Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر ملوك الفرس الأولى وجمل من سيرهم وأخبارهم
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 13 of 107
** أصل الفرس **
الفرس تخبر مع اختلاف آرائها وبعد أوطانها وتباينها في ديارها وما ألزمته أنفسها من حفظ أنسابها، ينقل ذلك باق عن ماض، وصغير عن كبير أن أول ملوكهم كيومرث ثم تنازعوا فيه فمنهم من زعم أنه ابن آدم، والأكبر من ولده، ومنهم من زعم وهم الأقلون عددا - أنه أصل النسل وينبوع النرء، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن كيومرث هو أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، لأن أميما أول من حل بفارس من ولد نوح، وكان كيومرث ينزل بفارس، والفرس لا تعرف طوفان نوح، والقوم الذين كانوا بين آدم ونوح عليهما السلام كان لسانهم سريانيا،. ولم يكن عليهم ملك، بل بهانوا في مسكن واحد، والله أعلم بذلك.
** كيومرث أول الملوك **
وكان كيومرث أكبر أهل عصره، والمقدم فيهم وكان أول ملك نصب في الأرض فيما يزعمون، وكان السبب الذي دعا أهل ذلك العصر إلى أقأمة ملك ونصب رئيس أنهم رأؤا أكثر الناس قد جبلوا على التباغض والتحاسد والظلم والعدوان، ورأوا أن الشرير منهم لا يصلحه إلا الرهبة، ثم تأملوا أحوال الخليقة، وتصرف شأن الجسم، وصورة الإنسان الحساس الدراك، فرأوا الجسم في بنيته وكونه قد رتب بخواص تؤدي إلى معنى هو غيرها يوردها ويصدرها ويميزها بما تورده إليه من أخلاقها في مداركها، وهو معنى في القلب فرأوا صلاخ الجسم بتدبيره، وأنه متى فسد تدبيره فسد سائره، ولم تظهر أفعاله المتقنة المحكمة، فلما رأوا هذا العالم الصغير الذي هو جسد الإنسان المرئي لا تستقيم أموره ولا تنتظم أحواله إلا باستقامة الرئيس الذي قدمنا ذكره علموا أن الناس لا يستقيمون إلا بملك ينصفهم، ويوجه العدل عليهم، وينفذ الأحكام على ما يوجبه العقل بينهم، فساروا إلى كيومرث بن لاوذ، وعرفوه حاجتهم إلى ملك وقيم، وقالوا: أنت أفضلنا، وأشرفنا، وأكبرنا، وبقية أبينا، وليس في العصر من يوازيك، فرذ أمرنا إليك، وكن القائم فينا؛ فإنا تحت سمعك وطاغتك، والقائلون بما تراه، فأجابهم ما دعوه إليه، واستوثق منهم بأكيد العهود والمواثيق على السمع والطاعة وترك الخلاف عليه، فلما وضع التاج على رأسه، وكان أول من ركب التاج على رأسه من أهل الأرض، قام خطيبا وقال: إن النعم لا تدوم إلا بالشكر وإنا نحمد الله على أياديه ونشكره على نعمه، ونرغب إليه في مزيده، ونسأله المعونة على ما دفعنا إليه، وجسن الهداية إلى العدل الذي به يجتمع الشمل ويصفو العيش، فثقوا بالعدل منا، وأنصفونا من أنفسكم نوردكم إلى أفضل ما في هممكم والسلام فلم يزل كيومرث قائما بالأمر، حسن السيرة في الناس، والحال آمنة، والأمة ساكنة طول مدته إلى أن مات.ولهم في وضع التاج على الرأس أسرار يذكرونها أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.