والأدب عليه ما لم أحفظ من أخبار الناس وأيامهم وأشعارهم، قال: أحضره، ولم أخفيت عني خبر مثل هذا فيكون حضوره زيادة في أنسنا؟ فأحضر الغلام من زورق آخر، فوقف بين يديه، فقال له صاحبه: أتحفظ قصيدة أبي المقاتل في ابن زيد؟ قال: نعم، قال المتقي: أنشدنيها، فابتدأ ينشده إياها:
لا تقل بشرى وقل لي بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
خلقت كفاه موتا وحياة ... وحوت أخلاقه كنه الجنان
فهو فصل في زمان بدوي ... وابن زيد مالك رق الزمان
فهو للكل بكل مستقل ... بالعطايا والمنايا والأمان
أوحد قام بتشييد المباني ... فبه استنبط أجناس المعان
مسرف في الجود من غير اعتذار ... وعظيم البر من غير امتنان
وهو من أرسى رسول الله فيه ... وعلياه المعلى والحسان
سيد عرق فيه السيدان ... والذي يكبر عن ذكر الحصان
مختف فكرته في كل شيء ... فهو في كل محل ومكان
يعرف الدهر على ما غاب عنه ... فيرى المضمر في شخص العيان
يتناءى لفظنا عنه ولكن ... هو بالأوصاف في الأذهان دان
أخرجت ألفاظه ما في الخفايا ... وكفاه الدهر نطق الترجمان كافر بالله جهرا والمثاني ... كل من قال: له في الخلق ثان
وإذا ما أسبغ الدرع عليه ... وانكفت يمناه بالسيف اليمان
بعثت سطوته في الموت رعبا ... أيقن الموت بأن الموت فان
يحدق الأبطال بالألحاظ حتى ... يترك المقدام في شخص الجبان
ملك الموت يناديه أجرني ... منك كم تغزو بضرب وطعان؟
لاتكلفني فوق الوسع وارفق ... فلقد ملكك الله عنان
يا شقيق القدر المحتوم كم قد ... رضت بالصيلم عمدا ذا حران
لك يومان فيوم من ليان ... يقتفي يوم أرون أرونان
أنجزت كفاك وعدا ووعيدا ... وأحاطت لك بالدنيا اليدان
فإذا ما أروت اليمنى حباء ... هصت اليسرى بإرواء السنان
جدتا في النفع والضر بدارا ... فهما في كل حال ضرتان
أرخت كفاك في الآفاق حتى ... ما تلاقى بسواك الشفتان
قدمتك المدح الغر وصالت ... لك أيضا في أعاديك الهجان
أنت لا تحوي بمعقول كتاب ... لك شأن خارج عن كك شان
لك أثقال أياد مثقلات ... عجزت عن حملهن الثقلان
إنما مدحك وحي وزبور ... والذي ضمت عليه الدفتان
هاكها جوهرة تبرية تو ... لي وجوه الموت تكفين الحنان
يا إمام الدين خذها من إمام ... ملكت أشعاره سبق الرهام
واستمع للرمل الأول ممن ... كشف المحنة من غير امتحان
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ... ستة أجزاؤها عند الوزان
كرة الآفاق لا تطلع إلا ... صارت الريح لها كالصولجان
جليت في صنعة الألفاظ مما ... يرتجيه كل ذي عفو وجان
أنت تحكي جنة الخلد طباعا ... والقوافي فيك كالحور الحسان
فابق للشعر بقاء الشعر والشك ... ر مع الدهر فنعم الباقيان
عمر رضوى بل ثبير وشآم ... وأرام وشماريخ أبان
شهد الله على ما في ضميري ... فاستمع لفظي ترجيع أذان
حسنات ليس فيها سيآت ... مدحه الداعي اكتبا يا كاتبان
فلم يزل المتقي كلما مر به بيت استعاده، ثم أمر الغلام بالجلوس، فلما كان في اليوم الذي لقيه فيه ابن شير زاد الكاتب سمعه ينشد هذا البيت:
لا تقل بشرى وقل لي بشرتان
فقال له الغلام، وقد كان أنس به: يا أمير المؤمنين:
دامت البشرى فقل لي بشرتان
وقد كان أنشده أولا القصيدة لا تقل بشرى وأنشده ثانيا هذا الوجه دامت البشر فقل لي بشريان وذكر له خبر أبي المقاتل مع الداعي، فوالله ما زال المتقي يقول لا تقل بشرى ولا يختار في ذلك الوجه غير ذلك؛ فقال له الرقي والغلام: والله لتطيرنا لأمير المؤمنين اختباره إنشاد هذا البيت على هذا الوجه، فكان من أمره ما ذكرنا.
