Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر الكهانة وما قيل في ذلك وما اتصل بهذا الباب مما يراه الناس وحد النفس الناطقة
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 40 of 107
** أصل ادعاء علم الغيب **
تنازع الناس في الكهانة: فذهبت طائفة من حكماء اليونانيين والروم إلى التكهن، وكانوا يدعون العلوم من الغيوب، فادعى صنف منهم أن نفوسهم قد صفت فهي مطلعة على أسرار الطبيعة، وعلى ما تريد أن يكون منها؛لأن صور الأشياء عندهم في النفس الكلية، وصنف منهم ادعى أن الأرواح المنفردة - وهي الجن - تخبرهم بالأشياء قبل كونها، وأن أرواحهم كانت قد صفت، حتى صارت لتلك الأرواح من الجن متفقة.
وذهب قوم من النصارى أن السيد المسيح إنما كان يعلم الغائبات من الأمور، ويخبر عن الأشياء قبل كونها؛ لأنه كانت فيه نفس عالمة بالغيب، ولم كانت تلك النفس في غيره من أشخاص الناطقين لكان يعلم الغيب، ولا أمة خلت إلا وقد كان فيها كهانة، ولم يكن الأوائل من الفلاسفة إليونانية يدفعون الكهانات، وشهر فيهم أن فيثاغورس كان يعلم علومأ من الغيب وضروبا من الوحي؛لصفاء نفسه وتجردها من أدران هذا العالم، والصابئة تذهب إلى أن أوريايس الأول وأوريايس الثاني - وهما: هرمس!، وأغاثيمون - كانوا يعلمون الغيب، ولذلك كانوا أنبياء عند الصابئة، ومنعوا أن تكون الجن أخبرت من ذكرنا بشيء من ضروب الغيب، لكن صفت نفوسهم حتى اطلعوا على ما استتر عن غيرهم من جنسهم.
وطائفة ذهبت إلى أن التكهن سبب نفساني لطيف يتولد من صفاء مزاج الطباع، وقوة النفس،. ولطافة الحس.
وذكر كثير من الناس أن الكهانة تكون من قبل شيطان يكون مع الكاهن يخبره بما غاب عنه، وأن الشياطين كانت تسترق السمع وتلقيه على ألسنة الكهان فيؤدون إلى الناس الأخبار، بحسب ما يرد إليهم، وقد أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه فقال: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشبها " و إلى آخر القصة، وقوله تعالى: " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " وقوله تعالى: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " الآية والشياطين والجن لا تعلم الغيب، وإنما ذلك لاستراقها السمع مما تسمع من الملائكة بظاهر قوله عز وجل: " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " .
وطائفة ذهبت إلى أن وجه سبب الكهانة من الوحي الفلكى، وأن ذلك يكون في المولد عند ثبوت عطارد على شرفه، وأما ما عداه من الكواكب المدبرات من النيرين والخمسة إذا كانت في عقد متساوية وأرباع. متكافئة ومناظر متوازية وجب لصاحب المولد التكهن والإخبار بالكائنات قبل حدوثها؛ لإشراق هذه الأشراق الكوكبية، ومن هؤلاء من أوجب كون ذلك في القرانات الكبار.
