John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر جمل من أخبار الكهان وسيل العرم وتفرق الأزد في البلدان

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 41 of 107

** السد وبانيه ومكانه **

قال المسعودي: قد ذكرنا جملأ من الكهانة والقيافة والزجر والبارح والسانح فلنذكر الآن لمعا من أخبار الكهان، وتفرق ولد سبأ في البلدان. ولم يزل ولد قحطان في أطيب عيش إلى أن هلك سبأ، وكان القوم بعد مضي سبأ تداولتهم الأعصار قرنا بعد قرن إلى أن أرسل الله عليهم سيل العرم وذلك أن الرياسة انتهت فيهم إلى عمرو بن عمرو مزيقياءو - وهو عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس، بن مازن بن الأزد بن الغوث بن كهلان بن سبأ - وذلك ببلاد مازن إن أرض اليمن، وهي بلاد سبأ التي ذكر الله في القران أنه أرسل على أهلها سيل العرم، وهو السد، وكان فرسخأ في فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادي - وهو لقمان بن عاد بن عاد - وقد ذكرنا خبره وخبر غيره ممن كان عمر منهم عمر النسور، وهذا السد هو الذي كان يرد عنهم السيل فيما سلف من الدهر إذا حان أن يغشى أموالهم، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم، والناس في قصة هلكهم يختلفون، وفي سياقه أخبارهم يتباينون.

** وصف بلاد سبأ **

وذكر أصحاب التاريخ القديم أن أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن، وأثراها وأغدقها، وأكثرها جنانا وغيطانا، وأفسحها مروجأ، مع بنيان حسن وشجر مصفوف، ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار وأزهار متفرقة، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحالة، وفي العرض مثل ذلك، وأن الراكب والمار كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها تواجهه الشمس ولا تعارضه؛لاستتار الأرض بالعمارة الشجرية، واستايلائها عليها، وإحاطتها بها، وكان أهلها في أطيب عيش وأرفهه، وأهنأ حال، وأرغد قرى، وفي نهاية الخصب، وطيب الهواء، وصفاء الفضاء، وتدفق الماء، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة وكانت بلادهم في الأرض مثلا، وكانوا على طريقة حسنة من أتباع شريف الأخلاق، وطلاب الأفضال على القاصد والسفر بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال؛ فمكثوا على ذلك ما شاء الله من الأعصار، لا يعاندهم ملك إلا قصموه، ولا يوافيهم جئار في جيش إلا كسروه، فذلت لهم البلاد. وأذعن لطاعتهم العباد، فصاروا تاج الأرض، وكانت المياه التي هي أكثر ما يرد إلى أرض سبأ تظهر من مخراق من الحجر الصلد والحديد من ذلك السد والجبال، طول المخراق فيما وصفنا فرسخ، وكانوراء السد والجبال أنهار عظام، وكان في هذا المخراق الأخذ منا تلك الأنهار ثلاثون نقبا مستديرة في، استدارة الفراء طولأ وعرضا مدورة على أحسن هندسة وأكمل تقدير، وكانت المياه تخرج من تلك الأنقاب في مجاريها حتى تأتي الجنان فترويها سقيا، وتعدم شرب القوم، وقد كانت أرض سبأ قبل ما وصفنا من العمارة والخصب يركبها السيل من تلك المياه، وكان ملك القوم في ذلك الزمان يقرب الحكماء، ويدنيهم، ويؤثرهم، ويحسن إليهم، فجمعهم من أقطار الأرض للإلتجاء إلى رأيهم، والأخذ من محصن عقولهم، فشارهم في دفع ذلك السيل وحصره، وذلك أنه كان ينحدر من أعالي الجبل هابطا على رأسه حتى يهلك الزرع ويسوق من حملته البناء، فأجمع القوم رأيهم على عمل مصارف له إلى براري تقذف به إلى البحر، وأخبروا الملك أن الماء إذا حفرت المصارف الهابطة طلبها، وانحدر فيها، ولم يتراكم حتى يعلو الجبال؛لأن في طباع الماء طلاب الخفض فحفر الملك المصارف حتى انحدر الماء وانصرف وتدافع إلى تلك الجهة واتخذوا السد في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل ألى الجبل، وجعلوا فيه المخراق على ما وصفنا آنفا، ثم اجتذبوا من تلك المياه نهرا مرسلا ومقدارا معلوما ينتهي في جريانه إلى المخراق، ثم ينبعث الماء منه إلي تلك الأنقاب، وهي الثلاثون ومخرافا الصغار التي قلمنا ذكرها، وكانت البلاد عامرة على ما وصفنا آنفأ.

