Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر ديانات العرب وآرائها في الجاهلية وتفرقها في البلاد وخبر أصحاب الفيل وعبد المطلب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 35 of 107
** ديانات العرب في الجاهلية **
قال المسعودي: كانت العرب في جاهليتها فرقا: منهم الموحد المقر بخالقه، المصدق بالبعث والنشور، موقنا بأن الله يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا من دعا إلى الله عزوجلا ونبه أقو أمه على آياته في الفترة، كقيس بن ساعدة الإياثي ورئاب الشنيئ، وبحيرا الراهب، وكانا من عبد القيس.
وكان من العرب من أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإعادة، وأنكر الرسل، وعكف على عبادة الأصنام، وهم الذين حكى الله عز وجل قولهم: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " الآية وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها، ونحروا لها البدن، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.
ومنهم من أقر بالخالق، وكذب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى الله تعالى إلحادهم، وخبر عن كفرهم، بقوله تعالى: وقالوا: " ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر " فرد الله عليهم بقوله: " ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يظنون " .
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية.
ومنهم المار على عنجهيته، الراكب لهجمته.
وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات الله؛فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله، وهم الذين أخبر الله عزوجل عنهم بقوله تعالى: " ويجعلون لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون " وقوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؛ ألكم الذكر وله الأنثى؛ تلك إذا قسمة ضيزى " .
** عبد المطلب بن هاشم **
فممن كان مقرا بالتوحيد، مئبتا للوعيد، تاركا للتقليد: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وقد كان حفر بئر زمزم، وكانت مطوية، وذلك في ملك كسرى قباذ، فاستخرج منها غزالتي ذهب عليهما الدر والجوهر، وغير ذلك من الحلي، وسبعة أسياف قلعية، وسبعة أدرع سوابغ؛ فضرب من الأسياف بابا للكعبة، وجعل إحدى الغزالتين صفائح ذهب في الباب، وجعل الأخرى في الكعبة، وكان عبد المطلب أول من اقام الرفاعة والسقاية للحاج، وكان أول من سقي الماء بمكة عذبا، ؛جعل باب الكعبة مذهبا، وفي ذلك يقول عبد المطلب:
أعطى بلا شح ولامشاحح ... سقيا على رغم العدو الكاشح
بعد كنوز الحلى والصفائح ... حليا لبيت الله في المسارح
وكان قد نذر إن رزقه الله عز وجل عشرة أولاد ذكور أن يقرب أحدهم لله تعالى فكان أمره - حين رزقه الله إياهم - أن قرب أحبهم إليه وهو عبد الله أبو النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب عليه بالقداح حتى افتداه بمائة من الإبل، في خبر طويل.
** أصحاب الفيل **
وقد كان أبرهة حين سار بالحبشة وأتى أنصاب الحرم، فنزل بالموضع المعروف بحب المحصب، فأتى بعبد المطلب بن هاشم فأخبر أنه سيد مكة، فعظمه وهابه لاستدراة نور النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه، فقال له: سلني يا عبد المطلب فأبى أن يسأله إلا إبلا له، فأمر بردها عليه وقال له: ألا تسألني الرجوع؛ فقال: أنا رب هذه الإبل، وللبيت رب سيمنعه منك وانصرف عبد المطلب إلى مكة وهو يقول:
يا أهل مكة قد وافاكم ملك ... مع الفيول على أنيابها الزرد
هذا النجاشي قد سارت كتائبه ... مع الليوث عليها البيض تتقد
يريد كعبتكم، والله مانعه ... كمنع تبع لما جاءها حرد
وأمر قريشآ أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال من معرة الحبشة، وقلد الإبل النعال وخلاها في الحرم ووقف بباب الكعبة وهويقول:
يارب لا أرجولهم سواكا ... يارب فامنع منهم حماكا
إن عدؤالبيت من عاداكا ... فامنعهم أن يخربوا قراكا
ولقول:
يا رب إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
لايغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك
فأرسل الله عليهم الطير الأبابيل، أشباه اليعاسيب، ترميهم بحجارة من سجيل، وهوطين خلط بحجارة خرجت من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار فأهلكهم الله عز وجل.
