John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر جوامع من الأخبار ووصف الأرض والبلدان وحنين النفوس للأوطان

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 28 of 107

** عمر بن الخطاب يستوصف بقاع الأرض **

ذكر ذوو الدراية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - حين فتح الله البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر، وغير ذلك من الأرض - كتب إلى حكيم من حكماء العصر: آنا أناس عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض، ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره التربة والأهوية في سكانها.

** تأثير البيئة الطبيعية **

فكتب إليه ذلك الحكيم: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله تعالى قد قسم الأرض أقساما: شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، فما تناهى في التشريق ولجج في المطلع السانح منه النور فهو مكروه لاحتراقه وناريته وحدته وإحراقه لمن دخل فيه، وما تناهي مغربا أيضا أضر سكانه، لموازاته ما أوغل في التشريق، وهكذا ما تناهى في الشمال أضر ببرده وقره وثلوجه وآفاته الأجسام فأورثها الآلام، وما اتصل بالجنوب وأوغل فيه أحرق باريته ما اتصل به من الحيوان؛ ولذلك صار المسكون من الأرض جزءا يسيرا، ناسب الاعتدال، وأخذ بحظه من حسن القسمة، وسأصف لك - يا أمير المؤمنين - القطع المسكونة من الأرض.

** الشام **

أما الشام فسحب وآكام، وريح وغمام، وغدق وركام، ترطب الأجسام، وتولد الأحلام، وتصفي الألوان، لا سيما أرض حمص فإن تحسن الجسم، وتصفي اللون، وتبلد اللهم، وتنزح غوره، وتجفي الطبع، وتذهب بماء القريحة، وتنصب العقول، والشام - يا أمير المؤمنين، وإن كانت على ما وصفت لك - فهي مسرح خصب، ووابل سكب، كثرت أشجاره، واطردت أنهاره، وغمرت أعشاره، وبه منازل الأنبياء، والقدس المجتبى، وفيه حل أشراف خلق الله تعالى من الصالحين والمتعبدين، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين.

** مصر **

وأما أرض مصر فأرض قوراء غوراء، ديار الذراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذمها أكثر من حمدها، هواؤها راكد، وحرها زائد، وشرها وارد، تكدر الألوان، وتخبب الفطن وتكثر الإحن وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد والأموال، ومغارس الغلات، غير أنها تسمن الأبدان وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن؛ لترادف فتنها، واتصال شرورها.

** اليمن **

وأما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب الأحلام، ويذهب بالرطوبة، في أهله همم كبار، ولهم أحساب وأخطار، مغايضه حصبة، وأطرافه جدبة، وفي هوائه انقلاب، وفي سكانه اغتيال، وبهم قطعة من الحسن، وشعبة من الترفه و فقرة من الفصاحة.

** الحجاز **

وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم، هواؤه حرور، وليله بهفور، ينحف الأجسام، ويجفف الأدمغة، ويشجع القلوب، ويبسط الهم، ويبعث على الإحن وهو بلد محل قحط جدب ضنك.

** المغرب **

وأما المغرب فيقسي القلب، ويوحش الطبع، ويطيش اللب ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غدمر، ولهم خبث ومكر، ديارهم مختلفة، وهممهم غير مؤتلفة، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم، وخطب جسيم، من أمر يظهر، وأحوال تبهر.

** العراق **

وأما العراق فمنار الشرق، وسرة الأرض وقلبها، إليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فصفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتدت خواطرهم، واتصلت مسراتهم، فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم، وقلب الأرض العراق وهو المجتبى من قديم الزمان وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة؛لصفاء جوهره، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به.

** الجبال **

وأما الجبال فتخشن الأجسام وتغلظها، وتبلد الأفهام وتقطعها، وتفسد الأحلام، وتميت الهمم؛لما هي عليه من غلظ التربة، ومتانة الهواء، وتكاثفه، واختلاف مهابه، وسوء متصرفاته.

والأخلاق والصور - يا أمير المؤمنين - تناسب البلد وتحاذيه، وتقاربه، وتوافقه وتضاهيه، وكل بلد اعتدل هواؤه، وخف ماؤه، ولطف غذاؤه - كانت صور أهله وخلائقهم تناسب البلد وتحاذيه، وتشاكل ما عليه أركانه، وما أسس عليه بنيانه وكل بلد يزول عن الاعتدال، انتسب أهله إلى سوء الحال.