** ومن صفات الخيل **
وحدث محمد بن عبد الله الدمشقي قال: لما انحدرنا مع المتقي من الرحبة وصرنا إلى مدينة عانة دعا بالرقي وكلامه فحادثاه، وتسلسل بهم القول إلى فنون من الأخبار، إلى أن صاروا إلى ذكر الخيل، فقال المتقي: أيكم يحفظ خبر سليمان بن ربيعة الباهلي مع عمر بن الخطاب فقال الغلام: ذكر أبو عمرو بن العلاء يا أمير المؤمنين أن سليمان بن ربيعة الباهلي كان يهجن الخيل ويعربها في زمن عمر بن الخطاب، فجاءه عمرو بن معد يكرب بفرس كميت فكتبه هجينا، فاستعدى عليه عمر وشكاه إليه، فقال سليمان: ادع بإناء رجراج قصير الجدر، فدعا به، فصب فيه ماء، ثم أتى بفرس عتيق لا شك في عتقه، فأسرع وبرك وشرب، ثم أتى بفرس عمرو الذي كان هجن فأسرع فصب سنبكه ومد عنقه كما فعل العتيق، ثم ثنى أحد السنبكين قليلا فشرب، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب وكان ذلك بمحضره قال: أنت سليمان الخيل، فقال المتقي: فما عندكم عن الأصمعي وغيره من علماء العرب في صفاتها؟ قال الرقي: ذكر الرياشي عن الأصمعي قال: إذا كان الفرس طويل أوظفه اليدين قصير أوظفة الرجلين طويل الذراعين قصير الساقين طويل الفخذين طويل العضدين مفرع الكتفين لم يكد يسبق، وقال: إذا سلم من الفرس شيآن لم يضره عيب سواهما: مغروز عنقه في كاهله، ومغروز عجزه في صلبه، وإذا جادت حوافره فهو هو، وأنشدنا المبرد:
ولقد شهدت الخيل تحمل شكتي ... عتد كسرحان القصيمة منهب
فرس إذا استقبلته فكأنه ... في العين جزع من أوال مشرب
وإذا اعترضت له استوت أقطاره ... فكأنه مستدبر متصوب
وسأل يا أمير المؤمنين معاوية مطر بن دراج: أي الخيل أفضل وأوجز؟ فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر، سوطه عنانه، وهواه أمامه، قال: فأي البراذين شر؟ قال: الغليظ الرقبة، الكثير الجلبة، الذي إذا أرسلته قال: أمسكني، وإذا أمسكته قال: أرسلني، قال الغلام: أحسن ما قيل في الفرس ووصفه قول بعضهم:
خير ما يركب الشجاع إذا ما ... قيل يوما ألا اركبوا للغوار
كل نهد أقب معتدل الخلق متين الشظى عتيق النجارا
سلجم اللحي واسع السحر حد الأذن وافي الدماغ والوجه عار
ما حمته الحرار واشتذ عليا ... ه فأكدى محدودبا بالعوار
محضر القصر مكرب الرسغ دامي الإبط ساعى الجفون والأشفار
مشرف مقبل يخب إذا أد ... بر مستدبر ككر مغار
فهو في خلقه طوال ورحب ... وعراض إلى سداد قصار
طال هاديه والذراعان والأضلاع منه فقيم في جفار
ثم طالت وأبدت فخذاه ... فهو كفت الوثوب ثبت الخيار
والرحيب الفروج والجلد والمشفر قدام منخر كالوجار
والعريض الوظيف والجنب والأو ... راك والجبهة العريض الفقار
والحديد الفؤاد والسمع والعر ... قوب والطرف حدة في وقار
فهو صافي الأديم والعين والحا ... فر غمر بديهة الإحضار
والقصير الكراع والظهر والرسغ القصير العسيب والصلب وار
لم تخن متنه القطاة ولم يسلمه تركيبها إلى استئخار
مطمئن النسور بين حزام ... كل لأم أحم كالمنقار
يكفت المشي كالذي يتخطى ... طنبا أو يشق كالمسمار