وذكروا أن كيومرث أول من أمر بالسكوت عند الطعام. لتأخذ الطبيعة بقسطها فيصلح البدن بما يرد إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتدبركل عضومن الأعضاء تدبيرا يؤدي إلى ما فيه صلاحه من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها، وما فيه صلاحها ة فإن الإنسان متى شغل عن طعامه بضرب من الضروب انصرف قسط من التدبير وجزء من التقدير إلى حيث انصباب الهمة ووقوع الاشتراك، فأضر ذلك بالأنفس الحيوانية والقوى الإ نسانية، وإذا كان ذلك أدى إلى مفارقة النفس الناطقة لهذا الجسد المرئي، وفي ذلك ترك للحكمة، وخروج عن الصواب.ولهم في هذا الباب سر لطيف من أسرار السبب الذي بين النفس والجسم ليس هذا موضعه، وقد أتينا على ذكره في الكتاب المترجم بسر الحياة وفي كتاب الزلف عند ذكرنا النفس الناطقة والنفس العلامة والنفس الحسية والمخيلة والنزاعية، وما قال الناس في ذلك ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم.وقد تنوزع في مقدار عمر كيومرث هذا فمن الناس من رأى أن عمره ألف سنة، دون ذلك، وللمجوس في كيومرث هذا خطب طويل في أنه مبدأ النسل، وأنه نبت من نبات الأرض، وهو الريباس، هو وزوجته، وهما شابة ومنشابة وغير ذلك مما يفحش إيراده، وما كان من خبره مع إبليس، وقتله إياه، وكان ينزل إصطخر فارس، وكانت مدة ملكه أربعين سنة، وقيل: أقل من. ذلك.
** أوشهنج طهمورث أول الصابئة **
ثم ملك بعده أوشهنج بن فروال بن سيامك بن يزنيق بن كيومرث الملك، وكان أوشهنج ينزل الهند، وكان ملكه أربعين سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وقد تنوزع فيه،فمنهم من رأى أنه أخ لكيومرث بن آدم، ومنهم من رأى أنه ولد الملك الماضي.ثم ملك بعده طهمورث بن نوبجهان بن أرفخشذ بن أوشهنج، وكان ينزل سابور، وظهر في سنة من ملكه رجل يقال له بوداسف أحدث مذاهب الصابئة، وقال: إن معالي الشرف الكامل، والصلاخ الشامل، ومعدن الحياة، في هذا السقف المرفوع، وإن الكواكب هي المدبرات والواردات والصادرات، وهي التي بمرورها في أفلاكها وقظعها مسافاتها واتصالها بنقطة وانفصالها عن نقطة يتم ما يكون في العالم من الآثار: من امتداد الأعمار وقصرها، وترك البسائط، وانبساط المركبات، وتتميم الصور، وظهور المياه وغيضها، وفي النجوم السيارة وفي أفلاكها التدبير الأكبر، وغير ذلك مما يخرج وصفه عن حد الاختصار والإيجاز، واحتذى به جماعة من ذوي الصعف في الآراء؟؛فيقال: إن هذا الرجل أول من أظهر آراء الصابئة من الحرانيين والكيماريين، وهذا النوع من الصابئة مباينون للحرانيين في نحلتهم، وديارهم بين بلاد واسط والبصرة من أرض العراق نحو البطائح والآجام، فكان ملك طهمورث إلى أن هلك ثلاثين سنة، وقيل غير ذلك.
** جمشيد **
ثم ملك بعده أخوه جمشيد، وكان ينزل بفارس، وقيل: إنه كان في زمنه طوفان، وذهب كثير من الناس إلى أن النيروز في أيامه أحدث وفي ملكه رسم، على حسب ما نورده فيما يرد من هذا الكتاب، كذلك ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى عن عمر المعروف بكسرى، وكان هذا الرجل ممن أشتهر بعلم فارس وأخبار ملوكها حتى لقب بعمر كسرى، وكان ملك جمشيد إلى أن هلك ستمائة سنة، وقيل: تسعمائة سنة وستة أشهر، وأحدث في الأرض أنواعا من الصناعات والأبنية والمهن وادعى الإلهية.