وقد ذكرنا خبر أبي رغال فيما سلف من هذا الكتاب حين دلهم على الطريق، وهلاكه في الطريق، وجعلت الحبشة يومئذ تسأل عن نفيل بن حبيب الخثعمي يدلها على الطريق، ونفيل يسمع كلام الحبشة وسؤالها عنه وقد ربع لما عمهم من البلاء، وانفرد، من جملتهم يؤمل الخلاص، وقد تاهوا، فأنشأ يقول:
ألا ردى جمالك ياردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
فإنك لو رأيت ولن تريه ... لوى جنب المحصب مارأينا
وكل القوم يسأل عن. نفيل كأن علي للحبشان دينا وقد ذكرنا ما كان منهم في هلك عديدهم فيما سلف من هذا الكتاب، فلما صدهم الله عز وجل عن الكعبة أنشأ عبد المطلب يقول: أيها الداعي لقدأسمعتني ثم ما بي عن نداكم من صمم إن للبيت لربا مانعا من يرع! بأثام يصطلم ر أمه تبع فيمن جندت حميروالحي من آل قدم فانثنى عنه وفي أوداجه جارح أمسك منه بالكظم قلت والأشرم ترس خيله: إن ذا الأشرم غربالحرم نحن آل الله فيما قدمضى لم يزل ذاك على عهد إلرهم نحن عفرنا ثمودأعنوة ثم عادا قبلها ذات الأرم نعبد الله وفينا سنة صلة القربى وإيفاء. النمم لم تزل لله فيناحجة يدفع الله بهاعنا النقم
** القول بتناسخ الأرواح **
قال المسعودي: وقد استدل قوم ممن ذهب إلى الغلو في بعض المذاهب والخروج عما أوجبته قضية العقل وضرورات الحواس بهذا الشعر وقول عبد المطلب فيما كان منهم في قديم الزمان، وأيدوا ذلك الشعر بشعر العباس بن عبد المطلب في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ذكره قريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي أنه هاجر إلى رسول الله فقدم عليه منصرفة من تبوك فأسلم، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل لا يفضض الله فاك يا عدي، فأنشأ يقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد، لابشر ... أنت، ولامضغة، ولاعلق
بل حجة تركب السفين، وقد ... ألجم نسرأوأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
وأنت لما ولدت أشرقت ال ... أرض، وضاءت بنورك الأفق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور و سبل الرشاد نخترق قالوا: وهذا الخبر قد ذكره أصحاب السير والأخبار والمغازي، ونقلوا هذا المديح من قول العباس، وما كان من سرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستبشاره به فجعلت هذه الطائفة من الغلاة ما ذكرنا من الشعرين - شعر عبد المطلب، وشعر - العباس - دلالة لهم على مواطن ادعوها، وتغلغلوا إلى شبه بعيدة استخرجوها، يمنع منها ما تقدم من أوائل العقول، وموجبات الفحص، ذكر ذلك جماعة من مصنفي كتبهم، ومن حذاق مبرزيهم، من فرق المحمدية والعلبانية، وغيرهم من فرق الغلاة: منهم إسحإق بن محمد النخعي المعروف بالأحمر في كتابه المعروف بكتاب الصراط، وقد ذكر ذلك الفياض بن علي بن محمد بن الفياض في كتابه المعروف بالقسطاس في نقضة لكتاب الصراط وذكره المعروف بالنهكني في نقضه هذا الكتاب المترجم بالصراط، وهؤلاء محمدية نقضوا هذا الكتاب، وهو على مذهب العلبانية، وقد أتينا على ذكر هؤلاء المحمدية والعلبانية والمغيرية والقمرية وسائر فرق الغلاة وأصحاب التذويض والوسائط، واستقصينا النقض عليهم وعلى سائر من ذهب إلى القول بتناسخ الأرواح في أنواع أشلاء الحيوان ممن ادعى الإسلام وغيرهم ممن سلف من اليونانيين والهند والثنوية والمجوس واليهود والنصارى، وذكرنا قول أحمد بن حائط وابن يافوس جعفر القاضي، إلى من نجم في وقتنا ممن تقدم وتأخر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - ممن أحدث قولا تفريعا على ما سلف من أصولهم وأبور شبها أيد بها ما تقدم من مذاهبهم، مثل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج، وأصحاب أبي يعقوب المزايلي، ثم أصحاب السم ومن تأخر عنه وفارقهم في أصولهم، مثل أبي جعفر محمد بن على الشلمغاني المعروف بابن أبي الغرائر وغيرهم ممن أمم نهجهم، وذكر الفرق بينهم وبين غيرهم من أصحاب الدور في هذا الوقت ممن يراء وقت الظهور، وأصحاب حجج الليل والنهارث إذ كان هؤلاء قد أثبتوا القول بالتناسخ، وأن الأرواح تنتقل في شيء من الأجسام الحيوانية، وأحالوا على القديم عز وجل أن يجوز عليه شيء مما تقدم، فلنرجع الآن إلى ما كنا ا آنفا، وما تغلغل بنا الكرم عنه من ذكرعبد المطلب.
** الاختلاف في إيمان عبد المطلب **
تنازع الناس في عبد المطلب: فمنهم من رأى أنه كان مؤمنا موحدا وأنه لم يشرك بالله عزوجل، ولا أحد من آباء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نقلفيالأصلاب الطاهرة، وأنه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح، ومنهم،رأى أن عبد المطلب كان مشركا، وغيره من آباء النبي صلى الله عليه وسلم ألا من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الإمامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوما للحجاج فنذكرحجاج كل فريق منهم.
وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا المقالات في أصول الديانات وفي كتاب الاستبصار ووصف أقاويل الناس في الإم أمه وفي كتاب الصفوة أيضا.
** أبو طالب **
وكان عبد المطلب يوصي ولده بصلة الأرحام، وإطعام الطعام، ويرغبهم ويرهبهم فعل من يراعي في المتعف معادا وبعثا ونشورا، وجعل السقاية والرفاعة إلى ابنه عبد مناف - وهو أبو طالب - وأوصاه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تنوزع في اسم أبي طالب: فمنهم من رأى أن اسمه عبد مناف، على ما وصفنا، ومنهم من رأس أن كنيته اسمه، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتب في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وكتب علي بن أبي طالب بإسقاط الألف وقد ذكر عبد المطلب في شعر له وصية أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
أوصيت من كنيته بطالب ... بابن الذي قد غاب ليس بآئب
** اختلاط الألسنة **
وقد كان أكثر العرب ممن بقي ودثريقر بالصانع، ويستدل على الخالق. وقد كان في ملك النمروذ بن كوش بن حام بن نوح هيجان الريح التي نسفت صرح النمروذ ببابل من أرض العراق، فبات الناس ولسانهم سرياني، وأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانا، فسمى الموضع من ذلك الوقت بابل، فصار من ذلك في ولد سام بن نوح تسعة عشر لسانا وفي ولد حام بن توح ستة عشر لسانا وفي ولد يافث بن نوح سبعة وثلاثون لسانا على حسب ما ذكرنا في صدر هذا الكتاب، وكان من تكلم بالعربية يعرب وجرهم وعاد وعبيل وجديس وثمود وعملاق وطسم ووبار وعبد ضخم،
فسار يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بمن تبعه من ولده وغيرهم وهويقول:
أنا ابن قحطان الهمام الأفضل ... الأيمن المعرب في المهل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... أنا البديئ باللسان المسهل
الأبين المنطق غير المشكل ... حثوت والامة في تبلبل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... نحو يمين الشمس في تمهل
فحل باليمين على ما وصفنا آنفا من هذا الكتاب.