وإذا ما استمرمن غير ما بأ ... س به مانع من استمرار
لان فاهتز مقبلا فإذا أد ... بر أهوى متابع الإدبار
في تعاقيب كالتماثيل أو كالجن أو كالظباء أو كالحوار
فإذا ما طحا به الجري فالعقبان تهوي كواسر الأعسار
** من أخبار حلبة الخيل **
فلما كان في الليلة الثانية دعابهما، فقال: عودا إلى ما كنتما عليه البارحة، واشرعا في أخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها، قال الغلام: يا أمير المؤمنين، أذكر قولا جامعا أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي، قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة ولا يدخل الحجرة المحجرة من الخيل إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق، وهو المجلي، قال أبو الهندام كلاب: إنما سمى المجلي لأنه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، وقال الفراء: إنما سمى المجلي لأنه يجلي عن وجه صاحبه، والثاني المصلي؛ لأنه وضع جحفلته على قطاة المجلي، وهي صلاه، والصلا: عجب الذنب بعينه، والثالث المسلي؛ لأنه كان شريكا في السبق، وكانت العرب تعد من كل ما تختار ثلاثة، أو لأنه سلى عن صاحبه بعض همه بالسبق، والرابع التالي، سمي بذلك لأنه تلا هذا المسلي في حال دون غيره، والخامس المرتاح، وهو المفتعل من الراحة؛ لأن في الراحة خمس أصابع لا يعد منها غيرهن، وإذا أومأت العرب من العلا إلى خمس فتح الذي يومئ بها يلى وفرق أصابعه الخمس، وذلك أيضا ما يؤمنون به من غير عقد الحساب، ثم يكون بعدها إلى أن تكون عشرة فيفتح الذي يومئ بها يديه جميعا، ويقابل الخمس أصابع بالخمس، فلما كان الخامس مثل خامسة الأصابع وهي الخنصر سمي مرتاحا، وسمى السادس حظيا؛ لأن له حظا، وقيل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى السادس قضيبه، وهي آخر حظوظ خيل الحلبة، غير أنه له حظ، وسمي السابع العاطف، لدخوله الحجرة لأنه قد عطف بشيء وإن قل، وحسن إذا كان قد دخل الحرجة المحجورة، وسمي الثامن المؤمل على القلب والتفاؤل كما سموا الفلاة مفازة واللديغ سليما، وكنوا الحبشي أبا البيضاء، ونحو ذلك، فكذلك سموا الخائب المؤمل، أي أنه يؤمل وإن كان خائبا؛ لأنه قرب من بعض ذوات الحظوظ بعد، والتاسع اللطيم؛ لأنه لو رام الحجرة للطم دونها لأنه أعظم جرما من السابع والثامن، والعاشر السكيت لأن صاحبه يعلوه خشوع وذلة ويسكت حزنا وغما، فكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلا ويحملون عليه قردا، ويدفعون للقرد سوطا؛ فيركضه القرد ليعير بذلك صاحبه، وأنشد في ذلك الوليد بن حصن الكلبي:
إذا أنت لم تسبق وكنت مخلفا ... سبقت إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقا بالسكيت مخلفا ... فتورث مولاك المذلة بالنبل
