John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر مكة وأخبارها وبناء البيت ومن تداوله من جرهم وغيرها وهذا لحق بهذا الباب

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 27 of 107

** سكن إسماعيل وأمه بمكة **

ولما أسكن إبراهيم ولده إسماعيل مكة مع أمه هاجر، واستودعهما خالقه على حسب ما أخبر الله عنه أنه أسكنه بواد غير في زرع، وكان موضع البيت ربوة حمراء - أمر إبراهيم هاجر أن تتخذ عليها عريشا يكون لها مسكنأ، وكان من ظمأ إسماعيل وخبر هاجر ما كان إلى أن أنبع الله لهما زمزم، وأقحط الشحر واليمن، فتفرق العماليق وجرهم في البلاد ومن مناك من بقايا عاد.

** نزول العماليق معهما **

فيممت العماليق نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى والدار الخصيبة، عليهم السميدع بن هوبر بن لاوى بن قيطوربن كركر بن حيدان، فلما أمعنت بنو كركر في المسير - وقد عدمت الماء والمرعى، واشتد بها الجهد - أقبل السميدع بن هوبر يحثهم على السير في شعر له ويشجعهم بما قد نزل بهم، وهو:

سيروا بني الكركر في البلاد ... إني أرى ذا الدهر في فساد

قد سأر من قحطان في الرشاد ... خرهم لما هدها التعادي

فأشرف روادهم - وهم المتقدمون منهم لطلب الماء - على الوادي، فنظروا الطير ترتفع وتنخفض، فهبطوا الوادي ونظروا إلى العريش على الربوة الحمراء، وفيها هاجر وإسماعيل، وقد زمت حول الماء بالأحجار ومنعته من الجريان، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله أمنا هاجر، لولا أنها بخلت ومنعت ماء زمزم من أن يجري بما حؤطت حوله من الأحجار لجري الماء على وجه الأرض. فسلم الرؤاد عنيها، واستأذنوها في نزولهم وشربهم من الماء، فأنست إليهم، وأذنت لهم في النزول، فتلقوا من كان وراءهم من أهليهم، وأخبروهم خبر الماء، فنزلوا الوادي مطمئنين، مستبشرين بالماء، وبما أضاء الوادى من نور النبوة وموضع البيت الحرام، فرحين، وعيل إسماعيل، وتكلم إسماعيل بالعربية خلاف لغة أبيه.

وقد ذكرنا في هذا الكتاب وغيره ما قاله الناس في ذلك من قحطان ونزار وتزوج إسماعيل بالجداء بنت سعد العملاقي.

** زيارة إبراهيم الأولى لابنه **

وقد كان إبراهيم استأذن سارة في زيارة إسماعيل، فأذنت له، فوافى مكة وإسماعيل في الصيد والرعي ومعه أمه هاجر، فسلم على الجداء بنت سعد زوجة إسماعيل، فلم ترد عليه السلام، فقال: هل من منزل؟ فقالت: لا ها الله، قال: فما يفعل رب البيت؛ قالت: هو غائب، فقال لها: إذا ورد فأخبريه أن إبراهيم يقول لك بعد مسألته عنك وعن أمك: استبدل بعتبة بيتك غيرها، وانصرف إبراهيم من فوره نحو الشام، وراح إسماعيل وهاجر، فنظر إلى الوادي قد أشرق وأنار، والغنام تتنسم الآثار، فقال لزوجته الجداء: هل كان لك بعدي من خبر؛ قالت: نعم، شيخ ورد علي، وأخبرته بالقصة، فقال: ذاك أبي خليل الرحمن، وقد أمرني بتخليك، فالحقي بأهلك، فلا خير فيك.

** نزول جرهم مكة **

وتسامعت جرهم ببني كركر ونزولهم الوادي، وما هم فيه من الخصب وإدرار الضرع، وهم في حال القحط، فبادروا نحو مكة، وعليهم الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هيني بن نبت بن جرهم، حتى أتوا الواعي، ونزلوا مكة، واستوطنوها مع إسماعيل ومن تقدمهم من العماليقه من بني كركر، وقد قيل في بني كركر: إنهم من العماليق، وقيل: انهم من جرهم، والأشهر أنهم من العماليق، وتزوج إسماعيل زوجته الثانية، وهي سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بن نبت.

