Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر قصة إبراهيم ومن تلأ عصره من الأنبياء والملوك من بني إسرائيل وغيرهم
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 4 of 107
ولما نشأ إبراهيم عليه السلام، وخرج من المغارة التي كان بها، وتأمل آفاق الأرض والعالم، وما فيه دلائل الحدوث والتأثير، نظر إلى الزهرة وإشراقها فقال: هذا ربي، فلما رأى القمر أنور منها قال: هذا ربي، فلما رأى الشمس أبهر مما رأى قال: هذا ربي هذا أكبر، وقد تنازع الناس في قول إبراهيم هذا ربي، فمنهم من رأى أن ذلك كان منه على طريق الاستدلال والاستخبار، ومنهم من رأى أن ذلك منه كان قبل البلوغ وحال التكليف، ومنهم من رأى غير ذلك، فأتاه جبرائيل فعلمه دينه، واصطفاه الله نبيا وخليلا، وكان قد أوبي رشده من قبل، ومن أوتي رشده فقد عصم من الخطأ والزلل وعبادة غير الواحد الصمد، فعاب إبراهيم عليه السلام على قومه ما رأى من عبادتهم واتخاذهم المجوفات آلهة لهم، فلما كثر عليهم ذم إبراهيم لالهتهم، واستفاض ذلك فيهم اتخذ النمروذ النار وألقاه فيها، فجعلها الله بردا ولمسلاما، وخمدت النار في سائر بقاع الأرض في ذلك اليوم.
** مولد إسماعيل بن إبراهيم **
وولد لإبراهيم إسماعيل عليهما السلام، وذلك بعد أن مضى من عمره ست وثمانمون سنة أو سبع وثمانون سنة وقيل: تسعون سنة من هاجر جارية كانت لسارة، وكانت سارة أول من آمن بإبراهيم عليه السلام، وهي ابنة بتوايل بن ناحور، وهي ابنة عم إبراهيم، وقد قيل غير هذا مما سنورور بعد هذا الموضع، وأمن به لوط بن هاران بن تارح بن ناحور، وهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام.
** أصحاب المؤتفكة **
وأرسل الله لوطا إلى المدائن الخسمن، وهي: سدوم، وعمورا، وأدموتا، وصاعورا، وصابورا، وإن قوم لوط هم أصحاب المؤتفكة، وهذا الاسم مشتق من الإفك، وهو الكذب على رأي من ذهب إلى الاشتقاق، وقد ذكرهم الله في كتابه بقوله: " والمؤتفكة أهوى " وهذه بلاد بين تخوم الشام والحجاز مما يلي الأردن وبلاد فلسطين، إلا أن ذلك في حيز الشام، وهي مبقاة إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة خرابا لا أحد بها، والحجارة المسومة موجودة فيها يراها الناس السفار سوداء براقة، فأقام فيهم لوط بضعا وعشرين سنة يدعوهم إلى الله فلم يؤمنوا، فأخذهم العذاب على حسب ما أخبر الله من شأنهم. ولما ولد إسماعيل لإبراهيم من هاجر غارت سارة فحمل إبراهيم إسماعيل وهاجر إلى مكة فأسكنها بها، وذلك قوله عز وجل يخبر عن إبراهيم: " " رب إني أسكنت من فريتي بواد غير في زرع عند بيتك المحرم " فأجاب الله دعوته، وآنس وحشتهم، بجرهم والعماليق، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.
وأهلك الله قوم لوط في عهد إبراهيم لما كان من فعلهم واتضح من خبرهم ثم أمر الله إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، فبادر إلى طاعة ربه،وتله للجبين؟ ففداه الله بذبح عظيم، ورفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل.
** مولد إسحاق **
ثم ولد لإبراهيم من سارة " إسحاق عليه السلام، وذلك بعد مضي عشرين ومائة سنة من عمره.
