Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر البوادي من العرب وغيرها من الأمم وعلة سكناها البدو وجمل من أخبار العرب وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 34 of 107
قد تقدم ذكرنا لولد قحطان، وأن من عداهم من العرب العاربة دثرت من عاد وطسم وجديس وعملاق وجرهم وثمود وعبيل ووبار، وسائر من سمينا، وأن من بقي ممن ذكرنا دخلوا في العرب الباقية إلى هذا الوقت، وهم قحطان، ومعد، ولا نعلم أن قبيلا بقي يشار إليه في الأرض من العرب الأولى غير معد وقحطان، وذكرنا من طاف البلاد من ملوكهم، مثل التبابعة والذواء، ومن شيد البنيان في الشرق والغرب، ومصر الأمصار، وبنى المدن الكبار، كإفريقس بن أبرهة، وما بنى بالمغرب من المدن كمدينة إفريقية وصقلية، وما كور من الكور هنالك، وما اتخذ من العمائر، وكمسير شمر إلى أرض المشرق، وبنيانه سمرقند، ومن خلف هنالك من حمير بها، وببلاد التبت والصين، وقد ذكر ذلك جماعة من شعرائهم ممن سلف وخلف.
** بين دعبل والكميت **
وقد أفتخر دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يرد فيها على الكميت، وفخر دعبل بمن سلف من ملوكهم ومسيرهم في الأرض، وأن لهم من الفضل ما ليس لمعد بن عدنان، فقال في شعره:
همو كتبوا الكتاب بباب مر ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم جمعوا الجموع بسمرقند ... وهم غرسوا هناك التبتينا
وقد كان لليمن ملوك لا يدعون بالتبابعة، ممن تقدم وتأخر منهم، حتى ينقاد إلى مكة أهل الشحر وحضرموت، فحينئذ يستحق أن يسمى تبعا، ومن تخلف عن ملكه من ذكرنا سمي ملكا، ولم يطلق عليه اسم تبع، وقد قال الله عز وجل في قصة قريش وتفاخرها بقوتها وعددها: " أهم خير أم قوم تبع " الآية حين دخل الحرم فبعث الله عليه الظلة، وإنما سمي تبعا بمن تبعه، وكذلك حكي عن عبد الله بن العباس.
** بين تبع وقباد ملك الطوائف **
وقد كان تبع أبو كرب سار في الأرض، ووطىء الممالك وذللها، ووطىء أرض العراق في ملك الطوائف، وعديد الطوائف حينئذ جوذر بن سابور، فلقي أبوكرب ملكا من الطوائف يقال له قناد، وليس بقباد بن فيروز من الساسانية، فانهزم قباد، وأتى تبع أبو كرب على ملكه، وملك العراق والشام والحجاز وكثيرا من الشرق. وفي ذلك يقول تبع ويذكرما صنع:
ورد الملك تبع وبنوه ... ورثوهم جدودهم والجدودا
إذجنبنا جيادنا من ظفار ... ثم سرنا بها مسيرا بعيدا
فاستبحنا بالخيل ملك قباد ... وابن أقلود قائما مصفودا
فكسونا البيت الذي حرم الله ملاء مقصبا وبرودا
وأقمنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابه إقليدا
ثم طفنا بالبيت سبعا و سبعا ... وسجدنا عند المقام سجودا
وقال أيضا فيه:
لست بالتبع اليمانيئ إن لم ... تركض الخيل في سواد العراق
وتؤدي ربيعه الخرج قسرا ... أو تعقني عوائق العواق
وقد كانت لنزار بن معد معه وقائع وحروب كثيرة، واجتمعت عليه معد بن ربيعه ومضر وإياد وأنمار، وتداعت بجدها نزار، وتواهبت ما كان بينها من الدماء والثأر، فكانت لهم عليه؛ ففي ذلك يقول أبوعواد ا لأيادي:
ضربنا على تبع جزية ... جياد البرود وخرج الذهب
وولي أبوكرب هاربا ... وكان جبانا كثيرا لرهب
وأتبعه فهوى للجبين ... وكان العزيز بها من غلب
وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط بدء النسب من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولد إسماعيل وتفرق النسب إلى نزار بن معد وتشعب الناس من نزار بن معد بن عدنان، فلنذكر الآن في هذا الموضع خبر ولد نزار الأربعة مع الأفعى بن الأفعى الجرهمي، ثم نعقب ذلك بما إليه قصدنا في هذا الباب من هذا الكتاب، من علة سكنى البوادي من العرب البدو وغيرهم ممن سكن الجبال والأودية وسائر البراري والقفار.
