Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر اليمن وملوكها ومقدار سنيها
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 31 of 107
أول من يعد من ملوك اليمن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسمه عبد شمس، وقد أخبرنا فما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا لأية علة سمي سبأ على ما قيل، والله أعلم، وكان ملكه أربعمائة سنة وأربعا وثمانين سنة.
** حمير **
ثم ملك بعده ولده حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان أشجع الناس في وقته، وأفرسهم، وأكثرهم جمالا، وكان ملكه خمسين سنة وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: أقل وكان يعرف بالمتوج وكان أول من وضع على رأسه تاج الذهب من ملوك اليمن.
** كهلان **
ثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ، فطال عمره، وكبر سنه واستقامت له الأمور، وكان ملكه ثلثمائة سنة، وقيل غير ذلك.
ثم عاد الملك بعد أن هلك كهلان إلى ولد حمير؛لأخبار يطول ذكرها، وتنازع في الملك بين ولد حمير. وكهلان.
** عمرو بن سبأ **
ثم ملك أبو مالك عمرو بن سبأ، واتصل ملكه، وغمر الناس عدله وشملهم إحسانه، وكان ملكه ثلثمائة سنة.
** قول آخر **
وقيل: إن أول من ملك بعد كهلان الرائش، وهو الحارث بن شداد.
ثم ملك جبار بن غالب بن زيد بن كهلان، فكان ملكه عشرين ومائة سنه. ثم ملك بعده الحارث بن مالك بن إفريقس بن صيفي بن يشجب بن سبأ، وكان ملكه مائة سنة ونحو أربعين سنة، وقيل: إن هذا الملك هو أبرهة بن الرائش المعروف بذي المنار.
** جماعة من ملوك اليمن **
ثم ملك بعده الرائش بن شداد بن ملظاظ، وكان ملكه مائة وخمسا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو ذو المنار، وكان ملكه مائة وثمانين سنة.
ثم ملك بعده أفريقس بن أبرهة، فكان ملكه مائة وأربعا وستين ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة.
ذو الأذعار
ثم ملك بعده الهداهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وقد تنوزع في مقدار ملكه؛فمنهم من رأى أنه عاش عشر سنين، ومنهم من ذكر سبعا، ومنهم من قال: ستا.
** تبع الأول **
ثم ملك تبع الأول، وكان ملكه أربعمائة سنة، وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته، وقيل غير ذلك، والأشهر ما قدمنا.
** بلقيس وسليمان **
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، وكان لمولدها خبر ظريف ذكرته الرواة فميا روي أنه تصور لأبيها في بعض قنصه حيتان سوداء وبيضاء فأمر بقتل السوداء منهما،؛وما ظهر له بعد ذلك من شيخ وشاب من الجن، وأن الشيخ زوجه بابنته، واشترط عليه شروطا لها، فعلقت منه ببلقيس، ونقض تلك الشروط المأخوذة عليه لها، فغابت عنه، في خبر ظريف، وهو موجود في كتاب أخبار التبابعة.
وإنما نحكي هذه الأخبار على حسب ما وجدناه في كتب الأخباريين وعلى حسب ما توجبه الشريعة والتسليم لها، وليس. قصدنا من ذلك وصف أقاويل أصحاب القدم، لأنهم ينكرون هذا ويمنعونه، وإنما نحكي في هذا الكتاب أقاويل أصحاب الحديث المنقادين للشرع والمسلمين للحق، وأخبار الشياطين على حسب ما نطق به الكتاب المنزل على النبي المرسل، وما قارن ذلك من الدلائل الدالة على صدقه صلى الله علية وسلم، وإعجاز الخليقة أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وكان ملك بلقيس عشرين ومائة سنة، وكان من أمرها مع سليمان عليه السلام ما ذكر الله عز وجل في كتابه، وما اقتص من خبر الهدهد، وما اقتص من أمرهما، فملك سليمان اليمن ثلاثا وعشرين سنة.
** بقية ملوك اليمن **
ثم عاد بعد ذلك الملك إلى حمير؛فملكهم ناشر النعم بن عمرو بن يعفر وكان ملكه خمسا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده شمر بن إفريقس بن أبرهة، فكان ملكه ثلاثا وخمسين ثم ملك بعده تبع الأقرن بن شمر، فكان ملكه مائة وثلاثأ وستين سنه.
ثم ملك بعده كليكرب بن تبع وكان ملكه مائة سنة وعشرين سنة، وسير قومه نحو الشرق من بلاد خراسان والتبت والصين وسجستان.