** الذبيح من ولد إبراهيم **
وقد تنازع الناس في الذبيح، فمنهم من ذهب إلى أنه إسحاق، ومنهم من رأى أنه إسماعيل، فإن كان الأمر وقع بالذبح بالحجاز فالذبيح إسماعيل، لأن إسحاق لم يدخل الحجاز، هان كان الأمر بالذبح وقع بالشام فالذبيح إسحاق، لأن إسماعيل لم يدخل الشام بعد أن حمل منه. وتوفيت سارة وتزوج إبراهيم بعد ذلك بقنطوراء، فلد منها ستة ذكور، وهم: مرق، ونفس، ومدن، ومد ين، وسنان، وسرح، وتوفي إبراهيم بالشام، وكان عمره إلى أن قبضه الله عزوجل مائة سنة وخمسا وتسعين سنة، وأنزل الله عليه عشرا من الصحف.
** أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل **
وتزوج إسحاق بعد إبراهيم برفقا ابنة بتوايل ؛ فلدت له العيص ويعقوب في بطن واحد، وكان البادىء منهما إلى الفصل عيص، ثم يعقوب، وكان لإسحاق في وقت مولدهما ستون سنة، وذهب بصر إسحاق، فدعا ليعقوب بالرياسة على إخوته والنبوة في ولده، ودعا لعيص يالملك في ولده، وكان عمر إسحاق إلى أن قبضه الله مائة وخمسا وثمانين سنة، ودفن مع أبيه الخليل، ومواضع قبورهم مشهورة، وذلك على ثمانية عشر ميلا من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم ومراعيه.
** يعقوب بن إسحاق وأخوه العيص **
وقد كان إسحاق أمر ولده يعقوب بالمسير إلى أرض الشام وبشره بالنبوة ونبوة أولاده الاثني عشر، وهم: لاوى، ويهوذا، ويساخر، وزبولون، ويوسف، وبنيامين، ودان، ونفتالى، وكان، وإشا ر، وشمعون، وروبيل، هؤلاء الأسباط الاثنا عشر، والنبوة والملك في عقب أربعة منهم: لاوى، ويهوذا، ويوسف، وبنيامين، وكثرجزع يعقوب من أخيه العيص و، فأمنه الله من ذلك، وكان ليعقوب خمسة آلاف وخمسمائة من الغنم؛ فأعطى يعقوث لأخيه العيص العشرمن غنمه استكفاء للشر وخوقا من سطوته، من بعد أن آمنه الله عزوجل من خوفه، وأن لا سبيل له عليلا، فعاقبه الله في وللى لمخالفته لوعده، فأوحى الله تعالى إليه: ألم تطمئن إلى قولي. فلأجعلن ولد العيص يملكون ولدك خمسمائة وخمسين عاما، وكانت المدة منذ أخربت الروم بيت المقدس، واستعبدت بني إسراثيل إلى أن فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس.
وكان أحب ولد يعقوب إليه يوسف؛ فحسده إخوته على ذلك، وكان من أمره مع إخوته ما قص الله عزوجل في كتابه، وأخبر به على لسان نبيه، واشتهر ذلك في أمته.
** وفاة يعقوب ويوسف **
وقبض الله عز وجل يعقوب ببلاد مصر، وهو ابن مائة وأربعين سنة، فحمله يوسف فدفنه ببلاد فلسطين، عند تربة إبراهيم وإسحاق، وقبض الله يوسف بمصر وله مائة وعشرون سنة، وجعل في تابوت من الرخام، وسد بالرصاص، وطلى الأطلية الدافعة للهواء والماء، وطرح في نيل مصر نحو مدينة منف، وهناك مسجده وقيل: إت يوسف أوصى أن يحمل فيدفن عند قبر أبيه يعقوب في مسجد إبراهيم عليه السلام
** أيوب النبي **
وكان في عصره أيوب النبي صلى الله عليه وسلم، وهوأيوب بن موص بن زراح بن رعوايل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام،وذلك في بلاد الشام من أرض حوران والبثنية من بلاد الأردن من بين دمشق والجابية، وكان كثير المال والولد، فابتلاه الله في نفسه وماله وولده، فصبر، ورد الله عليه ذلك، وأقاله عثرته، واقتص ما اقتص من أخباره في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومسجده والعين التي اغتسل مئها في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلائمائة، مشهوران ببلاد نوى والجولان فيما بين لمحمشق وطبرية من بلاد الأردن، وهذا المسجد والعين على ثلاثة أميال من مدينة نوى، أو نحو ذلك، والحجر الذي كان يأوي إليه في حال بلائه هو وزوجته واسمها رحمةفي ذلك المسجد إلى هذا الوقت.وذكر أهل التوراة والكتب الأولى أن موسى بن ميشاء بن يوسف بن يعقوب نبي قبل موسى بن عمران، وأنه هو الذي طلب الخضربن ملكان ابن فالغ بن عابوربن شالخ بن إرفخشد بن سام بن نوح، وذكر بعض أهل الكتاب أن الخضر هو خضرون بن عميائيل بن النفر بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم، وأنه أرسل إلى قومه فاستجابوا له.