** مسير عاد الى الأحقاف **
وسار بعده عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه و يقول:
إني أنا عاد الطويل البالدي ... وسام جدي ابن نوح الهادى
فقد رأيتم يعرب الزيادي ... وسوقه الطارف والتلاد
** أرم ذات العماد **
فحل بالأحقاف وأداني الرمل بين عمان وحضرموت واليمن وتفرق هؤلاء في الأرض، فانتشر منهم ناس كثير: منهم جيرون بن سعدي بن عاد حل بدمشق فمصرمصرها، وجمع عدد الرخام والمرمر إليهأ؛ وشيد بنيانها، وسماها أرم ذات العماد، وقد روى عن كعب الأحبار في أرم ذات العماد غير هذا، وهذا الموضع بدمشق في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - سوق من أسواقها عند باب المسجد الجامع، يعرف بجيرون، وجيرون: هو بنيان عظيم، كان قصر هذا الملك، عليه أبواب من نحاس عجيبة: بعضها على ما كانت عليه، والبعض من مسجد الجامع، وقد ذكرنا فيما من خبر نبي الله هود.
** نزول ثمود الحجر **
وسار بعد عاد بن عوص ثمود بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه وهو يقول:
أنا الفتى الذيي دعا ثمودا ... يا قوم سيروا ودعوا الترديدا
لعلنا أن ندرك الوفودا ... فنلحق البادي لنا العديدا
إنا أبينا اليعرب الحميدا ... وعاد ما عاد الفتى الجليدا
فنزلى هؤلاء الحجر إلى فرع، وقد تقدم ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب، وخبر نبيهم صالح عليه السلام، وأنهم نحو وادي القرف، بين الشام والحجاز.
** مسير جديس إلى اليمامة **
وسار بعد ثمود جديس بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده، ومن تبعه وهو يقول:
أنا جديس والمسير المسلكا ... فدتك نفسي يا ثمود المهلكا
دعوتني فقد قصدت نحوكا ... إذ سارت العيس وأبدت شخصكا
كعب الأحبار: هو كعب بن مانع، أبو اسحاق، تابعي. كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في دولة عمر. توفي في حمص عن مئة وأربع سنين سنة.
وقد قلنا فيما سلف: إن هؤلاء الذين نزلوا اليمامة.
** مسير عملاق إلى مواضع " مختلفه **
وسار بعد جديس عملاق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه: وهو يقول:
لمارأيت الناس ذا تبلبل ... وسار منا ذواللسان الأولى
وحدثتنا في اللحاق الأولى ... فسرت حثا بالسوام المهمل
فنزل هؤلاء أكناف الحرم والتهائم، ومنهم من سار إلى بلاد مصر والمغرب، وقيل: إن هؤلاء بعض ذراعنة مصر، وقد ذكرنا قول من الحق العماليق وغيرهم ممن ذكرنا بعيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وزعم أنهم من ولد العيص على حسب ما ذكرنا فيما تقدم. وقد كانت للعماليق ملوك كثيرة سلفت في مواضع من الأرض بالشام وغيره، وقد أتينا على أخبارهم وذكر ممالكهم وحروبهم في كتابنا أخبار الزمان، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب قصة يوشع بن نون مع ملك العماليق ببلاد أيلة، وهو السميدع بن هوبر، وقد كان من بقي من العماليق انضافوا إلى ملوك الروم؛ فملكتهم الروم على مشارق الشام والغرب والجزيرة من ثغور الشام فيما بينهم وبين فارس.
** أذينة بن السميدع العملاقي **
فممن ملك الروم من العماليق: أذينة بن السميدع، الذي ذكره الأعشى في قوله:
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن ملكه ذا يزن
وقد كان ملك بعد العماليق حسان بن أذينة بن طرب بن حساز ويقال: هوالذي يعرف ب أمه زباء.
ثم ملك عمروبن طرب، ويقال: هوالذي كان يعرف ب أمه زباء، وقد كان بينه وبين جذيمة الأبرش الأزدي أبي مالك حروب كثيرة، فقتله جذيمة على ما ذكرنا، وما كان من قتل الزباء لجذيمة وقول الشاعر:
كأن عمرو بن زباا لم يعش ملكا ... ولم يكن حوله الرايات تختفق
لاءم جذيمة من ضرساء مشعلة ... فيها خراشف بالنيران ترتشق
** مسير طسم إلى البحرين **
ثم سارطسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بعد عملاق بن لاوذ بولده،ومن تبعه وهويقول:
إني أنا طسم وجدي سام ... سام بن نوح وهو الإمام
لما رأيت الأخ والأعلاما ... قلت لنفسي: االحقي السواما
أخاك عملاقا وذا الإقدام ... يافث لا كان وليي حام
فنزل هؤلاء البحرين.
وقد كان جميع من ذكرنا بدوا، وانتشروا في الأرض، على حسب ما ذكرنا من مساكنهم، وكثرت جديس، فملكت عليهاالأسود بن غفار، وكثرت طسم، فملكت عليها عملوق بن جديس، وقد ذكرعبيد بن شرية الجرهمي حين وفد على معاوية وأخبره أن طسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وجديس بن عابر بن سام بن نوح، هم العرب العاربة، وقد كان منزلمهم جميعأ باليمامة، واسمها إذ ذاك جؤ.