** أولاد نزار بن معد وقصتهم مع الأفعى الجرهمي **
ذكر عدة من رواة أخبار العرب أن نزار بن معد ولد أربعة أولاد: إيادا، وبه كان يكنى، وأنمارا - وبجيلة وخثعم من ولده على ما قيل، إذ كان فيما ذكرنا تنازع لأن من الناس من ألحقهم باليمن، ومن الناس من ذكر فيهم ما وصفنا أنهم من ولد أنمار بن نزار - وربيعه، ومضر، فلما حضرت نزارا الوفاة دعا بنيه ودعا بجارية له شمطاء، فقال لإياد: هذه الجارية وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد مضر فأدخله قبة له حمراء من أدم، ثم قال: هذه القبة وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد ربيعه وقال له: هذا الفرس الأدهم والخباء الأسود وما أشبهها من مالي ذلك،. ثم أخذ بيد أنمار وقال له: هذه البحرة والمجلس وما أشبهها من مالي ذلك، فإن أشكلت عليكم هذه القسمة فأتوا الأفعى بن الأفعى الجرهمي - وكان ملك نجران - حتى يقسم بينكم وتراضوا بقسمته، فلم يلبث نزار إلا قليلأ حتى هلك، وأشكلت القسمة على ولده، فركبوا رواحلهم ثم قصدوا نحو الأفعى، حتى إذا كانوا منه على يوم وليلة من أرض نجران، وهم في مفازة، إذا هم بأثر بعير فقال إياد، إن هذا البعير الذي ترون أثره أعور، فقال أنمار: وإنه لأبتر، قال ربيعه: وإنه لأزور، قال مضر: وإنه لشرود، فلم يلبثوا أن رفع إليهم راكب توضع به راحلته، فلما غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضال في وجوهكم، قال إياد أكان بعيرك أعور؟ قال: فإنه لأعور، قال أنمار: أكان بعيرك أبتر؟ قال: فإنه لأبتر، قال ربيعه: أكان بعيرك أزور؟ قال: فإنه لأزور، قال مضر: أكان بعيرك شرودا؟، قال: إنه لشرود، ثم قال لهم: فأين بعيري؟ دلوني عليه، قالوا: والله ما أحسسنا لك ببعير ولا رأيناه، قال: - أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتم من نعته شيئا، قالوا: ما رأينا لك بعيرا، فتبعهم حتى قدموا نجران، فلما أناخوا بباب الأفعى أستأذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا، وصاح الرجل من وراء الباب: أيها الملك، هؤلاء أخذوا بعيري ثم حلفوا أنهم ما رأوه، فدعا به الأفعى فقال: ما تقول؟ فقال: أيها الملك، هؤلاء ذهبوا ببعيري وهم أصحابه، فقال لهم الأفعى: ما تقولون؟ قالوا: رأينا في سفرنا هذا إليك أثر بعير، فقال إياد: إنه لأعور، قال: وما يمريك أنه أعور؛ قال: رأيته مجتهدا في رعي الكلأ من شق قد لحسه والشق الأخر واراف كثير الإلتفاف لم يمسه فقلت: إنه أعور، وقال أنمار: رأيته يرمى ببعره مجتمعا ولو كان أهلب لمصع به فعلمت أنه أبتر، وقال ربيعه: رأيت أثر إحدى يديه ثابتا والأخر فاسدا فعلمت أنه أزور، وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعداها فيمر بالكلأ الملتف الغض فلا ينهش منه حتى يأتي ما هو أرق منه، فيرعى فيه، فعلمت أنه شرود، فقال الأفعى: صدقوا، قد أصابوا أثر بعيرك وليسوا بأصحابه، التمس بعيرك ثم قال الأفعى للقوم: من أنتم؟ فأخبروه بحالهم، وانتسبوا إليه فرحب بهم وحياهم ثم قال: ما خطبكم؟ فقصوا عليه قصة أبيهم، قال الأفعى: وكيف تحتاجون إلي وأنتم على ما أرى. قالوا: أمرنا بذلك أبونا، ثم أمر بهم فأنزلوا، وأمر خادما له على دار الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مثوأهم وإلطافهم بأفضل ما يقدر عليه أمر وصيفا له من بعض خدمه ظريفا أديبا، فقال له: أنظر كل كلمة تخرج من أفواهم فأتني بها، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القهرمان بقرص من شهد فأكلوا وقالوا: ما رأينا شهدا أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه، فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله ألقاه في هامة جبار، فوعاها الغلام، فلما حضر غداؤهم وجيء بالشواء فإذا بشاة مشوية فأكلوها وقالوا: ما رأينا شواء أجود شئا ولا أرخص لحما ولا أسمن منه، فقال إنمار: صدقتم لولا أنه غني بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا: ما رأينا خمرا أرق ولا أعنب ولا أصفى ولا أطيب رائحة منه، فقال ربيعه: صدقتم لولا أن كرمها نبت على قبر. ثم قالوا: مارأينا منزلا أكرم قرى ولا أخصب رحلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه. فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره بما كان منهم، فدخل الأفعى على أمه ، فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أنا ومن أبي، فقالت: يا بني، وما دعاك إلى هذا؟ أنت ابن الأفعى الملك الأكبر، قال: حقا لتصدقني، فلما ألح عليها قالت: يا بني إن أباك الأفعى الذي تدعى له شيخا قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الملك عنا أهل البيت، وقد كان قدم إلينا شابا من أبناء الملوك، فدعوته إلى نفسي، فعلقت بك منه، ثم بعث إلى القهرمان، فقال: أخبرني عن الشهد الذي بعثت به إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: أنا أخبرنا بدير في طف. فبعثت إليه من يشوره،، فأخبروني أنهم هجموا على عظام نخرة منكرة في ذلك الطف، فإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأتوا بعسل لم أرمثله فقدمته إلي القوم لجودته، ثم بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي شويتها لهؤلاء القوم؟ قال: أنى بعثت إلى الراعي أن ابعث إلي بأحسن شاة عندك، فبعث بها إلي، وما سألته عنها، فبعث إلى الراعي أن أعلمني خبر هذه الشاة، قال: إنها أول ما ولدت من غنمي عام أول، فماتت أمه ا، فبقيت، وكانت كلبة لي قد وضعت فأنست السخلة بجراء الكلبة، فكانت ترضع من الكلبة مع جرائها، فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إليك، ثم بعث إلى صاحب الشراب، فقال: ما هذا الخمر الذي سقيت لهؤلاء القوم. قال: من حبة كرم نبتت غرستها على قبر أبيك، فليس في العرب مثل شرابها، فقال الأفعى: ما هؤلاء القوم؟ إن هم إلا شياطين، ثم أحضرهم فقال: ما خطبكم؟ قصوا علي قصتكم، فقال إياد: الله أبي جعل لي خادمة شمطاء وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك غنما برشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم قال أنمار: إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبهها من ماله، قال: ذلك ما ترك أبوك من الرقة والحرث والأرض، فقال ربيعه: إن أبي جعل لي فرسا أدهم وبيتأ أسود وما أشبهها من ماله، قال: فإن أباك ترك خيلا دهما وسلاحا فهي لك وما فيها من عبيد، فسمي ربيعه الفرس، فقال مضر: إن أبي جعل لي قبة حمراء من أدم وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك إبلأ حمراء فهي لك وما أشبهها من ماله، فصارت لمضر الإبل والقبة الحمراء، والذهب، فسمي مضر الحمراء، وكانوا على ذلك مع أخوالهم جرهم بمكة فأصابتهم سنة أهلكت الشاء وعامة الإبل، وبقيت الخيل، وكان ربيعه يغزو عليها ويصل أخوته، وذهب ما كان لأنمار من شاء في تلك السنين، ثم عاود الناس الخصب والغيث، فرجعت الإبل وثابت إليها أنفسها ومشت، فتناسلت وكثرت وقام مضر بأمر أخوته، فبينما هم كذلك وقد قدم الرعاء بابلهم فتعشوا ليلا وعشوا رعاءهم فقام مضر يوصي الرعاء وفي يد أنمار عظم يتعرقه فرمى به في ظلمة الليل وهو لا يبصر فأوتد في عين مضر وفقأه فتأوه مضر وصاح: عيني، عيني، وتشاغل به أخوته، فركب أنمار بعيرا من كرائم إبله، فلحق بديار اليمن، وكان بين أخوته ما ذكرنا من التنازع.
