John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر قول العرب في الهواتف والجان

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 38 of 107

قال المسعودي: فأما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب، واتصلت بديارهم، وكان كثرها أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أولية مبعثه، ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.

** قولهم في الهواتف والجان **

قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الهواتف والجان: فذكر فريق منهم أن ما تذكره العرب وتنبىء به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامة والمروراة الموحشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحد تفكر، وإذا هو تفكر وجل وجبن، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، والسوداوية الفاسدة، فصورت الأصوات، ومثلت له الأشخاص، وأوهمته المحال، بنحو ما يعرض لنوي الوسواس، وقطب ذلك وأسه سوء التفغير، وخروجه على غير نظام قوي، أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المروراة مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحتوف ؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فيتوهم ما يحكيه من هتف الهواتف به واعتراض الجان له.

** بين شق وعلقمة بن صفوان **

وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الإنسان، وأنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسمية شقا.

وذكروا عن علقمة بن صفوان بن أمية بن محرب الكناني جد مروان بن الحكم ل أمه أنه خرج في بعض الليالي يريد مالا له بمكة، فانتهى إلى الموضع المعروف إلى هذا الوقت بحائط حرمان؛ فإذا هو بشق قد ظهر له في أوصاف ذكرها فقال شق:

علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول

أضربهم بالمسلول ... ضرب غلام مشمول

رحب الزراع بهلول

فقال علقمة: شق، مالي ولك ... اغمد عني منصلك

تقتل من لا يقتلك؟

فقال شق:

علقم، غنيت لك ... كيما أبيح معقلك

فاصبر لما قد حم لك

فضرب كل منهما صاحبه، فخرا ميتين، وهذا مشهور عندهم، وأن علقمة بن صفوان قتلته الجن.

** الجن تقتل حرب بن أمية **

وذكروا عن الجن بيتين من الشعر قالتهما في حرب بن أمية حين قتلته الجن وهما:

وقبر بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر

واستدلوا على أن هذا الشعر من قول الجن بأن أحدا من الناس لا يتأتى له أن ينشد هذين البيتين ثلاث مرات متواليات لا يتتعتع في إنشادهما؛ لأن الإنسان قد ينشد العشرين بيتا والأكثر والأقل أشد من هذا الشعر وأثقل منه ولا يتتعتع فيه.

** ممن قتلته الجن **

وممن قتلته الجن مرداس بن أبي عامر السلمي، وهو أبو عباس بن مرداس السلمي، ومنهم الغريض المغني، بعد أن ظهر غناؤه وحمل عنه، وقد كانت الجن نهته أن يغني بأبيات من الشعر، فغناها فقتلته.

** قبر حاتم طي يقري الضيف **

وحدث يحيى بن عقاب، عن علي بن حرب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن منصور بن يزيد الطائي ثم الصامتي قال: رأيت قبر حاتم طي ببقة، وهو أعلى جبل له واد يقال له الخابل، وإذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعر منشور محتجرات على قبره كالنائحات عليه، لم ير مثل بياض أجس أمه ن وجمال وجوهن، مثلهن الجن على قبره، ولم يكن قبل ذلك، والجواري بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون أرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه، ونحن في منازلنا نسمع ذلك، إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر سكتن وهدأن، وربما مر المار فيراهن فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن؛فإذا دنا منهن وجدهن حجارة.

وحدث يحيى بن عقاب الجوهري قال: حدثنا علي قال: أنبأني عبد الرحمن بن يحيى المنذري، عن أبي المنزر هشام الكلبي، قال: حدثنا أبو مسكين بن جعفر بن محرز بن الوليد، عن أبيه، وكان مولى لأبي هريرة قال: سمعت محمد بن أبي هريرة يحدث قال: كان رجل يكنى أبا البختري مر في نفر من قومه بقبر حاتم طييء، فنزلوا قريبا منه، فبات أبو البختري يناديه: يا أبا الجعد، أقرنا، فقال قومه له: مهلا ما تكلم رمة بالية؟ قال: إن طيئا تزعم أنه لم ينزل به أحد قط إلا قراه، وناموا، فلما أن كان في آخر الليل قام أبو البختري مذعورا فزعا ينادي: وراحلتاه، فقال له أصحابه: ما بدا لك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسيف، وأنا أنظر، حتى عقر ناقتي، قالوا له: كذبت، ثم نظروا إلى ناقته بين نوقهم مجدلة لا تنبعث، فقالوا له: قد والله قراك، فظلوا يكلون من لحمها شواء وطبيخا حتى أصبحوا، ثم أردفوه، وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعير يعود آخر قد لحقهم فقال: آيكم أبو البختري؛ فقال أبو البختري: أنا ذلك، قال: أنا عدي بن حاتم، وإن حاتما جاءني الليلة في النوم ونحن نزول وراء هذا الجبل، فذكر شتمك إياه، وأنه قرى أصحابك براحلتك، وأنشدني يقول في شعره:

أبا البختري، لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شت أمه

ا أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرة صدحت ه أمه ا

أتبغى لي الذم عند المبيت ... وحولك طي وأنع أمه ا؟

فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي فنعت أمه ا

وقد أمرني أن أحملك على بعير مكان راحلتك، فدونك.

وقد ذكر هذا سالم بن زرارة الغطفاني في مدحه عدي بن حاتم حيث يقول: -

أبوك أبوسفانة الخير لم يزل ... لحن شب حتى مات في الخير رغبا

به تضرب الأمثال في الشعر ميتا ... وكان له إذ ذاك حيا مصاحبا

قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكب وحدث أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاز السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: سمعت شيخاه العرب قد أناف على المائة يقول: إنه خرج وافدا على بعض ملوك بئ أمية، قال: فسرت في ليلة صهاكية حالكة كأن السماء قد برقعت نجومها بطرائق السحاب، وضللت الطريق، فتولجت واديأ لا أعرفه فأهمتني نفسي بطرحها حتى الصباح فلم آمن عزيف الجن، فقلت: أعوز برب هذا الوادي من شره، وأستجيره في طريقي هذا، وأسترشده، فسمعت قائلا يقول من بطن الوادي:

تيامن تجاهك تلق الكلا ... تسير وتأمن في المسلك

قال: فتوجهت حيث أشار إلي وقد أمنت بعض الأمن فإذا أنا بأقباس نار تلمع أمامي في خللها كالوجوه على قامات كالنخيل السحيقة، فسرر وأصبحت بأوشال - وهو ماء لكلب - بقرب برية دمشق.

وقد ذكر الله عز وجل ذلك من فعلهم في كتابه فقال: " وانه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزاثوهم رهقا " .

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com