** موسى بن عمران **
فكان موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بمصر في زمن فرعون الجبار، وهو الوليد بن مصعب بن معاوية بن أبي نمير بن أبي الهلواس بن ليث بن هران بن عمرو بن عملاق، وهو الرابع من فراعنة مصر، وقد كان طال عمره وعظم جسمه، وكان بنو إسرائيل قد استرقوا بعد مضي يوسف، واشتد عليهم البلاء، وأخبر أهل الكهانة والنجوم والسحر فرعون أن مولودأ سيولد ويزيل ملكه ويحدث ببلاد مصر أمورا عظيمة، فجزع لذلك فرعون، وأمر بذبح الأطفال، وكان من أمر موسى ما أوحى الله عزوجل إلى أمه في أمره: أن اقذفيه في اليم، فقذفته، إلى آخر ما اقتص من خبره، وأوضحه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.
وكان في ذلك الزمان شعيب عليه السلام، وهو شعيب بن نويت بن رعوايل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وكان لسانه عربيا، وكان مبعوثا إلى أهل مدين، ولما خرج موسى عليه السلام هاربا من فرعون مر بشعيب النبي عليه السلام، وكان من أمره معه وتزويجه ابنته ما قد ذكره الله عزوجل.
** هارون أخو موسى وبعثهما إلى فرعون **
وكلم الله موسى تكليما، وشد عضده بأخيه هارون، وبعثهما إلى فرعون، فخالفهما، فأغرق الله عز وجل فرعون، وأمره الله عز وجل بالخروج ببني إسرائيل إلى التيه، وكان عددهم ستمائة ألف بالغ دون من ليس ببالغ، وكانت الألواح التي أنزلها الله على موسى بن عمران على جبل طور سيناء من زمرد أخضر فيها كتابة بالذهب، فلما نزل من الجبل رأى قوما من بني إسرائيل قد اعتكفا على عبادة عجل لهم، فارتعد، فسقطت الألواح من يده، فتكسرت، فجمعها وأودعها تابوت السكينة مع غيرها وجعله في الهيكل، وكان هارون كاهنا؛ وهو قيم الهيكل وأتم الله عزوجل نزول التوراة على موسى بن عمران وهو في التيه، وقبض الله هارون في التيه فدفن في جبل وموات من نحو جبل الشراة مما يلي الطور، وقبره مشهور في مغارة عادية يسمع منها في بعض الليالي عوقي عظيم يجزع منه كل فيى روح، وقيل: إنه غير مدفن، بل هو موضوع في تلك المغارة، ولهذا الموضع خبر عجيب قد ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان عن الأمم الماضية والممالك الداثرة ومن وصل إلى هذا الموضع علم ما وصفنا، وكان ذلك قبل وفاة نوسى بسبعة أشهر، وقبض الله هارون وهو ابن مائة وثلاث وعشرين سنة، وقيل: إنه قبض وهو ابق مائة وعشرين، وقيل: إن موسى قبض بعد وفاة هارون بثلاث سنين، وإنه خرج إلى الشام وكان له بها حروب من سرايا كانوا يسرونها من البر إلى العماليق والقربانيين والمدنيين وغييرهم ممن كانوا بالشام وغيرهم من الطوائف على حسب مافي التوراة، وأنزل الله عز وجل على موسى عشر صحف، فاستتم مائة صحيفة، ثم أنزل الله عليه التوراة بالعبرانية وفيها الأمر والنهي والتحريم والتحليل والسنن والأحكام، وذنك في خمسة أسفار، والسفر يريدون به الصحيفة، وكان موسى قد ضرب التابوت الذي فيه السكينة من الذهب من ستماتة ألف مثقال وسبعمائة وخمسين مثقالا،