** مبدأ التهدم **

ثم إن تلك الأمم بأدت ومرت عليها السنون، وضربها الدهر بضرباته وطحنها بكلكله، وعمل الماء في أصول ذلك المخراق، وأضعفه ممر السنين عليه وتدافع الماء حوله، وقد قيل في المثل: إذا أثر تواتر الماء طى الحجر الصلد فما ظنك بسيل يتدافع على حديد وحجرمصنوع؟. فلما سكنت أبناء قحطان ما وصفنا من هذه الدياروتغلبت على من كان فيها السد والبنيان في الضعف عنه على السد والمخراق والبنيان، فقنف به جريه ورمى به في تياره، وذلك إبان زياعة الماء، واستولى الماء على تلك الديار والجنان والعمائر والبنيان، حتى انقرض سكان تلك الأرض، وزالوا عن تلك المواطن، فهقه جملة من أخبار سيل العرم وبلاد سبأ.

** العرم **

ولا خلاف بين ذوي الدراية منهم أن العرم هو المسناة التي قد أحكموا عملها لتكون حاجزأ بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فأرة، ليكون ذلك أظهر في الأعجوبة، كما أفار الله تعالى ماء الطوفان من جوف تنور ليكون أثبت في العبرة وأوكد في الحجة، ولايتنا كر أحلاف قحطان من أهل تلك الديار إلى هذا الوقت ما كان من العرم؛ لاستفاضته فيهم، وشهرته عندهم.

** مفاخرة عند السفاح بين قحطاني وعدناني **

وقد فخر بعض أولاد قحطان في مجلس السفاح بمناقب قحطان من حمير وكهلان على ولد نزار، وخالد بن صفوان وغيره من نزار بن معد منصتون هيبة للسفاح؛ لأن أخواله من قحطان، فقال السفاح لخالد بن صفوان: ألا تنطق وقد غمرتكم قحطان بشرفها وعلت عليكم بقديم مناقبها؟ فقال خالد: ماذا أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، أو ناسج برد، أو سائس قرد، أو راكب عرد، أغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد، ثم من مر في ذمهم إلى أن انتهى إلى ما كان من قصتهم وتملك الحبشة وما كان من استنقاذ الفرس إياهم على حسب ما قدمنا آنفا.

** العرم في شعر العرب **

فى بد ذكروا في أشعارهم العرم، وما كان لسبأ وأرض مأرب، وأن مأرب سمة للملك الذي كان يتملك على هذه البلدة، وأن هذا الاسم وقع على هذا البلد فاشتهر به وصار سمة له، وقال الشاعر:

من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما

وقد قيل: إن مأرب سمة لقصر هذا الملك في صدر الزمن، قال أبو الطلمحان في ذلك:

ألم تروا مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان؟

ظل العبادئ يسقي فوق قلته ... ولم يهب ريب دهر جد خؤان

حتى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتان

وقد ذكر الأعشى في شعره ما وصفناه حيث يقول في كلمته:

ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... بمأرب عفى عليها العرم

رخام بناه لهم حمير ... إذا جاء فأغنى ماؤهم لم يرم

فأغنى الحروث وأغن أمه ... على ساعة ماؤهم قد قسم

فطار الفيول وفئالها ... بها في فيافي سراب يطم

وكانوا بذلكم حقبة ... فمال بهم جارف منهدم

فطاروا سراعا وما يقدو ... ن منه لشرب صبي فطم

** طول العمر وعمر النسور **

وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الملك الذي طال عمره وحسنت سيرته؛ وأنه بنى هذا السد الذي هو المسناة، وأن عمره انتهى على عمر النسور، عند ذكرنا لطول الأعمار، وقد أكثرت العرب في صفه طول عمر النسر، وضربت به الأمثال، وبلبد، وبصحة بدن الغراب؛ فمن ذلك ما ذكره الخزرجي في شعره عند ذكره لطول عمرمعاذ بن مسلم بن رجاء مولى القعقاع بن حكيم من قوله فيه عند ذكره سنة وهرمه، وهو:

إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضج من طول عمره الأبد

قد شاب رأس الزمان واختضب الحصر وأثواب عمره جدد

يانسر لقمان كم تعيش؟ وكم ... تلبس ثوب الحياة يالبد

قد أصبحت دار حمير خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد

نسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد

** علة طول الأعمار ونقصها **

وقد قدمنا فيما سلف في مواضع من هذا الكتاب ما قالت الأوائل في علة طول الأعمار وقصرها، وعظم الأجسام في بدء الأمر، وتناقضها على مرور الأعصار ومضيئ الدهور، وأن الله تبارك وتعالى لما بدآ الخلق كانت الطبيعة التي جعلها الله جبلة للأجسام في تمام " الكثرة ونهاية القوة والكمال، والطبيعة إذا كانت تامة القوة كانت الأعمار أطول، والأجسام أقوى؛لأن طرق الموت الطارئ يكون بانحلال قوى الطبيعة، فلما كانت القوة أتم كانت الأعمار أزيد، وكان العالم أو أولية شأنه تام العمر، ثم لم يزل ينقص أولا فأولا لنقصان المادة فتنقص الأجسام والأعمار مع نقصان المادة حتى يكون آخر مائية الطبيعة في تناهي النقص في الأجسام والأ عمار.

وقد أبى ما ذكرنا من عظم أجسام الناطقين في صدور الزمان كثير من أهل النظر والبحث ممن تأخر، وزعموا أن تأثيرهم في بنيانهم وما ظهر في الأرض من أعمالهم يدل على صغر أجس أمه م، وأنها كانت كأجسامنا، لما شاهدوه من مساكنهم وأبوابهم وممراتهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن في سائر الأرض، كديار ثمود ونحتها المساكن في الجبال وحفرها في الصخر الصلد بيوتا صغارا وأبوابأ د لطافا، وكذلك أرض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الأرض في الشرق والغرب، وهذا باب إن أكثرنا القول فيه طال، وإن أطنبنا في صفته كثر، فلنرجع الآن إلى ما عنه عدلنا ومن صفته خرجنا من ذكر سبأ ومأرب، وما كان من الملك في ذلك الوقت وهو عمرو بن عامر.

** عود لذكر سبأ **

وكان للملك عمرو بن عامر المقدم ذكره في هذا الباب أخ كاهن عقيم، يقال له عمران، وكان لعمرو كاهنة من أهله من حمير يقال لها طريفة الخير فكان أول شيء وقع بمأرب وعرف من سيل العرم أن عمران الكاهن أخا عمرو رأى في كهانته أن قومه سوف يمزقون كل ممزق ويباعد بين أسفارهم، فذكر ذلك لأخيه عمرو، وهو الملك مزيقياء الذي كانت محنة القوم في أيام ملكه، والله أعلم بكيفية ذلك.