** عملوق الظالم ملك طسم **
وكان لطسم ملك يقال له عملوق، وكان ظلوما غشوما، لاينهاه شيء عن هواه، مع إصراره وإقد أمه على جديس، وتعديه عليهم، وقهره إياهم، فلبثوا في ذلك دهرا، وهم أهل مظالم، قد غمطوا النعمة وانتهكوا الحرمة، وبلادهم أفضل البلاد، وأكثرها خيرا، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة، وقصور مصطفة، فلم يزل على ذلك حتى أتته امرأة من جديس، يقال لها هزيلة بنت مازن، وزوج لها فارقها، يقال له ماشق، فأراد قبض ولده منها، فأبت عليه، فارتفعا إلى إلى ملك عملوق ليحكم بينهما، فقالت المرأة: أيها الملك، هذا الذي حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، ولم أنل منه نفعا، حتى إذا تمت أوصاله، واستوفت خصاله، أراد أن يأخذه قسرا، ويسلبنيه قهرا ويتركني منه صفرا، قال زوجها: قد أخذت المهر كاملا، ولم أنل منه نائلا، إلا ولدا خاملا، فافعل ما كنت فاعلا. فأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما ويجعل في غلمانه، فقالت هزيلة في ذلك:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكما في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكمت لا متورعا ... ولافهما عند الحكومة عالما
ندمت فلم أقدرعلى متزحزح ... وأصبح زوجي حائر الرأي نادما
فبلغ الملك قول هزيلة، فغضب، وأمر أن لا تتزوج امرأة،جديس فتزف إلى زوجها حتى تحمل إليه، فيفترعها قبل زوجها، فلقوآ من ذلك ذلا طويلا، ولم تزل تلك حالتهم حتى تزوجت عفيرة، وقيل الشموس، بنت غفار الجديسي أخت الأسود بن غفار، فلما كانت لي هديها إلى زوجها انطلق بها إلى عملوق الملك ليطأها على عادته، ومعها القينات يغنينه ويقلنا فيغنائهن:
إبدي بعملوق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح بأمر معجب
فما لبكر بعدكم من مذهب
فلما دخلت عفيرة على عملوق افترعها وخلى سبيلها، فخرجت عفيرة على قومها في عمادها شاقة جيبها عن قبلها ودبرها، وهي تقول:
لا أحد أفل منها جديس ... أهكذا يفعل بالعروس؟
وقالت أيضا تحرض قومها جديس على طسم، وأبت أن تمضي إلى زوجها من كلمة: أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيصلح تمشي في الدما فتياتكم ... صبيحة زفت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لاتغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفروا من الكحل
ودونكم طيب العروس؛فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فقبحا و شيكأ للذى ليس دافعا ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلو أننا كنا الرجال وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كرامأ، واصبروا لعدوكم ... بحرب تلظى في القرام من الجزل
ولاتجزعوا للحرب يا قوم، إنما ... تقوم بأقوام كرام على رجل
فيهلك فيها كل نكس مواكل ... ويسلم فيها ذو النجابة والفضل
وفي ذلك يقول أخوها:
جاءت تمشى طسم في خميس ... كالريح في هشهشة اليبيس
يا طسم مالقيت من جديس ... حقا لك الويل فهيسي هيسي
** التفكر في الانتقام **
قال: فلما سمعت جديس بذلك وغيره من قولها اجتمعت غضبا لذلك، فقال لهم الأسود بن غفار - وكان فيهم سيدا مطاعا - يا جديس، أطيعوني فيما امركم به، وأدعوكم إليه، ففي ذلك عز الدهر، وذهااب الذل، قالوا: وما ذلك؛ قال: قد علمتم أن هؤلاء - يعني طسما - ليسو بأعز منكم، ولكن ملك صاحبهم عليكم وعليهم وهو الذي يذعننا إليه بالطاعة، ولولا ذلك ما كان له علينا من فضل، ولو امتنعنا منه لكان لنا النصف، فقالوا: قد قبلنا قولك، ولكن القوم أقراننا، وأكثر عمدا وعددا منا، فنخاف إن ظفروا بنا أن لا يقيلونا، فقال: والله يا جديس لتطيعنني فيما آمركم به وأدعوكم إليه أو لأتكئن على سيفي فأقتل به نفسي، قالوا: فإنا نطيعك فيما قد عزمت عليه، قال: إني صانع لعملوق وقومه من طسا طعاما وداعيهم إليه، فإذا جاءوا إليه متفضلين في الحلل والنعال نهضنا إليهم بأسيافنا، فانفردت أنا بالملك، وانفرد كل رجل منكم برجل منهم، قالوا له: فافعل ما بدا لك، واجتمع رأيهم عليه، فقالت عفيرة لأخيها الأسود: لا تفعل هذا؛ فإن الغدر فيه ذلة وعار، ولكن كابدوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراما، قال: لا، ولكن نمكر بهم، فيكون ذلك أمكن لنا من نواصيهم، وأبلغ في الانتقام منهم، فقالت عفيرة في ذلك أسعارا قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا.
ثم إن الأسود صنع طعاما كثيرا، وأمر قومه فاخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل حيث أعدوا الطعام، ثم قال لهم: إذا أتاكم القوم يرفلون في حليهم فخذوا أسيافكم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم وابدوا بالرؤساء؛ فإنكم إذا قتلتموهم لم تبالوا بالسفلة، ولم تكن بعد ذلك منهم حال تكرهونها، قالوا: نفعل ما قلت.