فصار الكاهن بعد هارون يوشع بن نون بن سبط يوسف، وقبض الله موسى وهو ابن عشرين ومائة سنة، ولم يحدث لموسى ولا لهارون شيء من الشيب، ولا حالا عن صفة الشباب. ولما قبض الله عز وجل موسى بن عمران سار يوشع بن نون ببني إسرائيل إلى بلاد الشام، وقد كان غلب عليها الجبابرة من ملوك العماليق وغيرهم من ملوك الشام، فأسرى إليهم يوشع بن نون سرايا، وكانت له معهم وقائع، فافتتح بلاد أريحاء وزغر من أرض الغور، وهي أرض البحيرة المنتنة التي لا تقبل الغرقى، ولا يتكون فيها ف روح من سمك ولا عيزه، وقد ذكرها صاحب المنطق وغيره من الفلاسفة ومن تقدم وتأخر من عصره، وإليها ينتهي ماء بحيرة طبرية، وهو الأردن، وبدء ماء بحيرة طبرية من بحيرة كفرلى والقرعون من أرض دمشق، فإذا انتهى مصب نهر الأردن إلى البحيرة المنتنة خرقها وانتهى إلى وسطها متميزا عن مائها فيغوص في وسطها، وهو نهر عظيم، فلا يدري أين غاص من غير أن يزيد في البحيرة ولا ينقص منها، ولهذه البحيرة أعني المنتنة أخبار عجيبة وأقاصيص طويلة، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان عن الأمم الماضية والملوك الداثرة وذكرنا أخبار الأحجار التي تخرج منها على صورة البطيخ على شكلين، ويعرف الواحد منها بالحجر اليهودي، وذكرته الفلاسفة، واستعمله أهل الطب لمن به وجع الحصاة في المثانة، وهو نوعان: ذكر، وأنثى، فالذكر للرجال، والأنثى للنساء، ومن هذه البحيرة يخرج الغبار المعروف بالحمرة، وليس في الدنيا والله أعلم بحيرة لا يتكون فيها ف روح من سمك وغيره إلا هذه البحيرة، وبحيرة ركبتها ببلاد أفربيجان بين مدينة إرمينية والمراغة، وهي المعروفة هنا بكبودان، وقد ذكر الناس ممن تقدم عذر عدم تكون الحيوان في البحيرة المنتنة، ولم يتعرضوا لبحيرة كبودان، وينبغي على قياس قولهم أفي تكون علتهما واحدة.
وسار ملك الشام وهو السميدع بن هوبر بن مالك إلى يوشع بن نون؛ فكانت بينهم حروب إلى أن قتله يوشع، واحتوى على جميع ملكه، وألحق به غيره من الجبابرة والعماليق، وشن الغارات بأرض الشام، وكانت مدة يوشع بن نون في بني إسرائيل بعد وفاة موسى بن عمران تسعا وعشرين سنة، وهو يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل: إن يوشع بن نون كان بدء محاربته لملك العماليق وهو السميدع ببلاد أيلة نحو مدين، ففي ذلك يقول عوف بن سعد الجرهمي: ألم ترأن العملقي ابن هوبر ... بأيلة أمسى لحمه قد تمزعا
تداعت عليه من يهود حجافل ... ثمانين ألفا حاسرين ودرعا
فأمست عدادا للعماليق بعده ... على الأرض مشيا مصعدين وفزعا
كأن لم يكونوا بين أجبال مكة ... ولم يرراء قبل ذاك السميدعا
** بلعم بن باعوراء **
وكان بقرية من قرى البلقاء من بلاد الشام رجل يقال له بلعم بن باعوراء بن سنور بن وسيم بن ناب بن لوط بن هاران، وكان مستجاب الدعوة، فحمله قومه على الدعاء على يوشع بن نون، فلم يتأت له ذلك، وعجز عنه، فأشار على بعض ملوك العماليق أن يبرزوا الحسان من النساء نحو عسكر يوشعع بن نون ففعلوا، فتسرعوا إلى النساء فقع فيهم الطاعون، فهلك منهم سبعون ألفا، وقيل أكثر من ذلك وبلعم هو الذي أخبر الله عنه أنه آتاه الآيات فانسلخ منها وقيل: إن يوشمع بن نون قبض وهو ابن مائة وعشرين سنة.