وذهب كثير ممن تقدم وتأخر أن علة ذلك علل نفسانية، وأن النفس إذا قويت وزادت قهرت الطبيعة، وأبانت للإنسان كل سر لطيف، وخبرته بكل معنى شريف، وغاصت بلطافتها في انتخاب المعاني اللطيفة البديعة فاقتنصتها وأبرزتها على الكمال، وكشفت هذه الطائفة وجه اعتلالها فيما ذكرنا؛ فإنهم قالوا: رأينا الإنسان ينسب إلى قسمين، وهما النفس والجسد، ووجدنا الجسد مواتا لا حركة له ولا حس إلا بالنفس، وكان الميت لا يعلم شيئا ولا يؤذيه؛ فوجب أن يكون العلم للنفس، والنفوس طبقات: منها الصافي وهي النفس الناطقة، ومنها الكدر، وهي النفس الحسية والنفس النزاعية والنفس المتخيلة، ومنها ما قوته في الإنسان أزيد من قوة الجسم، ومنها ما قوة الجسم أزيد منه، فلما كانت النسبة النورية للإنسان إلى النفس كانت تهدي الإنسان إلى استخراج الغيب وعلم الآتي، وكانت فطنته وظنونه أبعث وأعم؛فإذا كانت النفس في غاية البرور ونهاية الخلوص وكانت تامة النور وكاملة الشعاع كان تولجها في دراية الغائب بحسب ما عليه نفوس الكهنة، وبهذا وجد الكهان على هذه السبيل من نقصا في الأجسام وتشويه الخلق، كما اتصل بنا عن شق وسطيح وسملقة وزوبعة وسديف بن هوماس وطريفة الكاهنة وعمران أخى مزيقياء وحارثة وجهينة وكاهنة باهله وأشباهه من الكهان.
** العرافة وبعض العرافين **
وأما العراف - وهو دون الكاهن - فمثل الأبلق الأزدي، والأجلح الدهري، وعروة بن زيد الأزدي،ورباح بن عجلة عراف اليمامة الذي قال فيه عروة:
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني
وكهند صاحب المسننبرن وكان في نهاية التقدم في العرافة.
** الكهانة في العرب **
والكهانة أصلها نفسيئ؛ لأنها لطيفة باقية ومقارنة لأعجاز باهرة، وهي تكون في العرب على الأكثر وفي غيرهم على وجه الندرة؛ لأنه شيء يتولد على صفاء المزاج الطبيعي، وقوة مادة نور النفس، وإذا أنت اعتبرت أوطانها رأيتها متعلقة بعفة النفس وقمع شرها بكثرة الوحدة وإدمان التفرد وشدة الوحشة من الناس وقلة الأنس بهم، وذلك أن النفس إذا هي تفردت فكرت، وإذا هي فكرت تعدت وإذا تعدت هطل عليها سحب العلم النفسي، فنظرت بالعين النورية، ولحظت بالنور الثاقب، ومضت على الشريعة المستوية، فأخبرت عن الأشياء على ما هي به وعليه وربما قويت النفس في الإنسان فأشرفت به على لراية الغائبات قبل ورودها.
وكان كبراء اليونانيين ينعتون هذه الطائفة بالروحانية، ويقولون: إن النفس إذا هي زادت وكانت كبر جزء في الإنسان تهدت إلى استخراج البدائع والأخبار المستترات، واستدلوا على ذلك أن الإنسان إذا قوي فكره من وذادت مواد نفسه وخأطره فكر في الطارىء قبل وروده فعلم صورته فيكون وروثه إلى حال على ما تصوره وهكذا النفس أيضا إذا تهذبت كانت الرؤيا في النوم صادقة وفي الزمان موجودة.
** الرؤيا وأسبابها **
وقد تنازع الناس في الرؤيا، والسبب الموقع لها وماهيتها وكيفية وقوعها، فقال فريق: إن النوم هو اشتغال النفس عن الأمور الظاهرة بملاقاة حوادث باطنة فيها، وذلك على وجهين: أحدهما معروف بالعين،قائم بالصفة في خواطر تحدث في النفس معاني تعبرها وتفرق بينها، فتشغل به عن استعمال الظاهر، والباطن فيه يؤعي إليه الحواس الخمس فتبطل الحواس عن الإدراك إلى الحاس أعني الروح لاشتغال الروح عن استعمالها، وإذا وجب بطلانها سمي نوما عرضيا، لأنه ليس النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والشيوخ الذين خرجوا من موقع السرور أو مخافة الشر. وكذلك نوم الليل على ما وصفنا، والوجه الأخر - وهو النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والطبقات الحيوانية فوات الفكر وغيرها - وهي طبيعة توجبها الخلقة في وقته ضرورة كما يوجب الجوع في وقته ضرورة؛ لأن الجوع عند أهل صناعة الطب علة، وهي الموجبة تحديد الكبد من الفراغ من الأغذية.