** زيارة إبراهيم الثانية **

واستأذن إبراهيم سارة في زيارة إسماعيل، فاستحلفته غيرة عليه أنه إذا أتى الموضع لا ينزل من ركابه، وقد تنازع الناس على أي شيء كان ركوبه: فمنهم من قال: إنه كان راكبا على البراق، ومنهم من قال: على أتان، وقيل غير ذلك من الحيوان، فلما أتى إبراهيم الوادي سلم على زوجة إسماعيل الجرهمية، فسلمت عليه، ورحبت به وتلقته بأحسن لقاء، وسألها عن إسماعيل وهاجر، فأخبرته بخبرهما، وأنهما في رعيهما، وعرضت عليه النزول، فأبى، وقيل: إن هاجر كانت قد ماتت ولها من السن تسعون سنة، وألحت الجرهمية على إبراهيم في النزول، فأبى، فقدمت إليه لبنا وشرائح من لحم الصيد، فدعا فيه بالبركة، وجاءته بحجر كان في البيت، فمال عن ركابه، وجعلته تحت قدمه اليمنى، ثم رجلت شعره ودهنته، ثم حولت الحجر إلى شماله، فوضع رجله اليسرى عليه أيضا، ومال برأسه نحوها، فرجلته ودهنته، فأثرت قدماه في الحجر على ما وصفنا من ترتيب اليمين والشمال، فلما رأت الجرهمية ذلك أكبرت ما شاهدته، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، فقال لها إبراهيم: ارفعيه، فسيكون له شأن ونبأ بعد حين، ثم قال لها: إذا جاءك إسماعيل فقولي له: إن إبراهيم يقرأ عليك السلام ويقول لك: احتفظ بعتبة بيتك، فنعم العتبة هي، وسار إبراهيم راجعا نحو الشام.

** سر تسمية إسماعيل **

وقيل: إنما سمي إسماعيل لأن الله سمع دعاء هاجر ورحمها حين هربت من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن الله سمع دعاء إبراهيم.

وقبض إسماعيل وله مائة وسبع وثلاثون سنة ؛ فدفن في المسجد الحرام حيال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود.

** أبناء إسماعيل **

وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا ذكرا، وهم نابت، وقيدار، وأدبيل، ومبسم، و مشمع، ودوما، وعوام، ومسا، وحداد، وثيما، ويطور، ونافش وكل هؤلاء قد أنسل.

** بناء الكعبة **

وقد كان إبراهيم قدم إلى مكة ولإسماعيل ثلاثون سنة، حين أمره الله تعالى ببناء البيت، فبناه، وكان إسماعيل يأتي بالحجر من عدة جبال ذكرت، وطوله ثلاثون ذراعا، والحجر فيه وهو سبعة أفرع، وعرضه اثنان وعشرون ذراعا، وسمكه سبعة أفرع، وجعل له بابا، ولم يسقف، ووضع الركن موضعه، وألصق المقام بالبيت، وذلك قوله عز وجل: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " الآية، وأمر الله تعالى إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج.

** ولاة البيت من جرهم وأبناء إسماعيل **

ولما قبض إسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن إسماعيل، ثم قام من بعده أناس من جرهم، لغلبة جرهم على ولد إسماعيل، وكان ملك جرهم يومئذ الحارث بن مضاض، وهو أول من ولي البيت، وكان ينزل هناك في الموضع المعروف بقعيقعان في هذا الوقت، وكان كل من دخل مكة بتجارة عشرها عليه وذلك في أعلى مكة، وملك العماليق السميدع بن هو بن لاوى بن قبطور بن كركر بن حيد وكان ينزل أجيادا من أسفل مكة، وكان يعشر من دخل مكة من ناحيته، وكانت بينهم حروب، فخرج الحارث بن مضاض ملك جرهم تتقعقع معه الرماح والدرق، فسمى الموضع بقعيقعان لما ذكرنا، وخرج السميدع ملك العماليق ومعه الجياد من الخيل فعرف الموضع بأجياد إلى هذا الوقت، فكانت على الجرهميين وافتضحوا، فسمى الموضع فاضحا إلى هذا الوقت، ثم اصطلحوا ونجروا الجزر وطبخوا فسمي الموضع بطابخ إلى الآن، وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليهم، وأقاموا ولاة البيت نحو ثلثمائة سنة، وكان آخر ملوكهم الحارث بن مضاض الأصغر بن عمرو بن الحارث بن مضاض الأكبر، وزاعوا في بناء البيت، ورفعته على ما كان عليه من بناء إبراهيم عليه السلام، وبغت جرهم في الحرام وطغت، حتى فسق رجل منهم في الحرم بامرأة، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة نائلة، فمسخهما الله عز وجل حجرين صيرا بعد ذلك وثنين وعبدا تقربا بهما إلى الله تعالى، وقيل: بل هما حجران نحتا ومثلا بمن ذكرنا وسميا بأسمائهما، فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل وغير ذلك من الآفات فهلك كثير منهم، وكثر ولد إسماعيل وصاروا ذوي قوة ومنعة فغلبوا على أخوالهم جرهم وأخرجوهم من مكة، فلحقوا بجهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم، وكان الموضع يعرف بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصلت الثققي في شعر له فقال:

وجرهم دمنوا تهامة في الد ... هر فسالت بجمعهم إضم

وفي ذلك يقول الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها، فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر

وكنا لإسماعيل صهرا ووصلة ... ولما تدر فيها علينا الدوائر

وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر

فبدلنا ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر

وفيما ذكرنا من أخبارهم يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي:

وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يؤدي نذره كل محرم

سكنا بها قبل الظباء وراثة ... لها عن بني هيني بن نبت بن جرهم

وفي ذلك يقول:

كهفنا جرهم، وأية كهف ... وولاة لبيته والحجاب

فسقوا في الحرام بعدد تقاهم ... واستعاضوا العقاب بعد الثواب

ثم صارت ولاية البيت في ولد أياد بن نزار بن معد، وكانت حروب كثيرة بين مضر وأياد، وكانت لمضر على إياد، فانجلوا عن مكة إلى العراق.

وسنورد بعد هذا جملا من أخبار مكة وولد نزار وخزاعة وغيرهم.

** رواية أخرى في الولاة بمكة **

قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من الأخبار في هذا الباب من أخبار جرهم وغيرها، ووجدت في وجه آخر من الروايات أن أول من ملك من ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان مائة سنة، ثم ملك بعمده ابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة، ثم ملك بعد الحارث بن عمرو مائتي سنة، وقيل دون. ذلك، ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائتي سنة وقيل دون ذلك ثم ملك مضاض بن عمرو الأصغر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان أربعين سنة. وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.

** العماليق **

وقد كانت العماليق بغت في الأرض، فسلط الله عليهم ملوك الأرض فأفنتها، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للروم وأنسابها من ألحق ولد عملاق وغيرهم، ممن ذكرنا، بولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، وأن علماء العرب تنسبهم إلى غير هذا النسب، وهو الأشهر في الناس؛وقد رثتهم الشعراء: فقال بعض من رثاهم:

مضى آل عملاق فلم يبق منهم ... خطير، ولافو نخوة متشاوس

عتوا فأدال الله منهم، وحكمه ... على الناس هذا وعده وهو سائس

** طسم وجديس - **

وأما طسم وجديس فتفانت في نحو من سبعين سنة في البراري، بما كان بينهم من الشحناء، وطلب الرياسة، فدثروا، ولم يبق لهم باقية، فضربت بهم العرب المثل، وضربت بهم الشعراء المقال فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء ممن رثاهم في قوله:

ذويلي من جوى هم رسيس ... من الأول لطسم أو جديس

بنو عم تفانوا بالمذاكي ... وباليوم الأحم العيطموس

** أصحاب الرس **

أما الرس وأصحابه فقد قدمنا ذكرهم فيما سلف من كتبنا، وهم قوم حنظلة بن صفوان العبسي، بعثه الله إليهم فكذبوه، وقد ذكرنا من خبره لمعا، وقد قيل في أصحاب الرس أوجه كثيرة غير ما ذكرنا في هذا الكتاب، وقد ذكرت هذه القبائل في التوراة، وكل يرجع إلى ولد سام بن نوح. من بني أرم بن سام وهو من ولده عوص بن أرم، ومن ولده عابر بن أرم، ومن ولده ماش بن أرم.

** البييط **

فولد عوص عاد بن عوص، وولد عابر ثمود بن عابر، وولد ماش بن أرم نبيط بن ماش؛فسائر النبط وملوكها ترجع في أنسابها إلى نبيط بن ماش.