** كالب بن يوقنا **
وقام في بني إسرائيل بعد يوشع بن نون كالب بن يوقنا بن بارض بن يهوذا، ويوشع وكالب الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. قال المسعودي: ووجدت في نسخة أن القائم في بني إسرائيل بعد وفاة يوشع بن نون كوشان الكفري، وأنه أقام فيهم ثمانين سنة، وهلك، وملك عميائيل بن قابيل من سبط يهوذا أربعين سنة، وقيل: كوش جبار كان في آب من أرض البلقاء، وإن بني إسرائيل كفرت بعد ذلك فملك الله عليهم كنعان عشرين سنة، وهلك، فكان على بني إسرائيل عملال الأحباري أربعين سنة، ثم قام شمويل إلى أن وليهم طالوت، وخرج عليهم جالوت الجبار ملك البربر من أرض فلسطين. قال المسعودي: فأما على الرواية الأولى التي قمنا ذكرها أن القيم بعد يوشع في بني إسرائيل كالب بن يوقنا وأن القائم بعده في بني إسرائيل والمدبر لهم فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران ثلائين سنة، وكان عمد إلى مصاحف موسى بن عمران عليه السلام فجعلها في خابية نحاس ورصص رأسها، وأتى بها صخرة بيت المقدس، وذلك قبل بنائه فانفرجت، فإذا مغارة فيها صخرة ثانية، فضع الخابية فيها، وانضصت الصخرة على ذلك ككونها أولا.
ولما هلك فنحاص بن العازر دبر أمرهم كوشان الأثيم ملك الجزيرة فتعبد بني إسرائيل، وأخذهم البلاء ثمان سنين، ثم دبرهم عنيائيل بن يوقنا أخو كالب من سبط يهوذا أربعين سنة، ثم دبرهم أعلون ملك مواب بجهد شديد ثمان عشرة سنة، ثم دبرهم أهوذ من ولد إفرايم خمسا وخمسين سنة، ولخمس وثلاثين سنة خلت من أيامه ثم للعالم أربعة آلاف سنة وقيل غير ذلك من التاريخ، ثم دبرهم شاعان بن أهوذ خمسا وعشرين سنة، ثم دبرهم يابين الكنعاني ملك الشام عشرين سنة ثم دبرهم امرأة يقال لها دبورا، وقيل: إنها ابنته، وضمت إليها رجلا من سبط نفتالي يقال له باراق أربعين سنة، ثم تداولتهم رؤوس من بني مدين وهم عريب وربيب وبرسونا ودراع وصلنا تسع سنين وثلاثة أشهر، ثم دبرهم كدعون من آل منشا أربعين سنة، وقتل ملوك مدين،.ثم ابنه أبيمالخ ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ثم دبرهم تولع من آل إفراين ثلاثا وعشرين سنة، ثم يامين من آل منشا اثنتين وعشرين سنة، ثم ملوك عمان ثماني عشرة سنة وثلاثة أشهر ثم نحشون من بيت لحم سبع سنين، ثم شنشون عشرين سنة، ثم أملج عشر سنين، ثم عجران ثماني سنين، ثم قهرهم ملوك فلسطين أربعين سنة، ثم عيلان الكاهن بعد ذلك أربعين سنة، وفي زمانه ظفر البابليون ببني إسرائيل وغنموا التابوت، وكان بنو إسرائيل يستفتحون به، فحملوه إلى بابل، وأخرجوهم من ديارهم وأبناءهم، وكان ما كان من أمرف حزقيل، وهم الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حنر الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وكان قد أصابهم الطاعون، فبقي منهم ثلثةز أسباط، فلحقت فرقة بالرمل، وفرقة بشواهق الجبال، وفرقة بجزيرة من جزائر البحر، وكان لهم خبر طويل حتى رجعوا إلى ديارهم، فقالوا لحزقيل: هل رأيت قوما أصابهم ما أصابنا؟ قال: لا، ولا سمعت بقوم فروا من الله فراركم، فسلط الله عليهم الطاعون سبعة أيام، فماتوا عن آخرهم، ودبر بني إسرائيل بعد عيلان الكاهن شمويل بن بروحان ابن ناحورا، ونبىء فمكث فيهم عشرين سنة.