ومنهم من رأى أن النفس تحرك صورة الأشياء على ضربين: أحدهما حس والأخر فكر؛ فالصورة المحسوسة لا تحركها إلا في هيئتها؛ فإذا تخلص علمها عندها كان إدراكها مفردا من طبعها؛ فيكون فكر الإنسان ما لم يتم تابعا للحس، حتى إذا نام فعدمت النفس الحواس كلها كانت تلك الصورة التي أخذتها من أعيان الأشياء فيها قائمة كأنها محسوسة؛لأن الحس بها في أعيانها كان قبل استيلائها بالفكر ضعيفا، فلما ارتفع الحس قوي الفكر فصار يصور الأشياء كأنها محسوسة يخطر على بال النائم منها كما يخطر على باله إذا كان يقظان الشيء الذي قد كان أنيسه، وليس لذلك نظام، وإنما هو ما اتفق؛ فلذلك يرى الإنسان كأنه يطير وليس بطائر، وإنما يرى صورة الطيران مفردة كما يعلمها إذ غابت؛ ولكن فكرته فيها تقوى حتى كأنها معاينة له، فأما ما يراه النائم من الأشياء التي تدل على ما يريد فإنما ذلك لأن النفس عالمة بالصور، فإذا خلصتفى المنام من شوائب الأجسام أشرفت على ما تريد أن ينالها، وهي عالمة أنها في حال اليقظة لا يمكنها معرفة ذلك فتتخيل خيالات تدل بها على تلك الأشياء التي تريد أن تكون، حتى إذا أنتبهت تذكرت تلك الخيالات وتلك الأشياء؛ فمن كانت نفسه صافية لم تكد رؤياه تكذب ومن كانت نفسه كدرة كانت تكذب كثيرا، ثم ما بين الكدرة والصافية وسائط على حسب مراتبها من الصفاء والكدر يكون صدق ما تخيلته وكذبه.
وقال فريق آخر: إذا بطل استعمال النفس للحواس ظاهرا لم يبطل استعمالها في نفسها، ولم يبطل استعمال قواها، فتنتقل في الأماكن، وتشاهد الأشخاص بالقوة الروحانية التي ليست بجسم، لا بالقوة الجسمانية الغليظة، وذلك أن القوة الجسدانية لا تدرك إلا بمشاركة وملامسة الأشياء: إما باتصال كاتصال اللون من الملون وإما بانفصال كانفصال الجسم من الأماكن، والروح تحرك المتصل والمنفصل جميعا، لا بمشاركة الجسد الذي يوجب الحاجة إلى قرب المدرك.
ومنهم من رأى أن النوم هو اجتماع الدم وجريانه إلى الكبد.
ومنهم من رأى أن ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح. ومنهم من زعم أن ما يجلى الإنسان في نومه من الخواطر إنما هو من عمل الأغذية والأطعمة والطبائع.
ومنهم من رأى أن بعض الرؤيا من الملك وبعضها من الشيطان،واعتل هؤلاء بقوله تعالى: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا " .
ومنهم من رأى أنها جزء من إحدى وستين وجزأ من النبوة، وتنازع هؤلاء في كيفية ذلك الجزء وماهيته.
ومنهم من ذهب إلى أن الإنسان الحساس هو غير هذا الجسم المرئي وأنه يخرج عن البدن في حال النوم فيشاهد العالم ويرى الملكوت، على حسب صفائه، واعتل هؤلاء وغيرهم - ممن ذهب إلى نحو هذا المعنى - بقوله عز وجل: " الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في من أمه ا " إلى قوله: " إلى أجل مسمى " .