أما ذكره النبل فإن بعضهم كان يفعل ذلك: ينصب فرسه ثم يرميه بالنبل حتى يتعجف، وقد فعل ذلك النعمان بفرسه النهب، قال كلاب بن حمزة: ولم نعلم أحدا من العرب في الجاهلية والإسلام وصف خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها وذكرها على مراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان بالجزيرة بالقرية المعروفة بحصن مسلمة من إقليم بلسخ من كورة الرقة من ديار مضر فإنه قال في ذلك:
شهدنا الرهان غداة الرهان ... بمجممة ضمها الموسم
نقود إليها مقاد الجميع ... ونحن بصنعتهما أقوم
غدونا بمقوودة كالقداح ... غدت بالسعود لها الأنجم
مقابلة نسبة في الصريح ... نما هن للأكرم الأكرم
كميت إذا ما يباطى يبل ... يفوت الخطوط إذا يلجم
فمنهن أحوى ممر أغر ... وأجود ذو غرة أرثم
تلألأ في وجهه فرجة ... كان تلألؤها المرزم
فقيدت لمدخور ما عندها ... لمنتظري أنها تنجم
عليهن سحم صغار الشخوص ... نماهم لحام أتى أسحم
كأنهم فوق أشباحها ... زرازير في سقف حوم
فصفت على الحبل في محضر ... بلى أمره ثقة مسلم
تراضوا به حكما بينهم ... فبالحق بينهم يحكم
وربك بالسبق عن ساعة ... من الناس كلهم أعلم
فقلت ونحن على جدة ... من الأرض نيرها مظلم لقد فرغ الله مما يكون ... ومهما يكن فهو لا يكتم
فأقبل في أمرنا نار ... كما يقبل الوابل المثجم
وأتبع فوضى ومرفضة ... كما ارفض من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطاراعه ... من الجو شوانق مظلم
فواصل من كل قسطالة ... كأن عثانينها العندم
وللمرء من فرج ما تستثير ... سنابكهن سنا مضرم
فجلى الأغر وصلى الكميت ... وسلى فلم يذمم الأدهم
وأردفها رابع تاليا ... وأين من المنجد المتهم؟
وما ذم مرتاحها خامسا ... وقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحظي لها سادسا ... فأسهمه حظه المسهم
وسابعها العاطف المستحير ... يكاد لحيرته يحرم
وجاء المؤمل فيها يخيب ... وعن له الطائر الأشأم
وجاء اللطيم لها تاسعا ... فمن كان ناحية يلطم
يخب السكيت على إثره ... وذفراه من قبة أعظم
كأن جوانبه بين ذي ... جمانة نيط بها قمقم
إذا قيل من رب ذا لم يحر ... من الخزي بالصمت يستعصم
ومن لا يعد للحلاب الجياد ... وشيك لعمرك ما يندم
وما ذو اقتضاب لمجهولها ... كمن ينتميها ويستلزم
فرحنا بسبق شهرنا به ... ونيل به الفخر والمغنم
وأحرزن عن قصبات الرهان ... رغائب أثقالها تقسم
برود من القصب موشية ... وأكسية الخز والملحم
فراحت عليهن منشورة ... كأن حواشيهن الدم
ومن ورق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم
ففضت لنهب خواتيمها ... وبدرتنا الدهر لا تختم
نوزعها بين خدامها ... ونحن لها منهم أخدم
وإنا لنرنبط المعربا ... ت في اللزبات فما ترزم
يعد لها المحض بعد الحليب ... كما يصلح الصبية المفطم
ويخلطها بصميم العيال ... بمن له حب هو المحرم
مشاربها الصافيات العذاب ... ومطعمها فهو المطعم
فهن بأكناف أبياتنا ... صوافن يصهلن أو حوم
ومال محمد بن يزيد في كلمته هذه إلى أنه لاحظ للثامن، وجعل للسابع حظا في السبق، والهندسة إجراء الخيل وتجربتها فيما دون الغاية، وإنما سميت الحلبة حلبة لأن العرب تحلب إليها خيولها من كل مكان.