ثم ملك بعده حسان بن تبئع، فاستقام له الأمر، ثم وقع بعد ذلك في ملكه تنازع وخلاف، وكان ملكه إلى أن قتل خمسا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده عمرو بن تبع، وهو القاتل لأخيه حسان الملك الماضى، وكان ملكه أربعا وستين سنة، و لقال: انه عدم النوم، لما كان من فعله من قتل أخيه.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن كليكرب، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه من كان معه من أخبار اليهود، فكساها القصب اليماني، وسار نحو اليمن وقد تهود وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام، وكان ملكه نحو مائة سنة.
ثم ملك عمرو بن تبع بعد تفرق وتنازع كان بينهم في الملك، خلع عن الملك وملكوا عليهم مرثد بن عبد كلال، وكان في اليمن تنازع وحروب، وكان ملكه أربعين سنة.
ثم ملك بعده وليعة بن مرثد، وكان تسعا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح بن وليعة بن مرثد، وهو الذي يدعى شيبة الحمد، وكان ملكه ثلاثا وتسعين سنة، وقيل: أقل من ذلك، وكان علامة وله سير مدونة.
ثم ملك بعده عمرو بن ذي قيفان، وكان ملكه سبع عشرة سنة.
ثم ملك بعده ذو شناتر، ولم يكن من أهل بيت الملك، فغري بالأحداث من أبناء الملوك، وطالبهم بما تطالب به النسوان، وأظهر الفسق باليمن واللواط، وعدل مع ذلك في الرعية، وأنصف المظلوم، وكان ملكه ثلاثين سنة، وقيل: تسعا وعشرين سنة، وقتله يوسف ذو نواس، وكان من أبناء الملوك، خوفا على نفسه، وأنفة أن يفسق به. ثم ملك بعده يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبع الأصغر بن حسان بن كليكرب، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الموضع من كتبنا، وما كان من أمره مع أصحاب الأخدود، وتحريقه إياهم بالنار، وهم الذين خبر الله تعالى عنهم في كتابه فقال: " قتك أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود " و إليه عبرت الحبشة من بلاد ناصع والزيلع، وهو ساحك الحبشة على حسب ما ذكرنا، إلى بلاد غلافقة من ساحل زبيد من أرض اليمن، فغرق يوسف نفسه بعد حروب طويلة خوفا من العار؛ وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة، وقيل أقل من ذلك، وذلك أن النجاشي ملك الحبشة لما بلغه فعل ذي نواس بأتباع المسيح عليه السلام، وما يعذبهم به من أنواع العذاب والتحريق بالنار بعث إليه الحبشة وعليهم أرباط بن أصحمة فملك اليمن عشرين سنة.
** أبرهة أبو يكسوم **
ثم وثب عليه أبرهة الأشرم أبو يكسوم فقتله وملك اليمن، فلما بلغ ذلك من فعله إلى النجاشي غضب عليه، وحلف بالمسيح أن يجزا ناصيته، ويريق دمه، ويطأ تربته - يعني أرض اليمن - فبلغ ذلك أبرهة فجز ناصيته وجعلها حق من العاج، وجعل من دمه في قارورة، وجعل من تراب اليمن في جراب، وأنفذ ذلك إلى النجاشي ملك الحبشة، وضم إلى ذلك هدايا كثيرة وألطافا، وكتب إليه يعترف بالعبودية، ويحلف له بدين النصرانية أنه في طاعته، وأنه بلغه أن الملك حلف بالمسيح أن يجز ناصيته ويريق دمه ويطأ أرضه، وقد أنفذت إلى الملك ناصيتي فليجزها بيده، وبدمي في قارورة فليهرقه، وبجراب من تربة بلادى فليطأ بقدميه، وليطفئ الملك عني غضبه، فقد أبررت يمينه، وهو على سرير ملكه، فلما وصل ذلك إلى النجاشي استصوب رأيه، واستحسن عقله، وصفح عنه وكان ذلك في ملك قباذ ملك فارس.
وأبرهة أبو يكسوم هو الذي سار بأصحاب الفيل إلى مكة لإخراب الكعبة، وذلك لأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنو شروان، فعدل إلى الطائف فبعثت معه ثقيف بأبي رغال ليدله على الطريق السهل إلى مكة، فهلك أبو رغال في الطريق بموضع يقال له المغفس بين الطائف ومكة، فرجم قبره بعد ذلك والعرب تتمثل بذلك وفي ذلك يقول جرير بن الخطفي في الفرزدق.