ثم دعا الأسود بعملوق الطسمى ومن معه من رؤساء طسم باليمامة فأسرعوا إجابة دعوة الأسود، فلما توافوا إلى المدعاة وثبت جديس، فاستثإروا سيوفهم من الرمل، وشدوا على عملوق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم عن اخرهم، ومضوا إلى ديارهم فانتهبوها، وقال الأسود بن غفار في ذلك أشعارا يرثي بها طسما، ويذكر بغيها وفعل عملوق بأخته، يطول بذكرها الكتاب، وقد تقدمت فيما سلف من كتبنا.
** رباح الطسمي يستنجد حمير على جديس **
قال: وهرب رجل من طسم، وكان أسمه رباح بن مرة الطسمي، فأتى إلى حسان بن تبع الحميري ملك اليمن يومئذ فاستغاث به، وقد كان عمد إلى جريمة نخل رطبة فجعل عليهاطينا رطبا، وحملها معه وأخرج معه كلبة، فلما ورد على حسان كسر يد كلبته، ونزع الطين عن الجريدة فخرجت خضراء ودخل إلى حسان واستعاذ به، وأخبره بالذي صنعت جديس بقومه، فقال له الملك: لله أبوك، فمن أين مبداك؟ قال: جئتك، أبيت اللعن من أرض قريبة وقوم انتهك منهم ما لم ينتهك من أحد، أنا رباح بن مرة الطسمي، دعتنا جديس إلى مدعاة لهم فأجبناهم متفضلين في الحلل وقد أعدوا لنا السلاح عند جفانهم، فما ذقنا الطعام حتى صرنا حطاما، بلا طلب دم ولا ترة سلفت، فدونك - أبيت اللعن! - قومأ قطعوا أرحامنا - وسفكوا دماءنا، قال الملك حسان: أمعك خرجت هذه الجريدة وهذه الكلبة؟ قال: نعم، فقال الملك: إن كنت صادقا لقد خرجت من أرض قريبة، ووعدده بالنصرة، ثم نادى في حمير بالمسير، وأعلمهم بما فعل بطسم، قالوا: من فعل هذا أبيت اللعن؟ قال: عبيدهم، قالوا: ما لنا في هذا من أرب، هم إخواننا فلا نعين بعضنا على بعض، وهم عبيدك أيها الملك فدعهم، فقال حسان: ما هذا بحسن، أرأيتم لوكان هذا فيكم كان حسنا لملككم أن يهدر دماءكم؛ وما علينا في الحكم إلا أننا ننصف بعضنا من بعض.
** زرقاء اليمامة **
فقام فرسانهم فقالوا: أبيت اللعن الأمر أمرك، فمرنا بما أحببت، فأمرهم بالمسير، فساروا وسار بهم رباح بن مرة حتى إذا صاروا من اليمامة على ثلاث قال رباح بن مرة للملك حسان: أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جديس ليس في الأرض أبصر منها، إنها تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، وأنا أخاف أن تنذر القوم بك، فتأمر كل واحد من أصحابك أن يقتلع شجرة من الأرض فيجعلها أم أمه ثم يسير، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا ثم ساروا، وكان اسم أخت رباح يمامة بنت مرة فأشرفت من منظرها فقالت: يا جديس، لقد سارت أليكم الشجر، قالوا لها: وما ذاك؟ قالت: أرى أشجارا تسير ووراءها شيء، وإني لأرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا، فكذبوها، وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب، ففي ذلك تقول اليمامة لجديس تحفذهم:
إني أرى شجرا من خلفها بشر ... فكيف تجتمع الأشجار و البشر؟
ثوروا بأجمعكم في وجه أولهم ... فإن ذلك منكم فاعلموا ظفر
وأقبل الملك حسان بحمير، حتى إذا كان من جؤ على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صبحها فاستباح أهلها من جديس قتلا، فأفناهم وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار ملكها حتى نزل بدار طيىء فأجاروه من الملك وغيره، - من غير أن يعرفوه؛فيذكرأن نسله اليوم في طيىء مذكور.
فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة، وكانت امرأة زرقاء، فأمر فنزعت عيناها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك، فقالت: حجر أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به فنشب إلى بصري وكانت هي أول من أكتحل به، فاتخذوه بعد ذلك كحلا، وأمر املك باليمامة، فصلبت على باب جو، وقال سموا جوا باليمامة؛فسميت بها إلى اليوم.
** مسير وبار بن أميم **
قال المسعودي: ثم سار - بعد طسم بن لاوذ - وبار بن أميم بن لاوذ ابن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه من قومه، فنزل بأرض وبار بالأرض المعروفة برمل عالج، فأصابهم نقمة من الله فهلكوا لما كان من بغيهم في الأرض، وقد قدمنا فصلا من ذلك فيما سلف من هذا الكتاب على ما زعم الأخباريون من العرب، وخروجهم بذلك عن حد المعقول والمعتاد من الأمر المفهوم، بذعمهم أن الله عز وجل حين أهلك هذه الامة العظيمة، المعروفة بوبار، كما أهلك طسما وجديسا وداسما، وكانت ديار داسم بأرض السماوة فأهلكوا بالريح السوداء الحارة، وداسم كانت ديارهم بالجولان وجازر من أرض نوى من بلاد حوران والبثنية، وذلك بين دمشق وطبرية من أرض الشام، وعملاق وعاد وثمود، وأن الجن كانت تسكن في ديار وبار، وحمتها من كل من أرادها وقصد إليها من الإنس، وأنها كانت أخصب بلاد الله عز وجل وأكثرها شجرا وأطيبها ثمرا وعنبا ونخلا وموزا، وإن دنا أحد من الناس إلى تلك البلاد غالطا أو متعمدا حثت الجن في وجهه التراب، وسفت عليه سوافي الرمل، وأثارت عليه الزوابع، فإن أراد الرجوع عنها خبلوه - وتيهوه، وربما قتلوه، وهذا الموضع عند كثير من ذوي الحجا باطل، فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، وقفونا على حده، زعموا أنها من أرادها ألقى على قلبه الصرفة، حتى كأنهم بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى في التيه فصدهم الله تعالى عن الخروج، ولم يجعل لهم سبيلا إلى أن تم فيهم مراده، وانتهى فيهم حكمه، وقد قال في ذلك شاعرهم يخبر بمثل ما وصفنا من قولهم في هذه الأرض المجهولة.