** بيوراسب **
ثم ملك بعده بيوراسب بن أروادسب بن رستوان بن نياداس بن طاع ابن قروال بن ساهر فرس بن كيومرث، وهو كذلك، وقد عربت أسماؤه جميعا فسماه قوم من العرب الضحاك، وسماه قوم بهراسب وليس هو كذلك، وإنما اسمه على ما وصفنا بيوراسب، وقتل جمشيد الملك، وقد تنوزع فيه: أمن الفرس كان أم من العرب؟ فزعمت الفرس أنه منها، وأنه كان ساحرا، وأنه ملك الأقاليم السبعة، وأن ملكه كان ألف سنة، وبغى في الأرض وتمرد، وللفرس فيه خطب طويل، وأنه مقيد مغلل في جبل دباوند بين الري وطبرستان، وقد ذكرته شعراء العرب ممن تقدم وتأخر، وقد افتخر أبو نواس به، وزعم أنه من اليمن؟ لأن أبا نواس مولى لسعد العشيرة من اليمن، فقال: وكان منا الضحاك تعبده الجامل والوحش في مساربها
** ملك فريدون المهرجان **
ثم ملك بعده إفريحون بن أثقابان بن جمشيد ملك الأقاليم السبعة،فأخذ بيوارسب، فقيده في جبل دباوند على حسب ما ذكرنا، وقد ذكر كثير من الفرس ومن عني بأخبارهم مثل عمر كسرى وغيره أن أفريدون جعل هذا اليوم الذي قيد فيه الضحاك عيدا له، وسماه المهرجان، على حسب ما نورده بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وما قيل في ذلك، وكانت دار مملكة أفريدون بابل وهذا الإقليم يسمى باسم قرية من قراه يقال لها بابل، على! شاطىء نهر من أنهار الفرات بأرض العراق، على ساعة من المدينة المعروفة بجسر بابل، ونهر النرس، وإليه تضاف الثياب النرسية، وفي هذه القرية بجب يعرف بجب دانيال النبي عليه السلام، تقصده النصارى واليهود في أوقات من السنة في أعيادهم، وإذا أشرف الإنسان على هذه القرية تبين فيها آثارا عظيمة من ردم وهدم وبنيان قد صارت كالروابي، وذهب كثير من الناس إلى أن بها هاروت وماروت، وهما الملكان المذكوران في القرآن على حسب ما قص الله تعالى من تسمية هذه القرية ببابل. وكان ملك أفريدون خمسمائة سنة، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر، وقسم الأرض بين ولده الثلاثة، وقد قال في ذلك بعض الشعراء ممن سلف: من أبناء الفرس بعد الإسلام يذكر ولد أفريدون الثلاثة:
وقسمناملكنافي دهرنا قسمة ... اللحم على ظهروضم
وجعلنا الشام والروم إلى ... مغرب الشمس إلى الغطريف سلم
وأطوج جعل الترك له ... فبلادالترك يحويها ابن عم ولإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنابالنعم
وللناس فيما ذكرنا خطب طويل، وأن بلاد بابل أضيفت إلى ولد أفريدون وهو إيراج، وقتله أخوه في حياة أفريدون، وهلك، ولم يخلص له الملك فيعد في ملوك.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كيفية إضافة هذا الإقليم إلى إيراج وإسقاطهم الجيم، وجعلهم النون بدلا منها، فقالوا: إيران شهر، والشهر: الملك.
** ملك منوجهرملك سهم **
ثم ملك بعد أفريدون منوجهر بن إيران بن أفريدون، على حسب ماذكرنا من التنازع في نسبه وإلحاقه بإيران بن أفريدون، وكان ملكه عشرين سنة، وكان ينزل ببابل، وقد قيل: إنه في زمانه كان موسى بن عمران، ويوشع بن نون عليهما السلام، وكان لمنوجهر حروب مع عميه اللذين قتلا أباه، وهما أطوج وسلم، وقد أتينا على ذكر حروبهم فيما سلف من كتبنا.