إذا مات الفرز دق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال
وقال المسعودي رحمه الله، وقيل: إن أبا رغال وجهه صالح النبي صلى الله علية وسلم على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه ثقيف - وهو قيس بن منبه - فقتله قتلة شنيعة لسوء سيرته في أهل الحرم،فقال غيلان بن سلمة وذكر قسوة أبيهم ثقيف على أبي رغال نحن قسي وقسا أبونا وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
نفوا عن أرضهم عدنان طرا ... وكانوا للقبائل قاهرينا
وهم قتلوا الرئيس أبارغال ... بمكة إذ يسوق بها الوضينا
وفي ذلك يقول عمرو بن دراك العبدي:
تراني إن قطعت حبال قيس ... وخالفت المرور على تميم
لأعظم فجرة من أبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم
وقال مسكين الدأرمي:
وأرجم قبره في كل عام ... كرجم الناس قبر أبي رغال
وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب قصه الحبشة وورودهم الحرم وما كان من أمرهم في ذلك.
قال: وفي طريق العراق إلى مكة - وذلك بين الثعلبية والهبير نحو البطان - موضع يعرف بقبر العباعي، ترجمه المارة إلى هذه الغاية كما ترجم قبر أبي رغال، وللعباعي خبر ظريف قد أتينا على ذكره في كتاب أخبار الزمان وفي كتاب حدائق الأذهان وفي أخبار أهل البيت رضي الله عنهم.
فكان ملك أبرهة على اليمن إلى أن هلك بعد أن رجع من الحرم وقد حسقطت أنامله وتقطعت أوصاله حين بعث الله عليه الطير الأبابيل ثلاثا وأربعين سنة.
وكان قدوم أصحاب الفيل مكة يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثلاثين سنة للاسكندر وست عشرة سنة ومائتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة الغدر.
وسنذكر بعد هذا في الموضع المستحق له من هذا الكتاب جملا من تاريخ العالم وتاريخ الأنبياء والملوك، في باب نفرده لذلك إن شاء الله تعالى.
ثم ملك اليمن بعد أبرهة الأشرم ولده يكسوم، فعم أذاه سائر اليمن، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة.
** مسروق بن أبرهة **
ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، فاشتدت وطأته على اليمن، وعم أذاه ساير النأس، وزاد على أبيه وأخيه في الذي، وكانت أمه من آل ذى يزن، وكان سيف بن ذي يزن قد ركب البحار، ومضى إلى قيصر يستنجلى، فأقام ببابه سبع سنين، فأبى أن ينجد، وقال: أنتم يهود، والحبشة نصارى، وليس في الديانة أن ننصر المخلاف على الموافق، فمضى إلى كسرى أنو شروان فاستنجده ومت إليه بالقرابة، وسأله النصرة، فقال له كسرى: وما هذه القرابة التي أدليت بها إلي؟؛ فقال: أيها الملك الجبلة وهي الجلدة البيضاء ؛إذ كنت أقرب إليك منهم، فوعده أنو شروان بالنصرة على السودان وشغل بحرب الروم وغيرها من الأمم، ومات سيف بن ذي يزن، فأتى يعلى معد يكرب بن سيف، فصاح على باب الملك، فلما سئل عن حاله، قال: لي قبل الملك ميراث، فوقف بين يدي أنو شروان، فسأله عن ميراثه، فقال: أنا ابن الشيخ الذي وعده الملك بالنصرة على الحبشة، فوجه معه وهرز إصبهبذ الديلم في أهل السجون، فقال " إن فتحوا لنا، وإن هلكوا فلنا، وكلا الوجهين فتح، فحملوا في السفن في دجلة ومعهم خيولهم، وعددهم وأموالهم، حتى أتوا أبلة البصرة - وهي فرج البحر، ولم يكن حينئذ بصرة ولا كوفة، وهذه مدن إسلامية - فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضر موت بموضع يقال له مثوب، فخرجوا من السفن، وقد كان أصيب بعضهم في البحر، فأمرهم وهرز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت، ولا وجه يؤملون المفر إليه فيجهدون أنفسهم، وفي ذلك يقول رجل من حضر موت:
أصبح في مثوب ألف في الجنن ... من رهط ساسان ورهط مهرسن
ليخرجوا السودان من أرض اليمن ... دلهم قصد السبيل ذويزن
في شعر له طويل،، ونما خبرهم إلى ملك اليمن مسروق بن أبرهة، فأتاهم في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير - وكهلان ومن سائر من سكن اليمن من الناس وتصاف القوم، وكان مسروق على فيل عظيم، فقال وهرز لمن كان معه من الفرس: اصدقهم الحملة، واستشعروا الصبر، ثم تأمل ملكهم وقد نزل عن الفيل فركب جملا، ثم نزل عن الجمل فركب فرسا، ثم أنف أن يحارب على فرس فركب حمارا، استصغارأ لأصحاب السفن، فقال وهرز " ذهب ملكمه، وتنقل من كبير إلى صغير، وكان بين عيني مسروق ياقوتة حمراء معلقه - في تاجه بمعلاق من الذهب تضيء كالنار، فرمى وهرز، ورمى القوم، وقال وهرز لأصحابه: قد رميت ابن الحمارة، فانظروا إن كان القوم يجتمعون عليه ولا يتفرقون عنه فهو حي، وإن كان أصحابه يجتمعون عليه ويتفرقون عنه فقد هلك، فنظروا إليهم فرأوهم يجتمعون ويتفرقون عنه، فأخبروه بذلك، فقال: احملوا على القوم واصدقوهم فحملوا عليهم وصدقوهم؛ فانكشفت الحبشة وأخذهم السيف، ورفع رأس مسروق ورؤوس خواص الحبشة ورؤسائهم، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا، وقد كان أنو شروان أتشرط على معد يكرب شروطأ: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها وفي ذلك يقول الشاعر:
على أن ينكحوا النسوان منهم ... ولا ينكحوا في الفارسينا
وخراج يحمله إليه فتؤج وهرز معد يكرب بتاج كان معه وبدنة من الفضة ألبسه إياها، ورتبه في ملكه على اليمن، وكتب إلى أنو شروان بالفتح، وخلف هناك جماعة من أصحابه.
وكان جميع ما ملكت الأحابش اليمن اثنتين وسبعين سنة، وكان ملك مسروق بن أبرهة إلى أن قتله وهرز ثلاث سنين، وذلك لخمس وأربعين خلت من ملك أنو شروان.
وأتت معدي كرب الوفود من العرب تهنئه بالملك، فأتاه عبد المطلب وجد أمية بن أبي الصلت، وقد ذكرنا خبر عبد المطلب ووفادته على ابن ذي يزن في هذا الكتاب فيما بعد، وما قيل من الشعر وفي مسير الفرس إلى اليمن ونصرتهم على الحبشة يقول بعض أولاد فارس:
نحن خضنا البحار حتى فككنا ... حميرا من بلية السودان
بليوث من آل ساسان شوس ... يمنعون الحريم بالمران
وببيض بواتر تتلالا ... كسنا البرق في فرى الأبدان
فقتلنا مسروق إذ تاه لما ... أن تداعت قبائل الحبشان.
وفلقنا ياقوتة بين عين ... ه بنشابة الفتى الساساني وهرز الديلميئ لما رآه ... رابط الجأش ثابت الأركان
وحوينا بلاد قحطان قسرا ... ثم سرنا إلى فرى غمدان
فنعمنا فيه بكل سرور و ... منناعلى بني قحطان
وفي ذلك يقول البحتري يمدح أبناء العجم، ويذكر فضل الفرس على أسلافه لأنه من قطحان:
فكم لكم من يد يزكو الثناء بها ... ونعمة ذكرها باق على الزمن
إن تفعلوها فليست بكر أنعمكم ... ولا يد كأياديكم على اليمن
أيام جلى أنو شروان جدكم ... غيابة الذل عن سيف بن ذي يزن
إذ لا تزال خيول الفرس دافعة ... بالضرب والطعن عن صنعا وعن عدن
أنتم بنو المنعم المجميع وخن بنو ... من فاز منكم بفضل الطول والمنن
** وفود العرب تهنئ معد يكرب **
قال المسعودي: وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنيه بعود الملك إليه وأشراف العرب وزعماؤها، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، وقيل: أبو الصلت أبوه، فدخلوا إليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغمدان وهو مضمخ بالعنبر، وسواد المسك يلوح على مفرقه، بين يديه، وعلى يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك وأبناء المقاول.