** طالوت وجالوت **
ووضع الله عز وجل عنهم القتال، وصلح أمرهم، فخلطوا بعد ذلك، فقالوا لشمويل: ابعث لنا ملكا يقاتل معنا في سبيل الله، فأمر بتمليك طالوت، وهو ساود بن بشر بن إينال بن طرون بن بحرون بن أفيح بن سميداح بن فالح بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فملكه الله عليهم، ولم يجمعهم قبل ذلك مثل طالوت، وكان بين خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر إلى أن ملك على بني إسرائيل طالوت خمسمائة سنة واثنتان وسبعون سنة وثلاثة أشهر، وكان طالوت دباغا يعمل الأدم فأخبرهم نبيهم شمويل أن الله قد بدث لكم طالوت ملكا، فقالوا فيه ما أخبر الله عزوجل في كتابه: " وأنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم، وزاعه بسطة في العلم والجسم " وأخبرهم نبيهم أن " وآية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة، من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " وكان مدة ما مكث التابوت ببابل عشر سنين، فسمعوا عند الفجر حفيف الملائكة تحمل التابوت، واشتد سلطان جالوت، وكثرت عساكره وقواور، وبلغه انقياد بني إسرائيل إلى طالوت، فسار جالوت من فلسطين بأجناس من البربروهو جالوت بن بايول بن ريال بن حطان بن فارس فنزل بساحة بني إسرائيل، فأمر شمويل طالوت بالمسير ببني إلبمرائيل إلى حرب جالوت، فابتلاهم الله عز وجل بنهر بين الأردن وفنسطين، وسلط الله عليهم العطش، وقد قص الله ذئك في كتابه، ومروا كيف يشربون من النهر، فلغه أهل الريبة ولوغ الكلاب، فقتلهم طالوت عن آخرهم، ثم فضل من خيارهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فيهم إخوة داود عليه السلام ولحق داود بإخوته، فتوافؤ الجيشان جميعا، وكافت الحروب بينهما سجالا، وندب طالؤت الناس، وجعل لمن يخرج إلى جالوت ثلث ملكه ويتزوج ابنته، فبرز داود فقتله بحجر كان في مخلاته، رماه بمقلاع فخر جالوت ميتا، وقد أخبر الله عزوجل بذلك في كتابه بقوله: " وقتل داود جالوت " وقد ذكر أن الحجر الذي كان في مخلاة داود كان ثلاثة أحجار، فاجتمعت وصارت حجرا واحدا، ولها أخبار قدمت ذكرها فيما سلف من كتبنا، وهي التي قتل بها جالوت، وإن القوم الذين ولغوا في الماء وخالفا ما أمروا به كان القاتل لهم طالوت. وقد أتينا على خبر الدرع التي كان أخبرهم نبيهم أنه لا يقتل جالوت إلا من صلحت عليه تلك الدرع إذا لبسها، وأنها صلحت على داود، وما كان من هذه الحروب، وخبر النهر الذي نش على رأسه، وخبر تملك طالوت، وأخبار البربر وبدء شأنهم في كتابنا في أخبار الزمان، وسنورد بعد هذا جملا من أخبار البربروتفرقهم في البلاد في الموضع اللائق بها من هذا الكتاب.