وذهب الجمهور من المتطببين في ذلك إلى آلي الأحلام من الأخلاط، وترى بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، وذلك أن الذين تشتغل أجسادهم من المرة الصفراء يرون في من أمه م النيران والنواويس ودخانأ ومصابيح وبيوتا تحترق ومدائن تلتهب بالنار ونحو ذلك وما أشبهه، والغالب على من كان مزاجه البلغم أن يرى بحورا وأنهارا وعيونا وأحواضا وغمرانا ومياهأ كثيرة وأمواجا، ويرى كأنه يسبح أو يصيد سمكا ونحو ذلك وما قاربه، والغالب على من كان مزاجه السوداء أن يرى في من أمه أجداثا وقبورا وأمواتا مكفنين بسواد وبكاء ونوحا ورنينأ وصراخأ وأشياء مفزعة وامورا مفظعة وفيلة وأسودا، والغالب على من كان مزاجه الدم أن يرى خمرا ونبيذا ورياحين ولعبا وقصفا وعزفا وأنواع الملاهي والرقص والسكر والفرح والسرور والثياب المصبغات من الحمرة وغيرها وما لحق بهذا الباب مما وصفنا من أنواع السرور.
ولا خلاف بين المتطببين في أن الضحك واللعب - على ما ذكرناه - من أنواع السرور من الدم، وأن كل حزن وخوف وإن اختلفت معانيه فإن ذلك من المرة السوداء، واحتجوا بضروب من الاحتجاجات؛ فهذه جملتها، وقد أوضحنا هذا في كتابنا الرؤيا والكمال وفي كتاب طب النفوس فلا وجه لإطنابنا في هذا الموضع من كتابنا هذا؛ إذ كان هذا الكتاب ؟كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر.
وإنما تغلغل بنا الكلام - لما تشعب من مذاهبهم في إخبارنا عنهم، ولم نعرض في هذا الكتاب لما ذهبت إليه الناس في تحديد النفس، وما قاله أفلاطون في تحديد النفس إن النفس جوهر محرك للبدن، وما حده صاحب المنطق أن حد النفس كمال الجسم الطبيعي، وحدها من وجه اخر أنه حي بالقوة، ولا للفرق بين النفس والروح؛لأن الفرق بينهما أن الروح جسم والنفس لا جسم، وأن الروح يحويه البدن، وأن النفس لا يحويها البدن، وأن الروح إذا فارق البدن بطل والنفس تبطل أفعالها في البدن، ولا تبطل هي في ذاتها، والنفس تحرك البدن وتنيله الحس، وقد ذكر أفلاطون في كتاب السياسة المدنية نهر البستان وما يلحق الإنسان من صفات النفس الداخلة على النفس الناطقة، وذكر أفلاطون في كتابه إلى طيماوس، وفي كتاب فاردون، وكيفية مقتل سقراط الحكيم وما تكلم في ذلك في النفس والصورة.
وقد تكلم الناس في طبقات النفوس وصفاتها من أصحاب الأثنين وغيرهم من الفلاسفة، ثم تنازع أهل الإسلام في ماهية الإنسان الحساس الدراك المأمور المنهى، وما قالته المتصوفة وأصحاب المعارف والدعاوي في طبقات النفوس من النفس المطمئنة، والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء، وغير ذلك مما ذهب إليه اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، وغير ذلك مما قد أتينا على إيضاحه في كتاب سر الحياة وغيره من كتبنا.
** سطيح وشق الكاهنان **
وقد كان سطيح الكاهن - وهو ربيع بن ربيعه بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان - يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب، لا عظم فيه إلا جمجمة الرأس، وكانت إذا لمست باليد يلين عظمها، وكان شق بن مصعب بن شكران بن أترك بين قيس بن عنقر بن أنمار بن ربيعه بن نزار معه في عصر واحد، وكان فيهما جمرة الكهانة، وكذلك سملقة وزوبعة كانا في عصر واحد، والله أعلم.