فهؤلاء ولد نزار الأربعة: إليهم يرجع سائر ولد نزار على حسب ما قدمنا أن مضر الحمراء لما ذكرنا من أمر القبة، وبذلك تفتخر مضرة كل أمه ا من المنثور والمنظوم، وربيعه الفرس وربيعه القشعم من الفروسية والشجاعة والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من أمر الفرس، وإياد و ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله، وما قاله النسابون في عقبه. ولكل واحد من هؤلاء ومن أعقب أخبار كثيرة يطول ذكرها، ويتسع شرحها: من ذكر ما حلوا به من الديار، وتشعب أنسابهم وتسلسلها، أتى الناس على ذكرها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا اليسير مبسوطها؛فمنعنا ذلك من إعادته في هذا الكتاب.
فلنذكر الآن الغرض من هذا الباب الذي به ترجم، وإليه نسب، من سكنى من حل البدو من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبجة والبربر، ومن تقطن بالبراري وقطن الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
** علة سكنى البدو **
تباين الناس في السبب الموجب لما وصفنا، فذهب كثير من الناس إلى أن الجيل الأول من سكن الأرض مكثوا حينا من الزمان لم يبنوا بناء ولا شيدوا مدنا، وكان سكناهم في شبه الأكواخ والمظال، ثم إن نفرا منها أخذوا في أبناء المساكن، وخلف من بعدهم خلف فابتنوا الأبنية، وثبت فرقة منهم على سجيتها؛ ولى في البيوت والإظلال ينتجعون الأماكن الرفهة الخصبة، وينتقلون عنها إذا أجدبت، فمضت هذه الطائفة على نهج الأقدمين.
وذكرت طائفة أن أول ذلك أن الناس لما نضب عنهم الطوفان الذي أهلك الله به الأرض في زمن نوح على نبينا وعليه السلام تفرق من نجا في طلب البقاع الخصبة المتخيرة، وانفرد من انفرد بانتجاع الأرضين وحلول البيداء، واستوطن آخرون بقاعا تخيروها، كمن ابتنى إقليم بأبل من النبط، ومن حله من ولد حام بن نوح عليه السلام مع نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ الأول بن كوش بن حام بن نوح، وذلك حين تملك على إقليم بابل من قبل الضحاك، وهو بيوراسف وكمن حل بلاد مصر من ولد حام على حسب ما ذكرنا في باب مصر وأخبارها في هذا الكتاب وكمن عمر الشام من الكنعانيين، وكمن حل بوادي البربر وهم هوارة وزناتة وضريسة ومغيلة وورفجومة ونفزة وكتامة ولواتة ومزانة ونفوسة ولفظه وصدينة ومصمودة وزنارة وغمارة وقالمة ووارقة وأتيته وبابه وبنو سبخون وأركنة وهي من زناتة وبنو كلان وبنو مصدريان وبنو أفباس وزبحن وبنو منهوسا وصنهاجة، ومن سكن من أنواع الأحابيش وغيرهم الغابة المعروفة بغابة العافريم سون ورعوين والعورفة ويكسوم، ومنهم من سكن غير الغابة واتسع في هذه البلاد من المغرب.
وقد ذكرنا أن أرض البربر خاصة كانت أرض فلسطين من بلاد الشام، وأن ملكهم كان جالوت، وهذا الاسم سمة لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود عليه الصلاة والسلام ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، وأنهم انتهوا إلى ديار المغرب إلى موضع يعرف بلوبية ومرافية، فانتشروا هنالك، فنزل منهم زنانة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار وتبطنوا الأودية، ونزلوا أرض برقة، ونزلت هؤارة بلاد إياس وهي بلاد طرابس المغرب أي الثلاث المدن، وقد كانت هذه الديار للافرنجة والروم قانجلوا عن البربر حين أوطنوا أرضهم إلى جزائر البحر الرومي فسكن الأكثر منهم جزيرة صقلية، وتفرقت البربر ببلاد إفريقية وأقاصي بلاد المغرب نحو من مسافة الذي ميل، وانتهوا إلى موضع يعرف بقبوسة، على أكثر آلفي ميل من بلاد القيروان، وتراجعت الروم والإفرنجة إلى مدنهم وعمائرهم وذلك على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال والدهاس وأطراف البراري والقفار.
ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان، وهو المتصل ببحر الظلمات المعروف ببحر أقيانس، وغير هؤلاء ممن ذكرنا من الأمم من سكن قطع الأرض وابتنى المدائن شرقأ وغربا.