** ظريفة الكاهنة **

وبينا طريفة الكاهنة ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضهم وأرعدت وأبرقت ثم صعقت فما حرقت ما وقعت عليه، ووقعت إلى الأرض، فلم تقع على شيء إلا حرقته، ففزعت طريفة لذلك، وذعرت ذعرا شديدا، وانتبهت وهي تقول: ما رأيت مثل اليوم، قد أذهب عني النوم، رأيت غيما أبرق، وأرعد طويلا ثم أصعق، فما وقع على شيء إلا أحرق، فما بعد هذا إلا الغرق، فلما رأوا ما داخلها من الرعب خفضوها وسكنوا من جأشها حتى سكنت، ثم إن عمرو بن عامر دخل حديقة من حدائقه ومعه جاريتان له فبلغ ذلك طريفة، فأسرعت نحوه، وأمرت وصيفا لها يقال له سنان أن يتبعها، فلما برزت من باب بيتها عارضها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن، وهي دواب تشبه اليرابيع يكن بأرض اليمن، فلما رأتهن طريفة وضعت يدها على عينها وقعدت، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد عنا فأعلمني، فلما ذهبت أعلمها، فانطلقت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة، فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تريد الإنقلاب فلا تستطيع، فتستعين بذنبها وتحثو التراب على بطنها وجنبها وتقذف بالبول، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة إلى أن دخلت على عمرو الحديقة حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها، فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فنفذت حتى دخلت على عمرو ومعه جاريتان له على الفراش، فلما رآها استحيا منها، وأمر الجاريتين فنزلتا عن الفراش، ثم قال لها: هلمي يا طريفة إلى الفراش، فتكهنت، وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لتالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف، قال عمرو: من خبرك بهذا؟ قالت: أخبرني المناجد، بسنتين شدائد، يقطع فيها الولد والوالد، قال: ما تقولين؟ قالت: أقول: قول الندمان لهفا، قد رأيت سلحفا، تجرف التراب جرفأ، وتقذف بالبول قذفأ، فدخلت الحديقة فإذا الشجر يتكفا، قال عمرو: وما ترين ذلك؛ قالت: هي داهية ركيمة، ومصائب عظيمة، لأمور جسيمة، قال: وما هي؟ ويلك؟ قالت: أجل إن لي الويل، ومالك فيها من نيل، فلي ولك الويل، مما يجي به السيل، فألقى عمرو نفسه على الفراش وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه، قال عمرو: وما علامة ذلك؟ قالت: تذهب إلى السد فإذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه من الجبل الصخرة فاعلم أن النقر عقر، وأنه وقع الأمر، قال: وما هذا الأمر الذي يقع؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل، فانطلق عمرو إلى السد يحرسه، فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا فرجع إلى طريفة فأخبرها وهو يقول:

أبصرت أمرا عادني منه ألم ... وهاج لي من هوله برح السقم

من جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو تيس مرم من أفاريق الغنم

يسحب صخرا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم

مافاته سحلا من الصخر قصم ... كأنما يرعى حظيرا من سلم

فقالت له طريفة: إن من علامة ما ذكرت لك أن تجلس في مجلسك بين الجنتين، ثم تأمر بزجاجة فتوضع بين يديك، فإنها ستمتلئ بين يديك من تراب البطحاء من سهلة الوادي ورملة، وقد علمت أن الجنان مظلمة ما يدخلها شمس ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه، فلم يمكث إلا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء، فذهب عمرو إلى طريفة فأخبرها بذلك، وقال: متى ترين هلاك السد. قالت: فيما بينك وبين السبع السنين، قال: ففي أيها يكون؛ قالت: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، ولو علمه أحد لعلمته، ولا يأتي عليك ليلة فيما بينك وبين السبع السنين إلا ظننت هلاكه في غدها أوفي تلك الليلة.

** عمرو بن عامر يتحيل للخروج من بلاده **

ورأى عمرو في النوم سيل العرم، وقيل له: إن آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل، فذهب إلى كرب النخل وسعفه فوجد الحصباء قد ظهرت فيها، فعلم أن ذلك واقع بهم، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاه، وأجمع أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ، ويخرج منها هو وولده، ثم خشي أن يستنكر الناس ذلك، فصنع طعاما وأمر بإبل فنحرت، وبغنم فذبحت، وصنع طعاما واسعا، ثم بعث إلى أهل مأرب أن عمرا صنع يوم مجد وذكر فاحضروا طع أمه ، ثم دعا ابنا له يقال له مالك، ويقال: بل كان يتيما في حجره، فقال: إذا جلست أطعم الطعام الناس ففجلس عندي ونازعني الحديث، واردده علي، وافعل بي مثل ما أفعله بك، وجاء أهل مأرب، فلما جلسوا أطعم الناس وجلس عنده الذي أمره بما أمره به، فجعل ينازعه الحديث، ويرذ عليه، فضرب عمرو وجهه وشتمه، فصنع الصبي بعمرو مثل ما صنع به فقام عمرو وصاح: واذلأه يوم فخر عمرو ومجده يضرب وجهه صبي، وحلف ليقتلنه، فلم يزالوا بعمرو حتى تركه ففي ذلك قال حاجز الأزديى:

يارب لطمة غدر قد سخنت بها ... بكف عمرو التي بالغمر قد غرقت ثم قال: والله لا أقيم ببلد صنع هذا بي فيه، ولأبيعن عقاري فيه وأموالي، فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ماله بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم، فخرج ناس من الأزد وباعوا أموالهم، فلما أكثروا البيع استنكر ذلك الناس، فأمسكوا بأيديهم عن الشراء، فلما اجتمعت إلى عمرو بن عامر أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم، فقال أخوه عمران الكاهن: قد رأيت أنكم ستمزقون كل ممزق، ويباعد بين أسفاركم، وإني أصف لكم البلدان فاختاروا أيها شئتم، فمن أعجبه منكم صفة بلد فليصر إليها، من كان منكم ذاهم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد، فكان الذين نزلوه أزد عمان قال: ومن كان منكم ذاهم غير بعيد، وجمل غير شديد ومزاد غير جديد فليلحق بالشعب من كرود، قال: وهي أرض همدان، فلحق به وادعة بن عمرو، فانتسبوا فيهم، وقال الكاهن، ومن كان منكم ذا حاجة ووطر وسياسة ونظر، وصبر على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر، وكان الذين سكنوه خزاعة سميت بذلك لانخزاعها في ذلك الموضع عمن كان معها من الناس، وهم بنو عمرو بن لحي، فتخزعت هنالك إلى هذه الغاية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:

ولما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في ملوك كراكر

في شعر له طويل ومالك وأسلم وملكان بنو قصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وقال الكاهن: ومن كان يريد الراسيات في الرحل، المطعمات في المحل ، فليلحق بيثرب ذات النخل، وهي المدينة، وكان الذين سكنوها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء، قال الكاهن: ومن كان يريد منكم الخمر والخمير، والديباج والحرير، والأمر والتدبير، فليلحق ببصرى وحفير، وهي أرض الشام فكان الذين سكنوها غسان قال الكاهن: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق، والكنوز والأرزاق، فليلحق بالعراق، وكان الذين لحقوا بالعراق منهم مالك بن فهم الأزدي وولده، ومن كان بالحيرة من غسان، على حسب ما قدمنا آنفا فيما سلف من هذا الكتاب.

وقال هشام بن الكلبي: وأما أبي فكان يقول: إنما نزل بالحيرة من غسان مع تبع بعد هذا بزمان.

ثم خرج عمرو بن عامر مزيقياء وولده، من مأرب، وخرج من كان بمأرب من الأزد يريدون أرضا تجمعهم يقيمون بها، ففارقهم وادعة بن عمرو بن عامر مزيقياء فسكنوا همدان، وتخلف مالك بن اليمان بن فهم بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد، وكان بعدهم بمأرب ملكا إلى أن كان من أمرهم ما كان في الهلاك، ثم ساروا حتى إذا كانوا بنجران تخلف أبو حارثة بن عمرو بن عامر مزيقياء ودعبل بن كعب بن أبي حارثة فانتسبوا في مذحج، قال أبو المنزر: ويقال: إن أبا حارثة هو جد الحارث بن كعب بن أبي حذيفة الذي بنجران، والله أعلم.

ثم سار عمرو بن عامر حتى إذا كان بين السراة ومكة أقام هنالك أناس من بني نصر من الأزد، وأقام معهم عمران بن عامر الكاهن أخو عمرو بن عامر مزيقياء، وعدي بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وسار عمرو بن عامر وبنو مازن حتى نزلوا بين بلاد الأشعريين وعك على ماء يقال له غسان بين واديين، يقال لهما زبيد ورمع، وهما مما يلي صدورهما بين صعيد يقال له: صعيد الحسك، وبين الجبال التي تدفع به في زبيد ورمع، فأقاموا على غسان، وشربوا منه، فسموا غسان، وغلب على أسمائهم، فلا يعرفون إلا به، قال شاعرهم:

إما سألت فإنا معشرنجب ... الأزد نسبتنا والماء غسان

والذين سموا غسان من بني مازن الأوس والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء، وجفنة بن عمرو مزيقياء، والحارث وعوف وكعب ومالك بنو عمرو مزيقيا، والوم وعدي ابنا حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد. وللقوم أخبار في تفرقهم، ومن دخل منهم في معد بن عدنان وما كان بينهم من الحروب إلى أن ظفرت بهم بنو معد، فأخرجتهم إلى أن لحقوا بالسراة - والسراة جبل الأزد الذي هم به يقال له السراة، ويقال له: الحجاز، وإنما سمي السراة من هذا الجبل ظهره، فيقال لظهره السراة كما يقال لظهر الدابة السراة، فأقاموا به وكانوا في سهله وجبله وما قاربه، وهو جبل على تخوم الشام، وفرز بينه وبين الحجاز مما يلي أعمال دمشق والأردن وبلاد فلسطين ويلاقي جبل موسى.

