Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر ثمود وملوكها وصالح نبيها
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 26 of 107
** مساكن ثمود **
قد ذكرنا فيما سلف من ذكر ثمود ونبيها صالح عليه السلام لمعا، و إن كنا قد بسطنا ذلك في غير هذا الكتاب، وكان ملك ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بفج الناقة، وبيوتهم إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال، ورسمهم باقية وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاج لمن ورد من الشام بالقرب من وادي القرى، وبيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا، وهذا يدل على أن أجس أمه م على قمر أجسامنا، دون ما يخبر به القصاص من بعد أجس أمه م، وليس هؤلاء كعاد؛ إذ كانت آثارهم ومواضع مساكنهم وبنيانهم بأرض الشحر تدل على بعد أجس أمه م.
وكان ملك الملك الأول من ملوكهم مائتي سنة، وهو عابر بن أرم بن ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح.
ثم ملك بعده جندع بن عمروبن الذبيل بن أرم بن ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح، وكان ملكه إلى أن هلك مائتي سنة وتسعين سنة، وهلك جندع هذا بعد أن كان من أمر صالح النبي صلى الله عليه وسلم ما كان على ما ذكرنا أربعين سنة، فجميع ما ملك هذا الملك - وهو جندع - ثلثمائة وسبع وعشرون سنة، فهؤلاء ملوك ثمود.
** صالح رسول الله إلى ثمود **
وبعث الله صالحا نبيا وهو غلام حدث لثمود على حين فترة كانت بينه وبين هود نحو من مائة سنة، فدعاهم إلى الله، وملكهم يومئذ هو جند ابن عمرو على ما ذكرنا، فلم يجب صالحا من قومه إلا نفر يسير، وكبر صالح، ولم يزد قومه من الإيمان إلا بعدا، فلما تواتر عليهم أعذاره وإنذاره ووعده ساموه المعجزات، وإظهار العلامات، ليمنعوه من دعائهم، وليعجزوه عن خطابهم، فحضر عيدا لهم، وقد أظهروا أوثانهم، وكان القوم أصحاب إبل، فساموه الآية من جنس أموالهم، وطالبوه بما هو مجإنس لأملاكهم، وذلك من بعد اتفاق آرائهم فقال له زعيم من زعمائهم: يا صالح، إن كنت صادقا في قولك، وأنك معبر عن ربك، فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة، ولتكن وبراء سوداء عشراء نتوجا حالكة صافيه اللون ذات عرف وناصية وشعر ووبر، فاستغاث بربه، فتحركت الصخر وتململت، وبدا منها حنين وأنين، ثم انصدعت من بعد تمخض شديد كتمخض المرأة حين الولادة، وظهر منها ناقة على ما طلبوه من الصفة، ثم تلاها من الصخرة سقب لها نحوها في الوصف، فأمعنا في رعي الكلأ وطلب الماء والمرعى، فآمن خلق ممن حضره، وزعيمهم الذي سأله وهو جندع بن عمرو، وأقامت الناقة يحلبون من لبنها ما يعم شربه ثمودا كلها، وضايقتهم في الكلأ والماء، وكان في ثمود مرآتان ذواتا حسن وجمال، فزارهما رجلان من ثمود، وهما قدار بن سالف، ومصدع بن مفرج، والمرأتان عنيزة بنت غنم، وصدوف بنت المجبا، فقالت صدوف: لو كان أنا في هذا اليوم ماء لأسقينا كما خمرا، وهذا يوم الناقة ووردها إلى الماء، لا سبيل لنا إلى الشرب، فقالت عنيزة: بلى والله لو أن لنا رجالا لكفونا إياها، وهل هي إلا بعير من الإبل؛ فقال قدار: ياصدوف، إن أنا كفيتك أمر الناقة فمالي عندك؟؛ فقالت: نفسي، وهل حائل دونها عنك؟. فأجابت الأخرى صاحبها بنحو ذلك، فقالا: ميلا علينا بالخمر، فشربا حتى توسطا السكر، ثم خرجا فاستغويا، تسعة رهط، وهم التسعة الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابه بقوله: " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " وقصحوا طريق - الناقة في حال صدورها، فضرب قدار عرقوبها بالسيف، فعرقبها، وأتبع صاحبه الأخر العرقوب الأخر بسهمه، فخرت الناقة لوجهها، ووجا قدار لبتها فنحرها، ولاذ السقب بصخرة فلحقه بعضهم فعقره وفرقوا لحم الناقة، وورد صالح فنظر إلى ما فعلوه، فوعدهم العذاب، و كان ذلك في يوم الأربعاء، فقالوا له مستهزئين: يا صالح، متى يكون ما وعدتنا به من العذاب عن ربك؛ فقال: تصبح وجوهكم يوم مؤنس - وهو يوم الخميس - مصفرة، ويوم العروبة محمرة، ويوم شيار مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أسماء الشهور والأيام بلغتهم، فهم التسعة بقتل صالح، وقالوا: إن كان صادقا كنا قد عاجلناه قبل إذ يعاجلنا، وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا، فحالت الملائكة بينهم وبينه، وأمطرتهم الحجارة، ومنعه الله منهم، فلما أصبحوا نظروا إلى وجوههم كما وعدهم صفراء كأنها الورس: قد حالت الألوان، وتغيرت الأجسام، وتيقن القوم صدق الوعيد وأن العذاب واقع بهم، وخرج صالح في ليلة الأحد من بين ظهرانيهم مع من خف من المؤمنين، فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين، وأتاهم العذاب يوم الأحد، وفيهم يقول بعض من آمن بصالح عليه السلام:
أراكم يارجال بني عتيد ... كأن وجوهكم طليت بورس
ويوم عروبة احمرت وجوه ... مصفرة، وناثوا يال مرس
ويوم شيار فاسود ت وجوه ... من الحيين قبل طلوع شمس
فلما كان أول في ضحاه ... أتتهم صيحة عمت بتعس
وفيهم يقول حباب بن عمرو، وكان ممن اعتزلهم من المؤمنين وبان عن ديارهم:
كانت ثمود ذوي عز ومكرمة ... ما إن يضام لهم في الناس من جار
لا يرهبون من الأعداء حولهم ... وقع السيوف، ولا نزعا بأوتار
فأهلكوا ناقة كانت لربهم ... قد أنفروها وكانوا غير أبرار
ناعوا قدارا ولحم السقب بينهم ... هل للعجول وهل للسقب من ثار لم يرعيا صالحا في عقر ناقته ... وأخفروا العهد هذبا أي إخفار
فصادفوا عنده من ربه حرسا ... فشدخوا روسهم شدخا بأحجار
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - عند ذكرنا لتفرق الناس ببابل - من أخبار ثمود جملا، وما كان من أمر الناس بأرض بابل وافتراق لغاتهم، وما قاله كل فريق منهم من الشعر، على حسب ما أعطاه الله من اللسان، وان كنا قد أتينا على شرح ذلك على الكمال فيما تقدم لنا من كتابنا أخبار الزمان و بالله التوفيق.