** عبد المطلب يهنى الملك **
فتكلمت الخطباء، ونطقت الزعماء، وقد تقدمهم عبد المطلب بن هاشم فقال عبد المطلب: إن الله جل جلاله قد أحلك - أيها الملك - محلا رفيعا، صعبا منيعا، شامخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موضع وموطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب وربيعها الذي تخصب به، وأنت - أيها الملك - ذروة العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي تلتجئ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك، نحن أهل " حرم الله، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا، ونحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة فقال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم. قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال الملك معدي كرب بن سيف: ابن أختنا؟؛ قال: نعم، قال: أدنوه مني، فادني، " ثم أقبل عليه وعلى الوفد، فقال لهم: مرحبأ وأهلا، ونأقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكأ ربحلا، يعطي عطاء جزلا، قد سمع مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
** أبو زمعة يهنئه **
ثم قام أبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأنشأ يقول:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... في لجة البحر أحوالا وأحوال
حتئ أتنى ببني الأحرار يحملهم ... تخالهم في سواد الليل أجبال
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثال
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
ثم اطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبال
تلك المكأرم لاقعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ولمعد يكرب بن سيف بن ذي يزن كلام كثير مع عبد المطلب وكوائن أخبره بها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبدء ظهور، وحبا جميع الوفد، وانصرفوا، وقد أتينا على ما كان من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان فأغنى عن إعادته ووصفه.
** مقتل معد يكرب **
قال المسعودي: وأقام معد يكرب بن سيف بن ذي يزن ملكا على اليمن، واصطنع عبيدا من الحبشة حرابة يمشون بين يديه بالحراب، فركب في بعض الأيام من باب قصره المعروف بغمدان بمدينه صنعاء، فلما صار إلى رحبتها عطفت عليه الحرابة من الحبشة، فقتلوه بحرابهم، وكان ملكه أربع سنين، وهو آخر ملوك اليمن من قحطان، فعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكا وملكوا ثلاثة الاف سنة ومائة وتسعين سنة.
** رواية عبيد بن شرية **
قال المسعودي: وأما عبيد بن شرية الجرهمي حين وفد على معاوية، وسأله عن أخبار اليمن وملوكها وتواريخ سنيها، فإنه ذكر أن أول ملوك اليمن على حسب ما قدمنا في هذا الباب سبأ بن شجب بن يعرب بن قحطان، ملك مائة سنة وأربعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده الحارث بن شداد بن ملظاط بن عمرو، مائة وخمسا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو أبرهة ذو المنار، مائة وثلاثا وثلائين سنة.
ثم ملك بعده إفريقس بن أبرهة، مائة وأربعا وستين سنة. ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، خمسا وأربعين سنة.
ثم ملك بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو، وهو ذو الصرح، سنة.
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، سبع سنين.
ثم ملك سلمان بن داود عليهما السلام، ثلاثا وعشرين سنة، على حسب ما قدمنا من أمر بلقيس.
ثم ملك بعده رحبعم بن سليمان، سنة.
ثم رجع الملك إلى حمير، فملك من بعد رحبعم بن سليمان ناشر النعم بن يعفر بن عمرو في الأذعار، خمسا وثلاثين سنة، وقد قيل في تسميته ذا الأذعار خبر تأباه العقول، وتنكر النفوس كون مثله في العالم، ويجوز كون ذلك في المقدر وأنه إنما سمن الأذعار لأنه وصل إلى قوم في أقاصي مفاوز اليمن وأرض حضرموت مشوهي الخلقة عجيبي الصورة وجوههم في صدورهم، فلما رأى أهل اليمن ذلك أذدرهم ما شاهدوا من ذلك، وجزعت منه نفوسهم، فسمي ذا الأذعار، وقيل غير ذلك، والله أعلم بكيفيته.
ثم ملك بعده عمرو بن شمر بن إفريقس، ثلاثا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع الأقران بن عمرو، وهو تبع الأكبر، مائة سنة وثلاثا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع خمسا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع وهو تبع أبو يكرب أسعد بن ملكيكرب أربعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده كلال بن مثوب، أربعا وسبعين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع ثلثمائة سنة وستا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده مرثد، سبعا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح، ثلاثا وسبعين سنة.
ثم ملك بعده ذو شناتر بن زرعة، ويقال يوسف، ويقال: بلى أسمى عريب بن قطن، تسعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده لخنيعة، ويعرف بذي الشناتر، أربعا وثمانين سنة.
فذلك ألف وتسعمائة سنة وسبع وعشرون سنة، وإنما ذكرنا ما حكيناه عن عبيد بن شرية في ترتيب ملوكهم، وتباين تواريخ سنيهم، لنأتي على جميع ما قيل في ذلك من التنازع، والله ولي التوفيق.