ورأت العرب أن جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بأولى العز وأليق بذوي الأنفة، وقالوا: لنكون محكمين في الأرض ونسكن نشاء أصلح من غير ذلك، فاختاروا سكنى البدو، من أجل ذلك. وذكر آخرون أن القدماء من العرب لما ركبهم الله من سمو الأخطار ونبل الهمم والأقدار، وشدة الأنقة، والحمية من المعرة، والهرب من العار، بدأت بالتفغير في المنازل، والتقدير للمواطن، فتاملوا شان المدن والأبنية، فوجدوا فيها معرة ونقصا، وقال ذو المعرفة والتمييز منهم: أن الأرضين تمرض كما تمرض الأجسام، ولحقها الآفات. والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح. إذا الهواء ربما قوي فأضر بأجسام م سكانه، وأحال أمزجة قطانة، وقال ذوى الآراء منهم: إن الأبنية والتحويط حصر عن التصرف في الأرض، ومقطعة عن الجولان، وتقييد للهمم، وحبس لما في الغرائز من المسابقة إلى الشرف، ولا خير في اللبث على هذه الحالة. وزعموا أيضا أن الأبنية والأطلال تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء، وتسد سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك، فسكنوا البر الأفيح الذيلا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضر، هذا مع ارتفاع الأقذاء، وسماحة الأهواء، واعتزال الوباء، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن، ونقاء القرائح في التنقل في المساكن، مع صحة الأمزجة، وقوة الفطنة، وصفاء الألوان وصيانة الأجسام. فإن العقول والاراء تتولد من حيث تولد الهواء، وطبع الهواء الفضاء وفي هذا الأمن من العاهات والأسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنى البوادي والحلول في البيداء، فهم أقوى الناس همما، وأشدهتم أحلاما، وأصحهم أجساما، وأعزهم جارا، وأحماهم ذمارا، وأفضلهم جوارا، وأجودهم فطنا؛لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء،لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار مما يرتفع أليه، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات، والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد إليه، ولذلك تراكبت الأقذاء والأعواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجس أمه م، وتضاعفت في أشعارهم وأبصارهم، ففضلت العرب على سائر من عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الأماكن وارتيادها المواطن.
قال المسعودي: ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حزون الأرض ودهاسها، وذلك أن هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والأودية تناسب أخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها؛ لعدم استقامة الاعتدال في أرضها، فلذلك أخلاق قطانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ.
** خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة **
وذكر الهيثم بن عدي والشرقي بن القطامي وغيرهما من الأخباريين أنه وفد على كسرى أنو شروان بعض خطباء العرب، فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو، فقال: أيها الملك، ملكوا الأرض ولم تملكهم، وأمنوا عن التحصن بالأسوار، واعتمدوا على المرهفات الباترة، والرماح الشارعة جننا وحصونا، فمن ملك قطعة من الأرض فكأنها كلها له، يرعون منها خيارها، ويقصدون ألطافها، قال: فأين حظوظهم من الفلك؟ قال: من تحت الفرقدين ورأس البحرة وسعد الجدي مشرقين في البر بحسب ذلك، قال: فما رياحها؟ قال: أكثرها النكباء بالليل والصبا عند انقلاب الشمس، قال: فكم الرياح؟ قال: أربع، فإذا انحرفت واحدة منهن قيل: نكباء، وما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وماجاء من قبل ذلك فهي صبا، قال؛فما أكثر غذاءهم. قال: اللحم واللبن والنبيذ والتمر، قال: فما خلائقهم؟ قال: العز، وا لشرف، والمكأرم، وقرى ا لضيف، وإذمام الجار، وإجارة الخائف، وأداء الحمالات ، وبذل المهج في المكرمات، وهم سراة. وليوث الغيل، وعمار البر، وأنس القفر، ألفوا القناعة، وشنفوا الضراعة،. لهم الأخذ بالثار، والأنفة من العار، والحماية للذمار، قال كسرى: لقد وصفت عن هذا الجيل كرما ونبلا؛ وما أولانا بإنجاح وفادتك فيهم. فتخيرت العرب في البر إنزالا منها مشات ومنها مصايف؛ فمنهم المنجد والمتهم فالمنجد منهم هم الذين سكنوا أرض نجد والمتهم هم الذين سكنوا أرض تهامة، ومنهم من سكن أغوار الأرض كغور بيسان وغور غزة من أرض الشام من بلاد فلسطين والأردن ومن سكنه من لخم وجذام، ولجميع العرب مياه يجتمعون عليها وملكية يعرجون إليها، كالدهناء والسماوة والتائم وأنجاد الأرض والبقاع والقيعان والوهاد، ولست تكاد ترى قبيلا من العرب توغل من الأماكن المعروفة لهم والمياه المشهورة بهم، كماء ضارج وماء لعقيق والهباءة وما أشبه ذلك من المياه.