مساكن عاد وثمود وجديس وطسم وعيلام ونبيط

فحل عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وولده الأحقاف من بلاد حضرموت، وحل ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح وولده أكناف الحجاز، وحل جديس بن عابر بلاد جو، وهي بلاد اليمامة ما بين البحرين والحجاز، وهذا البلد في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - بيد ولد الأخيضر العلوي، وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو مجاور للبحرين، ومن فيها إلى هذا الوقت، وحل طسم بن لود بن سام بن نوح وولده اليمامة مع بني جديس، وحل عمليق بن لود بن سام بن نوح الحجاز، وقد ذكرنا ولد عيلام فيما سلف من هذا الكتاب أنهم حلوا الأهواز وفارس، وهو عيلام بن سام بن نوح، وحل نبيط بن ماش بن أرم بن سام بن نوح بابل، فغلبوا على العراق، وهم النبط، ومنهم ملوك بابل الذين قدمنا ذكرهم، وأنهم الملوك الذين عمروا الأرض، ومهدوا البلاد، وكانوا أشر ملوك الأرض، فأدال منهم الدهر، وسلبهم الملك والعز، فصاروا على ما هم عليه من الذل في هذا الوقت بالعراق وغيرها.

** دعوى الشعوبية **

وقد زعم جماعه من المتكلمين - منهم ضرار بن عمرو وثمامة بن الأشرس وعمرو بن بحر الجاحظ - أن النبط خير من العرب،لأن من جعل الله تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم منهم لم يدع أكبر شرف في الدنيا إلا وقد أعطاهم إياه، ومن لم يجعله منهم فلم ياع أكبر شرف في الدنيا إلا وقد أعراهم منه وسلبهم إياه، ولا نعمة على من جعل الله تعالى النبي عليه السلام منهم أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بلوى على من لم يجعل الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم منهم أكبر من خروج النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، إلا أنهم مع هذا كله لهم عند الله فضل ما بين النعمة والبلاء.

** الرد على الشعوبية **

قال المسعودي: ولما لم يبال من قدمنا ذكره تشريف النبط وتفضيلهم على ولد قحطان وعدنان وفيهم الفضل والشرف من النبوة والملك والعزة قال لهم المحتج عن قحطان ونزار: إذا كان النبط قد صاروا أفضل من العرب لما امتحن الله به النبط من سلبه النبوة منهم وأنعم على العرب بكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فللعرب أيضا التعلق بهذه العلة التي اعتل بها النبط، فتقول: قد صرنا بعد أفضل من النبط، لما امتحنا به من سلب ما جعل الله للنبط من الفضل في شدة امتحانهم بسلب النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، والنبط أيضا قد صاروا دون العرب، إذ للعرب من فضل النبي صلى الله عليه وسلم مما جعله الله لهم بتعريتهم من فضل النبط على شدة امتحانهم بتعرية الله إياهم من النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس للنبط، فتصير العرب أيضا خيرا من النبط، وهذا لا يصح لهم إلا كما يصح عليهم، والكلام متوتجه عليهم فيما قالوه، ومكافئ لعلتهم فيما أوردوه: من تفضيل النبط على العرب.

وقد ذكرنا تنازع الناس في الأنساب والفضل بها وبالأعمال دون الأنساب ومن قال العمل والنسب ومن قال العمل دون النسب، وما قالته الشعوبية وغيرها في كتابنا المقالات، في أصول الديانات.

وقد ذكر أبو الحسن أحمد بن يحيى في كتابه في الرد على الشعوبية عللا كثيرة، وذكر أن من اختصه الله تعالى من عباده، واصطفاه من خلقه، أذاك على طريق الثواب أم على طريق التفضيل؛ قال: إن زعم زاعم أن ذلك ثواب خرج من معقول كلام العرب ومفهوم خطابها؛لأنه لا يقال لمن أعطى الأجير أجرته ووفى العامل ثوابه: قد اختص فلان فلانا بعطيته، وإنما يقال ذلك إذا تطوع عليه بالعطية بغير عمل ومنعها غيره بغير جرم، وإن زعموا أنه تفضل قلنا لهم: فإذا جاز أن يصرف الله عز وجل رحمته إلى بعض خلقه بغير عمل استحقوها به، فلم لا يجوز أن يشرفهم بأنسابهم، وإن لم تكن الأنساب من أعمالهم. فإن قالوا: ليس من العدل أن يشرفهم بغير أعمالهم، قلنا لهم: رأيتكم إن عارضكم معارض؛فزعم أنه ليس من العدل أن يمن عليهم برحمته دون غيرهم بغير عمل كان منهم، وبغير معصية كانت من غيرهم، ماذا يكون الفصل بينكم معاشر الشعوبية وبينه، وقد أخبر الله عمن اصطفاه من خلقه فقال: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وال إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم " .

والواجب على في النسب الشريف، والمجد الرفيع، أن لا يجعل ذلك سلما إلى التراخي عن الأعمال الموافقة لنسبه، والاتكال على آبائه؛فإن شرف الأنساب يحضر على شرف الأعمال، والشريف بهذا أولى؛إذ كان الشرف يدعو إلى الشرف ولا يثبط عنه كما أن الحسن يدعو إلى الحسن ويحرك عليه وأكثر الممدوحين إنما مدحوا بأعمالهم دون أنسابهم، وهذا كثير في أشعار الناس ومنثور كل أمه م، وقد قال الشاعر في هاشم بن عبد مناف وهو إمام ذوي الأنساب:

عمر والذي هشم إلثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف

فمدحه بعمله، ولم يذكر نسبه، وإن كان شريفأ رفيعا، وإنما ينبغي لذي الأنساب أن يكونوا كما قال أخوهم وشريكهم في النسب عامر بن الطفيل:

وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والضريح المهذب

فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب

ولكننني أحمي حماها، وأتقي ... أذاها، وأرمي من رماها بمقنب

وكما قال الأخر:

لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا ... تبني، ونفعل كالذي فعلوا

** ولاية خزاعة أمر البيت **

قال المسعودي: ولما خرج عمرو بن عامر وولده من مأرب انخزع بنو ربيعه، فنزلوا تهامة، فسموا خزاعة لانخزاعهم، ولما ثارت الحرب بين أياد ومضر ابني نزار، وكانت على إياد قلعت الحجر الأسود ودفنته في بعض المواضع، فرأت ذلك امرأة من خزاعة، فأخبرت قومها، فاشترطوا على مضر أنهم إن رفوا الحجر جعلوا ولاية البيت فيهم، فوفوا لهم بذلك، ووليت خزاعة أمر البيت، وكان أول من وليه منهم عمرو بن لحي، واسم لحي حارثة بن عامر، فغير دين إبراهيم وبدله، وبعث العرب على عبادة التماثيل؛ لخبر قد ذكرناه في هذا الكتاب وغيره، حين خرج إلى الشام ورأى قوما يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنمأ فنصبه على الكعبة، وقويت خزاعة، وعم الناس ظلم عمرو بن لحي، وفي ذلك يقول رجل من جرهم كان على دين الحنيفية:

يا عمرو لا تظلم بمكة ... ؛إنها بلد حرام

سائل بعاد أين هم ... وكذاك تخترم الأنام

بني العامليق الذين ... لهم بها كان السوام

ولما أكثر عمرو بن لحي من نصب الأصنام حول الكعبة وغلب على العرب عبادتها، وانمحت الحنيفية منهم إلا لمعا، قال في ذلك شحنة بن خلف الجرهمي:

يا عمرو، إنك قد أحدثت الهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا

وكان للبيت رب واحد أبدا ... فقد جعلت له في الناس أربابا

لتعرفن بأن الله في مهل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا

وعمر عمرو بن لحي ثلثمائة سنه وخمسا وأربعين سنة.

** خصال ولاية البيت ثلاث خصال **

وكانت ولاية البيت في خزاعة وفي مضر ثلاث خصال: الإجازة بالناس من عرفة، والإفاضة بالناس غداة النحر إلى منى، فانتهى ذلك منهما إلى أبي سيارة، فدفع أبو سيارة من مزدلفة إلى منى أربعين سنة على حمار له، ولم يعتل في ذلك، حتى أدركه الإسلام، فكانت العرب تتمثل به فتقول أصح من عير أبي سيارة.

وفي أبي سيارة يقول قائلهم:

نحن دفعنا عن أبي سيارة ... حتى أفاض محرما حماره

مستقبل القبلة يدعو جاره

** النسء والنسأة **

والنسء للشهور الحرم،، وكانت النسأة في بني مالك بن كنانة، وكان أولهم أبو القلمس حذيفة بن عبد، ثم ولده قلع بن حذيفة وورد الإسلام وآخرهم أبو ثمامة، وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وأرادت الصدر اجتمعت إليه، فيقوم فيهم، فيقول: اللهم إني ؤ أحللت أحد الضفرين الصفر الأول، وأنسأت الأخر للعام المقبل، وظهر الإسلام وقد عادت الشهور الحرم إلى بدئها على ما كانت عليه في أصلها، وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وما ذكر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلي آخره، فأخبر الله عز وجل عنهم بذلك بقوله تعالى: " إنما النسىء زياد في الكفر - الآية " ، وقد فخر بذلك عمير بن قيس بن جذل الطعان فقال:

ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما؟

** ولاية البيت تؤول إلى قصى بن كلاب **

وقد كان قصى بن كلاب بن مرة تزوج ابنة حليل، وحليل هو آخر من ولي البيت من خزاعة، وقد كان عمرو بن لحي - حين عمر ما ذكرنا من السنين - مات وله من الولد وولد الولد ألف، ولما حضرت حليلا الوفاة - وهو آخر من ولي البيت من خزاعة - وقد كان عمرو على ما ذكرنا جعل ولاية البيت إلى - ابنته زوج قصى بن كلاب، فقيل له: إنها لا تقوم بفتح الباب وغلقه، فجعل ولاية البيت إليها، وفتح الباب وغلقه إلى رجل من خزاعة يعرف بأبي غبشان الخزاعي، فباعه أبو غبشان إلى قصي ببعير وزق خمرة فأرسلت العرب ذلك مثلا، فقالت أخسر من صفقة غبشان وفي بيعه لولاية البيت ببعير وزق من الخمر ونقله ولاية البيت من قومة من خزاعة إلى قصي بن كلاب، يقول الشاعر:

أبو غبشان أظلم من قصي ... وأظلم من بني فهر خزاعه

فلا تلحوا قصيا في شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه

وقال في ذلك آخر:

إذا افتخرت خزاعة في قديم ... وجدنا فخرها شرب الخمور وباعت كعبة الرحمن جهرا ... بزق، بئس مفتخر الفخور

وقد كانت ولاية البيت في خزاعة ثلثمائة سنة، واستقام أمر قصي، وعشرا على من دخل مكة من غير قريش، وبني الكعبة، ورتب قريشا على منازلها في النسب بمكة وبين الأبطحيئ من قريش، وهم الأباطح، وجعل الظاهري ظاهريا.

** قريش البطاح **

وقريش البطاح: هي قبائل عبد مناف، وبني عبد الدار، وبني عبد العزي بن قصي، وزهرة، ومخزوم، وتيم بن مرة، وجمح، وسهم.، وعلي، وهم لعقة الدم، وبنو عتيك بن عامر بن لؤي.

** قريش الظواهر **

وقريش الظواهر: بنو محارب، والحارث بن فهر، وبنو الأعرم بن غالب بن فهر، وبنو هصيص بن عامر بن لؤي، وفي ذلك يقول ذكوان مولي عبد الدار للضحاك بن قيس الفهرى:

تطاولت للضحاك حتى رررته ... إلى نسب في قومه متقاصر

فلو شاهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر

ولكنهم غابوا وأصبحت شاهدا ... فقبحت من حامي فمار وناصر

فريقان منهم سكن بطن يثرب ... ومنهم فريق ساكن بالمشاعر

** الأحلاف والمطيبون **

والأحلاف من قريش: بنو عبد الدار بن قصي، وسهم، وجمح، وعلي، ومخزوم.

والمطيبون: بنو عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى، وزهرة، وتيم، وبنو الحارث بن لؤي.

وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعه المخزومي في امرأة:

ولها في المطيبين جدود ... ثم نالت فوائب الأحلاف

إنها بين عامر بن لؤي ... حين تدعى وبين عبد مناف

وأخذت قريش الإيلاف من الملوك، وتفسير ذلك الأمن، وتقرشت، والتقرش: الجمع، ومنه قول ابن حلزة اليشكري:

أخوة قرشوا الذنوب علينا ... في حديث من دهرنا و قديم

رحلت قريش - حين أخذ لها الإيلاف من الملوك - إلى الشام والحبشة واليمن والعراق، وفي ذلك يقول مطرود الخزاعي:

يا أيها الرجل المحؤل رحله ... هلا نزلت بآل عبد مناف

الآخذين العهد من آنافنا ... والراحلين برحلة الإيلاف

ولقريش أخبار كثيرة، وكذلك لجرهم وخزاعة وغيرهما من معد، وقد أتينا على جميعها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعا.

تنبيها بها على ما سلف، وسنورد عند ذكرنا تفرق الناس من بابل جملا من أخبار مكة وعبد المطلب والحبشة، وغير ذلك مما لحق بهذا المعنى، إن شاء الله.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com