John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول وما لحق بهذا الباب

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 37 of 107

** رأيهم في الغول **

للعرب في الغيلان وتغولها أخبار طريفة. العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم: فمنها قول تأبط شرأ:

وأدهم قد جبت جلبابه ... كما آجتابت الكاعب الخيعلا

على إثر نار ينور بها ... فبت لها مدبرا مقبلا

فأصبحت والغول لي جارة ... فياجارتي أنت ما أهول

وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تغول فاستغولا

فمن كان يسأل عن جارتي ... فإن لها باللوى منزلا

ويزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:

يارجل عنز آنهقي نيقا ... لن نترك السبسب والطريقا

** الغول تتلون وتضلل **

وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القصد فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال.

وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك: منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضر بها بسيفه، وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.

** رأي الفلاسفة **

وقد حكي عن بعض المتفلسفين أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان مشوه لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج منفردا في نفسه وهيئته توحش من مسكنه، فطلب القفار، وهو يناسب الإنسان والحيوان البهيمي في الشكل، وقد ذهبت طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائبا من الكواكب عند طلوعها، مثل الكوكب المعروف بكلب الجبار، وهي: الشعرى االعبور، وأن ذلك يحدث داء في الكلاب، وسهيل في الحمل والذئب في الدب وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحاري، وغيرها من العامر والخرائب، فتسمية عوام الناس غولا، وهي ثمانية وأربعون كوكبا، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير إلى علم النجوم وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة.

وزعمت طائفة من الناس أن الغول اسم لكل شيء يعرض للسفار، ويتمثل في ضروب من الصور، ذكرا كان أو أنثى، إلا أن اكثر هم كل أمه م على أنه أنثى، وقد قال أبو المطراب، عبيد بن أيوب العنبري:

وحالفني الوحوش على الوفاء ... وتحت عهودهن وبا البعاد

وغولا قفرة ذكرا وأنثى ... كأن عليهما قطع النجاد

وقال آخر وهو كعب بن زهير الصحابي:

فما تحوم على حال تكون بها ... كما تلؤن في أثوابها الغول

وقد قدمنا ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى، وأن كل كوكب من هذه يظهر في صورة مخالفة لما تقدمه من الصور يحدث في هذا العالم نوعا من الأفعال لم ينفرد يفعله غيره من الكواكب.

وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخيل، واختلال السا بلة، قال أبو المطراب:

فلله در الغول، أي رفيقة ... لصاحب قفر حالف وهو معبر

أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيرانا تلوح وتزهر

** قولهم في السعلاة **

وقد فرقوا بين السعلاة والغول، قال عبيد بن أيوب:

وساخرة مني، ولو أن عينها ... رأت مارأت عيني من الهول جنت

أبيت بسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وارى الجن فيه أرنت

وقد وصفها بعضهم، فقال:

وحافر العنز في ساق مدملجة ... وجفن عين خلاف الإنس بالطول

** قولهم في الشياطين ونحوهم **

وللناس كلام كثير في - الغيلان، والشياطين، والمردة، والجن، والقطرب، والغدار، وهو نوع من الأنواع المتشيطنة، يعرف بهذا الاسم، يظهر في أكناف اليمن والتهائم، وأعالي صعيد مصر، وأنه ربما يلحق الإنسان فينكحه فيتدود دبره فيموت،وربما يتوارى للإنسان فيذعره، فإذا أصاب الإنسان ذلك منه يقول له أهل تلك النواحي التي سمينا: أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح يئس منه، وإن كان مذعورا أسكن روعه، وشجع مما ناله، وذلك أن الإنسان إذا عاين ذلك سقط مغشيا عليه، ومنهم من يظهر له ذلك فلا يكترث به لشهامة قلبه، وشجاعة نفسه، وما ذكرنا مشهور في البلاد التي سمينا، ويمكن جميع ما قلنا مما حكيناه عما ذكرنا من أهل هذه البقاع أن يكون ضربا من السوانح الفاسدة والخوأطر الرديئة، أو غير ذلك من الآفات والأدواء المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم، والله أعلم بكيفية ذلك.

ولم نذكر في هذا الكتاب ما ذكره أهل الشرائع، وما ذكره أهل التواريخ والمصنفون لكتب البدو، كوهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهما أن الله تعالى خلق الجان من نار السموم، وخلق منه زوجته، كما خلق حواء من آدم وأن بيضة من تلك البيض تفلقت عن قطربة، وهي: أم القطارب،وأن القطربة على صورة الهرة، وأن الأبالس من بيضة أخرى منهم الحارث أبو مرة، وأن مسكنهم البحور، وأن االمردة من بيضة أخري مسكنهم الجزائر، وأن الغيلان من بيضة أخري، مسكنهم الخلوات والفلوات، وأن السعالي من بيضة أخري، سكنوا الحمامات والمزابل، وأن الهوام من بيضة أخري، سكنوا الهواء في صورة الحيات ذوات أجنحة يطيرون هنالك، وأن من بيضة أخرى الدواسق، وأن من بيضة أخرى الحماميص - لأنا قد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وتقدم من تصنيفنا، وأتينا على ذكر ما تشعب من أنسابهم والمشهور من أسمائهم ومساكنهم من الأرض والبحار، وإن كان ما ذكره أهل الشرع مما وصفنا ممكنا غير ممتنع ولا واجب، وإن كان أهل النظر والبحث والمستعملون لقضية العقل أو الفحص يمتنعون مما ذكرناه، ويأبون ما وصفنا، والمصنف حاصب ليل، فأوردنا ما أقاله الناس من أهل الشرائع وغيرهم؛ إذ كان الواجب على كل في تصنيف أن يورد جميع ما قاله أهل الفرق في معنى ما ذكرناه، وأتينا أيضا على سائر ما خبرنا من الأشخاص التي هي غير مرئية من الجن والشياطين وما قالوه في سلوك الجن في الناس في كتابنا المترجم بكتاب المقالات، في أصول الديانات بالله التوفيق.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com