** ملك فارس باليمن **
ولما قتلت الحبشة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن - على حسب ما قدمنا - في الرحبة بحرابهم كان بصنعاء خليفة لوهرز في جماعة من العجم، ممن كان ضمهم وهرز إلى معد يكرب فركب وأتى على من كان هنالك من الحبشة، وضبط البلد، وكتب بذلك إلى وهرز وهو بباب أنو شروان الملك، وذلك بالمدائن من أرض العراق، فأعلم وهرز بذلك الملك، فسيره في البر في أربعة آلاف من الأساورة، وأمره بإصلاح اليمن. وأن لا يبقى على أحد من بقايا الحبشة، ولا على جعد قطط قد شرك السودان في نسبه، فأتى وهرز اليمن، ونزل صنعاء، فلم يترك بها أحد من السودان ولا من أنسابهم، وملك أنو شروان وهرز على اليمن إلى أن هلك بصنعاء ثم ملك بعده النوشجان بن وهرز إلى أن هلك بها ثم ملك بعده رجل من فارس يقال له سبحان، ثم ملك بعده خرزاد ستة أشهر، ثم ملك بعده ابن سبحان، ثم ملك بعده المرزبان وكان من أهل بيت مملكة فارس، ثم ملك بعده خرخسرو، وكان مولده باليمن، ثم ملك بعده بآذان ساسان.
** ملك اليمن في أبناء إبراهيم **
قال المسعودي: فهؤلاء جميع من ملك اليمن من قحطان والحبشة والفرس، وقد ملك اليمن رجل من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو يعد من ملوك اليمن واسمه هنيبة بن أميم بن بدل بن مدين بن إبراهيم لخليل عليه السلام، وكان له شأن عظيم في ملك اليمن؛وطالت أي أمه ، وذكره امرؤ القيس في شعره فقال:
هنيبة الذي زادت قواه ... على زيد أن إذ حان الزول
تمكن قائما وبنى طريقا ... إلى زيدان أعيط لا ينال
ويقال: إ نه منتبه بن أميم بن بدل بن لسان بن إبراهيم الخليل.
** عاصمة اليمن **
وقد كانت ملوك اليمن تنزل بمحينة ظفار، مثل آل ذي سحر وآل ذي الكلاع وآل ذي أصبح وآل ذي يزن، إلا اليسير منهم فإنهم نزلوا غيرها وكان على باب ظفار مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود:
يوم شيدت ظفار قيل: لمن أنت؟ ... فقالت: لحمير الأخيار
ثم سيلت: من بعد ذأك؟ فقالت: ... إن ملكي للأحبش الأشرار
ثم سيلت من بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لفارس الأحرار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي إلى قريش التجار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لحمير وصحار
وقليلا ما يلبث القوم فيها ... منذ شيدت مشيدها للبوار
من أسود يلقيهم البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الديار
وهذا خبر عن ملوك تداولوها، أخبروا عن ملكهم قبل كونه، فتداولتها هذه الملوك على حسب ما وصفناه، وينتظر في المستقبل من الزمان ما ذكرنا من وقود النيران في أعالي الديار، وعند أهل اليمن ديارهم سيغلب عليها الأحابش في آخر الزمان بعد هنات وكوائن وأحداث وبعث النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اليمن عمال كسرى، ثم غلب الإسلام فظفر بحمد الله.
وقد أتينا على أخبار من ذكرن من الملوك، وسيرهم، ومطافاتهم في البلاد وحروبهم، وأبنيتهم في سائر مطافاتهم، في الكتاب الأوسط،فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
** مساحة اليمن وحدوده **
وبلد اليمن طويل عريض: حده مما يلي مكة إلى الموضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل، ومن صنعاء إلى عدن - وهو أخر عمل اليمن تسع مراحل، والمرحلة من خمسة فراسخ إلى ستة، والحد الثاني من وأدى وحا إلى ما بين مفاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة، ويلي الوجه الثالث بحر اليمن على ما ذكرنا أنه بحر القلزم والصين والهند، فجميع ذلك عشرون مرحلة في ست عشرة مرحلة.
وأسماء ملوك اليمن كذي يزن وذي نواس وذي منار وغير ذلك مضافه إلى مواضع وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغير ذلك، وهي سمات لهم تميزهم عن غيرهم، وتبين كل واحد منهم عن غيره من ملوكهم.
وإذ قد ذكرنا جوامع من أخبار اليمن وملوكها فلنذكر الآن ملوك الحيرة من بني نصر وغيرهم، للحوقهم باليمن، ثم نعقب ذلك بملوك الشام وغيرهم من الملوك، إن شاء الله تعالى.