** عبادة أهل مارب وصنعهم مع رسلهم **

وقد كان أهل مأرب يعبدون الشمس، فبعث الله إليهم رسلا يدعونهم إلى الله، ويزجرونهم عما هم عليه، ويذكرونهم آلاء الله ونعمته عليهم، فجحدوا قولهم،وردوا كل أمه م، وأنكروا أن يكون لله عليهم نعمة، وقالوا لهم: إن كنتم رسلأ فادعوا الله أن يسلبنا ما أنعم علينا، ويذهب عنا ما أعطانا، وفي ذلك تقول امرأة منهم كافرة:

إن كان ما نصبح في ظلاله ... من ربكم فلينطلق بماله

إليه عنا وإلى عياله،

فأجابتها امرأة مؤمنة، فقالت:

لولا الإله لم يكن عيالنا ... ولم يسع عيالنا أموالنا

هوالذي يجيبنا سؤالنا ... ويكشف الغم إذا ما هالنا

فدعت عليهم الرسل فأرسل الله عليهم سيل العرم، فهدم سدهم وغشي الماء أرضهم، فأهلك شجرهم وأباد خضراءهم، وأزال أموالهم وانع أمه م، فأتوا رسلهم فقالوا: أدعوا الله أن يخلف علينا نعمتنا، ويخصب بلادنا، ويرد علينا ما شرد من أنعامنا، ونعطيكم موثقا أن لا نشرك بالله شيئا، فسألت الرسل ربها، فأجابهم إلى ذلك، وأعطاهم ما سألوا، فأخصبت بلادهم، واتسعت عمائرهم إلى أرض فلسطين والشام: قرى ومنازل وأسواقا، فأتتهم رسلهم، فقالوا: موعدكم أن تؤمنوا بالله، فأبوا إلا طغيانا وكفرأ، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم.

قال المسعودي: وإذ قد ذكرنا جملأ من أخبار السد وبلاد مأرب، وعمرو بن عامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره في هذا الباب، فلنرجع الآن إلى أخبار الكهان.

** أول كهانة سطيح الغساني **

وكان أول ما تكهن به سطيح الغساني أنه كان نائما في ليلة صهاكية مظلمة مع إخوله في لحاف، والحي خلوف، إذ زعق من بينهم ورن وتأوه، وقال: والضياء والشفق، والظلام والغسق، ليطرقنكم ما طرق، قالوا: ما طرق يا سطيح؟ قال: ما طرق إلا الأجلح، حين سرى الليل البهيم الأفلح، وولاهم بسردح، قالوا: وما علامة ذلك يا سطيح؟ قال: أمر يسد النقرة، فوحبسة في الوجرة. وحرة بعد حرة، في ليلة قرة، فانصرفوا عن قوله، واستهانوا بأمره، وتعاصفت مرود من أودية هناك، ففاجأتهم في ليلة بارعة قرة كما ذكر، فساقت الأنعام والمواشي، وكادت أن تذهب بعامتهم.

ولسطيح الكاهن ولشق بن صعب أخبار كثيرة عجيبة: منها رؤيا تبع الحميري في أن جمرة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة، أكلت منها كل ذات جمجمة، وما فسراه له في ذلك، وكذلك خبرسطيح، وعبد المسيح في رؤيا الموبذان، وارتجاج الإيوان، وخبر سملقة وزوبعة، وما كان من أمرهما، وخبر شأن الظليم والشجرة، وما كان بين عك وغسان من الحرب في رقة اللبن وحلاوته وثخنه، ونزول غسان أعلى الوادي، وعك في أسفله، وما كان في ذلك من القيافة بينهم في طلوع الشمس وغروبها على إبلهم، وخبر السموال بن حسان بن عادياء، وما كان من أمره، وأمر خازن الكاهن، وما قاله حين طرقه ليلا، وانقياده إلى ذمته، وما كان من العير الأقمر، والظليم الأحمر، والفرس الأشقر، والجمل الأزور، والشيخ الأحقر، وغير ذلك مما ذكرناه فيما سلف من كتبنا، في أخبار الزمان والكتاب الأوسط، والله أعلم.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com