Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر اليمن وأنسابها وما قاله الناس في ذلك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 30 of 107
اختلف الناس في أنساب قحطان؛ فحكى هشام بن الكلبي عن أبيه والشرقي بن القطامي أنهما كانا يذهبان إلى أن قحطان بن الهميسع بن نبت - وهو نابت - بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ويحتجان لذلك بوجوه من الأخبار. ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه هشام عن أبيه عن ابن عباس، ورواه الهيثم عن الكلبي عن أبي صالح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على فتية من الأنصار يتناضلون، فقال. ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميأ، ارموا وأنا مع ابن الأعرع رجل من خزاعة، فرمى القوم نبالهم. وقالوا: يا رسول الله، من كنت معه فقد نضل !! فقال ارموا وأنا معكم جميعأ.
قال المسعودي: وسائر ولد قحطان من حمير وكهلان يأبى هذا القول وينكره وقد ثبت أن قحطان يقطن، وإنما عرب فقيل له: قحطان.
وحكي ابن الكلبي، أن اسم يقطن في التوراة الجبار بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح، والواضح، من أنساب اليمن، وما تدين به كهلان وحمير ابنا قحطان إلى هذا الوقت قولا وعملا، وينقله الباقي عن الماضي والصغير عن الكبير والذي وجدت عليه التواريخ القديمة للعرب وغيرها من الأمم، وعليه وجدت الأكثر من شيوخ ولد قحطان من حمير وكهلان بأرض اليمن والتهائم والأنجاد وبلاد حضر موت و الأحقاف وبلاد عمان وغيرها من الأمصار أن الصحيح في نسب قحطأن أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن سالم - وهو قينان - ابن إرفخشذ بن سام بن نوح، وقد كان لعابر ثلاثة أولاد: فالغ، وقحطان، وملكان، والخضر عليه السلام من ولد ملكان في قول كثير من الناس، وولد لقحطان أحد وثلاثون ذكرا، و أمه م حي بنت روق بن قزارة بن منقذ بن سويد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، فولد قحطان يعرب بن قحطان، وولد يعرب يشجب، وولد يشجب ولدين، أحدهما عبد - وهو سبأ بن يشجب - وإنما سمي سبأ لسبيه السبايا، فولد سبأ حمير وكهلان ابني سبأ، والثاني لم يعقب، وإنما العقب من ولد هذين - وهما حمير وكهلان؛فهذا المتفق عليه عند أهل الخبرة بهما، والمتيقن لديهم.
وكان الهيثم بن عمي الطائي ينكر أيضا أن يكون قحطان من ولد إسماعيل، وإنما إسماعيل تكلم بلغة جرهم؛ لأن إسماعيل كان سرياني اللسان على لغة أبيه خليل الرحمن حين أسكنه هو و أمه هاجر بمكة على ما ذكرنا، فصاهر جرهم، ونشأ على لغتها، ونطق بكل أمه ا وقفا في مراده خطابها. ونزار تأبى أن يكون إسماعيل نشأ على لغة جرهم، ويقولون: إن الله عز وجل أعطاه هذه اللغة، وذلك أن إبراهيم خلفه هو و أمه هاجر، وإسماعيل ابن ست عشرة سنة، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، في واد غير ذي زرع، ولا أنيس، فحفظها الله تعالى، وأتبع لها زمزم، وعلم إسماعيل هذه اللغة العربية.
قالوا: ولغة جرهم غير هذه اللغة، ووجدنا لغة ولد قحطان بخلاف لغة ولد نزار بن معد، فهذا يقضي بإبطال قول من قال: إن إسماعيل أعرب بلغة جرهم، ولو وجب أن يكون إسماعيل إنما كان عربي اللسان لأجل جرهم ونشئه فيها لوجب أن تكون لغته موافقة للغة جرهم، أو لغير ممن نزل مكة، وقد وجدنا قحطان سرياني اللسان، وولده يعرب بخلاف لسانه، وليس منزلة يعرب عند الله أعلى من منزلة إسماعيل، ولا منزل قحطان أعلى من منزلة إبراهيم خليل الرحمن فيمنع إسماعيل فضيلة اللسان العربي التي أعطيها يعرب بن قحطان.
ولولد نزار وولد قحطان خطب طويل ومناظرات كثيرة لا يأتي علي كتابنا هذا، في التنازع والتفاخر بالأنبياء والملوك، وغير ذلك مما قد أتينا على ذكر جمل من حجاجهم وما أدلى به كل فريق منهم ممن سلف وخلف، وكذلك مناظرات السودان والبيضان والعرب والعجم ومناظرات الشعوبية في كتابنا أخبار الزمان.
وزعم الهيثم بن عدي أن جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن هو قحطان وتأول الهيثم قول النبي صلى الله عليه وسلم - حين قال للرماة من الأنصار، ارموا يا بني إسماعيل - أنه عليه السلام نسبهم إلى إسماعيل من جهة ال أمه ات، وما نالهم من الولادات من ولد إسماعيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيل نسبا قد ثبت، ولا يثبت نسب قوم إلى غير آبائهم، وقد نقلوا ذلك قولا وعملا وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله من مراد عن سبأ: أرجلا كان أو امرأة أو واديا أو جبلا. فقال له: كان رجلا، ولد له عشرة فتشاءم أربعة وتيامن ستة: فالذين تشاءموا لخم وجذام وعاملة وغسان، والذين تيامنوا حمير والأزد ومذحج وكنانة والأشعريون وأنمار الذين هم بجيلة وخثعم.
وقال أبو المنذر: هو أنمار بن إياد بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
قال المسعودي: وقد تنوزع في نسب أنمار؛فذهب الأكثر إلى أن أنمارا وإيادا وربيعه ومضر بنو نزار بن معد بن عدنان، وإنما دخلوا في اليمن فأضيفوا إليهم، وما ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تيامن وتشاءم فمن أخبار الآحاد، وليس مجيئه مجيء الاستفاضة التي يقطع بها العذر ويثبت بها الحكم.
وللناس في هؤلاء كلام كثير، وقد ذكر هشام عن أبيه الكلبي قال: كان يقال لسائر ولد سبأ السبئيون، ولم تكن لهم قبائل تجمعهم دون سبأ.
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر طريفة الكاهنة، وخبر عمران الكاهن، وهو أخو عمرو بن عامر، وأخبار العرم والسيل، وما كان من كهانتهما في أمر السد وسيل العرم، وتفرق القبائل من مأرب، ومن لحق بعمان وشنوءة والسراة والشام وغير ذلك من بقاع الأرض.