** الاكراد ونسبهم ومساكنهم **
وأما أجناس الأكراد وأنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم؛ فمنهم من رأى أنهم من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، دعتهم إلى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك من الامم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية،ولكل نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعه ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلبا للمياه والمرادى فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.
ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود عليهما السلام حين سلب ملكه ووقع على إمائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يقع عليهن، فعلق منه المنافقات، فلما رد الله على سليمان ملكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: أكردوهن إلى الجبال والأودية، فربتهم أمه اتهم، وتناكحوا، وتناسلوا، فذلك بدء نسب ا لأكرا د.
ومن الناس من رأى أن الضحاك ذا الأفواه المقدم ذكره في هذا الكتاب الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من أي الفريقين هو، أنه خرج بكتفيه حيتان فكانتا لا تغذيان إلا بألدمغة الناس، فأفنى خلقا كثيرا من فارس، واجتمعت إلى حربه جماعة كثيرة وافاه أفريدون بهم وقد شالوا راية من الجلود تسميها الفرس درفش كاوان، فأخذ أفريدون الضحاك وقيده في جبل دنباوند على ما ذكرنا، وقد كان وزير الضحاك في كل يوم يذبح كبشا ورجلا ويخلط أدمغتهما، ويطعم تينك الحيتين اللتين كانتا في كتفي الضحاك، ويطرد من تخلص إلى الجبال، فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال فهم بدء الأكراد، وهؤلاء من نسلهم، وتشعبوا أفخادا، وما ذكرنا من خبر الضحاك فالفرس لايتنا كرونه، ولا أصحاب التواريخ القديمة ولا الحديثة.
وللفرس في أخبار الضحاك مع إبليس أخبار عجيبة، وهي موجودة في كتبهم، وتزعم الفرس أن طهومرث المقدم ذكره في ملوك لفرس الأولى هو نوح النبي عليه السلام، وتفسير درفيش بالفارسية اللهلوية - وهي الأولى - الراية والمطرد والعلم.
وأما الترك وأجناسها فقد قدمنا كثيرأ من أخبارها، وقد غلط قوم فزعموا أن الترك من ولد طوح بن أفريدون، وهذا غلط بين؛لأن طوح ولأه أفريدون على الترك وسلم على الروم، وكيف توليه عليهم وهم ولده؛ وما قلنا يدل على أن الترك من غير ولد طوم بن أفريدون، بل لطوح في الترك عقب مشهور، والمعظم في أجناس الترك هم التبت، وهم من حمير على حسب ما ذكرنا أن بعض التبابعة ربتهم هناك.
وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس؛والأصح من أنسابهم؛ أنهم من ولد ربيعه بن نزار، فأما نوع من الأكراد - وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة، وهي أرض الدينور وهمذان - فلا تناكما بينهم أنهم من ولد ربيعه بن نزار بن معد، والماجردان - وهم من الكنكور ببلاد أذر والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشادنجان والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حل بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم - فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار، ومنهم اليعقوبية والجورقان وهم نصارى، وديارهم مما يلي بلاد الموصل وجبل الجودي.
وفي الأكراد من رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما. فهذه جمل من أخبار بوادي العالم، وقد أعرضنا عن ذكر الغوز والخرلج وهم أنواع من الترك نحو بلاد غرش وبسطام وبست مما يلي بلاد سجستان وكذلك من ببلاد كرمان من أرض القفص والبلوج والجت.
** بعض أيام العرب **
قال المسعودي: فأما أيام العرب ووقائعها وحروبها فقد ذكرناهأ فيما سلف من كتبنا، وما كان منها في الجاهلية والإسلام، كيوم الهباءة، وحروب ذبيان وغطفان، وما كان بين عبس وسائر العرب من نزار واليمن. وحرب داحس والغبراء، ؤحرب بكربن وائل وتغلب، وهي حرب البسوس، ويوم الكلاب، ويوم خزاز، ومقتل شاس بن زهير، ويوم في قار، ويوم شعب جبلة، وما كان من بني عامر وغيرهم، وحرب الأوس والخزرج، وما كان بين غسان وعك.
وسنورد بعد هذا الباب جملأ من أخبار العرب الداثرة وغيرها وتفرقها في البلاد، ونذكر جملا من آرائها ودياناتها في الجاهلية، وما ذهبت إليه في الغيلان والهواتف والقيافة والكهانة والتفرس والصدى والهام، وغير ذلك من شيمها، وبالله التوفيق.