دعا جحفلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار
وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يامسلم بن جبار
وأقوالهم في مثل هذا كثيرة.
والعرب ممن سلف وخلف في الجاهلية والإسلام يخبرون عن هذه الأرض كإخبارهم عن وداي القرى والصمان والدهناء والرمل الذي بيبرين وغيرها من الأرضين التي نزلوا فيها، ويخيمون عليها طلبا للماء والكلأ، وزعموا أنه ليس بهذه الأرض اليوم أحد إلا الجن والإبل الوحشية، وهي عندهم من الإبل التي قد ضربت فيها فحول الجن، فالوحشية من نسل إبل الجن، والعبدية والعسجدية والعمانية قد ضربت فيها الوحشية، وفي ذلك يقول أبو هريم:
كأني على وحشية أونعامة ... لها نسب في الطير وهو ظليم
والأشعار في ذلك كثيرة.
وفي بسطنا لجوامع أخبار العرب فيما نقلته عن أسلافها - مما أمكن كونه وخرج عن حد الوجوب والجواز - خروج عن حد الإيجاز والاختصار، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.
** مسير عبد ضخم للطائف **
وسار بعد وبار بن أميم عبد ضجم بن أرم بن نوح بولده ومن تبعه فنزلوا الطائف، فهلك هؤلاء ببعض غوائل الدهر، فدثروا وذكرتهم الشعراء، وفيهم يقول الأزدي:
وعبد ضخم إذا نسبتهم ... ابيض أهل الحي بالنسب
ابتدعوا منطقا يجمعهم ... فبين الخط قحة العرب
** بدء الكتابة بالعربية **
وذكروا أن هؤلاء أول من كتب بالعربية، ووضع حروف المعجم وهي حروف أب ت ث، وهي التسعة والعشرون حرفا، وقد قيل غير ذلك، على حسب تنازع الناس في بدء الكتابة.
** مسير جرهم إلى مكة **
وسار بعد عبد ضجم بن أرم ض هم بن قحطان بولده ومن تبعه، وطافوا البلاد، حتى أتوا مكة فنزلوها وفي ذلك يقول مضاض بن عمرو الجرهمي:
هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادى القول المبين المعرب
يا قوم سيروا عن فعال الأجنب ... جرهم جدي وقحطان أبي
** مسير أميم إلى فارس **
وسار أميم بن لاوذ بن أرم بعد جرهم بن قحطان فحل بأرض فارس؛ فالفرس - على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، في باب تنازع الناس في أنساب فارس - من ولد كيومرث بن أميم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، - وفي ذلك يقول بعض من تقدم من أهل الحكمة من شعراء فارس في الإسلام:
أبونا أميم الخير من قبل فارس ... وفارس أرباب الملوك؛ بهم فخري
وما عد قوم من حديث وحادث ... من المجد إلا ذكرنا أفضل الذكر
** أول امرىء بنى البيوت أميم بن لاوذ **
وقد ذكر جماعة من أهل السير والأخبار أن جميع من ذكرنا من هذه القبائل كانوا أهل خيم وبدوأ مجتمعين في مساكنهم من الأرض، وأن أميما أول من ابتنى البنيان، ورفع الحيطان، وقطع الأشجار، وسقف السقوف، واتخذ السطوح، وأن ولد حام بن نوح حلوا ببلاد الجنوب، وأن ولد كوش بن كنعان خاصة هم النوبة، على حسب ما قدمنا آنفا في باب السودان من هذا الكتاب، وأن فخذا من ولد كنعان بن حام ساروا نحو بلاد إفريقية وطنجة من أرض المغرب، فنزلوها، وزعم هذا القائل أن البربر من ولد كنعان بن حام.
** أنساب البربر **
وقد تنازع الناس في بدء أنساب البربر، فمنهم من رأى أنهم من غسان وغيرهم من اليمن، وأنهم تفرقوا حول تلك الديار حين تفرق الناس من بلاد مأرب عندما كان من سيل العرم ومنهم من رأى أنهم من قيس عيلان، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا.
ونزل ولد كنعان بن حام - وهم الأغلب من ولد كنعان - بلاد الشام، فهم الكنعانيون، وبهم تعرف تلك الديار، فقيل: بلاد كنعان.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أخبار مصربن حام وبيصر والأ نباط.
** مسير نوفير إلى الهند **
وسار نوفير بن فوط بن حام بولده ومن تبعه إلى أرض الهند والسند، وبالسند امم لهم أجسام طوال، وهم على بلاد المنصورة من أرض السند؛ فعلى هذا القول أن الهند والسند من ولد نوفير بن فوط بن حام بن نوح، فولد حام في الجنوب من الأرض الأكثر منهم، وولد يافث في الشمال فيما بين الشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من الأمم وتفرقها في الشرق وغيره مما يلي جبل القبخ والباب والأبواب.