ثم ملك بعد منوجهر سهم بن أبان بن أثقبان بن يود بن منوجهر، فنزل بابل، وملك ستين سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت له حروب كثيرة وسير وسياسات كثيرة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان.
** ملك فراسياب **
ثم ملك بعده فراسياب بن أطوج بن ياسر بن رامي بن آرس بن بورك ابن ساساسب بن زسست بن نوح بن دوم بن سرور بن أطوج بن أفريدون الملك، وكان مولد فراسياب ببلد الترك؛ فلذلك غلط من غلط من أصحاب الكتب والتصنيفات في التاريخ وغيره فزعم أنه تركي، وكان تملكه على ما غلب عليه من البلاد اثنتي عشرة سنة، وعمره عند كثيرمن الناس أربعمائة سنة.ولاثنتي عشرة سنة خلت من ملكه ظهر عليه زوبن بهاست بن كمجهورابن عداسة بن رايريج بن ماسربن يود بن منوجهر الملك، فهزمه وقتل أصحابه بعد حروب كثيرة، وعمر ما خربه براسياب.وقد تنوزع في المقدار الذي ملك فيه: فقيل ثلاث سنين، وقيل أكثر من ذلك، وكان مسكنه ببابل، وللفرس كلام طويل في قتل فراسيان، وكيفية قتله وحروبه، وما كان بين الفرس والترك من الحروب والغارات، وما كان قتل سياوخس وخبررستم بن دستان، هذا كله مشروح في الكتاب المترجم بكتاب السكيكين ترجمة ابن المقفع من الفارسية الأولى إلى العربية، وخبر اسفنديار بن كشتاشب بن بهراسب وقتل رستم بن دستان له، وما كان من قتل بهمن بن إسفنديار لرستم، وغير ذلك من عجائب الفرس الأولى وأخبارها، وهذا الكتاب تعظمة الفرس؟ لما قد تضمن من خبر أسلافهم وسير ملوكهم، وقد أتينا بحمد الله على كثير من أخبارهم فيما سلف من كتبنا.وقد قيل: إن أول من نزل من الملوك ببلخ وانتقل عن العراق كيكاووس وقد كان سار نحو اليمن بعد أن كان له بالعراق تمرد على الله، وبنيان بناه لحرب السماء وكان ملك اليمن الذي سار إليه كيكاووس في ذلك الوقت شمر بن فريقس فخرج إليه شمر فأسره وحبسه في أضيق محبس، فهويته ابنه لشمريقال لها سعدى كانت تحسن إليه في خفية من أبيها، وإلى من كان معه من أصحابه،، ومكث في محبسه أربع سنين، حتى أسرى رستم بن دستان من بلاد سجستان سرية فيها أربعة الاف، فقتل ملك اليمن شمر بن فريقس واستنقذ كيكاووس، ورده إلى ملكه، وسعدى معه، فاعتلت عليه، وأغرته بولده سياوخش، حتى كان من أمره مع فراسياب التركي ما قد شهر من استئمانه إليه وتزوجه بابنته حتى حملت منه بكيخسرو، وما كان من قتل فراسياب لسياوخش بن كيكاووس، وقتل رستم بن دستان لسعدى، وأخذه بطائلة سياوخش، فقتل من، قتله وجوه الترك، وعند الفرس على ما في كتاب السكيكين أن كيخسرو كان قبله على الملك جده لأبيه، وهوكيكاووس ولم يعلم ممن هو ولم يكن لكيخسرو عقب؛فجعل الملك في بهراسف، وهؤلاء القوم كانوا يسكنون بلخ، وكانت دار مملكتهم، وكان يدعي نهر بلخ وهو جيحون بلغتهم كالف، وكذلك يسميه كثير من أعاجم خراسان في هذا الوقت بهذا الاسم.فلم يزالوا كذلك إلى أن صار الملك إلىحاي ابنة بهمن بن إسفنديار ابن يستاسف بن بهراسف، فانتقلت إلى العراق، وسكنت نحو المد ائن .