قال المتقي: أثبتا ما يجري في هذه الأوقات ودوناه، فلم يزالا معه في ذلك يجدد لهما البر إلى أن كان من أمره ما قد اشتهر.
وقد تناهى بنا الكلام إلى هذا الموضع من خلافة المتقي؟ فلنذكر الآن بعض من اشتهر شعره في هذا الوقت واستفاض في الناس وظهر.
** أبو نصر الخبزأرزي **
فمنهم أبو القاسم نصر بن أحمد الخبزأرزي، وهو أحد المطبوعين المجودين في البديهة المعروفين بالغزل؟ فمن جيد شعره قوله:
أنضى الهوى جسدي وبدلني به ... جسدا تكون من هوى متجسد
ما زال إيجاد الهوى عدمي إلى ... أن صرت لو أعدمته لم أوجد
ومن جيد شعره ما عاتب به ابن لنكك الشاعر، وهو:
لم لا ترى لصداقتي تصديقا ... فينا، ولم تدع الصديق صديقا؟
ذو العقل لا يرضى بوسم صداقة ... حتى يرى لحقوقها تحقيقا
فلمن يرجي الحق أن يدعى أخا ... وعلى الرفيق بأن يكون رفيقا
إن غاب غاب محافظا أو حل كا ... ن مداعبا أو قال كان صدوقا
وفي هذا الشعر يقول:
ويكاد من علق الهوى بفؤاده ... مما تفكر أن يرى زنديقا
وقوله: أعليك أعتب أم على الأيام؟ ... بدأت، وكنت مؤكدا بتمام
قطع التواصل قربنا بتواعد ... وقطعت أنت تواصل الأقلام
هلا ألفت إذ الزمان مشتت ... والإلف للأرواح لا الأجسام
وفى هذا الشعر يقول:
عذرا أبا عيسى عسى لك في القلا ... عذر، وذا علم بلا إعلام
من غابت الأخبار عنه ودينه ... دين الإمامة قال بالأوهام
خذ من فرائدك الذي أعطيتني ... فالدر درك والنظام نظامي
حكم معانيها معانيك التي ... فضلتها لي، والكلام كلامي
وشعره في الغزل وغيره أكثر من أن نأتي عليه، وأكثر الغناء المحدث في وقتنا هذا من شعره، وقد أشيع بموته وأن البريدي غرقه لأنه كان هجاه، وقيل: بل هرب من البصرة ولحق بهجر والأحساء بأبي طاهر بن سليمان بن الحسن صاحب البحرين.
** مقتل بجكم **
قال المسعودي: وقد أتينا على أخبار المتقي وما كان في أيامه من الكوائن والأحداث على الشرح والإيضاح في الكتاب الأوسط الذي كتابنا هذا تال له، وإنما نذكر من أخبارهم في هذا الكتاب لمعا لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز، وكذلك أتينا على خبر مقتل بجكم التركي، وكان مقتله في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وما كان من أمره مع الأكراد بناحية واسط، وما كان من كورتكين الديلمي واستيلائه على جيش بجكم، وانحدار محمد بن رائق من الشام ومحاربته كورتكين بعكبرا، ومخاتلته إياه، ودخوله الحضرة، وما كان بينهم من الوقعة بالحضرة إلى أن انهزم كورتكين، واستولى محمد بن رائق على الأمر، وما كان من البريديين وموافاتهم الحضرة، وخروج المتقى عنها مع محمد بن رائق الموصلي، في كتابنا المترجم بأخبار الزمان فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.