** خراسان **

وأما خراسان فتكبر الهام؛ وتعظم الأجسام؛ وتلطف الأحلام، ولأهلها عقول وهمم طامحة؛ وفيهم غوص وتفكير؛ ورأي وتقدير.

** فارس **

وأما بلد فارس فخصب الفضاء، رقيق الهواء، متراكم الماء، معتم بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهله شح، ولهم خب ؛ وغرائزهم سيئة، وهمهم دنيئة، وفيهم مكر وخداع.

** خوزستان **

وأما بلاد خوزستان فهي كدرة الأهواء، تفسد الأحلام، وتبلد الإفهام، وتخبث الهمم، وتستأصل الكرم، يساق أهله سوق الأنعم، وهم الهمج الطغام.

** الجزيرة **

وأما أرض الجزيرة فتناسب البر بالهواء اللطيف، وفيها خصب وسرج، ولأهلها بأس ومراس.

والبر - يا أمير المؤمنين - أفضل قطع الأرض وأسناها، وأشرفها وأعلاها، نحو الأنجاد والتهائم، لحماية الهواء الأقذاء عن سكانه، ودفعه الآفات عن قطانه، وسماحة المثوى، وتهذيب الماء، وصحة المتنسم، وارتفاع الأكدار، وذهاب الأضرار. واعلم - يا أمير المؤمنين - أن الله تبارك وتعالى قسم الأرض أقساما فضل بعضها على بعض، فأفضل أقس أمه ا العراق، فهو سيد الآفاق، وقد سكنه أجيال وأمم ذوو كمال.

** الهند والصين **

وأما الهند والصين وبلاد الروم فلا حاجة بي إلى وصفها لك، لأنها منازل شاسعة، وبلدان نائية، كافرة طاغية.

وفي الذي ذكرته لك ما أشفى بك إلى ما شفرت إلى علمه، وكل ما وصفته في هذه البلدان فهو الأعم من أمور أهلها، والأغلب على أحوالهم، فإن وجد فيهم أحد بخلاف ذلك فهو النادر يا أمير المؤمنين، والحكم في ذلك للأغلب.

** كعب الأحبار يصف لعمر العراق **

قال المسعودي: وذكر جماعة من أهل العلم بالسير والأخبار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد الشخوص إلى العراق - حين بلغه ما عليه الأعاجم من الجمع ببلادهم - سأل كعب الأحبار عن العراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لما خلق الأشياء ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: أنا لا حق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك، فقال المال: وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك، فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز فقالت القناعة: وأنا معك فقال الشقاء: وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك.

** وصف إقليم بابل وحنين المؤلف إليه **

قال المسعودي: وأوسط الأقاليم الإقليم الذي و لدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا، وهو إقليم بابل، وقد كان هذا الإقليم عند ملوك الفرس جليلا، وقدره عظيما، وكانت عنايتهم إليه مصروفة، وكانوا يشتون بالعراق، وأكثرهم يصيفون بالجبال، وينتقلون في الفصول إلى الصرود من الأرض والحرور، وقد كان أهل المروءات في الإسلام كأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي وغيره يشتون في الحرور، وهو العراق، ويصيفون في الصرود، وهي الجبال، وفي ذلك يقول أبو دلف:

وإني امرؤ كسروي الفعال ... أصيف الجبال وأشتو العراقا

وذلك لما خص به هذا الإقليم من كثرة مرافقه، واعتدال أرضه، وغضارة عيشه، ومادة الوافدين إليه، وهما دجلة والفرات، وعموم الأمن فيه، وبعد الخوف عنه، وتوسطه الأقاليم السبعة، وقد كانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من الجسد؛لأن أرضه من إقليم بابل الذي تشعبت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يقع ذلك عن القلب، وبذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجس أمه م، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة، وغلظ البربر، ومن جفا من الأمم، واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، وكما اعتدلوا في الجبلة وكذلك لطفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن اللأمور، وأشرف هذا الإقليم مدينة السلام، ويعز علي ما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا، وفي قاعته تجمعنا، لكنه الزمن الذي شيمته التشتيت، والدهر الذي من شروطه الإبانة ولقد أحسن أبو دلف العجلي حيث يقول:

أيا نكبة الدهر التي طوحت بنا ... أيادي سبا في شرقها والمغارب

قفي بالتي نهوى فقد طرت بالتي ... إليها تناهت راجعات المصائب

** الحنين إلى الأوطان **

وقد ذكر الحكماء - فيما خرجنا إليه من هذا المعنى - أن من علامة وفاء المرء ودوا أم عهده حنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، وأن من علامة الرشد أن تكون النفوس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تؤاقة، وللإلف والعادة قطع الرجل نفسه لصلة وطنه.

وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقس أمه م أقنع منهم بأوطانهم، وقاد بعض حكماء العرب: عمر الله البلدان بحب الأوطان، وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة والديك؛ لأن غذاعك منهما، وغذاءهما منه، وقال آخر: أولى البلدان بصيانتك بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاعه، وقال آخر: ميلك إلى موضع مولدك من كرم محتدك، وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها، وتنزع إلى غذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببلل الأرض. وللنفوس في علة حنينها إلى الأوطان كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتابنا المترجم بسر الحياة وفي كتاب طب النفوس.

** فضل علم الأخبار **

ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر لبطل أول العلم، وضاع آخره؛ إذ كان كل علم من الأخبار يستخرج وكل حكمة منها تستنبط والفقه منها يستثار والفصاحة منها تستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجون ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكأرم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس، وكل غريبة منها تعرف، وكل عجيبة منها تستطرف، وهو علم يستمتع بسماعه العالم والجاهل، ويسعذب موقعه الحمق والعاقل، ويأنس بمكانه وينزع إليه الخاصى والعامي، ويميل إلى رواياته العربي والعجمي.

** فضل الكتاب **

وبعد؛فإنه يوصل به كل كلام، ويتزين به في كل مقام، ويتجمل به في كل مشهد، ويحتاج إليه في كل محفل، ففضيلة علم الأخبار بينة على كل علم، وشرف منزلته صحيح في كل فهم، فلا يصبر على فهمه وتيقن ما فيه، وإيراده وإصداره إلا إنسان قد تجرد له، وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستسفر من غرره ونال من سروره، وقد قالت الحكماء: الكتاب نعم الجليس، ونعم الذخر، إن شئت ألهتك نواد رده، وأضحكتك بوادره، وإن شئت أشجتك مواعظه، وإن شئت تعجبت من غرائب فوائدة، وهو يجمع لك الأول والأخر والغائب والحاضر والناقص والوافر والشاهد والغائب والبادي والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء وهو مؤنس ينشط بنشاطك، وينام بنومك، ولا ينطق معك إلا بما تهوى، ولا نعلم جارأ أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا اظهر كفاية، وأقل خيانة، ولا أجدى نفعا، ولا أحمد أخلاقا ولا أقل خلافأ ولا أعوم سرورا، ولا أسكت غيبة، ولا أحسن موافاة ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤنه منه إن نظرت إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأيد فهمك، وأكثر علمك، وتعرف منه في شهر، ما لا تأخذه من أفواه الرجال في دهر،. ويغنيك عن كد الطلب، وعن الخضوع لمن أنت أثبت منه أصلا، وأسمح فرعا، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المائدة، لم يقطع عنك الفائدة، وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر، وقد قال الله تبارك وتعالى: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم،الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم " فوصف عن نفسه أنه علم بالقلم كإخباره عن نفسه بالكرم، وفي ذلك يقول بعض أهل الأدب:

لما علمت بأني لست أعجزهم ... فوتا ولا هربا قدمت أحتجب

فصرت بالبيت مسرورا به جذل ... ا حاوي البراءة لا شكوى ولا شغب

فردا يحدثني حقا و ينطق لي ... عن علم ماغاب عني منهم الكتب

المؤنسون هم اللائي عنيت بهم ... فليس لي في جليس غيرهم أرب

لله در جليسي اجليسهم ... فذا عشيرهم للسوء يرتقب

وقد كان عبد الله بن عبد - العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس، ونزل مقبرة، وكان لا يرى إلا وفي يده كتاب يقرؤه، فسئل عن ذلك، فقال: لم أر واعظا أوعظ من قبر، ولا ممتعا أمتع من كتاب، ولا شيئا أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء،فقال: ما أفسدها للجاهل وقد قال بعض الشعراء فيمن يجمع الكتب ولا يعلم ما فيها:

زوامل للأسفار لا علم عندم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يمري البعير إذا غدا ... بأحمله أو راح ما في الغرائر

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com