** لهراسب **
ثم كان بعد كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس الملك إلى لهراسب بن قنوج بن كيمس بن كيناسس بن كيناسة بن كيقباذ الملك، فعمر البلاد، وأحسن السيرة لرعيته، وشملهم عدله. ولسنين خلت من ملكه نال بني إسرائيل منه محن، وشتتهم في البلاد، وكانت له معهم أقاصيص يطول ذكرها.وذكر في بعض الروايات من أخبار الفرس أنه بنى بلخ الحسناء لما فيها من المياه والشجر والمروج.وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقد ذكر خبر مقتله مع الترك وما كان منهم في حصاره ومن أخذ بثأره بعد قتله في كتب قدماء الفرس.
** بخنتصر **
وقد ذكر كثير ممن عني بأخبار الفرس أن بختنصر مرزبان العراق والمغرب كان من قبل هذا الملك، وهو الذي وطىء الشام، وفتح بيت المقدس، وسبى بني إسرائيل، وكان من أمره بالشام والمغرب ما قد اشتهر، والعامة تسميه البخت ناصر، وأكثر الإخباريين والقصاص يغالون في أخباره، ويبالغون في وصفه، والمنجمون في زيجاتهم وأهل التواريخ في كتبهم يجعلونه ملكا برأسه، وإنما كان مرزبابا على ما وصفنا للملوك ممن ذكرنا، وتفسير مرزبان يراد به صاحب ربع مات المملكة وقائد عسكر ووزير وصاحب ناحية من النواحي، وواليها، وقد كان حمل سبايا بني إسرائيل إلى الشرق، وتزوج منهن امرأة يقال لها دينارد، فكانت سبب رد بني إسرائيل إلى بيت المقدس.وقيل: إن دينارد أولدها لهراسب بن كشتاسب، وقيل غير ذلك من الوجوه، وإن حماية من نسل بني إسرائيل من أمها.وقيل: إن بهراسف قد كان أنفذ سنجاريب وكان خليفته على العراق إلى حرب بني إسرائيل فلم يصنع شيئا، فعقب بعده بالبخت نصر، وقيل في البحث نصر غير ما ذكرنا مما سنورده بعد هذا الموضع في ذكر ملك بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف.وقد أرخ بطليموس صاحب كتاب المجسطي تاريخ كتابه من عهد بخت نصر مرزبان المغرب، وأرخ ثاون صاحب كتاب القانون في النجوم من مملكة الإسكندر بن فيلبس المقدوني.
** زرادشت المجوسي **
ثم ملك بعده ابنه يستأسف، وكان منزله بلخ، ولثلاثين سنة خلت من ملكه أتاه زرادشت بن أسبيمان، وقيل: إنه زرادشت بن بورشف بن فذراسف بن أريكدسف بن هجدسف بن ححيش بن باتير بن أرحدس بن هردار بن أسبيمان بن واندست بن هايزم بن أرج بن دورشرين بن منوشهر الملك، وكان من أهل أذربيجان، والأشهر من نسبه أنه زرادشت بن أسبيمان، وهو نبي المجوس الذي أتاهم بالكتاب المعروف بالزمزمة عند عوام الناس، واسمه عند المجوس بستاه وأتى زرادشت عندهم بالمعجزات الباهرات للعقول، وأخبر عن الكائنات من المغيبات قبل حدوثها من الكليات والجزئيات، والكليات: هي الأشياء العامة، والجزئيات: هي الأشياء الخاصة، مثل زيد يموت يوم كذا، ويمرض فلان في وقت كذا، ويولد لفلان في وقت كذا، وأشباه ذلك، ومعجم هذا الكتاب يدور على ستين حرفا من أحرف المعجم، وليس في سائر اللغات أكثر حروفا من هذا، ولهم خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابينا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وأتى زرادشت بكتابهم هذا بلغة يعجزون عن إيراد مثلها، ولا يدركون كنه مرادها، وسنذكر بعد هذا الموضع من هذا الكتاب ما أتى به زرادشت، وما جعل له من التفسير وتفسير التفسير، وكتب هذا الكتاب في أثني عشر ألف مجلد بالذهب، فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من الشرائع والعبادات فلم تزل الملوك تعمل بما في هذا الكتاب إلى عهد الإسكندر وما كان من قتله لدارا بن دارا، فأحرق الإسكندر بعض هذا الكتاب.