** عبادة عاد، وبغيهم **
وبغت عاد في الأرض وملكها الخلجان بن الوهم؛فكانوا يعبدون ثلاثة أصنام، وهي: صمود، وصداء، والهباء، فبعث الله إليهم هودا على حسب ما قدمنا، فكذبوه، وهو هود بن عبد الله بن رياح بن خالد بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقد قدمنا أن قوم عاد كانوا عشرة قبائل، وقد تقدم ذكر أسمائهم، فدعا عليهم هود، فمنعوا المطرثلاث سنين، وأجدبت الأرض فلم يدر عليهم ضرع.
** أصل الشرك ووفود عاد على مكة **
وقد كان من ذكرنا من الأمم لا يجحد الصانع جل وعز، ويعلمون أن نوحا عليه السلام كان نبيا، وفي لقومه بما وعدهم من العذاب، إلا أن القوم دخلت عليهم شبه بعد ذلك لتركهم البحث واستعمال النظر، ومالت نفوسهم إلى الدعة، وما تدعو إليه الطبائع من الملاذ والتقليد، وكان في نفوسهم هيبة الصانع، والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها، لظنهم أنها مقربة لهم إليه، وكانوا مع ذلك يعظمون موضع الكعبة، وكان موضع على ما ذكرنا ربوة حمراء، فوفدت عاد إلى مكة يستسقون لهم، وكان بمكة يومئذ العماليق، فأتى الوفد مكة، فأقبلوا علي الشرب واللهو، حتى غنتهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر بشعر فيه حث لهم على ما وردوا من أجله، وهو:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يمطرنا غماما
فيسقي أرض عاد، ... إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتي أرض عاد ... فلا تخشى لراميهم سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما
ثم إن معاوية بن بكر دعا إحدى الجرادتين فغنت:
ألا يا قيل من عوص ... ومن عاد بن سام
وعاد كالشماريخ ... من الطول الكرام
سقى الله بني عاد ... معا صوب الغمام
فاستيقظ القوم من غفلتهم، وباثروا إلى الاستسقاء لقومهم؛ فكان من أمرهم في مجيء السحاب واختيارهم لما اختاروه منها ما قد اتضح وفيهم يقول مرثد بن سعد من كلمة:
عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا لا تبلهم السماء
ألا قبح الإله حلوم عاد ... فإن قلوبهم قفر هواء لهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء
فبصرنا النبي سبيل رشد ... فأبصرنا الهدى ونأى العماء
وإني موقن فاستيقنوه ... بأن إله هود هو العلاء
وأن إله هود هو إلهي ... على الله التوكل والرجاء
وأني لاحق بالأمس هودا ... وإخوته إذا حق المساء
** مهلك عاد **
فأرسل الله عز وجل على عاد الريح العقيم، فخرجت الريح عليهم من واد لهم، فلما رأوا ذلك قالوا: " هذا عارض ممطرناط وتباشروا بذلك، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال: " بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم " الاية فأتتهم الريح يوم الأربعاء، فلم تأت الأربعاء الثانية ومنهم حي، فمن أجل ذلك كره الناس يوم الأربعاء.
وقد بينا فيما يرد من هذا الكتاب كيفية ذلك، وكيف وقوعه من أيام الشهر في باب ذكر الشعور، فلما شاهد هود النبي صلى الله عليه وسلم ما نال قومه انفرد هو ومن معه من المؤمنين، وفي ذلك يقول الهيل بن الخليل:
لو أن عادا سمعت من هود ... واتبدت طريقة الرشيد
وقد أتى بالوعد والوعيد ... عادا وبالتقريب والتبعيد
ما أصبحت عاثرة الجدود ... صرعى على الآناف والخدود
ساقطة الأجساد بالوصيد ... ماذا جنى الوفد من الوفود
أحداثة في ... الأبد الأبيد
وقال مهد بن سعد في شعرله:
دعاهم خيفة لله هود ... فما نفع النذير ولا أجابوا
فلما أن أبوا إلا عتوا ... أصابهم ببغيهم العذاب
وقد كان الأخر من ملوكهم الخلجان، وقد تقدم ذكرنا في هذا الباب لملك عاد وثمود وغيرهم، وقيل: إن أول من ملك عادأ من الملوك عاد بن عوص ثلثمائة سنة، ثم ملك ابن عاد بن عوص.
** الجحفة **
قال: ولما دثرت هذه الأمم من العرب والقبائل خلت منهم الديار فسكنها غيرهم من الناس، فنزل قوم من بني حنيفة اليمامة واستوطنوها وقد كانوا نزلوا بلاد االجحفة بين مكة والمدينة وقطنوها؛ فقال شاعرهم يدثى من كان في تلك الديار:
إن طسما وجرهما وجديسا ... والعماليق في السنين الخوالى
عمروا البيت حقبة ثم ولئوا ... واستمرت بهم صروف الليالي
وأراك الزمان منهم، وأضحى ... غيرهم ساكنأ بتلك الخوالى
ورماهم ريب الزمان فأمسوا ... درهم بلقع لمرالشمال
وقد كان نزل بلاد الجحفة بين مكة والمدينة عبيل بن عوص بن أرم بن سام بن نوح هو وولدة ومن تبعه، فهلكوا بالسيل، فسمي ذلك الموف بالجحفة لإجحافها عليهم.
** يثرب **
وكان يثرب بن قاتية بن مهليل بن أرم بن عبيل نزل بالمدينة هو وولده ومن تبعه فسميت به يثرب، فهلك هؤلاء أيضا ببعض غوائل الدهر و افاته، فقال شاعرهم:
عين جودي على عبيل، وهل ير ... جع مافات فيضها بالسجام
عمروا يثربا وليس بها سفر ولا صارخ ولا ذوسنام
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا الفسيل يالاجام
وقد أخبر الله جلت قدرته عنه، فقال: " كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " .
** قوم شعيب **
وقد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نويل بن رعويل بن مربن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وكان لسانه العربية: فمنهم من رأى أنهم من العرب الداثرة، والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحض بن جندل بن لعصب بن مدين بن إبراهيم، وأن شعيبا أخوهم في النسب، وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جنمل.
** حروف الجمل **
وأحرف الجمل على أسماء هؤلاء الملوك، وهي التسعة والعشرون. حرفا التي يدور عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الأحرف غيرما ذكرنا من الوجوه، على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وليس كتابنا، موضعا لما قاله الناس فيها، وتنازعوا في تأويلها والمراد بها، وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز و حطي ملكين ببلاد وج، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرش ملوكا بمدين، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس من رأى أنه كان ملكا على جميع من سمينا مشاعا متصلأ على ما ذكرنا.
** عذاب يوم الظلة **
وإن عذاب يوم الظلة كان في ملك كلمن منهم، وأن شعيبا دعاهم فكذبوه، فوعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، وانحاز شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بالأيكة، نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتد عليهم الحر وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيبأ ومن آمن معه وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيبا ومن آمن معه من موضعهم وأزالوهم عن أماكنهم وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم فجعلها الله عليهم نارا، فأتت عليهم فرثت حارثة بنت كلمن أباها فقال وكانت بالحجاز:
كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله
سيد القوم أتاه الحتف نارا تحت ظله
كونت نارا، وأضحت ... دار قومي مضمحله
وفي ذلك يقول المنتصر بن المنذر المديني:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة ... أتيت بها عمرا وحي بني عمرو
وهم ملكوا أرض الحجاز و أوجها ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
ملوك بني حطي وسعفص ذي الندى ... وهوز أرباب البنية والحجر
وهم قطنوا البيت الحرام ورتبوا ... خطورا وساموا في المكأرم والفخر
ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك وتملكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها قبلهم من الأمم، قد أتينا على ذكرها فيما تقدم من كتبنا في هذا المعنى مما كتابنا هذا منبه عليها وباعث على درسها.
** حضورا وتنازع الناس في أنسابهم **
وأما بنو حضورا وكانت أمة عظيمة ذات بطش وشدة، فغلبت على كثير من الأرض والممالك، وقد تنازع الناس فيهم: فمنهم من ألحقهم بمن ذكرنا من العرب البائدة ممن سمينا، ومنهم من رأى أنهم من ولد يافث بن نوح، وقيل في أنسابهم غير ما ذكرنا من الوجوه، وقد كان الله عز وجل بعث إليهم شعيب بن مهدم بن حضورا بن عدي نبيا ناهيا عما كانوا عليه، وهذا غير شعيب بن نويل بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صاحب مدين المتزوج ابنته موسى بن عمران المقدم ذكره، وبينهما مئون من السنين، وقد كان بين موسى بن عمران وبين المسيح ألف نبي، ولما بعث إلى حضورا، واشتد كفرهم جد نبيهم شعيب بن مهدم في دعائهم وخوفهم وتوعدهم، فقتلوه من بعد ظهور معجزات كانت له ودلائل أظهرها الله على يديه تدل على صدقة وتثبت حجته على قومه، فلم يضيع الله دمه، ولم يكذب وعيده، فأوحى الله تعالى إلى نبي كان في عصره - وهو برخيا بن أخبيا بن زنائيل بن شالتان - وكان من سبط يهوذا بن إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام - أن يأتي بختنصر - وكان بالشام - وقيل: غيره من الملوك، فيأمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق، لبيوتهم، فلما أتى برخيا ذلك الملك قال له الملك: صدقت، لي سب ليال أومر في نومي بما ذكرت، وأنادي بمجيئك إلي، وأبشر بخطابك ويقال لي ما أمرتني به، وأن أنتصر للنبي المقتول الفديد المظلوم فسار إليهم في جنوده وغشي دارهم في عساكره، وصاح بهم صائح من السماء وقد استعدوا لحربه من حيث عم الصوت جميعهم، وهو يقول:
سيغلب قوم غالبوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضا ومن والى النفاق وألحدا
فلما سمعوا ذلك علموا أن الأمر قد نزل بهم، فانفضت جنودهم وتفرقت جموعهم، وولت كتائبهم يتراكضون، وأخذهم السيف، فحصدا أجمعين. وقد ذكر أن في قصة هلكهم قال الله عز وجل من قائل: " فما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون " .
** منازل حضورا **
وقد تنوزع في ديارهم والموضع الذي كانوا فيه: فمن الناس مم رأى أنهم كانوا بأرض السماوة، وأنها كانت عمائر متصلة ذات جنان ومياه متدفقة، وذلك بين العراق والشام إلى حد الحجاز، وهي الآن ديار خراب براري وقفار، ومنهم من رأى أن ديارهم كانت بلاد جند قنسرين إلى تل ماسح إلى خناصرة إلى بلاد سورية، وهذه المدن في هذا الوقت مضاف إلى أعمال حلب من بلاد قنسرين من أرض الشام.
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من أخبار العرب الماضيه والباقية، وقد كان قبل ظهور الإسلام للباقى منهم مذاهب وآراء في النفوس وتغول الغيلان والهواتف والجن، وسنورد جملا منها منفرعة على حسب ما يقتضيه شرط الاختصار في هذا الكتاب، وعلى حسب ما نمي إلينا من أخبارهم، واتصل بنا من آثارهم، وذكره الناس من آرائهم، عن الفاني والباقي منه، إن شاء الله تعالى.