** داود **
ورفع الله ذكر داود، وأخمل ذكر طالوت، وأبى طالوت أن يفي لداود بما تقدم من شرطه، فلما رأى ميل الناس إليه زوجه ابنته، وسلم إليه !ثلث الجباية، وثلث الحكم، وثلث الناس. ثم حس!ه بعد ذلك وأراد اغتياله، فمنعه الله عزوجل من ذلك، فأبى داود أن ينافسه في ملكه، ونما أمر داود، فبات طالوت على سرير ملكه فمات من ليلته كمدا، وانقاذث بنوإسرائيل إلى داود عليه السلام، وكانت مدة ملك طالوت عشرين سنة، وذكر أن الموضع الذي قتل فيه جالوت كان ببيسان من أرض الغور من بلاد الأردن، وألانه الله عز وجل لداود الحديد فعمل منه الحروع، وسخر له الجبال والطير يسبحن معه، وحارب داود أهل مواب من أرض البلقاء وأنزل الله عز وجل عليه الزبور بالعبرانية خمسين ومائة سورة، وجعله ثلاثة أثلاث: فثلث ما يلقون من بخت نضر. وما يكون من أمره في المستقبل، وثلث ما يلقون من أهل أثور، وثلث موعظة وترغيب وتمجيد وترهيب، وليس فيه أمر ولا نهي ولا تحليل ولا تحريم، واستقامت الأمور لداود، ولحقت الخوارج من الكفار بأطراف الأرض لهيبة داود، وبنى داود بيتا للعبادة بأورشليم، وهو بيت المقدس، وهو البيت الباقي لوقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ويدعى بمحراب داود عليه السلام، وليس في بيت المقدس بناء هو أعلى منه في هذا الوقت، وقد يرى في أعلاه البحيرة المنتنة ونهر الأردن المقدم ذكره، وكان من أمر داود مع الخصمين ما قص الله عزوجل في كتابه من خبره، وقوله لأحدهما قبل استماعه من الاخر: " لقد ظلمك " الآية، وقذ تنازع الناس في خطيئة داود: فمنهم من رأى ما وصفنا ونفى عن الأنبياء المعاصي وتعمد الفسق وأنهم معصومون فكانت الخطيئة ما ذكرنا، وذلك قوله عز وجل: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق " ومنهم من رأى أن ذلك كان من قصة أروياء بن حيان ومقتله على ما ذكرنا في كتاب المبتدأ وغيره، وتاب الله عزوجل على داود بعد أربعين يوما كان فيها صائما باكيا، وتزوج داود عليه السلام مائة امرأة.
** نشأة سليمان بن داود **
ونشأ سليمان بن داود عليه السلام، وبرع، وداخل أباه في قضائه،فآتاه الله فصل الخطاب والحكم، على ما أخبر الله عزوجل عنهما بقوله: " وكلاآتينا حكماوعلما " ولما حضرت داود الوفاة أوصى إلى ولده سليمان، وقبض، فكان ملكه أربعين سنة على فلسطين والأردن، وكان عسكره ستين ألفا أصحاب سيوف جردا مردا أصحاب بأس ونجدة.
** لقمان الحكيم **
وكان ببلاد مدين وأيلة في عصر داود عليه السلام لقمان الحكيم،وهو لقمان بن عنقاء بن مربد بنم صاوون، وكان نوبيا مولى للقين بن جسر، ولد على عشر سنين من ملك داود عليه السلام، وكان عبدا صالحا فمن الله عزوجل عليه بالحكمة، ولم يزل باقيا في الأرض مظهرا للحكمة والزهد في هذا العالم إلى أبام يونس بن متى حين أرسل إلى أرض نينوى من بلاد الموصل.
** ملك سليمان **
ولما قبض الله داود عليه السلام قام بعده ولده سليمان بالنبوة والحكم، وغمر عدله رعيته، واستقامت له الأمور، وانقادت له الجيوش، وابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدس، وهو المسجد الأقصى الذي بارك الله عزوجل حوله، فلما استتم بناءه بنى لنفسه بيتا، وهو الموضع الذي يسمىفي وقتنا هذا كنيسة القيأمة، وهي الكنيسة العظمى ببيت المقدس عند النصارى، ولهم كنائس غيرها معظمة ببيت المقدس، منها كنيسة صهيون، وقد ذكرها داود عليه السلام، والكنيسة المعروفة بالجسمانية ويزعمون أن فيها قبر داود عليه السلام، وأعطى الله عزوجل لسليمان عليه السلام من الملك ما لم يعطه لأحد من خلقه، وسخر له الجن والإنس والطيروالريح على. حسب ما ذكر الله عزوجل في كتابه، وكان ملك سليمان بن داود على بني إسرائيل أربعين سنة، وقبض وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، والله ولي التوفيق.