ثم صار الملك بعد الطوائف إلى أردشير بن بابك، فجمع الفرس على قراءة سورة منه يقال لها إسناد؛ فالفرس والمجوس إلى هذا الوقت لا يقرؤن غيرها، والكتاب الأول يسمى بثناه.ثم عمل زرادشت تفسيرا عند عجزهم عن فهمه، وسموا التفسير زندا، ثم عمل للتفسير تفسيرا، وسماه بازند، ثم عمل علماؤهم بعد وفاة زرادشت تفسيرا لتفسير التفسير وشرحا لسائر ما ذكرنا، وسموا هذا التفسير بارده فالمجوس إلى هذا الوقت يعجزون عن حفظ كتابهم المنزل، فصار علماؤهم وموابذتهم يأخذون كثيرا منهم بحفظ أسباع من هذا الكتاب وأرباع وأثلاث، فيبتدء كل واحد بما حفظ من جزئه فيتلوه،ويبتدء الثاني منهم فيتلو جزأ آخر، والثالث كذلك، إلى أن يأتي الجميع على قراءة سائر الكتاب لعجز الواحد منهم عن حفظه على الكمال، وقد كانوا يقولون: إن رجلا منهم بسجستان بعد الثلاثمائة مستظهر بحفظ هذا الكتاب على الكمال.وكان ملك يستاسف إلى أن تمجس ثم هلك عشرين ومائة سنة، وكانت مدة نبوة زرادشت فيهم خمسا وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة..
** خاناس خليفة زرادشت **
ولما هلك زرادشت ولي مكانه خاناس العالم، وكان من أهل أذربيجان وهذا أول موبذ قام فيهم بعد زرادشت، نصبه لهم يستاسف الملك.
** ملك بهمن بن اسفنديار **
ثم ملك بعده بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف، وكان له حروب كثيرة مع رستم صاحب سجستان إلى أن قتل رستم ووالده دستان، وقيل: إن أم بهمن كانت من بني إسرائيل من ولد طالوت الملك، وإنه هو الذي بعث بالبختنصر مرزبان العراق إلى بني إسرائيل، فكان من أمرهم ما وصفنا، وكان ملك بهمن إلى أن هلك مائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: إنه في ملكه رد بقايا بني أشرائيل إلى بيت المقدس، فكان مقامهم ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس سبعين سنة، وذلك في أيام كورش الفارسي المملك على العراق من قبل بهمن، وبهمن يومئذ ببلخ، وقد قيل: إن أم كورش كانت من بني إسرائيل، وكان دانيال الأصغر خاله، وكانت مدة ملك كورش ثلاثا وعشرين سنة، وفي وجه آخر من الروايات أن كورشا كان ملكا برأسه لا من قبل لهمن، وذلك بعد إنقضاء ملك بهمن، وأن كورشا من ملوك الفرس الأولى، وليس هذا عاما في كتب التواريخ القديمة، ودانيال الأكبر كان بين نوح وإبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو الذي استخرج العلم وما يحدث في الأزمان إلى أن تنقضي الأرض ومن عليها وعلوم ملوك العالم وما يحدث في السنين والشهور والأيام من الحوادث، ودلائل ذلك في الأفلاك وإليه ينسب كتاب الجفر، ولما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس استخرجوا التوراة وغيرها من المواضع التي خبئت فيها من الأرض على ما قدمنا.
** حماية ودارا **
ثم ملكت حماية، بنت بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف وكانت تعرف بأمها شهرزاد، ولهذه الملكة سير وحروب مع الروم وغيرهم من ملوك الأرض، وكانت حسنة السياسة لأهل مملكتها، وكان ملكها بعد أبيها بهمن ثلاثين سنة، وقيل غيرذلك.ثم ملك بعدها أخ لها يقال له دارا بن بهمن بن إسفنديار، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وكان ينزل بباب.
** دارا بن دارا **
ثم ملك دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف والفرس تسمى دارا هذا باللغة الأولى من لغاتهم داريوس، وهو الذي قتله الإسكندر بن فليبس المقدوني، وكان ملكه إلى أن قتل ثلاثين سنة.وقد ذكر أن منوشهر حين انهزم من حرب فراسياب التركي سار إلى جبل طبرستان فتحضن به، ثم ثاب بعد ذلك ومعه خيل، فحارب فراسياب التركي، وقد وطىء العراق، وغلب على الأقاليم، فهرب إلى أرض الترك، وأن الملك صار بعد منوشهر إلى أخوين، وقيل: بل كانا شريكين في الملك متظافرين متعاونين على عمارة الأرض وما خربه فراسياب: أحدهما بهماسف بن كنجهر بن ورزق بن هوسف بن واحدسك بن دوس بن منوشهر، والآخر كرشاسف بن يمار بن طماهسف بن آشك بن فرسين بن أرج بن منوشهر، وكان كرشاسف محاربا لفراسياب، ومنازلا له، والآخر وهو زاب بالعراق: يعمر ما خربه فراسياب من الأرض، واحتفر النهرين المعروفين بالزابين الصغير والكبير، على ما قدمنا من ذكرهما في هذا الكتاب، الخارجين من بلاد أرمينية الصابين في دجلة: الأكبر بين الموصل والحديثة، والاخر ببلاد السن وسماهما باسمه، وحفر بسواد العراق نهرا آخره وسماه بالزاب، وجعل على هذا النهر بالعراق ثلاث طساسيج من الضياع والعمائر وأسماها الزوابي، وما ذكرنا فهو باق إلى هذه الغاية، وأن مملكتهما كانت ثلاث سنين، وأن كيخسرو لما قتل جده ببلاد السرو والران من بلاد أذربيجان وهو فراسياب بن بشنك بن نبت بن نشمربن ترك، وترك هذا جد سائر الترك عند طائفة من الناس من ولد يسب بن طوح بن أفريدن، وقد قدمنا وجها من الرواية في نسبة فيما سلف من هذا الكتاب، وسار كيخسرو في البلاد، ووطىء الممالك، وانتهى إلى بلاد الصين، فبنى هناك مدينة عظيمة، وسماها كنكدر، وقد نزلها خلق من ملوك الصين كنزولهم أنموا وغيرها من مدنهم، وقد قيل: إن كنكدر هي أنموا بعينها، وقد قيل: إن كيقاوس بنى مدينة قشمير المقدم ذكرها بأرض السند، وإن سياوخس بنى في حياة أبيه كيقوس مدينة القندهار من أرض السند المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب.
قال المسعودي: ولمن ذكرنا من هؤلاء الملوك أخبار وسير قد أتيناعلى شرحها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب جوامع، منبهين بها على ما سلف من مبسوطها، وما نذكره من الوجوه فلا ختلاف الروايات وتباين الناس في المصنفات من كتبهم فيما ذكرناه من أخبارهم ليعلم من قرأ كتابنا هذا أنا قد بذلنا المجهود من أنفسنا، وذكرنا سائر ما قالوه فيما وصفناه، وبالله التوفيق، ومنه الإعانة.